البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

سؤال تجديد علم الكـلام سُـؤالٌ مَسؤول

الباحث :  د. سنوسي سامي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  24
السنة :  صيف 2022م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 20 / 2022
عدد زيارات البحث :  45
تحميل  ( 992.954 KB )
الملخّص
علم الكلام الإسلاميّ هو فنّ البحث في العقائد الإيمانيّة، دفاعاً وإقناعاً، وهو المتميّز بالموضوع العقديّ الباحث ‏في الإلهيّات والنبوّات والسمعيّات، وقد تكَرَّمت الحضارة الإسلاميّة بإنتاج المتكلّمين تكريما كبيراً، ولكن اليوم ‏وبعد تكاثر الشبهات حول الإسلام والمسلمين، أضحى سؤال تجديد علم الكلام فريضة على علماء الأمّة أكثر ‏من أيّ وقت مضى.‏ ‏


الكلمات المفتاحية
{تجديد علم الكلام، المتكلّمون، العقائد الإيمانيّة، المناظرة، المنهج الجدليّ‏}


ILM-KALAM Renewal, MOTAKALIMINES, Doctrine Faiths, Debate, the Method Argumenta
Dr _ Sami Snouci

Abstract ‎
‎ Islamic ILM-KALAM is the art of researching faiths, defense, and persuasion, and is ‎distinguished by the doctrinal subject whom it researches in divinity, prophecies, and ‎hearings. Islamic civilization has been honored by producing MOTAKALIMINES ‎‎(speakers) with great honor, but today, after some suspicions concerning Islam and ‎Muslims, the question of renewing ILM-KALAM is an obligatory task for the nation ‎scientists than ever before.‎

Keywords: Renewing ILM-KALAM, MOTAKALIMINES, doctrine beliefs, debate, dialectic ‎method ‎



مقدّمة:
لئن تأمّلنا واقعنا الدينيّ المعاصر بعين البصيرة، ألفيناهُ يئنّ تحت ضربات متتالية تأتي من جبهات متعدّدة، تستهدف عقيدة التوحيد رأساً، لهذا بات سؤال تجديد علم الكلام سؤالاً مسؤولاً[1]، على علماء الأمّة اليوم، سؤال الساعة، فكلّ يوم نسمع الجديد عن إيذاء الإسلام والمسلمين، بل ونرى في كل حين اغتصاب حرمات أهل القبلة المؤمنين، هذا الإهلاك العلنيّ للحرث والنسل، ومحاربة الدين الحنيف واستباحة دماء المؤمنين داعٍ كبير، وأذان في آذان العلماء بتجديد أركان علمٍ تصدّى لهذه الحملات العدائيّة في بواكير تطوّر الحضارة الإسلاميّة، إنّه علم الكلام الذي ما انفكّ علماؤه يقومون بنصرة عقيدة التوحيد، حتى اشتهروا عن غيرهم بالذَّود عن الدين وإقناع الخصوم بسماحته. 

لا يختلف اثنان في ضرورة علم الكلام، ومدى أهمّيّته الحضاريّة في القرون الأولى الهجريّة، ومِن ثَمَّ فلا يختلفان الآن في أنّ المنوط بالتجديد هو العلم ذاته، لأنّ دوره بارز والحملات الشنيعة المستهدِفة للدين التوحيديّ وعدم الردّ المُفحم، لها دليل قاطع على عجز الفقهاء والمفكّرين الرائجين عن ردّها، والسبب الأوحد هو غياب المتكلّمين الحقيقيّين، أو بالكاد غياب من يطرحون سؤالاً تجديديّاً لعلم الكلام، ما عدا بعض المحاولات التي لا تزال في رفوف المكتبات التجاريّة والجامعيّة، ولم تلقَ حتّى عرضاً للطلّاب في التخصّص والتخصّصات القريبة.

نأتي على ذكر الإشكال المحوريّ فنقول -وبالله التوفيق-: إلى أيّ مدى بلغت حاجتنا لسؤال تجديد علم الكلام اليوم ؟ وفي هذا المضمار نتساءل: فيم تمايز علم الكلام عن سائر العلوم الدينيّة؟ ما موقع المناظرة في الإنتاج الكلاميّ اليوم؟ كيف أثّرت شبهة التعدّديّة الدينيّة في ميلاد سؤال تجديد علم الكلام ؟

أوّلاً: امتيازات علم الكلام في دائرة العلوم الدينيّة.
لئن تساءلنا عن مميّزات عِلمٍ مّا، فإنّنا لا نفتأ نقف على ما يُغايِرُه عن سائر العلوم، إنْ في دائرته الكبيرة مع كلّ العلوم، أو في دائرته الضيقة في فلك العلوم القريبة إليه، ويُعدُّ علم الكلام أبرز العلوم الإسلاميّة، تالياً أشدّها تمايُزاً في دائرة العلوم الدينيّة، وممّا يمايزه ما يأتي:

1 – الامتياز العقديّ في الموضوع:
لا يختلف اثنان من أصحاب الاختصاص في موضوع علم الكلام، وهو العقائد الإيمانيّة، أو بالأحرى: البحث في العقائد الصحيحة، تحصيلاً، إثباتاً وإبطالاً لِـما لا يفيد منها، «فعلم الكلام هو بيان كيفيّة الاستدلال على تحصيل عقائد صحيحة جازمة بترتيب صحّة الشرائع عليها، أو الاستدلال على عقائد وشرائع مخصوصة»[2].

كما لا يفوتنا إيضاح أنّ كلّ المتكلّمين اتّفقوا –على اختلاف مذاهبهم وتعدّديّة فِرَقِهم- على موضوع العقائد الإيمانيّة تخصيصاً لعلم الكلام، فهو الحافظ لقواعد الدين من شُبَه المُبطلين، والمُصحّح لنية الاعتقاد، والغاية كلّها الفوز بسعادة الدارين[3]، فامتاز عمل المتكلّم ببحث العقائد الإيمانيّة، وخُصَّ بها أساساً دون الفقيه والمُفسّر والأصوليّ والمؤرّخ والفيلسوف، «فالتوحيد أمرٌ فطريّ ارتكازيّ، وهو أمر قد فُطِر الإنسان عليه مهما كابر وغالط، وقد تركّز في أعماق نفسه وانطوى عليه ضميره بطبعه من دون تكلّف، ولا حاجة للاستدلال»[4]. وكان عمل المتكلّم هو التحقيق في موضوع العقيدة الإسلاميّة من الداخل مدارسة وممارسة، ورَدُّ الحملات المتهافتة من الخارج من سائر المعتقدين بأديان أخرى، سماويّة أو أرضيّة، وبهذا الاشتغال أطلق أغلب المتكلّمين ورجال الدين على علم الكلام - علم أصول الدين، كون المتكلم ذاته يحرص على بناء التديّن على أصول وقواعد يقينية لا تتعرّض للشكوك المُبطلة والأساطير المضلّلة، وصحّة أصول الدين تعني بالضرورة صحّة فروعه من فقهيّات وشرعيّات عمليّة ونظريّة.

إذاً؛ تمايَز علم الكلام بالعقيدة عموماً، وبالعقيدة الإسلاميّة تخصيصاً، «فهو علم يقتدر معه إثبات العقائد الدينيّة بإيراد الحجج ودفع الشُّبَه، والمراد بالعقائد ما يُقصد به نفس الاعتقاد دون العمل، وبالدينيّة المنسوبة إلى دين محمد ،... إذ به تتمايزُ العلوم، وهو المعلوم من حيث يتعلق به إثبات العقائد الدينيّة»[5].

وبالجملة، أردنا بيان أنّ العمل الرئيس للمتكلّم هو بحث العقائد الإيمانيّة، وليست هذه الأخيرة من عمل الفقيه ولا المُفسّر ولا غيرهما، وبهذا تمايز علم الكلام في دائرة العلوم الإسلاميّة بأنّه علم يتعلّق بأصول الدين الحافظة تالياً لفروعه، وهو بهذا يمتاز بالأهمّيّة القصوى بالنظر إلى موضوعه المحوريّ في حياة الإنسان معاشاً ومعاداً، المعاش بعقيدة صحيحة سليمة، والمعاد في دار سعيدة خالية من الشقاوة.

وبناء على ما سبق؛ حاز علم الكلام شرف رئاسة العلوم الدينيّة قياساً على شرف معلومه، وهو «أنّ شرف العلم بشرف المعلوم، فمهما كان المعلوم أشرف كان العلم الحاصل به أشرف، ومعلوم علم الكلام هو ذات البارئ تعالى وصفاته، وما يجب له وما يستحيل عليه، فنسبة شرف علم الكلام إلى شرف سائر العلوم كنسبة شرف معلوم علم الكلام إلى شرف معلوم سائر العلوم، لكن لا نسبة لشرف البارئ إلى شرف سائر المعلومات، فلا نسبة لشرف علم الكلام إلى شرف سائر العلوم، (...) جميع العلوم محتاجة إليه، وهو غير محتاج إلى شيء منها؛ فهو إذاً أشرف من غيره»[6]. هذه المجزوءة تشرح لنا مكانة علم الكلام بين العلوم الدينية بالنظر إلى موضوعه ومعلومه الرئيس، وهو الذات العليّة المقدّسة، ما يجب لها وما يُسْلب عنها، ولـمّا كان موضوعه أشرف موضوع، كان أفضل العلوم ورئيسها وشريفها وموجّهها ومرشدها عن السقوط والضلال.
ورئاسة علم الكلام متوقّفة على معرفة البارئ –عزّ وجلّ-، فبمعرفته تكتمل سائر المعارف، «فإذا ثبت ذلك، فالنظر في طريق معرفة الله تعالى واجب؛ لأنّه لا طريق إلى معرفة الله تعالى إلّا النظر، وقد ثبت أنّ معرفة الله تعالى واجبة»[7]. هاهنا امتاز المتكلّمون على غيرهم من علماء الدين ببحث المسائل النظريّة الغيبيّة في صميم العقيدة، ابتداءً بمعرفة الله تعالى أو التوحيد، ثمّ الغاية من الرسل والرسالات، أو النبوّات، ثمّ المعاد أو السمعيّات، وأخيراً مسألة الإمام والإمامة.

وبالجملة «أشرف العلوم إنّما هو العلم الملقّب بعلم الكلام، الباحث عن ذات واجب الوجود وصفاته وأفعاله ومتعلّقاته»[8]، هذه أمّ المسائل العقديّة التي اختص بها المتكلّمون وامتاز على إثرها علم الكلام علماً عقديّاً صرفاً، وسؤال التجديد اليوم مرهون بالاحتفاظ بمقولة الشرف لهذا العلم، ففي تراثنا الكلاميّ الكبير ما يسدُّ حاجتنا إلى التجديد ذاته، لكن ينبغي التفكير أساساً في كيفيّة التجديد، إذ فيها يحدث التخليط، ولا بدّ من النسج على المنوال ذاته الذي سلكه المتكلّمون الأوائل، وبرهان ذلك نجاحهم في رسالتهم الدفاعيّة عن العقيدة الحنفيّة التوحيديّة، والشهادة تقال إلى يوم الدين. 

2 – الامتياز الجدليّ في المنهج:
من بديهيّات القول أنّ لكل علم منهجاً يميّزه على غرار موضوعه، لكن ثمّة علوم تتفاضل بقوّة مناهجها من حيث طبيعتها المتفرّدة، والجدل هو إحكام الكلام من حيث دقّة الاختيار وتدبّر النظام، وهو في المقام علاقة موسومة بالشدّة والصراع والخصام، وهو من حيث المرام رغبة في إظهار الحقّ، أو نِشدان الظفر والانتصار، وفي الحالين معاً هو تغييرٌ مّا في ذهن المجادَل من مواقف وأحكام»[9]. وأما منهج الجدل الذي ميّز الممارسة الكلاميّة، فيُعد القاعدة الضروريّة للحوار العقديّ أو المناظرة الكلاميّة، وظلّ الطابع المميّز للمتكلّمين في جدالاتهم الكلامية. وهو ما لم تعهده سائر العلوم كمنهج مُميّز لها، كالفقه والتفسير وغيرها من العلوم الإسلاميّة، ولكن لماذا تميّز علم الكلام بالمنهج التناظريّ أو الحوار العقديّ؟
في حقيقة الحال: علم الكلام علم جدليّ في طابعه العمليّ والتطبيقيّ، فلا يمكن تصوّر مناظرة دون كلام من الطرفين، لقد تولّد الجدل من هذه الممارسة من الجانبين، لهذا فالجدل عند المناطقة والمتكلّمين هو القياس المُشكَّل من مقدّمات مشهورة، «ومنافعه في الرياضة والمناظرة وعلوم الفلسفة، فأمّا منفعته في المناظرة فمن قِبَل أنّا إذا أحصينا آراء الجمهور كانت مخاطبتنا إيّاهم من الآراء التي تخصّهم، لا من الأشياء الغريبة، لننقلهم عمّا نراهم لا يصيبون القول فيه»[10]. وإشارة أرسطو حول نقل الجمهور ممّا نراهم مخطئين فيه، هو عَيْن الحجاج الكلامي عن طريق الجدل، وبهذا فلا يختلف الجدل بين علم الكلام والفلسفة إذا كان يُبنى في كِلا الصناعتين من مقدّمات ذائعة غرضها الإقناع أو الدفاع، ولكن ما ميّز علم الكلام بالجدل العقديّ هو اختصاصه –كما تمّ بيانه مُسبقاً– بالموضوع العقديّ رأساً، وليس كما تتوسّع موضوعات الفلسفة، ويبقى الجدل هو المشترك في ذلك.

وبالجملة: تمايزت صناعة الكلام بالمنهج الجدليّ، ولم تتمايز به سائر العلوم، ممّا فاضل المتكلّمين بدرجة أخرى علاوة على تمايزهم بالموضوع العقديّ، وللإشارة فإنّ المنهج ضروريّ في تجديد علم الكلام، المنهج الجدليّ القاضي بإقامة الحوار الكلاميّ الرصين، يشتغل به المتكلّمون على القضايا التي تمسّ كرامة الأمّة ولا سيّما تلك التي تتعلّق بالعقيدة التوحيديّة. أعني أنّ سؤال المنهج الكلاميّ سؤال مسؤول من طرف السائل أو المتكلّم المجدّد.

3 – الامتياز الدفاعيّ في المقاصد:
إنّ المقصد الغائيّ من وجود علم الكلام هو الدفاع عن عقيدة الحقّ ونصرتها، والذبّ عن أصول الدين الحنيف، « ولا يخفى الدور الكبير في تاريخ الإسلام لعلماء الكلام الذين استضاؤوا بهدى الله وبنور رسوله  في الذبّ عن عقائد المسلمين، إذ لم يوفّروا طريقة أو خطّة أو مسلكاً برهانيّاً كان أو إقناعيّاً، في إحقاق الحقّ وإبطال الباطل، وما زال هذا دأبهم حتّى جاءت مسالكهم القديمة طافحة بالحجج والبراهين التي قطعت أعناق المبتدعين»[11] .

فليس من صميم الحكمة أن يوصف علم الكلام بالعلم العقديّ، ذي المنهج الجدليّ بطريق المناظرة، مع التغافل عن مقصده الكبير والرئيس، الذي بواسطته تميَّز المتكلّمون وعلم الكلام عن سائر العلوم الدينيّة وعلمائها - بشرف الدفاع عن الدين، فمن المؤرّخين والمتكلّمين والفلاسفة من توجّه إلى إعطاء ماهيّة علم الكلام بناءً على مقاصده الدفاعيّة مُعرضاً عن هويّته العقديّة والجدليّة غير مُنكِرٍ لها بطبيعة الحال.

يقول أبو نصر الفارابيّ -وهو من أشهر فلاسفة الإسلام-: «وصناعة الكلام ملكة يقتدر بها الإنسان على نصرة الآراء والأفعال المحدودة التي صرّح بها واضع الملّة، وتزييف كلّ ما خالفها بالأقاويل (...) وهي غير الفقه؛ لأنّ الفقيه يأخذ الآراء والأفعال التي صرّح بها واضع الملّة مُسَلَّمةً، ويجعلها أصولاً، فيستنبط منها، الأشياء اللازمة عنها، والمتكلّم ينصر التي يستعملها الفقيه أصولاً من غير أن يستنبط منها»[12]. ومِن ثَمَّ وقف الفارابيّ على ماهيّة علم الكلام الدفاعيّة نافياً إيّاها عن صناعة الفقه، إذ الفقيه يستنبط الأحكام من أصول الملّة لا غير، ولا يدافع عن تلك الأصول، وعلى العكس من ذلك يدافع المتكلّم عن أصول الدين أو الملّة دونما استنباط منها.

إذاً؛ علم الكلام هو -من جهة المقاصد- فنّ الدفاع عن الثغور العقائديّة[13]، وهو أداة يقتدر معها المعتقد على نصرة عقيدته، وهذا المقصد أشار إليه الفارابيّ والجرجانيّ وعضد الدين الإيجيّ، وغيرهم من مصنّفي كتب علم الكلام، وبالجملة فإنّ الدفاع الذي ظلّ الخاصّيّة المميّزة للمتكلّمين في كلّ مراحل علم الكلام؛ يُعدّ الأساس في حفظ العقيدة من جهة، وإقناع الخصوم بالبرهان العقليّ من جهة أخرى، كي لا يروج الظنّ بأنّ الدفاع لذاته فقط، وبهذا فالهويّة الدفاعيّة هي المبعث الرئيس والجادّ الذي يفتقر إليه علماؤنا اليوم.
بناءً على المقالات السابقة نستنتج في هذه المقدّمات: أنّ علم الكلام الإسلاميّ إذْ تميّز في دائرة العلوم الإسلاميّة، فإنّ تمايُزه شوهد في ثلاث هويّات، أو خصائص تهندَس بها، في حين تفتقر إليها سائر العلوم الشرعيّة القريبة والبعيدة منه، وهي: الامتياز العقديّ في الموضوع، والجدليّ في المنهج، والدفاعيّ في المقصد، وبهذا تمّ العلم قائماً بذاته، تحتاجه سائر العلوم الأخرى، وتشتدّ الحاجة اليوم إلى إعادة تجديده وفق هذه الهويّات، وهذا بداعي نَظرتها وعدم فنائها، فالعقيدة بقيت هي هي، والجدل هو هو، والدفاع هو هو، ولا سيّما الدفاع، فهو الفريضة التي وجب تجديدها والرباط في سبيلها؛ لأنّ العقيدة الإسلاميّة الآن مستهدفة من طرف الخصوم أكثر من أيّ وقت مضى، وفي كلمة شاملة : رفع راية السؤال الكلاميّ كسؤال مسؤول عن أمراض الأمّة الآن.

ثانياً: أهمّيّة المناظرة في تجديد علم الكلام:
1 - في مفهوم المناظرة:
المناظرة عموماً هي مُحاورة تتمّ بين طرفين يسعيان إلى تحقيق الهدف في ميدان من ميادين المعرفة، حيث يواجه كلّ طرف الطرف الآخر بدعوى يدّعيها، ويدعمها بجملة من الأدلّة المناسبة، مواجهاً في ذلك اعتراضات الخصم، فهي حوار متحضّر ومهذّب يقوم على مقارعة الحجّة بالحجّة[14]، ابتغاء الوصول إلى الحقّ ونصرته.

وهي المباحثة والمباراة في النظر واستحضار كلّ مُناظر (فرداً أو جماعة) ما  يراه ببصيرته، أو هي إقبال كلّ واحد على الآخر بالمحاجّة، وهي المفاوضة على سبيل الجدل[15]، فما نلتمسه الآن هو أنّ المناظرة هي محاورة عميقة بين شخصين أو بين فرقتين، مع التزام كلّ طرف باتّباع الحقّ والصواب، وبمعنى آخر: انقياد كلّ مناظر للحُجّة الدامغة حتّى ولو كانت من إنتاج الخصم المفحِم، ومِن ثَمَّ فالمناظرة هي ممارسة منهجيّة تتطلّب من المتخاصمين إظهار الحقّ أو تأجيل الجدل والمخاصمة إلى وقت آخر، ثمّ إنّها توجب مستوى معرفيّاً من الطرفين لتجعل السامعين شاهدين على قرع الحجّة بالحجّة والانتصار في الأخير للمفحِم واتّباع دعواه. 
وقد امتاز علم الكلام بمنهج المناظرة، كونه العلم المُميّز بالكلام كفعل، والفعاليّة الكلاميّة الألسنيّة، يجري بين المتخاصمين مجرى الخطابة بين الخطيب وسامعيه، إلّا أنّ المتكلّمين أشد بلاغة وتبليغاً، كون الفعل الحواريّ ناشئاً بين الطرفين بصفة جدليّة متبادلة، وهي السمة البارزة عند المسلمين، ليس في علم الكلام فقط، بل في جميع الصناعات، وقد ذكر طه عبد الرحمن جملة من الاصطلاحات القريبة منها على سبيل التمثيل فقط، فقال: «بالإضافة إلى لفظي المناظرة والمحاورة، المخاطبة، والمجادلة، والمحاججة، والمناقشة، والمنازعة، والمذاكرة، والمباحثة، والمجالسة، والمفاوضة (في معناها القديم)، والمراجعة والمطارحة، والمساجلة، والمعارضة، والمناقضة، والمداولة، والمداخلة، وأخرى غيرها كثير»[16].

نستنتج إذاً أنّ المناظرة منهجٌ منتج للمعرفة، وتالياً هو الأنسب للممارسة الكلامية المتميّزة بالجدل، وفي تقديرنا المتواضع: لا يمكن بأيّ حال إنتاج علم كلام جديد، أعني تجديداً لعلم الكلام بمنأى عن تنشيط المناظرة، أو طرح سؤال الحوار العقديّ وضبط آدابه المنهجيّة والمعرفيّة. لا شك أنّنا نعلم أنّ علم الكلام تأسّس ابتداءً بهذا النمط الحواريّ في حلقات العلم، وكان ذلك في تشكُّلاته المبكّرة.

2 – المناظرة روح لعلم الكلام:
لماذا المناظرة أساساً؟ لماذا المناظرة بالضبط وليس ثمّة بديل عنها؟ هنا يسَعُنا أن نستجمع البراهين على ضرورة المناظرة، وعمق أهمّيّتها في إعادة تفعيل علم الكلام، ومسؤوليّة المتكلّمين المعاصرين اليوم في ذلك:
ابتداءً؛ إذا كان الجسم يفقد الحياة بفقده الروح، فإنّ علم الكلام يفقد وجوده بفقده للمناظرة، كونها المُحرّك المنهجيّ النشط لهذا العلم، «ولم يأخذ أيّ مجال علميّ إسلاميّ بهذا المنهج مثلما أخذ علم الكلام، هذا العلم الذي قام على تواجه العقائد سواءً بين أصحاب الملّة الواحدة أو بين أصحاب الملل المختلفة، حتّى إنّنا نرى أنّه أحقّ أن يُدعى ((علم المناظرة العقديّ)) من أن يُدعى باسم آخر»[17].

فثبت إذاً أنّ المناظرة هي المُفاعلة الحيّة للمباراة الكلاميّة، الباعثة المقتدرة لفعل الحوار المتحضّر والمنتج، ومتى استطاع إليها علماؤنا اليوم، استطاعوا بناء قواعد مؤسِّسة في سبيل تجديد علم الكلام. فلا مناص -إذن- من المناظرة كشرط واجب الوجود للانطلاق في عملية التجديد أو البعث أو الإحياء للسؤال الكلاميّ.

3 – شروط المُجدّد لعلم الكلام عند طه عبد الرحمن:
حدّد طه عبد الرحمن في كتابه ((في أصول الحوار وتجديد علم الكلام)) ضوابط معرفيّة ومنهجيّة وجب توفّرها في مجدّد علم الكلام حتّى يتأهّل إلى طرح السؤال الكلاميّ ويتحمّل تالياً مسؤوليّة الأمانة في الإنتاج المعرفيّ من لدُنه. فيجب عليه ما يأتي:

أ ـ أن يكون معتقداً: لا بدّ لرجُل الكلام أن يكون معتقداً بما ورد في كتاب الله -تعالى- والسنّة المحمّديّة، لهذا سمّي هذا العلم من طرف علماء الكلام بــ(علم التوحيد)[18]، وسمّي بــ(علم الذات والصفات) فاختص بأشرف مباحثه، وهو البحث في ذات الله -تعالى- وصفاته، والمعتقد يعتقد بالذات والصفات على قانون الإسلام.
ب ـ أن يكون محاوراً: لا بدّ كذلك للمتكلّم من المحاورة، فلا خطاب إلّا بين اثنين فأكثر، وربما هذه الحقيقة التي رفعت تسمية علم الكلام -الذي هو من المكالمة التي تحدث بين اثنين- إلى تسميته بــ(مقالات الإسلاميّين)[19].
ج ـ أن يكون ناظراً: والنظر هو طلب الفكر لشيء مخصوص سالكاً إليه طرقاً مخصوصة يعتقد أنّها قادرة على الظفر به، لهذا نجد النظر خصّ علم الكلام، فسمّي بــ(علم النظر والاستدلال)[20].

فهذه شروط منهجية صارمة تُرشد السائل عن تجديد علم الكلام، وبالجملة: فإنّ المسؤوليّة اليوم في التجديد منوطة بدراسة ذاك الامتياز البارع الذي حازه المتكلّمون، «إنّ المستوى الرفيع الذي حصّله المتكلّمون في ضبط المناهج العقليّة والأخذ بالقويم من الأدلّة المنطقيّة، يفوق المستوى الذي بلغه من يقوم من علماء المسلمين اليوم بالتصدّي للمذاهب الفكريّة غير الإسلاميّة، كما يفوق مستوى مَن يتولّى مِن مفكّري العرب المعاصرين مَهمّة تجديد التنظير لمناهج البحث في الإنتاج الإسلاميّ»[21].

4 – مُفْسِدَات المناظرة الكلاميّة:
للمناظرة الكلاميّة ضوابط ناظمة لإنتاج إسلاميّ أصيل وبارز، ولكن ثمّة ما يحيد بها عن جادّة الصواب، وما لا يجوز أن يرتكبه رجل المناظرة أو المتكلّم أو نقول المجدّد السائل والمسؤول، إن كان قصده إنتاج معرفة منهجيّة تصبو إلى كشف الحق واتباعه، فكانت المُفسدات هي:

أ ـ المصادرة: هي ما يُجعل في الصدر، والصدر المقدّم والأوّل والسابق، واستخدم مفهوم المصادرة منطقيّاً لإفادة القضيّة أو الحكم أو الاعتقاد الذي يوضع مقدّمة وأوّلاً وسابقاً، يعدّ غير محتاج إلى برهنة، أو إثبات من جهة ويكون من جهة أخرى دليلاً يستند إليه في إثبات قضايا أو أحكام أو اعتقادات[22].
وهي نتيجة الدليل ومقدّمته في الآن نفسه، مع تغيير في اللفظ لإيهام السامع -حسب حبنكة الميدانيّ- فالغرض من المصادرة إيهام المستدلّ خصمه بمغايرة النتيجة للمقدّمة، لذلك فهي وظيفة ممنوعة غير مقبولة في الاستدلال، وللخصم دفع الدليل بعلّة المصادرة فيه[23].
إذن: فالمصادرة ممنوعة في الممارسة الكلاميّة التناظريّة، وفي إطار المناظرة، لأنّها برهان بالمقلوب من جهة التمويه، وهذا يحطُّ من قيمة المتكلّم من جهة الدعوى المحاجج هو عليها، وكذا يكون الإنقاص من قوّة البلاغة والاستدلال، وطالما أنّ البلاغة هي من البيان والإبلاغ، فإنّ كلّ مصادرة عن المطلوب هي خروج عن جادّة الإيضاح والتبليغ الصائب، وتصبح المناظرة بهذا شكلاً من المماراة اللفظيّة البعيدة عن منهجيّة الاستدلال والنظم المنطقيّ، وتالياً يصبح المناظر مموّهاً وبعيداً عن أخلاق المناظرة الحقيقيّة والهادفة.
ب ـ الغصب: وهو أخذ المُناظِر وظيفة الاستدلال على بطلان دعوى للخصم قبل أن يترك له فرصة إقامة الدليل عليها، كقول المعلّل: هذا الكون أزليّ، ويقول السائل، هذه الدعوى باطلة؛ لأنّ الكون متغيّر وكلّ متغيّر حادث[24]، فنحن نلاحظ أنّ المعلّل لم يقدّم حججاً ودلائل على دعواه، والسائل غصب في إبطال موقفه.
ج ـ المجادلة لا لإظهار الحقّ: يراد من المجادلة: المنازعة لا لأجل إظهار الحقّ، بل لأجل الانتصار على الخصم، بإلزامه أو إفحامه، وهي ممنوعة شرعاً[25]، وقد نزلت سورة قرآنيّة باسم المجادلة؛ لأنّها نوع من المراء دون الانتصار للحقّ، بل الانتصار فيها يكون لفرقة أو لأهواء وهكذا، فهي ليست من المناظرة في شيء.
د ـ المكابرة: هي المنازعة لا لإظهار الصواب، ولا لإلزام الخصم، ولكن لإظهار الفضل، ومن المكابرة نقض الدليل بلا شاهد، أو منع البديهيّات وعدم التسليم بها[26].
هـ ـ المعاندة: هي -في اصطلاح أهل هذا الفنّ- المنازعة بين شخصين لا يفهم أحدهما كلام صاحبه، وهو يعلم ما في كلام نفسه من الفساد ومجانبة الصواب[27]، وهي أيضاً من السفسطة والمراء في المناظرة، ومن أسباب إنقاص مقاصدها. 
و ـ الجواب الجدليّ: هو ما يذكره المجيب وهو يعتقد بطلانه، سواء أكان باطلاً في الواقع ونفس الأمر أو غير باطل، وطالما أنّ المقصود منه واضح التمويه فهو لا يجوز في المناظرة[28]؛ لأنه ينقص من عمل المتكلّم الإقناعيّ والاستدلاليّ بوجه التحقيق والانتصار للحقّ.
وبالجملة: تُعدّ المناظرة الروح المنهجيّة التي يتوسّل بها المجدّد لعلم الكلام، فهي الناظمة والمرشدة للمتكلّم قبل تجديده للكلام، وقد لاحظنا سابقا الشروط المعرفيّة والممنوع الأخلاقيّ فيها، وطالما أنّ المتكلّمين الأوائل حازوا براعة وعبقريّة منقطعة النظير، فلا مناص من العودة إلى النصّ الكلاميّ التراثيّ الأصيل، واستنطاق مضامينه الحبلى بالفيوض المعرفيّة، الراشدة للعقول في سبيل ردّ الشبهات المتكثّرة اليوم.

ثالثاً: شُبهة التعدّديّة الدينيّة من دواعي تجديد علم الكلام.
تشتدّ حاجتنا إلى تجديد علم الكلام يوماً بعد يوم، بل وبات سؤال التجديد مسؤولاً أكثر من أيّ وقت مضى، ولا سيّما والشُّبهات المُعادية للعقيدة تتفاقم وتتكاثر بسرعة قصوى، فالمتتبّع لأحوال الفكر الدينيّ الإسلاميّ المعاصر لا يخفى عليه ما مسّ الباحثين من شطط معرفيّ، وهذا بسبب ما توافد على عقولهم من أفكار وشبهات منشؤها في بلاد النصارى، ولعلّ أبرزها أسطورة التعدّديّة الدينيّة، فما المقصود بها؟ ولماذا كانت الشبهة الكبرى التي ألحّت على تجديد علم الكلام بغية التصدّي لها؟

1 – معنى التعدّديّة الدينيّة:
التعدّديّة الدينيّة ميدان يقبل واقعاً متعدّد التجارب الدينيّة، ويسع كلّ متديّني العالم مهما كانت مِللهم ونِحَلُهم، إذن: «تعني أطروحة البلوراليّة: الاعتراف برسميّة التعدّد والتنوّع في الثقافات والأديان واللغات والتجارب البشريّة، في كلّ المجتمعات دون استثناء، والبلوراليّة -أي: التعدّديّة بالشكل الموجود حاليّاً- تعدُّ من نتاجات الحضارة الجديدة، وتبحث في مجالين مُهمَّينِ: أحدهما مجال الأديان والثقافات، والآخر المجال الاجتماعيّ، فهناك بلوراليّة في المعرفة الدينيّة، وبلوراليّة في المجتمع، أي الدين البلوراليّ والمجتمع البلوراليّ»[29]، ومِن ثَمَّ فالدين لا بدّ أن يكون إنسانيّاً، فلا يمكن إرغام أيّ شخص على عقيدةٍ مّا، ومن هنا تسود الحرّيّة الدينيّة والاجتماعيّة التي تحفظ من الصراع وتقوّي -تالياً- فلسفة الحوار والتعايش السلميّ[30].
فهذا بيان مضلّل ومتهافت يدّعي وجود تعدّديّة في الديانات في العالم، وكلّ منها تتميّز بمقولاتها، وحضارتها المُحتكِمة -طبعاً- إلى معايير كلّيّة أو مرصوصة مع سائر التعدّديّات، «كما أنه يوجد ارتباط وثيق بينهما (المجتمع، والدين)؛ بمعنى أنّ الأشخاص الذين يذهبون إلى القول بالتعدّديّة على المستوى الثقافي والديني - لا يمكنهم التنكُّر لمقولة التعدّديّة الاجتماعيّة»[31] .

لهذا يستند سروش (المفكّر الإيرانيّ المعاصر والداعم لنظريّة التعدّديّة الدينيّة) إلى توضيح أنّ سُنّة الاختلاف موجودة  منذ وجود المجتمعات الأولى في التاريخ، بمعنى: أينما يكون المجتمع تتشّكل فيه تعدّدية كمفهوم يَصْدق على عدّة قضايا، سواء تعلّق الأمر بالدين أو غيره «ورغم أنّ فكرة البلوراليّة أو التعدّديّة تبدو جديدة من حيث اللفظ، إلّا أنّها تمتدّ في أعماق تاريخ الفكر البشريّ، ليس على مستوى تاريخ الفكر العربيّ الإسلاميّ فحسب، بل تمتدّ جذورها في التاريخ الفكريّ للبشريّة أيضاً لكلّ المجتمعات، ومن الطبيعي أن يحظى الطابع العربيّ الإسلاميّ في هذه الأطروحة -بالنسبة لنا-  بجاذبية أكبر، وركز إذن سروش الكلام حول التعدّديّة الدينيّة؛ وذلك لأنّ هذه الأطروحة  في الأصل تعتمد على دعامتين: إحداهما التنوع في الإفهام الاجتماعيّة بالنسبة للمتون الدينيّة، والأخرى التنوع في تغييرنا للتجارب الدينيّة»[32] .

2 ـ اعتراض علم الكلام على دعوى التعدّديّة الدينيّة:
ليس جديداً أن يعترض المتكلّمون على التعدّديّة الدينيّة، بل كان ذلك في أبكار المناظرات الكلاميّة، بينهم وبين سائر الفرق غير الإسلاميّة التي تدّعي صحّة ما تعتقد، وعلى تعدّد مذاهب الخصوم من المعتقدين لغير دين الإسلام، من: يهود ونصارى ومجوس وصابئة، وغيرهم، فقد تصدّى المتكلّمون وأبطلوا مقالاتهم بدعوى أحقّيّة دين الإسلام فقط، وتهافت مزاعم ما عداه من المعتقدات السماويّة السابقة بداعي التحريف من جهة، وبداعي نسخ الإسلام لباقي الشرائع من جهة أخرى، فما عاد ثمّة تعدّد وكثرة للحقّ في الأديان، بل ثمّة دين واحد حقّ وهو دين الإسلام.
ولكنّ الرواسب الوثنيّة في النصرانيّة اقتضت أن تمارس التضليل باسم تعدّد الحقّ وحرّيّة التديّن، لتُفضي في الأخير إلى التكثير أو البلوراليّة كما لم تسلم من قبل من التثليث المنافي –من كلّ جهة- للتوحيد، فكيف يصمُدون أمام أسطورة التثليث؟ «وألزمهم أنْ قالوا: إنّه متبعّض ذو أبعاض ثلاثة، بأنّه جسم متغاير وبأنّه محدث، (...)، فقد صحّ بطلان قولهم بأنّ الحياة بعضه، أو غيره، فإلى أيّ موقف من ذلك تمسّكوا به لزمهم ترك النصرانيّة، (...)، وإن قالوا إنّ الحياة هي الحيّ فقد أقرّوا بالتوحيد»[33].

وبالجملة بات سؤال تجديد علم الكلام مُلحّاً أكثر من أيّ وقت مضى، ولعلّ إشكالات التعدّديّة الدينيّة وأساطيرها من أكبر الشبهات التي لا مناص من ولوجها بالأسس الكلاميّة، ولا سبيل إليها إلّا بتجديد علم الكلام، إذ هو العلم المقتدر على معالجة الأمراض العقديّة الجديدة في عالمنا اليوم.

خاتمة:
ممّا سبق تحليله وإيراده بخصوص الحاجة إلى تجديد سؤال علم الكلام، من المفيد أن نستجمع أهمّ النتائج، ونحرص على ترتيبها في شكل نقاط كي يتسنّى للقارئ فهم مقاصد الدراسة في أسطر وجيزة، فنقول:
ـ تمايَز علم الكلام وظَلّ بمميّزات جعلته علماً مسؤولاً عن الرباط في سبيل نصرة عقيدتنا، فاختصّ بالعقيدة الإسلاميّة دفاعاً وإقناعاً، وبسائر العقائد نقضاً وإبطالاً، فحاز شرف رئاسة العلوم الدينيّة، ونحن اليوم بحاجة ماسّة إلى تفعيل السؤال الكلاميّ بالنظر إلى هذه التمايزات المُستشرِفة والداعية إلى تجديد علم الكلام.

ـ مسؤوليّة تجديد علم الكلام تقع على عاتق علماء الأمّة اليوم سُنّة وشيعة كلّهم، لأنّ الشبهات الواردة تجتاح العالم الإسلاميّ كلّه، وتحاول ضرب صميم العقيدة الإسلاميّة، لهذا فيجب على العلماء طرح سؤال تجديد علم الكلام، وتحمّل مسؤوليته أمام التحديات المتنامية كلّ يوم.
ـ تجديد علم الكلام ليس هو سخافة علم الكلام الجديد؛ لأنّ الفارق شاسع جدّاً، فالأوّل محاولات تقلّد علم اللاهوت المسيحيّ المبنيّ على القراءة المتعددة للنصوص الإلهيّة والإنسانيّة، أما تجديد علم الكلام فهو إعادة بعث الروح الحوارية في كلامنا الأصيل، دون الاستناد إلى سفسطات النصارى التي أطلقوا عليها الآن فلسفة الدين/الأديان.
ـ تُعدُّ المناظرة منطلقاً منهجيّاً بالغ الأهمّيّة، كونها المُحرّك المُميّز لعلم الكلام الأوّل، وقد ثبت نجاحها الكبير في الذبّ عن العقيدة وإفحام كلّ الخصوم، وتالياً هي الوجه العمليّ لعلم الكلام، كي يتمّ إبطال دعوى كون النصّ الكلاميّ مجرّد مقالات تجريديّة فحسب.

ـ الشبهات الكبيرة هي الداعي المناسب والأساس في مساءلة علماء الأمّة اليوم، ومنها سفسطات التعدّديّة الدينيّة، وشبهاتها المُغرية لضِعاف العقيدة، وقد وقف اختيارنا عليها كنموذج عن الشُّبَه؛ لأنّ الاشتغال بها يتكاثر ويؤدّي إلى فرض نوع من مشروعيّتها، لذا يُعظّم سؤال تجديد علم الكلام وأمانته مسؤوليّة علماء الأمّة الحقيقيّين.

قائمة المصادر والمراجع:
1 -الآمدي سيف الدين: غاية المرام في علم الكلام، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، ط1، بيروت، دار الكتب العلمية، 2004.
2- أحد قراملكي: الهندسة المعرفية للكلام الجديد، ترجمة: حيدر نجف وحسن العمري، ط1، بيروت، دار الهادي، 2002.
3 - أرسطو: النص الكامل للمنطق، الجدل، المغالطة، تحقيق: فريد جبر، ط1، المجلد5، بيروت، دار الفكر اللبناني، 1999.
4 - الإيجي عضد الدين: المواقف في علم الكلام، دط، بيروت، عالم الكتب، دون تاريخ.
البهلول عبد الله : الحجاج الجدلي خصائصه الفنية وتشكلاته الأجناسية، ط1، دون  ذكر مكان، 2013.
5 - الرازي فخر الدين: الإشارة في علم الكلام، تحقيق:هاني محمد، ط1،الأزهر، المكتبة الأزهرية للتراث، دون تاريخ.
6 - سروش عبد الكريم: التراث والعلمانية، ترجمة: أحمد القبانجي، ط1، بيروت، منشورات الجمل، 2009.
7 - سروش عبد الكريم: الصراطات المستقيمة، ترجمة أحمد القبانجي، ط1، بيروت، منشورات الجمل، 2009.
8 - سلامي عبد اللطيف: المدخل إلى فن المناظرة، ط1، قطر، دار بلومزبري، 2014.
9 - سميح دغيم: موسوعة مصلحات علم الكلام الإسلامي، ط1، بيروت، مكتبة لبنان ناشرون، 1998.
10 - الطباطبائي السيد الحكيم: أصول العقيدة، ط1، دار الهلال، 2006.
11 - طه عبد الرحمن: في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ط2، بيروت، المركز الثقافي العربي، 2000.
12 - الطوسي محمد بن حسن: تمهيد الأصول في علم الكلام, تحقيق: المركز التخصصي لعلم الكلام التابع لمؤسسة الإمام الصادق، قم، منشورات الرائد، 1394هـ.
13 - الغزالي أبو حامد: إلجام العوام عن علم الكلام: إعداد: مركز دار المنهاج للدراسات، ط1، بيروت، دار المنهاج، 2017.
14 - الفارابي أبو نصر: إحصاء العلوم، تحقيق: عثمان أمين، ط2، مصر، دار الفكر العربي، 1949.
15 - القاضي عبد الجبار: المغني في أبواب التوحيد والعدل، تحقيق: محمد خضر نبها، ط1، المجلد4 و5، جزء الفرق غير الإسلامية، بيروت، 2012.
16 - قائمي محمد وآخرون، معجم المصطلحات الكلامية، المجلد الثاني، مجمع البحوث الإسلامية، إيران، مادة: المناظرة.
17 - الميداني عبد الرحمن حسن حبنكة: ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة، ط4، دمشق، دار القلم، 1994.
18 - الميلاني السيد على الحسيني، الإمامة في أهم الكتب الكلامية وعقيدة الشيعة الإمامية، ط1، قم، مطبعة سيد الشهداء، 1413هـ.
19 - النقاري حمو: معجم مفاهيم علم الكلام المنهجية، ط1، بيروت، المؤسسة العربية للفكر والإبداع، 2016.

------------------------------
[1] السؤال المسؤول: اصطلاح من وضع طه عبد الرحمن المغربيّ، ومُفاده: ذلك السؤال الذي يسأل عن وضعه بقدر ما يسأل عن موضوعه، (الحقّ العربيّ في الاختلاف الفلسفيّ، ص14)، وقد وقف اختيارنا على هذا المصطلح، لمناسبته وضع السؤال الكلاميّ، فينبغي لسؤال تجديد علم الكلام أن يكون مسؤولاً عن نفسه قبل موضوعه، وتالياً يتحمّل مسؤوليّة السؤال، وثقل الأمانة في التجديد ومقتضياتها الدفاعيّة عن الدين. تجديد علم الكلام سؤال مسؤول، والمجدّد سائل مسؤول كذلك.
[2] سميح دغيم: موسوعة مصلحات علم الكلام الإسلاميّ، ط1، بيروت، مكتبة لبنان ناشرون، 1998م، ص 841.
[3] الميلانيّ السيّد علىّ الحسينيّ، الإمامة في أهمّ الكتب الكلاميّة وعقيدة الشيعة الإماميّة، ط1، قم، مطبعة سيد الشهداء، 1413هـ، ص 12.
[4] الطباطبائي السيّد الحكيم: أصول العقيدة، ط1، دار الهلال، 2006م، ص 55.
[5] الإيجيّ عضد الدين: المواقف في علم الكلام، د.ط، بيروت، عالم الكتب، دون تاريخ،ص7.
[6] الرازي فخر الدين: الإشارة في علم الكلام، تحقيق: هاني محمّد، ط1، الأزهر، المكتبة الأزهريّة للتراث، دون تاريخ، ص 29-30.
[7] الطوسيّ محمّد بن الحسن: تمهيد الأصول في علم الكلام، تحقيق: المركز التخصصيّ لعلم الكلام التابع لمؤسّسة الإمام الصادق، قم، منشورات الرائد، 1394هـ، ص 45.
[8] الآمديّ سيف الدين: غاية المرام في علم الكلام، تحقيق: أحمد فريد المزيديّ، ط1، بيروت، دار الكتب العلميّة، 2004م، ص 13.
[9] البهلول عبد الله: الحجاج الجدليّ خصائصه الفنّيّة وتشكّلاته الأجناسيّة، ط1، دون ذكر مكان، 2013م، ص 137.
[10] أرسطو: النصّ الكامل للمنطق، الجدل، المغالطة، تحقيق: فريد جبر، ط1، المجلّد5، بيروت، دار الفكر اللبنانيّ، 1999م، ص 638.
[11] الغزاليّ أبو حامد: إلجام العوامّ عن علم الكلام: إعداد: مركز دار المنهاج للدراسات، ط1، بيروت، دار المنهاج، 2017م، ص 12.
[12] الفارابي أبو نصر: إحصاء العلوم، تحقيق: عثمان أمين، ط2، مصر، دار الفكر العربي، 1949، ص 107-108.
[13] أحد قراملكي: الهندسة المعرفية للكلام الجديد، ترجمة: حيدر نجف وحسن العمري، ط1، بيروت، دار الهادي، 2002، ص 50.
[14] سلامي عبد اللطيف: المدخل إلى فنّ المناظرة، ط1، قطر، دار بلومزبري، 2014م، ص 44 .
[15] قائمي محمّد وآخرون، معجم المصطلحات الكلاميّة، المجلّد الثاني، مجمع البحوث الإسلاميّة، إيران، مادّة: المناظرة، ص، 326.
[16] طه عبد الرحمن: في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، ط2، بيروت، المركز الثقافيّ العربيّ، 2000م، ص 69.
[17] طه عبد الرحمن: في أصول الحوار وتجديد علم الكلام، مرجع سابق، ص 70.
[18] المرجع نفسه: ص71.
[19] طه عبد الرحمن: مرجع سابق: ص71.
[20] المرجع نفسه: ص71.
[21] المرجع نفسه: ص 71 - 72.
[22] النقاري حمو: معجم مفاهيم علم الكلام المنهجيّة، ط1، بيروت، المؤسّسة العربيّة للفكر والإبداع، 2016، ص478.
[23] الميدانيّ عبد الرحمن حسن حبنكة: ضوابط المعرفة وأصول الاستدلال والمناظرة، ط4، دمشق، دار القلم، 1994م، ص451.
[24] الميدانيّ عبد الرحمن حسن حبنكة: مرجع سابق، ص 452 - 453.
[25] المرجع نفسه: ص453.
[26] المرجع نفسه: ص 454.
[27] المرجع نفسه: ص 454.
[28] الميدانيّ عبد الرحمن حسن حبنكة: مرجع سابق: ص454.
[29] سروش عبد الكريم: الصراطات المستقيمة، ترجمة أحمد القبانجيّ، ط1، بيروت، منشورات الجمل، 2009م، ص 11.
[30] سروش عبد الكريم: التراث والعلمانيّة، ترجمة: أحمد القبانجيّ، ط1، بيروت، منشورات الجمل، 2009م، ص 98.
[31] المصدر نفسه، ص 11.
[32] سروش عبد الكريم: الصراطات المستقيمة، مصدر سابق، ص 12.
[33] القاضي عبد الجبّار: المغني في أبواب التوحيد والعدل، تحقيق: محمّد خضر نبها، ط1، المجلّد4 و5، جزء الفرق غير الإسلاميّة، بيروت، 2012م، ص، 97.