محتويات العدد
■ افتتاحية العدد: هل أسهمت رواياتُ أهلِ البيت(عليهم السلام) في بلورة استراتيجيّة تضمن ثبات العقيدة المهدويّة واستدامتها؟
د. عمار عبد الرزاق الصغير
■ الميعاد المهدويّ بين الإعجاز والسُنن
الشيخ عمّار البغدادي
■ علّة غيبة الإمام المهدي (عليه السلام) والوصيّة بالرجوع إلى العلماء
الشيخ مهند العُقابي
■ اتحاد لقبي القائم والمهدي (عليه السلام)
الشيخ حسين حرب
■من هدي الغَيبة إلى استشراف الظهور
الشيخ محمد رضا الخاقاني
■ الآثار السياسيّة والاجتماعيّة لتوقيع إسحاق بن يعقوب
الشيخ د.خالد الحسني
■ قراءةٌ في المنهج التربويّ في توقيعات الناحية المقدّسة
الشيخ علي حرّان عبد الواحد
■ تهذيب النفس في توقيعات الإمام المهدي (عليه السلام)
السيد أمير الميالي
■ التوقيعات الفقهيّة للإمام المهديّ(عليه السلام) بين التوجيه الديني وتعزیز الفقه الإمامي
د. عبد الکریم حسن پور
■ الاعتقاد باليماني بحسب معطيات نصوص أهل البيت (عليهم السلام) ومدرسة الجمهور
الشيخ رسول كاظم عبد السَّادة
■ المهدويّة والخلاص في الفكر الصيني
الأستاذ مجتبى السادة
■ صِدام المهدويّة والمسيانيّة في الاستشراق الجديد
الأستاذ قاسم شعيب
■ الإمام المهدي (عليه السلام) والوعد الإلهي دراسةٌ تفسيريّة
د. أحمد الأسدي
■ القيم الأخلاقيّة في الدولة المهدويّة تأسيسات ومبادئ
الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي
افتتاحية العدد
هل أسهمت رواياتُ أهلِ البيت(عليهم السلام) في بلورة استراتيجيّة تضمن ثبات العقيدة المهدويّة واستدامتها؟
توطئة
لا ينهض سؤالُ علمِ الكلام بوظيفته المعرفيّة في بيان العقيدة والدفاع عنها ما لم يكشف عن جوهرها الفكريّ ومكامن القوّة فيها، وعقيدة مثل المهدويّة التي نشأت في ظروفٍ خاصّةٍ، وتفرّدت بطبيعةٍ استثنائيّةٍ لا نظير لها، وواجهات شتّى الظروف المناهضة لا تعجز عن إجابة مثل هذا السؤال؛ إذ ما برحت، عبر سياقها التاريخي، تواجه ضروبًا متنوّعةً من التحدّيات والمناهضات الفكريّة منها والوجوديّة، بما يبيّن اشتمالها على مرتكزات التماسك، وآليّات الدوام والبقاء.
ولم تكن المهدويّة عقيدةً طارئةً أو فضاءً لتزاحمٍ مذهبيّ؛ بل هي في جوهرها استجابةٌ لمقتضى إنسانيّ تراكمي، ونزعةٌ فطريّةٌ إنسانيّةٌ نحو الخلاص من كلّ معاناة، وتلبيةٌ لحاجة رؤية الحكومة الإلهيّة والنموذج الإسلاميّ الأمثل في تطبيق العدالة الإلهيّة. وليس من الإنصاف حصرُ أغراضها وآثارها في الإطار الشيعي، عبر تسييجها بحاجزٍ نفسيٍّ غذّته السلطاتُ السياسيّة على امتداد السياق التاريخي، منذ عصر النصّ إلى الواقع الراهن، بقصد محاصرة العقيدة المهدويّة، والتضييق من شموليتها، وخلق مشاعر المقت والنفور لدى بعض المسلمين، على نحوٍ يحجب إمكان رؤية حقيقتها؛ إذ « ليس المهدي تجسيدًا لعقيدةٍ إسلاميّةٍ ذات طابعٍ دينيّ فحسب؛ بل هو عنوانٌ لطموح اتّجهت إليه البشريّة بمختلف أديانها ومذاهبها، وصياغٌة لإلهامٍ فطريّ، أدرك الناس من خلاله - على الرغم من تنوّع عقائدهم ووسائلهم إلى الغيب – أنّ للإنسانيّة يومًا موعودًا على الأرض، تحقّق فيه رسالات السماء بمغزاها الكبير، وهدفها النهائي، وتجد فيه المسيرة المكدودة للإنسان على مرِّ التاريخ استقرارها وطمأنينتها، بعد عناءٍ طويل»[1].
وتفسيرًا لذلك فالمهدوية ليست رؤيةً نظريّةً أو فرضيّةً خياليّةً، بل هي واقعٌ حضاريّ مرتقبٌ لريادة الإنسانية، وحتميّةٌ تاريخيّةٌ يجري الاستعداد الدائم والتهيّؤ لها. وعلى المستوى الاجرائي فإنّ مجرد التفكر بحتميّة الظهور والنصر يعيد تشكيل مسارات التفكير ونزعات النفس واهتماماتها وغير ذلك ممّا يؤثّر على صياغة السلوك البشري ونمط الحياة الإنسانيّة. ولشدّة العناية بها والاستعداد الشديد عاشت العقيدة المهدويّة في حياة الشيعة الإماميّة ووجدانهم واقعًا حيًّا في مجمل حركتهم الواقعيّة والفكريّة، وأنشطتهم وتاريخهم.
انسجامًا مع البيان المتقدّم فإنّ التمكّن الذي وعده الله المؤمنين (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) [2] يُمثّل أملًا ترفده عقيدة انتظار الخلاص بعناصر الاستقامة وفضائل الأعمال الصالحة، وتغذّيه بالعزم والثبات؛ ليغدو عاملًا تربويًّا فاعلًا، وآليةً للإعداد النفسي والأخلاقي؛ إذ النفوذ إلى مسألة الوعد الإلهي من جهة الأمل يبقي عقيدة الانتظار نابضةً بالحياة والحضور في الواقع والوجدان؛ لذا لم يكتفِ الموروث الروائي بترسيم العقيدة المهدويّة، وأحداث الظهور على صورة الواقع المرتقب تأسيسه، بل سعى ـ إلى جانب ذلك ـ إلى تحسين ذلك الواقع والتهيئة له، عبر جملةٍ من الإرشادات والتوجيهات، انسجامًا مع اقتضاءات السُّنن التاريخيّة في تحوّل البنية الاجتماعيّة من واقعٍ مرفوضٍ إلى واقعٍ مرضيٍّ عند الله وقادة الدِّين.
وكلما أعيت الحياة وتعاظم الجور، وأُرهقت الإنسانيّة ازدادت الحاجة إلى الخلاص والنجاة، وقوي الأمل في المُخلِّص؛ لأنّ البشريّة، مهما طال أمدُ الظلمة التي تكتنفها، تظلّ ساعيةً إلى الكمال في شؤون حياتها، وتنشد نموذجًا إلهيًّا كالإمام المهديّ المنتظر (عليه السلام)، يفتح أمامها أفقًا تطلّعيًّا يشبع طموحاتها. وتكمن خطورة هذا المعتقد ــ من منظور خصومه ــ في كونه يمثّل تهديدًا جوهريًّا لمخطّطاتهم وواقعهم القائم؛ إذ لا يعود ما أنجزوه، ولا ما يخطّطون لإنجازه، هو الغايةَ العليا، متى ما وعت الشعوب أنّ ثمّة أملًا أعظم، وأفقًا أوسع، لتحقيق تطلّعاتها على مختلف المستويات والصُّعد.
وإجابةً عن سؤال البحث يمكن القول إنّ أهل البيت (عليهم السلام) وضعوا عبر رواياتهم قواعد وأسسًا في مقاومة ما يعترض الشيعة من أزماتٍ في الاتجاهات الفقهيّة والعَقَديّة والاجتماعيّة، ودعائم تحافظ على ثبات هذه البنيان المحكم من مكائد المناوئين وريحهم الصفراء؛ ولذلك شواهد على امتداد تاريخهم المشرف(عليهم السلام). وتمثّل هذه الأسس المحافظة على هوية الانتماء للعقيدة واستمرار ثباتها، ومنه قول الامام لزرارة عَنْ زُرَارَةَ، قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اَلله (عليه السلام): « يَأْتِي عَلَى اَلنَّاسِ زَمَانٌ يَغِيبُ عَنْهُمْ إِمَامُهُمْ»، فَقُلْتُ لَهُ: مَا يَصْنَعُ اَلنَّاسُ فِي ذَلِكَ اَلزَّمَانِ؟ قَالَ: « يَتَمَسَّكُونَ بِالأَمْرِ اَلَّذِي هُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ»[3]، وعن أبي بصير عن الإمام الصادق (عليه السلام)، قال: « طُوبَى لِمَنْ تَمَسَّكَ بِأَمْرِنَا فِي غَيْبَةِ قَائِمِنَا فَلَمْ يَزِغْ قَلْبُهُ بَعْدَ الهِدَايَةِ»[4].
ومن تلك الأسس التي تحافظ على استمرار ثبات لعقيدة المهدويّة:
أولاً: التربية النفسيّة والسلوكيّة
على المستوى النظري اعتمد أهل البيت(عليهم السلام) في كلّ مرحلةٍ زمنيّةٍ من أدوار حياتهم المباركة استراتيجيّةً متأنيةً في إيضاح العقيدة المهدويّة ومعالجة قضاياها الأساسيّة في رواياتهم الشريفة وصولًا إلى عصر الغَيْبة، راعوا عبرها المستوى الذهني لتقبّل المشروع، بدءًا من التمهيد له وبداياته وصولًا إلى الغَيْبة، ومرورًا بالعلامات والشروط، وعوامل التحقّق.
ومن المبدأ المتقدّم تناول الموروث الروائي أحداث الظهور بمنهجٍ دقيقٍ من غير إفراطٍ ولا تفريط، وبعيدًا عن توقيت زمن شخصياته، أو تحديد سنته وأسمائهم حتى لا تنتهي دلالاتها بانتهاء ظرفها التاريخي، متّخذًا الرمزيّة المرنة في وصف ذلك من غير تمييعٍ للحقيقة ولا تضييعٍ لواقعيّتها، لتظلّ فاعلةً في مسيرة التاريخ، وبهذا أخرج الموروثُ فكرةَ الظهور من التعيين الزمنيّ إلى البعد النوعيّ الكيفيّ، ذلك الذي يحقّق فيه المنتظرون استعدادهم وجهوزيتهم، بوصف الانتظار فعلًا واعيًا يقتضي استعدادًا متناسبًا مع منهجيّة المنتظَر ومتطلّبات مشروعه في إدارة الحياة.
هذا المعنى يبيّن بأنّ الانتظار عملية إعدادٍ وتربيةٍ لتهيئة الذهنيّة العامّة للأجيال لتقبّل مشروع العدل الإلهي وتحقيق استعدادهم؛ ونتيجةً لذلك تتزايد الحاجة لشخصيّة القائد المنتظَر. وقد تلخّصت توجيهات أهل البيت (عليهم السلام) بثلاثة عوامل أساسيّة للتربية على عقيدة الانتظار:
تضمين مشروع العدل الإلهي، حتميّة تحقّقه وإزالة الظلم والجور عبر استحضاره الدائم أملًا ينُتظر تحقّقه، وباب خلاصٍ لمآسي البشريّة يرتقب أن يُفتح.
ترسيخ الاعتقاد أنّ هذا المشروع يقوم على يد المهدي المنتظَر (عليه السلام) بوصفها إمامًا معصومًا، وقائدًا مخلّصًا.
أنّ الانتظار عقيدةً ثابتةً وذات قيمةٍ لا تقلّ عن قيمة الحضور في زمان المعصوم.
وهكذا تتكون قوّة عقيدة الانتظار بالتبرّؤ من واقع شيءٍ ورفض انحرافه، والتولي للدولة المرتقبة ومشروعها، والإيمان بأن لا خلاص من تلك المحن إلّا بظهور دولته (عليه السلام).
ثانيًا: الأمل
إنّ من تلك الأسس أيضًا (عنصر الأمل) المبثوث في مضامين الروايات، الذي يمدّ عقيدة الانتظار بالعزم والثبات والاصطبار والتضحية وتنمية روح الاستعانة بالله ورجاء جزائه المأمول تجليه في دولة العدل، فالأمل بهذه الدولة يبعث نحو الزهد في هذه الدنيا واستصغارها والاهتمام بما يعزّز المكانة بدولة الآخرة. يطالعنا في حديث المعصومين(عليهم السلام) عن الانتظار نصٌّ في الأمل مرويٌّ عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «... انْتَظِرُوا الفَرَجَ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوحِ اللهِ، فَإِنَّ أَحَبَّ الأعْمَالِ إِلى اللهِ (عزَّ وجلَّ) انْتِظَارُ الفَرَجِ مَادَامَ عَلَيْهِ العَبْدُ المؤمِنُ، وَالمُنتَظِرُ لأمرِنَا كَالْمُتَشَحِّطِ بِدَمِهِ فِي سَبِيلِ اللهِ» [5]. فاليأس نقيض الأمل هنا، فنفهم من ذلك أنّ من دون الأمل يكون الانتظار عقيدةً قلقةً توشك أن تتدعى إزاء ما يناهضها مهما استطال بها التصبّر.
إنّ مشروع بثّ الأمل في نفوس المنتظِرين استراتيجيّةُ ديمومةٍ لفلسفة العقيدة؛ لمواجهة الفتور أو الرهبة التي تصيب المؤمنين، بسبب المظالم التي يتعرّضون إليها على مرّ التاريخ، وأن تبقى الصلة قائمةً مع الإمام الذي غيّبته الظروف والحكمة الإلهيّة، بل يمكن أن يؤدّي دورًا اجتماعيًّا في حفظ المؤمنين وصونهم ممّن وقع عليهم تهيئة عوامل الفرج، وهم في هذه الأثناء يواجهون قوى ضاغطةً على النفس، فنفهم كيف يكون الانتظار أفضل العبادة. وهو ليس أمرًا ترفيًّا من دون عملٍ، أو مقدمة نظريّة للظهور، بل الانتظار لا بدّ أن يستند إلى مقدّمات الظهور.
وتُعدّ هذه المنهجيّة التي اتّبعها أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) رؤيةً عَقَديّةً عميقةً عابرةً للزمن وأحواله، وضمانًا لاستمرار تلك العقيدة، إذ إنّ «من يمتلك رؤيةً عقائديةً ينتقل بها من عالمٍ إلى عالم، ولا يعتريه اضطرابٌ أو بلبلة؛ لأنّ الخرائط العقائديّة لديه واضحةٌ ومعلومةٌ؛ ولذلك لا يصاب بالحيرة، ولا تفاجئه المفاجآت؛ لأنّها تعطيه توازنًا، بخلاف من حرم الرؤية العقائديّة، إذ ما إنْ تنتابه وتعتريه حالة من الحالات في بدنه أو في روحه إلّا ويضطرب، والسبب هو عدم وجود بُعد النظر الموجود لدى صاحب العقيدة، فطبيعة هذه الرؤية، رؤية واسعة المدى وعظيمة التأثير والتحكم في توازن الإنسان في كلّ الحالات»[6] فهذه استراتيجيّةٌ تخرج مفاهيم العقيدة من عالم الذهن إلى الواقع الخارجي؛ فحينما أُعطي لعقيدة الانتظار بٌعدٌ واقعيٌّ صار الاعتقاد اعتقادًا بواقعٍ سيتحقّق، وليس فكرةً ذهنيةً يرجى أن تحقّق.
وتمركز الأمل في العقيدة المهدويّة استراتيجيّةٌ عجزت عن تحقيقها صنوف المذاهب والنظريّات الاجتماعيّة والفكريّة والأيديولوجيّة التي تهاوت عبر الزمن أمام أدنى تيارٍ مناهضٍ، بل عاشت قلق وجودها منذ نشوئها إلى تداعيها. خلافًا للمشروع المهدوي الذي يعيش التفاؤل والطموح والحيويّة والانبعاث الاجتماعيّ على الدوام.
ثالثا: حتميّة الفَرَج في عقيدة الانتظار
يأتي التبشير بالفَرَج الذي بُثّ في روايات عقيدة الانتظار ملهمًا للأمل ليحفظ إيمان النخبة الباقية، ويوطّد عقائدها، ويستشرف لها الظفر المقبل، بعد سلسلةٍ من قساوة الجور والطغيان، فالبشرى السابقة تتحقّق لاحقًا (هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ) [7].
وفي ضوء ذلك مكّنت عقيدة الانتظار الشيعة الإماميّة من الاقتدار على التكيّف أمام التحدّيات والشدائد؛ إذ إنّها أشبعت بالأمل وبمجموعةٍ من مرتكزات الاطمئنان التي تبقيها متماسكةً. ومن ذلك بعض الروايات الدالّة على حتميّة الظهور، وحتميّة وراثة الأرض، وحتميّة قيادة الصالحين للدنيا، مثل قول النبي: « لَو لَم يَبقَ مِنَ الدُّنيا إلّا يَومٌ واحِدٌ لَطَوَّلَ اللَّهُ ذلِكَ اليَومَ حَتّى يَملِكَ رَجُلٌ مِن أهل بَيتي، تَجرِي المَلاحِمُ عَلى يَدَيهِ، ويُظهِرُ الإِسلامَ، لا يُخلِفُ وَعدَهُ، وهُوَ سَريعُ الحِسابِ» [8] فهذه التطمينات عاملٌ نفسيٌّ وتربويٌّ يؤمّن سلامة الانتظار.
إنَّ انتظار الفَرَج وفقَا لما تقدّم سيكون مؤمِّنًا عاصمًا للمؤمنين من أن تأخذ بهم الفتن، وأطروحات الإضلال، وإنَّ هذا التخطيط الإلهي والوحياني لا يمكن التحايل عليه أو تجاهله؛ لأنّه واقعٌ مُرتقٍ يهيمن على المستقبل؛ إذ إنَّ البرمجة التي أودعها الوحي عِبرَ الموروث الدينيّ لا تدع مجالاً لأن يُخدع مجتمع المؤمنين أو يُستغفَل. لاحظ أنَّ بني اسرائيل عندما كانوا ينتظرون فرج الله موسى(عليه السلام) لم يغرّهم حضارة فرعون، ولا هولها، ولا عظمة ما يملك، ولا سطوة ما تحت يده، ولا جبروت جنده، لكنَّهم عندما تركوا المشروع الإلهي، ولم ينهضوا به، ولم يعطوه استحقاقه؛ انتكسوا وأُلبس عليهم، وتِيْهَ بهم، فضلّوا سواء السبيل، وابتعدوا عن الصراط المستقيم. ونحن الآن كذلك فإنَّنا نملك ما هو الأعظم من كلِّ ما هو موجود، إنَّه انتظار الفَرَج، فلا بدَّ أن نعمل فيه كما أراد النبيِّ الأكرمله [9]. ولتلك الأهميّة كان انتظار الفَرَج أفضل الأعمال كما ورد عن رسول الله: «أفضل أعمال أمّتي انتظار الفَرَج» [10] .
ما هو الانتظار المقصود؟
تعدّدت أطروحات المهتمّين بما وراء الانتظار وعلّته وفقًا لنوع إفادتهم من الروايات الشريفة، وثقافتهم ومناخهم الفكري، وتلخصت في عاملين أساسين:
1- العامل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي: بأنّ الانتظار لعلّةٍ في الظرف الاجتماعيّ المسلّط على المنتظِرين، فيكون الانتظار ناتجًا من أملٍ لتعويض الخسائر والبؤس، فيتحوّل إلى رغبة تعويضٍ ذاتيّة، أو أن يكون لرفع الظلم والقهر فيكون الانتظار متعلّقًا بموجودٍ يحقّق العدالة، ويعيد للإنسان موقعه من الكرامة والحقوق عبر تشكيل نمط حياةٍ كريمةٍ عامٍّ متماسك الروابط. وهنا بداية التحوّل ليكون الانتظار فاعليّةٌ عَقَديةٌ، وليس متنفّسًا عن ضغطِ الواقع. وهو ما سيتناوله العامل الثاني.
2- الجاهزيّة والاستعداد لتقبّل مشروع المهدويّة: وهو اختيار البحث، وما سيكون الحديث فيه. يمكن القول بأنّ لروايات أهل البيت (عليهم السلام) استراتيجيّةً دقيقةً لإفهام الأجيال بحقيقة فَرَج الظهور بهيأةٍ تناسب نمو مراحل الوعي والجاهزيّة بالقضيّة المهدويّة، وصولًا إلى الغاية المطلوبة، وهي فهمٌ معياريٌّ ينطبق على شتّى الظروف، مثل غاية الانتظار، وتهيئة مجتمعٍ يفهم المشروع ويتحمّل تطبيقه. هذا التخطيط يهدف إلى بقاء المعتقد حاضرًا، يتخطّى ظروف كلّ المراحل، حتى يندكّ بقيمة الموضوع الذاتيّة.
وقد ورد في الموروث بأنّ «انتظار الفَرَج من أعظم الفَرَج» [11]؛ أي وصول مستوى الوعي ليكون الانتظار على حقيقته سبيلًا لتحقق الفَرَج، فالفَرَج متعلّقٌ بمستوى الاستعداد والوصول إلى قابليّة تلقّي مشروع أهل البيت(عليهم السلام). وليس مجرد الانتظار يحقّق ذلك، إذ نقرأ الانتظار مفهومًا كيفيًّا غير متعلّقٍ بزمنٍ، معبِّر عن مستوى الإدراك والقابليّة. وحتى مراحل تطوّر فهم هذه الغاية انتقل من زمنٍ إلى آخر، حتى سقطت جميع القراءات والاحتمالات التي كانت ترى الفَرَج – في حقبةٍ زمنيّةٍ متقدّمة - متعلّقًا بانهيار المستوى الاجتماعي والاقتصادي، فيتم فهم الظهور وفَرَجه لأجل تحسين هذا الوضع، أو مستوى الظلم والجور الذي تعرّض له الشيعة من قبل الحاكمين في التاريخ، ليكون الفَرَج لأجل رفع الظلم عنهم، مثل هذه القراءات السائدة مهما تغيّرت عبر تاريخ الغَيبة تهاوت في زمنٍ لا تكون الشيعة رازخةً تحت وطأة تلك الظروف، فلا يكون فيه المجتمع الشيعي تحت ضغطٍ صعب؛ فقد مرّت الشيعة بفترات راحةٍ اقتصاديّةٍ وسياسيّةٍ واجتماعيّةٍ، مثل فترة الدولة الصفويّة، فلو كان الفَرَج متعلّقًا بهذه القضايا لما كان له من ضرورة؛ ولا معنى في تلك الأزمنة لانتظاره؛ لكن فَرَج الظهور له غايةٌ أخرى أسمى من طلب الدنيا بهذه القراءة، تستدعي فهمه من زوايا أعمق، ومجانبة هذه القراءات المؤقّتة والظرفيّة إلى قراءةٍ معياريّةٍ تتخطى الظرفيّة حول المطلوب من المنتظِرين.
ومثّل الفهم المعياريّ باعثًا نحو السعي والتحرّك والمثابرة لتحقيقه، إذ يمنحُ الانتظارَ بعدًا حيويًّا، فلا يكون هدفًا مؤقتًا ولا مشروعًا مرحليًا، بل يظلُّ عقيدةً حاضرةً عند كلّ جيلٍ، وأمانةً يسعى إلى تحقيقها، وهكذا ترتفع الأفهام وترتقي وصولًا إلى المستوى المطلوب لحقيقة الانتظار. فتبيّن أنّ هذا المخطّط كان مدروسًا بدقّةٍ لخلق أمةٍ واعيةٍ، تتوقُ إلى الظهور [12].
يُطالعنا في هذا السياق سؤالٌ طرحه أبو بصير - وهو أحد أصحاب الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام)- قال فيه: قلتُ لأبي عبد الله (عليه السلام): جُعلتُ فداك، متى الفَرَج؟ فقال: «يَا أَبَا بَصِيرٍ، وَأَنْتَ مِمَّنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا؟ مَنْ عَرَفَ هَذَا الأَمْرَ فَقَدْ فُرِّجَ عَنْهُ لانْتِظَارِهِ»[13]. فيتّضح أنّ «المقصود من انتظار الفَرَج، ليس وصول زمان الراحة والدعة والتلذّذ بنعيم الدنيا، بل المقصود وصول زمان نصرة الإمام المهدي(عليه السلام) والجهاد معه»[14]. وهذا هو أحد المعاني الرئيسة لانتظار الفَرَج.
نعم تقوم فلسفة الانتظار على التوق لتحقيق الفَرَج لينتهي بذلك تاريخٍ متراكمٍ من الانتظار يتطلّع إلى النهاية الصالحة والخلاص، و في هذه الحالة هو بنيةٌ نفسيّةٌ وعقليّةٌ تهيمن على السلوك وليس انتماءً فحسب؛ لأنّه جزءٌ من تكوين بنية المجتمع، ولأفعاله لها أثرٌ فيه، وليست انعزاليّة؛ إذ « نلاحظ في قضية (انتظار الفَرَج أكبر الفَرَج) أنّ أيّة أمّةٍ يصيبها إحباطٌ بسبب شدّة المحنة التي تعيشها إلاّ أنّ هناك قدرةً للمقاومة والصبر من خلال مشروع الأمل بالإمام المهدي(عليه السلام)، فأكبر فَرَجٍ يزيح عن الأمّة الإيمانيّة ويبعد المعوقات عنها هو انتظار الفَرَج؛ لأنّه تطلّعٌ عميقٌ لمستقبلٍ مشرقٍ يضخّ في روح المؤمنين طاقةً جبّارةً من النشاط ومن الصبر والإخلاص، وغيرها من الفضائل والكمالات التي تنبع من هذا المعتقد، كما أنّ هناك الورع، وهو أكبر الفضائل لدى الإنسان، فلا تغريه أيّة مغرياتٍ حتى لو كانت في طريق الاستقامة، إذن ليس عبطاً قول أعظم البشر المتقدّم، لأنّ انتظار الفَرَج رؤيةٌ عقائديةٌ وينبوعٌ لكلّ الكمالات للفرد والمجتمع. وأحد أبعاده أنّ كلّ ما يُطرح من طرحٍ فإنّ الفَرَج يعني أنّ ما سيأتينا به المستقبل أكبر وآصل»[15]. فالبنية النفسيّة والعَقَديّة تنتهي بالوعي والاستعداد والجاهزيّة.
إنّ الروايات التي توحي بأنّ منتظِري زمن الظهور من أكثر الناس وعيًا تجعل عقيدة الانتظار فعّالةً دائمًا، لإنطباقها على كلّ زمنٍ لحين الظهور الفعلي؛ ففي روايةٍ طويلةٍ عن الإمام زين العابدين (عليه السلام) حيث جاء فيه: «... إنّ أهل زمان غيبته القائلين بإمامته والمنتظِرين لظهوره أفضل من أهل كلّ زمانٍ؛ لأنّ الله تبارك وتعالى أعطاهم من العقول والأفهام والمعرفة ما صارت به الغَيبة عندهم بمنزلة المشاهدة، وجعلهم في ذلك بمنزلة المجاهدين بين يدي رسول الله بالسيف، أولئك المخلصون حقًّا وشيعتنا صدقًا، والدعاة إلى دين الله (عزَّ وجلَّ) سرًّا وجهرًا...»[16].
وبذلك زرعت الأمل في النفوس، وأخذ الأمل يعمل على تغذية الانتظار بالثبات، بل الانتظار يستمد قوّته منه؛ فلقد وصفت الروايات نجاح الانتظار وتحقق أغراضه مرتبطين بمدى عمق الإيمان بالمشروع، وقوة الارتباط به والحاجة إليه، فهو تطلّعٌ نحو واقعٍ كريمٍ يناهض واقعًا راهنًا غير سليم؛ وهذا يعزّز شعور المنتظِرين بالتغيير وينمّي آمالهم، يعني أن تُحقق المقدّمات وتنتظر النتيجة، أي تهيئة مقدّمات الإصلاح، والاستعداد لاستقباله بما يليق به.
في النهاية نستظهر ممّا تقدم أهمّيَّة الانتظار بوصفه مقدمةً لتحقيق الظهور والفَرَج، ولتلك الأهميّة لزم معرفتُهُ معرفةً يريدها شرط الظهور، ولعلّ ما تقدّم أشار إلى أنّ درجة التأهُب لتلقّي الظهور يتطلّب طائفة واعيةً بمسؤوليّاتها، عارفةً بتكاليفها، متطلعةً لحركة الإصلاح، ولا يمكن أنْ تتوفَّر هذه الخصوصيَّات لدى مجتمعٍ بعيدٍ عن ثقافة الظهور أو التمدُّن على (حيويَّة) الانتظار، وممارسة دور البناء التكاملي الذي يسمو به إلى آفاق النهضة وطموحات التغيير [17].
في هذا العدد من مجلة العقيدة يطالعنا خمسة عشر بحثًا كلّها تعنى بالقضيّة المهدويّة، لكن من جوانب متعددة. تم انتخاب تسعٍ من بحوث (مؤتمر أسبوع الإمامة الدولي الثالث) الذي تقيمه العتبة العبّاسيّة بمشاركة أقسامها الفكريّة، ومنها الهيأة العليا لإحياء التراث التي كان لها دورٌ في المؤتمر الخاصّ بالإمام الحجة (عليه السلام). أمّا البحوث الأُخر فقد وردت إلى المجلة عبر استكتابٍ بحثيّ خاص.
وعنايةً بهذه البحوث ولتزامن إصدار العدد السابع والثلاثين من مجلة العقيدة مع ذكر ولادة الإمام المهدي(عليه السلام) في الخامس عشر من شعبان، ارتأت إدارة تحرير المجلة نشر هذه البحوث مجموعةً في عددٍ خاصٍّ، زيادةً في المنفعة العلميّة والدينيّة المرجوة.
والحمدُ للهِ أوّلًا وآخرًا، وصلواتُهُ على رسولِهِ وآلِهِ أبدًا.
------------------------------------------
[1] الصدر، محمد باقر، بحث حول المهدي (عليه السلام)، ص ٥٣-54. تحقيق: عبد الجبار شرارة.
[2] سورة النور: 55.
[3] الصدوق، محمد بن علي، كمال الدِّين وتمام النعمة، ص ٣٥٠، باب ٣٣، ح ٤٤.
[4] كمال الدِّين وتمام النعمة، ص ٣٥٨، باب ٣٣، ح ٥٥، و: معاني الأخبار، ص ١١٢، باب معنى طوبى، ح ١.
[5] الصدوق، الخصال: ج٢، أبواب المائة وما بعدها، ح١٠.
[6] السند الشيخ محمد، أبعاد الأمل في انتظار الإمام المهدي (عليه السلام)، صحيفة صدى المهدي (عليه السلام)، العدد: ٦٢، رجب، ١٤٣٥هـ.
[7] سورة التوبة: 33.
[8] بحار الأنوار: ج ،٥١ ص ٨٣، ح ٢٨.
[9] السند، الشيخ محمّد، الحتمية البشرية ومشروع الدولة العادلة، مجلة الموعود، العدد ٢، ذو الحجة، ١٤٣٧هـ.
[10] كمال الدين: ٦٤٤، باب ٥٥، ح ٣.
[11] م. ن. 320
[12] ظ: دراسة التحوّلات في قراءة مفهوم (انتظار الفرج) في الغيبة الكبرى السيد كاظم الطباطبائي، وآخرون، مجلة الموعود، العدد:10، ذو الحجة : 1441هـ.
[13] الكليني (ثقة الإسلام)، الكافي، ج١ ص٣٧١، ح٣.
[14] الأصفهاني، محمد تقي، مكيال المكارم في فوائد الدعاء للقائم، ج٢، ص١٤٤.
[15] السند الشيخ محمد، أبعاد الأمل في انتظار الإمام المهدي (عليه السلام)، صحيفة صدى المهدي(عليه السلام)، العدد: ٦٢، رجب، ١٤٣٥هـ.
[16] الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص٣٤٧-٣٤٨، ح٢.
[17] ظ: السيد محمد علي الحلو، علامات الظهور جدلية صراع أم تحديات مستقبل؟، 46.