البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

العلاقة بين العقل والدين في الفكر الإسلاميّ

الباحث :  د. محمّد شلوا عليّ السودانيّ
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  24
السنة :  صيف 2022م / 1443هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 20 / 2022
عدد زيارات البحث :  63
تحميل  ( 1.095 MB )
الملخّص
اتّخذ البحث في هذا الموضوع دراسة جديدة في الفكر المعاصر، وفي موضوع سمّيناه: (العلاقة ‏بين العقل والدين دراسة مقارنة بين الفكر الإسلاميّ والغربيّ)؛ وذلك من خلال عرض مطالب ‏عقليّة دينيّة، تروم إلى العلاقة بين العقل والدين واتّحادهما في بعض الموارد، لا سيّما بعد ‏الرجوع إلى البرهان العقليّ والدليل الشرعيّ، وبيان الأدلّة العقليّة والنقليّة في إثبات قابلية العقل ‏وقدرته على كشف الأمور، وكذلك بيان الدور الوحيانيّ في إعطاء الحقيقة، والسعي إلى رفع ‏التناقض بين القضايا العقلية والقرآن والروايات، وجاءت هذه الدراسة وفق مقارنة تحليليّة بالبيان ‏والنقد العلميّ.‏
تضمّنت هذه الدراسة ثلاثة مباحث وخاتمة، وجاء في المبحث الأوّل بحوث تمهيديّة، من بيان ‏معنى العقل، والدين لغة واصطلاحاً، وكذلك معرفة تاريخ المسألة فيما يخصّ أصحاب ‏الحديث، الأخبارية، مكتب التفكيك، الفلاسفة والمتكلّمين. وتناولنا في المبحث الثاني العلاقة ‏بين العقل والدين في الفكر الغربيّ، وتحدثنا عن بعض المدارس الفكريّة، كالمدرسة الإيمانيّة، ‏والعقليّة الإفراطيّة، والعقليّة التفريطيّة. أما المبحث الثالث وهو العمدة في الكلام، فقد تناولنا ‏فيه العلاقة بين العقل والدين في الفكر الإسلاميّ، وممّا جاء في المبحث الأول: هل أنّ العقل ‏قادر على كشف الأمور أم لا؟، وفي المبحث الثاني: هل الوحي يعطينا الحقيقة أم لا؟
وختمنا المبحث الثالث برفع التناقض بين القضايا العقلية والقرآن والروايات، وأثبتنا فيه وحدة ‏التكامل بينهما.‏
وانتهينا إلى خاتمة وعرض مُلخّص عن أهمّ النتائج المثمرة من هذا البحث، وختمنا البحث بهذه ‏الخطّة التفصيليّة.‏



الكلمات المفتاحية
{الأخباريّة، أصحاب الحديث، الدين، العقل، الفلاسفة والمتكلّمون‏، مكتب التفكيك}



The relationship between mind and religion in the Islamic thought
Mohammed Chaloa Ali Al Sudani
Ph.D. in speech science



Abstract ‎

‎The study on this topic adopted a new study in the modern thought and is ‎a subject we called the relationship between mind and religion in the ‎Islamic thought a comparative study between the Islamic and western ‎thought and that is through showing religious mental demands, aims to ‎the relationship between mind and thought and combine them in some ‎origins, in particular after going back to the mental proof and forensic ‎evidence, and show the traditional and mental evidence to proof the mind ‎ability to reveal things, as well as revealing things, including the ‎inspiration role to give the truth, and try to remove the contract between ‎mental things, Quran and narrations. This study comes according to ‎analytic comparison by evidence and scientific criticism.‎
The study contains three chapters and a conclusion, and in the first chapter ‎comes the introductory studies, showing the meaning of mind and religion ‎linguistically and idiomatically and also knowing the history of the matter ‎regarding the hadith's companions, statements, dismantling office, ‎philosophers and speakers. We addressed in chapter two the relationship ‎between mind and religion in western thought, and we talked about the ‎mental schools, as the school of theistic, the mind overindulgence, the ‎mind negligence.‎
In the third chapter which is the main part of the study, we addressed the ‎relationship between the mind and religion in Islamic thought and what ‎came in the first chapter is whether the mind can reveal things or not? , ‎and in the second chapter is the oracle giving us the reality or not? And ‎we concluded in the third chapter to reveal the contract between the ‎mental things, Quran, and narrations, and we proved the unity of ‎complementary between them.‎

And we finished concluding and showing the abstract of the most ‎productive results in this study, and we conclude the study in this detailed ‎plan.‎

Keywords: mind, religion, hadith companions, narrations, dismantling office, philosophers, ‎speakers.‎

المبحث الأوّل: المباحث التصوّريّة
المطلب الأوّل: تعريف العقل والدين لغة واصطلاحاً
أوّلاً: تعريف العقل لغةً واصطلاحاً

العقل لغةً:
قال الخليل: « العقل نقيض الجهل، عقل يعقل عقلاً فهو عاقل، والمعقول: ما تعقله في فؤادك. وعقلت البعير: شددت يده بالعقال، أي: الرباط. والعقيلة: المرأة المخدّرة المحبوسة في بيتها، وجمعها عقائل. والعقل: الحصن، وجمعه العقول »[1].
وقال ابن فارس: «(عقل) العين والقاف واللام أصل واحد منقاس مطّرد يدلّ عظمه على حبسة في الشيء أو ما يقارب الحبسة. من ذلك العقل، وهو الحابس عن ذميم القول والفعل»[2].
وجاء في المصباح: « عقلت البعير عقلاً من باب ضرب: وهو أن تُثني وَظيفَهُ مع ذراعه فتشدّهما جميعاً في وسط الذراع بحبل، وذلك هو العقال. وعقلت القتيل: أدّيت ديته، ودافع الدية عاقل، والجمع عاقلة، وجمع العاقلة عواقل.
وعقلت الشيء: تدبّرته، ثمّ أطلق العقل الّذى هو مصدر على الحجا واللبّ. فالرجل عاقل، والجمع عقّال، وربّما قيل عقلاء. واعتقلت الرجل: حبسته »[3].
والظاهر أن اشتقاق عقال: من عقال البعير. وكل شيء حبسته فقد عقلته، ولهذا سمّي العقل بهذا الاسم لأنّه يمنع عن الجهل. ويقال: عقل الدواء بطنه، والدواء عقول.

والعقل جمعه عقول، ورجل عاقل وقوم عقلاء وعاقلون، ورجل عَقول إذا كان حسن الفهم وافر العقل.

العقل اصطلاحاً:
لقد اتّفق أصحاب الشرائع والملل في أنّ مناط التكاليف الشرعيّة هو العقل، به يثاب الإنسان وبه يعاقب، وبه يعرف الحقّ من الباطل، إلّا أنّهم اختلفوا في تعريفه.
فمنهم من عرّف العقل: « بأنّه غريزة يلزمها العلم بالضروريّات عند سلامة الآلات »[4].
وعلّق الإستراباديّ على التعريف فقال: « والغريزة هي الطبيعة التي جُبِل عليها الإنسان.
والآلات هي الحواسّ الظاهرة والباطنة.
وسلامتها عبارة عن عدم زوالها أو تعطّلها بنحو السُّكْر والنوم »[5].
وعرّفه العلّامة الحلّيّ: « بأنّه العلم بوجوب الواجبات واستحالة المستحيلات؛ لامتناع انفكاك أحدهما عن الآخر »[6].
 ومنهم المصطفويّ قال: إنّ‌ العقل‌ « هو قوّة بها يتميّز الخير والصلاح مادّيّاً ومعنويّاً، ثمّ توجِب الضبط عن الخلاف والتمايل، وفي جهة التشخيص: هو أقوى وسيلة في تحصيل السعادة والوصول إلى الكمال، ولا ينفع في فقدانه عبادة ولا زهد ولا رياضة ولا أيّ عمل واقع»[7].

والخلاصة: بالعقل‌ يستعدّ الإنسان لإدراك كلّ خير، وبه يصل إلى كلّ سعادة وكمال، وكلّما قوى العقل واشتدّ، كان استعداده أقوى وأتمّ. فهو حالة من أحوال النفس الناطقة، بها يُدرك الضروريّات، كحسن بعض الأشياء وقبح بعض. وهو الحقّ.

ثانياً: تعريف الدين لغة واصطلاحاً
الدين لغةً:
قال الفراهيديّ -وهو يبيّن الدَّين والدِّين-: « جمع الدَّين [بفتح الدال] دُيون، وكلّ شيء لم يكن حاضراً فهو دَيْنٌ. وأَدَنْتُ فلاناً أَدينُه، أي: أَعطيتُه دَيْناً. ورجلٌ مَدْيُون: قد رَكِبَهُ دَينٌ...
والدِّينُ [بكسر الدال] جمعُهُ الأديان. والدِّينُ: الجَزاءُ... كقولِكَ: دانَ اللهُ العِبادَ يَدينُهم يومَ القيامة، أي: يَجزيهمِ، وهو دَيّانُ العِباد. والدِّينُ: الطّاعةُ، ودانوا لفلان، أي: أطاعوه. وفي المَثَل: كما تَدينُ تُدانُ، أي: كما تأتي يُؤتى إليكَ »[8].

وقال ابن فارس: « (دَيَنَ) الدال والياء والنون أصل واحد إليه يرجع فروعه كلّها. وهو جنس من الِانقِياد والذُّلّ. فالدين: الطاعة، يُقال: دانَ لَهُ يَدينُ ديناً، إذا أَصْحَبَ وانْقادَ وطاع. وقومٌ دِينٌ، أي: مُطيعون مُنقادون»[9].
وقال ابن منظور: « والدين: الجزاءُ والمكافأة. ودِنْتُه بفعلِه دَيْناً: جَزَيتُه، ويومُ الدينِ: يومُ الجزاء. وفي المَثَل: كما تَدينُ تُدانُ، أَي: كما تُجازي تُجازى، أَي: تُجازى بِفِعلِكَ وبِحَسْبِ ما عَمِلْتَ، وقيل: كما تَفْعَلُ يُفعَلُ بك، وقوله تعالى: إِنَّا لَمَدِينُونَ، أَي: مَجْزِيُّونَ »[10].
والجمعُ الأَديانُ. يُقال: دانَ بِكذا دِيانةً، وتَدَيَّنَ به فهو دَيِّنٌ ومُتَدَيِّنٌ. ودَيَّنْتُ الرجلَ تَدْييناً إِذا وَكَلْتَهُ إلى دينه.
والدين: الإِسلام، وقد دِنْتُ به. وفي حديث عليّ (عليه السلام): محبّة العلماء دينٌ يُدانُ به. والدين: العادة والشأن، تقول العرب: ما زال ذلك ديني ودَيْدَني، أي: عادتي.[11]

ومما تقدم يُمكن القول: إنّ الدِّين هو الطاعة والانقياد والجزاء، وقومٌ دينٌ، أي: مُطيعون ومُنقادون، وهذا ما نُريد أن نبيّنه من خلال البحث، أنّ الناس منقادون ومطيعون لله تعالى، لا كما ذهب إليه البعض من عدم الحاجة إلى الدين، ومِن ثَمّ قالوا: لا حاجة إلى الانقياد والطاعة للدين، وهو قول باطل.

الدين اصطلاحاً:
عرّف العلماء (الدين) بتعاريف مختلفة، ونحن نشير إلى بعض منها:

أوّلاً: « أنّه وضع إلهيّ لأولي الألباب يتناول الأصول والفروع »[12].
ثانياً: « وضع إلهيّ سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير بالذات، لِـما يتعرّف به العباد من أمرَي المعاش والمعاد، ويتعرّفون منه أحكام عقائدهم وأفعالهم وأقوالهم وما يترتب عليه صلاحهم في الدارين، وذلك الموضوع بالوضع الإلهيّ من حيث إنّه منقاد له ومطاع له ومجازي عليه »[13].
ثالثاً: ما قاله العلّامة الطباطبائيّ: « أنّ‏ الدين‏ في عُرف القرآن هو السنة الاجتماعيّة الدائرة في المجتمع، وأنّ السنن الاجتماعيّة إمّا دين حقّ فطريّ وهو الإسلام، أو دين محرّف عن الدين الحقّ وسبيل الله عوجاً »[14].

وبعبارة أخرى: إنّ الدين هو الإيمان بخالق الكون والإنسان، وبالتعاليم والوظائف العمليّة الملائمة لهذا الإيمان، وذلك في مقابل أولئك الذين لا يؤمنون بالخالق إطلاقاً، بل يؤمنون بالصدفة والاتّفاق في خلق الظواهر الكونيّة، أو أنّها مسبّبة للأسباب المادّيّة والطبيعيّة، وهذا لا يتعارض مع ما ذكرناه لأقوال العلماء من الأداء، وأنّه وضع إلهيّ، وأنّه السنة الاجتماعية والعمل الشاغل للذمة.

المطلب الثاني: النشأة التأريخيّة لبعض المدارس الإسلاميّة
في هذا المبحث سنتناول بيان النشأة التاريخيّة لبعض المدارس الكلاميّة التي كانت محلّ اختلاف وتباين في الآراء والمعتقدات، وكان سبب الاختلاف في الأفكار والرؤى هو أخذ المادّة العلميّة من غير مصدرها الصحيح الذي رسمته رسالة السماء، والسبب الثاني تنوّع مدركات العقل الانسانيّ الذي وَلّد قراءات مختلفة.

أوّلاً: اصحاب الحديث (الحشويّة)
الحشويّة: هي فرقة أو مدرسة إسلاميّة اختصّت بالحديث؛ وتُسمى أيضاً؛ المُشَبِّهَة، أو المُجسِّمة؛ ووصفهم المفيد في مورد بقوله: « الحَشْويّة المنتسبون إلى الحديث »[15]. ويعرّفهم ابن حزم الأندلسيّ بقوله: «هم طائفة تذهب إلى القول بأنّ الله تعالى جِسم؛ وحجّتهم في ذلك أنّه لا يقوم في المعقول إلّا جسم أو عَرَض، فلمّا بَطَلَ أن يكون تعالى عرضاً، ثبت أنّه جسم »[16].
وقالوا: إنّ الفعل لا يصحّ إلّا من جسم، والباري تعالى فاعل، فوجب أنّه جسم، واحتجّوا بآيات من القرآن فيها ذكر اليد واليدين والأيدي والعين والوجه والجنب، كما في قوله تعالى: ﴿وجاء ربّك﴾ و ﴿يأتيهم الله في ظُلَل من الغمام والملائكة﴾. 
وأما تسميتُهم: فترجع « الحشوية » إلى « جمعهم حشو الحديث من غير تمييز بين صحيحه وضعيفه؛ ويقال: لأنّهم أتوا مجلس الحسن البصريّ وتكلّموا في السَّقط - وهو الذي لم تتمّ له ستّة شهور في بطن أمّه - فأمر بردّهم إلى حشا الحلقة، أي طرفها، فسُمّوا بالحشويّة »[17].

وقال التهانويّ: سُمّوا بذلك لأنّهم كانوا في حَلَقة الحسن البصريّ، فوجدهم يتكلّمون كلاماً، فقال: «ردّوا هؤلاء إلى حَشا الحَلَقة» فنسبوا إلى «حَشا» فهم «حَشَويّة» بفتح الشين[18].
وتطلق بعض المذاهب -كالأشاعرة والماتريديّة- مصطلحَ المُجَسِّمة على الأثريّة - أهل الأثر والحديث – والسلفيّة؛ لأنّهم -حسب قولهم- «يُثبِتون أنّ الله يحدّه العرش وأنّه موجود في جهة»، وأنّ هذا -بحسب قولهم- يستلزم التجسيم؛ تُطلق الأثريةُ أو السلفيّةُ صفة المشبّهة والمجسِّمة على من شبَّهَ الله بخلقه، ولكنّهم يُثبتون من الأسماء والصفات ما جاء في القرآن الكريم والأحاديث النبويّة من غير تأويل ولا تعطيل ولا تكييف «البَلْكَفة» ولا تمثيل.
وتطلق المعتزلةُ مصطلحَ المجسِّمة على من يُثبت الصفات الخبريّة أو المعنويّة لله. ويحسب فخر الدين الرازيّ اليهودَ بجميع طوائفهم، وبعضَ فرق الشيعة القديمة عدا الشيعة الزيديّة - بأنّها من المجسِّمة »[19]، والثابت أنّ خصوم السلفيّين يرمونهم بهذا الاسم، فعند أبي حامد الغزاليّ هم الذين أثبتوا الجهة فيقول: «أما الحشويّة فإنّهم لم يتمكّنوا من فهم موجود إلّا في جهة، فأثبتوا الجهة».

وهناك بعض من المتشدّدين ممّن تنطبق عليهم أوصاف هذا الاسم، يستنكرون على الآخرين تسميتهم به، ويعتبرونه نبزاً ولقباً مذموماً. ومنهم شيخ إسلام الحَشْويّة والسَلَفِيّة، ابن تيميّة الحرّانيّ (ت‏728هـ) ذكر في هذا الصدد كلماتٍ لا تخلو من التهافت والتناقض.

فتارةً: يستهجن التسمية ويُنكر وجود مَن تنطبق عليه، وتارةً: يُقِرُّ بوجودهم، ويُنكر كونهم معروفين، وأُخرى: يجعل التسمية من المعتزلة ضدّ مَن سمّاهم المؤمنين، ورابعةً: يُنكر أن يكون للتسمية معنىً صحيحٌ.

ومِن ثَمَّ: لمّا وجد بعض كبارهم يفتخر بهذا الاسم وباسم المجسّمة والمشبّهة - أنكر عليه بشدّته وحنبليّته المعروفة!
ثمّ إنّ ابن تيميّة يذهب مذهب أهل الحديث في أسماء الله وصفاته، حيث يُثبت لله ما جاء في القرآن والسنّة النبويّة من أسماء وصفات، وبحسب قوله «من غير تعطيل ولا تحريف ولا تبديل ولا تأويل ولا تشبيه ولا تمثيل»[20]، وله في ذلك أقوال كثيرة، منها: «فما وصف الله من نفسه وسمّاه على لسان رسوله (صلى الله عليه وآله وسلم) سمّيناه كما سمّاه، ولم نتكلّف منه صفة ما سواه - لا هذا ولا هذا - لا نجحد ما وصف، ولا نتكلّف معرفة ما لم يصف، وإن كان هذا كلامه غير تامّ؛ لأنّ الموجودات الممكنة ما عرفت الوجود إلّا ببركة هذا الواجب المطلق، ثمّ إنّ الموجودات سواء المجرّدة أو المادّيّة هي مفتقرة إلى واجب الوجود»[21].
وعليه فلا يمكن أن نحمل صفات المخلوقين على صفات الخالق؛ وذلك لأنّ صفات الممكن محدودة والواجب تعالى غير محدود، لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار.

ولذا فهو يذهب إلى التجسيم والتشبيه والتعطيل في كثير من الموارد، والشاهد على ذلك تفسيره للآيات، منها: ﴿الرحمن على العرش استوى﴾، ويقول إنّ الاستواء بمعنى الاستقرار أو الجلوس كما تجلس الناس على الكرسيّ، فإنّ الله ينزل إلى عرشه ويجلس على كرسيّه كجلوسي هذا.

إنّ مذهب الحَشْويّة لم يكن مُبْتنياً على أصول وقواعد متينة، وإنّما هو منهج للتعامل مع النصوص والأخذ منها، بحسب ما يوافق آراءهم، معتمدين في ذلك على ظاهر اللفظ من دون تأويل -كما سيأتي-، فمن التزم بهذه الاعتقادات سُمّي «حشويّاً» من أيّ مذهبٍ كان. وقد مرّ أنّ ابن المرتضى الزيديّ قال: « لا مذهب لهم مُنْفَرِد »[22].
وأصحاب الحديث هذا شأنهم، وإنّ فيما بينهم اختلافاً من حيث الالتزام بقواعد الجرح والتعديل، واعتماد بعضهم على ما اعتبروه من الحديث «صحيحاً» حسب ما وضعوه من القواعد والألفاظ المصطلحة، ولم يعتمد بعضهم الآخر على تلك القواعد، فضلاً عن تمسّكهم بكلّ ما روي ممّن هبّ ودبّ.

ومن فرق الحَشْويّة التي ظهرت في عصرنا الحاضر: الوهابية أتباع محمّد بن عبد الوهّاب الأصفهانيّ النجديّ، الذي ظهر في أرض نجد في شرق الحجاز، ونشر آراء ابن تيميّة الحرّانيّ، وقد جسّم ما جسّم، وكفّر مَن كفّر مِن المسلمين، ولم يكن بأقلّ ممّن اقتدى قبله بابن تيمية حتّى ذهب إلى تهديم قبور الأئمّة b في البقيع، وهدم كلّ مقامٍ للنبيّ وأهل البيت b.

وختاماً: يذكر الشيخ المفيد[23] بعض العقائد التي اختلفوا فيها مع الإماميّة، لا سيّما في بحث الإمامة، نذكر منها:
اتّفقت الإماميّة على أنّ إمام الدين لا يكون إلّا معصوماً من الخلاف لله تعالى، عالماً بجميع علوم الدين، كاملاً في الفضل، وأجمع أهل الحديث على خلاف ذلك وجوّزوا أن يكون الأئمّة عصاة في الباطن وممن يقارف الآثام ولا يحوز الفضل ولا يكمل علوم الدين.
اتّفق أهل الإمامة على أنّه لا بدّ في كلّ زمان من إمام موجود يحتجّ الله - عزّ وجلّ - به على عباده المكلّفين، ويكون بوجوده تمام المصلحة في الدين. وأجمع أهل الحديث على خلاف ذلك وجواز خلوّ الأزمان الكثيرة من إمام موجود.

واتّفقت الإماميّة على أنّ الإمامة لا تثبت مع عدم المعجز لصاحبها إلّا بالنصّ على عينه والتوقيف، وأجمع أهل الحديث (الحشويّة) والخوارج والزيديّة والمرجئة والمعتزلة على خلاف ذلك، وأجازوا الإمامة فيمن لا معجز له ولا نصّ عليه ولا توقيف.
واتّفقت الإماميّة على أنّ الإمامة بعد النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، في بني هاشم خاصّة، ثمّ في عليّ والحسن والحسين، ومن بعد في ولد الحسين (عليه السلام) دون ولد الحسن (عليه السلام) إلى آخر العالم، وأجمع أهل الحديث ومن ذكرناه من الفرق على خلاف ذلك، وأجاز سائرهم -إلّا الزيديّة خاصّة- أنّ الإمامة في غير بني هاشم، وأجازتها الزيديّة في غير ولد الحسين (عليه السلام).

واتّفقت الإماميّة على أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) استخلف أمير المؤمنين (عليه السلام) في حياته ونصّ عليه بالإمامة بعد وفاته، وأنّ من دفع ذلك فقد دفع فرضاً من الدين، وأجمع الحشويّة المنتسبون إلى الحديث على خلاف ذلك، وأنكروا نصّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) على أمير المؤمنين(عليه السلام) ودفعوا أن يكون الإمام بعده بلا فصل على المسلمين.


ثانياً: الأخباريّة
يُعدّ المحدّث محمّد أمين الإستراباديّ رائد الحركة الأخباريّة، حاول في فوائده المدنيّة أن يرجع بتأريخ هذه الحركة إلى عصر الأئمّة، وأن يثبت لها جذوراً عميقة في تأريخ الفقه الإماميّ؛ لكي تأخذ طابعاً من الشرعيّة والاحترام.

وفي كتاب الحدائق يعترف يوسف البحرانيّ -على الرغم من موافقته لبعض أفكار المحدّث الإستراباديّ- بأنّ هذا المحدّث هو أوّل من جعل الأخباريّة مذهباً، وأوجد الاختلاف في صفوف العلماء، قال البحرانيّ: « ولم يرتفع صيت هذا الخلاف ولا وقع هذا الاعتساف إلّا في زمن صاحب الفوائد المدنيّة سامحه الله تعالى برحمته المرضيّة، فإنّه قد جرّد لسان التشنيع على الأصحاب، وأسهب في ذلك أيّ إسهاب، وأكثر من التعصّبات التي لا تليق بمثله من العلماء الأطياب »[24].

ويقول الإستراباديّ: « إنّ الاتجاه الأخباريّ هو السائد بين فقهاء الإماميّة إلى عصر الكلينيّ والصدوق وغيرهما من ممثّلي هذه الاتّجاه»[25]، ولم يتغيّر هذا الاتّجاه إلّا في أواخر القرن الرابع وبعده، حين بدأ جماعة من علماء الإماميّة ينحرفون عن الخطّ الأخباريّ، ويعتمدون على العقل في استنباطهم، ويربطون البحث الفقهيّ بعلم الأصول تأثّراً بالطريقة السنّيّة في الاستنباط، ثمّ أخذ هذا الانحراف بالتوسّع والانتشار.
وإذا أردنا أن نتعرّف على طريقة الأخباريّة في استنباط الأحكام، فلم تكن طريقتهم التعدّي عن مضامين الروايات وموارد النصوص، بل كانوا يفتون غالباً على طبق ما يرون، ويحكمون على وفق متون الأخبار، ثم اتّسعت دائرتهم في البحث والنظر، وأكثروا من بيان الفروع والمسائل، ولم يتعدّوا غالباً عن ظواهر مضامينها ولم يوسّعوا الدائرة في التفريعات على القواعد، ولمّا كانوا في أوائل انتشار الفقه وظهور المذهب كان من شأنهم تنقيح أصول الأحكام التي عمّدتها الأخبار المأثورة عن العترة الطاهرة، فلم يتمكّنوا من مزيد إنعام النظر في مضامينها وتكثير فروعها.

وأمّا  اعتقاداتهم:
فيعتقد الأخباريّون بانحصار الأدلّة الشرعيّة بالكتاب والسنّة، ولم يعتقدوا بحجّيّة الإجماع والعقل، وهذا بخلاف ما يعتقد به الأصوليّون.
ودليلهم في ذلك يعود إلى المنع من العمل بظواهر الكتاب من دون أن يرد التفسير وكشف المراد عن الحجج المعصومين صلوات الله عليهم. وأقوى ما يتمسّك لهم على ذلك وجهان:
أحدهما: الأخبار المتواترة المدّعى ظهورها في المنع من ذلك، مثل حديث النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): « مَن فَسَّرَ القرآنَ برأيه فَلْيَتَـبَوّأ مَقعدَه مِن النار »[26].
والثاني: في رواية أخرى: عن الصادق، عن آبائه b: سمعت جدّي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: « من قال في القرآن بغير علم فليتبوأ مقعده من النار »[27]. وفي نبويّ ثالث: « من فسّر القرآن برأيه فقد افترى على الله الكذب »[28].

ونقل الجلاليّ في تحقيقه على كتاب الحكايات للمفيد:» أن الأخباريّين يعتقدون بلزوم متابعة ما ورد في النصوص والاعتماد عليها، لكنّهم يعتمدون على ما ورد في حديث أئمّة أهل البيت b من تأويل وتفسير لتلك النصوص، كما يتّبعون ما ورد عنهم من الاستدلالات العقليّة، ولذلك فإنّهم يؤوّلون النصوص التي ظاهرها إثبات اليد والوجه والعين لله تعالى، وينفون التشبيه، تبعاً لأهل البيت b »[29].

أقول: إنّ الكلام الذي ورد عن المحقّق الجلاليّ ظاهر في أنّ الأخباريّين لا يتركون طريق العقل في الاستدلالات العقليّة والنقليّة، وأنّهم يؤوّلون النصوص بما ورد عن أهل البيت.

إلّا أنّ الكلام يرد عليه، من جهة: أنّ الأخباريّين لم يفتحوا عدّة أبواب صدرت عن أهل البيت وعمل بها الأصوليّون، ومنها التقليد، فالأخباريّون لا يجيزون تقليد غير المعصوم، علماً أنّ التقليد دلّت عليه الأدلّة العقليّة والنقليّة، وكذلك يعترف الأخباريّون بالحسن والقبح العقليّين، لكن لا يرون حجّة للأحكام العقليّة المستقلّة بخلاف ما يراه الأصوليّون، وهكذا مع سائر المسائل الأخرى.
والنتيجة: أنّ الدليل العقليّ لم يكن في متناول أيدي الأخباريّين ليستعملوه في استدلالاتهم العقليّة في معرفة الأخبار الواردة عن المعصومين b، ولذا وردت عدّة إشكالات واعتراضات على روايات في «البحار» و«الوسائل» -وغيرهما من كتب الأخباريّين-، ومنها: مسألة تحريف القرآن.

وفضلاً عمّا تقدم: إذا أردنا جعل مقايسة بين الأصوليّين والأخباريّين، فالأصوليّون يقولون: « لا فرق بيننا وبينهم إلّا في أمور؛ كحجّيّة ظواهر الكتاب: هم نافون لها ونحن مثبتون؛ وإجراء البراءة في الشبهات البدويّة التحريميّة: هم نافون ونحن مثبتون؛ أو في انفعال الماء القليل: فإنّ أكثرهم ذهبوا إلى عدم الانفعال والأكثر منّا إلى الانفعال؛ ومنجّسيّه المتنجّس: فأكثرهم على عدمها وأكثرنا على ثبوتها؛ ووقوع التحريف: فإنّ أكثرهم ذهبوا إلى الوقوع وأكثرنا -وهم المحقّقون- إلى العدم؛ وهكذا »[30].

ثالثاً: مدرسة التفكيك (مدرسة الفصل)
هذه المدرسة المسمّاة بالتفكيك أو مدرسة الفصل، تقوم على تنقية المعرفة الدينيّة، وفصلها عن الأفكار الفلسفيّة والصوفيّة، ويعتبر الميرزا مهدي أصفهاني أوّل من بدأ بطرحها في مشهد، ثمّ انتمى إليه عدد من مريديها، من أمثال: سيّد موسى زرابدي، ومحمود حلبي، ومحمّد باقر مالكي ميانجي، وجعفر سيدان، ومحمّد رضا حكيمي من مفكّري هذه المدرسة.

إنّ مدرسة الفصل هي مدرسة تُفرّق بين ثلاثة طرق معرفيّة؛ هي: القرآن والفلسفة والتصوّف. الغرض من هذه المدرسة هو فصل وتنقية الفكر القرآنيّ والمعرفة من المعرفة البشريّة، وتحريره من التفسيرات والارتباك مع الأفكار الأخرى
تمّ تقديم مصطلح مدرسة الفصل لأوّل مرّة من قبل محمّد رضا حكيمي في مجلة Kayhan Farhangi لمدرسة التربية في خراسان، وبعد ذلك أصبح هذا المصطلح شائعاً، واعتبر السيّد جعفر سيدان أنّ هذا المصطلح من اختراع الدكتور توكول، إلّا أنّ بعض العلماء لم يعتبروا هذا العنوان مناسباً وفضّلوا لقب مدرسة خراسان للتربية.

لم يُلتفَت إلى منظّري مدرسة الفصل في نفس الموقف في مواجهة الفلسفة؛ لأنّ أسلاف مدرسة الفصل -مثل: ميرزا ​​مهدي أصفهاني ومحمود الحلبي- معروفون بمعارضتهم للفلسفة. ويَعتقد ميرزا ​​مهدي أصفهاني أنّ الفلاسفة مدمّرون للدين، ويعتبر أنّ كلّ الافتراضات الفلسفيّة تتعارض مع التعاليم الإلهيّة، ويطلق على معلّمي الفلسفة المخادعين.
وهكذا بقيّة أتّباع هذه المدرسة، فقد كان لهم ردّ عنيف على أصحاب الفلسفة، ولذا اعتبر الشيخ محمود الحلبيّ أنّ الفلسفة هي المادّة الأكثر ضرراً، ووصفها بالعدوّ الأكبر للمعرفة الإلهيّة. في دروس القصدير، هناك حالات افتراء وشتائم موجهة إلى الفلاسفة والمتصوّفة. ويرى مجتبى قزويني: «أنّ طريقة القرآن والسنّة تتعارض مع طريقة الفلسفة»[31].
وأمّا القسم الآخر -المنتمون لهذه المدرسة- الذين لم يذهبوا إلى ما ذهب إليه المتقدّمون من المعارضة والانتقاص وما شابه ذلك، بل كانوا متوافقين ومؤيّدين للفلسفة، ومن العلماء اللاحقين في مدرسة الفصل، أمثال سيّد جعفر سيدان ومحمّد رضا حكيمي؛ فهؤلاء لديهم موقف مختلف، ولا يرفضون الفلسفة على الإطلاق، وكذلك محمّد رضا حكيمي الذي لا يعتبر العلاقة بين الفلسفة والوحي القرآني تناقضاً عامّاً، بل عدم مساواة عامّة.

وقد نقل إبراهيمي الدينانيّ [32] في كتابه حركة الفكر الفلسفيّ في العالم الإسلاميّ: أنّ مدرسة الفصل قد مرّت بثلاث فترات:
الفترة الأولى: فترة المؤسّسين والسابقين؛ يتصدّرهم مؤسّس المدرسة التفكيكيّة الميرزا ​​مهدي أصفهاني، ومحمود الحلبيّ، اللذان اعتبرا الفلسفة والإسلام غير متوافقين. وفيما يأتي أهمّ آراء الفترة الأولى لمدرسة الفصل:

1 - العقل هو النور الصريح وما وراء حقيقة الإنسان المعروف  .
2 - اليقين والفصل المنطقيّ يخلقان المعرفة المكتسبة فقط.
3 - عدم اكتمال المنهج الجدليّ للمعرفة الإلهيّة.
4 - تناقض خطاب الفلسفة والتصوّف مع الإسلام الأصليّ.
5 - المعرفة الغريزيّة هي إحدى طرق اكتساب المعرفة.
6 - الإدراك الحسّيّ طريقة أخرى صالحة.
7 - عدم وجود سلطة اليقين إلّا من خلال الكتاب والتقليد.
8 - استبدال العقل الفلسفيّ بالعقل الفطريّ.

الفترة الثانية: التي برز فيها مجتبى قزويني وميرزا جواد طهراني المعروفَينِ بقلم محمّد رضا حكيمي. وأمّا وجهات النظر المهمّة لهذه الفترة فهي:

1 – اعتبار صفاء المعرفة القرآنيّة وفهم المعرفة الإسلاميّة هدفاً لهذا التيّار الفكريّ.
2 - عدم وجود تناقض بين الدين والفلسفة والتصوّف.
3 - الاهتمام -في شرح آرائهم- بتيارات الوحي الثلاثة: الدين والقرآن؛ والفكر (الفلسفة والجدال)؛ والاكتشاف (التقشّف والتصوّف).
4 - لا تنكر حقيقة تسمّى الفلسفة الإسلامية والتصوّف الإسلاميّ.
5 - مصادر اللاهوت في مدرسة الفصل هو الاقتباس والاستدلال.
6 - تحديد قوّة العقل وعدم احتكاره للطرق الفلسفيّة.

الفترة الثالثة: التي يعتبر فيها سيّد جعفر سيدان هو البادئ. ومن آرائه ما يأتي:
1 - العقل هو أداة الإدراك.
2 - مدرسة الفصل هي مدرسة فصل مادّة الوحي عن الفكر البشريّ.
3 - لا فرق بين مدرسة الفصل كتعريف للعقل والوحي والفلسفة.
4 - يمكن فحص مسألة تفسير الداخل فيما يتعلّق بآيات القرآن.
5 - الفرق بين اختلاف الفقهاء واختلاف الفلاسفة: أنّ الفلاسفة تدّعي الوصول إلى الواقع، أمّا الفقهاء فمُبتَغاهم الوصول إلى اكتشاف الحكم، أي: (الحكم الظاهر).



رابعاً: الفلاسفة والمتكلّمون
الفلسفة الإسلاميّة: هو علم يتحدّث عن القضايا العامّة للوجود، وذات الله، والنفس، والدين، والمعرفة. ويُعتبر الكنديّ أوّل فيلسوف في العالم الإسلاميّ، والفارابيّ مؤسّس الفلسفة الإسلاميّة. وقد اشتهرت الفلسفة الإسلاميّة بثلاث مدارس مهمّة، هي: فلسفة المشّاء، وفلسفة الإشراق، والحكمة المتعاليّة.

وبعد ذلك برز عدد من الفلاسفة المميّزين، منهم: ابن سينا، وشيخ الإشراق السهرورديّ، وابن رشد، والميرداماد، والملّا صدرا. وأبرز المؤلفات في الفلسفة: الإشارات والتنبيهات، والشفاء، وحكمة الإشراق، والقبسات، والأسفار الأربعة، والشواهد الربوبيّة، وشرح المنظومة، ونهاية الحكمة.

تلقّت الفلسفة معارضة في المحيط الإسلاميّ نفسه، حيث اعتبرها البعض أساس الكفر والإلحاد، وذهب البعض الآخر إلى التفكيك بين الفلسفة والمعارف الدينيّة، ومع ذلك كلّه كان الكثير من الفقهاء والعلماء المسلمين فلاسفة، لكنّهم لم يعارضوها.
وما يهمّنا أنّ الفلسفة الإسلاميّة هي العلم الذي يبحث فيه عن جملة من المسائل بطريقة العقل البرهانيّ، كالقضايا العامّة للوجود، مثل: الوجود، والماهيّة، والعلّيّة، وكذلك البحث حول المعرفة، والنفس، والله، والدين. ويقصد الفلاسفة من الطريقة العقليّة البرهانيّة أنّ مسائل الفلسفة تثبت ويُستدلّ عليها عن طريق البديهيّات العقليّة[33].

أمّا المتكلّمون: فهم الذين بحثوا في الكلام الإسلاميّ، الذي يشتمل البحث فيه على المعتقدات الإسلاميّة، حيث يستخدم علم الكلام أساليب منطقيّة مختلفة لإثبات مسائله وإقناع المخاطب، كالقياس، والتمثيل، والجدل، ولا تقتصر مسائله على أصول الدين أو أصول العقائد، وأوّل مسألة تمّ طرحها فيه هي الجبر والاختيار، ومن المباحث الأخرى المهمّة في علم الكلام، هي: البحث حول صفات الله، وبالأخصّ مسألة التوحيد والعدل الإلهيّ، ومسألة حُسن وقبح بعض الأفعال، والقضاء والقدر، وبحث النبوّة، والمعاد، وغيرها.
وبالنتيجة: فإنّ بين الفلاسفة والمتكلّمين اشتراكاً من جهة، وافتراقاً من جهة، فإمّا وجه الاشتراك فيعتمدون في استدلالهم على إثبات صحّة بعض المسائل البرهانيّة على الدليل العقليّ؛ وذلك لوجود المباحث العقليّة في كِلا العِلمَين (الفلسفة والكلام).

إلّا أنّه توجد اختلافات مهمّة بينهما، ومن تلك الاختلافات: « أنّ المنهج المتّبع في الفلسفة عقليّ برهانيّ قائم على الدليل العقليّ، فالفيلسوف مُحايد وليس لديه عقيدة مسبقة، فهو يستدلّ ومن ثَمّ يعتقد، وجُلّ اهتمام الفيلسوف بالمسائل الكلّيّة، ولا شأن له في المسائل الجزئيّة، وأنّ المنهج المتّبع في علم الكلام عقليّ نقليّ، حيث يستخدم المتكلّم الجدل والمناظرة في مواجهة الشبهات الفكريّة، فهو ليس مُحايداً في قضية الدفاع عن الدين والعقائد، فهو يعتقد ثم يستدلّ، وجلّ اهتمام المتكلّم بالمسائل الجزئيّة كالنبوّة والمعاد »[34].
وبهذا يتّضح لنا أنّ الاختلافات لا تصل بهما إلى حال التقاطع والابتعاد عن أصل المبدأ؛ وإنّما هي قائمة على الدليل العقليّ البرهانيّ الّذي يوافق المسائل الكلّيّة التي لا خلاف عليها، وهي الأصل بطبيعة الحال.

المبحث الثاني: العلاقة بين العقل والدين في العالم الغربيّ
هذا المبحث يتعرّض للعلاقة القائمة بين العقل والدين من منظور الفلسفة الغربيّة، التي ظهرت لها مدارس متعدّدة نتيجة الاختلافات القائمة بينهم، والإشكالات التي لم تصمد فلسفتهم ومبانيهم أمامها، ولذا نجدهم بين الحين والآخر تظهر لهم مدرسة جديدة تحاول أن تسدّ تلك الثغرات والاعتراضات الملقاة عليهم.

وعليه فإنّنا سنتناول في هذا المبحث عدّة مطالب؛ المطلب الأوّل: يتعرّض إلى المدرسة الإيمانيّة، وبيان أهمّ مبادئها وآرائها التي يعتمدون عليها؛ وفي المطلب الثاني: نتعرض إلى العقلية التكثريّة، التي تسمى الإفراطيّة أو (التعصّبيّة)، ونختم الفصل بمطلب ثالث يتناول العقليّة الاعتداليّة (التشكيكيّة).

المطلب الأوّل: المدرسة الإيمانيّة
تُعدّ المدرسة الإيمانيّة من المدارس الفلسفيّة الغربيّة المعاصرة، وهي لا تعتمد على المنظومة العقائديّة الفكريّة التي يُقيمها العقل؛ لأنّها ترفض كلّ محاولة لإثبات مسألة من مسائل الاعتقاد بوجود الله تعالى، أو تعدّها محاولات فاشلة لا تصل إلى نتيجة؛ لأنّ مجال الاعتقادات ليس مجالاً للتعقّل والتفكّر والاستدلال.

«وتُنسب الإيمانية من الناحية التاريخيّة، إلى أربعة فلاسفة: «بليز باسكال، وسورين كيركجور، ووليام جيمس، ولودفيج فيتجنشتاين»، وكانت الإيمانيّة إشارة لمعنى سلبيّ يستخدمه خصومهم؛ لكنّها لم تُدعم دائماً بأفكارهم وأعمالهم أو أتباعهم، وينسب الفضل أحياناً إلى «إيمانويل كانط» في صياغته لصيغة ناضجة من صيغ الإيمانيّة، إذ اقترح أنّنا يجب أن ننكر المعرفة لكي نفسح المجال للإيمان»[35].

ويبدو أنّ لها قراءتين:
الأولى: أن الدين والإيمان ضدّ العقل.
الثانية: أن الإيمان ليس ضدّ العقل، بل فوق العقل.

إن المستفاد من كِلا القراءتين هو إخراج العقل من دائرة الاستدلال في إثبات المعتقدات الدينيّة، والتركيز على العناصر الإيمانيّة، وسُوِّغَ ذلك بوجود التعارض والتناقض بين العقل والمعتقدات الدينيّة، وبعضهم يرى أنّ العقل تابع للوحي، وأنّه أداة ووسيلة لتسويغ القضايا الدينيّة.

ثمّ إنّ أتباع المدرسة الإيمانيّة يرون أنّ المعتقدات الدينيّة من القضايا الأساسيّة الواضحة التي لا تحتاج إلى إثبات وتقييم عقليّ، وبالنظر إلى الدعوات المتعدّدة في إقصاء العقل؛ فإنّ هدفهم من كلّ ذلك هو عزل العقل عن الدين والقضايا الدينيّة. 

ويمكن تقسيم المدرسة الإيمانيّة على قسمين: قديمة وجديدة:
1. الإيمانيّة القديمة: التي كانت شائعة في القرون الوسطى، تُركّز على الاكتفاء بالوحي المسيحيّ وإقصاء العقل عن الوحي والديانة المسيحيّة، فعندهم الكتاب المقدّس مرجعيّة شاملة ومحوريّة مطلقة، وينبغي الرجوع إليه في كلّ شيء، ثمّ إنّ هذا التيار يرفض الفلسفة اليونانيّة رفضاً قاطعاً، بأنّها لا قيمة لها، وأنّها منشأ للبدع، ويصرّح بأنّ المعرفة الفلسفيّة تخالف الديانة المسيحيّة وتعارضها تعارضاً لا يمكن رفعه، وهذه النظريّة طرحت من قبل المفكر المسيحيّ ترتليان (Tertullianus) (المتوفى سنة 220 م).

إذن أتباع المدرسة الإيمانيّة المتطرّفة يعتقدون بأنّ الاستدلال على إثبات كلام الله بالعقل والمنطق والعلم هو عبادة للعقل والمنطق والعلم، وليس عبادة لله تعالى؛ ولذا قالوا: على الإنسان أن يؤمن ويرى بنفسه الإيمان من دون التمسّك بأيّ دليل أو شاهد وقرينة على صدق معتقده؛ لذا كان الشعار الأصليّ في القرون الوسطى هو الابتعاد عن الفلسفة والرجوع إلى الإنجيل.

ويؤكّد القديس أغوسطين Saint Augustine)) على تقديم الإيمان والوحي على العقل، ويصرّ على مركزيّة الوحي ومحوريّة الدين المسيحيّ بوصفه مصدراً أساسيّاً للمعارف البشريّة، وجعل العقل مؤيّداً وتابعاً للوحي وتعاليم المسيحيّة. وعلى هذا فإنّ أغوسطين يرى أن الوحي هو المعزّز لنا لكي نستعمل عقلنا في فهم مفاده ومضامينه، وأن العقل هو وسيلة تعمل في خدمة الوحي.
وتُعدّ نظريّة أغوسطين من أهمّ النظريّات الإيمانيّة في القرون الوسطى، فهي تعمل على الإيمان الدينيّ وتنكر طريق العقل والمنطق العقليّ الفلسفيّ.

2. الإيمانيّة الجديدة: لقد ظهرت الإيمانيّة في العصر الجديد مرّة أخرى في فكر حديث وجديد، يمثّلها کیر کیجارد (Soren Kierkegaard) (1815- 1855م)، وهو من أبرز المتشدّدين في المدرسة الإيمانيّة؛ «فهو يعتقد بنسبة التعارض والتخاصم بين العقل والإيمان، فكان يرى بأنّ «الإيمان ليس نوعاً من العلم والمعرفة والتفكير، بل هو معجزة وعاطفة وعشق واشتياق لا يستطيع أحد أن يفهمه»، وكذلك يقول: إن البرهنة العقليّة لا تتناغم مع الإيمان، والبحث عن البراهين العقليّة هو خدعة ودهاء ونبذ للثقة الّتي يطالبنا بها الله[36].

نقد آراء الإيمانيّة
أوّلاً: إنّ المدافعين عن الاتّجاه الإيمانيّ مع أنّهم يرفضون العقل؛ لكنّهم يدافعون عن النظريّة الإيمانيّة دفاعاً عقليّاً منطقيّاً من حيث لا يشعرون، وهذا وقوعٌ في التناقض! فالتبرير العقليّ والتبيين المعقول للإيمانيّة هو وقوع في التناقض.
ثانيا: إنّ الإيمان من الأمور التي تحتاج إلى ما يضاف إليها، وهو المتعلّق والموضوع، فعندما يقول أحدهم: إنّي مؤمن، فُيسأل: بماذا تؤمن؟ وما هو متعلّق إيمانك؟ فالسؤال الرئيسيّ هو: كيف يختار المؤمن متعلّق إيمانه؟ وما هو المعيار لتمييز الصواب من الخطأ في متعلّق الإيمان؟ وهنا لا بدّ من التقييم العقليّ والتحقيق وفق المعايير المدروسة؛ لترجيح أحد الخيارات على الأخرى، فما هو المعيار والميزان الصحيح لتمييز الحقّ من الباطل؟ فبطبيعة الحال يكون العقل هو المصدر الوحيد الذي يميّز بين الخيارات المختلفة، وما هو أحقّ وأفضل لاتّباعه، ومن جهة أخرى: إذا لم يكن هناك معیار وميزان دقيق لتمييز الحقّ من الباطل، فإنّه يستلزم التورّط في النسبيّة والتناقض.
ثالثاً: إنّ النظريّة الإيمانيّة خاطئة وباطلة من الأساس؛ وذلك لأنّ العقل يدعم الإيمان ويؤيّد متعلّقه، فليس العقل عدوّاً للإيمان وخصيماً له، بل هو ناصر للإيمان؛ لذا نرى أنّ الأنبياء b لـمّا دعوا الناس إلى الإيمان والتوحيد، أقاموا براهين وأدلّة عقليّة لهم، وأثاروا عقول الناس لقبول الإيمان.
رابعاً: لقد عرّف کیر کیجارد «الإيمان» بالتعهّد والالتزام المنبثق من الإرادة والعشق والأحاسيس والمشاعر الجياشة؛ ولكن لا تنافي بين ركائز الإيمان هذه - الالتزام والإرادة والعشق – لأنّ استناد الإيمان إلى المعرفة والعقلانيّة، بل الإيمان النابع من المعرفة والأدلّة العقليّة هو إيمان قويّ ومستحكم، فلا منافاة بين الإيمان والمعرفة، بل المعرفة والوعي يؤيّدان الإيمان ويُقويّانِه.

ويقول جوادي آملى: « بناء على العقلانيّة المعتدلة فإنّ حجّيّةَ العقل واعتبارَه أمرٌ ذاتيّ للعقل، فالعقلُ حجّةٌ بالذات، ولا يمكن إثبات حجّيّته بالعقل؛ لأنّه يستلزم الدور أو التسلسل. كذلك لا يمكن إثبات حجّيّة العقل بالنقل (الكتاب والسنّة)؛ لأنّ حجّيّة النقل وإثباته يتوقّف على العقل، فإنّ العقل هو الذي يثبت وجود الله جل جلاله والنبوّة والمعاد وضرورة الاعتماد على الوحي، فلو توقّف العقل على النقل للزم الدور. فالعقل السليم حجّة بالذات لا بسبب أمر آخر »[37].
وبالنتيجة: يتّضح لنا أنّه لا تعارض ولا تنافي بين العقل والدين؛ لأنّ هناك تعاضداً وتعاوناً وثيقاً بينهما؛ لذا يعتقد بعض المفكّرين بأنّ العقل ليس مصدراً معرفيّاً مستقلّاً في مقابل الدين خارجاً عن نطاقه، بل يكون العقل في مقابل النقل، لا في مقابل الدين

المطلب الثاني: العقلية التكثريّة وتسمّى الإفراطيّة (التعصّبيّة)
العقليّة التكثريّة: تعتقد هذه المدرسة أنّ العقل معصوم، ولذا فهو قادر على كشف كلّ الأمور والأشياء للوصول إلى الحقيقة.
ويُعدّ «كانت» أهمّ شخصيّة فلسفيّة كانت في ذلك العصر، أي: في القرنين: التاسع عشر والعشرين. وقد قسّم «ايمونوئيل كانت» العقل على قسمين: العقل النظريّ والعقل العمليّ.
أما العقل النظريّ، فقد تمسّكت به المدرسة التعصّبيّة، وقالوا: إنّ المعلول يحتاج في وجوده إلى علّة، وعليه: لا يمكن الاعتقاد واليقين بهذه القاعدة.
وأمّا العقل العمليّ، فقد قالت به مدرسة التشكيك، أي: (تشكيك معرفي)، وقالوا: إنّ الكذب قبيح فلا ينبغي الكذب، والصدق حسن فينبغي الصدق.

و(التكثريّة) في الأصل فكرة مسيحيّة تقول بحقّانيّة كلّ الأديان، فالإسلام على حقّ، والمسيحيّة على حقّ، واليهوديّة على حقّ، وهكذا. ولم تكتفِ المسيحيّة بهذا، بل فرّعت عن هذه الدعوى أفكاراً متعدّدة تريد بها إضلال الناس وإغواءهم، ولهذا اندفعت نحو تأسيس فكرتين أو مدرستين:

الأولى: فكرة الإيمانيّة
الثانية: فكرة التكثريّة

وتنقسم التكثريّة ثلاثة أقسام:
1 – التكثريّة السياسيّة: الّتي يبحث عنها في المجال السياسيّ.
2 – التكثريّة الثقافيّة: الّتي يبحث عنها في علم الاجتماع.
3 – التكثريّة الدينيّة: الّتي يبحث عنها في الإلهيّات، ونعني به: (الكلام الإسلامي).

وما يهمّنا في هذا البحث هو التكثريّة الدينيّة، حيث قسّموها ثلاثة أقسام، هي:

الأوّل: التكثريّة الحقّانيّة: يقصد بها أنّ الدين له حقّ على الناس، وأنّ الله أراد من المسلمين الإسلام قال تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾[38].

الثاني: التكثريّة في الحياة: قالوا إنّ الإنسان له حقّ العيش في هذه الحياة الدنيا؛ ولكنّ الإنسان استُضعِفَ في الأرض بسبب وجود الظَّلَمة والطغاة، قال تعالى: ﴿قالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قالُوا أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ واسِعَةً فَتُهاجِرُوا فِيها ...﴾[39].

الثالث: التكثريّة في التعايش: يقصد بها أنّ أفراد المجتمع الإنسانيّ الذين وجدوا على هذه الأرض، لا بدّ لهم من التعايش والتواصل والتعارف؛ لأنّ الحياة الاجتماعيّة تُلزم الانسان أن يتعايش مع جميع أفراده، ومنها قول الإمام عليّ (عليه السلام) لصاحبه كميل بن زياد: «الناس صنفان؛ إمّا أخٌ لكَ في الدين، أو نَظيرٌ لكَ في الـخَلْق»[40].

وعلى هذا فقد تفرّعت من هذه العقيدة عدّة عقائد وآراء، منها:
عقيدة غسل التعميد: وهو غسلٌ خاصّ يغسّل المسيحيّون أولادهم به، ويعتقدون بأنّه يطهّرهم من الذنوب، وقد ظهرت هذه العقيدة في القرن (15 – 16م)، وتبتني هذه العقيدة على ثلاثة اعتقادات، هي:

1 – من اغتسل فقد دخل الجنة.
2 – من لم يغتسل، فلا يدخل الجنة، بل النار.
3 – الذين لم يوفّقوا للغسل لعذر، يدخلون « ليمبو » وهو كالبرزخ.

وأمّا مبانيهم الفكريّة التي يلتزمون بها، فهي:

1 – لا يمكن الوصول إلى الحقيقة.
2 – الاعتقاد بوجود الذاتيّات والعرضيّات للدين.
3 – البيان الرمزيّ، أي: لا يوجد فرق في المدّعى.

واستمرّت عقيدتهم هذه إلى أن ظهرت شخصيّات في القرن (18 – 19م) تنتمي إلى هذه المدرسة كأمثال «كارل رينر»، وفي سنة (1960م) ظهر «جان هيبك»، وكانت له زيارة إلى إيران، وهؤلاء تمسّكوا بنفس الاعتقاد الذي سبقهم به الآخرون.

المطلب الثالث: العقليّة التفريطيّة (التشكيكيّة)
العقل الكامل هو العقل الذي يكون قادراً على النقد والإبداع، والهدم والبناء، والإحلال والتجديد؛ لأنّه عقلُ له قابليّة ويملك فاعليّة وقدرة على أن يجمع الأجزاء المتناثرة في إطار عامّ يضمّن لها التكامل والترابط والتفاعل، هذا العقل الكامل هو الّذي لديه آليّة ومنهجيّة في الطرح والإزاحة والاستبدال، وتكون لديه -أيضاً- قدرة على التنظير والإبداع والخلق وإعادة البناء من جديد.

ومن هنا ظهرت مدارس متعدّدة في نفس المدرسة العقليّة نفسها؛ فمنها إفراطيّة، وأخرى تفريطيّة، وقد تقدّم الكلام عن العقليّة الإفراطيّة، والآن نتكلّم عن العقلية التفريطيّة، ونأخذ منهجاً واحداً من مناهجها المقرّرة.

العقلانيّة بتقرير إسلاميّ
يُسمّى أصحاب هذا المنهج بالأقلّيّة، وعندهم العقل هو إدراك المعارف النظريّة، وما يستفاد من التجارب الحسّيّة، ويدخل في هذا ما سمّاه المحاسبيّ: « فهم البيان: أي إصابة العقل للمعنى الصحيح لكلّ ما يسمعه ولكلّ ما يدركه بحواسّه من ناحية العقل »[41].

وقالوا إنّ الطرق التي توصل إلى معرفة أسرار الكون لا تخلو من خمسة مناهج:
الأوّل: يمكن للإنسان أن يصل إلى أسرار الكون من طريق قطعيّ، يُقصد به العلم الحضوريّ، وهو العلم الوجدانيّ نفسه، الذي يكون حاضراً أو موجوداً في ذات الانسان، كشعور الإنسان بالجوع أو شعوره بالفرح، وهكذا، فهو من الأوّليّات، ويسمّى أيضاً (البديهيّات الأوليّة).
الثاني: يمكن للإنسان أن يصل إلى أسرار الكون من طريق اطمئنانيّ، يُقصد به العلم بالمحسوسات والمتواترات والمجرّبات، والمجرّبات هي القضايا الّتي يحكم بها العقل بتکرُّر المشاهدة منّا في إحساسنا، فيحصل بتكرُّر المشاهدة ما يوجب أن يرسخ في النفس حكم لا شكّ فيه، کالحكم بأنّ کلّ نار حارّة وأن الجسم يتمدّد بالحرارة.
الثالث: يمكن للإنسان أن يصل إلى أسرار الكون من طريق الظنّ: والظنّيّات هي المشهورات، وبعض المجرّبات كالقضايا الفلسفيّة.
الرابع: إن أسرار الكون لا يمكن أن يصل إليها الإنسان من طريق عاديّ، وإنّما من طريق الوحي.
الخامس: إن أسرار الكون لا يمكن أن نصل إليها أبداً.

فتحصّل من هذا كلّه أنّ اصحاب العقليّة التفريطيّة يجعلون العقل وحده أصلاً لمعرفة الله عزّ وجلّ، ويجعلون القرآن والسنّة توابع له، وقد صرّح الرازيّ بذلك في كلامه: « إذا تعارضت الأدلّة السمعيّة والعقليّة، ...، فإمّا أن يجمع بينهما -وهو محال؛ لأنّه جمع بين النقيضين-، وإمّا أن يُرَدّا جميعاً، وإمّا أن يُقدّم السمع -وهو محال؛ لأنّ العقل أصل النقل، فلو قدّمناه عليه كان ذلك قدحاً في العقل الّذي هو أصل النقل، والقدح في أصل الشيء قدح فيه، فكان تقديم النقل قدحاً في النقل والعقل جميعاً، فوجب تقديم العقل-؛ ثمّ النقلُ إمّا أن يتأوّل؛ وإمّا أن يفوّض»[42].

وبالنتيجة: فإنّ المعقولات عندهم هي الأصول الكلّيّة؛ المستغنية بنفسها عمّا سواها، ثمّ زادوا تفريطاً في الأمر حتّى نسبوا مخالفيهم من أهل الحديث وغيرهم إلى الجهل والجحود، وضعف العقل، « ويبرّرون هذا الإفراط في استخدام الأدلّة العقليّة، بأنّ النظر الكلاميّ أداة لكشف شبهات الملحدين، والردّ على المعاندين من أهل الملل والنحل، وهذا لا يتحصّل إلّا بالعقل وأما القرآن فلا يفي به الاقتصار وحده »[43].

المبحث الثالث: العلاقة بين العقل والدين في الفكر الإسلاميّ
في هذا المبحث الذي يتضمّن العلاقة بين العقل والدين في الفكر الإسلاميّ، سنتناول ثلاثة مباحث تقوم على أساس كشف الحقائق التي يختزلها العقل بنحوٍ من الأسئلة المبهمة التي تحتاج إلى جواب معرفيّ، ففي المطلب الأوّل: هل العقل قادر على كشف الأمور والحقائق أم لا؟، وفي المطلب الثاني: هل الوحي يعطينا الحقيقة أم لا؟ وفي المبحث الثالث نسأل: هل هناك تناقض بين القضايا العقليّة وبين القرآن والروايات أم لا؟ كلّ ذلك سنجيب عنه في هذا المبحث بمشيئة الله تعالى.

المطلب الأوّل: هل العقل قادر على كشف الأمور أم لا؟
ولو تتبّعنا القرآن الكريم وتدبّرنا في آياته، لوجدنا ما يزيد على ثلاثمائة آية ترشد الناس إلى التفكّر أو التذكّر أو التعقّل، ومنها قوله تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[44]، وقوله تعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ ولكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾[45].

وإذا رجعنا إلى الروايات والأحاديث الشريفة لوجدنا الكثير منها تحثّ على التعقّل، وتحريك القوة العاقلة نحو فهم الأشياء ومعرفتها. يقول الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) حول أهمّيّة العقل في فهم التعاليم الدينيّة: «الدين لا يصلحه إلّا العقل»[46]، ثمّ إنّ الإمام يصوّر العقل بأنّه حجّة كمنزلة الأنبياء، كما في الحديث المرويّ: «يا هشام، إنّ لله على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة وحجّة باطنة، فأمّا الظاهرة فالرسل والأنبياء والأئمّة b، وأمّا الباطنة فالعقول»[47].

والآن بعد هذه المقدّمة يمكن أن نجيب على أصل السؤال المطروح، فنقول:
أوّلاً: إنّ في الكتاب العزيز آيات كثيرة تدعو الناس إلى التدبّر والتعقّل فيه، وهذه الآيات تدلّ على عمق كلام الوحي، وهذا يقتضي التدبّر في الكلمات الإلهيّة، وإذا لم يكن للتعقّل دخل في التفسير، لا يمكن الوصول إلى كثير من المعاني الرفيعة، ولا معنى للدعوة إلى التدبّر والتعقّل؛ فلو لم تكن للعقل والقواعد العقليّة مكانة في فهم القرآن، لَكانت تشجيعات القرآن الكثيرة في هذا المجال لغواً؛ فيلزم من ذلك أنّ العقل قادر على كشف الحقائق بمعونة النقل.
ثانياً: لا يجوز تعطيل العقل بأيّ حال من الأحوال لا سيّما في مجال العقيدة وغيرها؛ لأنّ العقل أساس التكليف ومناط سائر الأعمال، ولذا كان العقل هو الدالّ على معرفة الله تعالى وإثبات وجوده وصفاته وأفعاله، وهو طريق لإثبات العدل الإلهيّ والنبوّة والإمامة، وغيرها من الاعتقادات التي يستدلّ بها في إثبات الحجّيّة.
إذن: للعقل مكانة وجوديّة في جميع المستويات، فبه يحصل البرهان والاطمئنان كما جاء في قصّة إبراهيم: ﴿أولم تؤمن؟ قال بلى﴾، ومعنى قوله «بلى» أي أنّي مطمئنّ عقلاً، فكانت أوّل رتبة من مراتب اليقين هي الاطمئنان العقليّ، ثمّ سعى لتحصيل الاطمئنان القلبيّ.

ثالثاً: إنّ العقل نور جعله الله في الإنسان حتّى يكشف له الأشياء الموجودة والحقائق الواقعيّة، والمسائل الذهنيّة والتحليليّة، فهو أداة أساسيّة لمعرفة أسرار الكون، وإلى جانب ذلك كلّه يُعدّ العنصر الموافق للنقل الذي ورد إلينا من قبل الله تعالى ورسوله وسائر الأنبياء، فمع إعمال قاعدة العرض تحصل الموافقة أو المخالفة.

رابعاً: ذكر ابن العربيّ: «أنّ العقل له مجالات رحبة في المعرفة الإلهيّة، كما أنّ له حدوداً لا يمكنه تخطّيها؛ لأنّه يعجز عن ذلك عجزاً ذاتيّاً، ولأنّه يوجد من المعارف ما يتجاوز طاقته وقدراته»[48]. ويُسوّغ ابن العربيّ كلّ هذا بتسويغات شرعيّة وعقليّة قاصداً منها جعل العقل في خدمة الحقيقة الدينيّة الإلهيّة.

ويمكن أن يُجاب على ما قاله: بأنّه حاول تعجيز العقل، وحدّ له حدوداً يجب أن يقف عندها، والظاهر من دعواه هذه تأثّره بالعقيدة الأشعريّة، أي أنّه اعتبر العقل وسيلة وليس غاية حقيقيّة، وهذا الكلام تفطّنت به الفلسفة الغربيّة، وخاصّة بعد الحرب العالمية الثانية حين أيقنت أنّه يجب ألّا تكون الاكتشافات العلميّة غاية في حدّ ذاتها بل وسائل، ممّا ساعدهم على التمسّك بهذا القول وهربوا من حجّيّة العقل ودليليّته.

إذن: ما صنّفه ابن العربيّ -من ترتيب العقل وجعله رتبة ثالثة بعد النقل والكشف- جاء خلافاً لِـما قال به مشهور العقلاء، وقد أشرنا إلى الدعوة الإلهيّة من خلال الآيات الحاثّة على التعقّل، وتأكيد السنّة النبويّة، وإقرار العلماء على منزلة العقل ودوره في كشف الحقائق الكونيّة والأسرار الوجوديّة.
خامساً: سيرة الأئمّة المعصومين وطريقة المفسّرين، في انتخاب التفسير الاجتهاديّ، والاستفادة من العقل في فهم القرآن - يُعدُّ دليلاً آخر على حجّيّة التفسير العقليّ. ومثال ذلك: أنّنا نجد في كلمات أهل البيت b ما يشير إلى قانون العلّيّة أو السنخيّة وحدوث العالم وقِدَمه، وقيامهم بإثباتٍ أو نفيٍ لبعض الأمور بالاستدلال العقليّ في صفات الله.
فقد نقل الشيخ الصدوق -في كتاب التوحيد[49]- روايات كثيرة بأنّ الأئمّة أهل البيت b جاؤوا بالاستدلال العقليّ في تفسير بعض الآيات، فإذا لم يكن التفسير العقليّ جائزاً فما معنى اتجاه أهل البيت للتفسير العقليّ؟!

وخلاصة ما تقدم: أنّ العقل له مكانة رفيعة جدّاً في الثقافة الإسلاميّة، وأنّ معرفة الدين وإثبات الصانع وإثبات توحيده وغيره من العقائد الأخرى - لا قيمة لها ما لم تقترن بالعقل، وكما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «عَقَلوا الدين عقلَ وِعاية ورِعاية، لا عقل سَماعٍ ورِواية، فإنّ رُواةَ العلمِ كثيرٌ ورُعاتَه قليلٌ»[50].
من جهة أخرى: «إنّ فهم النصوص يحتاج إلى التفحّص والتدبّر والجمع بين الآيات والروايات ودفع التعارض والتناقض والتشابه، وكذلك يحتاج إلى إرجاع النصوص الخاصّة إلى العامة والمقيّدة إلى المطلقة، وهذا لا يحصل إلّا بالتعقّل والاجتهاد»[51].
إذن: بعد عرض الآيات القرآنيّة والأحاديث المعرفيّة الصحيحة الصادرة عن أهل البيت b، التي ترشد الناس بالرجوع إلى العقل والتعقّل والتدبّر، يتبين لنا أنّ العقل أداة أساسيّة لمعرفة أسرار الكون، وأنّه قادر على كشف الأمور، وإظهار حقائقها الواقعيّة.



المطلب الثاني: هل الوحي يعطينا الحقيقة أم لا؟
يُعدّ الكلام في مسألة الوحي من المسائل المهمّة قديماً وحديثاً، إلّا أنّ أهمّيته اشتدت في الوقت الحاضر؛ لِـما ظهر من اختلافات بين منهج وآخر، فبعض المفكرين من أمثال: سروش، ومحمد أركون، ونصر حامد أبو زيد، وحسن حنفي، كانوا يسعون -من جهة- إلى تفسير للشريعة يمكنه أن يتناسب مع حاجة التديّن في المرحلة المعاصرة؛ ويحاولون -من جهة أخرى- حلّ مشكلة التعارض بين العلم والدين بطريقتهم الخاصّة.

فضلاً عن ذلك، إنّهم لم يوظّفوا المباحث الفلسفيّة والعرفانيّة كما عمل بها ابن عربي وصدر الدين الشيرازي، وإنّ تحليلاتهم وتفسيراتهم استندت بشكل كبير إلى مباحث الفلسفة اللسانيّة والهرمونوطيقا في المرحلة المعاصرة. ولهذا نجدهم يسعون إلى تقديم وصف فلسفيّ وعرفانيّ عن الوحي، يُضافُ إلى تلك الموضوعات المستندة إلى المباحث الفلسفيّة والعرفانيّة في الحكمة المتعالية، بأسلوب تحليليّ وتوصيفيّ ناظر إلى تحديد رقعة علاقة الإنسان بخالقه
وعلى أيّة حال فإنّ مناقشتنا في نظريّة الوحي النبويّ لا تكمن في تقديم وصف فلسفيّ أو عرفانيّ عن الوحي وبيان مساره، بل إنّ ذلك يكمن في استنتاج الحلول من النظريّات. ولتوضيح المسالة والسعي إلى حلّ النزاع في هذه الدعوى، وهل الوحي يعطي الحقيقة أم لا؟ سنخوض البحث في بعض المقدّمات.

أوّلاً: إنّ من أبرز خصائص الوحي النبويّ «هو إدراك الموحى إليه صحّة وأحقّيّة ما أوحي إليه، وصيانته من الخطأ، بمعنى أنّ بإمكانه أن يتعرّف على ماهيّته، وأنّ مصدره رحمانيّ، وليس شيطانيّاً، وأنّ ما يتلقّاه واضح غير مبهم، ولا يتطرّق إليه الخطأ، ولا يأتيه الباطل أبداً»[52]، وباختصار نقول: إنّ للنبيّ حال تلقّي الوحي وعيّاً شموليّاً، فلا يسيطر عليه الشكّ أبداً، ولا يقع في الاشتباه، ولا يمكنه أن يضيف شيئاً من كلام الله إلى نفسه، قال تعالى: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاء نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾[53]، فهو ليس من قبيل الإلهامات التي قد يقع فيها الـمُلهَم في الخطأ.
ونعني بها الإلهامات التي تعرض على الأذهان، أو الكشوفات الباطنيّة والعرفانيّة ذات القنوات المعروفة من السير والسلوك، التي تحصل لبعض الأفراد من العلماء والعرفاء والمحصّلين أحياناً، والتي يذكرها القرآن في مرتبة عاديّة، وقد أثبتها القرآن لأمّ موسى ومريم العذراء؛ وذلك في ما ألقاه الله إلى أمّ موسى في الحفاظ عليه، حيث قال: ﴿وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَألقِيهِ فِي اليَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾ [54]، وتكليم الملائكة للسيّدة مريم: ﴿إِذْ قَالَتِ المَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ المَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾[55].

إذن: هذا كلّه ليس من سنخ الوحي إلى الأنبياء والإلهام إلى المعصومين b، وعليه يكون الوحي طريقاً لكشف الحقائق التي يريد الله تعالى إيصالها إلى الناس: ﴿وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ المُرْسَلِينَ﴾، فوعد الله بالردّ يُعدّ كشفاً للحقيقة وأمثلة ذلك كثيرة.
ثانياً: لقد ثبت لدينا صدق مُدّعي النبوّة، وذلك من خلال الآيات القرآنيّة كقوله تعالى: ﴿ومُبَشِّراً بِرَسولٍ يأتي مِن بَعدي اسمُهُ أحمدُ﴾[56]، وهذا التبشير وأمثاله -بطبيعة الحال- قد تحقّق في أكثر من مناسبة وموقف، ومِن ثَمَّ فإنّ هذه البشارة هي موضع صدق المتكلّم الموحى إليه، وهذا لم يتمّ إلّا باختيار إلهيّ واصطفاء ربّانيّ.

وعليه فإنّ اختيار الله لنبيّ يتكلّم من طريقه إلى جميع عباده ليس من قبيل الوحي الغريزيّ إلى النحل، وليس كلّ إنسان يمكنه أن يحظى بهذه المكانة مهما بذل في السير والسلوك؛ فإنّ اصطفاء الأنبياء له آليّته الخاصّة التي لا يعلمها إلّا الله، قال تعالى: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالاتِي وَبِكَلامِي﴾[57]، وقال أيضاً: ﴿اللهُ يَصْطَفِي مِنَ المَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ﴾[58].
وبالنتيجة: فإنّ هذا الاصطفاء الذي اختاره الله لبعض أنبياءه وأولياءه، يكشف عن حقيقة الوحي الصادق الذي تُرشَّح منه خصوصيّتان؛ الأولى: صدق الوحي، وذلك لأنّنا صدّقنا بالنبيّ الموحى إليه بصدق البشارة، ومورد الصدق أصبح الوحي؛ والثانية: حقيقة الوحي، فإنّ ما صدر من الوحي هو عبارة عن حقائق واقعيّة وجوديّة تنطبق على كلّ الأمكنة والأزمان.

ثالثا: إنّ حقيقة الوحي النبويّ تعني الكشف عن حقيقة الغيب الإلهيّ، بأنّ الله تعالى أراد من النبيّ أن يبلّغ حقيقة الكلام الموحى إليه من الوحي، أي لفظاً ومعنى ونظماً، وإنّ هذه الحقيقة المكتشفة لم تستند إلى إعمال مجهود عقليّ وتحليل فكريّ، ولم يكن للنبيّ أيّ اختيار فيها، وقد تنزّلت وأُنزلت عليه من الأعلى إلى الأسفل، ولذا كان يخاطبه بــ«قل» التي تكرّرت عدّة مرات.

ثم إنّ كلّ ما يُلقى إلى النبيّ يكون مفهوماً بمجرّد إلقائه؛ لأنّ ما يُلقى وما يفهم عبارة عن شيء واحد وحقيقة واحدة. ومن هنا قال أهل المعرفة: «إنّ تكلّم الحقّ تعالى عبارة عن تجلّي الحقّ، وإنّ هذا التجلّي ثمرة تعلّق القدرة والإرادة بإيجاد وإظهار ما هو كامن في الغيب»[59].
إذن: جميع هذه التأكيدات والمعاني التي أُلقيت إلى النبيّ إنّما هي لإثبات ملكوتيّة الوحي النبويّ، وأنّه وحي إلهيّ سماويّ، وأنْ لا تأثير للجانب الناسوتيّ والنبويّ في حقيقته ومرتبته وجوهره على جميع الأصعدة.

حكمته وغاياته:
يحمل الوحي بين طيّاته ما يلقي به من معارف إلهيّة، بوصفه ظاهرة خارقة لحدود عالمين مختلفين ورابطة بينهما ، حكمة كبيرة تتمثّل بمعارف الوحي الملقاة إلى الأنبياء b لتبليغها إلى البشر بهدف الإنذار والتبشير، قال تعالى: ﴿وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾[60].
وهذا الإرسال لهؤلاء المصطفين إلى سائر البشر لتبليغهم الأحكام والأوامر الإلهيّة - إنّما هو لطف إلهيّ، وتحقيق لمفهوم العدالة الإلهيّة، بل: «إنّ من لوازم الألوهيّة أن ينزل الوحي الإلهيّ على جماعة من البشر هم الأنبياء b»[61].

وأمّا هدف الوحي فيما يريد بيانه وإثباته على الناس، فهو الاحتجاج عليهم بوجود البشارة والإنذار والبيان والأحكام ، والمعارف والأوامر؛ ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ﴾[62] ، «ولجهلهم ما يجب عمله من أصول الإيمان وما تصحّ به الأنفس وتتزكّى من صالح الأعمال»[63].

أهمّيّة الوحي:
1 - إنّ الوحي هو الطريق الوحيد الذي به تستطيع البشريّة أن تصل إلى حقائق ما وراء المادّة، في مقابل من قال: «إمكاننا أن نتوصّل إلى حقائق علوم الكون والحياة بالمنطق التجريبيّ والرياضيّ»[64]. وذكر العلّامة بياناً للوحي قائلاً: «فالوحي هو الطريق إلى تعليم ما ليس في وسع الإنسان -بحسب الطرق المألوفة عنده التي جهّزه الله بها- أن ينال علمه»[65].
2 – إنّ أيّ تفسير يظهر على أيدي الأنبياء b، من ظواهر خارقة وما تحمله رسالاتهم من خصائص وأبعاد، يأتي عن طريق الوحي، و«لا نجد ديناً من الأديان يخلو من فكرة الوحي مهما اختلفت المنازع في تصويره، فالتخلّي عن فكرة الوحي تقويض للدين من أساسه لا سيّما الأديان السماويّة»[66].

وخلاصة ما تقدّم: من مجمل هذه الأمور وما يرتبط بها من مفاهيم ومصاديق متفرّعة، يُعدّ الوحي كاشفاً عن الحقيقة التي أرادها المولى تعالى، وإنّه يأخذ بُعده الدينيّ الواسع ليتمثّل أساساً لأيّ دين سماويّ، فإنّه «ما من دين سماويّ إلّا ويعتمد على الوحي والإلهام ، فمنهما صدر، وبما لهما من إعجاز وعلى تعاليمهما تأسّست قواعده وأركانه»[67].

المطلب الثالث: هل هناك تناقض بين القضايا العقليّة وبين القرآن والروايات؟
تعود أهمّيّة بحث وحلّ إشكاليّة التعارض القائم بين العقل والنقل، إلى كون كلّ واحد منهما يُعدّ طريقاً من طرق المعرفة في الفكر الإسلاميّ، ممّا أثار أسئلة كثيرة -قديماً وحديثاً- حول تحديد منهاج ونطاق عملهما، وطبيعة العلاقة الجدليّة بينهما، وما هي طرق وآليّات رفع التعارض فيما تقتضيه الأدلّة.

إنّ نشأة إشكاليّة التعارض بين العقل والنقل حدثت بعد انفتاح المسلمين على الثقافات الغربيّة، وترجمة كتب المنطق والفلسفة اليونانيّة، ومن هنا فقد تأثّر بعض مفكّري المسلمين وعلمائهم بتلك الفلسفة، وأدّى بهم ذلك إلى تعظيم العقل وجعله معيار قبول الأشياء وردّها، فما عارض منها الشريعة لزم تأويله بما يتوافق مع دلائل العقل طبقاً للمقرّر في تلك الفلسفة.
وبمراجعة كتب العقائد لمختلف الاتّجاهات الدينيّة والمذاهب الإسلاميّة، كالأشاعرة والمعتزلة والحنابلة (السلفيّة)؛ يظهر مدى الاختلاف بتلك القضية في تناول المباحث العقائديّة، وقوّة تأثيرها في إنتاج الآراء والأقوال، باعتبارها أصلاً كلّيّاً يتمّ إعماله في عمليّة الفهم والاستدلال والاستنباط طبقاً للمصادر نفسها. فنجد الأشاعرة يعتمدون في استدلالاتهم على النقل ولا يعطون أهمّيّة للعقل، ولذا قالوا قولتهم المشهورة «من تمنطق فقد تزندق»، وأمّا المعتزلة فقد جعلوا العقل هو المعيار في معرفة أحكام الدين، وأفرطوا فيه، وهكذا استمرّت الجدليّة بين العقل والنقل إلى يومنا هذا.

والآن يمكن أن نجيب على أصل السؤال المطروح، فنقول:
إنّ العلاقة بين العقل والنقل في التراث الإسلاميّ ليست علاقة تضادّ ولا تناقض، فإنّ الاهتمام الكبير الذي نراه في القرآن الكريم، والأولويّة التي مهّدها للعقل، وإعطاءه دوره في الوصول إلى الله، والكشف عن زيغ المعتقدات الوثنيّة، وقدرته على معرفة الحكمة الإلهيّة من التشريع، والسنن الكونيّة من الخلق، كلّ ذلك يؤكّد على أنّ الأصل في العلاقة بين النصوص القطعيّة والمعارف العقليّة الإنسانيّة هو الانسجام والتكامل.

ولذا نجد الخطابات القرآنيّة تدعو إلى التعقّل والتفكّر والتدبّر، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾[68]، ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ وَ الشَّمْسَ وَ الْقَمَرَ وَ النُّجُومُ مُسَخَّراتٌ بِأَمْرِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾[69]،  وقال تعالى: ﴿أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِها أَوْ آذانٌ يَسْمَعُونَ بِها فَإِنَّها لا تَعْمَى الْأَبْصارُ وَ لكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾[70]. فالله لا يخاطب عباده بما لا يعقلون، ولا يكلّفهم ما لا يطيقون؛ لأنّ ذلك يقوّض أساس التكليف والحكمة من التنزيل والتشريع!!

إذن: الأصل في العقل أن يعقل كلّ ما له شأن في عالم الشهادة؛ لأنّ الإنسان هو المستخلف في هذا العالم ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً﴾[71]، فكلّ المعارف التي تخصّ هذا الكون المخلوق هي من اختصاصه، ويمكن لعقله أن يدركها.

ثمّ إنّ دور العقل يختلف في تحصيل “ العلوم النظريّة “ عن دوره في تحصيل “ العلوم العمليّة “، وهذا التفريق ذكره ابن سينا بين “ الحكمة العمليّة “ و “ الحكمة النظريّة” حيث يقول: «إنّ الشريعة الإلهيّة يستفاد منها مبادئ “ الحكمة العمليّة “ وحدودها على الكمال، أمّا الحكمة النظريّة فإنّ الشريعة تعنى بمبادئها فقط على سبيل التنبيه تاركةً للقوّة العقليّة أن تحصّلها بالكمال على وجه الحجّة»[72]. نعم: إنّ دور العقل في القضايا الغيبيّة “ كالعلم بالملائكة، وأسرار المعراج، وكيفيّة المعاد وغيرها “ ليس كدوره في المعارف الدنيويّة والشؤون المتعلّقة بعالم الشهادة والتسخير، فالعلم بوجود الملائكة حتّى وإن كان أصله النقل، فإنّه ممّا تجوّزه العقول، وليس ممّا تحيله، فالشرع الإلهيّ لا يأتي بما يخالف العقول، وإنّما بما تحار به العقول.

وهنا قبل أن أختم البحث أقول: إنّ العلاقة بين العقل والنقل هي أثر من آثار الثنائيّات المتناقضة التي تميّزت بها الحركة الفكريّة للحضارة الغربيّة، تلك التي عرفت لاهوتاً كنيسيّاً -نقلاً- لا عقلانيّاً، فجاءت عقلانيّتها -في عصر النهضة والتنوير الوضعيّ المادّيّ- ثورةً على النقل اللا عقلانيّ ونقضاً له.
وأمّا في الإسلام، فالمسيرة الفكريّة للأمّة الاسلاميّة - وخاصّة في عصر الازدهار والإبداع - لم يكن فيها النقل مقابلاً للعقل أبداً؛ لأنّ ما يقابل العقل هو الجنون، وليس النقل؛ ولأنّ النقل الإسلاميّ -القرآن الكريم والروايات الشريفة- هو مصدر العقلانيّة الإيمانيّة، والباعث عليها، والداعي إلى استعمال العقل والتفكّر والتدبّر في آيات الله، ولو رجعنا إلى آيات القرآن التي تحثُّ على العقل والتعقّل لوجدنا أنّها تبلغ تسعاً وأربعين آية، وهذا يدلّ على دعوة القرآن إلى التدبّر والتعقّل، ونتيجة ذلك: لا منافاة ولا تناقض بين القضايا العقليّة والقرآن والروايات، بل إنّ أحدهما مكمّل للآخر.

خاتمة:  موضوع
1 – التعريف ببعض الفرق الإسلاميّة والمدارس الغربيّة، من خلال تعدّد الآراء المخالفة للعقل والدين.
2 – لا يوجد تعارض ولا تَنافٍ بين العقل والدين، بل إنّ بينهما تعاضداً وتعاوناً وثيقاً؛ لذا يعتقد بعض المفكّرين بأنّ العقل ليس مصدراً معرفيّاً مستقلّاً في مقابل الدين خارجاً عن نطاقه، بل العقل يكون في مقابل النقل، لا في مقابل الدين.
3 – معالجة الإشكالات القائمة بين القائلين باستقلال العقل وهم الإفراطيّون، وبين القائلين باستقلال النقل وهم التفريطيّون.
4 - إنّ للعقل مكانة رفيعة جدّاً في الثقافة الإسلاميّة، وإنّ معرفة الدين وإثبات الصانع وغيرها من العقائد الأخرى لا قيمة لها ما لم تقترن بالعقل، وكما قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «عَقَلوا الدين عَقلَ وِعاية ورِعاية، لا عقل سماعٍ ورواية، فإنّ رُواةَ العلم كثيرٌ ورُعاتَه قليلٌ».
5 - لم يكن النقل في مقابل العقل أبداً؛ لأنّ ما يقابل العقل هو الجنون، وليس النقل؛ ولأنّ النقل الإسلاميّ - القرآن الكريم والروايات الشريفة - هو مصدر العقلانيّة الإيمانيّة، والباعث عليها؛ فلا منافاة في البين.


المصادر

القرآن الكريم

نهج البلاغة

أبن تيمية، مجموع فتاوى ابن تيمية «العقيدة، كتاب الأسماء والصفات» (السعودية: مجمع الملك فهد).

ابن سينا، ابو علي «تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات» (القاهرة: منشورات، دار العرب البستاني، ط2).

ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكريا «معجم مقاييس اللغة» تحقيق: عبد السلام محمد هارون، (بيروت: نشر دار الفكر، 1399هج، 1979م).

ابن منظور، محمد بن مكرم «لسان العرب» (بيروت: الناشر دار صادر، 1414هج، ط3).

أحمد بن محمد بن علي الفيومي «المصباح المنير»، تحقيق: يوسف الشيخ محمد (الناشر: المكتبة العصريّة، ١٤١٨ هـ ق، ط2).

الأسترآبادي، محمد جعفر «البراهين القاطعة» تحقيق: مركز العلوم والثقافة الإسلامية (قم: الناشر: مؤسسة بوستان كتاب، ١٤٢٤ هـ. ق).

الاعرجي، ستار جبر «الوحي ودلالاته في القران الكريم والفكر الاسلامي»  (بيروت: منشورات، دار الكتب العلمية).

الآمدي، عبد الواحد بن محمد «غرر الحكم» (طبعة جامعة طهران ، تنقيح وتصحيح محدث الارموي).

الأنصاري، الشيخ مرتضى «فرائد الأصول» تحقيق: إعداد: لجنة تحقيق تراث الشيخ الأعظم (قم: مجمع الفكر الإسلامي، 1419، ط1).

جوادي آملي، عبد الله «حقيقة الدين» ترجمة عادل الغريب (بيروت، مؤسسة العرفان للثقافة الإسلامية، الطبعة الأولى، 1417ه).

الحلي، الحسن بن يوسف «كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد» تحقيق: حسن زاده الآملي (قم: نشر: مؤسسة النشر الاسلامي، 1417، ط7).

الخميني، السيد روح الله «شرح دعاء السحر» (تهران: ناشر: مؤسسه تنظيم و نشر آثار امام خميني، 1374 ه. ش، ط1).

الدمشقي، ابن عساكر «تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري» (دمشق: انتشارات مطبعة الرّيس، 1347هج).

الديناني، غلام حسین إبراهيمي «حركة الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي» (بيروت: منشورات دار الهادي، 2001م).

الرازي، فخر الدين «اعتقادات فرق المسلمين والمشركين»  الموسوعة الحرة.

سعود عبد العزيز العريفي «الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد» (السعودية: دار عالم الفوائد، 1419، ط1).

السيد محمد باقر الصدر «المعالم الجديدة للأصول» (طهران: إصدار مكتبة النجاح، ١٣٩٥ - ١٩٧٥ م، ط2).

السيد محمد باقر الصدر «فلسفتنا» (بيروت: منشورات، مؤسسة دار الكتاب الاسلامي، ١٤٢٥ - ٢٠٠٤م).

الصدوق، محمد بن جعفر " التوحيد»  تحقيق: السيد هاشم الحسيني الطهراني (قم: الناشر: جماعة المدرّسين في الحوزة العلمية).

الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي «كمال الدين وتمام النعمة» (قم: مؤسسة النشر الإسلامي، محرم 1405).

الطباطبائي، محمد حسين «تفسير الميزان» (قم: الناشر: منشورات اسماعيليان، المطبعة: اسماعيليان).

الطريحي، فخر الدين النجفي «مجمع البحرين» (الموضوع اللغة والبلاغة، تاريخ النشر: 1362هق).

عبودیت، عبد الرسول «هل لدينا فلسفة إسلامية» (معرفت فلسفی، رقم 1، 1382 ش).

الفخر الرازي، فخر الدين محمد بن عمر «اساس التقديس» (بيروت: منشورات، انوار الصباح).

الفخر الرازي، محمد بن عمر «المحصّل» (القاهرة: منشورات: مكتبة دار التراث، 1411 ق‌، ط1).

الفراهيدي، الخليل بن أحمد «العين» تحقيق: مهدي المخزومي، إبراهيم السامرائي (الناشر: دار ومكتبة الهلال).

الكليني، محمد بن يعقوب "اصول الكافي" تحقيق:‌ غفاري على اكبر و آخوندي، محمد، (طهران: الناشر: ‌دار الكتب الإسلامية، 1407 ق، ط4).

كمال مصطفى «تحقيق كتاب الحور العين» (القاهرة: الناشر: مكتبة الخانجي، 1948).

مائية العقل، نقلاً عن مركز سلف للبحوث والدراسات «الدليل العقلي بين الافراط والتفريط» اعداد اللجنة العلمية.

المجلسي، محمد باقر «بحار الأنوار» (بيروت: مؤسسة الوفاء، 1403 ه‍ - 1983 م).

محمد أمان بن علي «العقل والنقل عند ابن رشد» (المدينة المنورة: ناشر: مركز شئون الدعوة، 1404، ط3).

محمد جعفري، «العقل والدين في تصورات المستنيرين الدينيين المعاصرين» (بيروت: مركز الحضارة، 2010، ط1).

محمد علي اياري «الوحي الظاهر والمفهوم»  (بيروت: مركز البحوث المعاصرة، نصوص معاصرة، 2015م).

محمد علي اياري «أهمية العقل في المصادر الإسلامية» (موقع المرجع الالكتروني، قسم: القرآن الكريم وعلومه).

محمد مهدي النراقي «جامع السعادات» تحقيق: محمد كلانتر، (تقديم: محمد رضا المظفر، ط4).

مذكور، إبراهيم  «في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه»  (القاهرة: دار المعارف ـ مصر ط 2، 1968 م).

المصطفوي، حسن «التحقيق في كلمات القران» (طهران: ناشر: وزارة الثقافة و الارشاد الاسلامي‌، 1368 ش‌، ط1).

المفيد، محمد بن النعمان «أوائل المقالات» (بيروت: منشورات: دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، ص. ب 25 / 304).

الموسوعة الفقهية، ، مادة ( دين ) ،وزارة الأوقاف والشؤون الاسلامية في الكويت.

موقع ويكي الشيعة، مركز نون للتأليف والترجمة «مدخل إلى علم الكلام» مركز نون للتأليف والترجمة، (بيروت: جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، 1431 هـ/ 2010 م).

ناصر بن عبد الكريم العقل «شرح العقيدة التدمرية» دروس صوتية قام بتفريغها موقع الشبكة الإسلامية http://www.islamweb.net [الكتاب مرقم آليا، ورقم الجزء هو رقم الدرس - 30 درسا

الهمام الحنفي، محمد بن عبد الواحد «شرح فتح القدير» (بيروت: الناشر: دار الكتب العلمية، 1424 – 2003، ط1).


------------------------------
[1] - الفراهيدي، الخليل بن أحمد «العين» تحقيق: مهدي المخزومي، إبراهيم السامرائي (الناشر: دار ومكتبة الهلال)، مادة عقل.
[2]- ابن فارس، أحمد بن فارس بن زكريا «معجم مقاييس اللغة» تحقيق: عبد السلام محمد هارون، (بيروت: نشر دار الفكر، 1399هج، 1979م) ج 4 ص 69.
[3]- أحمد بن محمد بن علي الفيومي «المصباح المنير»، تحقيق: يوسف الشيخ محمد (الناشر: المكتبة العصريّة، 1418 هـ ق، ط2) مادة عقل.
[4]- الفخر الرازي في «المحصّل»: 251 والمصنّف في «نقد المحصّل»: 163، والعلاّمة في «مناهج اليقين» : 101.
[5]- الأسترآبادي، محمد جعفر «البراهين القاطعة» تحقيق: مركز العلوم والثقافة الإسلامية (قم: الناشر: مؤسسة بوستان كتاب، 1424 هـ. ق) ج1، ص 428.
[6]- الحلي، الحسن بن يوسف «كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد» تحقيق: حسن زاده الآملي (قم: نشر: مؤسسة النشر الاسلامي، 1417، ط7) ص234.
[7] - المصطفوي، حسن «التحقيق في كلمات القران» (طهران: ناشر: وزارة الثقافة والارشاد الاسلامي‌، 1368 ش‌، ط1) ج8، ص196.
[8]- الفراهيدي، الخليل بن احمد، العين، المصدر السابق، ج8، ص72.
[9] - ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، المصدر السابق، ج2، ص319.
[10]-  ابن منظور، محمد بن مكرم «لسان العرب» (بيروت: الناشر دار صادر، 1414هج، ط3)، ج13، ص169.
[11]- ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، المصدر السابق، ج13، ص169.
[12]- الطريحي، فخر الدين النجفي «مجمع البحرين» (الموضوع اللغة والبلاغة، تاريخ النشر: 1362هق)، ج6، ص215.
[13] - جوهرة التوحيد ص12، وانظر التعريفات للجرجاني ص101.
[14] - الطباطبائي، محمد حسين «تفسير الميزان» (قم: الناشر: منشورات اسماعيليان، المطبعة: اسماعيليان)، ج‏10، ص: 190.
[15] - المفيد، أوائل المقالات، ص 37.
[16]- الدمشقي، ابن عساكر، تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الإمام أبي الحسن الأشعري، ص 11.
[17] - كمال مصطفى، الحور العين، ص‏204.
[18]- كشّاف اصطلاحات الفنون «الحَشْويّة» وانظر شرح قصيدة ابن القيّم ج2، ص77 - 78) .فقد نقل عن شرح مختصر التحرير للتاج السبكي ، مثل ذلك وانظر حجيّة السنة هامش ص‏110).
[19]- الرازي، فخر الدين، اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، ص:97.
[20]- أبن تيمية، مجموع فتاوى ابن تيمية «العقيدة، كتاب الأسماء والصفات» (السعودية: مجمع الملك فهد) ج1، ص 45.
[21]- ناصر بن عبد الكريم العقل، شرح العقيدة التدمرية، ص8.
[22]- المفيد، محمد بن النعمان «أوائل المقالات» (بيروت: منشورات: دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، ص. ب 25 / 304)، ص 37.
[23]- المفيد، محمد بن النعمان «أوائل المقالات» (بيروت: منشورات: دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، ص. ب 25 / 304)، ص 37.
[24] - محمد باقر الصدر «المعالم الجديدة للأصول» (طهران: إصدار مكتبة النجاح، 1395 – 1975، ط2)، ص 80.
[25] - محمد باقر الصدر، المعالم الجديدة للأصول، المصدر السابق، ص 80.
[26] - المجلسي، بحار الأنوار، ج 30، ص 512.
[27]- الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 27، ص 189.
[28]- الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ج1، ص256.
[29]- تحقيق: محمد رضا الحسيني الجلالي، على كتاب الحكايات، للشيخ المفيد (1414 – 1993، ط2) ص 23.
[30]- يراجع تحقيق مجتبى العراقي على كتاب، عوالي اللئالي، للشيخ الإحسائي، ج1، تقديم45.
[31]- مجتبى القزويني، بيان الفرقان، ج 1، ص 2.
[32]- الديناني، غلام حسین إبراهيمي «حركة الفكر الفلسفي في العالم الإسلامي» (بيروت: منشورات دار الهادي، 2001م)، ج 3، ص 423.
[33]- عبودیت، عبد الرسول، «هل لدينا فلسفة إسلامية»، معرفت فلسفی، رقم 1، 1382 ش، ص 28.
[34]- نقلا عن موقع ويكي الشيعة، مركز نون للتأليف والترجمة «مدخل إلى علم الكلام» (بيروت، جمعية المعارف الإسلامية الثقافية، 1431 هـ/ 2010 م) ص37.
[35]- موقع ويكبيديا، الايمانية،  «Kant، Immanuel: Philosophy of Religion». مؤرشف من الأصل في 11 نوفمبر 2019.
[36]- انظر: محمد جعفري، «العقل والدين في تصورات المستنيرين الدينيين المعاصرين» (بيروت: مركز الحضارة، 2010، ط1)، ص 27.
[37]- جوادي آملي، عبد الله، حقيقة الدين، ترجمة عادل الغريب، (بیروت، مؤسسة العرفان للثقافة الإسلامية، الطبعة الأولى، 1417هـ)، ص114.
[38]- آل عمران: الآية 85.
[39]- النساء: الآية 97.
[40]- المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 74، ص 241.
[41]- مائية العقل ص 202، نقلاً عن مركز سلف للبحوث والدراسات، الدليل العقلي بين الافراط والتفريط، اعداد اللجنة العلمية.
[42]- الفخر الرازي، فخر الدين محمد بن عمر «اساس التقديس» (بيروت: منشورات انوار الصباح)، ص 172.
[43]– ينظر: سعود عبد العزيز العريفي «الأدلة العقلية النقلية على أصول الاعتقاد» (السعودية: دار عالم الفوائد، 1419، ط1) ص 162.
[44]- النحل: الآية 12.
[45]- الحج: الآية 46.
[46]- الآمدي، غرر الحكم، (طبعة جامعة طهران ، تنقيح وتصحيح محدث الارموي) ج 1، ص 353.
[47]- الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 17.
[48]- سهام عرابيه، منزلة العقل عند محي الدين ابن العربي، ص34.
[49]- للمثال لاحظ استدلال العام على نفي صفات السهو والنسيان عن الله، الصدوق، التوحيد/ 160، باب 15-30 .
[50]- نهج البلاغة، خطب الامام علي، خطبة 239، ج2، ص 232.
[51]- محمد علي اياري «أهمية العقل في المصادر الإسلامية» (موقع المرجع الالكتروني، قسم: القرآن الكريم وعلومه)، ج1، ص50.
[52]- محمد علي اياري «الوحي الظاهر والمفهوم» (بيروت: مركز البحوث المعاصرة، نصوص معاصرة، 2015م).
[53]- يونس: الآية 15.
[54]- القصص: الآية 6.
[55]- ال عمران: الآية 45.
[56]- الصف: الآية 6.
[57]- الاعراف: الآية 44.
[58]- الحج: الآية  .
[59] - الخميني، السيد روح الله، «شرح دعاء السحر» (تهران: ناشر: مؤسسه تنظيم و نشر آثار امام خميني( س)، 1374 هـ. ش، ط1) ص56 ـ 57.
[60]- الانعام: الآية 48.
[61]- الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان، ج2، ص330.
[62]- النساء: الاية 165.
[63]- محمد رشيد رضا، الوحي المحمدي، ص31.
[64]- انظر: عبد الكريم عثمان : مقدمة (تثبيت دلائل النبوة) للقاضي عبد الجبار المعتزلي.
[65]- الطباطبائي، محمد حسين، تفسير الميزان، ج7، ص275.
[66]- الاعرجي، ستار جبر، الوحي ودلالاته في القران الكريم والفكر الاسلامي (بيروت: منشورات، دار الكتب العلمية).
[67]- د. مذكور، إبراهيم،  في الفلسفة الإسلامية منهج وتطبيقه ، دار المعارف ـ مصر ط 2 ، 1968 م) ص 69.
[68]- محمد: الآية 24.
[69]- النحل: الآية 12.
[70]- الحج: الآية 46.
[71]- البقرة: الآية 30.
[72]- ابن سينا، ابو علي «تسع رسائل في الحكمة والطبيعيات» (القاهرة: منشورات، دار العرب البستاني، ط2)، ص2 – 3.