البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

وسائل تحصين المجتمع الإسلاميّ ضدَّ الفكر الإلحاديّ الحديث في ضوء مدرسة السيّد الشَّهيد محمَّد باقر الصدر/ جدليَّة النصّ والواقع أنموذجًا/دراسة دلاليَّة

الباحث :  م.د باسم عبد الحسين راهي الحسناويّ
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  22
السنة :  صيف 2021م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  July / 27 / 2021
عدد زيارات البحث :  67
تحميل  ( 1.132 MB )
الملخّص

الفكر الفلسفي المعاصر فكرٌ أدبي بالدرجة الأساس، وليس فكراً منطقياً، بمعنى أنه يعتمد الفكر اللساني الحديث وعلوم اللغة سبيلاً إلى تأسيس فكرٍ فلسفي إلحادي وظيفته التشكيك بالأصل الإلهي للقرآن. كما ان الإلحاد المعاصر يلعب على وتر حساس يتمثل في الزعم بأن الواقع المعاصر زاخرٌ بمشكلات عديدة لا يستطيع النص القرآني التعامل معها ما لم يتعرض هذا النص إلى عمليات تأويلية اعتباطية عديدة تحت مسمى الهرمنيوطيقا، مضافاً إلى تطبيق مبدأ التاريخية عليه، بحيث يتمّ الاستغناء عن الآيات القرآنية التي تتصادم مع مبادئ الحداثة ولا يمكن تحريف دلالتها عن طريق التأويل الاعتباطي الهرمنيوطيقي. في مدرسة السيد الشهيد الصدر يتكفل التفسير الموضوعي بحلِّ إشكالية العلاقة بين النص والواقع، أما الإشكالية الثانية فإن التفسير الموضوعي يتكفل بتقديم الحلّ لها أيضاً، لكن ليس على أسس التأويلية الهرمنيوطيقية الغاداميرية، بل على أسس تأويلية قصدية لا تفرط بمراد المؤلف في النصّ، كما لا تغفل الدور الكبير للواقع في عملية استنطاق النصّ وتفجير الدلالات المؤجلة فيه.

Abstracts
Modern philosophy is a literary philosophy, not a logical philosophy, and it makes modern linguistics a means of achieving a philosophical thought that is not believed in the sanctity of the Quranic text.
Modern atheism claims that life has many problems that the Quranic text cannot deal with, except in one case, which is that this text is subject to numerous arbitrary interpretative procedures under the name of the Harmonium, and is subject to the application of the principle of history to it. On this basis, the Quranic verses that clash with the principles of modernity are abandoned.
In Al-Sadr School, the objective interpretation is responsible for solving the problem of the relationship between text and reality.
The second problem is solved by objective interpretation as well, but not on the basis of the Harmonioq method, but on the basis of an interpretative intention that does not sacrifice the intention of the author in the text, nor does it ignore the great role of reality in the interpretation of the text.

التمهيد
ثمَّة فرقٌ بين أن يتَّجه المشروع الفلسفيّ الإسلاميّ إلى التفكير الجادّ بضرورة الإسهام في مشروع الحداثة العالميّة من خلال تقديم رؤيته الكونيّة الخاصّة التي تحدِّد موقعيّته بين الثقافات الأخرى، وتحدِّد كذلك موقعيّة الإنسان المسلم في هذا العالم، تلك الموقعيّة التي ستجنح بالتأكيد نحو مزيدٍ من التفاعل مع ما حقَّقه العقل البشريّ من إنجازاتٍ مادّيّة وروحيّة حتى الآن، وبين أن ينسلخ الفكر الإسلاميّ من جلده، فيفقد كلَّ معالم الشخصيّة التي تميِّزه عن الآخر، ليس من باب الرغبة بالاستجابة إلى تلك النوازع الوجدانيّة والعاطفيّة التي ربما تملي على الناس أن يتخذوا قراراتهم بشأن تأكيد الهويّة تعصّبًا وتزمّتًا وتأكيدًا للذات، ولكن من باب القناعة الفلسفيّة التي يمتلكها هؤلاء المفكّرون بأنَّ الإسلام يمثّل كنزًا معرفيّا وثقافيًّا هائلًا للبشريّة، يجب أن لا تفرّط به، وإلّا بقي جانب النقص في الحداثة المادّيّة التي أقامها الغرب على أسس لم تول الأهمّيّة الواجبة للجانب الروحيّ والمعنويّ باعتراف فلاسفة الحداثة أنفسهم هناك، وبالتالي فلا يمكن لحداثةٍ هذه صفتها أن تكون في منفعة الإنسان. الإنسان ليس ذا بعدٍ واحدٍ متمثّلٍ بالبعد المادّيّ كما أرادت الحداثة الغربيّة أن تقول، كما أنّ خطة الالتفاف التي رسمتها فلسفة ما بعد الحداثة لتجاوز النقص الموجود في فلسفة الحداثة ليس مجديًا؛ لأنّه لم يقم على أساس النيّة في المراجعة النقديّة الجادَّة للحداثة، لم تكن النيّة صادقةً بما يكفي للتخلّص من عوامل النقص واكتشاف مكمن الخطأ فيها، بل كلّ ما فعلته هو أنّها حافظت على الرؤية المادّيّة الوضعيّة للحداثة، وجعلتها معيارًا لما يمكن قبوله بوصفه يمثّل حقائق موضوعيّة قابلة للتحقّق، ثمَّ حشرت كلَّ ما عدا ذلك من علوم ومعارف البشر التي لا تخضع للتجربة في خانة الخيال والجمال، ثمَّ طالبت بتأويله تأويلًا هرمنيوطيقيّا جزافيًّا حتى تكون له القدرة على الانسجام مع ما تفرضه الحداثة المادّيّة من رؤى وأفكار، أمّا ما لا يقبل التأويل منها فينبغي تطبيق مبدأ التاريخيّة عليه، حتى يمكن التخلّي عنه وعدم تحويله إلى عائق أمام الحداثة الوضعيّة المادّيّة لتواصل سيرها، الحقيقة انَّ ما بعد الحداثة هي المدافع الدبلوماسيّ والشرس في الوقت نفسه عن الحداثة والأساس المادّيّ الوضعيّ الذي تقوم عليه، فليس من الصحيح الموافقة على أن تكون هي البديل عن حداثةٍ ضاق بها أهلوها ذرعًا هناك في الغرب، هي ليست بديلًا لسببٍ بسيط؛ لأنَّ الحداثة هي ذاتها ما بعد الحداثة ولكن بلباسٍ جديد(1).

الحقيقة أنَّ ما يقال عنه إنّه مغامرة معرفيّة مهمّة تلك التي يقوم بها مفكّرون الآن في العالم الإسلاميّ ليس مغامرةً حقيقيّةً لو أنّنا لجأنا إلى قياسها بمعايير موضوعيّة دقيقة، ونستطيع أن نبرهن على هذا من خلال إجراء المقارنة السريعة بينها وبين المغامرة المعرفيّة للشهيد الصدر، من خلال ما يأتي:

1-استطاع الشهيد الصدر أن يستوعب الفلسفة الغربيّة الحديثة استيعابًا أهَّله لأن يكون من نقّاد فلسفة الحداثة قبل أن ينطلق هذا المشروع في العالم الإسلاميّ، بل يمكن أن يُقال إنَّ السيّد الصدر سبق حتى مجايليه من فلاسفة الحداثة في العالم الغربيّ، في حين لم تكن المشاريع الفلسفيّة التي انطلقت في العالم الإسلاميّ -داعيةً للحداثة أو ناقدةً لها- شبيهةً بالتجربة الفلسفيّة للسيّد محمّد باقر الصدر؛ لأنّها كانت مجرَّد ناقل للمشروع الفلسفيّ الحداثيّ الغربيّ وليست مبتكرةً لمشروعها الحداثيّ الفلسفيّ الخاصّ، هذا من جهة، ومن جهة ثانية فإنّها عندما تبنَّت المشاريع النقديّة للحداثة لم تكن ذات أصالة معرفيّة وفلسفيّة كذلك؛ لأنّها تبنّت أيضًا وجهات النظر التي تبنّاها نقّاد الحداثة من فلاسفة الغرب أنفسهم، فكانت فلسفة اتباعيّة لا تحتفظ بشخصيّة مستقلّة لها في الحالتين، خلافًا لفلسفة السيّد الشهيد الصدر، فإنّها كانت منذ البداية انطلاقًا في مشروع النقد بعد الفهم، ولم يكتف بالنقد أيضًا، بل تقدّم خطوات بعيدة إلى الأمام من خلال إنجاز الخطوة اللاحقة في البناء والتوليف، حتى تمكّن في النهاية من طرح البديل الحضاريّ ولو بوصفه غير المكتمل؛ إذ حالت ظروف استشهاده رضي الله عنه دون إتمام هذا المشروع.

2-إنّنا نجد في المشروع الفلسفيّ للشهيد الصدر تلاحمًا وانسجامًا بين أبعاد عديدة لها علاقة مباشرة بتكوين الرؤية الكونيّة الحداثيّة للإنسان المسلم، وقد ساعده على ذلك امتلاكه لناصية العلوم الحوزويّة جنبًا إلى جنب مع امتلاكه لناصية الفلسفات الغربيّة التي منها تكوّنت عقلانيّة الحداثة الغربيّة، علمًا أنّ امتلاك ناصية كلٍّ منهما لم يكن بمعزلٍ عن رؤية تحليليّة تبلغ درجة عالية من الدقّة والموضوعيّة، ولا نجد مثل هذه الشموليّة وسعة الأفق المعرفيّ في المشاريع الفلسفيّة الحداثيّة الأخرى في الجانبين العربيّ والإيرانيّ، فنحن نجد مجموعة من الكتّاب اطّلعوا على الفلسفة الغربيّة اطلاعًا عاديًّا في الغالب، صاحَبَه أحيانًا اطلاع سطحيّ أيضًا على الفلسفة الإسلاميّة وعلم الكلام الإسلاميّ في خطوطهما العريضة، وكانت السطحيّة في الاطلاع على الجانبين هي السبب في وجود العديد من الثغرات المفهوميّة في المشاريع الفكريّة لهؤلاء، حتى أنّها تفتقد في كثير من الأحيان إلى التماسك المنطقيّ، بحيث يستطيع الباحث أن يتناول أيًّا منها بالنقد المؤسّس على حجج دامغة من أوَّل اطلاعٍ له على الأطروحات المعروضة في تلك المشاريع، والحقّ أنّنا لا نستطيع أن نعتمد على ما كُتب حول الإسلام والحداثة بيراعات هؤلاء حتى الآن لأجل تكوين أيّ رؤية شاملة يمكن أن يعتمدها الإنسان المسلم في مواجهة الحداثة، بغضِّ النظر عن الإشكالات التي توجَّه إليها، إنّك تواجه القارئ لتلك المشاريع والمتأثّر بها في آنٍ فتريد أن تحدّد معالم رؤيته الفلسفيّة بوضوح من هذه المسألة فلا تستطيع، والسبب في ذلك هو أنَّ الأركان النظريّة لتلك المشاريع ذاتها غير مكتملة، بل هي مخرجات فكريّة لا تتمتّع بالتماسك المنطقيّ من ماكينة منهجيّة هي ذاتها لا تصمد طويلًا أمام النقد، الحقيقة أنَّ جميع تلك المخرجات مبتنية الآن على تطبيق منهجيّة تأويليّة خاطئة في الحقول الخاصّة بفهم القرآن، وبمجرد أن يتمَّ نقد تلك الأسس التأويليّة وبيان ما تحتوي عليه من عوامل الخلل المنهجيّ من الناحية اللسانيّة على وجه الخصوص، تتعرَّض تلك المخرجات الفكريّة كلّها للانهيار، ولا يعود لها أيّ قيمة، فمن الواضح أنّ تنقيح المقولات الخاصّة التي تعدّ أركانًا لمنهجٍ ما، هو الخطوة الأولى التي ما لم تكن راسخةً ومتينةً فإنَّ بناء جميع الخطوات اللاحقة المرتبطة بها يتعرّض للتزلزل، وأعتقد أنَّ المخرجات الفلسفيّة للسيّد الصدر كانت متينةً من جهة وصالحة لتكوين معالم رؤية كونية حداثيّة للإسلام في العصر الحديث من جهة أخرى، بفعل أنَّ نظريّته التأويليّة للنصِّ القرآنيّ صحيحة، وهو ما سوف نتحدّث عنه باستفاضة، ثمَّ نشير باقتضاب إلى علاقة هذه الرؤية التأويليّة القصديّة للنصِّ القرآنيّ بالأركان الرئيسة التي تكوَّن منها مشروعه في مجال الفلسفة والاجتماع والاقتصاد والسياسة؛ لأنَّ هدفنا هو الحديث عن هذا الجانب بالتحديد، على أساس أنّه يشكل البنية التحتيّة لكلِّ ما يمكن أن يتأسّس عليها من أفكار وأطروحات هي في الحقيقة عبارة عن البنية الفوقيّة التي إن حالفها النجاح فبفضل ما هو موجودٌ في البنية التحتيّة من عوامل القوّة والرصانة، وإن أصابها الضعف والفشل، فبسبب ما هو موجودٌ في تلك البنية التحتيّة كذلك من عوامل الضعف وعدم التماسك كما هو واضح.

المطلب الأوَّل:
تحديث قراءة النصّ القرآنيّ من زاويةٍ وضعيَّةٍ غير إلهيّة
الحداثيّون العرب والإيرانيّون قاربوا الإسلام والقرآن مقارباتٍ حداثيّةً، ودعوا إلى تطبيق منهجيّات تأويليّة هرمنيوطيقيّة على القرآن، وهو ما دعت إليه فلسفة ما بعد الحداثة، وخطَّتها في تفريغ النصوص الدينيّة التي تتمتّع بقداسة واحترام كبيرين في نظر المؤمنين بالدين الإلهيّ من محتواها، ومن الواضح أنّ السبب في سلوك هذا الطريق الالتفافيّ الطويل هو أنّه أصبح مؤكّدًا لدى مفكّريّ الحداثة أنَّ تخلي الناس عن أديانهم هو مما برهن الواقع العمليّ على أنّه من المحالات؛ إذ بقي الدين مؤثّرًا وفاعلًا، هنا جاء دور فلسفة ما بعد الحداثة لتحقّق الغاية الحداثيّة ذاتها عن هذا الطريق، وهو أن يتمَّ تأويل النصّ الدينيّ المقدّس للإسلام طبقًا لهذه المنهجيّات التي تعامل القرآن كما لو أنّه نصٌّ سرياليّ، حتى يتمَّ تفسيره طبقًا لخلفيّات ثقافيّة وقبليّات تتوافق كلّيًّا مع عقلانيّة الحداثة، حتى يقتنع الناس الذين يقدّسون الدين ويحترمونه بأنّ هذا هو التأويل الحداثيّ الصحيح للقرآن، إذ إنَّ النصّ ثابتٌ بحكم قداسته، لكنّ تأويله متغيِّر، فلكلِّ زمانٍ تأويلٌ للقرآن منسجمٌ مع قبليّات المفسّرين المأخوذة من معارف وعلوم العصر، واليوم نطبِّق الإجراء نفسه، نطبق منهجيّات التأويل الحديثة التي هي متواءمة مع ثقافة العصر وفلسفته على القرآن ليكون الناتج من هذه العمليّة التأويليّة الهرمنيوطيقيّة هو المعنى الحداثيّ الصحيح للإسلام، وما هو هذا الناتج التأويليّ من القرآن، هو بلا شكٍّ ما يؤدي إلى هذه المعاني الثلاثة:

-1 إنَّ القرآن كتابٌ تاريخيّ، خاصّةً في قسمه المكوَّن من الآيات التي لا يؤّدي تأويلها إلى معنىً متّفق كلّيًّا مع مبادئ الحداثة.
-2 إنَّ القرآن كتابٌ رمزيّ، أو قل إنّه نصٌّ مكتوب بلغة سرياليّة خياليّة مجنّحة وليس لما ورد فيه حقيقة واقعيّة وراء النصّ.
-3 لكلِّ إنسانٍ أن يُسقط على القرآن الدلالة التي يريد، وهي لا تتّفق في قليل أو كثير مع الدلالات الأخرى بالضرورة، على أنّها جميعًا صحيحةٌ ولا مجال لاتهام إحداها بالخطأ.
-4 بناءً على ما سبق فإنَّ الدين شأنٌ فرديٌّ وشخصيّ، فلا يصحّ القول إنَّ له أيّ وظيفة اجتماعيّة تتجاوز الفرد الذي له الحقّ في أن يعبّر عن هذا الدين بوصفه عبادات وشعائر وطقوسًا وأخلاقًا شخصيّة، على أن لا تتعدّى هذه الأخلاقيّات الصفة الشخصيّة للفرد، فتختار لنفسها سبيل المعارضة مع الأخلاقيّات المضادَّة، حتى ولو كان ذلك في نطاق المجتمع الإسلاميّ الواحد.
طبعًا هذه هي الصفة التي حظي بها الدين في ظلِّ الحداثة التي يصفها فلاسفة ما بعد الحداثة بأنّها كانت متزمّتةً ومغلقةً ومتمركزةً حول الذات، وقالوا إنَّ فلسفة ما بعد الحداثة جاءت لتُدِيْنَ هذا التزمّت وهذا الانغلاق، فماذا فعلنا؟! كلّ ما فعلناه هو أنّا طردنا التزمّت والانغلاق الحداثيّ ضدَّ الدين من الباب لنفسح له مجال الدخول من النافذة الأوسع، مثل هذا الدور للدين لا يمكن له أن يكون فاعلًا ومؤثّرًا في الحياة المدنيّة للإنسان الحديث، كما أنَّ هذه الرؤية تتناقض كلّيًّا مع كون الإسلام لديه عقلانيّته الخاصّة التي هي أتمّ وأكمل من العقلانيّة المادّيّة للحداثة، وطبعًا لا ينوي الإسلام أن ينفي حداثة الغرب، كلّ ما يريده الإسلام هو أن تكون له كلمته المسموعة أيضًا في نقد هذه الحداثة وتصحيح مساراتها الخاطئة.

شيءٌ آخر، إنَّ هذه الرؤية الضيّقة للدين من شأنها أن تحوِّل الدين إلى تجربة معنويةّ شخصيّة لا تختلف عن أيّ تجربة معنويّة أخرى ليس لها بعدٌ إلهيّ، كالتجارب المعنويّة للشعراء والفنّانين، هي حالة معنويّة نابعة من وجدانٍ شخصيّ، ومن تأمُّلٍ ذاتيٍّ وإرثٍ روحيٍّ فرديٍّ في نهاية المطاف.
من الجدير بالذكر أنَّ أهمَّ مرتكزٍ يعتمد عليه مفكّرو الحداثة في المقاربات التأويليّة للنصِّ القرآنيّ هو علم اللغة، فقد وجدوا في الفتوحات التي حقّقتها اللسانيّات في القرن العشرين - لا سيّما في المراحل التطوّرية الأخيرة - بغيتهم في تخطّي كثير من الصعوبات التي كانت تحول دون تأويلهم القرآن تأويلاتٍ تنسجم مع الرؤية العلمانيّة للحداثة، إنَّ جهود كلٍّ من الدكتور محمد أركون والدكتور نصر حامد أبو زيد وحتى الدكتور محمد عابد الجابريّ وغيرهم من مفكّريّ الحداثة الذين علا نجمهم في العقود الأخيرة، ما هي إلا امتداد للجهود التي بذلها الدكتور طه حسين وأمين الخولي في هذا السياق، فقد تعامل كلٌّ من الأستاذ أمين الخولي والدكتور طه حسين مع النصّ القرآنيّ انطلاقًا من قناعةٍ مفادها أنّ النصّ القرآنيّ لا يختلف في بنيته اللغويّة عن أيِّ نصٍّ أدبيٍّ آخر، وبالتالي لا يمكن إدراكه إلّا بعد أن يندرج وفق هذا التصّور في الإطار الفنيّ والأدبيّ، وبناءً على هذا، فإنّ على قارئ القرآن، كي يدرك المكانة الحقيقيّة له، أن يتذوَّقه من الناحية الأدبيّة والجماليّة، وأن يتغاضى نهائيًّا عن النظرة الدينيّة التي ترتفع بالقرآن إلى أفقٍ أعلى من الآفاق التي تتمتّع بها سائر النصوص الأدبيّة، نعم، هو يتفوَّق عليها من هذه الجهة، ولكنّه لا يختلف عنها في طريقة تعبيره عن المعاني والمضامين الكائنة فيه، فللناس جميعًا، مسلمين وغير مسلمين، أن يقرأوا كتبهم الدينيّة، متذوّقين إيّاها من الناحية الفنّية والأدبيّة، ولهم كذلك أن «يعلنوا آراءهم في هذه الكتب من حيث هي موضوعٌ للبحث العلميّ، بقطع النظر عن مكانتها الدينيّة»(2) كما قد أعلن ذلك الأستاذ أمين الخولي، ثمَّ تطوَّر الأمر مع  الدكتور طه حسين، إذ أنكر بشكلٍ صريحٍ أن يكون للقصص القرآنيّ أيّ معنىً واقعيّ، وما القول بواقعيّة تلكم القصص إلا نتاج عمليّة تأويليّة لا نصيب لها من الواقع، فطبقًا للدكتور طه حسين يكون «للتوراة أن تحدِّثنا عن إبراهيم وإسماعيل، وللقرآن أن يحدِّثنا عنهما أيضًا، ولكن ورود هذين الاسمين في التوراة والقرآن لا يكفي لإثبات وجودهما التاريخيّ، فضلًا عن إثبات هذه القصَّة التي تُحدِّثنا بهجرة إسماعيل وإبراهيم إلى مكَّة، ونحن مضطرّون إلى أن نرى في هذه القصَّة نوعًا من الحيلة في إثبات الصلة بين اليهود والعرب من جهة، وبين الإسلام واليهوديّة، والتوراة والقرآن، من جهةٍ أخرى»(3)، ولا أعرف ما هو وجه الاضطرار في المسألة، إلّا أن يكون هو النزعة الديكارتّية الشكّيّة الممتزجة بالرؤية الوضعيّة لمناهج البحث العلميّ التي هي فقط محطّ الاحترام والتقدير في نظر عقلانيّة الحداثة.

تلكما هما نقطتا الانطلاق بالنسبة للاتجاه التأويليّ الحداثيّ الذي تابعهما بمزيدٍ من الخطوات التي ركَّزت على مسألة أدبيّة القرآن، وأنّه نصٌّ له بنيةٌ لسانيّةٌ أدبيّةٌ لا تختلف عن أيّ بنيةٍ لسانيّةٍ لأيِّ نصٍّ أدبيّ، وبالتالي من الضروريّ جدًّا تسليط المنهجيّات التأويليّة التي يستثمرها نقّاد الأدب في دراسة النصوص الأدبيّة وتحليلها، وعلى هذا الأساس، تمَّ ترشيح الاتجاه الهرمنيوطيقيّ –بتطرُّفٍ أحيانًا- ليكون هو المنهجيّة الملائمة لتأويل النصّ القرآنيّ تأويلاتٍ تجعله مهيّئًا للانسجام والتعايش مع ما تمليه عقلانيّة الحداثة، يقول الدكتور نصر حامد أبو زيد في هذا السياق: «تُعَدّ الهرمنيوطيقا الجدلّية عند غادامر بعد تعديلها من خلال منظورٍ جدليٍّ مادّيّ، نقطةَ بدءٍ أصيلة للنظر في علاقة المفسّر بالنصّ، لا في النصوص الأدبيّة ونظريّة الأدب فحسب، بل في إعادة النظر في تراثنا الدينيّ حول تفسير القرآن منذ أقدم العصور وحتى الآن، لنرى كيف اختلفت الرؤى، ومدى تأثير رؤية كلِّ عصرٍ من خلال ظروفه للنصّ القرآنيّ، ومن جانبٍ آخر نستطيع أن نكشف عن موقف الاتجاهات المعاصرة من تفسير النصّ القرآنيّ»(4).

المطلب الثاني:
بين التفسير التجزيئيّ الموروث والتفسير الموضوعيّ للسيّد محمد باقر الصدر
من المعلوم أنَّ الشهيد الصدر اعترض بشدَّةٍ على مسألة الاكتفاء بما أسماه ((التفسير التجزيئيّ)) للقرآن الكريم، وطالب بأن تكون الخطوة المنهجيّة الصحيحة التي تتوِّج العمليّة التفسيريّة هي التفسير الموضوعيّ. بإمكاننا أن نسحب هذا الأسلوب الذي طالب الصدر بالتعاطي معه في دائرة التفسير إلى جميع ما كُتِب حول قضايا الفكر الإسلاميّ حتى نهاية النصف الأوَّل من القرن العشرين، كانت النظرة التجزيئيّة هي التي تحكم عمليّة الكتابة حول تلك القضايا، فلا يكون من همِّ الكاتب حتى لو كان بمستوى مفكّر البحث عن المركب النظريّ العامّ في جانبٍ من جوانب الحياة كالاجتماع والسياسة والاقتصاد، بل يكتفي بأن يتعامل مع تلك القضايا تعاملًا تجزيئيًّا لا يخرج منه القارئ بمركَّبٍ نظريٍّ عامٍّ وواضحٍ يجدّد له رؤيته حول موقف الإسلام العامّ والشامل الخاصّ بتلك القضيّة، بحيث يفهم أنّ ثمّة رؤيةً نظريةً تنبني على أسس فلسفيّة واضحة ومتميّزة في كلّ قضيّة من تلك القضايا، وبحيث يمنحه الخصوصيّة ويمنع اندراجه ضمن مركّبات نظريّة وحضاريّة أخرى.

ربما كانت هذه النظرة التجزيئيّة في التعامل مع تلك القضايا هي السبب في وجود هذا الخلط الكبير الذي يرتكبه بعض الكتّاب؛ إذ لا يرون فرقًا بين الإسلام والماركسية، أو لا يرون فرقًا أيضًا بين الرؤية الإسلاميّة والرؤية التي تتأسس عليها عقلانيّة الحداثة وما بعد الحداثة، كما يحصل مثل هذا الخلط الأخير في كتابات عدد كبير من المفكّرين الآن في إطار المشاريع الفكريّة والفلسفيّة التي تعالج مسألة العلاقة بين الإسلام والحداثة.

 عندما أصبح للماركسيّة مثلًا هيبةٌ سياسيّةٌ كبيرة في العالم بعد انتصار الثورة البلشفيّة في روسيا وقلب النظام القيصريّ، ظهرت في العالم الإسلاميّ اتجاهاتٌ تدعو إلى قراءة الفكر الإسلاميّ في ضوء الفكر الماركسيّ، فصارت تبحث عن تأصيل نظريّ وفلسفيّ للماركسيّة في الثقافة الإسلاميّة نفسها، بل حاول بعضهم أن يبرهن على وجود الفلسفة الماركسيّة في القرآن(5)، وهكذا أصبح الحسين 8 ماركسيًّا قبل ماركس بقرون عديدة، وهكذا قل عن عليّ بن أبي طالب إنّه أصبح في نظر هؤلاء الكتاب ممهِّدًا لظهور الماركسيّة أيضًا، بل امتدَّ هذا النمط من التفسير ليشمل النبوّة ذاتها، فَتمّت قراءة تاريخ النبوّة في صدر الإسلام قراءةً ماركسيّةً مادّيّةً زعمت أنّها هي السبب وراء ظهور الإسلام، وما زال مسلسل القراءات الإسقاطيّة للإسلام -قرآنًا وحديثًا ورموزًا وثقافةً وتاريخًا- مستمرًّا بالطبع، وأمامك الآن عشرات المؤلَّفات التي تتحدّث عن قراءات حداثيّة للنص القرآنيّ، وليس لها في المآل الأخير إلّا نتيجة واحدة، هي تفريغ القرآن من محتواه، ومسخ الهويّة الإسلاميّة التي يعدّ القرآن مرتكزها الأساس، فإذا تمَّ تأويل القرآن تأويلًا يمسخ دلالته الواقعيّة من أجل أن تحلَّ مكانها دلالات إسقاطيّة مأخوذة من الرؤية الفلسفيّة للحداثة، دون إجراء عمليّات تنقيح وتصحيح لما هو موجود في ثقافة الحداثة من مزالق ومآزق، لم يعد للحديث عن وجود هويّة إسلاميّة تميّز المجتمعات الإسلاميّة المعاصرة عن سواها من معنىً أصلًا، وبالمناسبة فإنّ أحدًا لا يحقّ له أن يوجّه إلينا النقد على أساس أنّ انفتاح الإسلام على الثقافات المعولمة الأخرى سواء أكانت غربيّة أو غيرها يمثّل الآن ضرورة ملحَّة بالنسبة للإسلام، فنحن من الدعاة إلى هذا الانفتاح لكن لا من موقعٍ نتخلّى فيه عن رؤيتنا الكونيّة الإسلاميّة التي نعتقد أنّ لديها القدرة على الإسهام في تصحيح المسارات الخاطئة للحداثة الغربيّة، باتجاه أن تتخلّص من أخطائها ومزالقها ومآزقها فعلًا؛ حتى تكون لها القدرة على أن تكون نافعة للإنسان في هذا العصر. لسنا من دعاة الانغلاق الفكريّ والحضاريّ على الإطلاق، كما أنّ مفكّرينا وفلاسفتنا الكبار ليسوا من دعاة الانغلاق أيضًا، وما هم بغافلين عن التفاصيل التي تكتنف هذه الإشكاليّة وتتطلّب منهم توفير الجواب، فلا الطباطبائيّ ولا المطهّري ولا الصدر ولا طه عبد الرحمن ولا عبد الله درّاز من أولئك الفلاسفة الساذجين الذين يمكن أن يغفلوا عن معالجة مثل هذه الجوانب، بل أكثر من ذلك، فهم ما انخرطوا في كتابة مشاريعهم الفلسفيّة إلّا بناءً على إحساسٍ عالٍ توفَّر لديهم بعمق هذه الإشكاليّة، وسيتّضح من خلال سير البحث كيف أنَّ هؤلاء المفكّرين وهم يعالجون القضايا الفكريّة والدينيّة والفلسفيّة الحسّاسة كانوا مدفوعين في الوقت نفسه باتجاه محاولة ملء الفراغ الروحيّ الكبير الذي يشعر به إنسان الحداثة في العالم الغربيّ على وجه الخصوص، مع إحساسٍ عميق في المقابل بما تعاني منه المجتمعات الإسلاميّة من نقصٍ مماثلٍ في الجانب الآخر، الجانب المادّيّ الذي قطعت فيه الحضارة الغربيّة شوطًا بعيدًا جدًا، حتى بات لزامًا على هذه المجتمعات أن تتدارك وجودها بابتكار منهجيّات حداثيّة جديدة للتعامل مع النصّ الدينيّ، بحيث لا يتحوّل بسبب تلك المنهجيّات التاريخيّة التي لم تعد قادرةً على تلبية متطلَّبات العصر إلى عائق معرفيّ وإبستملوجيّ أمام العقل الإسلاميّ الذي عليه أن يتجاوز حالة الاتِّباع إلى حالة الإبداع.

المطلب الثالث:
العلاقة التكامليّة بين كتاب التدوين وكتاب التكوين في المشروع التأويليّ للسيّد الشهيد الصدر
ليس السيد الشهيد الصدر مضطرًّا إلى إغفال مقصديّة المؤلّف في النصّ كما تفعل المنهجيّات التأويليّة الوضعيّة ليتفاعل مع المعطى الحداثيّ، كما أنَّ المُعطى الحداثيّ ليس من صنفٍ واحدٍ ليكون التعامل معه بمقياسٍ واحد، فنحن أمام ثلاث أجراءات محتملة في الواقع، هي:
الإجراء الأوَّل: أن لا توجد بين كتاب التدوين وكتاب التكوين أيّ علاقة جدليّة تكامليّة، فعالم النصّ منفصل ولا علاقة له بعالم الواقع، كما أنَّ عالم الواقع منفصل ولا علاقة له بعالم النصّ، ومن الطبيعيّ أن يؤدّي هذا الاتجاه إلى علمنة الحياة بشكلٍ تامّ، وأن ينعزل النصّ ليكون دوره هو ما أرادته العلمانيّة الكلّيّة الغربيّة في طورها الصريح الأوَّل، بحيث يكون الدين مسألة فرديّة من حقِّ الفرد أن يعيشها بوصفها ممارسات عباديّة وطقوسيّة وينتهي الأمر، وما أطلق عليه الصدر اسم التفسير التجزيئيّ للنصِّ القرآنيّ هو الذي يمثّل هذا الاتّجاه أفضل تمثيل؛ إذ هو اتّجاهٌ عاجز عن تكوين نظرّيات في مجال الحياة الإنسانيّة العامّة، فـ»المفسّر التجزيئيّ دوره في التفسير على الأغلب سلبيّ، فهو يبدأ أوّلًا بتناول النصّ القرآنيّ المحدود، آية مثلًا، أو مقطعًا قرآنيًّا دون أيّ افتراضات أو أطروحات مسبقة، ويحاول أن يحدّد المدلول القرآنيّ على ضوء ما يسعفه به اللفظ مع ما يتاح له من القرائن المتّصلة والمنفصلة. العمليّة في طابعها العامّ، عمليّة تفسير نصٍّ معيّنٍ وكأنَّ دور النصّ فيها دور المتحدّث ودور المفسّر هو الإصغاء والتفهّم»(6).

 الواقع انّ هذا النمط من التفسير كأنّه يعامل النصّ بوصفه نسيجًا لغويًّا منغلقًا على ذاته، وكأنّه مكوَّن من أنساق وأنظمة لغويّة على الطريقة البنائيّة وانتهى الأمر، أنا الآن عندما أقرأ نصًّا أدبيًّا، قصيدةً مثلًا، فإنّي لا أبحث عمّا يقابل دلالة النصّ الشعريّ في العالم الخارجيّ، ليس في عالم النصّ الشعريّ إلّا كتاب تدوين فقط، ولا يوجد كتاب تكوين أبدًا، وهو إجراء صحيح في عالم الشعر؛ لأنّ الغاية منه هو أن أعيش حالة جماليّة وخياليّة، وليس الغاية منه أن أطابق دلالاته مع ما عليه واقع خارجيّ ما، النصّ مكتفٍ بذاته، وهو من خلال التفاعل بين تلك الأنساق والأنظمة اللغويّة يعمل وينتج الدلالة، هذه إجرائيّة شعريّة، وليست إجرائيّة قرآنيّة في إنتاج الدلالة، وربما كان هذا هو المقصود من إصرار القرآن على أنّه ليس شعرًا، دائمًا يشير القرآن إلى مسألة التمايز بينه وبين الشعر، لقد تخيّل علماء البلاغة العرب أنّ المسألة لها علاقة بالقضايا الشكليّة التي تتعلّق ببناء الشعر، فراحوا يشيرون إلى جهات التمايز بين النصّ القرآنيّ والنصّ الشعريّ على هذا الأساس، فبما أنَّ القرآن ليس موزونًا من الناحية العروضيّة، وبما أنّ ثمّة تمايزًا بين السجع القرآنيّ والقافية الشعريّة، إذن لا يصحّ أن نقول إنَّ القرآن شعرٌ، هذا الفهم المتخلّف في أذهان علماء البلاغة العربيّة هو نفسه الذي يعمل بمقتضاه المفسّرون التجزيئيّون، وبالمناسبة فإنَّ الصدر أشار إلى مسألة في غاية الأهمّيّة أرى أنّ كثيرين لا يتنبهون إليها الآن، حيث أشار إلى أنَّ عمليّات التجميع والعزل ليست هي دائمًا من التفسير الموضوعيّ، إنّ مجرد تجميع الآيات القرآنيّة التي تتحدّث عن موضوعٍ واحدٍ في مجموعة معيّنة، ثمَّ النظر إليها بالمنهجيّة التجزيئيّة ذاتها لا يعني أنّك انتقلت من التفسير التجزيئيّ إلى التفسير الموضوعيّ، حتى لو حوَّلت جميع الآيات إلى مجاميع على هذا الأساس، فإنّك إن طبَّقت المنهجيّة التي تشير إلى الاكتفاء بالمدلول اللفظيّ للآيات دون أن تقابلها بالكتاب التكوينيّ، ودون أن تطرح عليها أسئلة من هذا الكتاب الذي يعني واقع الكون وواقع الحياة وتقيم علاقة جدليّة بين القرآن وبين هذا الواقع، فإنّك تبقى تتحرّك في إطار التفسير التجزيئيّ، ولن تخرج من هذا الإطار أبدًا، فـ»ليست كلّ عمليّة تجميعٍ أو عزلٍ دراسةٌ موضوعيّة، وإنّما الدراسة الموضوعيّة هي التي تطرح موضوعًا من موضوعات الحياة العقديّة أو الاجتماعيّة أو الكونيّة، وتتّجه إلى درسه وتقويمه من زاوية قرآنيّة للخروج بنظريّة قرآنيّة بصدده»(7).

لا يتكوَّن فقه النظريّات بهذه الطريقة، فقه النظريّة هو التجسيد العمليّ للرؤية الكونيّة التوحيديّة في القرآن، أنْ تقدّم نظريّة في الاقتصاد، في السياسة، في الاجتماع، في الأدب، في الفلسفة... يعني أنّك تقابل بين الكتاب التدوينيّ والكتاب والتكوينيّ، تقابل بين النصّ القرآنيّ والواقع الذي جاء لإصلاحه، أمّا النظرة التجزيئيّة للقرآن، فحتّى لو أنّها من الناحية الشكلّية قامت بحشر الآيات التي تتحدّث عن موضوعٍ معيَّنٍ في مجموعة محدّدة، فإنّها لا تخرج عن نطاق التفسير الأدبيّ في جميع الأحوال، أي إنّك تفهم النصّ القرآنيّ كما تفهم قصيدة، لا يختلف الفهمان في شيء، فهم القرآن وفهم النصّ الأدبيّ إنّما يتمّان بطريقة واحدة في الواقع، أن تفسّر القرآن بطريقة توحيديّة موضوعيّة، معنى ذلك أنّك تقوم بطرح الأسئلة على القرآن، وكيف تتكوَّن الأسئلة في ذهن المفسّر المعاصر، إنّها قطعًا تتكوّن عن طريق القبليّات المعرفيّة الموجودة في ذهنه؛ لذلك فإنّ ما تحدّث عنه الدكتور سروش في مرحلة كتابه حول القبض والبسط في الشريعة صحيحٌ في الجملة(8)، لا اعتراض على أطروحة سروش في تلك المرحلة، لأنَّ مقصديّة النصّ كانت محفوظة، وإنّما تكون حصيلة إدراك المفسّر للنص القرآنيّ نسبيّة؛ لأنّها نتيجة التفاعل بين قبليّات معرفيّة مأخوذة من علوم ومعارف العصر، وهي قابلة للخطأ والصواب وليس معصومة، وبين إدراك بشريّ محدود للنصّ القرآنيّ، ومع أنّها نسبيّة فإنّ لها قيمة معرفيّة كبيرة؛ لأنّها لم تحصل بطريقة اعتباطّية، بل حصلت في كلِّ الأحوال عن طريق جهد معياريّ كثيف تمَّ بذله في سبيل الحصول على تلك المعرفة التي هي نتيجة التفاعل بين فهمين علميّين وإن كانا نسبيّين، فهم علميّ لكتاب التكوين، وفهم علميّ لكتاب التدوين المطابق له، وإنّما وجد الاعتراض على أطروحة سروش في المرحلة التي أعقبت ذلك، في المرحلة التي كتب بها ((بسط التجربة النبويّة))(9)؛ لأنّ مقصديّة النصّ تعرّضت للاهتزاز، ولم تعد مقصديّة إلهيّة معصومة، بل هي مقصديّة بشريّة، هي مقصديّة شخص تاريخيّ اسمه محمّد، عاش تجربة باطنيّة وعرفانيّة عميقة، فصار يتحدّث بكلام تاريخيّ نسبيّ هو القرآن، ونسبه نتيجة اعتقاد خاطئ نشأ عنده بسبب تفانيه في تجربته الدينيّة إلى الله، هنا في هذه المرحلة الثانية من أطروحة سروش لم يعد كتاب التدوين مطابقًا بالضرورة لكتاب التكوين، فقد أصبح القرآن كتابًا عاديًّا هو نتاج معارف وعلوم وُجدت في عصر النبيّ(ص)، أمّا مع أطروحة السيّد الصدر فالأمر مختلف؛ لأنّ التفاعل الذي يحصل بين القبليّات المعرفيّة في ذهن المفسّر ودلالة القرآن لا تعني أنّ القرآن نفسه نسبيّ، كما لا تعني أنّ الواقع الذي يعبّر عنه كتاب التكوين هو نسبيّ، إنّما تعني أنّ الفهم البشريّ وإن كان علميًّا موضوعيًّا هو نسبيّ للكتابين معًا، ومن هنا يكون للمعرفة المستقاة من النصّ القرآنيّ حقّ التدخّل في تصحيح القبليّات المعرفيّة والعلميّة؛ لأنّها في معرض الخطأ على كلّ حال، ويحصل في المقابل أن تتدخّل هذه القبليّات المعرفيّة المستقاة من معارف وعلوم العصر في توجيه مسار الإجابة، على أن نفهم أنّ مضمون الإجابة رهين بالنسبيّة التي تطبع الإدراك البشريّ على وجه العموم، وإلّا فإنّ القرآن مستعدٌّ للإجابة الصحيحة على السؤال التكوينيّ الصحيح، الخلل يكون في النسبيّة الموجودة في هذه القبليّات، وفي النسبيّة الموجودة في فهم الإجابة، وليست النسبيّة موجودةً في أصل المعنى القرآنيّ ولا في أصل المعنى الموجود في كتاب التكوين.

 نعود إلى  الحديث عن الإجرائيّة الفوضويّة الموجودة في الأسلوب التجزيئيّ الذي لا يقيم هذه العلاقة الجدليّة بطريقة منظّمة بين كتاب التدوين وكتاب التكوين، يقول السيّد الصدر: «طبعًا نحن لا نعني بالتجزيئيّة لمثل هذا المنهج التفسيريّ أنّ المفسّر يقطع نظره عن سائر الآيات ولا يستعين بها في فهم الآية المطروحة للبحث، بل إنّه قد يستعين بآيات أخرى في هذا المجال كما يستعين بالأحاديث والروايات، ولكن هذه الاستعانة بقصد الكشف عن المدلول اللفظيّ الذي تحمله الآية المطروحة للبحث، فالهدف في كلِّ خطوة من هذا التفسير فهم مدلول الآية التي يواجهها المفسر بكلِّ الوسائل الممكنة، أي انَّ الهدف هدف تجزيئيّ؛ لأنّه يقف دائمًا عند حدود فهم هذا الجزء أو ذاك من النصّ القرآنيّ، ولا يتجاوز ذلك غالبًا، وحصيلة تفسير تجزيئيٍّ للقرآن الكريم كلّه تساوي على أفضل تقدير مجموعة مدلولات القرآن الكريم ملحوظةً بنظرة تجزيئيّة أيضًا، أي أنّنا سوف نحصل على عدد كبير من المعارف والمدلولات القرآنيّة، ولكن في حالة تناثر وتراكم عدديّ دون أن نكتشف أوجه الارتباط، ودون أن نكتشف التركيب العضويّ لهذه المجاميع من الأفكار، ودون أن نحدّد في نهاية المطاف نظريّة قرآنيّة لكلِّ مجال من مجالات الحياة، فهناك تراكم عدديّ للمعلومات، إلّاأنّ مجموع ما بين هذه المعلومات، الروابط والعلاقات، ما بين هذه المعلومات التي تحوّلها إلى مركَّبات نظريّة ومجاميع فكريّة بالإمكان أن نحضر على أساسها نظريّة القرآن لمختلف المجالات والمواضيع، أمّا هذا فليس مستهدفًا بالذات في منهج التفسير التجزيئيّ، وإن كان قد يحصل أحيانًا، ولكن ليس هو المستهدف بالذات في منهج التفسير التجزيئيّ»(10).وهنا نقطتان:

النقطة الأولى: واضح أنّ السيّد الصدر يهتمّ بمسألة بلورة المفاهيم العامّة والمركبات النظريّة التي تصلح أن تكون التجسيد الحقيقيّ للرؤية الكونيّة التوحيديّة التي تحدّث عنها في مجموعة من المؤلّفات ابتداءً بكتابه (فلسفتنا))(11) وانتهاءً بكتابه ((الأسس المنطقيّة للاستقراء))(12)، فلا معنى لهذه الرؤية التوحيديّة ما لم تتجسّد في نظريّات تصلح للإجابة على الأسئلة الحضاريّة للإنسان المعاصر، ولن يحصل هذا عن طريق تلك القراءات ((الأدبيّة)) للقرآن، والتي لا يمكن أن يؤدّي التفسير التجزيئيّ إلى سواها؛ لأنّ الرؤية التفسيريّة التجزيئيّة لا علاقة لها بطرح الأسئلة على النصّ القرآنيّ، هي لا تطرح أسئلة؛ لأنّ الأسئلة لا توجد إلّا من خلال بلورتها على أساس القبليّات المعرفيّة المأخوذة من معارف وعلوم العصر، والمفسّر التجزيئّي لا يهتمّ بهذا الشأن مطلقًا، هو جالسٌ أمام القرآن يحاول أن يفهم مدلولاته اللغويّة ابتداءً، وينتظر من القرآن أن يتحدّث من تلقاء نفسه فيمنحه المدلولات اللغويّة التي يعبّر عنها نسيجه اللغوّي، فمن الطبيعيّ أن تكون هذه المدلولات مفكّكة ومجزّأة ومبعثرة ولا يربط بينها رابط إلّا في القليل النادر.

النقطة الثانية: يمكن أن نقول بناءً على فهمٍ خاصٍّ أنَّ التفسير الموضوعيّ للقرآن لا يعني أنّ المجموعات القرآنيّة التي تنتظم في سلكها الآيات منفصلٌ بعضها عن البعض الآخر، هذا أيضًا وهم كبير يمكن أن يحدث، فلو أنّنا قمنا بجمع الآيات التي تعالج الموضوعات الاقتصاديّة مثلًا، فلكي نستخرج منها نظريّة قرآنيّة في الاقتصاد، فإنّه لا بدَّ من ملاحظة علاقة هذه المجموعة بالمجموعات الأخرى كذلك، أي علاقة هذه المجموعة بكلِّ القرآن، وكذلك عندما نقوم بطرح الأسئلة التي تتعلّق بالاقتصاد، والتي هي متأثرة بعلم الاقتصاد وبالمعرفة الاقتصادية في هذا العصر، فإنّنا لا نبلور السؤال عن طريق عزل المعلومات الاقتصاديّة عن الكيان العامّ لفلسفة العصر وعلومه ومعارفه في مختلف الشؤون، بمعنى أنّنا لا بدَّ أن نلاحظ الرؤية الكونيّة العامّة التي ترسمها الحداثة مثلًا، ونبلور تلك الأسئلة من خلالها، ثمَّ نطرحها على تلك المجموعة من الآيات في الدائرة الخاصّة بالاقتصاد، مع ملاحظة اندراجها في الرؤية الكونيّة التوحيديّة العامّة للقرآن، وهذا الإجراء لا بدَّ منه في الحقيقة، وإلّا أمكن أن ينحرف ذهن المفّسر عن الإجابة الصحيحة المتوقّع الحصول عليها من القرآن، وهو ما يفعله التفسير الهرمنيوطيقيّ حاليًّا في التعامل مع آيات القرآن تعاملًا تجزيئيًّا، حتّى لو أنّه قام بملاحظة مجموع الآيات ذات العلاقة بالموضوع المحدّد، إلّا أّنه يتجاهل اندراجها في الرؤية الكونيّة التوحيديّة التي لو تمّت ملاحظتها لكانت النتائج التفسيريّة مختلفة عن واقعها الهرمنيوطيقيّ الموافق كلّيًّا لمبادئ الحداثة، فلكي يتدخّل النصّ في تصحيح القبليّات، لا بدَّ أن ينظر إلى كلِّ مجموعةٍ من مجموعات الآيات التي تعالج موضوعًا محدّدًا في الإطار العامّ لتلك الرؤية التوحيديّة القرآنيّة، وهو ما ينبغي الانتياه إليه على كلِّ حال.
الإجراء الثاني: أن توجد علاقة جدليّة بين النصّ والواقع، لكنَّ المعيار الذي تُقاس به دلالة النصّ القرآنيّ هو ما تبنَّته الحداثة من علوم ومعارف في المجالات الإنسانيّة والتجريبيّة على السواء.

وهذا هو الاتجاه الحداثيّ الجديد في تأويل القرآن كما يتجسَّد في عددٍ من المشاريع التأويليّة للقرآن في الجانبين العربيّ والإيرانيّ كمشروع الدكتور محمد أركون ومشروع الدكتور نصر حامد أبو زيد ومشاريع كلٍّ من محمّد مجتهد شبستري والدكتور سروش والدكتور ملكيان.. إلخ، تزعم هذه المشاريع أنّها تقيم العلاقة الجدليّة بين النصّ والواقع، لكنّها ترسم خطى لهذه العلاقة للإعلاء من شأن الواقع على حساب المقصديّة الدلاليّة للنصّ، وهي تعتمد في هذا على ما تنظِّر له من ضرورة اعتماد المناهج الهرمنيوطيقيّة في فهم القرآن، وهي كلّها مناهج إن صَلُحت لشيءٍ، فإنّها تصلح نسبيًّا لفهم النصّ الأدبيّ وليس النصّ القرآنيّ الذي إنّما أُنزل على صدر النبيّ ليكون هدىً للناس، أي ليكون منهجًا كاملًا للحياة، ومن الواضح أنّ نقطة الارتكاز الرئيسة في تلك المنهجيّات التأويليّة الحداثيّة تتمثّل في المبدأ المعتمد في جميع مناهج التلقّي منذ البنيويّة حتى الآن حول ((موت المؤلِّف))، فمع الاعتراف بهذا المبدأ لا يمكن السير خطوةً واحدةً إلى الأمام باتجاه الحديث عن وجود دلالةٍ مسبقةٍ للنصّ، الدلالة الوحيدة التي يمكن الحديث عنها هي الدلالة الاعتباطيّة التي يقوم بإسقاطها المفسّر على القرآن بناءً على تفعيل قبليّاته المعرفيّة والثقافيّة المأخوذة من واقع الحداثة المادّيّة، وهكذا سوف يصبح القرآن طبقًا لهذا الفهم الذي تنبت فيه العلاقة الجدليّة بين النصّ القرآنيّ الذي عُدَّ صاحبه ((الله)) ميتًا، وبين الواقع الذي يتضمّن كثيرًا من الأخطاء المعرفيّة التي تحتاج إلى تدخّل القرآن من أجل إجراء عمليّة التصحيح من خلال إجاباته على الأسئلة المطروحة، وهو الموضوع الذي تحدّثت عنه باستفاضة في كتابي عن الفهم الحداثيّ للنصِّ القرآنيّ.

الإجراء الثالث: أن تقوم علاقة جدليّة بين النصّ والواقع الحداثيّ، لكن على أن تكون هذه العلاقة تكامليّة، أي علاقة حواريّة بين كتاب التدوين وكتاب التكوين، وها هنا قضيّتان:
القضيّة الأولى: إنّ كتاب التكوين لا يحتوي على أيّ أخطاء في الواقع، أي بعيدًا عن بحث مشكلة الإدراك والمعرفة النسبيّين اللذين يطبعان المعرفة البشريّة على وجه العموم.
القضيّة الثانية: إنّ الكتاب التدوينيّ ((القرآن)) لا يحتوي على أيِّ خطأ في الواقع، بعيدًا عن نسبيّة الإدراك البشريّ عندما يحاول أن يفهم دلالة النصّ القرآنيّ.

الكتابان إذن متطابقان، ولا يختلفان أبدًا في لوح الواقع، إنّما يكون الاختلاف من جهة الفهم البشريّ الذي هو نسبيّ بطبيعته، وبناءً على هذا فإنّ العلاقة الجدليّة بينهما إنّما يكون الواسطة فيهما هو هذا الإدراك البشريّ النسبيّ، فما يكوِّن هذا الإدراك من معرفةٍ قرآنيّةٍ يحتاج إلى تصحيحٍ دائمٍ بناءً على الحقائق القطعيّة التجريبيّة التي منها تتكوَّن قبليّات المفسّر، كما أنّ قبليّات المفسّر، بحاجةٍ إلى التصحيح والتعديل الدائم أيضًا، من خلال المعرفة القرآنيّة القطعيّة التي تعتبر درجة الوثوق بها عاليةً جدًّا، وهكذا تحصل علاقة تفاعليّة بين كتاب التكوين وكتاب التدوين، وتجري عمليّات التصحيح على قبليّات المفسّر في الجانبين، حتى تكون النتيجة هي الاقتراب من درجة التطابق الكلّيّ بين الكتابين؛ لأنّهما في الواقع متطابقان ولا يختلفان على الإطلاق.

إنّ الفكرة الأساسيّة في الهرمنيوطيقا الفلسفيّة لغادامر- وهي التي اعتمدها غالبية مفكّريّ الحداثة في مقارباتهم التأويليّة للنصِّ القرآنيّ، وفي مقدّمتهم نصر حامد أبو زيد في المجال العربيّ، والدكتور محمد مجتهد شبستري في المجال الإيرانيّ- هي أنّ المحور الأساس في عمليّة الفهم ليس ما يقصده صاحب النصّ؛ لأنّ هذا الأخير يمثّل الجانب المهمل في عمليّة الفهم، بل المهمّ هو التركيز على مقاصد النصّ الذي أصبح منفصلًا - بعد أن تمَّ تجسيده وتثبيته عن طريق الكتابة - عن الجوانب النفسيّة التي تعبِّر عن نيَّة المؤلّف ومقصديّته الخاصّة، فلا ينبغي البحث عن مقاصد المؤلّف بعد انفصال النصّ عنه؛ إذ لا يُفهم النصّ «بما هو تعبيرٌ  عن حياةٍ، بل بما يقوله حقًّا»(13)، هذه هي المرحلة الأولى من تأويليّة غادامر، التي تشير إلى ضرورة التجاهل التامّ لمقاصد المؤلّف، والاهتمام بمقاصد النصّ نفسه، ثمَّ تأتي المرحلة الثانية، ليُضاف إلى بُعد النصّ، البعد الآخر المتعلّق بأفق القارئ، وبتفاعلهما معًا يوجد المعنى في النصّ.

المطلب الرابع:
بين تأويليّة غادامر وتأويليّة السيّد محمد باقر الصدر
يرى غادامر أنّ عمليّة الفهم إنّما تتمّ بطريقةٍ جدليّةٍ بين النصّ والقارئ، بأن يسأل المفسِّر والنصّ يجيب، وتنطلق الأسئلة من الأفق المعرفيّ للمفسِّر، أي إنَّ لدى هذا الأخير مجموعةً من القبليّات والأحكام المسبقة، هي التي تحكم نوع السؤال الذي يسأله المفسِّر للنصّ، وطبعًا تكون إجابة النصّ -بما أنّ مقصديّة المؤلّف تمَّ إقصاؤها تمامًا- طبقًا لما يتوقَّعه المفسِّر من إجابةٍ على تلك الأسئلة، وهنا يمكن أن يُقال إنّ عمليّة استنطاق النصّ بهذه الطريقة، يمكن أن تسفر عن إجاباتٍ مجّانيةٍ تكون بعيدةً كلَّ البعد عن أفق النصّ، لكن إنصافًا نقول: إنَّ غادامر وضَّح أنّ النصّ لا يكون سلبيًّا إلى هذا الحدّ، بل يتدخَّل فيسأل المفسِّر عن تلك القبليّات والقناعات المسبقة، فيتمّ تصحيح بعضها على ضوء النصّ، لكنَّ المفسِّر لا يمكن له أن ينتفع من أيِّ نصّ، إلّا إنْ كانت لديه أسئلةٌ وتوقّعاتٌ يستهدف حصول الإجابة عليها من النصّ، أي إنَّ المفسِّر إن كان ذهنه خاليًا من هذه القبليّات والقناعات والأحكام المسبقة، فإنّه لا يتاح له الانتفاع من النصّ على الإطلاق، لكن يقال ما هو المعيار الذي على أساسه يجري النصّ عمليّة التصحيح على قبليّات المفسِّر، هل إنّ هذا المعيار مستمَدٌّ من النصّ نفسه؟ فنحن لا نرى ذلك في التطبيقات العمليّة للتأويلات الهرمنيوطيقيّة التي يجريها كبار المفكّرين في مجال الهرمنيوطيقا على النصّ الأدبيّ مثلًا، بل نجد تأويلاتٍ متضاربةً ومتنافرةً إلى أبعد حدّ، ومع ذلك لا نجد أحدًا يعترض على أحدٍ في قراءته التي تعارض قراءته الخاصَّة، بل تُضفى مشروعيّة القراءة على القراءات جميعًا، أم أنّ هذا المعيار هو مقاصد المؤلّف، فقد تمَّ إقصاؤها بشكلٍ تامّ، فالنتيجة في جميع الأحوال هي عدم وجود معيارٍ موضوعيٍّ يمكن الاحتكام إليه في عمليّة التصحيح التي يقول غادامر إنّ النصّ سوف يجريها على الأحكام المسبقة في ذهن المفسِّر، وبالتالي لا بدَّ أن يمارس المفسِّر الطريقة التحكّميّة في فرض قبليّاته على النصّ، حتى لو كان ذلك على حساب الإلغاء التامّ لأفق النصّ؛ لأنّ الضابط الدلاليّ مفقودٌ في النصّ مع الغياب الكامل لمقاصد المؤلّف، وكنتيجةٍ لعدم و جود المعيار الذي يضبط دلالة النصّ، ولعدم إمكانيّة تصحيح النصّ لقبليّات المفسّرين المتعدّدين ذوي القبليّات المختلفة إلى حدّ التصادم بالتأكيد، فإنّ دلالة النصّ لا بدَّ أن تكون منفتحةً على عددٍ لانهائيٍّ من القراءات المتضاربة والمتناقضة، وبذلك سيكون القول الفصل لتلك القبليّات في الواقع، وليس للنصّ أيّ دورٍ في تحديد الإجابة، وهكذا يكون النصّ بحكم أنّه غير موجودٍ أساسًا من الناحية العمليّة.

إن الجدل الموجود في العلاقة بين المفسِّر والنصّ يفسِّر بالفعل تلك العمليّة التي أطلق عليها الإمام عليّ 8 اسم الاستنطاق، إذ عدَّ القرآن كتابًا مسطورًا بين دفَّتين وإنّما ينطق به الرجال(14)، ولا خلاف في أنَّ النصّ القرآنيّ لا يمنح المفسِّر أي إجابة إلّا بعد أن يطرح عليه المفسِّر أسئلته وتوقّعاته، وهذا المنهج بالذات هو المضمون الجوهريّ لمشروع التفسير الموضوعيّ الذي عرضه السيّد محمّد باقر الصدر في كتابه ((المدرسة القرآنيّة))؛ إذ أشار إلى أنّ ثمّة فارقًا أساسيًّا بين نمطين من التفسير؛ الأوَّل هو التفسير التجزيئيّ، الذي يكون المفسِّر طبقًا له ذا دورٍ سلبيٍّ في عمليّة التلقّي، فهو لا يلقي على القرآن سؤالًا، ولا ينتظر منه توقّعات، هو فقط يجلس أمام النصّ مزوَّدًا بعدَّته اللغويّة والأدبيّة ليستمع من القرآن ابتداءً ما يقول عن طريق فهم معاني ألفاظ القرآن، فالمفسِّر التجزيئيّ يبدأ من القرآن وينتهي بالقرآن ولا علاقة له بالواقع، وبالتالي لا يكون ذهنه محمَّلًا بالتجارب البشريّة والآفاق الثقافيّة والمعرفيّة التي عن طريقها يستطيع تكوين الأسئلة وطرحها على القرآن، خلافًا للمفسّر التوحيديّ الموضوعيّ، الذي «لا يبدأ عمله من النصّ، بل من واقع الحياة، يركِّز نظره على موضوعٍ من موضوعات الحياة العقديّة أو الاجتماعيّة أو الكونيّة، ويستوعب ما أثارته تجارب الفكر الإنسانيّ حول ذلك الموضوع من مشاكل، وما قدَّمه الفكر الإنسانيّ من حلول، وما طرحه التطبيق التاريخيّ من أسئلةٍ ومن نقاط فراغ، ثمَّ يأخذ النصّ القرآنيّ، لا ليتّخذ من نفسه بالنسبة إلى النصّ دور المستمع والمسجِّل فحسب، بل ليطرح بين يدي النصّ موضوعًا جاهزًا مشرَّبًا بعددٍ كبيرٍ من الأفكار والمواقف البشريّة، ويبدأ مع النصّ القرآنيّ حوارًا، سؤالٌ وجواب، المفسِّر يسأل والقرآن يجيب، المفسِّر على ضوء الحصيلة التي استطاع أن يجمعها من خلال التجارب البشريّة الناقصة، من خلال أعمال الخطأ والصواب التي مارسها المفكّرون على الأرض، لا بدَّ وأن يكون قد جمع حصيلةً ترتبط بذلك الموضوع، ثمَّ ينفصل عن هذه الحصيلة ليأتي ويجلس بين يدَي القرآن الكريم، لا يجلس ساكتًا ليستمع فقط، بل يجلس محاورًا، يجلس سائلًا ومستفهِمًا ومتدبِرًا، فيبدأ مع النصّ القرآنيّ حوارًا حول هذا الموضوع، وهو يستهدف من ذلك أن يكتشف موقف القرآن الكريم من الموضوع المطروح والنظريّة التي بإمكانه أن يستلهمها من النصّ، من خلال مقارنة هذا النصّ بما استوعبه الباحث عن الموضوع من أفكار واتجاهات. ومن هنا كانت نتائج التفسير الموضوعيّ مرتبطةً دائمًا بتيّار التجربة البشريّة؛ لأنّها تمثّل المعالم والاتجاهات القرآنيّة لتجديد النظريّة الإسلاميّة في موضوعٍ من مواضيع الحياة»(15).

فالسيّد محمد باقر الصدر من خلال هذا العرض يركِّز على هذه العلاقة الجدليّة بين النصّ والمفسِّر، ويطالب المفسِّر بأن يكون ذا آفاقٍ معرفيّةٍ وثقافيّةٍ تؤهّله لطرح الأسئلة الكفيلة بتوفير الإجابات الصحيحة عليها، لكن مع بعض الخصوصيّات التي لم تلحظها هرمنيوطيقا غادامر، فما يمتاز به التفسير الموضوعيّ عند السيد محمد باقر الصدر هو الآتي:
1-إن النصّ لم يفقد قداسته، بناءً على المصدريّة الإلهيّة التي يتمتّع بها، فهو يختلف من هذه الناحية عن النصّ الأدبيّ أو النصّ الفلسفيّ الذي يمكن أن يوجد فيهما الخطأ والصواب، أمّا ما هو موجودٌ في القرآن من المعاني والدلالات فهو صوابٌ كلّه ولا يمكن أن يتطرق إليه الخطأ، في حين لم يحصل مثل هذا التفريق بين النصّ المقدّس ذي المصدريّة الإلهيّة وبين النصّ البشريّ، سواء أكان نصًّا أدبيًّا أو نصًّا فلسفيًّا أو غير ذلك، فجميع النصوص لا تفترق عند غادامر من حيث الآليّة التي يتمّ بها إنتاج المعنى في النصّ.

2-من الطبيعيّ أن لا يلحظ غادامر الخصوصيّة التي يتمتّع بها النصّ المقدَّس، لأنَّ تأويليّته قائمة على أساس الإقصاء التامّ لمقصديّة المؤلف وعدِّه غير موجودٍ أصلًا، إذ تنتهي علاقة المؤلّف بالنصّ حين الانتهاء من تثبيته وتجسيده بالكتابة، بينما لا تتأسّس تأويليّة السيّد محمد باقر الصدر على هذا الأصل الخاطئ في الحقيقة، بل لا يمكن إطلاقًا إقصاء مقاصد المؤلّف في تأويليّة السيّد محمّد باقر الصدر؛ إذ بمجرد أن نفعل ذلك يفقد النصّ قدسيّته، لارتباط قدسيّته بالمصدريّة الإلهيّة في الحقيقة، فإذا تمَّ إقصاء المؤلّف عن نصّه، بات النصّ غير مقدَّس، وهو ما جعل الهرمنيوطيقيّين في المدارس التأويليّة الحديثة يعدّون القرآن مجرّد نصٍّ لغويٍّ لا يختلف في بنيته اللسانيّة عن أيِّ نصٍّ أدبيٍّ آخر، وبالتالي سلَّطوا على القرآن تلك المنهجيّات الهرمنيوطيقيّة التي لم تراعِ خصوصيّة النصّ القرآنيّ، فكانت النتيجة هي فوضويّة الدلالة ومجّانيّتها، بحيث أصبح للقرآن دلالات ومقاصد بعدد من يقومون بتفسيره، دون أن توجد معايير يمكن الاحتكام إليها في ترجيح قراءةٍ على أخرى؛ لأنّها ليست إلّا ثمرة للآفاق الثقافيّة المتعدّدة الموجودة في أذهان القرّاء أثناء القيام بعمليّة التأويل.

3- نذكر الضابطة التي تحدَّث عنها غادامر، وهي التي قال عنها إنّها تحدّ من عمليّة فرض قبليّات المفسِّر الخاطئة على النصّ، فيتدخّل النصّ لتصحيح تلك القبليّات، قلنا عنها إنّها وإن أمكن تصوّرها نظريًا، فإنّها لا وجود لها من الناحية العمليّة، على أساس أنّ غادامر استبعد أن يكون لمقاصد المؤلّف أيّ حساب في هرمنيوطيقيّته الفلسفيّة، فلا يكون النصّ بعد ذلك إلّا كتلة لغويّة لا حقّ لها مطلقًا أن تتدخّل في قبليّات المفسِّر لإجراء التصحيح اللازم، ناهيك عن أنّ أفق توقّعات المفسِّر مؤطَّرٌ بالميل النفسيّ، فيكون من الطبيعيّ انحياز المفسِّر إلى قبليّاته والتمسّك بها أمام أيّ محاولة سيقوم بها النصّ –افتراضًا-من أجل التصحيح، إنّ تلك الضابطة يوجد أمامها المجال مفتوحًا لتمارس فاعليّتها بقوّة على أساس عدم إقصاء المؤلّف من معادلة التأويل، فتكون أطراف عمليّة التخاطب ثلاثة على حالتها الطبيعيّة والمنطقيّة، وهي المؤلّف والنصّ والمتلقّي، وليست هي مطابقة لما عليه الحال في تأويليّة غادامر؛ لأنّ طرَفَي عمليّة التخاطب اثنان في الحقيقة هما النصّ والمتلقّي، فما دام قد تمَّ الاعتراف بنيَّة المؤلّف ومقصديّته، فإنّه من الطبيعيّ أن يمارس النصّ دوره في إجراء عمليّة التصحيح على قبليّات المفسّر بالاستناد إلى مقصدّية المؤلف، ومع حالة الاعتراف بهذه المقصديّة كطرفٍ ثالثٍ وأساسيٍّ في عمليّة التخاطب، يكون من المنطقيّ الحديث عن ضرورة وجود ضوابط ومعايير موضوعيّة لتأويل النصّ، وبهذا تنتفي إمكانيّة أن ينفتح النصّ على تأويلاتٍ لانهائيّة متصادمة ومتضاربة، مع أنّها كّلها يُحكم عليها بالصحة، وتُضفى عليها مشروعيّة الفهم في الوقت نفسه، ففي الحالة التي تشير إلى تصادم التأويلات وتناقضها فيما بينها، يُحكم بأنّها إمّا جميعًا كاذبة، أو أنّها جميعًا كاذبة إلّا قراءة تأويليّة واحدة من بينها هي الصحيحة الصادقة.

المطلب الخامس:
الدعوة الى صياغة تأويليّة حداثيّة خاصّة بالقرآن
من السذاجة أن نعتقد أنّ هذه المناهج المعرفيّة بما فيها المناهج اللسانيّة هي مناهج محايدة، هذا كلام غير دقيق، وهو مجانب للعلميّة في الواقع، يقول التأويليّون الحداثيّون إنّ هذه المناهج وُجدت لتنطبق على جميع النصوص، بقطع النظر عن كونها تنتمي إلى هذا السياق الثقافيّ الخاصّ أو ذاك، فهي صالحة للانطباق على جميع النصوص في التراث الإنسانيّ عمومًا دون تمييز، يؤكد أركون مثلًا في سياق الدفاع عن تطبيق المنهج التاريخانيّ على القرآن: «إنّ التاريخيّة ليست مجرَّد لعبة ابتكرها الغربيّون من أجل الغربيّين، وإنّما هي شيءٌ يخصّ الشرط البشريّ منذ أن ظهر الجنس البشريّ على وجه الأرض. ولا توجد طريقة أخرى لتفسير أيِّ نوعٍ من أنواع ما ندعوه بالوحي، أو أيِّ مستوىً من مستوياته خارج تاريخيّة انبثاقه، وتطوُّره أو نموُّه عبر التأريخ، ثمّ المتغيّرات التي تطرأ عليه تحت ضغط التأريخ»(16).

 وكذلك قل عن المنهجيّات التي يقترح علينا الحداثيّون تطبيقها على القرآن، هم لا يريدون الاعتراف بأنّ تلك المناهج هي وليدة سياق ثقافيّ تاريخيّ خاصّ بمجريات الأحداث هناك، مثلًا، هم لا يستطيون أن ينكروا حقيقة أنّ تلك المنهجيّات اللسانيّة الغربيّة هي وليدة النزعة الوضعيّة التي أطَّرت الرؤية العلميّة عمومًا في الفضاء الغربيّ، بحيث لم يُسمح، ليس للوحي فقط أن يكون له مكان ضمن الظواهر العلميّة الجديرة بالدراسة، بل لم يُسمح للمعنويّات عمومًا أن يكون لها مكانة بين الظواهر التي تحظى بالاهتمام بوصفها علمًا، أصبحت المعنويّة هناك محصورة في نطاق ما هو فنٌّ أو أدب، بحيث تمَّ عزل مجالات الوحي من أن يكون لها نصيبٌ في خلق الحياة المعنويّة للناس، هذه النظرة الوضعيّة التي لا تهتمّ إلّا بالُمشاهَد والمحسوس، هي الإطار العامّ الذي تمَّت فيه صياغة تلك المنهجيّات، فكيف نتوقّع حتى لو كانت هذه المناهج تحتوي على ما هو موضوعيّ وعلميّ في بعض التفاصيل والجزئيّات، أن تكون صالحةً دون شرطٍ لمقاربة المعطى الوحيانيّ الأوَّل عند المسلمين وهو القرآن، إن لم تكن الموافقة مشروطةً بإجراء بعض المراجعات والتعديلات على تلك المناهج حتى تحظى بصلاحيّتها العلميّة لدراسة النصّ القرآنيّ، فإنّ النتائج لا بدَّ أن تكون كارثيّةً على هذا الصعيد، بحيث لا يعود ثمّة فرق في نظر الباحث الحداثيّ بين النصّ القرآنيّ والنصّ الأدبيّ، على أساس أنّ كليهما يمثّل نصًّا لغويًّا، مع إهمال البعد الآخر الذي يمنح القرآن خصوصيّته، وهو أنّ هذا النصّ اللغويّ هو من وحي الله عزَّ وجلّ، وأنّه هو النصّ الذي ينقل لنا تعليمات السماء لترسم لنا معالم الحياة على الأرض، يقول الأستاذ محمد كلشني في هذا السياق: «إنّ العلم الذي وجد طريقه إلينا لم يقدِّم لنا معطياته العلميّة دون مقابل، وإنّما جاء أيضًا بالفكر الوضعيّ الذي يجرّد الغيب من قيمته، ويصرّ على إهمال الدين»(17)، هذه الحقيقة التي أشار إليها الأستاذ محمّد كلشني هي السبب وراء عدم صلاحيّة المناهج التأويليّة الغربيّة لدراسة القرآن؛ ذلك أنّ القرآن كتاب دينيّ، أتى به رجلٌ اسمه محمّد، قال إنّه نبيّ من الله، وأنّه يتضمّن إعجازًا كدليلٍ على نبوّته، فلكي يبطلوا نبوّته عليهم أن يثبتوا عقلًا عدم وجود الله، ولن يستطيعوا ذلك، وعليهم ثانيًا أن يثبتوا أنّ القرآن كتابٌ بشريّ، وليس السبيل إلى ذلك هو التحليل السيميائيّ أو الألسنيّ أو الأنثربولوجيّ.. إلخ، كما أنّ تطبيق المنهج التفكيكيّ على القرآن أيضًا ليس هو السبيل إلى ذلك، إنّ السبيل الوحيد إلى ذلك هو أن يأتوا بقرآنٍ مثل هذا القرآن، ثمَّ تنزَّل هذا النبيّ، فطلب الإتيان بعشر سور، ثمَّ تنزَّل، فطلب الإتيان بسورةٍ واحدة، فإذا لم يستطيعوا أن يأتوا بكلامٍ في مستواه يثبت أنّه معجز، وإعجازه هو الدليل الأقوى على نبوّته، بعد أن تكون سيرته الأفعاليّة والأقواليّة كلّها دالَّةً على أنّها موافقة لما تقتضيه الفطرة الإنسانيّة السليمة، فليس لهم أن يطلقوا أيَّ حكمٍ حول المصدريّة الإلهيّة للقرآن، هذا هو المنهج الصحيح  في إبطال إعجاز النصّ القرآنيّ، وليس هو استيراد مناهج ألسنيّة وتفكيكيّة وجدت أصلًا من أجل إنجاز المقاربات التحليليّة والنقديّة للنصِّ الأدبيّ؛ ولذلك فإنّنا نفرِّق بين قضيّتين في الواقع، إنّنا نقول إنّ هذه المنهجيّات الألسنيّة والنقديّة التي يطبِّقها الحداثيّون على النصّ القرآنيّ، لا تصلح للتعامل المنهجيّ في الحقيقة إلّا مع النصوص الأدبيّة من الشعريّات والسرديّات؛ لأنّ الخيال هو جوهرها، والمجاز والاستعارة هما وسيلتها في التعبير، وهي لا يضيرها من الناحية الجماليّة أن يبتعد المؤوِّل في تأويله عن مقاصد المؤلّف، بل ربما زادها ذلك جمالًا وثراءً في سياق الغاية التي وُجدت من أجلها، وهي الغاية الفنّية والأدبيّة والجماليّة،  المطلوب من القرآن هو أن يكوِّن المسلم  رؤيةً إلهيّةً من خلاله، تنطلق تلك الرؤية من الله وتنتهي إلى الله، وليس المطلوب هو تكوين رؤيةٍ تبدأ من الله وتنتهي بألوهيّة الإنسان، أو تبدأ من ألوهيّة الإنسان لتنتهي إلى إقصاء الله بإهمال قصوده، ما يؤدّي إليه تطبيق تلك المنهجيّات غير المنقَّحة في مجال دراسة النصّ القرآنيّ وتحليله هي هذه النتيجة في الواقع.

عندما يقارب الإنسان المسلم الذي حصلت لديه الأدلّة على صدق نبوَّة الإنسان الذي اسمه محمّد، فإنّه يكون مستعدًّا لتلقّي تعاليم الوحي تلقِّيًا عاليَ المستوى من زاويةٍ تفسيريّةٍ لا تهمل مطلقًا مقاصد صاحب النصّ، بل إنَّ مقاصد صاحب النصّ هي الهدف المطلوب تحصيله من خلال منهجيّات التفسير كلّها، فما فائدة أن يحصل المسلم على تفسيرٍ مبتَنٍ على قبليّات غير منقَّحة في ذهن المفسِّر. نعم، إن كان ثمَّة سبيلٌ فعلًا -كما ادَّعى غادامر- إلى أن يتدخَّل النصّ في تنقيح تلك القبليّات فلا بأس، لكنّنا قلنا إنّ ذلك نادرٌ إن لم يكن مستحيلًا من الناحية العمليّة، بسبب الإقصاء التامّ لمقاصد المؤلّف، ليست هناك قصود لصاحب النصّ في نظر المفسِّر، فكيف له أن يوافق على أن تكون للنصّ سلطةٌ يتدخَّل بها في تصحيح قبليّاته، من حقِّ المفسِّر في هذه الحالة أن يفرض قبليّاته على النصّ دون التسليم بأيّ سلطةٍ على تلك القبليّات كما هو واضح.

إنّ الناتج من عمليّة التفسير طبقًا للنظريّة التي لا تحسب حسابًا لمقاصد المؤلّف، لا بدَّ أن يكون مركَّبًا نظريًّا مصاغًا طبق المقاسات التي عليها الفرضيّات المسبقة في ذهن كلِّ مفسِّر، مثلًا إن كانت فرضيّاته المسبقة مستمدَّةً من الفلسفة الوضعيّة التي لا تعبأ مطلقًا بالدين، فإنّ هذه الفرضيّات المسبقة ستمارس دورها في فرض نفسها على النصّ مع غياب الرقابة التي يفرضها النصّ عن طريق ملاحظة المقصديّة الخاصّة بالمصدر الذي نبع منه، فيكون المركَّب النظريّ الذي ينتج عن هذه العمليّة التفسيريّة مركَّبًا نظريًّا وضعيًّا بالتأكيد، أمّا في الحالة التي لا تغيب عن نظر المفسِّر ملاحظة تلك المقصديّة، فإنّ ناتج عمليّة التفسير، بعد العمليّات التصحيحيّة التي يجريها النصّ على فرضيّات المفسِّر هو مركَّبٌ نظريٌّ ينتمي إلى صاحب النصّ عن طريق الوسيط الذي اختاره لتوصيل الرسالة وهو النصّ.

 يقول السيد محمَّد باقر الصدر وهو يوضِّح معالم مشروعه في التفسير الموضوعيّ للقرآن: إنّه موضوعيٌّ «باعتبار أنّه يبدأ من الموضوع الخارجيّ وينتهي إلى القرآن الكريم، وتوحيديٌّ باعتبار أنّه يوحِّد بين التجربة البشريّة وبين القرآن الكريم، لا بمعنى أنّه يحمل التجربة البشريّة على القرآن، لا بمعنى أنّه يخضع القرآن للتجربة البشريّة، بل بمعنى أنّه يوحِّد بينهما في سياق بحثٍ واحد، لكي يستخرج نتيجة هذا السياق الموحَّد من البحث، يستخرج المفهوم القرآنيّ الذي يمكن أن يحدِّد موقف الإسلام تجاه هذه التجربة أو المقولة الفكريّة التي أدخلها في سياق بحثه»(18).

يركِّز السيّد الصدر على أهمّيّة الفرضيّات المسبقة المستمدَّة من علوم ومعارف العصر في إنجاز مهمّة الحوار الجدليّ مع النصّ القرآنيّ، لكن لا مع افتراض غياب المقاصد الإلهيّة التي أودعها الله في النصّ، وهذه هي النقطة الجوهريّة التي يجب أن تكون هي نقطة الانطلاق بالنسبة للباحثين في مجال الإسلاميّات التطبيقيّة(19) بحسب تعبير الدكتور محمد أركون، لصياغة نظريّة تأويليّة حداثيّة للنصِّ القرآنيّ مستقبلًا، علمًا أن جميع عناصر نشوئها مبثوثة، وأحيانًا بشكلٍ تفصيليٍّ، في بعض الكتب الرياديّة التي عنيت بالبحث في مجال علوم القرآن، والحقّ أنّ رؤية السيّد محمّد باقر الصدر يمكن ربطها بمنهج التفسير الآفاقيّ والأنفسيّ، أو قل إنّ القرآن هو كتاب الله التدوينيّ، المطابق مطابقةً كلّيّةً للكتاب التكوينيّ ((عالم الآفاق والأنفس))، فالواقع أنّ إبداع المسلمين في سياق كتاب التكوين قد توقّف منذ سقوط الدولة العباسيّة على يد هولاكو، بعد أن عاش المسلمون عصرًا زاهرًا من الفتوحات العلميّة في مجال العلوم الآفاقيّة والأنفسيّة على يد علماء مسلمين أفذاذ كابن سينا والبيرونيّ وابن الهيثم...إلخ، آنذاك كان مجال الإبداع في النظريّة القرآنيّة يدعو إلى الإعجاب، ولم يكن واقعًا في فخِّ التقليد والاتّباع، وحتى عندما قام المسلمون بترجمة الفلسفات اليونانيّة والهنديّة والفارسيّة مع  عددٍ من مؤلّفاتهم الآفاقيّة والأنفسيّة، فإنّهم لم يفقدوا أصالتهم، بل أخضعوا كلّ ذلك لرؤيةٍ قرآنيّةٍ واضحة، وحصل التقابل المنطقيّ الصحيح بين كتاب الله التدوينيّ وكتاب الله التكوينيّ بصورةٍ  تدعو إلى الإعجاب، ثمَّ انتقل الإبداع في عالمَي الآفاق والأنفس إلى أوروبا مع بداية نشوء الدولة الصفويّة في إيران، وبدأت سلسلة الكشوفات في مجال العلم التجريبيّ بوتيرةٍ متسارعةٍ منذ ذلك الحين حتّى اليوم، لكن ما حصل هو أنّ تطوّر العلوم الآفاقيّة والأنفسيّة هناك لم يحصل بمعزلٍ عن النزعة الوضعيّة المعادية للدين، فكان أن حصل الافتراق –منهجيًّا- بين الكتابين التكوينيّ والتدوينيّ، فلو سألنا مثلًا ما هو السبب في تخلّف العالم الإسلاميّ اليوم، لكان الجواب المناسب أنّ السبب هو أنّهم لم يواصلوا مسيرة الإبداع في كتاب التكوين، فكان أن صمَتَ القرآن عن تقديم سيل الإجابات المبدعة فيما لو طرحت عليه الأسئلة الإبداعيّة التي مصدرها الوحيد هي نتائج العلوم والمعارف التجريبيّة والتطبيقيّة ذات التطوّر الدؤوب في كتاب التكوين، فانعكس تخلّفهم هناك سلبًا على فهمهم لكتاب التدوين نفسه، وكذلك لو سألنا ما هو السبب في فقدان الروح المعنويّة وعدم قدرة التطوّر الحاصل في كتاب التكوين على إيجاد حالة تقدُّمٍ حقيقيّةٍ تحدث تغييراتٍ جوهريّةٍ في سياق سعادة الإنسان هناك في الغرب، على الرغم من أنّ قفزاته العلميّة حقّقت أرقامًا قياسيّةً مذهلةً في العقود الأخيرة، فإنّ الجواب المناسب يكون هو أنّ ذلك التقدّم المادّيّ الذي أحرزه الغرب في كتاب التكوين، لم يتمّ توظيفه التوظيف الملائم والمبدع بحيث تتمّ صياغته على شكل أسئلةٍ لتُطرح على كتاب التدوين. نستنتج من ذلك، أنّ مكتشفات الغرب واختراعاته في المجال الآفاقيّ والأنفسيّ ليست لا تتعارض مع القرآن فقط، بل إنّها –لو استُغلَّت في طرح الأسئلة من خلالها على القرآن- تفجِّر الطاقة الدلاليّة المبدعة للقرآن في كثير من الأحيان، لكنَّ المشكلة هي حالة الانفصال القسريّ التي تحكم العلاقة بين كتاب التكوين وكتاب التدوين المناظر له في الجانبين الغربيّ والإسلاميّ، ولهذا السبب يمكن أن نعزو أسباب الشقاء والنقص الحاصل في إيديولوجيّات العالم اليوم وفلسفاته، فلا العالم الغربيّ استطاع أن يتجاوز أزماته ونكباته عبر انخراطه في الاشتغال على كتاب التكوين فقط، ولا العالم الإسلاميّ استطاع أن يتجاوز أزماته ونكساته من خلال الاشتغال على كتاب التدوين فقط، وليس ثمّة من أملٍ بالخلاص إلّا من خلال إيجاد حالةٍ من الاقتران الطبيعيّ بين الكتابين، كتاب التكوين وكتاب التدوين، ليتمكّن الإنسان الحديث من تجاوز جميع النكسات والأزمات.   

الخاتمة
اتضح لنا:
-1أنّ الحداثة حداثاتٌ وليست حداثةً واحدة، وأنَّ المشروع الفلسفيّ للسيّد محمّد باقر الصدر هو أهمّ خطوة باتجاه صياغة حداثة إسلاميّة تتفاعل بشكلٍ إيجابيّ مع الحداثات العالميّة الأخرى دون أن تفقد خصوصيّتها الإسلاميّة.
-2 التفسير الموضوعيّ للسيّد محمد باقر الصدر ليس منهجًا للتفسير فقط، بل هو منهجٌ يصلح لتأسيس نظريّةٍ تأويليّةٍ حداثيّةٍ نتجاوز من خلالها السلبيّات الموجودة في النظريّات التأويليّة الحداثيّة التي أعقبت البنيويّة، دون أن تتخلّى عن حجر الزاوية الأساس فيها، المتمثّل بمقولة ((موت المؤلِّف))، تلك المقولة التي لا بدَّ أن تنتج عنها مناهج تأويليّة اعتباطيّة لا تحترم الدلالة المسبقة في النصّ، بما في ذلك النصوص المقدّسة، لا سيّما القرآن.

-3 مقارنة تأويليّة السيّد محمد باقر الصدر بتأويليّة غادامر، تسفر عن تقدّم الأولى على الثانية؛ لأنّها تحافظ على قداسة النصّ الدينيّ، وتدعوه إلى إقامة علاقته الجدليّة مع الواقع، على النقيض من الثانية التي تفرط بالدلالة، وتقيم العلاقة الجدليّة بين المسبقات الذهنيّة للقارئ والواقع بذريعة النصّ.

الهوامش
-1 يُنظر: محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي،  الحداثة، دفاتر فلسفيّة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1996، ص12 وما بعدها.
-2 التفسير: نشأته، تدرُّجه، تطوّره، أمين الخولي، دار الكتاب اللبنانيّ، الطبعة الأولى، بيروت. لبنان، 1982م. ص75.
-3 في الشعر الجاهليّ، منشور في مجلّة القاهرة، طه حسين، (د.د.ن). القاهرة. مصر. 1995م. ع: 149. ص31.
-4 إشكاليّات القراءة وآليّات التأويل، د.نصر حامد أبو زيد، الطبعة السادسة، الدار البيضاء-المغرب، المركز الثقافيّ العربيّ، 2001م، ص49.
-5 ينظر على سبيل المثال:اشتراكيّة الإسلام، الحوار المتمدّن-العدد: 4658 - 2014 / 12 / 10 - 20:00 للكاتب عمّار مجيد كاظم.
-6 المدرسة القرآنيّة، مركز تحقيقات/علوم إسلاميّ، الكتاب موجود في الشبكة الدوليّة للمعلومات، ص19.
-7 المصدر نفسه،  ص17.
-8 القبض والبسط في الشريعة، د عبد الكريم سروش، ترجمة وتحقيق: دلال عباس، دار الجديد، 2002م.
-9 بسط التجربة النبويّة، د.عبد الكريم سروش، ترجمة: أحمد القبانجيّ، الطبعة الأولى، بيروت-لبنان، الانتشار العربيّ، 2009م.
-10 المدرسة القرآنيّة، مصدر سابق، ص10-11.
-11 فلسفتنا، السيّد محمّد باقر الصدر، دار المعارف للمطبوعات، 1982م، ارتبط اسم السيّد محمد باقر الصدر  بهذا الكتاب، مع أنّه من الكتب التي ألَّفها في مرحلة الشباب الأوّل، في الكتاب قسمان مهمّان، الأّول يدور حول نظريّة المعرفة، والثاني تناول فيه السيّد الصدر المفهوم الفلسفيّ للعالم والصراع بين الفكر المادّيّ والإلهيّ.
-12  الأسس المنطقيّة للاستقراء، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1986م.  هذا الكتاب هو أهمّ ما كتبه السيّد الشهيد من البحوث المنطقيّة والفلسفيّة، وعلى الرغم من ذلك لا تتداوله الأيدي كثيرًا في مجالس الدرس، ونوادي الثقافة، ولا يتمّ اعتماده كمصدرٍ من مصادر البحث إلّا نادرًا، في المجالات البحثيّة التي تدور حول نظريّة المعرفة وفلسفة العلم وفلسفة الدين وعلم الكلام الجديد مع الأسف.
-13 اللغة كوسيط للتجربة والتأويل، جورج غادامر، ترجمة آمال أبي سليمان، مجلّة العرب والفكر العالميّ، العدد 3، 1988، ص26.
-14 تاريخ الأمم والملوك، محمّد بن جرير الطبريّ، الجزء الرابع، دار الكتب العلميّة، الطبعة الأولى، بيروت، 1407م، ص110.
-15 المدرسة القرآنيّة، مصدر سابق، ص 20.
-16 القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدينيّ، د.محمد أركون، ترجمة: هاشم صالح، دار الطليعة، الطبعة الأولى، بيروت، 2001م، ص41.
-17 العلم العلمانيّ إلى العلم الدينيّ، دار الهادي للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 2003، ص46.
-18 المدرسة القرآنيّة، مصدر سابق، ص28.
-19 الواقع أنّ مصطلح الإسلاميّات التطبيقيّة في مشروع الدكتور محمّد أركون يحتاج إلى بحثٍ مستقلٍّ يبيِّن معالمه والحدود التي يتحرَّك فيها، لم يقدِّم أركون تعريفًا ماهويًّا للإسلاميّات التطبيقيّة، لكنه كان كلَّما وجد نفسه في حاجةٍ إلى تعريفها يسعى إلى إبراز مهامِّها النقديّة وتقديم بعض سماتها وخلفيّاتها الفلسفيّة، لكن يبدو من بعض العبارات التعريفيّة التي ترد في كتابات أركون على سبيل الاستطراد أنّ هذه المنهجيّة التي يدعو إلى اعتمادها متعدّدة الاختصاصات ومتشعّبة جدًّا، بحيث إنّها تعتمد على اللسانّيات الحديثة بكافّة فروعها واختصاصاتها، فضلًا عن العلوم الإنسانيّة الأخرى كعلم النفس وعلم الاجتماع والأنثربولوجيا والفلسفة...إلخ،  وهي ذات مرجعيّةٍ نقديّةٍ غربيّةٍ بنزعةٍ وضعيّةٍ واضحة، فيمارس الباحث من خلال هذه المنهجيّة الأركونيّة الاختصاصات الثلاثة: اختصاص المؤرّخ واختصاص الفيلسوف واختصاص عالم اللسانيّات، مضافًا إلى اختصاصاتٍ أخرى مأخوذةٍ من فضاء العلوم الإنسانيّة الغربيّة ينظر: نقد العقل الإسلاميّ عند محمّد أركون د.محمد الفجاري، دار الطليعة، الطبعة الأولى،  بيروت، لبنان، 2005م، ص42 وما بعدها.    

المصادر
- محمد سبيلا وعبد السلام بنعبد العالي، الحداثة، دفاتر فلسفيّة، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، 1996م.
- التفسير: نشأته، تدرُّجه، تطوّره، أمين الخولي، دار الكتاب اللبنانيّ، الطبعة الأولى، بيروت. لبنان،1982م.
- في الشعر الجاهليّ/ منشور في مجلّة القاهرة، طه حسين، (د.د.ن). القاهرة. مصر. 1995م. ع:149.
- إشكاليّات القراءة وآليّات التأويل، د.نصر حامد أبو زيد، الطبعة السادسة، الدار البيضاء-المغرب، المركز الثقافيّ العربيّ، 2001م.
- اشتراكيّة الإسلام،  الحوار المتمدّن-العدد: 4658 - 2014 / 12 / 10 - 20:00 للكاتب عمّار مجيد كاظم.
- المدرسة القرآنيّة، مركز تحقيقات/علوم إسلاميّ، الكتاب موجود في الشبكة الدوليّة للمعلومات.
- القبض والبسط في الشريعة، د عبد الكريم سروش، ترجمة وتحقيق: دلال عباس، دار الجديد، 2002م.
- بسط التجربة النبويّة، د.عبد الكريم سروش، ترجمة: أحمد القبانجي، الطبعة الأولى، الانتشار العربيّ، بيروت-لبنان.
- فلسفتنا، السيّد محمّد باقر الصدر، دار المعارف للمطبوعات، 1982م.
-الأسس المنطقيّة للاستقراء، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، 1986م. 
-اللغة كوسيط للتجربة والتأويل، جورج غادامر، ترجمة آمال أبي سليمان، مجلّة العرب والفكر العالميّ، العدد 3، 1988م.
- تاريخ الأمم والملوك، محمّد بن جرير الطبريّ، الجزء الرابع، الطبعة الأولى، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1407م.
- القرآن من التفسير الموروث إلى تحليل الخطاب الدينيّ، د.محمّد أركون، ترجمة: هاشم صالح، دار الطليعة، الطبعة الأولى، بيروت، 2001م.
- العلم العلمانيّ إلى العلم الدينيّ، دار الهادي للطباعة والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 2003م.
-نقد العقل الإسلاميّ عند محمّد أركون د.محمد الفجاري، دار الطليعة، الطبعة الأولى، بيروت، لبنان، 2005م.