البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

عالم المثال عند الشيخ السهرورديّ والملّا صدرا الشيرازي وأثره في المسائل العقديّة.

الباحث :  د. فرقان العواديّ
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  24
السنة :  صيف 2022م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 20 / 2022
عدد زيارات البحث :  289
تحميل  ( 1.971 MB )
الملخّص



عالم المثال هو المرتبة الواقعة بين عالم الحسّ وعالم العقول، وهو من العوالم الروحانيّة، ‏فمن جهة يحتوي على آثار المادّة من الشكل والمقدار؛ لذلك ماثَل وشابه عالم الجسمانيّات، ‏ومن جهة أخرى فيه حيثية التجرّد وعدم قبول الحركة ولا الكون والفساد؛ فشابه وماثل ‏عالم العقول والجبروت؛ لذلك وقع متوسّطاً بين هذين العالَـمَينِ، وكان هذا العالم محلّ نظر ‏الحكماء والفلاسفة والعرفاء، حيث نجده كثيراً في كلمات المتصوّفة أمثال الشيخ الأكبر ابن ‏عربيّ، وشارح كلماته القيصريّ، وكذلك ربيب الشيخ الأكبر وتلميذه القونويّ. ‏

والشيخ السهرورديّ والملّا صدرا (رحمهما الله) بَحَثاه مُفَصَّلاً، في كتبهما المتعدّدة، من ‏خلال ماهيّته وفرقه عن عالم المثال المتّصل، وكذلك فَرقِه عن الـمُثُل الأفلاطونيّة، والأدلّة ‏عليه، والنتائج المترتّبة عليه، حيث من خلال هذا العالم يمكن القول بالمعاد الجسمانيّ ‏وتصحيح التنعُّم في الجنان والعذاب في النيران، والرؤيا، ونظريّة تجسّم الأعمال، وكذلك ‏المعراج، وسؤال القبر، وغيرها من المسائل.‏

لذلك حاولنا في هذه المقالة المختصرة دراسة عالم المثال دراسةً مقارِنةً بين العَلَمينِ: ‏الشيخ السهرورديّ صاحب حكمة الإشراق، والملّا صدرا الشيرازيّ، لنوضح نقاط ‏الاشتراك والاختلاف بينهما، كلّ ذلك من خلال المنهج الوصفيّ التحليليّ.‏



الكلمات المفتاحية

{تطابق الكونين، عالم المثال، قاعدة إمكان الأشرف، قوّة الخيال، ‏المثال المتّصل، الـمُثُل الأفلاطونيّة}



 The ideal world in the view of Sheikh Al-Suhrawardi and Al-Mulla Sadr

Al-Shirazi and its impact on doctrinal issues



Abstracts

Furqan Al-Awadi



The realm of ideal is the rank between the world of sense and the world of ‎minds, and it is one of the spiritual realms, where on one hand, it contains ‎traces of matter such as form and magnitude, so it resembles the world of ‎physicalities, and on the other hand, where it has the aspect of abstraction and ‎the unacceptability of movement, nor (kawn and Fasad), it is similar the world of ‎minds and jabaruut. Therefore, this realm is mediating between these two ‎worlds. And this world was the subject in the eyes of the Hukama', philosophers ‎and (al-urafa'u), as we can clearly finds it in the words of the Sufis, such as ‎sheikh Al-akbar ibn Arabi and explainer of his thoughts Al-Qaisori, as well as ‎the foster son of Sheikh Al-akbar and his student Al-quwnawi.‎

Sheikh Al-suhrawardi and Mulla Sadra (may Allah have mercy on them) have ‎discussed into detail, in many of their books, from its essence and how its differ ‎from the realm of the connected ideal, as well as its difference from the platonic ‎forms and the evidence for it, and the consequences thereof, where through ‎this realm it is possible to established (the physical restoration), the blessings in ‎paradise and the agony in hellfire, the visions, the theory of the embodiment of ‎actions, and well as the Mi'raj and the query of the grave and other issues, So ‎we tried in this brief article to study the ideal world, a comparative study ‎between the two scholars, sheikh Al-suhrawardi, the author of the  of Al-ishraq ‎philosophy and Mulla Sadra Al-shirazi, to clarify the points of intercession and ‎the difference between them all through the descriptive and analytical ‎approach.‎



keywords: the realm of ideal, the platonic forms, the rule of the honorable ‎possibility, the correspondence of the two universes, the power of imagination, ‎the connected ideal.‎







المقدّمة:

لا ريب ولا شكّ أنّ بحث عالم المثال من الأبحاث المهمّة التي وقعت محلّاً للبحث في الفلسفة الإسلاميّة، إذ لم يقبل الشيخ الرئيس ابن سيناهذا العالم بسبب قوله بمادّيّة قوّة الخيال، وبخلاف هذا القول نجد الشيخ السهرورديّ المقتول صاحب حكمة الإشراق ، وكذلك الملّا صدرا الشيرازيّ الفيلسوف الشهير صاحب الحكمة المتعالية - قَبِلا هذا العالم وبَحَثاه بشكل مفصّل وموسّع، ورتّبا عليه آثاراً مهمّةً، ولكنّ الخلاف الأساسيّ بينهما يمكن في أن الشيخ السهرورديّ قال بمادّيّة الخيال (يعني المثال المتصل)، أمّا الملّا صدرافقال بِقِسمينِ لعالم المثال:

الأوّل: المثال المنفصل، وهو عالم مستقلّ في الوجود، واقع بين عالم التجرُّد المحض (عالم العقول والجبروت)، وبين عالَـم المادّيّة والجسميّة المحضة المظلمة (عالم الشهادة والمادّة).

والثاني: عالم المثال المتّصل، وهو قوّة الخيال التي قال بتجرّدها، وتكون واقعة في وعاء وصُقع النفس الجزئيّة.

وعلّة عالم المثال المنفصل هي عالم العقول، وعلة عالم المثال المتّصل هي النفس، حيث تكون هي الفاعل والمدبّر له.

وأهمّ الأدلّة التي ذُكرت لإثبات هذا العالم هي قاعدة إمكان الأشرف، وكذلك أصل تطابق الكونين، وأيضاً وجود الصور الجزئيّة الخياليّة، والحصر العقليّ، ومن خلال الخيال المتّصل نثبت الخيال المنفصل.

المحور الأوّل: البحوث التمهيديّة

أوّلاً: تعريف عالم المثال لغةً واصطلاحاً

 يعرّف المثال أو البرزخ في كتب اللغة بأنّه: الحاجز بين الشيئين[1]، بحيث يفصل أحدهما عن الآخر، ومن هذا أُخذ اصطلاح المثال لتوسّطه بين عالم المادّة وعالم العقل.

وفي اصطلاح الشَّرْع: الحدّ الفاصل بين الدنيا والآخرة، ونفس هذا المعنى جاء في القرآن الكريم: ﴿حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾[2] وكذلك جاء هذا المعنى في الأحاديث الشريفة، حيث يقول الإمام الصادق A في الرواية: ((والله ما أخاف عليكم إلّا البرزخ، فأمّا إذا صار الأمر إلينا فنحن أَوْلى بكم))[3]، و((كلّكم في الجنّة، ولكنّي والله أتخوّف عليكم في البرزخ، قلت: وما البرزخ؟ قال: القبر منذ حين موته إلى يوم القيامة))[4].

عالم المثال في اصطلاح الحكماء:

يطلق على معنيين:

 عالم المثال المنفصل، أو المثال الأكبر، أو الخيال المنفصل، أو الصور المعلّقة، أو المثل الظلمانيّة، أو المثل المعلّقة، وكثيراً مّا يُعبِّر عنه شيخ الإشراق بــ(عالم الأشباح المجرّدة)[5]، هو عالم كلّيّ متوسّط بين عالم المادّة (الشهادة) وعالم العقول (الجبروت)، وهو من العوالم الممكنة، يُشبه عالم المادّة والجسم؛ لأنّ فيه شكلاً ومقداراً، ومن جهة أخرى يُشبه عالم العقول النورانيّة؛ لأنّ فيه جنبةً تجرُّديّةً، وهذا المعنى والاصطلاح شائع بين الحكماء وحتّى العرفاء، حيث يقول القيصريّ في شرح الفصوص: ((إنّ العالم المثاليّ هو عالم روحانيّ، من جوهر نورانيّ، شبيه بالجوهر الجسمانيّ في كونه محسوساً مقداريّاً، وبالجوهر المجرّد العقليّ في كونه نورانيّاً، وليس بجسم مركّب مادّيًّ، ولا جوهر مجرد عقلي، لأنّه برزخ، وحدّ فاصل بنيهما، وكل ما هو برزخ بين الشيئين لا بدّ وأن يكون غيرهما، بل له جهتان يُشبه بكلٍّ منهما ما يناسب عالمه))‏[6].  

      ولمزيدٍ من الإيضاح نقول: بحسب نظر الحكماء فإنّ الوجود عبارة عن حقيقة مشكّكة ذات مراتب، وهذه المراتب مختلفة في الشدّة والضعف، فالوجود الأشدّ يكون أكثر شموليّة وحيطة وسعة وُجوديّة؛ لذلك يكون علّة للذي دونه من العوالم الممكنة الذي يكون أقلّ سعة وحيطة وشموليّة، وبذلك يمثّل جانب المعلول، وعلى هذا: يكون الوجود الأشد متقدّماً على الوجود الأضعف تقدُّمَ العلّة على المعلول؛ لأنّه شامل لِـما في المعلول من كمالاتٍ وزيادة، وعلى هذا صار عالم العقول علّةً لعالم المثال؛ لأنّ كُلّيّته الوجوديّة -التي تمثّل الانبساط الوجوديّ- تكون أكثر حيطة وسعة من عالم المثال المنفصل -المعلول- لأنّه أقلّ حيطة وسعة، ونفس السبب يجري في العلاقة بين عالم المثال المنفصل وعالم المادّة، حيث يمثّل الأوّل جانب العلّة وحيثيّتها؛ لأنّه أكثر تجرُّداً وسعة وحيطة، أمّا الثاني فهو أقلّ العوالم دُنُوّاً وأقلّها حيطة؛ لذلك سُمّي بالدنيا لِدُنُوِّه وخِسَّته. وهذا ما صرّح به الملّا صدرا: ((دقيقة إشراقيّة: واعلم أنّ عالم الشهادة كالقشر بالإضافة إلى عالم الملكوت، وكالقالب بالقياس إلى الروح، وكالظلمة بالنسبة إلى النور، وهكذا كلّ طبقة من الملكوت الأعلى والأسفل بالنسبة إلى فوقها على هذا المثال، وكما أنّ الأنوار المحسوسة السماويّة -التي تقتبس منها الأنوار الأرضيّة- قد يكون لها ترتّب بحيث يقتبس بعضها من بعض، فالأقرب من المنبع يكون أولى باسم النور لأنه أشد و أقوى في الظهور))‏[7].

 عالم المثال المتّصل، أو عالم الأشباح الخياليّ، أو الخيال المتّصل، أو الأبدان المعلّقة، وهو قوّة الخيال التي تكون في وعاء أدرك النفس، ولذلك سُمّي متّصلاً؛ لأنّه في داخل النفس ووعائها، ويعرّف الشيخ السهرورديّ قوّة الخيال بقوله: ((وهي قوّة مرتّبة في آخر التجويف الأوّل من الدماغ، هي خزانة صور الحسّ المشترك بأسرها، بعد غيبتها عن الحسّ المشترك، والحفظ غير القبول، وليس من شرط كلّ قابل أن يحفظ، فإنّ القابل المستعدّ بسهولة، كالحسّ المشترك، يحتاج إلى فرط رطوبة، والحفظ يحتاج إلى فرط يبوسة، كما في الخيال))‏[8]، وكذلك الملّا صدرا الشيرازي عرّفها -في كتابه (الأسفار) في باب النفس- قائلاً: ((قوّة الخيال، ويقال لها المصوّرة: هي قوّة يحفظ بها الصورة الموجودة في الباطن، واستدلّوا على مغايرتها للحسّ المشترك بوجوه ثلاثة:

الأوّل: أنّ الحسّ المشترك له قبول الصور، والخيال له قوّة حفظها، والقبول غير الحفظ.

والثاني: أنّ الحسّ المشترك حاكم على المحسوسات مذعن لها، والخيال غير حاكم بل حافظ فقط، والشيء الواحد لا يكون حاكماً وغير حاكم.

والثالث: أنّ صورة المحسوسات قد تكون مُشاهَدة وقد تكون مُتخَيَّلة، والمشاهَدة غير التخيُّل، فالحسّ المشترك يشاهد تلك الصور، والخيال يتخيّلها، فهما قوّتان متغايرتان))‏[9].

ثانياً: أقسام العوالم في الحكمة الإشراقيّة:

يثبت الشيخ في حكمة الإشراق أربعة عوالم كلّيّة:

 عالم الأنوار القاهرة: هو عالم العقول الكّلّيّة -التي لا تعلُّق لها بالأجسام أصلاً-، المجرّدة تجرُّداً تامّاً عن المادّة وآثار المادّة، وهُم عساكر الحضرة الإلهيّة والملائكة المقرّبون وعبادُه المخلَصون، وهي نشأة وحدانيّة لكلّ ما له ماهيّة نوعيّة. وفيها يرجع الأشياء كلُّها إلى وجود واحد تامًّ كامل لا كثرة ولا تغيّر فيه ‏[10].

عالم الأنوار المدبّرة: الأنوار الإسفهبديّة التي تتولّى تدبير عالم الأفلاك وعالم الإنسان.

  عالم البرزخ: الذي يتكوّن من الكواكب والعناصر البسيطة والمركبات المادّيّة.

 الصور المعلّقة الظلمانيّة والمستنيرة: هي عبارة عن عالم المثال المنفصل. والمراد بـ(الظلمانيّة): العذاب للأشقياء، وبـ(المستنيرة): النعيم واللذّة للسُّعَداء[11].

المحور الثاني: البراهين على إثبات عالم المثال المنفصل

البرهان الأوّل (لشيخ الإشراق السهرورديّ): إنّ الصور الخياليّة غير موجودة في الأذهان؛ بسبب امتناع انطباع الكبير في الصغير، ولا هي موجودة في الأعيان؛ لأنّه يلزم من ذلك أنّ كلّ إنسان سليم الحسّ يراها في الخارج، ولا هي معدومة؛ لأنّ بعضها متميّز عن بعض، وكذلك يُحكم عليها بأحكام ثبوتيّة كثيرة، إذن: هي موجودة ولكن ليس في الأذهان ولا في الأعيان، ولا في عالم العقول؛ لأنّها جسمانيّة لها مقادير وأشكال، وفي عالم العقول المجرّدات الصرفة المجرّدة بالتجرّد التامّ، إذن: لها وجود مسانخ لها، هو عالم المثال والخيال، وهذا العالم متوسّط بين عالم العقل وعالم الحـسّ؛ لأنّه دون عالم العقل بالتجرُّد لأنّ تجرُّده ناقص، وفوق عالم الحسّ لأنّ تجرُّده أتمّ [12].

نقد الشيخ حسن زادة آملي لبرهان شيخ الإشراق:

    يقول الشيخ الآمليّ (قدس سره): إنّ شيخ الإشراق أراد إثبات عالم المثال المنفصل، وتعلّق الصياصي المعلّقة في عالم المثال المنفصل؛ لأنّها لو كانت في النفس الناطقة وفي موطن الخيال لَلَزِم انطباع الكبير في الصغير، ومن خلال هذا الدليل يُعلم أنّ شيخ الإشراق قائل بمادّيّة الخيال كما هو مذهب الشيخ الرئيس بن سينا ، وهذه القوّة تقع في جزء من الدماغ[13]، وعلى مادّيّة الخيال يلزم استحالة انطباع الكبير في الصغير.

    وخلاصة هذا الدليل وأمثال هذا الدليل لا يثبت عالم المثال المنفصل، بل يثبت عالم المثال المتّصل وتجرُّد النفس، هذا على رأي الملا صدرا، أمّا على رأي شيخ الإشراق فحتّى عالم المثال المتصل لا يثبته؛ لأنّه متوقّف على مقدّمة انطباع الكبير في الصغير، وهذا الإشكال يمكن أن يُجاب عليه بأنه يمكن أن نرسم صورة الأشياء على ورقة صغيرة مع المحافظة على القياسات الخارجيّة، وعلى هذا: لا يلزم انطباع الكبير في الصغير‏[14].

البرهان الثاني: قاعدة إمكان الاشرف

هذا الدليل مشترك بين الملّا صدرا وشيخ الإشراق، وأفاد منه على الشكل الآتي: بأنّ البرهان على عالم المثال المنفصل متوقّف على قاعدة إمكان الأشرف التي هي من الأهمّيّة بمكان، حيث يعبّر عنها الملّا صدرا  بقوله: ((هذا أصل شريف برهانيّ، عظيم جدواه، كريم مُؤَدّاه، كثير فوائده، متوفّر منافعه، جليل خيراته وبركاته، وقد نفعنا الله به نفعاً كثيراً بحمد الله وحسن توفيقه))‏[15].

وقد استعملها المعلّم الأوّل وزعيم المشّائين في كتابه (أثلوجيا)‏[16] كثيراً، وكذلك في كتاب (السماء والعالم) حيث قال: ((يجب أن يعتقد في العلويّات ما هو أكرم))‏[17].

واستعمل هذه القاعدة كذلك الشيخ الرئيس أبو عليّ بن سينا في الشفاء والتعليقات‏[18]، وعليها رتّب النظام الوجوديّ وسلسلتي البَدء والعود، وكذلك الشيخ الإشراقي، حيث ذكر هذه القاعدة في أكثر كتبه، مثل: حكمة الإشراق، والمطارحات، والتلويحات، وحتى في المختصرات كالألواح العماديّة والهياكل النوريّة‏[19]، واستعمل هذه القاعدة في إثبات العقول، وإثبات المثل النوريّة أرباب الأنواع وغير ذلك.

وكذلك تلميذه وشارح كتبه محمّد الشهروريّ، فقد استعملها في كتابه (الشّجرة الإلهية)‏[20].

لذلك كان لا بدّ من بيان قاعدة إمكان الأشرف التي هي من أصول الإشراقيّين، ومن قواعدهم العظيمة لإثبات عالم المثال المنفصل:

وتفصيل هذا الدليل نبيّنه من خلال مقدّمتين:

المقدّمة الأولى: أنّ الموجودات الإمكانيّة على قسمين: ما يحتاج في خروجه إلى قوة واستعداد ليخرج من حالة الاستعداد إلى الفعليّة -وهو الموجود المادي-؛ وما لا يحتاج إلى قوة واستعداد -وهو الموجود المجرّد-، ثم إنّ الموجود المجرّد إمّا أنْ يكون مجرّداً عن المادّة وآثارها -وهو المجرّد العقليّ-، أو يكون مجرّداً عن المادّة دون آثارها -وهو المجرد المثاليّ-.

المقدّمة الثانية: إنّ الموجود المثاليّ أشرف من الموجود المادّيّ؛ لأنّ فيه تجرُّداً وكمالاتٍ أكثر ممّا في الموجود المادّيّ، وكذلك الموجود المجرّد العقليّ أشرف من الموجود المثاليّ؛ لأنّ فيه تجرُّداً تامّاً وفيه كمالات أكثر وأعلى من الموجود المثاليّ، وبعبارة مختصرة: إنّ الموجود التامّ أشرف من الناقص.

النتيجة:

 إنّ الممكن الأخسّ إذا وُجد وَجب أن يكون الممكن الأشرف قد وُجد قبله، وإلّا فيلزم منه: إمّا أن يوجد الأخسّ والأشرف معاً، وهذا محال، -لأنّ المجرّد العقليّ الذي هو العقل الفعال  (العقل العاشر) لا بدّ (لكي يصدر منه عالم المثال وعالم المادّة) أن يوجد فيه جهتان: جهة تصحّح صدور الكثرة المادّيّة، وجهة تصحّح صدور عالم المثال، وإذا جئنا إلى العقل العاشر وفتّشنا فيه، نجد فيه جهة واحدة مصحّحة، والوجود المثاليّ هو الأشرف، إذن: هو الصادر عن العقل العاشر، وإذا أردنا أن يصدر عالم المثال والمادّة معاً لَاحتجنا إلى سنخين من الكثرة، سنخ من الكثرة يسانخ العالم المثاليّ، وسنخ من الكثرة يسانخ العالم المادّيّ الطبيعيّ، إذن: يلزم أن يكون في العقل الفعال جهتان من الكثرة: كثرة الأشرف، وكثرة الأخسّ، وهو محال؛ لأن كلّ الجهات التي تأتي من تكرُّر العقول الطوليّة ترجع إلى حيثيّة كثرة واحدة، مسانخة لكثرة واحدة، وهي تسانخ الأشرف، والأخسّ يحتاج إلى كثرة مغايرة. وكذلك عالم العقول وعالم الطبيعة، لا توجد سنخيّة بينهما؛ لأن عالم العقول منزّه عن المادّة ذاتاً، ومنزّه عن المقدار، وهو عالم نورانيّ صرف، وأمّا عالم المادّة ففيه المادّة ذاتاً ومقداراً وهو عالم ظلمانيّ، فلا ينسجمان، لذلك لا بدّ (لكي يتجلّى الفيض) من واسطة تحتوي على التجرّد من جهة وعلى الشكل والمقدار من جهة أخرى، لذلك ناسب وسانخ عالم المادّة الظلمانيّ وسانخ وناسب عالم العقول النورانيّ‏[21] - وإمّا أن يوجد بعده، فيلزم صدور الأشرف بواسطة الأخسّ، وهذا محال أن يصدر الواجد من الفاقد، أو يمتنع صدوره، وهذا كذلك محال؛ لأنّ الأشرف ممكن، ولا يوجد دليل على امتناعه. فثبت من ذلك أنّ الممكن الأخسّ إذا وُجد يَجب أن يكون الممكن الأشرف قد وجد قبله، وهو المطلوب‏[22].

     لذلك يقول الشيخ في حكمة الإشراق: ((وهي الطبقة العرضيّة المتكافئة الغير المترتّبة في النزول، وهي أرباب الأصنام النوعيّة الجسمانيّة، وهي قسمان: أحدهما يحصل من جهة المشاهدات، وثانيهما من جهة الإشراقات، الحاصلتين من الطبقة الطوليّة. ولأن الأنوار الحاصلة من المشاهدات أشرف من الحاصلة من الإشراقات وكان العالم المثاليّ أشرف من العالم الحسّيّ؛ وجب صدور عالم المثال عن الأنوار المشاهديّة، وعالم الحسّ عن الإشراقيّة، فالأشرف علّة للأشرف والأخسّ علّة للأخسّ، على ما في كلّ واحد من العالمين من التكافؤ، فإنّ كلّ ما في عالم الحسّ من الأفلاك والكواكب والعناصر ومركّباتها والنفوس المتعلّقة بها - يوجد مثله في عالم المثال))‏[23]، وأيضاً يقول: ((والنور القاهر -أعني المجرّد بالكلّيّة- أشرف من النور المدبّر، وأبعد عن علائق الظلمات))‏[24]، وكذلك يقول: ((ثمّ عجائب الترتيب واقعة في عالم الظلمات والبرزخ، والنسب بين الأنوار الشريفة أشرف من النسب الظلمانيّة، فتجب قبلها))‏[25].

البرهان الثالث: تطابق العوالم

هذا الدليل مشترك بين الملّا صدرا وشيخ الإشراق، ويتوقّف هذا البرهان على أصلٍ مفاده أنّ كلّ ما هو موجود في الإنسان من مراتب هي أنموذج ومثال للعالم الخارجيّ، فلإنسان مرتبة العقل والقلب والنفس والخيال والحسّ ولهذه المرتبة مطابق في العالم الخارجيّ، فالعقل أنموذج لعالم الجبروت، والخيال أنموذج لعالم المثال المنفصل، فإذا صدّقنا بوجود هذه المرتبة التي تقع بين الحسّ ومرتبة القلب، واعتقدنا بتطابق الكونين -عالم النفس الجزيئة وعالم الخارج- يجب علينا أن نصدّق بوجود عالم متوسّط بين عالم الحسّ والمادّة والظلمة وعالم العقول والجبروت والنور والتجرّد - يسمّى بعالم المثال المنفصل، وهذا التعبير نجده كثيراً في كلمات الحكماء، حيث يقول الملّا صدرا في شرحٍ على أصول الكافي للكلينيّ : ((ما خلق الله من شيءٍ في عالم الصورة إلّا وله نظير في عالم المعنى -أي في عالم المثال-؛ وما خلق الله شيئاً في عالم المعنى والملكوت إلّا وله صورة -أي وجود- في هذا العالم، وله حقيقة في عالم الحقّ...، إذاً العوالم متطابقة...، إنّ الأدنى مثالٌ وظلّ للأعلى، والأعلى روح وحقيقة للأدنى، وهكذا إلى حقيقة الحقائق. فكلُّ ما في عالم الدنيا أمثلة وقوالب لِـما في عالم الآخرة، وكلُّ ما في عالم الآخرة على درجاتها مُثُلٌ وأشباح للحقايق العقليّة))‏[26]، ويورد هذا المطلب في كتابة (الحكمة المتعاليّة في شرح الأسفار الأربعة) بما حاصلة: أنّ النفس المجرّدة بواسطة الحواسّ الظاهريّة تدرك عالم الحسّ والمادّة الظاهريّ، وبواسطة القوى الباطنية تثبت العالم المقدراي الشبحيّ المثاليّ، وعن طريق التجرّد العقليّ تثبت عالم العقول المجرّدة‏[27]. وكذلك العلّامة الطباطبائيّ يقرّر هذا المعنى بشكل جيّد في حاشيةٍ على الأسفار، حيث يقول: ((والحاصل: أنّ هناك صوراً مادّيّة في خارج المشاعر، ولها آثار مادّيّة في القوى الحسّيّة عند اتّصال الحواسّ بالمحسوسات، ولا إدراك ولا شعور في هذه المرحلة، ويقارنها شعور وإدراك من النفس تظهر به هذه الصور ظهوراً على نعت الجزئية أو على نعت السعة والكلّيّة، وظرف هذين النوعين من الصور الظاهرة للنفس عالمان مجرّدان عن المادّة، هما وراء عالم المادّة، أحدهما عالم المثال الأعظم أو الأصغر -على خلاف فيه-، والآخر عالم العقول الكلّيّة. والعوالم الثلاث -المادّة والمثال والعقل- متطابقة))‏[28]، ويقول الشيخ السهرورديّ في حكمة الإشراق: ((وإنّما كان كذلك ليشتمل العالم الأصغر -أعني الإنسان- على مثل ما اشتمل عليه العالم الأكبر))‏[29].



البرهان الرابع: وجود الصور الجزئيّة

      إنّ الحكمة المتعالية تعتقد أنّ النفس ترتبط وجوديّاً بالموجود الخارجيّ، وتتّحد معه تكوينيّاً بشكلٍ مّا، وترتبط به من خلال العلم الحضوريّ، وهذا -في الحقيقة- توضيح للمبنى المعروف لمدرسة الحكمة المتعالية بإرجاع العلم الحصوليّ إلى علم حضوريّ، أي أنّ العلم الحصوليّ هو سابقاً علم حضوريّ، فالنفس -في الحقيقة- تحصل على الموجود الخارجيّ حضوريّاً، ثمّ يأتي دور قوّة الخيال لتأخذ منه صورة وتحفظها، وإذا أراد الإنسان أن يحكي الموجود الذي حصل عليه بالعلم الحضوريّ، فإنّه يحكي ما حصل عليه من صورة في قوّة الخيال‏[30]، وهذا ما صرح به العلّامة في كتابه (أصول الفلسفة والمنهج الواقعي) إذ قال: ((بمقتضى كاشفيّة العالم والإدراك، فلا بدّ من نيل مورد كلّ علم يجب أن تكون رابطة الانطباق مع الخارج موجودة، أي يجب أن نحصل على الواقع بالعلم الحضوريّ، وعندها إمّا أن يؤخذ العلم الحصوليّ عنه بلا واسطة (وهو المعلوم الحضوري مع سلب منشئيّة الآثار)، أو بواسطة التصرّف الذي يقوم به القوة المدركة فيه))‏[31]، ومبنى الحكمة المتعالية في العلم هو أنّ العلم والمعلوم كلاهما مجرّد عن المادّة؛ لأنّ تعريف العلم -على مبنى الحكمة المتعالية- هو حضور مجرّد لدى مجرّد، فيتلخّص عندنا عدّة مقدّمات:

 أنّ معنى وحقيقة العلم هو حضور المعلوم لدى العالم.

 أنّ العالم والمعلوم كلاهما مجرّد عن المادّة.

 أنّ إدراكاتنا نوعان: جزئيّة وكلّيّة.

     ومن خلال هذه المقدمات نعلم أنّ ظرف الوجود الخارجيّ للإنسان: كما فيه موجودات جوهريّة كلّيّة خارجيّة -هي عالم العقول-، كذلك فيه موجودات جوهريّة جزئيّة تسمّى بـ(عالم المثال المنفصل) أو (الخيال الأكبر).

البرهان الخامس: الحصر العقليّ

 تقدّم‏[32] هذا الدليل كمقدّمه في قاعدة إمكان الأشرف، لكنّ العلّامة الطباطبائيّ -في (نهاية الحكمة)- يقيم هذا الدليل بشكل مستقلّ، ويستخدم الحصر العقليّ، ومن المعلوم أنّ الحصر العقليّ ينتج اليقين، ويثبت لنا ثلاثة عوالم كلّيّة، فيكون الدليل على الشكل الآتي: إمّا هو وجودٌ فيه القوّة والاستعداد ولا تجتمع كمالاته الأوليّة والثانويّة في أوّل كينونته، (بعبارة واضحة: بَدوُهُ شيء وحَشرُهُ شيء آخر)، أو لا، هو وجود تجتمع كمالاته الأوّليّة والثانويّة في أوّل كينونته (بَدوُهُ وحَشرُهُ شيء واحد)، فلا يُتصوّر فيه طروّ شيء من الكمالات بعد ما لم يكن. والأوّل الذي بدوه شيء وحشره شيء آخر هو عالم المادّة والقوّة والاستعداد والحركة والتدريج، والثاني إمّا أن يكون مجرّداً عن المادّة دون آثارها، وإمّا أن يكون مجرّداً عن المادّة وآثارها. والأوّل عالم المثال والثاني عالم العقل‏[33].

البرهان السادس: الخيال المتّصل

هذا الدليل يتمّ على مبنى الحكمة المتعالية في النفس ((جسمانيّة الحدوث روحانيّة البقاء))، وأمّا على المبنى المشهور للمدرسة المشائيّة ((روحانيّة الحدوث)) سواء كان مع النفس -كما هو مبنى المعلّم الأوّل أرسطو- أو قبل البدن -كما هو مبنى الفيلسوف الإلهيّ أفلاطون- فهذا الدليل لا يأتي، وتفصيل هذا الدليل على شكل مقدّمات:

المقدّمة الأولى: أنّ القوّة الخياليّة في الإنسان مجرّدة، في قبال المبنى المشهور للمدرسة المشائيّة القائل إنّ جميع القوى للنفس مادّيّة إلّا القوّة العقليّة.

المقدّمة الثانية: أنّ النفس عندما تبدأ جسمانيّة الحدوث، لا يوجد فيها أيّ نوع من أنواع التجرّد، سواء كان مثاليّاً أو عقليّاً.

النتيجة:

إنّ النفس الجسمانيّة -من خلال الحركة الجوهريّة- تصعد إلى الخيال المتّصل، وإنّ الخيال المتّصل -كما في المقدّمة الأولى- مجرّد، وكلّ مجرّد موجود بالفعل، وكلّ ما ثبت له فهو ثابت له بالفعل، والسبب أنّه موجود بالفعل؛ لأنّ إمكانه الذاتي كافٍ لتحقّقه خارجاً، ولا يحتاج إلى شرائط وارتفاع موانع كالموجودات المادّيّة، بعبارة أخرى جليّة وواضحة: الموجود المجرّد لا يحتاج كالموجود المادّيّ إلى إمكانٍ ذاتيّ وإمكانٍ استعداديّ لكي يوجد، بل الموجود المجرّد إمكانه الذاتيّ كافٍ لتحقّقه خارجاً، إذن: الخيال المتّصل مجرّد وهو ثابت بالفعل، والمفروض أنّ الإنسان بعدُ لم يصل إليه، إذن: كان ثابتاً مستقلّاً وجوهريّاً، وليس كيفاً نفسانيّاً، وعندما تصل إليه يكون فيها كيف نفسانيّ. إذن: ثبت عدنا عالم المثال المنفصل من خلال عالم المثال المتّصل‏[34]، وهو المطلوب.



وتستفاد من هذا البرهان عدّة نتائج أخرى:

 من نتائج هذا البرهان أنّ عالم المثال ينكشف للسالك وهو موجود سابقاً، وبعد وصول الإنسان إليه يكون للإنسان مثال متّصل، وهذا هو معنى العلم في مدرسة الحكمة المتعالية، حيث هو ارتباط بالموجود المثاليّ يحصل المثال المتّصل‏[35]، والارتباط بالموجود العقليّ تحصل الصور والعلم العـقليّ؛ وكذلك يدلّ على أنّ العلم ليس بتـحرّكه ونزوله إلى العالم، بل العلم هو تحرّك العالم وصعوده إليه.

 إنّ العلم لا يتكامل، ونحن بارتباطنا في هذه العلوم يحصل لنا تكامل، وخصوصاً على مبنى الحركة الجوهريّة نتكامل في كلّ لحظة.



المحور الثالث: خصائص ومزيا عالم المثال المنفصل

 إنّه جوهر ممتدّ، ومع جوهريّته فهو كالجسم التعليميّ، وله سائر الامتدادات الكمّيّة، سواء كان ذا بُعدٍ واحد أو بعدين، أو كان جسماً ذا ثلاثة أبعاد، بل إنّ هذا المقدار الذي هو عرض يصف الجسم الطبيعيّ، إذا عرض على وجود جوهريّ يسمّى هذا الوجود بالجسم المثالي‏[36].

 وإذا كان جوهراً وممتدّاً وذا مقدار، فهو يقبل الانقسام الفرضيّ.

 فاقد للمادّة والهيولى، لذلك يكون بالنسبة إلى أيّ وصف وكمال ليس بالقوّة، لذلك لا يقبل التبدّل ولا الكون ولا الفساد، ولا يقبل الحركة الجوهريّة والعرضيّة، إذن: فمن غير الممكن أن تكون الأعراض المفارقة عارضةً على الجسم المثاليّ؛ لأنّ عروضها يستلزم انفعال المعروض وتجدّده وتبدّله.

 تقدّم أنّ الجسم المثاليّ لا يقبل الحركة، سواء كانت جوهريّة أو عرضيّة؛ والزمان هو مقدار الحركة، إذن: الجسم المثالي ليس زمانيّاً‏[37].

المحور الرابع: اختلاف المدرسة الصدرائيّة عن الإشراقيّة

يذكر الملّا صدرا هذا النقد في كتابه (الحكمة المتعالية في شرح الأسفار الأربعة) تحت عنوان ((نقد عرشيّ))، وكذلك في تعليقاته على (إلهيّات الشفاء) للشيخ الرئيس أبي عليّ بن سينا تحت عنوان ((مكاشفة حكميّة))، ويقول: أنا من المؤمنين بوجود العالم المقداريّ -عالم المثال المنفصل- كما قرّره وحرّره أتمّ تحرير شيخ الإشراق السهرورديّ، لكنّي أخالفه في وجوه:

 إنّ الصور الخياليّة -كما تقدّم- غير موجودة في الأذهان  -الدماغ المادّيّ-، وغير موجودة في الأعيان المادّيّة؛ لأنّه يلزم أن يراها كلّ سليمِ حِسٍّ، ولا هي عدمٌ لأنّا نحكم عليها بعدّة أحكام، ولا هي صور عقليّة لأنّ لها أشكالاً، إذن: هي موجودة في الخيال والمثال المنفصل، وتكون خارج وعاء النفس، وعلّتها خارجة عن النفس، أمّا الملّا صدرا فيخالف الشيخ الإشراقيّ ويقول: إنّ الصور الخياليّة في وعاء النفس وعلّتها هي النفس، والدليل على أنّ الصور في وعاء وصُقع النفس، وأنّ النفس هي علّتها؛ أنّ تصرفات المتخيّلة ودعاباتها الجزافيّة وما تبعث به من الصور والأشكال القبيحة مخالفٌ لفعل الحكيم، لذلك تكون في العالم الصغير النفسانيّ لأجل شيطنة القوّة المتخيّلة، لبراءة ذلك العالم عن الصور الجزافيّة الباطلة وأضغاث الأحلام ونحوها، وإنّ هذه الصور باقية بإبقاء النفس والتفاتها إليها، فإذا زال التفات النفس وأعرضت عنها زالت وانعدمت هذه الصور‏[38]

إنّ الصور الخياليّة عند شيخ الإشراق -كما هو واضح من بعض عبارته، وكذلك هو المبنى الشائع والمشهور للمدرسة المشائيّة ولرئيسها الشيخ الرئيس في زمانه- مادّيّة، وكما تقدّم تعريفها في حكمة الإشراق، حيث عرّفها بقوله: ((وهي قوّة مرتّبة في آخر التجويف الأوّل من الدماغ، هي خزانة صور الحسّ المشترك بأسرها، بعد غيبتها عن الحسّ المشترك، والحفظ غير القبول، وليس من شرط كلّ قابل أن يحفظ، فإنّ القابل المستعدّ بسهولة، كالحسّ المشترك، يحتاج إلى فرط رطوبة، والحفظ يحتاج إلى فرط يبوسة، كما في الخيال))‏[39]، وأمّا الملّا صدرا صاحب المدرسة المتعالية، فخالفه في هذه المسالة، وقال بأنّ قوّة الخيال جوهر مجرّد عن البدن وقواها، وإن لم يكن جوهراً عقليّاً، وهذه القوّة هي عين النفس؛ لأنّ مبناه -كما هو معروف- النفس في وحدتها كلّ القوى، والنفس وقواها الإدراكيّة وصورها الخياليّة والحسيّة كلّها خارجة عن هذا العالم -عالم المادّيّات والأموات- في صُقع إدراكيّ، والدليل تجرّد الخيال ما تقدم في البرهان الأوّل الذي استعمله الشيخ الإشراقيّفي إثبات عالم المثال المنفصل، وأفاد الملّا صدرامن نفس هذا الدليل في إثبات تجرّد الخيال المتّصل والمثال الأصغر‏[40]،‏[41].

     وثمّة دليل آخر يذكره العلّامة الطباطبائيّ في تعليقةٍ على كتاب (الحكمة المتعالية في شرح الأسفار الأربعة)، حاصلة: والأَوْلى أن يحتجّ على الخيال -يعني على إثبات تجرّد الخيال- بالتذكّر، نحن ننسى ونتذكّر أو نغفل ونتذكّر، فإنّا ربما أحسسنا صورة ونتذكّر أنها الصورة التي كنّا قد أحسسناها قبل ذلك بزمان، نقول هذا الذي أدركناه هو الذي أدركناه قبل سنة، قبل عشرين سنة، بعبارة جليّة واضحة: إنّ صور زيد التي تذكّرتها قبل عشرين سنة، تقول هذه بعينها، والتالي أنت متغيّر، إذاً لا بدّ أن تكون متغيّرة وليست عينها، لذلك لا بدّ أن يكون للتذكّر محلّ ثابت، وهذا لا ينسجم إلّا مع التجرّد‏[42].

2- إنّ الصور المرآتيّة عند شيخ الإشراقلا هي موجودة في الخارج ولا هي موجودة في داخل المرآة، بتعبير آخر: الصورة المرآتيّة غير موجودة في عالم المادّة، بل كلّ ما في الأمر أنّ المرآة تهيّئ النفس لارتباطٍ بالوجود المثاليّ المنفصل لهذا الشيء، إذن: الصورة المرآتيّة موجودة في عالم المثال المنفصل، وعند الملّا صدراموجودة في عالم المحسوسات والمادّة، وهي ظلال للصور المحسوسة، مثل الظلّ للشاخص، والمقصود بأنّ لها ثبوتاً ظلّيّاً أنّها موجودة وثابته بالعرض لا بالذات كالماهيّة المجعولة بالعرض لا بالذات تبعاً لوجودها الذي هو الوجود بالذات؛ والدليل على بطلان ما قاله شيخ الإشراق أن لِشيءٍ واحدٍ أنحاءً من الصور المختلفة، وهذا الاختلاف ناشئ من اختلاف أوضاع المرآة تقعيراً وتحديباً وانحناءً واستقامةً، وكذلك لها وحدة وتكثُّر بحسب تكثّر المرائي وتكسُّر كسورها التي لا تنتهي إلى حدّ، ومن المحال أن يكون لصورة زيد الشخصيّة عدد غير متناهٍ، وكذلك لكلّ شيء أعداد غير متناهية من الصور الموجودة على سبيل الإبداع‏[43].

المحور الخامس: الفرق بين عالم المثال الصعوديّ والنزوليّ

 إنّ عالم المثال أو البرزخ الذي وقع في قوس النزول له الأولويّة، والذي وقع في قوس الصعود له الآخريّة.

 إنّ الصور وحقائق عالم المثال الصعوديّ هي صور الأعمال ونتيجة الأفعال السابقة في النشأة الدنيويّة، أما الصور في عالم المثال النزوليّ فهي تنزّلات عالم الأرواح والعقول.

 إنّ عالم المثال النزوليّ يظهر في عالم الشهادة، لذلك يسمّى بالغيب الإمكانيّ، بخلاف عالم المثال الصعوديّ، فظهوره يمتنع في عالم الشهادة المطلقة، لذلك يسمّى بالغيب المحاليّ، وهذا ما صرّح به الشيخ محيي الدين ابن عربيّ في كتابه (الفتوحات المكّيّة)، ونقله شارح كتابه (فصوص الحكم) الشيخ داود القيصريّ، حيث قال: ((بأنّ هذا البرزخ -الصعوديّ- غير الأوّل، ويسمّى الأوّل بــ((الغيب الإمكانيّ)) والثاني بــ((الغيب المحاليّ)) لإمكان ظهور ما في الأوّل في الشهادة، وامتناع رجوع ما في الثاني إليها إلّا في الآخرة وقليل من يكاشفه، بخلاف الأوّل، ولذلك يُشاهد كثير منّا، ويكاشـف البـرزخ الأوّل، فيـعلم ما يـريـد أن يـقـع في الـعالم الدنياويّ من الحوادث، ولا يقدر على مكاشفة أحوال الموتى والله العليم الخبير))‏[44].



المحور السادس: الفرق بين عالم المثال والـمُثُل الإفلاطونيّة

 إنّ عالم المثال مجرّد عن المادّة دون آثارها ((الشكل والمقدار))، مجرّد تجرّد برزخيّ ومثاليّ، والمثل الأفلاطونيّة هي مفارقات نوريّة مجرّدة عن المادّة تجرُّداً تامّاً.

 إن المثل الأفلاطونيّة موجودات متقدّمة تَقدُّماً عِلّيّاً على عالم المثال والمادّة، أمّا عالم المثال فمتقدّم تقدُّما عِلّيّاً على عالم المادّة‏[45].

 وكذلك أفلاطون وسقراط وفيثاغورس وأنباذقلس وغيرهم من الأقدمين، كما يقولون بالمثل النوريّة العقليّة الأفلاطونيّة، كذلك يقولون بالمثل الخياليّة المعلّقة، بعضها ظلمانيّة هي جهنم الأشقياء، وبعضها مستنيرة يتنعم بها السُّعداء من المتوسّطين وأصحاب اليمين، وأمّا السابقون المقرّبون فهم يرتقون إلى الدرجة العليا عند الأنوار الإلهيّة والمثل الربّانيّة‏[46].



المحور السابع: طرق الاتصال بعالم المثال المنفصل

 من خلال الانقطاع عن الشواغل الدنيويّة وصرف الهمّة إلى عالم القدس والتوجّه بالكلّيّة إلى ربّ الأرباب. حيث يقول الشيخ في (التلويحات): ((فإذا قلت الشواغل فتقع للنفس خلسة إلى جانب القدس، فانتقشت بنقش غيبيّ، فقد ينطوي سريعاً، وقد يشرق على الذكر، وقد يتعدّى إلى الخيال، فيتسلّط الخيال على لوح الحسّ المشترك، فترتسم فيه صورة في غاية الحسن والزينة على أكمل هيئة وأبهاها، أو ترتسم صورة الأمر الغيبيّ مشاهدةً، أو تنسطر على سبيل الكتابة، أو على طريق نداء هاتف غيب، وما بقي من الكلام محفوظاً في النوم واليقظة فهو رؤيا صادقة أو وحي صريح، وما بطل هو وبقيت محاكياته فهو وحي محتاج إلى تأويل أو حلم مفتقر إلى تعبير، ويختلف باختلاف المواضع))‏[47]. وكذلك الملّا صدراحيث يقول: ((ذلك العالم هو العالم الباطنيّ المكشوف لذوي الكشوف، والعالم العيني الذي لا يشاهد بهذا العين، ولا بشيء من حواسّ الظاهرة وعالم المثال الذي يكاشفه السُّلّاك وأهل الرياضة))‏[48].

 في الرؤيا والمنام، حيث يتّصل بعالم المثال المنفصل:

حيث يقول الشيخ في حكمة الإشراق: ((وكما أنّ النائم ونحوه إذا انتبه فارق العالم المثاليّ دون حركة ولم يجده على جهة منه، فكذا من مات عن هذا العالم يشاهد عالم النور دون حركة))‏[49].



المحور الثامن: أثر عالم المثال في المسائل العقديّة

     من الآثار المهمّة لعالم المثال في المدرستين الإشراقية والمتعالية في مقابل المدرسة المشائية؛ حلُّ كثير من المشكلات والمعضلات الفكريّة التي ترتبط في بحث المعاد الجسمانيّ وأحوال البرزخ، من سعادة الأرواح وشقائها، وكذلك بحث الرؤيا والمنامات، وتعلّق كثير من المكاشفات والحقائق في هذا العالم، وتوضيحها على شكل نقاط:

   أوّلاً: القولُ بوجود بدن مثاليّ هو عين البدن الحقيقيّ لكن من دون المادّة، وله آثارها من طول وعرض وشكل؛ يجيبُ على كثير من الإشكالات المتوهّمة لتعارض العقل والنقل، حيث نجد كثيراً من الآيات والروايات الشريفة تصرّح بأنّ هذا البدن موجود في ذلك العالم، وهو الذي يحاسَب ويعاقَب، وتوجد أدلّة نقليّة وعقليّة تقع في الطرف الآخر للقول المتقدّم، حيث تقول: إنّ هذا الجسم فانٍ، ويصبح تراباً ويفسد ويتفسّخ في القبر، لذلك نجد الشيخ الرئيس أبا عليّ ابن سينايصرّح بأنّ القول بالمعاد الجسمانيّ لا يمكن أن نثبته من خلال العقل النظريّ، والطريق الوحيد لإثباته هي الأدلّة النقليّة‏[50]، أمّا الملّا صدرا الشيرازيّفعندما أثبت تجرّد الخيال المتّصل وأيضاً وجود المثال المنفصل، قال بأنّ العقل النظريّ قادر على أن يحكم بوجود معاد جسمانيّ، وهذا من الآثار المهمّة والمفصليّة التي تميّز مدرسة الحكمة المتعالية عن المدرسة المشائيّة، وهذا ما صرّح به الملّا صدرافي تعليقةٍ على (إلهيّات الشفاء) إذ قال: ((وإذا اشتدّت عين التخيّل كما في الآخرة، صارت عين التخيّل متّحدة مع عين الحسّ كما يبتني عليه أحوال المعاد الجسمانيّ؛ وهو من العلوم التي اختصّ بدركها العلماء المقتبسون نور الحكمة من مشكاة النبوّة، لا المقتصرون على النظر البحثيّ والفكر المنطقيّ من غير تصفية وتجريد ورياضة وتطهير عن الوساوس والنفس وشوائب الطبيعة والحسّ))‏[51].

      وكذلك تلميذه وربيبه الفيض الكاشانيّ : ((إن المُعاد في المعاد هو بنفسه هذا الشخص الإنسانيّ الذي كان في الدنيا روحاً وبدناً، بحيث لو يراه أحد عند المحشر يقول: هذا فلان الذي كان في الدنيا، كما قال مولانا الصادق في البرزخيّ: (لو رأيته لقلت فلان)، وإن كانت صورته صورة حمار أو خنزير؛ وذلك لأنّ تشخّص البدن على ما حقّقه أستاذنا صدر المحقّقين ليس إلاّ بالنفس، فلا يمتاز ولا يتعيّن إلّا بها، ولهذا يكون بدن زيد وأعضاؤه ينسب إليه، ويعرف به، ويحكم بوحدته، وإنْ تبدّل أنواعاً من التبدُّل))‏[52]، ويقول التفتازانيّ في (شرح المقاصد): ((وعلى هذا بنوا أمر المعاد الجسمانيّ، فإنّ البدن المثاليّ الذي تتصرّف فيه النفس، حكمه حكم البدن الحسّيّ في أنّ له جميع الحواسّ الظاهرة والباطنة، فتلتذّ وتتألّم باللذّات والآلام الجسمانيّة))‏[53].

ثانياً: لا يمكن الوصول إلى عالم المثال المنفصل، إلّا من خلال تقوية المثال المتّصل ومرتبة الخيال، وكذلك لا يمكن الوصول إلى عالم العقول إلا من خلال العبور من عالم المثال المنفصل‏[54].

ثالثاً: إنّ كلّ الحقائق الحقّة المثاليّة التي يصل إليها الإنسان موجوده فعلاً، وإذا وصل أحد الناس إليها الآن والآخر وصل إليها قبل 100 سنة، والبعض وصل إليها قبل 500 سنة، فكلّها موجودة فعلاً، وهذا واضح، فعندما يصل إليها يقول، وهذا ما قال به البعض قبل 50 سنة، يكشف أنّ هذه الحقيقة لها أفق فوق الزمان والمكان والحركة، وهذا يصحّح لنا مسالة الإخبار بالمغيّبات وباب الإخبار بالغيب؛ لأنّ النبيّ الخاتم ’ يخبر بالغيب، ومن هذا الباب يمكن تصوير مسالة الإخبار بالمغيّبات فلسفيّاً، وأمّا على مبنى الحكمة المشائيّة فلا يمكن أن تُفسّر؛ لأنّها صور خياليّة مثاليّه لها أشكال ومقادير، وعالم العقول ليس فيه صور. وكذلك يفسّر حقيقة الإسراء والمعراج عندما عرج النبيّ الخاتم’ رأى الناس وأعمالها مجسّمه، وهذا دليل واضح على أنّ المثال المنفصل وعالم الملكوت للناس موجود ، وكذلك يوجد بحث قيّم يرتبط بعالم المثال المتّصل والمنفصل وهو بحث التمثّل حيث يقول تعالى: ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾‏[55]، فالبعض يعتقد أنّ التمثّل يكون في محوطة النفس وفي عالم المثال الأصغر‏[56]، وكذلك النبيّ  عندما شمّ ريح يوسفحيث يقول تعالى: ﴿وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلاَ أَن تُفَنِّدُونِ﴾‏[57]، فإنّ الذين حوله لم يشمّوا هذه الريح، وهو A فقط مَن شَمّها في عالم خيالة الأصغر‏[58].

رابعاً: بحث الرؤيا، حيث وردت كثير من الآيات تتحدّث عن الرؤيا، وأبرز مصداق لها هو النبيّ يوسفحيث قصّ القرآن لنا رؤياه: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾‏[59]، وكذلك يقول تعالى: ﴿وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾‏[60]، وكذلك رؤيا السجينين حيث يقول تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانَ قَالَ أَحَدُهُمَآ إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾‏[61]، وكذلك رؤيا الملك: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيا تَعْبُرُونَ﴾‏[62]، ورؤيا النبيّ الخاتم ’ دخوله إلى المسجد الحرام: ﴿لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِن شَاء اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لَا تَخَافُونَ فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِن دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾‏[63].

    فهذه الرؤيا لها أشكال ومقادير وأجسام، فلا تكون إلّا في عالم المثال المنفصل، لذلك صرّح الكثير من العلماء بأنّ معبّري الرؤيا لا بدّ أن يكونوا مطّلعين على عالم المثال المنفصل، وهذا ما صرّح به القيصريّ في شرحه لكتاب الفصوص في الفص اليوسفيّ حيث يقول: ((لـمّا كان عالم الأرواح المسمّى بالعالم المثاليّ عالماً نورانيّاً، وكان كشف يوسف مثاليّاً، وكان على الوجه الأتمّ والأكمل؛ أضاف الحكمة النوريّة الكاشفة عن الحقائق إلى كلمته، لذلك كان عالماً بعلم التعبير. ومراد الله من الصور المرئيّة المثاليّة، وكلّ من يعلم بعده ذلك العلم فمن مرتبته يأخذ، ومن روحانيّته يستفيد، ولقوّة نوريّة روحه كانت صورته أيضاً كاملة في الحسن والبهجة))‏[64].

خامساً: من أهم الأبحاث التي تتطرّق إليها الفلاسفة -وعلى رأسهم معلّمهم وكبيرهم المعلّم الثاني الفارابيّ وتبعه على ذلك الفيلسوف الكبير الملّا صدرا الشيرازيّ- مسألة الوحي، حيث يعتقد الفلاسفة أنّ حقيقة الوحي وتمثّل الملك جبرائيل للأنبياء‘ هو تقوية القوّة المتخيّلة لديهم -عالم المثال المتّصل- ليتّصلوا بالعقل الفعّال الذي هو الملك جبرائيلفي اصطلاح الشرع، وكذلك رؤية الملك من قبل النبيّ يكون من خلال تمثّل الملك جبرائيلفي محوطة وخيال نفس النبيّ، ويرى النبيّ الملك ولا يراه أحد غيره لأنّه في محوطة خيالة المتّصل ونفسه الجزئيّة‏[65].

******

المصادر والمراجع

القرآن الكريم.

الآملي، حسن حسن زادة، دروس معرفت نفس، الناشر: ألف. لام. ميم، إيران-قم المقدسة، الطبعة الثالثة، 1396هـ.ش.

الآملي، حسن حسن زادة، هزار ويك كلمة، مؤسسة بوستان كتاب، إيران-قم المقدسة، الطبعة السادسة، 1394ش.

 ابن سينا، حسين بن عبد الله، التعليقات، تحقيق حسن مجيد العبيدي، دار الفراقد، سورية-دمشق، الطبعة الثانية، 2011م.

 ابن سينا، حسين بن عبد الله، الهيات الشفاء، تعليق صدر المتألهين الشيرازي، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1428هـ -2007م.

 ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، دار الصادر، بيروت-لبنان، الطبعة الثالثة، 1414 هـ.

 برقعي، زهرة، خيال از نظر ابن سينا وصدر المتألهين، بوستان كتاب، إيران-قم المقدسة، الطبعة الثانية، 1395ش.

 بن عربي، محي الدين، فصوص الحكم، تعليقات أبو العلا العفيفي، دار الكتاب العربي، بيروت-لبنان، الطبعة الثاني، 1400هـ - 1980م.

 التفتازاني، مسعود بن عمر، شرح المقاصد، تحقيق عبد الرحمن عميرة، منشورات الشريف المرتضى، إيران-قم المقدسة، الطبعة الأولى، 1409هـ - 1989م.

 الدينايني الابراهيمي، غلام حسين، إشراق الفكر والشهود في فلسفة السهروردي، دار الهادي، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1426هـ -2005م.

 الرمضاني، حسن، تعليقة على التمهيد في شرح قواعد التوحيد لصائن الدين بن تركة، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، بيروت-لبنان، الطبعة الثانية، 1432هـ -2011م.

 السبزواري، هادي، شرح الأسماء الحسنى أو شرح دعاء الجوشن الكبير، مؤسسة العروة الوثقى، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1429هـ -2008م.

 السهروردي، يحيى بن حبش، حكمة الاشراق، انتشارات بنياد حكمت إسلامي صدرا، إيران-طهران، الطبعة الأولى، 1392هـ.ش.

السهروردي، يحيى بن حبش، موسوعة مصنفات السهروردي، دار الروافد، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1439هـ -2018م.

الشهرزوري، شمس الدين محمد، شرح حكمة الاشراق، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1428هـ - 2007م.

الشيرواني، علي، تحرير الأسفار للمولى صدر الدين الشيرازي، منشورات المركز العالمي للدراسات الإسلامية، إيران-قم المقدسة، الطبعة الأولى، 1427هـ..

صدر المتألهين الشيرازي، محمد بن إبراهيم، الحكمة المتعالية في الاسفار العقلية الأربعة، دار إحياء التراث العربي، بيروت -لبنان، الطبعة الخامسة، 1419هـ – 1999م.

صدر المتألهين الشيرازي، محمد بن إبراهيم، الشواهد الربوبية في المناهج السلوكية، مؤسسة مطبوعات ديني، أيران – قم المقدسة، الطبعة الثانية، 1388هـ. ش.

صدر المتألهين الشيرازي، محمد بن أبراهيم، تفسير القران الكريم، انتشارات بيدار، إيران – قم المقدسة، الطبعة الأولى، 1364 هـ. ش.

صدر المتألهين الشيرازي، محمد بن أبراهيم، ثلاث رسائل فلسفية، بوستان كتاب، إيران-قم المقدسة، الطبعة الرابعة، 1388هـ .ش.

صدر المتألهين الشيرازي، محمد بن أبراهيم، شرح أصول الكافي، پژوهشگاه علوم انسانی ومطالعات فرهنگی، إيران – طهران، الطبعة الأولى، 1383هـ.ش.

 صدر المتألهين الشيرازي، محمد بن إبراهيم، مفاتيح الغيب، مؤسسة التاريخ العربي، بيروت – لبنان، الطبعة الأولى، 1430هـ. ق – 2008م.

الطباطبائي، محمد حسين، أصول الفلسفة والمنهج الواقعي، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1421هـ.ق.

الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1427هـ - 1997م.

الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة، تحقيق غلام رضا الفياضي، انتشارات مؤسسة الامام الخمينيu، إيران-قم المقدسة، الطبعة الخامسة، 1388ش.

الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، مكتب نشر الثقافه الإسلامي، إيران-طهران، الطبعة الثانية، 1408هـ .

عبوديَّت، عبد الرسول، النظام الفلسفي لمدرسة الحكمة المتعالية، مركز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت-لبنان، الطبعة الثانية، 2016م.

الفارابي، محمد بن محمد، آراء أهل المدينة الفاضلة، منشورات الجمل، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 2014م.

الفيض الكاشاني، محمد بن مرتضى، علم اليقين، انتشارات بيدار، إيران-قم المقدسة، الطبعة الأولى، 1418ق.

 القيصري، داود بن محمود، شرح فصوص الحكم، تحقيق حسن زاده آملي، بوستان كتاب، إيران-قم المقدسة، الطبعة الأولى، 1424ق-1382ش.

الكلبايكاني، علي، إيضاح الحكمة في شرح بداية الحكمة، دار زين العابدين، إيران-قم المقدسة، الطبعة الأولى، 1432هـ-2011م.

 المجلسي، محمد باقر، بحار الانوار الجامعة اخبار الائمة الاطهار، دار احياء التراث العربي، بيروت-لبنان، الطبعة الأولى، 1312هـ .

موقع سيد كمال الحيدري، www. alhaydari.com.





[1] محمد بن مكرم ابن منظور، لسان العرب، ج3، ص8.



[2] سورة المؤمنون: 99-100.



[3] محمد باقر المجلسي، بحار الانوار، ج6، ص 214.



[4] فخر الدين الطريحي، مجمع البحرين، ج1، ص 186.



[5] انظر: يحيى بن حبش السهروردي، حكمة الاشراق، ج3، ص 321، 328.



[6] داود القيصري، شرح فصوص الحكم، ص 101.



[7] محمد بن إبراهيم الشيرازي، الحكمة المتعالية في شرح الاسفار الأربعة، ج6، ص 305.



[8] يحيى بن حبش السهروردي، حكمة الاشراق، ج3، 242.



[9] محمد بن إبراهيم الشيرازيّ، الحكمة المتعالية في شرح الأسفار الأربعة، ج8، ص211-212.



[10] يحيى بن حبش السهرورديّ، حكمة الإشراق، شرح القطب الشيرازيّ، ج4، ص 312.



[11] انظر: يحيى بن حبش السهروردي، حكمة الاشراق، ج3، ص 318، غلام حسين الابراهيمي الديناني، اشراق الفكر والشهود في فلسفة السهروردي، 295-296، علي الرباني الكلبايكاني، إيضاح الحكمة في شرح بداية الحكمة، ج3، 395، محمد بن إبراهيم الشيرازي، الحكمة المتعالية في شرح الاسفار الأربعة، ج1، ص 302.



[12] انظر: حسن زادة آملي، هزار ويك كلمة، ج6، ص 272، محمّد صدر الدين الشيرازيّ، الحكمة المتعالية في شرح الأسفار الأربعة، ج1، ص 293، حسين بن عبد الله بن سينا، إلهيّات الشفاء، تعليق صدر المتألّهين الشيرازيّ، ج1، ص 589، 590.



[13] انظر: يحيى بن حبش السهرورديّ، حكمة الإشراق، ج3، ص 242.



[14] انظر: حسن حسن زادة آملي، هزار ويك كلمة، ج6، ص 276، حسن حسن زادة آملي، دورس معرفت نفس، ص 242.



[15] محمّد بن إبراهيم الشيرازيّ، الحكمة المتعالية في شرح الأسفار الأربعة، ج7، ص 244، عليّ الشيروانيّ، تحرير الأسفار للمولى صدر الدين الشيرازيّ، ج3، ص 310.



[16] حسين بن عبد الله بن سينا، إلهيّات الشفاء، تعليق صدر المتألّهين الشيرازيّ،ج1،ص 590، محمّد بن إبراهيم الشيرازيّ، الحكمة المتعالية في شرح الأسفار الأربعة، ج1،ص 294.



[17] يحيى بن حبش السهرورديّ، مجموعة مصنّفات شيخ الإشراق، ص 364.



[18] حسين بن عبد الله بن سينا، التعليقات، ص 21.



[19] انظر: عليّ الشيروانيّ، تحرير الأسفار للمولى صدر الدين الشيرازيّ، ج3، ص 310.



[20] المصدر السابق: ج3، ص 310.



[21] انظر: زهره برقعي، خيال از نظر ابن سينا والملّا صدرا، ص 121، يحيى بن حبش السهرورديّ، حكمة الإشراق، شرح القطب الشيرازيّ، ج4، ص 322.



[22] انظر: يحيى بن حبش السهرورديّ، موسوعة مصنّفات شيخ الإشراق، ص 67، 669، غلام حسين الإبراهيمي الدينيانيّ، إشراق الفكر والشهود في فلسفة السهرورديّ، ص 337، حسن الرمضانيّ، تعليقة على التمهيد في شرح قواعد التوحيد، ص419.



[23] محمود قطب الدين الشيرازيّ، شرح حكمة الإشراق، ص 352، شمس الدين الشهرزوريّ، شرح حكمة الإشراق، ص 370.



[24] يحيى بن حبش السهرورديّ، مصنّفات شيخ الإشراق، ص 516.



[25] المصدر السابق، ص 516.



[26] محمد بن إبراهيم الشيرازي، شرح أصول الكافي، ص 314، الحكمة المتعالية في شرح الأسفار العقلية الأربعة، ج6، ص 412، الشواهد الربوبية، ص 57، 65، مفاتح الغيب، ص 331، التعليقة على حكمة الاشراق، ص 459، تفسير القرآن الكريم ج4، ص 166.



[27] انظر:محمد بن أبراهيم الشيرازي، الحكمة المتعالية في شرح الاسفارالأربعة،ج1،ص 302.



[28] محمّد حسين الطباطبائيّ، تعليقة على الأسفار الأربعة في الحكمة المتعالية، ج1، ص 292.



[29] يحيى بن حيش السهرورديّ، حكمة الاشراق، ج4، ص 312، 316.



[30] انظر: عليّ ربّانيّ الكلبايكانيّ، إيضاح الحكمة في شرح بداية الحكمة، ج3، ص 393.



[31] محمد حسين الطباطبائي، أصول الفلسفة والمنهج الواقعي، ج2، ص 27-30.



[32] تقدم في البرهان الثاني.



[33] انظر: محمّد حسين الطباطبائيّ، نهاية الحكمة، ج4، ص 1194، 954.



[34] انظر: موقع سيّد كمال الحيدريّ: http://alhaydari.com/ar/2018/02/64728/



[35] انظر: محمد بن إبراهيم الشيرازي، الحكمة المتعالية في شرح الاسفار الأربعة، ج1، ص 288، محمد حسين الطباطبائي، نهاية الحكمة، ج4، ص 921.



[36] انظر: محمد بن إبراهيم الشيرازي، الحكمة المتعالية في شرح الاسفار الأربعة،ج1،ص303.



[37] أنظر: عبد الرسول عبوديت، النظام الفلسفي لمدرسة الحكمة المتعالية، ج3، ص 117.



[38] محمد بن إبراهيم الشيرازيّ، الحكمة المتعالية في شرح الأسفار الأربعة، ج1، ص 293، حسين بن عبد الله بن سينا، إلهيّات الشفاء، تعليق صدر المتألّهين الشيرازيّ، ج1، ص 590.



[39] يحيى بن حبش السهرورديّ، حكمة الإشراق، ج3، 242.



[40] محمّد بن إبراهيم الشيرازيّ، الحكمة المتعالية في شرح الأسفار الأربعة، ج1، ص 293، حسين بن عبد الله بن سينا، إلهيّات الشفاء، تعليق صدر المتألّهين الشيرازيّ، ج1، ص 590.



[41] تقدم ذكره في البرهان الاول من المحور الثاني.



[42] محمّد بن إبراهيم الشيرازيّ، الحكمة المتعالية في شرح الأسفار الأربعة، تعليقة العلّامة الطباطبائيّ، ج8، ص 212، الحاشية رقم 5.



[43] محمّد بن إبراهيم الشيرازيّ، الحكمة المتعالية في شرح الأسفار الأربعة، ج1، ص 293، يحيى بن حبش السهرورديّ، شرح حكمة الإشراق، شرح القطب الشيرازيّ وتعليقات صدر المتألّهين الشيرازيّ، ج4، ص 338، حسين بن عبد الله بن سينا، إلهيّات الشفاء، تعليق صدر المتألّهين الشيرازيّ، ج1، ص 586.



[44] انظر: حسن الرمضاني، تعليقة على التمهيد في شرح قواعد التوحيد، ص 419، داود بن محمود القيصري، شرح فصوص الحكم، ج1، ص 126، محمد بن إبراهيم الشيرازي، الحكمة المتعالية في شرح الاسفار الأربعة، ج7، ص 16، ج9، 45.



[45] انظر: يحيى بن حبش السهرورديّ، شرح حكمة الإشراق، ج3، ص 316، و481، صدر الدين الشيرازيّ، الحكمة المتعالية في شرح الأسفار الأربعة العقليّة، ج1، ص 294، حسن زادة آملي، هزار ويك كلمه، ج6، ص 270،



[46] حسين بن عبد الله بن سينا، إلهيّات الشفاء، تعليق صدر المتألّهين الشيرازيّ، ص 590، محمّد بن إبراهيم الشيرازيّ، الحكمة المتعالية في شرح الأسفار الأربعة، ج1، ص 294.



[47] يحيى بن حبش السهرورديّ، موسوعة مصنّفات شيخ الإشراق، ص 68.



[48] محمّد بن إبراهيم الشيرازيّ، ثلاثة رسائل فلسفيّة، ص 223.



[49] يحيى بن حبش السهروردي، شرح حكمة الاشراق، ص 536.



[50] انظر: زهره برقعي، خيال از نظر ابن سينا وصدر المتالهين، ص 243.



[51] حسين بن عبد الله بن سينا، الهيات الشفاء، تعليق صدر المتألهين الشيرازي،ج1، ص 592، هادي السبزواري، شرح الأسماء الحسنى، ص 747.



[52] محمد بن مرتضى الفيض الكاشاني، علم اليقين، ص 902.



[53] مسعود التفتازاني، شرح المقاصد، ج2، ص 56.



[54] انظر: داود القيصري، شرح فصوص الحكم، ج1، 667.



[55] سورة مريم: 17.



[56] محمد حسين الطباطبائي، تفسير الميزان، ج14، ص 35.



[57] سورة يوسف: 94.



[58] داود القيصري، شرح فصوص الحكم، ج1، ص 638.



[59] سورة يوسف: 4.



[60] سورة يوسف: 100.



[61] سورة يوسف: 36.



[62] سورة يوسف: 43.



[63] سورة الفتح: 27.



[64] داود القيصريّ، شرح فصوص الحكم، ج1، ص 667، فصوص الحكم، تعليقات: أبو العلا عفيفيّ، ج2، ص 105.



[65] انظر: محمّد أبو النصر الفارابيّ، آراء أهل المدينة الفاضلة، ص 92، محمّد بن إبراهيم الشيرازيّ، الحكمة المتعالية في شرح الأسفار الأربعة، ج7، 24-27.