العدد 40

العدد 40

محتويات العدد 

■ الحداثة الغربيّة ونشأة المنهج الكلاميّ التجديديّ

الشيخ محمود علي سرائب

■ دعوى المهدويّة للإمام الكاظم(عليه السلام) عند الواقفة

السيّد زين العابدين الغريفيّ

■ حقيقة النبوّة وظاهرة الوحي عند سبينوزا

أ. أحمد حسين النَّصري

■ قيمتا العلم والعقل في فكر الإمام الحسن المجتبى(عليه السلام)

د. حيدر عبد الحسين زوين

■ رسالة في أصول لدين

 الفقيه السيد محمد هاشم الخوانساري

 تحقيق: الشيخ محسن مظاهر شعبان

■ مولد الإمام الجواد (عليه السلام) وشهادتهّ

الشيخ محمد باقر ملكيان

 

افتتاحية العدد 

بسم الله الرحمن الرحيم 

يُمثّل علم الكلام الجديد امتدادًا لعلم الكلام القديم، فرضته التحوّلات المعاصرة التي أثّرت في صياغة الأسئلة الفلسفيّة والإبستمولوجيّة. فلَم يَعُدِ النزاع الكلاميّ مقتصرًا على المسائل الخلافيّة القديمة، بل امتدَّ ليشمل قضايا معاصرةً مثل: عقلانيّة الدين، والتعدديّة الدينيّة، والهرمنيوطيقا (تأويل النصوص)، والعلاقة بين الدين والعلم، ونقد المادّيّة والعلمانيّة. ويهدف هذا الحقل إلى صياغة خطابٍ عَقَديٍّ يستجيب لتحدّيات الشبهات الحديثة بلغةٍ ومفاهيم تناسب روح العصر.

وقد ترافق مع هذا التحوّل ظهور محاولاتٍ وانحرافاتٍ فكريّةٍ سعت إلى تفكيك الثوابت العَقَديّة، وإخضاع القيم والأحكام الإسلاميّة للمناهج الغربيّة وافتراضاتها، في سعيها إلى التشكيك في مسلّمات الوحي، والغيب، والنبوّة، والتشريع.

وفي سياق مواجهة هذه التوجّهات الفكريّة، برز التصدّي الفكريّ الشيعيّ مستندًا إلى الأصول المعرفيّة لمدرسة أهل البيت(عليهم السلام) القائمة على مبدأ التلازم بين العقل والنقل. وفي هذا الإطار انتهج العلماء والمفكّرون الشيعة في ردّ تلك الشبهات منهجًا يقوم على الآتي:

أوّلًا: النقد الإبستمولوجيّ: تفكيك الأسس الفلسفيّة للنظريّات الوافدة وبيان الثغرات المنهجيّة التي بُنيتْ عليها.

ثانيًا: الأصالة والتجديد: التمييز الدقيق بين الأصول العَقَديّة الثابتة وبين المتغيّرات المعرفيّة، لتقديم إجاباتٍ متماسكةٍ تتلاءم مع أسئلة الإنسان المعاصر دون المساومة على القيم الإيمانيّة.

وفي هذا السياق المؤسّسيّ، نهض المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة (التابِع للعتبة العبّاسيّة المقدّسة) بمهمةٍ الدفع الفكريّ للشبهات المعاصرة، وتقويض أسس تلك الانحرافات الكلاميّة عبر مساراتٍ معرفيّةٍ متعدّدة:

ــ متابعة الأفكار والنظريّات الغربيّة والاستشراقيّة والحداثيّة المؤثّرة في البيئة الإسلاميّة وتحليل مضامينها ومناهجها ومبانيها، ثمّ نقدها.

ــ إصدار دراساتٍ تخصصيّةٍ وموسوعاتٍ تُعنى بنقد الحداثة وما بعد الحداثة، وتفنيد الرؤى التأويليّة المنحرفة بأسلوبٍ علميّ رصينٍ.

ــ تقديم البدائل المعرفيّة التي تخاطب النخب العلميّة والشباب، لبناء حصانةٍ فكريّةٍ تحمي المنظومة القيميّة والدينيّة من التماهي في المناهج الوافدة من دون تدقيق نظرٍ.

ومن تلك الأعمال إصداره (مجلّة العقيدة)؛ التي جاء عدد الأربعون هذا متضمّنًا دراساتٍ فكريّةٍ واعيةٍ، تقوم على تمحيص التحدّيات الفلسفيّة الغربيّة (قديمًا مع سبينوزا، وحديثًا مع الحداثة)، وتفكيك مقولاتها، ونقد مرتكزاتها، وصياغة إجاباتٍ تجديديّةٍ متماسكةٍ، وفي الوقت نفسه تضطلع بمهمة تطهير البيئة العَقَديّة الداخليّة من دعاوى التضليل والانحراف (كالوقف)، ممّا يُسهم في تطوير المناهج النقديّة وترسيخ الهويّة العَقَدية الأصيلة عبر التاريخ.

انتظم هذا العدد في خمسة أبحاثٍ ورسالةٍ محقّقةٍ: تناول بحث (الحداثة الغربيّة ونشأة المنهج الكلاميّ التجديديّ) التحوّل البنيويّ الذي أحدثته الحداثة الغربيّة في علم الكلام التقليديّ، نتيجة ظهور تحدّياتٍ معرفيّةٍ جديدةٍ تشمل العقلانيّة الحديثة، ومفاهيم حقوق الإنسان، والمناهج المعاصرة في فهم النصّ وسياقاته. فأدّى ذلك إلى صياغة خطابٍ كلاميٍّ تجديديٍّ يعيد هيكلة الأدوات الفكريّة للتعاطي مع أسئلة العصر، مع الالتزام التامّ بالثوابت العَقَديّة. خالصًا إلى القول بأنّ علم الكلام الجديد نشأ كاستجابةٍ واعيةٍ لتحدّيات الواقع الفكريّ الحديث، بعيدًا عن التبنّي التامّ لمبادئ الحداثة أو رفضها المطلق.

أمّا بحث (حقيقة النبوّة وظاهرة الوحي عند سبينوزا) فقد ناقش النبوّة والوحي في الفكر اللاهوتيّ اليهوديّ، مع التركيز على المقاربة الفلسفيّة النقديّة التي قدّمها الهولنديّ باروخ سبينوزا، محاولًا إعادة تفسير مفاهيم الوحي والنبوّة والمعجزة وتجريدها من طابعها الخارق عبر إخضاعها للتحليل العقلانيّ. فأثبت البحث أنّ سبينوزا لم يقدّم بديلًا، بل اكتفى بإعادة إنتاج الرؤى اللاهوتيّة القديمة بلغةٍ عقلانيّةٍ جديدةٍ.

ويقدّم بحث (دعوى المهدويّة للإمام الكاظم(عليه السلام) عند الواقفة) قراءةً نقديّةً لفرقة الواقفة ودعواها القائلة بمهدويّة الإمام الكاظم(عليه السلام) وغيبته، مؤكّدةً أنّ الوقف كان مرحلةً عابرةً في تاريخ التشيع الإماميّ لم تستطع الصمود أمام التواتر التاريخيّ والنصوص الصريحة الدالة على إمامة الإمام الرضا(عليه السلام) والأئمّة من بعده. إذ كانت الواقفة تيّارًا تخللته أبعادٌ سياسيّةٌ واقتصاديّةٌ وعَقَديّةٌ في ظروف نشأته. وقد أثبت البحث ضعف الأخبار والنصوص التي اعتمدتها الواقفة في عقيدتها سندًا ودلالة.

وقد أسهمت هذه الفتنة - رغم اندثارها - في تطوير الكلام الإماميّ بوساطة ترسيخ وتوضيح نظريّة الإمامة القائمة على النصّ والتعيين. وتعميق مناهج التحقّق والنقد السنديّ والروائيّ. وتطوير الاستدلال الكلاميّ لإثبات استمرار سلسلة الإمامة حتى الإمام الثاني عشرf.

وفي العدد بحثٌ رابعٌ في قيمتي العلم والعقل، وبحثٌ خامسٌ في مولد الامام الجواد(عليه السلام) وشهادته، ورسالةٌ محقّقةٌ في أصول الدين. 

نأمل أنْ تُقدّم أبحاثُ هذا العدد منفعةً معرفيّةً للقرّاء الكرام وعقيدتهم.

واللهُ وليُّ التوفيق.

والحمدُ للهِ أوّلًا وآخرًا، وصلواتُهُ على رسولِهِ وآلِهِ أبدًا.

النجف الأشرف / الثامن والعشرون من ربيع الآخر / 1448هـ