البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إشكالية الحيرة في بداية عصر الغيبة (القسم الثاني)، الأسباب المآلات والدلالات مطالعة نقدية في بعض من مقارباتها

الباحث :  د. محمد شقير
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  21
السنة :  صيف 2020م / 1442هـ
تاريخ إضافة البحث :  October / 10 / 2020
عدد زيارات البحث :  153
تحميل  ( 845.134 KB )
الأسباب المآلات والدلالات
مطالعة نقديّة في بعض من مقارباتها

5 - مآلات الحيرة:
السؤال المطروح في هذا العنوان هو كيف انتهت تلك الحيرة؟ وإلى أين وصلت؟ وما هو مآلها؟ وما هي دلالات تلك النهاية وذاك المآل؟
لكن لا بدّ في البداية من التذكير بملخص البحث في كلّ من المدى الاجتماعي البشري، والمدى الزمني الذي بلغته تلك الحيرة.

في الموضوع الأوّل ذكرنا أنّ تلك الحيرة قد شملت بعضًا أو كثيرًا (بالمعنى النسبي والعرفي لا بالمعنى الإحصائي والعددي) من عموم النّاس، لكنّها لم تشمل أصحاب الإمام العسكري(ع) من ثقاته العدول المستأمنين على سرّه وأمره، وإن شملت البعض القليل من غيرهم.
وقد قلنا إنّ لهذا الأمر (شمولها لكثير من الناس أو بعضهم) أسبابًا ودلالاتٍ عديدةً أشرنا إليها سابقًا (مبحث أسباب الحيرة)، فلا نعيد هنا، سوى التأكيد على إنّ لذلك ارتباطًا بطبيعة الظروف التي تحدّثنا فيها مليًّا.

في الموضوع الثاني قلنا إنّ المدى الزمني الذي بلغته الحيرة لا يتعدّى العقود من الزمن (أو السنوات منه)، فهي بدأت بعد منتصف القرن الثالث الهجري، وتحديدًا بعد وفاة الإمام العسكري(عليه السلام) سنة 260هـ.ق، وانتهت قبل منتصف القرن الرابع الهجري بحسب ما يستفاد من كلام الشيخ المفيد. هذا بناءً على القول بوجود حيرة واحدة؛ أمّا إذا قلنا بأنّ ما كان موجودًا حيرتان لا حيرة واحدة، فهو يستلزم اختلاف القول في مدّة الحيرة وبدايتها ونهايتها. كما ذكرنا من ذي قبل. (راجع مبحث تاريخية الحيرة).
وهذا يعني أنّه تمّ استيعاب حالة الحيرة تلك، والتغلّب عليها، وعلاج جميع تداعياتها بعد تلك السنوات أو العقود من الزمن، حتى لم يبق منها إلا مجرد حكايا عمّن سلف وأراجيف بوجود قوم لا تثبت.

إذ إنّ ما تدلّ عليه الوقائع التاريخيّة وجملة النصوص ذات الصّلة أنّ حالة الحيرة التي شملت الكثير من الناس وبعضًا من أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) قد عُمل على احتوائها، وتمّت المبادرة إلى علاجها، وإن أخذ هذا الموضوع شيئًا من الوقت نتيجة العديد من الأسباب والظروف الموضوعية التي كانت قائمة آنذاك، لكنّه في المحصلة فقد عُمل على تطويق تلك الحيرة ومعالجتها من قبل أولئك العدول الثقات من خواص أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) بل وجمهور أصحابه، ولاحقًا من قبل أولئك الفقهاء والعلماء بآثار أهل البيت(ع) ورواياتهم.

وعليه سوف يكون السؤال مشروعًا، بل وضروريًّا حول دلالات تلك النهاية، وذاك المآل الذي آلت إليه حالة الحيرة بعد تلك السنوات، وأنّه كيف أمكن التغلّب عليها ومعالجة جميع تداعياتها؟

في مقام الجواب على هذا السؤال لا بدّ من القول، إنّ ما يعنيه (الدلالات) أن يتمّ استيعاب تلك الحيرة ومعالجة جميع تداعياتها هو ما يلي:

1 - إنّ هذه الحالة إنّما كانت حالة عابرة، ولم تكن حالة تتّصف بالثبات والرسوخ وعدم القابلية للمعالجة والتجاوز.
2 - إنّ هذه الحالة قد كانت حالة سطحيّة، وغير متأصّلة في الوعي الجمعي والثقافة المجتمعيّة للمجتمعات الشيعيّة آنذاك.
3 - لم تكن تلك الحالة تعبّر ـ في بعدها الفكري ـ عن مخاضٍ فكريّ معرفيّ خطير تنعدم مقوّمات مواجهته، بمقدار ما كانت تعبّر ـ في مجملها ـ عن إلحاحٍ مجتمعيٍّ على مجموعة من الإجابات والردود، التي لم تكن الظروف المحيطة آنذاك تساعد على بيانها وسهولة تقديمها.
4 - إنّها حالةٌ ترتبط بالظروف الموضوعيّة والآنيّة التي أنتجتها، ولذلك رأينا أنّه مع تبدّل تلك الظروف، والعمل بأسباب علاجها؛ فقد أمكن معالجة تلك الحالة وإزالة رواسبها.
5 - وجود إمكانيّة معرفيّة وكلاميّة أسهمت بقوّة في تلك المعالجة، وهو ما يدلّ على مدى تأثير وفاعليّة تلك المنظومة العقائديّة التي استطاعت أن تجيب على تلك التساؤلات والشبهات المطروحة، وأن تقدّم إجاباتها في هذا السياق؛ لتشبع الحاجات المعرفيّة والكلاميّة لتلك المجتمعات التي تعرّضت لحالة الحيرة ونتائجها.
6 - وجود جماعة منظّمة (أصحاب الإمام العسكري الثقاة والمستأمنون) تعتقد بتلك المعتقدات وتحمل مضامينها، لتعمل من ثمّ بقوّة وفاعليّة على نشرها وإفشائها بين الناس (عندما سمحت الظروف بذلك)، لتواجه بها جميع الأسئلة والشبهات المطروحة آنذاك.
 (وهو ما قد يشير إليه كلام أبي سهل النوبختي عن أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) من أنّ «الحسن(عليه السلام) خلّف جماعة من ثقاته، ممن يروي عنه الحلال والحرام، ويؤدّي كتب شيعته وأموالهم، ويخرجون الجوابات..»، أي إنّ أولئك الأصحاب كانوا يشكّلون جهازًا (أو أجهزة) دينيًّا ثقافيًّا فكريًّا (الحلال والحرام)، وأيضًا اجتماعيًّا تواصليًّا مع الشيعة (الكتب والجوابات)، وأيضًا ماليًّا ( اجتماعيًّا). 
7 - إنّ الاجتماع الشيعي كان يمتلك مجمل تلك العناصر التي تساعده على تخطّي تلك الأزمة، وكان يحوز على مجمل تلك الأسس التي تمكّنه من تجاوز تداعياتها.
8 - إنّ تلك الحالة  ـ في بعدها الاجتماعي ـ لم تكن تلك (الأزمة) التي دفعت الكيان الشيعي إلى حدّ الانهيار[2]، وإنّما هي عبارة عن أزمة[3] ظرفيّة آنيّة طارئة، ترتبط بجملةٍ من الظروف الموضوعيّة والمرحليّة التي أعاقت العمل على معالجتها، لكنّه عندما توفّرت تلك الظروف المساعدة، ونتيجة لوجود جميع العناصر والإمكانيات البشريّة والمعرفيّة والكلاميّة، ولذاك العمل الذي حصل والجهود التي بذلت؛ فقد أمكن تجاوز تلك الأزمة، ومعالجة تداعياتها، وإزالة رواسبها، حتى لم يبقَ منها إلا مجرّد أخبار وحكايا وأراجيف، تحتاج إلى أكثر من تحقيق وتدقيق في صحتها ودلالاتها ومعانيها.

-خلاصة القول: إنّ ممّا يستفاد من تجاوز حالة الحيرة تلك بعد عقود من الزمن، رغم أنّها شملت الكثير من النّاس دون أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) وتحديدًا ثقاته؛ هو إنّ هذه الأزمة كانت أزمة عابرة، وهي ـ رغم شدّتها ـ لم تكن تشكّل ذلك التهديد الوجودي للكيان الشيعي في بعده العقائدي أو الاجتماعي، وخصوصًا إذا ما أدركنا أنّ ذلك الكيان كان يمتلك مرتكزًا عقائديًّا إيمانيًّا قادرًا على مواجهة تلك الأزمة وتخطي تبعاتها، وأنّه كانت تتوفّر لديه منظومة من النصوص والمعتقدات الدينيّة القادرة في حال إفشائها ونشرها بين الناس على معالجة جميع تداعيات الأزمة والشبهات التي تحملها.
إنّ ما ينبغي الإلفات إليه هو أنّ الحيرة التي حصلت إنّما هي حالة ذات بعد اجتماعيّ عام، وهي نتيجة منطقيّة لحدث الغيبة؛ لكن في مقابل هذه الحيرة كان هناك جمهور أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) ـ كما عبّر الشيخ المفيد، وكان هناك جميع أصحاب الإمام العدول الثقات المستأمنين على أمره ـ كما عبّر الشيخ أبو سهل النوبختي ـ وكانت هناك منظومة من النصوص والأخبار الواردة عن أئمة أهل البيت في موضوع المهدي(عليه السلام) وغيبته ومجمل شؤونه؛ وبالتالي فقد عمل أولئك الأصحاب على الاستفادة من هذه المنظومة الروائيّة ذات الصلة لمواجهة مشكلة الحيرة وتداعيات الغيبة، ولم تمضِ عقود من الزمن حتى استطاعوا أن يستوعبوا جميع تلك التداعيات، ويعالجوا مشكلة الحيرة، بما عرضوه من أدلّة ونصوص وأخبار واردة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) قبل أكثر من قرن ونصف من السنين (أو أقل من ذلك) تحدّثت في قضيّة الولادة وملابساتها، والغيبة وما سوف يصيب النّاس من حيرة في بدئها، وسوى ذلك؛ ممّا أعاد إلى عامّة النّاس الاطمئنان، وأدّى إلى تسكين نفوسهم، وتجاوز تلك المشكلة، حتى لم يبقَ من أثرها شيء بعد عقود من الزمن[4]، إلّا بعض الحكايا عمن سلف، وأراجيف لا تثبت، كما عبّر عن ذلك الشيخ المفيد[5].

إنّ من أهمّ الأسباب والعوامل التي أدّت إلى تجاوز حالة الحيرة وساهمت في علاجها؛ تلك النصوص الدينيّة الواردة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في وجود المهدي(عليه السلام) وولادته وغيبته والحيرة التي تصيب الناس فيها..؛ وحتى لا يبقى ما نقول من دون مستند يدلّ عليه؛ سنذكر هنا بعضًا من تلك الشواهد أو الأدلّة على الدّور الأساس الذي قامت به تلك النصوص في رفع الحيرة وتجاوزها.

يذكر علي بن بابويه القمّي (ت 329هـ.ق) في كتابه (الإمامة والتبصرة من الحيرة) السبب الذي دفعه إلى جمع الأخبار من مصنّفه هذا فيقول: «رأيت كثيرًا ممّن صحّ عقده... قد أحادته الغيبة، وطال عليه الأمد حتى دخلته الوحشة.. فجمعت أخبارًا تكشف الحيرة..»[6].

أمّا النعماني (توفي حدود 360 هـ.ق) فيقول في كتابه (الغيبة) والذي ألّفه بين سنة 333هـ.ق وسنة 342هـ.ق : «أما بعد، فإنا رأينا طوائف من العصابة المنسوبة إلى التشيّع.. قد تفرّقت كلمتها، وتشعّبت مذاهبها.. فقصدت القربة إلى الله عز وجل بذكر ما جاء عن الأئمة الصادقين الطاهرين(عليهم السلام) من لدن أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى آخر من روي عنه منهم في هذه الغيبة..»[7].
ويذكر الشيخ الصدوق (306هـ.ق - 381 هـ.ق) في مقدمة كتابه (كمال الدين وتمام النعمة) سبب تأليفه للكتاب فيقول:»إنّ الذي دعاني إلى تأليف كتابي هذا: أني لما قضيت وطري من زيارة علي بن موسى الرضا(عليه السلام) رجعت إلى نيسابور، وأقمت بها، فوجدت أكثر المختلفين إليّ من الشيعة قد حيّرتهم الغيبة، ودخلَت عليهم في أمر القائم عليه السلام الشبهة، وعدلوا عن طريق التسليم إلى الآراء والمقاييس، فجعلت أبذل جهودي في إرشادهم إلى الحق وردّهم إلى الصواب بالأخبار الواردة في ذلك عن النبي والأئمة(عليهم السلام)»[8].

ثم يتحدّث الشيخ الصدوق عن شيخ من أهل الفضل والعلم والنباهة، حيث ذكر له هذا الشيخ كلامًا لواحد من كبار الفلاسفة والمنطقيين في القائم(عليه السلام) قد حيّره، وشكّكه في أمر القائم(عليه السلام) لطول غيبته؛ فيبيّن الشيخ الصدوق الطريقة التي استخدمها في معالجة الحيرة والشك لدى ذلك الشيخ، فيقول: «..فذكرت له فصولاً في إثبات كونه(عليه السلام) (أي وجوده)، ورويت له أخبارًا عن النبي والأئمة(عليهم السلام) سكنت إليها نفسه، وزال بها عن قلبه الشك والارتياب، والشبهة، وتلقّى ما سمعه من الآثار الصحيحة بالسمع والطاعة، والقبول والتسليم؛ وسألني أن أصنّف له في هذا المعنى كتابًا..»[9].

وهو ما يدلّ على أهميّة النتائج التي ترتّبت على الروايات الواردة عن النبي(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام) في علاج مشكلة الحيرة والشك. حيث كان لتلك المصنّفات التي ألّفت في تلك المرحلة للردّ على تلك الشبهات والتشكيكات، الدور الأساس في هذا السياق.
كما أنّ السؤال المطروح هنا أنّه لو ذهبنا مع مبالغات وإسقاطات وسقطات بعض الكتّاب، الذين استندوا إلى بعض النصوص ذات الصلة للذهاب بعيدًا في بيان خطورة تلك الأزمة وشدّتها؛ فهل كان ليحصل أن يتمّ تجاوز تلك الأزمة على شدّتها واتّساعها، لو لم تكن هناك مجموعة من المقوّمات الفاعلة، والعناصر المؤثّرة، وركائز القوّة العقائديّة والفكريّة والدينيّة والبشريّة التي كانت معدّة لذلك، ومذخورة لهذا الهدف؟

وهل كان ممكنًا أن تتمّ إزالة جميع رواسب تلك الأزمة وتجاوز آثارها؛ لو لم تكن المجتمعات الشيعيّة تملك من عناصر القوّة المعرفيّة والكلاميّة ما يساعدها على القيام بذلك الدور؟
إنّ مآلات الحيرة تثبت أنّ أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) العدول والثقاة المؤتمنون على الأمر، ومجمل رواة وفقهاء تلك المرحلة التاريخية؛ كانوا يملكون من الأسس، والمستندات، والدافعيّة، وجميع المقوّمات التي تؤهلهم وتساعدهم على مواجهة أزمة الحيرة، وإزالة تداعياتها، عندما تتوفّر الظروف والشروط المساعدة؛ وهذا الذي حصل بعد عقود من الزمن أو سنوات منه، حتى يمكن القول إنّ ذلك يعدّ بمثابة إنجاز كبير للمؤسّسة الدينيّة الشيعيّة (الرواة الثقاة من أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام)، والعلماء الذين أتوا بعدهم) آنذاك، ودليل على قوّتها، وتأثيرها، وفاعليّتها، وأهميّة دورها؛ أن تستطيع استيعاب جميع آثار الحيرة، وتتجاوز جميع تداعياتها خلال سنوات أو عقودٍ قليلة من الزمن.

6 - في نتائج الحيرة:
 إنّ السؤال الذي ينطوي عليه هذا العنوان يدور حول مجمل تلك النتائج التي أفضت إليها تلك الحيرة، حيث يمكن لنا أن نذكر النتائج التالية:
1 - اجتماع المجتمعات الشيعيّة على الإيمان بمعتقد واحد يتضمّن الإيمان بوجود خلف للإمام العسكري(عليه السلام) وهو الإمام المهدي(عليه السلام)، وهو وإن مرّت تلك المجتمعات باختبار معتقديّ دقيق، لكنّها اجتمعت أخيرًا على الاعتقاد بولادة محمد بن الحسن المهدي(عليه السلام)، والإيمان بوجوده، والإقرار بأنّه الإمام بعد الإمام والخلف بعد الخلف. وإن أمكن إدراج هذا العنوان في مآل الحيرة، لكنّه أيضًا ممّا أوصلت إليه، وأدّت إلى غايته.
2 - تحصين المجتمع الشيعي عقائديًّا، وتعزيز وعيه بالمهدويّة وقضاياها ومسائلها، حيث إنّ طرح مجمل تلك الشبهات والإشكاليات، وتحوّلها إلى مادّة اجتماعيّة ثقافيّة حاضرة ومطروحة، ومن ثمّ تقديم الإجابات والردود عليها؛ كل ذلك أدّى إلى تسليح المجتمعات الشيعيّة بالوعي المهدوي، وإشباعها بتلك المعرفة المهدويّة، التي استطاعت إعانتها لتجاوز أزمتها، والحيرة التي مرّت فيها.
3 - تنظيم التراث المهدوي الوارد عن النبي(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام) ، والمتمثّل في مجمل تلك النصوص الدينية التي ذكرها أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وقبلهم رسول الله(صلى الله عليه وآله) في الإمام المهدي(عليه السلام) ومجمل القضايا المهدوية، حيث عمل على العناية بشكل أفضل بذاك التراث والتصنيف فيه، وجمع الآثار وتنظيمها في مجمل مسائله، ممّا أفضى إلى تدوين العديد من الكتب في ذاك الموضوع، وتعزيز البحث العلمي والكلامي فيه[10].
4 - تنمية البعد الإيماني لدى تلك المجتمعات التي التزمت الاعتقاد بوجود الإمام، وخصوصًا بعدما حصل لديها الاطّلاع على مجمل ما ذكره أئمّة أهل البيت(عليهم السلام) قبل قرون أو عقود من الزمن عن الإمام المهدي(عليه السلام)، وخفاء مولده، وغيبته، واختبار الشيعة به، والحيرة التي تصيبهم بسبب من تلك الغيبة، لتأتي الأيام لاحقًا لتثبت بالأحداث والوقائع صحّة ما جاءت به تلك النصوص، وأخبرت به تلك الروايات، وهو ما أدّى إلى حصول انعطافة في الإيمان والاعتقاد، عندما تبيّن بالدليل الواقعي أنّ ما كانت تلك النصوص قد أخبرت به قبل سنوات طوال قد حصل بجميع تفاصيله، لينقلب الموقف إلى مزيدٍ من الإيمان والإقرار بولادة الإمام ووجوده، وصحة الاعتقاد فيه وبإمامة آبائه[11]

الخاتمة
لقد عملنا في هذا البحث على معالجة إشكاليّة الحيرة في عصر الغيبة الصغرى، والتي حصلت بعد وفاة الإمام العسكري(عليه السلام)، وذلك بهدف الإجابة على جملة من المقاربات غير العلميّة لهذه الإشكاليّة، وللردّ على أكثر من محاولة لتوظيفها بهدف إظهار بطلان المعتقد الشيعي الإثني عشري في الموضوع المهدوي، بل فيما هو أبعد لتوظيفها من ذلك من أصول، ومعتقد، وفكر وفقه، وغيره...

وهو ما استدعى منّا أن نبحث في تلك الإشكاليّة وجملة موضوعاتها ذات الصلة، حيث توصّلنا إلى جملة من الخلاصات والنتائج، والتي أمكن لنا أن نبني عليها في نقدنا لتلك المقاربات وذاك التوظيف، اللذين اكتنفهما العديد من السقطات والهنات والاختلالات المنهجيّة، التي سوف نشير إليها في هذه الخاتمة، حيث سوف نعمل من خلالها على تقديم جملةٍ من الملاحظات النقديّة، لننتقل بعدها إلى بيان جملة من الملاحظات العامّة في هذا السياق، على أن نبدأ أوّلاً ببيان أهم الخلاصات والنتائج،

أ- الخلاصات والنتائج:
يمكن القول إنّ أهم خلاصات هذا البحث هي ما يلي:
1 - إنّ مفهوم الحيرة هو بمعنى التردّد في الشيء، أي اللا موقف منه، وهو –في بحثنا- ليس بمعنى الاعتقاد بعدم وجود الإمام، فهنا لا يوجد موقف سلبي من قضيّة ولادته وإمامته، وإنّما مجرد تردّد في هذا الأمر.

2 - في المدى المجتمعي للحيرة وتحديد من شملته ومن لم تشمله؛ يمكن الحديث في مستويات ثلاثة:
المستوى الأوّل ويتّصل بعامّة النّاس، حيث يمكن القول إنّ الحيرة قد شملت كثيرًا من النّاس من دون القدرة على تحديد مقدار هذه الكثرة ونسبتها الإحصائيّة، حيث قد تكون في مقابلها كثرة أخرى لم تدخلها الحيرة، أو لربّما أكثريّة من الناس تمسّكت بإيمانها بالمهدي(عليه السلام) والاعتقاد بولادته.
المستوى الثاني ويتّصل بعموم أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام)، حيث يمكن القول إنّ معظم هولاء (جمهورهم)، كان على الإيمان بوجود الإمام المهدي(عليه السلام) وإمامته.
المستوى الثالث، ويتّصل بخصوص الثّقات والعدول من أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) المستأمنين على الأمر، وهؤلاء قد أجمعوا جميعًا وأطبقوا على الاعتقاد بوجود الإمام المهدي(عليه السلام) وولادته.

3 - في تاريخيّة الحيرة (زمنيًا) توجد فرضيّتان: الأولى، وهي وجود حيرة واحدة. والثانية، وهي وجود حيرتان.
بناءً على الفرضيّة الأولى يمكن القول إنّ بدايتها كانت في سنة 260 هـ.ق بعد وفاة الإمام العسكري(عليه السلام) مباشرة، أمّا نهايتها فكانت قبل سنة 373 هـ.ق، وبشكل أكثر دقّة قبل مرحلة الشيخ المفيد (336 هـ.ق – 413 هـ.ق) وتحديدًا رشده المعرفي،  وهذا يعني أنّها قد امتدّت لعقود قليلة من الزمن من دون القدرة على تحديد هذه المدّة بشكل دقيق.
أمّا بناءً على الفرضيّة الثانية القائلة بوجود حيرتين لا واحدة، الأولى مع بداية الغيبة الصغرى، والثانية مع بداية الغيبة الكبرى؛ فقد يصحّ القول هنا إنّ كلاً من هاتين الحيرتين قد امتدّ لسنوات قليلة من الزمن وانتهى.
هذا كلّه في بداية الحيرة ونهايتها. أمّا إن كان الكلام عن بداية انحسار الحيرة فلا شكّ أنّها سابقة على نهايتها.

4 - أمّا في أسباب الحيرة، فيمكن أن نذكر الأسباب التالية: جدة الحدث، والظروف الموضوعيّة وشدّتها، وإضرار هذه الظروف بعملية الإعداد المجتمعي لتلقّي حدث الغيبة، وسوء استفادة البعض من تلك الظروف وذاك الحدث، وعدم تحوّل تلك النصوص الدينية ذات الصلة بالغيبة والمهدوية التي وردت قبل عقود من الزمن عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) إلى ثقافة مجتمعيّة عامّة في حينها، هذا فضلاً عن أنّ طبيعة الحدث (الغيبة) تقتضي ذاك المستوى من الاختبار الإيماني، والذي يفضي (على نحو الاقتضاء) إلى تلك الحيرة، والتي تحوّلت بحكم الواقع إلى إحدى الوسائل، التي أسهمت في إرباك السلطة والعمل على حرف انتباهها عن تعقّب أمر الإمام(عليه السلام) والبحث عنه.

5 - أمّا في مآل الحيرة ودلالات هذا المآل، فإنّ الذي حصل بعد تلك السنوات أو العقود من الزمن أنّه أمكن تجاوز حالة الحيرة تلك، واستيعاب جميع آثارها وتداعياتها، فقد انقرضت جميع تلك الفرق، ولم يبق منها إلا الفرقة الإثني عشريّة، وعاد مجمل من شكّ أو تاه أو حار إلى الاعتقاد بالمهدي(عليه السلام) ووجوده وإمامته.
وهو ما يعني أنّ هذه الحالة كانت حالة عابرة غير متأصّلة في الوعي الجمعي والثقافة المجتمعيّة للمجتمعات الشيعيّة آنذاك، وهي لم تكن تعبّر عن مخاض فكريّ خطير بمقدار ما كانت تعبّر عن إلحاح مجتمعيّ على مجموعة من الإجابات والردود، التي لم تكن الظروف الموضوعيّة لتساعد على سهولة بيانها وإفشائها بين النّاس؛ وهي أيضًا لم تكن تلك الأزمة التي دفعت الاجتماع الشيعي إلى حدّ الانهيار... ـ كما يحاول أن يهوّل
البعض ـ، وإنّما هي (أزمة) ظرفيّة؛ ما إن ساعدت الظروف على علاجها حتى حصل ذلك، ما يدلّ على وجود منظومة نصوصيّة معتقديّة قادرة على مواجهة تلك (الأزمة)، وعلى وجود جماعة منظّمة عملت على مواجهتها. وهو ما يشي بأنّ الاجتماع الشيعي كان يمتلك من المقوّمات والعوامل التي مكّنته من تخطّيها، واستيعاب تداعياتها، وإزالة آثارها.

6 - وفي نتائج الحيرة يمكن القول إنّها في الوقت الذي آلت فيه الأمور إلى اجتماع المجتمعات الشيعيّة على الاعتقاد بوجود الإمام المهدي(عليه السلام) وإمامته، فقد كان من نتائج ذاك المآل تحصين المجتمعات الشيعيّة اعتقاديًّا، وتعزيز وعيها بالمهدوية، وتنمية البعد الإيماني لديها، والالتفات أكثر إلى التراث المهدوي الذي ورد عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، والعمل على تنظيمه بشكل أفضل والتصنيف فيه، ما أدّى إلى إنتاج العديد من المصنّفات ذات الأهميّة، التي تجيب على جملة من الإشكاليات المطروحة والموضوعات ذات الصلة.

ب- في نقد العديد من المقاربات غير العلميّة للحيرة:
لقد عمد أكثر من باحث إلى محاولة الاستفادة من قضيّة الحيرة تلك ـ كما من غيرها من القضايا التي تتّصل بالفكر المهدوي وغيره ـ من أجل توظيفها للقول ببطلان المعتقد الشيعي في الإمام المهدي(عليهم السلام)، بل في العديد من القضايا الدينية الأخرى.

وهذه ليست أولى تلك المحاولات، ولن تكون آخرها للتشكيك في معتقدات مدرسة
أهل البيت(عليهم السلام) أو توهينها أو تسفيهها، لكنّها محاولات تستجدي أيّ معطًى في التاريخ الشيعي، والتراث الشيعي لتبرير وإثبات أحكام ونتائج محسومة سلفًا ومبتوتة مسبقًا في ذهن من يحملها، ما حدا بتلك المقاربات أن تخرج بشكلٍ فاضحٍ عن علميّتها، وعن قواعد البحث العلمي، وأبسط الضوابط المنهجيّة التي يجب أن تراعى في هكذا أعمال. لتغدو أقرب ما تكون إلى أعمال ترويجيّة تسعى إلى إلباس غاياتها لباسًا علميًّا، من كونها أعمالاً بحثيّة رصينة تسعى إلى الحقائق العلميّة بشكل مجرّد وموضوعيّ ومنهجيّ.
ونحن هنا لا نمارس اتّهامًا لا يقوم على الدليل ـ بل الأدلّة، إذ وإن كان من طبيعة البحث العلمي أن يقع في هفوات وهنات وسقطات علميّة ومنهجيّة، لكن أن يمتلئ البحث من أوّله إلى آخره بهذا الكمّ الهائل من تلك الهفوات، والهنات، والاختلالات المنهجيّة، والأخطاء العلميّة، وأن يمارس انتقائيّة فجّة، ومزاجية معرفيّة، وأكثر من إسقاط علميّ وانفصام منهجيّ... فقط فقط للترويج لتلك الفكرة التي يحملها الكاتب، ويسعى إلى إظهارها بشكلٍ علميٍّ؛ فهذا ممّا يخرج تلك الأعمال عن علميّتها وقيمتها العلميّة ورصانتها المعرفيّة، ويلحقها بمصافٍ أخرى...

هذا وسوف يستكشف القارئ في مطاوي الصفحات اللاحقة صحّة ما نقول، وأنّنا لا نبالغ فيما نطرح. مع أنّه آلينا على أنفسنا ألّا نتوسّع كثيرًا في مطالعتنا النقديّة هذه، وأن نقتصر على أهمّ الموضوعات التي تتّصل بإشكاليّة الحيرة تلك.

وبناءً عليه سوف نعرض في الصفحات التالية لأهمّ الملاحظات النقديّة على جملةٍ من تلك المقاربات للعديد من أولئك الكتّاب في الحيرة وموضوعاتها، وجملة من القضايا التي تتّصل بها، وهي:

1 - لم يستوعب هؤلاء الكتّاب في بحوثهم[12] مجمل أبعاد هذه القضيّة، والتي تشمل أسبابها، وظروفها التاريخيّة، ونتائجها ومآلاتها، ودلالات تلك المآلات... ولذلك أتت معالجتهم لقضيّة الحيرة معالجة مبتورة وناقصة ومجتزأة. ومن الواضح أنّ المعالجة النّاقصة لا يمكن أن يُبنى عليها نتائج صحيحة علميًّا، ودقيقة في الاستنتاج.
إنّ إهمال العديد من الموضوعات التي تتّصل جوهريًّا بإشكاليّة الحيرة، يدلّ على أنّ هذا البحث ـ أو ذاك ـ  أريد بناءه واختيار موضوعاته بطريقةٍ تخدم أفكارًا مسبقةً وفرضيّاتٍ محسومةً، من ثم ليأتي البحث مستجيبًا لإثبات تلك الأفكار وتبرير تلك الفرضيّات.
وهو ما يحيل هذا البحث من بحث علميّ مجرّد إلى بحثٍ تبريريّ مؤدلجٍ، يسعى إلى غاياتٍ مرسومةٍ سلفًا لدى كاتبه.
2 - لم يُعمل على إشباع بعض موضوعات القضيّة ما تحتاجه من بحث وتحليل، مع أنّها يتوقّف عليها مجمل النتائج والخلاصات التي تتّصل بالموضوع.
فمثلًا حدود الحيرة في الاجتماع الشيعي، ومن شملته، ومن لم تشمله، ومدياتها الزمنيّة، في بداياتها ونهاياتها...؛ فهنا لم نجد بحثًا في هذه الموضوعات، ولا تحقيقًا في مجمل تلك النصوص التي تحدّثت فيها، وإنّما لاحظنا قفزًا عن تلك الموضوعات وتجاهلاً لنصوصها، واقتصارًا على نصّ أو آخر ينسجم مع ما يروم الكاتب أن يصل إليه في بحثه[13].
3 - عدم استقصاء جميع المصادر وما حوته من نصوص في هذا الموضوع أو ذاك، وهو ما أدّى إلى النقص في الفهم، والخطأ في الاستنتاج.
ومثالنا على ذلك اعتماد بعض أولئك[14] على نصّ القمي في كتابه (المقالات والفرق) للوصول إلى النتيجة التالية: «قد كان موقف أتباع العسكري(عليه السلام) قاطعًا بعدم وجود ولد للعسكريّ يخلفه..»[15]؛ وتجاهله ما ذُكر في كتاب (الفصول المختارة)، وما ذكره الشيخ المفيد في كتابه (الإرشاد)، من أنّ أصحاب الإمام العسكري كانوا على الاعتقاد بولادة الإمام المهدي(عليه السلام)، وقبله ما ذكره الشيخ أبو سهل النوبختي في كتابه (التنبيه في الإمامة) من أنّ جميع أصحاب الإمام العسكري قد اجمعوا جميعًا على وجود الخلف للإمام العسكري(عليه السلام).

فهل يصحّ الوصول إلى هذا القطع من دون العودة إلى تلك المصادر ذات الصلة بهذه القضية؟ وهل يصحّ الاكتفاء بذاك النصّ ومصدره للوصول إلى بناءات هائلة ونتائج كبيرة على المستوى الديني والفكري وغيرهما؟

وكيف يصل إلى تلك النتيجة متجاوزًا ما ذكره الشيخ أبو سهل النوبختي في كتابه (التنبيه في الإمامة) من أنّ أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) الثقاة: «قد أجمعوا جميعًا على أنّه قد خلّف ولدًا..»[16]؟
وكيف يصل إلى تلك النتيجة مهملاً ما ذكره الشيخ المفيد في كتابه (الإرشاد) من أنّ جعفر (أخ الإمام العسكري(عليه السلام)) قد أخذ موقفًا سلبيًّا من أصحاب أخيه الإمام العسكري(عليه السلام)لاعتقادهم بوجود ولدٍ له، وقولهم بإمامته «وتولّى جعفر بن علي أخو أبي محمد عليه السلام أخذ تركته.. وشنع على أصحابه بانتظارهم ولده، وقطعهم بوجوده، والقول بإمامته..»[17]؟
وكيف يصل إلى تلك النتيجة متجاهلاً ما ذكره الشيخ المفيد في (الفصول المختارة) من أنّ جمهور أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) كان على الاعتقاد بوجود الخلف له: «فقال الجمهور منهم بإمامة ابنه القائم المنتنظر(عليه السلام) وأثبتوا ولادته، وصحّحوا النص عليه، وقالوا هو سمي رسول الله صلى الله عليه وآله ومهدي الأنام، واعتقدوا أنّ له غيبتين إحداهما أطول من الأخرى، والأولى منهما هي القصرى، وله فيها الأبواب والسفراء، ورووا عن جماعة من شيوخهم وثقاتهم أنّ أبا محمد الحسن عليه السلام أظهره لهم وأراهم شخصه... وقالوا: إنّ صاحب الأمر(عليه السلام) حي لم يمت ولا يموت ولو بقي ألف عام، حتى يملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً ..»[18]، حاكيًا ذلك عن أبي محمد الحسن بن موسى النوبختي؟
4 - اجتزاء النصوص: فهو عندما يتعامل مع نصّ يقتبسه، فإنّه يقتطع منه ما يساعد على إثبات النتيجة التي يريد الوصول إليها، ويتغافل عن تلك الأجزاء من النصّ نفسه التي لا تخدم تلك النتيجة.
ومثالنا على ذلك ما ذُكر في  النقطة السابقة من أنّه يعتمد على نصّ القمي ليصل إلى أنّه «كان موقف أتباع العسكري قاطعًا بعدم وجود ولد للعسكري ليخلفه... »؛ متجاوزًا في النصّ نفسه ما ذكره القمّي عن تلك الفئة من أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) التي كانت على هذا الاعتقاد بأنّه «لله في أرضه بعد مضي الحسن بن علي حجةً على عباده، وخليفةً في أرضه، قائمٌ بأمره من ولد الحسن بن علي... ولا يجوز أن تخلو الأرض من حجة من عقب الإمام الماضي قبله...»[19]؛ فكيف يصل الكاتب إلى هذه النتيجة، مع أنّ القمي نفسه يتحدّث في النص نفسه وبإسهاب عن أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) هؤلاء الذين كانوا على الإيمان، وعلى يقين (موقنون مؤمنون) بوجود خلف للعسكري(عليه السلام) يخلفه.

ومثالنا الآخر- والذي هو مثال فاضح وعجيب في آن- ما فعله كاتب (الشيعة الإمامية بين النص والتاريخ) لدى اقتباسه من كتاب (مقالات الإسلاميين) لأبي الحسن الأشعري، فيقول في كتابه ذاك (ص412): «ويذكر الأشعري، الذي عاصر تلك المرحلة، معتقد الإماميّة بإيجاز شديد ويعدّهم من ضمن أربع وعشرين فرقة من الإمامية»، ثم لينسب إلى أبي الحسن الأشعري قوله: «قطعوا على موت موسى بن جعفر، ويؤمنون بالإمام الثاني عشر وهو الغائب المنتظر الذي يدّعون أنّه يظهر فيملأ الأرض عدلاً بعدما ملئت ظلمًا وجورًا»؛ لكن عندما عدنا إلى كتاب أبي الحسن الأشعري (مقالات الإسلاميين) وجدنا أكثر من اختلاف بين النص الذي نسبه الكاتب إلى أبي الحسن الأشعري، وبين النص الموجود فعلاً في كتاب الأشعري (مقالات الإسلاميين)، وهذا هو النص: «... قطعوا على موت موسى بن جعفر بن محمد بن علي، وهم جمهور الشيعة، يزعمون أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) نصّ على إمامة علي بن أبي طالب، واستخلفه بعده بعينه واسمه، وأنّ عليًا نصّ على إمامة ابنه الحسن بن علي، وأنّ الحسن بن علي نصّ على إمامة أخيه الحسين بن علي، وأنّ الحسين بن علي نصّ على إمامة ابنه علي بن الحسين، وأنّ على بن الحسين نصّ على إمامة ابنه محمد بن علي، وأنّ محمد بن علي نصّ على إمامة ابنه جعفر بن محمد، وأنّ جعفر بن محمد نصّ على إمامة ابنه موسى بن جعفر، وأنّ موسى بن جعفر نصّ على إمامة ابنه علي بن موسى، وأنّ علي بن موسى نصّ على إمامة ابنه محمد بن علي بن موسى، وأنّ محمد بن علي بن موسى نصّ على إمامة ابنه علي بن محمد بن علي بن موسى، وأن علي بن محمد بن علي بن موسى نصّ على إمامة ابنه الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى، وهو الذي كان بسامراء، وأنّ الحسن بن علي نصّ على إمامة ابنه محمد بن الحسن بن علي، وهو الغائب المنتظر عندهم الذي يدعون أنه يظهر فيملأ الأرض عدلاً بعد أن ملئت ظلمًا وجورًا»[20]...

هنا لن أتحدّث عن أيّ أمر آخر ـ الدقّة في النّقل، والأمانة العلميّة..، لكن سوف اقتصر على تغييبه لعبارة الأشعري التالية «وهم جمهور الشيعة»، أي إنّ جمهور الشيعة يؤمن بالغائب المنتظر محمد بن الحسن؛ لكن نجد أنّ الكاتب يطمس هذه العبارة، ويغيّبها من النّص بطريقة مضلّلة للقارئ، ولا يحاول بالتالي أن يبني عليها ـ كما على نصوص مماثلة في مصادر أخرى ـ أيّة نتائج؛ ويبقى يردّد في كتابه لازمة أن أتباع الإمام العسكري(عليه السلام) قطعوا بعدم وجود ولدٍ لديه، وغيرها من نتائجه التي لا تدعمها أبدًا ـ بل تخالفها ـ تلك النصوص التي اجتزأها وطمسها وأقصاها من كتابه.

وسوف نقتصر هنا على هذه النصوص لنطرح هذا السؤال أنّه هل يجوز لباحث (علمي) أن يمارس هذه الاستنسابية، فيختار بعض المصادر ويهمل أخرى، أو ينتقي بعض النصوص ويتجاهل أخرى، فيجتزئ النص ليقدّم له تفسيرًا خاطئًا، ويتعسّف في تأويله، أو يقفز عن الكثير من النصوص التي لا تنسجم مع ما يروم الوصول إليه من نتيجة، فقط وفقط لاجترار بعض المقولات التي يسعى البعض إلى تردادها لانتقاص هذا المعتقد، أو التشكيك في غيره؟

5 - التعسّف في تفسير النصوص المقتبسة، وممارسة الإسقاط المعرفي عليها. فمثلاً عندما يبحث الكاتب في سمات المرحلة التي تلت وفاة الإمام العسكري(عليه السلام)، وتحت عنوان «كثرة الروايات المتضاربة الموقعة في الحيرة»؛ يحاول أن يستعين بنصٍّ لابن بابويه القمي يقول فيه «ورأيت كثيرًا...قد أحادته الغيبة، و طال عليه الأمد حتى دخلته الوحشة، وأنكرته الأخبار المختلفة، والآثار الواردة..فلأجل الحاجة إلى الغيبة اتّسعت الأخبار، ولمعاني التقية والمدافعة عن الأنفس اختلفت الروايات...»[21]، ليستفيد من ذلك أنّ الروايات في ذلك الزمان خارجة عن الضبط «لجهة كثرتها الخارجة عن الضبط»؛ مع أن ما يستفاد من ذلك النص هو أنّ الروايات ـ ولأسباب متعدّدة ـ يحصل نوع من التعارض فيما بينها، «..اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها..»[22] (كما جاء في كلام الكليني)، وهو أمر معروف منذ بدايات التداول في الروايات، وهو البحث المعروف في علم الأصول (أصول الفقه) بمبحث التعارض، حيث تُعتمد قواعد ووسائل متعدّدة لعلاج ذلك التعارض، وهي قواعد معروفة لدى العلماء والفقهاء قديمًا وحديثًا.
وعليه، ما يريد القمّي الإلفات إليه، هو أنّ تلك الأخبار المختلفة عندما يتم تداولها من دون العودة فيها إلى العلماء بها والفقهاء بحلّ تعارضها؛ فإنّها تؤدّي إلى إيجاد حالة من الإرباك، أو تعزيز تلك الحيرة في هذا الموضع أو ذاك. أمّا إن عادوا فيها إلى أهل العلم بها، «.. من تذاكره وتفاوضه ممن تثق بعلمه فيها...» (كما جاء في كلام الكليني)؛ فإنهم يحلّون ذلك التعارض، ويعالجون ذلك الاختلاف.

وهو نصٌ لا يستفاد منه على الإطلاق أن الروايات في ذلك الزمن خارجة عن الضبط؛ لأنّ هذا التعارض بين الأخبار كان قبل ذلك الزمن، وما زال موجودًا إلى الآن، رغم أنّ الرواية الآن ـ وقبل الآن ـ ليست خارجة عن الضبط. فوجود التّعارض والاختلاف بين الأخبار (لعلله وأسبابه) شيء، وأن تكون الروايات خارجة عن الضبط ولا يمكن ضبطها شيء آخر. فمحاولة الاستفادة من حالة التعارض لإثبات فكرة ينظّر لها الكاتب، ويحاول إسقاطها بشكل تعسّفيّ على النصوص المقتبسة؛ تحيل العديد أو الكثير من معالجات ذلك الكتاب ونتائجه إلى إسقاطات فكريّة، تفتقر إلى سندها العلمي وشواهدها المعرفيّة.

مثال آخر على ما ذكرنا هو ما استفاده الكاتب من نص الكليني في أصول الكافي، والذي يقول فيه: «وذكرت أنّ أمورًا قد أشكلت عليك، لا تعرف حقائقها لاختلاف الرواية فيها، وأنّك تعلم أن اختلاف الرواية فيها لاختلاف عللها وأسبابها، وأنّك تجد بحضرتك من تذاكره وتفاوضه ممن تثق بعلمه فيها...»[23].

فهنا يتحدّث الكليني عن المشكلة نفسها في سياق بيانه لمبرّرات تسطيره لكتابه، وأنّه لم يكن في ذلك الزمن من سهولة في التواصل مع العلماء والفقهاء، الذين يوثق بعلمهم ـ بخلاف ما هو موجود في عصرنا وزماننا هذا- وخاصّة بسبب بُعد المسافات، وعدم توفّر وسائط التواصل التي تقرّب علينا البعيد، وتسهّل لنا الشديد، «.. لا تجد بحضرتك من تذاكره وتفاوضه ممن تثق بعلمه فيها..،» وذلك بهدف حلّ الاختلاف والتعارض بين الأخبار.
ثم لنجد أنّ الكاتب يستفيض في استنتاج أمور لا علاقة لها بهذا النص على الإطلاق، منها: عدم إمكان معرفة حقائق الأمور، وعدم الثقة بالرواة في أخذ معالم الدين، وانتشار الروايات بطريقة فوضويّة، وغياب معيار لتمييز الصحيح من الفاسد منها؛ مع أنّ نصّ الكليني وغيره يستفاد منه خلاف هذه الأمور التي يذكرها؛ لأنّه لو لم تكن معرفة الحقائق ممكنة في ذلك الزمن، فكيف استطاع الكليني تسطير كتابه (الكافي)؟ ولو لم تكن هناك ثقة بالرواة في أخذ معالم الدين؛ فكيف أمكن له أن يجمع تلك الروايات من الرواة (حدود ستة عشر ألف رواية من ثلاثمئة ألف رواية)، وأن يدوّنها في كتابه؟ أليس هذا دليل ثقة بأولئك الرواة؟. ولو كانت الروايات قد انتشرت بطريقةٍ فوضويّةٍ خارجة عن الضبط، مع غياب المعيار لتمييز الصحيح من الفاسد فيها؛ فكيف أمكن للكليني أن يضبط الرواية ويصنّف كتابه؟ وعلى أيّ أساس عمل على اختيار حوالي 16 ألف رواية من حوالي 300 ألف رواية؟، ألم يكن هذا الاختيار مبنيًّا على معايير للتمييز؟ ألم يكن هذا التصنيف قائمًا على اعتماد عدة نقد روائيّة مكّنت الكليني من اختيار حوالي 5% من حوالي 300 ألف رواية آنذاك؟ أليس اختيار 16 ألف رواية من 300 ألف رواية دليلاً واضحًا على أنّ اختيار الرواية كان يخضع لعملية نقد دقيقة، ولموازين علميّة حادّة، ولعمل معرفيّ غاية في الدقّة والإتقان، أدّى إلى إخراج حوالي مئتين وأربع وثمانين ألف رواية في عمليّة النقد والتدقيق تلك؟

فهل يصحّ أن يذكر الكاتب هذه المعلومة قبل حوالي 5 صفحات في كتابه (ص402)، ثم ليعمل على تناسيها وتجاوزها، ومحاولة إلصاق استنتاجاته الخاطئة بنص الكليني بعدها؟

ومن إسقاطاته التي مارس فيها مغالاة كبيرة في التعسّف؛ تأويله لنص القمي حول الفرقة الإماميّة، حيث يفسّر (أو يستنتج من) تعبير القمي عن الإمام بأنّه «مستتر، خائف، مغمور، مأمور بذلك، حتى يأذن الله عزّ وجلّ له فيظهر ويعلن أمره، كظهور من مضى من قبله من آبائه» أنّه؛ «يعني أنّ مدّة احتجابه قصيرة... وسيظهر قريبًا مثلما ظهر آباؤه وظهر النبي بعد غيبة قصيرة»[24]،  مع أنّ القمي يشبّه أصل ظهور الإمام المهدي(عليه السلام) بظهور من مضى من آبائه، حيث لا علاقة لهذا التعبير من قريب أو بعيد بمدّة الاحتجاب ومدى الغيبة؛ فمن أين أتى الكاتب بهذا الفهم؟ مع أنّ نصّ القمّي واضح في أنّه يجري المشابهة في الظهور لا في الغيبة، فضلاً عن محدّدات تلك الغيبة ومدّتها.

ثم يذهب الكاتب إلى أنّ القمّي «لم يذكر.. مصطلح الغيبة»[25]، مع أنّ الكاتب نفسه وقبل صفحة واحدة (ص368) ينقل نصّ القمي الذي أتى على ذكر مادة الغيبة مرتين، حيث يقول القمّي في معرض حديثه عن الإمام المهدي(عليه السلام): «فستره الله عليهم وغيّبه عنهم»، و«إذ هو عليه السلام غائب..»؛ فهل من الضروري أن يستخدم صيغة (الغيبة) حتى نقول إنّه تعرّض لها، أم يكفي أن يستخدم أيًّا من صيغها، حتى نقول إنّه وقع الحديث عنها؟

والأعجب من ذلك أنّ الكاتب وبعد أن ينقل عبارة القمي لدى حديثه عن الإمام(عليه السلام) بأنّه «لا يكون إلّا في عقب الحسن بن علي بن محمد إلى فناء الخلق وانقطاع أمر الله ونهيه ورفعه التكليف عن عباده، متّصل ذلك ما اتّصلت أمور الله، ولو كان في الأرض رجلان كان أحدهما الحجة»؛ يقول بأنّ ذلك «يدلّ بوضوح على استمرار سلسلة الأئمة إلى ما لا نهاية إلى يوم القيامة»[26]، وقد سبق كلامه هذا كلام آخر مفاده أنّه «كان واضحًا في ذهن الأشعري أنّ الإمام الثاني عشر ليس الإمام المهدي أو قائم آل محمد الموكل إليه إقامة القسط والعدل في الأرض..»[27].

 والجواب أنّ ما يفهم من كلام الأشعري (القمي) هو أنّ الأرض لا تخلو من حجة، وأنّه من عقب الحسن بن علي..؛ أما أن يكون هذا الحجة تعبيرًا عن سلسلة الأئمة إلى ما لا نهاية، فهذا لا يفهم من كلام القمي، وهو تحميل للنصّ ما لا يحتمله.

 وكذلك نفي الكاتب أن يكون الإمام الثاني عشر هو الإمام المهدي(عليه السلام)، ونسبته ذلك إلى القمي، فهو أيضًا لا يفهم من ذلك النص؛ لأنّ القمّي ينتمي إلى المعتقد الإمامي[28] الذي يعتقد أنّ الأئمة اثنا عشر إمامًا، وأنّ الإمام الثاني عشر هو الإمام محمد بن الحسن المهدي(عليه السلام)، الذي يملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا.
 بل يمكن القول إنّ ما يفهم من ذلك النص خلاف ما ذهب إليه الكاتب، حيث يبدو أنّ الكاتب الموقر لم يلتفت إلى ما ذكره القمي لدى حديثه عن الفرقة الإماميّة ومعتقدها في ابن الحسن وخلفه، حيث قال: «... رُويت الأخبار الكثيرة الصحيحة: أنّ القائم تخفى على الناس ولادته...»[29]،أي إنّ القمي قد صرّح بذكر (القائم)، والمراد به قائم آل محمد الموكل إليه إقامة العدل والقسط في الأرض وعليه كان حريًّا بالكاتب أن يتروّى في قراءته للنص، وأن يتمهّل في تفسيره، حتى يتجنّب الوقوع في مثل هذه الأخطاء بل الهنات، التي أظهرت كثرتها ضعفًا واضحًا في التعامل مع تلك المصادر، وخللاً بيّنًا في فهم نصوصها؛ هذا مع الالتفات إلى أنّ نصّ القمّي كان هادفًا بشكل أساس إلى إثبات ضرورة وجود حجة غائب لا تخلو منه الأرض من عقب الحسن بن علي...، ولم يكن بصدد البحث في جملة من القضايا التي تعدّ من واضحات المعتقد الإمامي.

وبناءً على ما ذُكر، يمكن القول إنّ ما يريد القمي بيانه هو أنّ الحجة لا تنقطع إلى فناء الخلق، لكن ما قصده بذلك ليس ما ذهب إليه الكاتب، بل إنّ ما يفهم من كلامه هو أنّ الحجّة هو فقط الإمام محمد بن الحسن المهدي(عليه السلام)؛ لأنّك إن أردت أن تفهم النصّ بشكل صحيح، فيجب أن تفهمه من خلال معتقد كاتبه وثقافته (أي القمي نفسه)، وليس من خلال أفكار قارئ النصّ وأيديولوجيته الخاصّة، ومُسبقاته التي يسعى إلى إسقاطها.
إنّ ما تقدّم وغيره يؤكّد أنّ الكاتب لديه أفكار مسبقة وجاهزة سلفًا يعمل على تبريرها، وأنّه مارس التعسّف في تطويع النصوص، وأنّه تمادى في قمع دلالتها، واجتزائها، وتجاوز بعضها، وإهمال ترتيب النتائج على جملة منها، فقط من أجل ممارسة أكثر من إسقاط أيديولوجي لديه.

وقد ذكرنا هذه الأمثلة لتكون بمثابة نماذج لبقيّة الاستنتاجات التي عمل على تسطيرها في كتابه، محاولاً تجميع الشواهد عليها. وهو ما يعني أنّ مجمل ما سطّره الكاتب واستنتجه يحتاج إلى الكثير من التدقيق العلمي، والتمعّن في صحّته، فضلاً عن فحص تفسيره للنصوص ودلالتها.
6 - التبريريّة في معالجته لموضوع بحثه، بمعنى أنّه كان يسعى من أوّل بحثه إلى آخره إلى تبرير فكرة سوداويّة وجدّ سلبية عن الفكر الشيعي، والرواية الشيعيّة، وعن جميع ما يتّصل بالتشيّع من معتقد، وتاريخ، واجتماع.. لذلك تراه دائمًا ينحو إلى هذا المنحى السلبيّ في فهمه وتفسيره للنصوص والأحداث.

فعندما تناول موضوع الحيرة عمل بكلّ جهدٍ على تقديم صورة جدّ سوداويّة لهذا الحدث، فحشد بعضًا من النصوص والمصادر التي قد تخدم تظهير هذه الصورة، وأهمل ما سواها، وعمل على تأويل دلالة تلك النصوص وتوجيه تفسيرها بما يخدم بناء ذلك الفهم الذي يريد. كما لم يبحث في مآل حالة الحيرة، ولا في النجاح في تجاوزها بعد عقود من الزمن، ولا في دلالات هذا النجاح، ولا في نتائجه، ولا في تماسك أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) من بعده، واجتماعهم على الاعتقاد بوجود خلف له، وسعيهم إلى مواجهة حالة الحيرة تلك، ونجاحهم في ذلك.

إنّ التشديد على حالة الحيرة ودلالات حصولها، وإهمال القدرة على تجاوزها والنجاح في استيعاب جميع أو مجمل آثارها، ونتائج ودلالات هذا النجاح؛ كل ذلك يشي باللا موضوعيّة، وبشيءٍ من النمطيّة، وكثير من السوداويّة والسلبيّة في مقاربة مجمل ما يتّصل بالتشيّع من فكر، وتاريخ، ونص، ومعتقد، وسوى ذلك. وهو ما ساهم في دفع الكاتب إلى التغافل عن مجمل تلك الأبعاد التي قد توصف بالإيجابيّة في قضيّة الحيرة وغيرها.

 إنّ الكاتب في قراءته السوداوية تلك كان يعبّر عن نظرته إلى ذاك التاريخ وما اكتنفه من أبعادٍ دينيةٍ وكلاميّةٍ واجتماعيّةٍ وغيرها، ولم يكن يعبّر عن التاريخ كما كان في الواقع. لقد استخدم الكاتب التاريخ ليتّخذ منه منصّةً لينطق بما لديه هو، ولم يعمل على توفير الشروط العلميّة والمنهجيّة التي تدفع التاريخ إلى النطق بما لديه. فهو لم يعمل على استنطاق التاريخ، وإنّما أراد النطق به. التاريخ هنا يصبح مجرّد أداة للنّطق بما لدى الكاتب، ووسيلة له ليُفضي بما لديه. هنا تستطيع أن تقرأ الكاتب في بحثه أكثر مما تقرأ التاريخ في واقعه.
 ومن الطبيعي للبحث الذي يكون محكومًا بكثير من التبرير والانتقائيّة وغيرها من الاختلالات المنهجيّة؛ أن يؤدّي إلى الوقوع في كثير من السقطات، والهنات، والأخطاء في معالجة البحث والاستنتاج منه، والخلاصات التي يفضي إليها، وهو ما حصل لكاتبنا العزيز.

7 - الديني والمجتمعي وانتقائيّة منهجيّة: في أكثر من موضع من كتابه نجد أنّ الكاتب ينتقل من أكثر من معطى مجتمعي ليثبت معطى ديني، من قبيل أنّه إذا حصل اختلاف في مجتمع ما حول أمرٍ ديني ما، فإنّه يتّخذ من هذا الاختلاف دليلاً على عدم وجود النص من دون أن يبحث في فرضيّات أخرى؛ من قبيل أنّ النّص موجود ولكن حصل الاختلاف لدوافع ودواعٍ أخرى غير دينيّة، أو أنّ النّص موجود، ولكن حصل الاختلاف؛ لأنّ ظروفًا موضوعيّة لم تسمح بإفشاء النّص، وبيان مضامينه بالمستوى المطلوب، أو ربّما للأمرين معًا....
ولذلك توجد فرضيات أخرى في تفسير الاختلاف وأسبابه لا بُدّ من الوقوف عندها، تحيل الاختلاف إلى سبب غير صحي (البغي)، وليس إلى فقد النص، حيث نجد أنّ القرآن الكريم يعزو سبب الاختلاف في بعض الموارد إلى تلك الدوافع غير الدينيّة، ( إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّـهِ الْإِسْلَامُ ۗ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ۗ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّـهِ فَإِنَّ اللَّـهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ)[30].

 وفي موضوعنا نجد أنّ المصادر المختلفة تتحدّث عن وجود النص على الإمام المهدي(عليه السلام)، وعن وجود كثرة من الروايات حول مجمل ما يتّصل بالإمام ومختلف القضايا ذات الصّلة، وعن أن أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) ـ جميعهم أو أكثرهم ـ كانوا على الاعتقاد بالنص...؛ لكن تجد أنّ الكاتب يتجاوز مجمل تلك المصادر، ويتغافل عن نصوصها، ويتمسّك من دون تدقيق أو تحقيق علميين بنص القمي فقط، ويفسّره كما يرغب من دون البحث في مفاهيمه الأساسيّة، لينتقل بشكلٍ غير منهجيٍّ ـ من ما تضمّنه ذلك النص من حديث حول افتراق أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) بعد وفاته ـ إلى النتيجة التالية؛ بأنّ ذلك: «يدلّ...على عدم وجود إجراءات داخل الجماعة الشيعيّة، أو ضابطة مرجعيّة من نص، أو تعميم من الإمام، أو فهم راسخ بين الأتباع، أو طبقة محترفين لإدارة شؤون المقدس...»(ص359).

فالسؤال الذي يجب طرحه أنّه هل مجرّد حصول الاختلاف دليل على عدم وجود النص؟ أو على عدم وجود الدليل والبرهان والمعجزة و...؟
هل الاختلاف الذي حصل حول نبوّة محمد(صلى الله عليه وآله) دليل على عدم نبوّته؟ وهل الافتراق الذي حصل حوله برهان على عدم وجود المعجزة لديه؟ وهل الاختلاف الذي حصل حول نبوّة جميع الأنبياء دليل على بطلان نبوتهم ومعاجزهم؟ وهل الاختلافات التي حصلت وتحصل في التاريخ والماضي والحاضر دليل على عدم وجود ضابطة مرجعيّة لدى من يختلفون؟
من الغريب أن يقع الكاتب في هذا الخلل والخطأ المنهجي، وأن يتّخذ من المجتمعي مستندًا لإثبات الديني، وأي ديني؟ الديني الذي ينتقيه هو، ويكون محسومًا سلفًا لديه. وإلا لو كان المجتمعي دليلاً على وجود الديني، لماذا لم يعمد إلى الاستناد على ما ذكره الشيخ المفيد أو أبو سهل النوبختي حول اجتماع أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) ـ جميعهم أو أكثرهم ـ على وجود الخلف، وإمامته من بعده؛ دليلاً على وجود النص؟ لماذا لم يعتمد على أنّ الثقاة العدول المستأمنين على الأمر من أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) قد اجتمعوا على وجود ولد له هو محمد بن الحسن المهدي(عليه السلام)؛ دليلاً على وجود النصّ؟ ولماذا لم يستند إلى النجاح في تجاوز تلك الأزمة بعد سنوات أو عقود من الزمن ليستنتج بأنّ هذا دليل على وجود النص؟ لماذا ينتقل من المجتمعي إلى الديني في واقعة –من دون التحقيق العلمي فيها أو التدقيق التاريخي في صحّتها ومجمل ما يتّصل بها- ولا يقوم بذلك في وقائع أخرى؟ لماذا يُعمل منهجيّته في مورد يشتهيه، ولا يعمل هذه المنهجيّة في موارد أخرى تخالف ما يبغي الوصول إليه؟ لماذا هذه الانتقائيّة المنهجيّة في بحث يقدّمه كاتبه على أنّه عمل علميّ يمارس فيه منهجيّته بموضوعيّة وتجرّد، وهو في واقع الحال يمارس فيه انتقائيّة تعسّفيّة يمكن تلمّسها في موارد كثيرة في الكتاب؟ هذا وقد اقتصرنا هنا على مورد الحيرة لعلاقته ببحثنا هذا، وإلا فإنّه توجد موارد أخرى كثيرة أعرضنا عن ذكرها هنا.

8 - الهجوم على الرواية[31] والتهافت المنهجي: يتّخذ الكاتب موقفًا حادًا من الرواية الشيعيّة، ويرى فيها منتجًا من منتجات المزاج الاجتماعي[32]، وصناعة شعبيّة[33]، وأنّها «صناعة اجتماعيّة وسياسيّة غرضها تثبيت معتقد خاص اعتنقته جماعة خاصّة... ونزلتها منزلة الثابت الديني»[34]، و«هذا يجعل الرواية في سياقاتها التاريخية نتاجًا اجتماعيًّا..»[35]...
إذًا، الرواية ـ بحسب ادّعائه ـ ليست معطًى دينيًّا، وإنّما هي نتاج اجتماعيّ تقوم الجماعة الخاصّة بصناعته وتنزيله منزلةً دينيّةً.
والسؤال الذي يطرح نفسه أنّ الكاتب هل ساق ادّعاءه هذا على نحو الموجبة الجزئيّة (بعض الروايات صناعة اجتماعيّة)، أم على نحو الموجبة الكليّة (كلّ رواية صناعة اجتماعية)؟
يبدو من ظاهر كلامه أنّه يقصد الثانية، أي هو يريد أن يقول إنّ كلّ رواية هي صناعة اجتماعية، وأنّه لا توجد رواية تمثّل معطًى دينيًّا.

وبالتالي لا بدّ من ذكر هذه الملاحظات:
أوّلاً: إنّ هذا يتطلّب أن يقوم الكاتب بدراسة كلّ رواية على حدة لإثبات مدّعاه، أي إنّ عليه أن يدرس مئات آلاف الروايات (كما فعل الكليني وغيره)، وأن يستقرىء الروايات رواية رواية للوصول إلى تلك النتيجة، وإلّا فإنّ مجرّد إطلاق هذه الدعوى لا يعتبر برهانًا عليها، وسوف يبقى كلامه مجرد دعوى تفتقر إلى الدليل والإثبات.
ثانيًا: كيف يفسّر الكاتب ما قام به الكليني (أو غيره) من عمل امتدّ إلى حوالي عشرين عامًا، وهو يجمع الروايات ويدقّق فيها ويميّز بينها، ويفرّق بين صحيحها وسقيمها، حتى اختار حوالي 16 ألف رواية من 300 ألف رواية؟ ألا يدلّ ذلك على وجود روايات صحيحة ليست نتاج المزاج الاجتماعي، وليست صناعة اجتماعية؟ ألا يدلّ ذلك على أنّ قسمًا من الروايات التي وصلت إلينا هي في نظر كبار علماء الحديث وبناءً على دراساتهم العلميّة؛ تمثّل معطًى دينيًّا، وليس منتجًا اجتماعيًا؟
ثالثًا: إذا كانت الرواية ـ كما قال الكاتب ـ صناعة اجتماعيّة، فما الذي حدا به إلى الاستعانة بهذه الرواية في موارد كثيرة من كتابه للاستدلال على ما يسعى إلى إثباته، حتى ذكر أربع روايات في صفحتين (408-409)، والخامسة في ما يليهما (ص411)، حيث من الواضح أنّه أراد أن يستفيد من هذه الروايات للتدليل على فكرة أو أخرى لديه.

والسؤال الذي يطرح نفسه هو: كيف يطرح الكاتب حكمًا ثم يخالفه بعد صفحات؟ كيف يحكم على الرواية أنّها صناعة اجتماعيّة ثم يسعى إلى الاستعانة بها والاستفادة منها؟ هل يصحّ أن تكون الرواية منتجًا اجتماعيًّا عندما تخالف معتقد الكاتب وخلفياته، ثم تستحيل إلى دليل يستند عليه عندما توافق أفكاره وقناعاته؟ ألا يعدّ هذا نوعًا من التهافت المنهجي أن يبادر الكاتب إلى إطلاق دعوى ثم يعمل إلى مخالفتها، دون تقديم دليل لا على تلك الدعوى، ولا على تلك المخالفة ؟[36]

9 - المعقوليّة التاريخيّة[37] أم المزاجيّة المعرفيّة: إنّ ادّعاء الكاتب لمعقوليّته التاريخيّة في التعامل مع الروايات في قبال مبنى (منهج) وثاقة الرواية؛ قاده إلى مزاجيّة فاضحة في التعامل معها، حيث آل الأمر إلى نوع من الذاتيّة التي تتميّز بسطحيّة واضحة في بعض الأحيان، فأصبحت المعقوليّة تلك معقوليّة الكاتب نفسه، ومعقوليّة مسبقاته المعرفيّة وإسقاطاته الفكريّة.

ولنا على دعوى الكاتب الملاحظات التالية:
أوّلاً: لا يوجد تنافٍ بين مبنى (منهج) الوثاقة للرواية وبين معقوليّتها التاريخيّة ودرجة احتمال فعليّتها، بل يمكن أن يكون معطى الوثاقة أحد عناصر المعقوليّة التاريخيّة للرواية، إذ إنّ دراسة البعد السندي ـ بل جميع الأبعاد الحديثيّة ـ قد يتّصل بواقعيّة الرواية، وينعكس على نسبة احتمال وقوعها، ويصبّ تاليًا في معقوليّتها.
ثانيًا: إنّ منهج المعقوليّة التاريخيّة يستلزم أن يستجمع الكاتب جميع المعطيات التاريخيّة وغير التاريخيّة ذات الصلة بالرواية، وأن يقوم بعمله هذا في الروايات رواية رواية، حتى يمكنه الحكم عليها وعلى دلالتها؛ فهل التزم الكاتب بلوازم هذا المنهج عندما حكم على الرواية بأنّها صناعة اجتماعيّة أو نتاج مزاج اجتماعي...؟ أم إنّه غادر هذا المنهج، واستسهل إصدار حكم جارف على جميع الروايات الدينيّة بمعزل عن المنهج الذي نظّر له؟
ثالثًا: إنّ هذا المنهج لا ينطبق فقط على الرواية (الدينية)، بل ينطبق أيضًا على أيّ نصّ تاريخيّ. وعليه، أن يتمّ إعمال هذا المنهج في الرواية الدينيّة، دون إعماله في المعطى التاريخي ذي الصّلة بتلك الرواية؛ هذا يعني انفصامًا منهجيًّا في توظيف المنهج وإعماله.

والسؤال الذي يطرح نفسه: هل التزم الكاتب بمنهجه هذا ولوازمه عندما حاول الاستفادة من نص الأشعري القمي في (المقالات والفرق) حول الفرق الشيعية بعد وفاة الإمام العسكري(عليه السلام)، ليصل إلى نتائجه التي أعتقدُ أنّها كانت محسومة سلفًا لديه؟ فهل استقصى جميع المصادر ذات الصلة؟ وهل استجمع جميع النصوص التي ترتبط بموضوع بحثه؟ وهل قام بالتحقيق في تلك المصادر؟ وهل قارن بين تلك النصوص وحاول أن يحلّ التعارض فيما بينها؟
وهل استوعب جميع المعطيات التاريخية وغير التاريخية ذات الصلة بموضوع بحثه؟ وهل عمل على دراسة جميع الظروف التاريخية والاجتماعية التي رافقت وسبقت حالة الحيرة تلك لفهمها بشكل أفضل، وتجنّب أيّة عمليّة تأويل ذاتي للحدث ودلالاته؟ وهل حاول أن يستفيد من أهل الخبرة والاختصاص في تلك المصادر وعلومها ومجالاتها المعرفيّة؟ وهل وقف على مجمل تلك الآراء المخالفة لرأيه، وتلك المراجع التي قدّمت رؤى ونظريات مخالفة لما لديه؟

أم إنّ الكاتب تخلّى عن اللّوازم المنهجية والبحثيّة لمنهجه التاريخي الذي ادّعى، وحاول أن يبني بناءاتٍ هائلةً مستندًا على نص أو آخر، وعلى مصدر أو آخر، عندما وجد في تلك النصوص والمصادر ضالته المعرفية دون أن يلتزم بتلك الخطوات المنهجيّة في بحثه؟
لقد نظّر الكاتب لذاك المنهج (المعقوليّة التاريخيّة) في التعامل مع الرواية والنص التاريخي؛ لكنّه غادر منهجه وتخلّى عنه عندما تعلّق الأمر بقضيّة الحيرة مثلاً، فلم يبحث في جميع تلك المعطيات التي تتّصل بهذه القضيّة، ولم يستوعب بحثه جميع موضوعاتها، وإنّما أجمل البحث، وبالغ في الاستنتاج.
أن يدرس الكاتب ظاهرة التشيّع في حضورها التاريخي[38] وفي تمظهراتها المجتمعيّة واستراتيجياتها السياسيّة[39]؛ أمر في غاية الأهميّة، لكن هذا يترتب عليه لوازم منهجيّة وبحثيّة عديدة، لم يلتزم بها الكاتب، ولم يكن وفيًا لمنهجه فيها. فما فعله أنّه نظّر لذاك المنهج، ثم انقلب عليه في ميدان البحث، و(الحيرة) مثال ذلك.

رابعًا: كيف يمكن في تطبيقنا لهذا المنهج أن نتجنّب تأثيرات العوامل الذاتيّة، والخلفيّات الفكريّة، والمسبقات المعرفيّة الخاصّة بكلّ كاتب وباحث؟ ألا يمكن أن يدرس باحثان رواية واحدة فيرى الأوّل معقوليّة تاريخيّة، ويرى الثاني لا معقوليّة تاريخيّة؟، ألا يمكن أن تؤول المعقوليّة هنا إلى معقوليّة الباحث نفسه، أي يمكن أن تستحيل إلى حدٍّ بعيد معقوليّة ذاتيّة غير موضوعيّة؟ ألا يمكن الحديث هنا عن النسبيّة في المعقوليّة؟ أليس ممكنًا أن يفتح هذا الإعمال المنهجي ـ دون ضوابط منهجيّة ـ الباب على كثير من الإسقاط المعرفي، والانفصام المنهجي، والاستنساب الفكري في تطبيق هذا المنهج، وتوظيفه؟

خامسًا: وحتى لا يبقى كلامنا مجرّد بحثٍ نظريٍّ، سوف نشير هنا ـ وإن كان هذا يحتاج إلى بحث مفصّل ليس هنا محلّه، وكمثال على ما نقول إلى كيفية تعامل الكاتب مع رواية (تأبير النخل)، والتي أراد أن يتّخذ منها ومن غيرها من الروايات (82-89) مستندًا على أنّ «تدبيره (النبي(صلى الله عليه وآله)) لم يكن كلّه بوحي من الله..]و[ أنّ حدود الإلزام في تعليمات النبي(صلى الله عليه وآله) محصورة بما كان وحيًا من الله» (ص85)، «وأنّ هناك تدبيرًا كلّف النبي بالقيام به وفق الأسباب الطبيعية والخبرات... التي قد تصيب حينًا وتخفق حينًا آخر» (ص86)، مما يعني أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) ـ بحسب كلامه ـ قد يخطئ استنادًا إلى تلك الأسباب التي قد تخفق، فتؤدّي إلى أن يخفق (يخطئ) النبي(صلى الله عليه وآله) نفسه في تدبيره، وأنّه «كان واضحًا منذ بداية النبوّة أنّ السياسة كانت دومًا خارج صلب الدين الذي يدعو إليه النبي...» (ص86)، إلى أن يصل إلى بيت القصيد، وغاية كلّ ذلك التنظير الكلامي ـ السياسي، الذي عملت عليه بعض المدارس الكلاميّة تاريخيًا، وهو: «أن الشأن السياسي، وتداول السلطة ومفهوم الحكم كان يقرّره العرف، وما ارتكز في أذهان الناس من قواعد في ممارستها واتخاذ القرار فيها، وهي في جزء كبير منها متوارث مما قبل الإسلام..» (ص89).

 إذًا، السلطة وتداولها أمر يتبع للعرف ـ وليس للنبوة ـ وعندما تكون تلك الأعراف بالية ومتخلّفة وغير قادرة على صناعة سلطة عادلة وعصريّة و...؛ فسوف تكون تلك السلطة على شاكلة تلك الأعراف، وعندها لن يكون صعبًا أن نعرف لماذا ينتشر في مجتمعاتنا ودولنا الفقر والفساد والتخلّف والتبعيّة والاستبداد واللا عدالة وغيرها من مفاسد السلطة ومثالبها. هنا لن نذهب إلى بحثٍ فكريّ لمناقشة هذه الأفكار من أنّ السياسة خارج صلب الدين، وأنّها شأن دنيوي بحت، وأنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قد يخطئ في ذاك المجال، وأنّه لا إلزام باتباع رأي النبي(صلى الله عليه وآله) وأمره في هذا الشأن، وأنّه قد يتساوى رأيه مع رأي غيره فيه، إن لم يكن أقلّ منه...، والتي (أي تلك الأفكار) تعدّ فكرة فصل الدين والنبوة عن الدنيوي والسياسي الأساس فيها، حيث لن نناقش هنا هذه النتيجة (أو الغاية) ـ وإن كان كلامه في هذا المورد غير صحيح[40] ـ التي وصل إليها، وإنّما كيفيّة تعامله مع تلك الرواية (تأبير النخل) من خلال منهج المعقولية التاريخيّة لديه.

وخلاصة الرواية: «أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) مرّ بقوم يلقحون [النخل]، فقال: لو لم تفعلوا لصلح، قال فخرج ]النخل[ شيصًا[41]*. فمرّ بهم، فقال ما لنخلكم؟ قالوا: قلت كذا وكذا، قال: أنتم أعلم بأمر دنياكم»[42].
وهنا نريد أن نستأذن الكاتب لنجري نوعًا من البحث العلمي، ولنُعمل منهجه في المعقوليّة التاريخيّة، الذي يقتضي مساءلة هذا النّص، واستجماع جميع أو مجمل المعطيات ذات الصلة به، قبل الذهاب إلى توظيفه، كما فعل الكاتب نفسه.

وهو ما يتطلّب إيراد جملة من المناقشات، وأن نطرح الأسئلة التالية، لنرى مدى إمكانية وقوع هذا الحدث:
الأوّل: هل عرض هذا الخبر على القرآن الكريم، وقارنه مع بقية الروايات المخالفة لدلالته ليرى مدى صحته؟

الثاني: كيف أمكن لنبيّ وُصف بأنّه «لعلى خلق عظيم»[43]، أن يتدخّل في أمر لا يعنيه؟ هل يصحّ أن يكون النبي(صلى الله عليه وآله) طفيليًّا إلى هذا الحدّ ـ بناءً على ما يُفهم من الرواية ـ (حاشا النبي(صلى الله عليه وآله) أن يكون كذلك)، ليقدم على هكذا تصرّف لا يقدم عليه من يمتلك حدًّا أدنى من الرزانة والحكمة الشخصيّة في تصرّفاته؟

الثالث: هل يمكن لنبي، تلك صفته (على خلق عظيم)، أن يتحدّث بما لا علم له به، وأن يأمر الناس بما لا خبرة له فيه، وأن يخالف القرآن الكريم، الذي يقول: (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَـٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا )[44]؟

الرابع: هل يمكن لذلك النبي(صلى الله عليه وآله) أن يوقع أولئك المزارعين في الضرر، وأن يسبّب لهم ذلك الضرر الزراعي (خروج النخل بعدها شيصًا)، وهو الذي يقول: «لا ضرر ولا ضرار»؟[45]

الخامس: إنّ حاجة النخل إلى التأبير (التلقيح) من أوضح واضحات زراعة النخل، ومن بديهيات هذا العمل الزراعي؛ والسؤال أنّه هل يصحّ أن يخالف النبي(صلى الله عليه وآله) أمرًا على هذا المستوى من الوضوح والبداهة، ويعتمده جميع المزارعين، ويعرف ضرورته القاصي والداني منهم، وهو أمر لا يقبل الشك، ولا يحتمل المخالفة لما يترتّب على مخالفته من نتائج؟

السادس: هل يمكن للنبي(صلى الله عليه وآله) ـ وأتكلم هنا بشريًّا ـ أن يجهل تلك المسألة (تأبير النخل) –على وضوحها- وقد عاش بين ظهراني أولئك المزارعين الذين يعملون في تلك الزراعة، وتنقل بين بساتينهم، وعاين أعمالهم، وسمع منهم، وعني بأوضاعهم، واهتمّ بأحوالهم؟ ألا يكون حاله عندها كحال من يجهل أنّ وسائل النقل -مثلاً- في عصرنا تحتاج إلى الوقود في سيرها؟

السابع: إنّ طبيعة الموقف تقتضي أن يبادر النبي(صلى الله عليه وآله) ـ طالما أنّه لا علم لديه بالأمر ـ إلى سؤال أولئك المزارعين عن فعلهم، والتأكّد مما يقومون به...؟ فلماذا لم يبادر النبي(صلى الله عليه وآله) إلى سؤال أولئك المزارعين، والتعلّم من خبرتهم، والاستفادة منهم؟ ولماذا يتوجّه إليهم بالأمر مباشرة بدل سؤالهم عن عملهم؟

الثامن: إن كان النبي(صلى الله عليه وآله) يعلم أنّ المزارعين  أعلم بأمور دنياهم، فكيف يأمرهم بأمرٍ هم أعلم به منه؟ ألا يصحّ القول هنا إنّ هذه الرواية تحمل في نفسها التهافت؟ لأنّ لازم أنّهم أعلم بأمور دنياهم ألاّ يتدخّل النبي(صلى الله عليه وآله) (قائدًا، آمرًا..) في دنياهم، وعندما يتدخّل النبي(صلى الله عليه وآله) في دنياهم، فلازمه أنّه أعلم منهم بأمور دنياهم.

التاسع: إن قلنا إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) لم يكن يعلم بأنّ الآخرين أعلم منه بأمور دنياهم، فالسؤال الذي يطرح نفسه أنّه هل يمكن للنبي(صلى الله عليه وآله) ألاّ يعلم حدود ما هو معني به، أو هو غير معني به؟ وكيف أمكن لمقولة (أنتم أعلم بأمور دنياكم) أن تغيب عنه رغم أنّها تشكّل حدًا فاصلاً بين دوره كنبي وبين البعد الدنيوي؟، وهل كان النبي(صلى الله عليه وآله) محتاجًا إلى أن يقع في هذا الخطأ، ويوقع النّاس في الضرر، حتى يصل إلى معرفة الحدّ الفاصل بين ما هو معني به وما هو غير معني به؟

العاشر: إذا قلنا إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) يمكن أن يخطئ في رسالته إلى خارجها، فما المانع أن يخطئ النبي(صلى الله عليه وآله) في رسالته إلى داخلها، بمعنى أنّه إذا أمكن أن يخطئ فيُدخل في دوره ما ليس من دوره (عندما تصدّى لتأبير النخل وهو ليس معنيًا به)، فما المانع أن يحصل عكس ذلك، بأن يكون هناك أمرٌ ما هو معني به، لكنّه يخطئ فيتعامل معه باعتبار كونه غير معني به؟ فما الذي يمنع هذا الاحتمال طالما أنّ الخطأ في حدود ما هو معني به أو غير معني به وارد، وطالما أنّ العصمة فيما يدخل في دوره وما يخرج منه منتفية؟

الحادي عشر: إذا قلنا إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) يمكن أن يخطئ في رسالته إلى خارجها، فما المانع أن يخطئ في رسالته داخلها (وليس إلى داخلها)، بمعنى أنّه إذا قلنا بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله) يمكن أن يخطئ عندما اعتقد أنّ هذا الشأن الدنيوي من شؤونه، فما المانع أن يقال بأنّ النبي(صلى الله عليه وآله) يمكن أن يخطئ في أي مسألة من مسائل رسالته، في تصوّره لها، أو في بيانها، وبيان حدودها، وتفصيلها، ومجمل ما يتصل بها؟ فإن كان الخطأ واردًا فيما يتّصل بحدود رسالته، فما المانع أن يكون الخطأ واردًا داخل رسالته؟

وإن قيل أنّ الله تعالى يعصمه داخل رسالته؛ فيجب القول إنّ العصمة في (داخل الرسالة) تستلزم العصمة في حدود ذلك الداخل؛ لأنّ حدود ذلك الداخل هي من لوازمه، إذ إنّ المعرفة بالداخل تتضمّن حكمًا المعرفة بحدوده.

الثاني عشر: هل يصحّ للنبي(صلى الله عليه وآله) أن يتصرّف بما يمكن أن يسيء إلى شخصه ومكانته ودوره وسمعته، بل إلى ما يمكن أن يسيء إليه كنبي يبلغ عن الله تعالى؟ إذ إنّ ارتكاب هذا النّوع من الأخطاء يمكن أن يؤدّي إلى الانتقاص منه، وإلى تسلّل الشكّ إلى نفوس النّاس فيما يخبرهم به، أو يبلغهم به، أو يأمرهم به.

الثالث عشر: إذا كان الوحي يرافق النبي(صلى الله عليه وآله) ليحول بينه وبين الوقوع في هكذا نوع من الأخطاء، فلماذا تركه الوحي في هذا الحال؟ ولماذا لم يحل دون وقوعه في هذا الخطأ مع ما يترتّب عليه من مفاسد عديدة وكثيرة تتّصل حتى بدوره كنبي؟

الرابع عشر: إن كان صحيحًا ما ذكر من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قد تعلّم من خطئه هذا، فكان يجب أن يقول أنتم أعلم بشؤون نخلكم وزراعتكم، فلماذا عُمل على تعميم النتيجة التي خلصت إليها الرواية إلى جميع شؤون الدنيا، بما فيها السياسية؟ ولماذا بُنيت الرواية (القصة) بطريقة يظهر فيها النبي(صلى الله عليه وآله) أنّه أقلّ علمًا من غيره بجميع شؤون الدنيا؟ ألا يشير ذلك إلى أنّ واضع الرواية كان يريد أن يصل إلى هذه النتيجة، فابتكر هذه القصّة من أجل أن يقول إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) لا صلة له بالدنيا والسياسة، وأنّ هذا الأمر هو من شأن النّاس، ليؤول الأمر بحسب الواقع إلى أنّه من شأن السّلطان؛ لأنّه ـ وبحسب تلك الرواية ـ الأعلم بشأن السياسة من النبي(صلى الله عليه وآله)، ليكون هذا الأمر مستندًا للسلطان للتفلت من مجمل الحدود الدينيّة؛ لأنّه الأعلم بالدنيا والسياسة وما تقتضيه من لوازم، قد تتقدّم على جميع أو مجمل الضوابط الدينية، وللأسف هذا ما حصل في التاريخ الإسلامي.

الخامس عشر: لقد اكتشف أولئك المزارعون أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قد أخطأ بحقهم بعد أن خرج النخل شيصًا؛ أليس ممكنًا أن يكون قد وقع كثيرون ضحية لأخطاء مماثلة قد ارتكبها النبي(صلى الله عليه وآله) بحقهم ـ طالما أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) يصحّ أن يرتكب هذه الأخطاء ـ من دون أن يعلموا أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قد أخطأ بحقّهم، أو أغراهم بالوقوع في هذا الخطأ الدنيوي أو ذاك؟ كيف يفسّر الكاتب هذا الاحتمال الذي تترتب عليه لوازم معرفيّة وتاريخيّة عديدة؟

السادس عشر: لو فرضنا أنّ ذلك الخطأ قد حصل من النبي(صلى الله عليه وآله)، ولنفترض أيضاً أنّ الوحي قد صحّح ذلك الخطأ؛ فالسؤال: لماذا ينتظر الوحي طوال تلك المدّة حتى يخرج النخل شيصًا، ويفسد الثمر ليخبره بأنّ الآخرين أعلم بأمور دنياهم؟ ألم يكن الأجدى والأفضل أن يتم تدارك الموقف قبل وقوع تلك الكارثة الزراعيّة وذاك الضرر، حتى يستطيع أولئك المزارعون تجنّب كارثتهم هذه وضررهم ذاك؟
وأيضًا لو كان تصحيح الموقف من النبي(صلى الله عليه وآله) نفسه، فلماذا ينتظر كل تلك المدّة ليقوم بذلك، مع أنّه كان يستطيع أن يجنّب المزارعين ضررهم بأقلّ جهد وأبسط الكلام؟

السابع عشر: لماذا لم يبادر أولئك المزارعون إلى مناقشة النبي(صلى الله عليه وآله) فيما طلبه منهم، رغم أنّ المسألة (ضرورة تأبير النخل) يجب أن تكون على مستوى عالٍ من الوضوح لديهم، ومع كونها مما يترتّب على مخالفتها كثير ضرر لهم؟ مع أنّه قد نقل إلينا الكثير من الموارد التي عمد فيها المسلمون إلى مناقشة النبي(صلى الله عليه وآله) في مسائل أقلّ وضوحًا بكثير من هذه المسألة.

الثامن عشر: كيف يفسّر الكاتب تصدّي النبي(صلى الله عليه وآله) للكثير من الشؤون الدنيويّة والسياسيّة والعسكريّة وغيرها؟، فإن كانت النّاس أعلم بأمور دنياها، ألم يكن من الواجب أن يترك النبي(صلى الله عليه وآله) شؤون الناس للناس، بما فيها السياسية والعسكريّة؛ فلماذا أقحم نفسه في تلك المجالات التي ـ بحسب تلك الرواية ـ هو أقل علمًا فيها؟ إلّا إذا أراد الكاتب أن يقول إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قد اكتشف هذه الحقيقة متأخّرًا، بعد أن قاد الجيوش، وجهّز السرايا، وخاض الحروب، وبنى دولته، وساس الناس فيها، وبقي يقوم بمهامه هذه لسنوات، ثمّ ليكتشف أخيرًا أنّه كان على خطأ بسبب قصة تأبير النخل تلك؟!

التاسع عشر: ما الحكمة في أن يقحم النبي(صلى الله عليه وآله) نفسه في هذا الموقف؟ وما الفائدة التي تترتّب على ذلك؟ ألم يكن ممكنًا تجنّب جميع سلبيات هذا الفعل؟ ألم يكن متاحًا الوصول إلى تلك النتيجة (أنتم أعلم بأمور دنياكم) من دون ارتكاب تلك الأخطاء، والانزلاق إلى تلك المفسدة؟ وما هي الضرورة التي تقتضي الدخول في ذاك الموقف، مع ما يترتّب عليه من سلبيات، وما يمكن أن يثيره من إشكاليات؟

العشرون: ألم يكن من اللازم منهجيًّا أن يتعقّب الكاتب الذين رووا هذه الرواية، وأن يتبيّن مدى علاقتهم بالسلطان، ومتى صدرت هذه الرواية، وفي أيّ تاريخ، والميول السياسيّة والكلاميّة لمن روى هذه الرواية، وطبيعة الظروف التي كانت سائدة آنذاك، والصراعات الفكريّة والسياسيّة في ذلك الزمن، ومن الذي تبنّى هذه الرواية أو عمل على الاستفادة منها، وفي أي الموارد استفيد منها، وأيّ المصادر التي أدرجتها، وماذا كان موقف بقية الآراء والمدارس الفكريّة منها، وماذا كانت ملاحظاتهم عليها؟ إلى غيرها من الأسئلة التي يمكن أن تطرح في هذا السياق. 

الواحد والعشرون: ألا توجد فرضيّات تاريخيّة أخرى تقف خلف هذه الرواية، تستحق أن تطرح وتدرس من خلال المنهج المفترض؟ ولماذا التأكيد على تلك الفرضيّة التي يميل إليها الكاتب، وإهمال بقيّة الفرضيّات؟ أليس ممكنًا أنّ هناك من كان يريد أن يقول إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) ليس له علاقة بشؤون الدنيا، بما في ذلك شؤون الرئاسة والخلافة، وأنّ عامّة الناس هم أعلم بها من النبي(صلى الله عليه وآله)؛ فعمل على وضع هذه الرواية ليقابل بها طرح مدرسة أهل البيت(ص) في هذا الموضوع، من أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قد استخلف عليًا ليكون خليفة له من بعده؟
أليس ممكنًا أنّ هذه الرواية لها علاقة بالصراع الكلامي الذي كان قائمًا بين من كان يقول إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان أعلم بشؤون الدنيا فاستخلف، وبين من كان يقول إنّ النبي(صلى الله عليه وآله) لم يكن أعلم بشؤون الدنيا فلم يستخلف؟

الثاني والعشرون: يبدو من الرواية أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان جازمًا في حكمه بعدم تأبير النخل (لو لم تفعلوا لصلح)، والسؤال: من أين مصدر هذا الحكم؟ هل هو من الوحي؟ فيجب ألا يخطئ؛ أم هو من الخبرة البشريّة، فهي بمستوى من الوضوح لا يسمح بالوقوع في هذا الخطأ؛ فكيف يمكن تفسير هذا الخطأ، وما هو مبرّره المعرفي؟

الثالث والعشرون: إنّ مسألة تأبير النخل مسألة عامّة البلوى، ولو صحّت الحادثة لوجب أن تأخذ أبعادًا كبيرة زراعيّة واجتماعيّة و...، لكن الرواية لم تعرض لأيّ من تلك الأبعاد والتداعيات ـ على أهميّتها وخطورتها ـ، وإنّما أظهرت الموقف بطريقة مختلفة، تبدو فيها الأمور بمنتهى الانسيابيّة، بل والانفصام عن المقتضى التاريخي للحدث.

الرابع والعشرون: لم تُظهر الرواية أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) كان معنيًا بتفسير موقفه السابق (نهيه عن تأبير النخل)، وتحمّل نتائج ذلك الموقف، وإزالة الالتباسات التي يمكن أن تنشأ من كلامه، أو أنّه عمد إلى تصحيح ذلك الموقف، وإنّما أظهرت الأمر بشيءٍ من اللا مبالاة تجاه جميع تلك القضايا على حساسيتها؛ وهو ما لا ينسجم مع مقتضيات الأمور وشخصيّة النبي(صلى الله عليه وآله).

الخامس والعشرون: الكلمة المفتاحيّة في رواية التأبير هي العبارة الأخيرة منها (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، والتي تعني فصل الديني عن الدنيوي في شخصيّة النبي ودوره.
 والسؤال الذي يطرح نفسه أنّه إذا قاربنا التاريخ الإسلامي لاحقًا لمن حكم باسم النبي(صلى الله عليه وآله) وخلافته، فهل اعتمد هؤلاء الحكّام نظريّة الفصل بين الديني والدنيوي، أم نظريّة الوصل بينهما؟ فلماذا نجد ذلك الوصل بين الديني والدنيوي (وبغض النظر عن مبرّراته) لدى من حكم باسم النبي(صلى الله عليه وآله)، في حين ينكر على النبي(صلى الله عليه وآله) ذلك؟ وهل يصحّ الوصل لدى من خلف النبي(صلى الله عليه وآله)، ولا يصحّ لدى النبيّ نفسه؟ فلماذا التنظير لنظريّة الفصل لدى النبي(صلى الله عليه وآله)، في مقابل تبرير الوصل ـ ولو جزئيًّا ـ لدى من حكم باسمه؟

السادس والعشرون: لنفترض جدلاً أنّ النبي(ص) كان يعتقد أنّه الأعلم بأمور الدنيا ثم حصلت حادثة التأبير، فاكتشف أنّه كان مخطئًا باعتقاده هذا؛ ألا يقتضي هذا الاكتشاف أن ينسحب النبي من جميع شؤون الدنيا، بما في ذلك الرئاسة، والدولة، وقيادة الشأن العام وإدارته...؟ لكن ما نجده في سيرة النبي(صلى الله عليه وآله) إلى آخر حياته هو خلاف تلك المقولة (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، ويتنافى معها.

السابع والعشرون: إنّ التسليم بمقولة (أنتم أعلم بأمور دنياكم) يعني فصل الدين عن البعد الدنيوي، وهو يعني فصل النصّ الديني والقرآني خاصة عن البعد الدنيوي، وهو يعني أن يكون القرآن الكريم كتاب بعدٍ روحي وأخروي محض، وأن لا يشتمل على أي من القضايا الدنيوية والمادية والاجتماعية والسياسية..، وفي هذا ندعو الكاتب إلى قراءة القرآن الكريم مجدّدًا.

الثامن والعشرون: إنّ ما يفهم من مقولة (أنتم أعلم بأمور دنياكم) أنّ الوحي لم يأذن للنبي(صلى الله عليه وآله) أن يدخل في أمور الدنيا ـ وإلا لو أذن له لوجب أن يزوّده معرفيًّا بما يحتاج إليه فيها ـ؛ والسؤال الذي يطرح هو أنّه كيف للنبي(صلى الله عليه وآله) أن يدخل في مجال لم يأذن له الوحي بدخوله، فهل يجوز على النبي(صلى الله عليه وآله) أن يتجاوز ما يسمح به أو لا يسمح به الوحي، وأن يخالف ما رسمه الله تعالى له من حدود لرسالته ودوره وفعله؟

التاسع والعشرون: يذكر الكاتب في بعض الموارد تدخّل النبي(صلى الله عليه وآله) في أمور سياسيّة غاية في الأهميّة، من قبيل إرادته أن يولي الإمام علي(عليه السلام) خلافته «... إنّه (الإمام علي(عليه السلام)) يزعم أنّ رسول الله أراد الأمر له. فقال (عمر) يابن عباس أراد رسول الله الأمر..»[46]؛ والسؤال : إن كان النبي(صلى الله عليه وآله) غير معنيّ بالشأن الدنيوي والسياسي، بل هو أقلّ علمًا من غيره بهذا الشأن ـ بناءً على تلك المقولة ـ؛ فكيف يفسّر الكاتب تدخّل النبي(صلى الله عليه وآله) في واحدة من أخطر القضايا السياسيّة وأهمّها على الإطلاق؟

أما أن يقول الكاتب بأنّ ذلك هو من قبيل الرغبة والإرادة الشخصيّة، فهو من عجيب التأويل، وذلك لأنّ النبي(صلى الله عليه وآله) إن لم يكن معنيًّا بالشأن الدنيوي والسياسي فكان عليه أن يحترم حدود ما هو معنيّ به، وأن لا يُقحم نفسه في مجال ليس له من دور فيه، وأن يحجم عن أن يتكلّم في ذلك الأمر (الخلافة)، مع ما قد يؤدّي إليه ذلك من التباسات ومفاسد وخلاف، وأن يوقّر نفسه عن إبداء رغبته الشخصيّة طالما هي مجرّد رغبة، وطالما أنّ الآخرين غير ملزمين بها، مع أنّ الكاتب نفسه ينقل في كتابه نصًّا عن النبي(صلى الله عليه وآله) يؤكّد فيه أنّ توليته الإمام علي(عليه السلام) ليست إرادة شخصيّة له، وأنّها من الله تعالى «.. والذي لا إله إلا هو إنّ هذا من الله»[47]، لكنّه يتجاوز هذا النص ويتناساه. وهو من الموارد العديدة التي ينقل فيها الكاتب الشيء ونقيضه، لكنّه يختار منهما ما ينسجم مع قناعاته الشخصية وميوله الفكريّة.

الثلاثون: توجد بعض المناقشات التفصيليّة التي تتّصل بفهمه لتلك الرواية، حيث إنّ بعض استنتاجاته في كتابه لا تنسجم مع دلالة تلك الرواية؛ والتي منها أنّه عندما يتحدّث في العلاقة بين النبي(صلى الله عليه وآله) وتلك المسائل ذات الطابع العام؛ يقول «.. لا بمعنى أنّ النبي كان له رأي خاطئ..»[48]؛ لكن ما يُفهم من رواية التأبير أنّ النبي(صلى الله عليه وآله) قد أخطأ فيما قاله للمزارعين؛ والتي منها أنّ رأي النبي(صلى الله عليه وآله) في المسائل الحياتيّة «يتساوى.. مع غيره» (ص83)، مع أنّ ما يفهم من الرواية أنّ رأي النبي(صلى الله عليه وآله) أقل من رأي غيره في الأمور الدنيوية «أنتم أعلم بأمور دنياكم»؛ والتي منها –بحسب ما يذهب إليه- أنّ تدبير النبي(ص) في الشأن السياسي «.. لم يكن كلّه بوحي من الله»[49]، ممّا يفهم من عبارته أنّ بعضه كان بوحي من الله؛ مع أنّ ما يفهم من الرواية وإطلاق عبارتها «أنتم أعلم بأمور دنياكم» هو أنّهم أعلم من النبي(صلى الله عليه وآله) بجميع أمور الدنيا، بما فيها السياسية، وهو ما يخرج الوحي من دائرة التدبير السياسي؛ لأنّه لا يمكن القول إنّ البشر أعلم من الوحي في مجال التدبير السياسي؛ إلا أن يذهب كاتبنا إلى التبعيض بأنّ الوحي يتدخّل في شأن سياسي ولا يتدخّل في آخر؛ وهذا ما يقود إلى السؤال عن فلسفة هذا التبعيض وهذه الانتقائيّة ومبرّراتها، وأنّه لماذا يتدخّل الوحي في شأن سياسيّ ويتعالى على آخر؟ وألا يخالف هذا جملة ما استنتجه الكاتب؟ إذ إنّ مجرّد أن يتدخّل الوحي في شأن سياسي، فهو يعني أنّ الوحي غير منفصل عن هذا الشأن، وأنّه ليس صحيحًا أن نتعسّف في تأويل النصوص ذات الدلالة السياسية (نص الغدير مثلاً) بناءً على نظريّة الفصل الحادّ بين الديني والدنيوي؛ وأنّه من الضروري أن نُعمل منهج المعقوليّة التاريخيّة بتجرّد وموضوعيّة ومنهجيّة في جميع تلك الروايات التي نظّرت للفصل بين الديني والدنيوي، خصوصًا ما كان يتّصل منها بالخلافة وتداول السلطة.

إنّ هذه النقاشات وغيرها كان يجب أن يقوم بها الكاتب إن أراد أن يكون وفيًا لمنهجه في هذا المورد، لكن اعتقد أن تنظيره المنهجي ذاك (المعقولية التاريخية) لم يكن إلا وسيلة لتقديم قناعاته الذاتيّة ـ بما في ذلك موضوع الحيرة ـ في قالب علميّ موضوعيّ منهجيّ، ودليلنا على ما نقول أنّه تنكّر لمنهجه هذا وغادر شروطه، وانقلب عليه في موارد عديدة من كتابه، عندما كان يجد أنّ رواية أو أخرى تنسجم مع الغايات التي يريد أن يصل إليها، والأفكار المسبقة لديه.

إنّ الاستناد إلى تبريره المنهجيّ في المعقوليّة التاريخيّة لأخذ قضيّة الحيرة إلى غايات ونتائج معروفة سلفًا، ولإعطاء تلك النتائج مشروعيّتها للمنهجيّة؛ لم يكن عملاً منهجيًّا؛ لأنّه فرّق بين التنظير لمنهج بغرض توظيفه من خلال شروطه العلمية الصحيحة، وبين اعتماده كذريعةٍ لتبرير نتائج مبتوتة سلفًا، وتغليفها بذلك المنهج وثوبه.

10 - الطفرات الاستدلاليّة، أو القفز غير المنهجي الذي كان يمارسه بين المقدمات والنّتائج. وهو ما فتح الباب واسعًا لديه للوقوع في كثير من الإسقاط المعرفي والانزلاق إلى استنتاجات لا تنسجم منطقيًّا مع مقدّماتها، ولا يوجد بينها وبين تلك المقدّمات ارتباط منهجيّ ومنطقيّ.

وينبغي الإلفات إلى أنّنا هنا لا نتحدّث في البعد الدّلالي للنّص ـ لنميّز هذه الملاحظة عن ملاحظة التّعسّف في تفسير النص ـ بمقدار ما نتحدّث في بعده الاستدلالي، والذي قد يرتكز على نص أو آخر لممارسة استدلال أو أكثر يوصل إلى استنتاجات يُدّعى ارتكازها على تلك النّصوص، وما تتضمّنه من مقدّمات.
ولنا في هذا الموضوع أمثلة عديدة، لكن سوف نبدأ بهذا المثال، الذي قد يكون الأكثر التصاقًا بموضوع بحثنا، وتحديدًا الغاية (عدم وجود ولد للإمام العسكري(عليه السلام)) التي أراد الكاتب إيصال بحثه (الشيعة الإمامية بين النص والتاريخ، ص357-372) إليها؛ وإن كان الكاتب قد أفرط في ارتكاب هذا الخلل المنهجي، مما جعل كتابه يطفح بهذا النّوع من الاختلالات في الاستدلال، وفي ترتيب النّتائج على مقدّماتها.
أمّا المثال مورد النقد فهو ما ذكره في كتابه (الشيعة الإماميّة بين النص والتاريخ)، حيث قال:»... فقد كان موقف أتباع العسكري قاطعًا بعدم وجود ولد للعسكري يخلفه...»[50]، حيث استند على نص القمي في كتابه (المقالات والفرق) لدى حديثه في افتراق أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) للوصول إلى هذه النّتيجة.[51]
هنا لن نستعيد مجمل تلك الملاحظات التي ذكرناها سابقًا من إهماله للعديد من المصادر ذات الصّلة، واجتزاء النّصوص، والتّعسّف في تفسيرها، إلى بقية الملاحظات التي ترتبط بهذا المورد؛ وإنّما سوف نقتصر على كيفيّة بنائه الاستدلالي على هذا النص، ومدى صحة التّرابط المنطقي بين المقدّمات والنّتائج.
وخلاصة ما جاء في نصّ القمي هو انقسام أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) بعد وفاته إلى خمس عشرة فرقة، تلتقي جميعها على عدم الاعتقاد بوجود خلف للإمام العسكري(عليه السلام)... عدا فرقة واحدة منها، وهي المعروفة بالإماميّة، والتي تذهب إلى الاعتقاد بوجود الخلف الحجة من عقب الإمام العسكري(عليه السلام)، وأنّه «مستتر.. مأمور بذلك، حتى يأذن الله عز وجل له فيظهر ويعلن أمره..».[52]

والسؤال الذي يطرح نفسه هو أنّ هذا المضمون (خلاصة ما جاء في كلام القمي) هل يدلّ على ما ذكره الكاتب (كان موقف أتباع العسكري قاطعًا بعدم وجود ولد للعسكري)، حيث يظهر من كلامه أنّه يقصد جميع أتباع الإمام العسكري(عليه السلام)؟، وهل تلك المقدّمة التي ذكرها القمي توصل إلى هذه النّتيجة التي استفادها الكاتب؟

في مقام الجواب لا بدّ من ذكر ما يلي:
أوّلاً: كيف أمكن له أن يتجاوز وجود فرقة الإماميّة الإثني عشريّة التي يتحدّث عنها مطوّلاً القمي، والتي هو نفسه ينتمي إليها، والتي تعتقد بوجود الخلف الحجة من عقب الإمام العسكري(عليه السلام)؛ فهل يصحّ في مقام الاستدلال أن يكون لدينا مقدّمة مفادها وجود جملة من أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) وأتباعه يعتقدون بوجود خلف له من عقبه؛ ثم لتكون النّتيجة حكمًا عامًا يتجاهل هذا المعطى، ومفاده أنّ أتباع الإمام العسكري(عليه السلام) يقطعون بعدم وجود ولد له؟ فهل يصحّ هذا التعميم هنا؟ وهل يصحّ أن تكون النّتيجة مخالفة لبعض مقدّماتها؟
نعم لو ذكر الكاتب أنّ بعضًا من أتباع الإمام العسكري(عليه السلام) كان على ذلك الاعتقاد لصحّ كلامه، لكنّه ارتكب خطأً منطقيًّا في مقام الاستدلال عندما استند على مقدّمات تفيد حكمًا جزئيًّا ليبني عليها حكمًا عامًا وشاملاً، فهو قد ذهب إلى التّعميم في الحكم مع أنّ مقدّماته التي ارتكز عليها لا تساعد على ذلك التّعميم، ولا تؤسّس له.
ثانيًا: لم يميّز الكاتب بين الأصحاب والأتباع، ومارس خلطًا واضحًا بينهما، حيث إنّ مفهوم الأتباع أوسع دائرة من مفهوم الأصحاب، أو بالحدّ الأدنى يمكن القول إنّه ليس كلّ الأتباع من الأصحاب، فقد يكون لدينا أتباع للإمام العسكري(عليه السلام) في بلاد بعيدة ونائية، لكنّهم لم يصحبوه ـ بناء على مفهوم الصحبة ـ، وبالتّالي لا يكونون من أصحابه.
ونص القمي يتحدّث عن الانقسام بين أصحاب الإمام العسكري(ع) وليس بين أتباعه، وهو ـ أي هذا الانقسام ـ وإن كان بحسب طبيعة الأمور ومنطقها قد يقتضي أن يؤدّي إلى الانقسام بين الأتباع، لكن نص القمي لا يتحدّث عن الانقسام بين الأتباع، ولا في طبيعة الانقسام بينهم (عدد الفرق، وانتشارها، وحجمها..)، ولا في مستواه لديهم...؛ وهو ما يحتاج إلى بحث مستأنف للإجابة على أسئلة هذه الموضوعات.

وبالتّالي لا يصحّ الاستناد على نصّ يتحدّث عن الانقسام بين الأصحاب للوصول إلى نتائج جازمة لدى الأتباع، ـ وخصوصًا عندما يكون لدينا فرقة من الأصحاب على الاعتقاد بوجود ولد للإمام العسكري(عليه السلام) ـ، بناءً على الاختلاف المفهومي وتالياً المصداقي بينهما.
وبتعبيرٍ آخر، لا يوجد انسجام منطقيّ بين مقدّمة تتحدّث عن الأصحاب ونتيجة تتحدّث عن الأتباع، أي بين مقدّمة تمثّل معطى جزئيًّا، وبين نتيجة تمثّل معطى شاملاً؛ لأنّ (الأصحاب) معطى أضيق دائرة من معطى (الأتباع)، فهل يمكن في مقام الاستدلال الانتقال من مقدّمة جزئيّة إلى نتيجة عامّة؟ وهل يصحّ الاتّكاء على معطى محدود للوصول إلى حكم شامل؟

لقد ارتكب الكاتب خطأً واضحًا عندما استند إلى مقدّمات تتحدّث عن أن بعض أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) لم يكونوا على الاعتقاد بوجود ولد له، للوصول إلى نتيجة مفادها أنّ عامّة أتباع الإمام العسكري(عليه السلام) لم يكونوا على الاعتقاد بوجود ولد له.
ثالثًا: إنّ مقاربة القمي لذلك الانقسام الذي حصل بعد وفاة الإمام العسكري(عليه السلام) هي مقاربة كلاميّة بالدّرجة الأولى، ـ وإن أخذت بعدًا مجتمعيًّا-، وليست مقاربة ديمغرافيّة تعنى بحجم الفرق، حيث أراد النص أن يحصي الفرق التي تولّدت بناءً على حيثيّة الاختلاف الكلامي في قضيّة الحجة بعد وفاة الإمام العسكري(عليه السلام)، وأن يحصي الآراء الكلاميّة لدى هذه الفرقة أو تلك، والتي طرحت بعد وفاة الإمام العسكري(عليه السلام) من قبل تلك الفرق، بمعزل عن حجم كل فرقة، وعدد أفرادها وجميع حيثيّاتها الديمغرافيّة... حيث قد تدرّج فرقة إلى جانب بقيّة الفرق في المقاربة الكلاميّة، مما قد يخيّل للبعض أنّ الحجم الديمغرافي لهذه الفرق قد يكون متساويًا أو متقاربًا... في حين إنّ هذا الموضوع مفارق للموضوع الأوّل ويختلف عنه جذريًّا؛ لأنّه عندما نأتي إلى المقاربة الدّيمغرافيّة قد يكون الأمر مختلفًا تمامًا، حيث قد نجد أنّ الحجم الدّيمغرافي لإحدى هذه الفرق هو أكبر بكثير من حجم الفرق الأخرى، أو حتى من حجمها مجتمعة، وهو ما يحتاج إلى بحث مستأنف.

وعليه هل يصحّ الاستناد على مقدّمات تتحدّث في البعد الفرقي - الكلامي، للوصول إلى نتائج تتّصل بالبعد الدّيمغرافي والعددي؟

وبعبارة أخرى، هل يوجد انسجام منطقيّ بين مقدّمات تتحدّث عن الانقسام الكلامي للفرق، وبين نتيجة تتّصل بحجمها الدّيموغرافي (عموم أتباع العسكري(عليه السلام))؟ أم هما (المقدّمات والنّتيجة) من طبيعة مختلفة، ولا صلة منطقيّة بينهما. الأولى ذات مضمون كلامي ـ بالدّرجة الأولى ـ، والثّانية ذات مضمون ديموغرافي ـ بالدّرجة الأولى؟

نعم ما يمكن أن يستفيده الكاتب من ذلك النص هو طبيعة الانقسام الكلامي والآراء الكلاميّة لتلك الفرق، وعددها..، أمّا الحجم الدّيموغرافي لكلّ فرقة، وعدد أفرادها، ومداها المجتمعي؛ فهو ما يحتاج إلى بحث مستأنف، ويحتاج إلى مقدّمات أخرى مختلفة - أو إضافيّة - عن تلك المقدّمات التي استند عليها، وبنى عليها بنيانه.

مثالنا الآخر هو ممارسته التعميم بشكل غير منهجيّ، وانتقاله من الجزئي إلى الكلي دون تبرير علمي ومنطقي، حيث استند إلى بيان القمي لقول الفرقة الرابعة عشرة بأنّه: «لا ولد للحسن بن علي أصلاً، لأنّا تبحّرنا ذلك بكلّ وجه وفتّشنا عنه سرًا وعلانية، وبحثنا عن خبره في حياة الحسن بكل سبب فلم نجده»[53]؛ ليستنتج الكاتب بأنّها «أقوال تنفي أي دليل حسّي متداول بين أتباع العسكري يمكن التعويل عليه»[54].

والجواب على ما تقدّم:
أوّلاً: إنّ قول تلك الفرقة (الرابعة عشرة) ينفي أي دليل حسي لديها، لكنّه لا ينفي أيّ دليل حسّي بالمطلق، إذ قد تكون هناك أدلّة حسيّة توفّرت لدى آخرين، لكن لم تتوفّر لدى من انضوى في هذه الفرقة، وخصوصًا أنّ مقالة هذه الفرقة هي «لم نجده»، ولم يقولوا لم يجده أحد غيرنا. أي إنّ ما يفهم من مقالتهم هو أنّه لم يتوفّر دليل حسّي لديهم، ولم يدّعوا أنّه لم يتوفر دليل حسّي لدى غيرهم.
ثانيًا: إنّ الأساس في أمر الإمام المهدي(عليه السلام) هو خفاء المولد والغيبة، وهو ما يتّصل بفلسفة هذه الغيبة وعللها وعليه، ألاّ يكون لدى الكثيرين، بل لدى الأعم الأغلب أدلّة حسيّة؛ هو أمر جدًا منطقي، وينسجم مع مقتضيات الأمور والظروف التاريخية ووظيفة الغيبة وفلسفتها، ولا يضرّ منطقيًّا بحقيقة وجود الإمام المهدي(عليه السلام) وواقعيّته؛ لأنّ الفرضية المطروحة هنا هي أن فقد الدليل الحسّي بذاك المستوى إنّما يعود إلى غيبة الإمام(عليه السلام) وليس إلى عدم وجوده، ومن المعلوم أنّ عدم الوجدان - ولو لدى الأعم من الناس- لا يدلّ على عدم الوجود. إذ الوجود أوسع دائرة من أن نصل إليه بالحسي أو بغيره.
ثالثًا: في قبال ما ذكرته تلك الفرقة، هناك في المقابل من ذكر وجود أدلّة حسيّة على وجود الإمام المهدي(عليه السلام)[55]، فكان على الكاتب أن يبحث في تلك الأدلّة التي ذُكرت قبل الذهاب إلى استنتاجه ذاك.
رابعًا: إنّ أدلّة الإثبات (مناهج الإثبات) في الفكر الديني أعم من أن تعتمد على الدليل الحسّي فقط، وهي تعتمد إضافة إلى الحسي على النقلي والعقلي، بل إنّ الدليل النقلي هو الأساس في إثبات مجمل قضايا الفكر الديني والإسلامي، بما في ذلك قضيّة وجود الإمام المهدي(عليه السلام)؛ وعليه لن يكون من الصحيح منهجيًّا إعطاء ذلك الثّقل المعرفي للحسّي، وفي المقابل إهمال الدليل النقلي وأهميّة دوره في إثبات وجود الإمام المهدي(عليه السلام) وولادته.
خامسًا: بناء على استناده على ما جاء في كلام الأشعري القمي في (المقالات والفرق)؛ لماذا لم يستوقف الكاتب ما ذكره القمي حول محوريّة الدليل النقلي وقوّته وقدراته الإثباتيّة في هذا الموضوع، حيث يقول القمي لدى حديثه عن الفرقة الإمامية: «... المأثور عن الأئمة الصادقين، مما لا دفع بين هذه العصابة من الشيعة الإمامية، ولا شك فيه عندهم ولا ارتياب، ولم يزل إجماعهم عليهم لصحّة مخرج الأخبار المرويّة فيه، وقوّة أسبابها، وجودة أسانيدها، وثقة ناقليها. إنّ الإمامة لا تعود في أخوين إلى قيام الساعة بعد حسن وحسين... ولا يجوز أن تخلو الأرض من حجّة من عقب الإمامي الماضي قبله، ولو خلت ساعة لساخت الأرض ومن عليها»[56]، ويقول: «..مع القول المشهور من أمير المؤمنين على المنبر: «إنّ الله لا يخلي الأرض من حجّة له على خلقه ظاهرًا معروفًا أو خافيًا مغمورًا، لكي لا يبطل حجّته وبيّناته»، وبذلك جاءت الأخبار الصحيحة المشهورة عن الأئمة»[57].

ويقول القمي: «قد رُويت الأخبار الكثيرة الصحيحة: أنّ القائم تخفى على الناس ولادته، ويخمل ذكره...»[58]؛ وعليه، لماذا لم يستند الكاتب على مجمل ما جاء في كلام القمي هذا ليستنتج وجود أدلّة نقليّة قويّة وكافية لإثبات أصل وجود الإمام المهدي(عليه السلام) وولادته؟ ولماذا لم يعتمد على هذا الكلام ليصل إلى نتيجة مفادها أنّ المنهج النقلي (وأدلته) قادر على أن يثبت تلك القضية، ويفي حقها في الإثبات.
ت: في الملاحظات العامة: لعلّ من المفيد أن نختم بجملة من الملاحظات العامة، التي لا ترتبط بخصوص بحث الحيرة، لكن يمكن أن يُستفاد منها في مجمل تلك المواضيع والقضايا التي يتمّ التعرّض لها من قبل أولئك الكتّاب، الذين يجهدون أنفسهم لنقض الفكر الشيعي، ويعملون على توهينه، ويعلنون لائحة اتّهام لعقائده ونصّه الديني بالوضع والاختلاق والصناعة البشرية، مستخدمين جميع الأدوات المنهجيّة التي تتوفّر لديهم للوصول من خلالها إلى غايتهم تلك، والمقصد الذي أرادوه، تحت ستار البحث العلمي والموضوعيّة والنّزاهة المنهجيّة، وغيرها، وهي ليست سوى مفاهيم تستخدم لتجميل هذه الأعمال، ومحاولة منحها صدقيّة معرفيّة تحتاجها للوصول بها إلى أهدافها التي تسعى إليها.

وقد يقول أحدهم إنّ هذا نوع اتّهام يفتقد إلى الدّليل؛ فنقول في مقام الجواب: يمكن أن يكون أي بحث عرضة لسقطات وأخطاء...، لكن أن تبلغ تلك الأبحاث ذلك المستوى من الهنات، والعيوب العلميّة، والاختلالات المنهجيّة، والإسقاط المعرفي، والانتقائيّة، والتّبريريّة، والتّعسف في تفسير النّصوص، واجتزائها، والانفصام المنهجي، والسّوداويّة في النّظرة إلى مجمل ما يتّصل بالتّشيع من فكر وعقيدة وتراث، وأن يُدار البحث ويُوجه من بدايته إلى نهايته في مسار محدّد التوجّه والوجهة...، وأن يصدر جميع ذلك من كتاب ليسوا حديثي عهد بالبحوث العلميّة، والكتابة التي تلتزم أصول البحث وضوابطه المنهجيّة؛ كل ذلك يشي بأنّ هذه الأعمال تفتقد إلى نزاهتها العلميّة وموضوعيّتها، وأنّها تمتلك غايات محدّدة تسعى إلى الوصول إليها وبلوغها. وخصوصًا عندما تتشابه مجمل تلك الأعمال في موضوعاتها التي تختار، والنّتائج التي تترتّب عليها، وفي بعض المناهج التي توظّف لذلك، وفي زاوية المقاربة وطريقتها، وفي كيفيّة بنائها، بل في بعض المفاهيم والمصطلحات التي تستخدم... والتي يفهم من سيرها ومجمل قضاياها أنّها تؤول إلى مقصد واحد، وهدف أوحد.

وهنا يمكن تسجيل الملاحظات التّالية:
1. إنّ هذه الأعمال ليست جديدة في التاريخ المعرفي، ولا في ساحة الصراع الكلامي والاشتباك المذهبي، وهي لن توصل إلى مقاصدها ولن تبلغ غاياتها، وحتّى ولو كانت تلقى عونًا أو آخر من جهات أو أخرى، فإنّها لن تؤدّي إلى المطلوب منها.
وسوف يكون حالها كحال ما سبقها من هذه الأعمال منذ دهر من الزمن حيث ستتحوّل إلى عنوان (أو رقم) يضاف إلى تلك المعاجم البيبلوغرافيّة التي تعنى بالصّراعات الكلاميّة، والخلافات المذهبيّة، والسجال بين مختلف الفرق، ولن تعدو في الإجمال هذا الأثر.
2. بل يمكن القول ـ وكما هي عادة الأمور ومنطقها ـ سوف تضحى هذه الأعمال سببًا للعديد من الردود، ولأكثر من نتاج علمي وفكري يفنّد مساعي النّقض تلك، ويبيّن الرّأي المقابل، ويبرز ما لديه من أدلّة وحجج؛ مما يؤدي إلى أن تصبح تلك الأعمال بمثابة محرّك لتطوير الفكر الآخر وتنميته، وإبراز مكامن القوّة لديه، وإظهار ما عنده من أفكار ومضامين، والعمل على تجديده من مختلف الجهات، ليتحوّل ما أريد له أن يكون نقضًا للفكر الشيعي إلى سبب إغناء له، وعامل بيان لأفكاره، وإظهارٍ لمجمل مضامينه ومعانيه.
3. إنّ هذه الكتابات سوف تصبّ في نهاية المطاف في ميدان الاحتراب المذهبي، وطاحونة التّكفير وتؤدّي إلى إيجاد مبرّرات إضافيّة للحركات التّكفيريّة التي تمارس التّبديع، والتّفسيق، والإخراج من الملّة والدين، ومختلف ألوان الاتهام الديني والمذهبي، وما يترتّب على ذلك من نتائج تدفع باتّجاه المزيد من الاحتدام المذهبي، وتوصل إلى تغذية الفكر التّكفيري ومشاريعه وأعماله، بل إرهابه وإجرامه.

وبيان ذلك أنّ هذه الكتابات تدّعي أنّ المعتقد الشيعي هو معتقد مختلق، وأن الفكر الشيعي هو فكر مبتدع، وأن الرواية الشيعيّة تم وضعها [1]... وهنا ألا ينسجم هذا الكلام مع ما تذهب إليه مجمل حركات التّكفير، بما في ذلك تلك التي تستند إلى مبرّرات من قبيل ما ذكر لممارسة الإجرام، والقتل، والإرهاب بحق تلك الطّوائف –بما فيها الطائفة الشيعية-؛ لأنّها تنظر إليها على أنّها خارجة عن الدّين، ولا علاقة لها بالإسلام؟

ألن يؤدّي هذا النوع من الكتابات إلى تغذية النزعة العنصريّة تجاه الشيعة، والتعصّب الذي يمارس ضدهم؟ ألن يسهم ذلك في مدّ تلك الجماعات المتطرّفة بمادة جديدة لاتّهام الشيعة بالضلال، والبدعة، والشرك، والكفر، والخروج من الملّة؟
ألن يقدّم هذا الكلام مزيدًا من الحجج لتلك الحركات لتمارس أعمالها وإجرامها وإرهابها، عندما تجد كتّابا جدد، وكتابات جديدة تشاطرها الرأي، وتقدم لها مزيدًا من (الأدلّة) على أنّ هذه الطّائفة (الإماميّة الإثني عشريّة) هي طائفة قد ابتدعت عقائدها، واختلقت مجمل أفكارها الدّينيّة، وها قد شهد شاهد من أهلها -بل شهود من أهلها- على صحّة ما يذهبون إليه في تبديع هذه الطّائفة، وتاليًا تكفيرها، وعدم عصمتها في دمائها وأموالها وأعراضها؟

وإن قال قائل بأنّ هذا الكلام يقفل الباب على النّقد الكلامي والبحث العلمي في جملة من موضوعاته؛ نجيب بأنّه يوجد فارق بين نقد علمي يلتزم الموضوعيّة وجميع الضّوابط المنهجيّة، وبين نقد يرتكب مجمل الخطايا البحثيّة والعيوب المنهجيّة للوصول إلى نقض المعتقد الشيعي وتبديعه، والقول ببطلان واختلاق مجمل ما لديه من نص ورواية وعقائد وتراث...

إنّ ما ينبغي قوله هو إنّه يوجد فارق بين كاتب يبحث عن الفكرة من خلال بحثه، وبين كاتب يسعى إلى إثبات فكرة محسومة مسبقًا لديه، متوسّلاً بكل ما عنده من معطيات علميّة وغير علميّة لإظهار صدقيّتها وصحّتها، والشّاهد على ما نقول ما ذكرنا من جملة تلك الملاحظات - وغيرها مما لم نذكر - وكيفيّة بناء البحث وسيره، ومجمل السياقات التي اعتمدها للوصول إلى تلك النّتيجة التي أراد.
إنّ البحوث العلميّة التي تلتزم شروط البحث العلمي وضوابطه المنهجيّة هي بحوث - بمعزل عن نتائجها - تملك مستوى أكبر من الحصانة من أن تُستخدم في تعزيز مبرّرات التّكفير وحركاته، في قبال تلك البحوث التي تسعى إلى غايات محدّدة (كلاميًا، أو مذهبيًّا، أو دينيًّا...) وتعاني من كمّ أكبر من الاختلالات والسّقطات والهنات بسبب من مسعاها الوظيفي المرسوم لها؛ فهذه البحوث تملك قابليّة أكثر لتصب في طاحونة التّكفير، ولتصبح مطيّة للحركات التّكفيريّة نحو مزيد من الإجرام والقتل والإرهاب.

4.لقد أردنا لما سطّرناه في هذا البحث (الحيرة) أن يكون نموذجًا يحكي مجمل كتابات هؤلاء الكتّاب، مع أنّه سعينا إلى عدم التّوسع كثيرًا في مطاوي هذا البحث، وعمدنا إلى الاقتصار-ما أمكن- على أهمّ  وبعض الملاحظات النّقدية وأعمها، وخصوصًا تلك التي تتّصل بالبعد المنهجي، وإلّا لو أردنا استيعاب جميع الملاحظات التي ترد في هذا البحث، صغيرها وكبيرها، لاحتجنا إلى أضعاف ما سطّر، ولخرج البحث عن حدوده التي رسمنا، لكن آلينا على أنفسنا عدم التّوسع ما أمكن، ليكون ما بأيدينا نموذجًا لبقيّة مباحث الكتاب، وهذا النّوع من الكتابات، ولأنّ اللّبيب تكفيه الإشارة، فضلاً عن أنّ استيعاب جميع القضايا والملاحظات - بما فيها التّفصيليّة - يحتاج إلى الكثير من الوقت، الذي فضلنا أن نصرفه في معالجة قضايا وإشكاليّات أخرى في هذه الكتابات أو في غيرها، قد تعدّ بنظرنا أكثر أهميّة.

5.إنّ هذه الكتابة في هذه النّقطة هي أقرب إلى التّوصية منها إلى الملاحظة، إذ أدعو هؤلاء الكتّاب إلى إعادة قراءة الفكر الشيعي وتراثه قراءة علميّة، تلتزم جميع شروط البحث العلمي التي ألفوها، وتعنى بجميع الضوابط المنهجيّة التي علِموها ولربما علّموها، والتي منها التجرّد عن الغايات المسبقة، والاحتراز من ممارسة الإسقاط الفكري، وتجنّب طريقة تجميع الشواهد - دون إشباعها بحثًا وتحليلًا ونقدًا ومقارنة - على نتائج محسومة سلفًا؛ وأن يسعوا إلى الاستفادة بروح علميّة من الردود النّقدية التي تتناول ما كتبوا بعيدًا عن أيّة عصبيّة معرفيّة، وذلك بهدف مراجعة كتاباتهم، واكتشاف ما فيها من أخطاء، واختلالات، وسقطات، والعمل على تبيّن ما لديها وإعادة النّظر فيها، مقدمة لتصحيحها، وتصويبها، وإعادة بنائها، وتخليصها من جميع الهنات التي وقعت فيها، بما ينسجم مع مكانتهم العلمية، وضميرهم العلمي، ومقتضيات البحث عن الحقيقة والنزاهة المعرفية.


------------------------------------------
[1]- أستاذ في الجامعة اللبنانية وباحث في الفكر الإسلامي.
[2]- كما ادّعى ذلك صاحب كتاب (الشيعة الإماميّة بين النّص والتاريخ)، حيث قال: «تعرض التشيّع الإمامي في فترة الحيرة إلى حالة اللا انتظام والتفكك، وتعرضت أشكاله الثقافيّة وتكويناته الاجتماعية للانهيار..» (ص419)؛ كما تحدث عن انهيار الهيكل بكامله لغياب الإمام (ص401)، وغيرها من عبارات التهويل، ولغة الويل والثبور...
[3]- توصيف تلك الحالة بالأزمة لا يعني بالضرورة أنها وصلت إلى تلك المديات الخطيرة (انهيار) التي يتحدث عنها الكاتب، بل قد تكون تلك الأزمة التي كانت تحت السيطرة، وكانت تتوفر مقوّمات علاجها، وإن احتاجت إلى بعض الوقت. وذاك ما اثبتته الأيام اللاحقة، والمآلات التي انتهت إليها.
[4]- وهذا أمر طبيعي أن يأخذ علاج تلك المشكلة كل ذلك الوقت، لأن القضية هنا هي العمل على تحويل تلك النصوص إلى ثقافة تصل مختلف المجتمعات الشيعية على انتشارها وتفرقها في البلدان، في مقابل سيل التشكيك والشبهات الذي كان يتدفق من كل حدب وصوب آنذاك، ومع الأخذ بعين الاعتبار مجمل الظروف التي كانت قائمة.
[5]- المرتضى، الفصول المختارة، م.س، ص 321.
[6]- م.س، ص9.
[7]- م.س، ص 27 – 28 – 30.
[8]- م.س، ص 2.
[9]- م.ن، ص 2-3.
[10]- أنظر عنوان (النصي والثقافي (الهامش)).
[11]- ذكرنا سابقاً أنّ بعض الكتاب قد سعى إلى توظيف قضية الغيبة والحيرة لنقض المعتقد الشيعي الإمامي في الإمام المهدي(عليه السلام) ووجوده وإمامته، في حين إنّ هذه القضية نفسها يمكن أن تكون دليلاً على صحة ذلك المعتقد، بل على صحة مدرسة أهل البيت(عليهم السلام)، عندما ندرك أنّ مجمل أئمة أهل البيت(عليهم السلام) كانوا قد تحدثوا قبل عشرات بل مئات من السنين عن تلك الغيبة وملابساتها، وتلك الحيرة ومجمل ما يتصل بها، مما يدلّ – إذا ما أخذنا بعين الاعتبار إنطباق جميع ما جاء في روايات أئمة أهل البيت(عليهم السلام) على ما حصل لاحقاً في الواقع التاريخي – على ما يلي:
صدقية تلك المنظومة الروائية الواردة عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) بل صدقية مدرستهم، لأنه عندما تتحدث تلك الروايات عمّا سوف يحصل بعد تلك السنين المتطاولة، ومن ثم تحصل تلك الوقائع بحذافيرها، وبجميع تفاصيلها، كما وُصفت في تلك الروايات؛ فهو ما يثبت صدقية تلك المدرسة ومنظومتها الروائية.
صحة الرواية التاريخية والمعتقد الشيعي الإمامي في موضوع الإمام المهدي(ع) وولادته وغيبته، وما سوف يصيب الناس فيها من حيرة وشك وغيره.
وتوضيح ذلك أننا هنا أمام بيانين: الأوّل وهو البيان الروائي النبؤاتي (روايات أهل البيت(عليهم السلام)) الذي تحدّث عن تلك الوقائع بجميع تفاصيلها من مجمل أئمة أهل البيت(عليهم السلام) وعلى مدى عقود متطاولة ( أكثر من مائتي عام)؛ والثاني، وهو البيان التاريخي الذي جاء بشكل أساس من أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) في موضوع ولادة الإمام المهدي(عليه السلام)وغيبته وسوى ذلك. ولنفترض هنا أنّ هذا البيان التاريخي هو بيان إشكالي؛ لكن عندما نجد أنّ البيان الروائي النبؤاتي ينطبق بشكل كامل ودقيق على جميع تلك الوقائع التي حفل بها البيان التاريخي وبجميع تفاصيلها، وأنّ انطباقاً تاماً قائم بينها؛ فهو ما يثبت صحة ذلك البيان التاريخي (والمعتقد الشيعي الإمامي) الذي أفصح عنه أصحاب الإمام العسكري(عليه السلام) في موضوع ولادة الإمام المهدي(عليه السلام) ووجوده وإمامته.. وإلا لو لم يكن ذلك البيان الروائي النبؤاتي صحيحاً، لما حصل في الواقع التاريخي لاحقاً  بالطريقة التي جاءت في وصفه قبل تلك العقود بل القرون من السنين، ولو لم يكن البيان التاريخي صحيحاً لما انطبق عليه ذلك البيان الروائي بشكل صحيح ودقيق يشمل جميع تفاصيله وأدقّ قضاياه.
ومن هنا نستطيع القول إنّ عدم تخلّف البيان التاريخي( الواقع التاريخي) عن البيان الروائي؛ يثبت كلا البيانين، وإنّ انطباق كل منهما على الآخر يعدّ بمثابة الدليل الذي يمكن الاستناد عليه لاثبات صحة البيانين معاً.
هذا فيما لو بقينا نحن والمقاربة النبؤاتية لذلكما البيانين، أما لو تمسكنا بالمقاربة المعتقدية لأهل البيت(عليهم السلام) التي تعتقد بعصمتهم- بناءً على الأدلة التي ذكرت في موضعها- فنحن في غنى عن تلك المقاربة النبؤاتية، لأنّ الاعتقاد بصدق كلامهم يغنينا عن الحاجة إلى إثبات نبؤاتي لذلك المعتقد وواقعه التاريخي.
يقول النعماني في كتابه الغيبة حول انطباق روايات أهل البيت(عليهم السلام) على الواقع لاحقاً : "وإذا تأمل من وهب الله له حسن الصورة، وفتح مسامع قلبه، ومنحه جودة القريحة، وأتحفه بالفهم وصحة الرواية بما جاء عن الهداة الطاهرين(عليهم السلام) على قديم الأيام وحديثها من الروايات المتصلة فيها (الغيبة)، الموجبة لحدوثها، المقتضية لكونها (وجودها)...؛ علم أنّ هذه الغيبة لو لم تكن، ولم تحدث مع ذلك (الرواية فيها)، ومع ما روي (عن أهل البيت(عليهم السلام)) على مرّ الدهور فيها؛ لكان مذهب الإمامة باطلاً. لكن الله تبارك وتعالى صدّق إنذار الأئمة(عليهم السلام) بها، وصحّح قولهم فيها في عصر بعد عصر، وألزم الشيعة التسليم والتصديق والتمسك بما هم عليه، وقوّى اليقين في قلوبهم بصحة ما نقلوه.." (م.س، ص 30-31).
[12]- انظر: وجيه قانصو، الشيعة الإمامية بين النص والتاريخ، م.س، ص401-419؛ أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي، الشيعي، م.س، ص127-129.
[13]- وجيه قانصو، الشيعة الإمامية بين النص والتاريخ، م.س، ص359. ينقل الكاتب تعبير القمي في المقالات والفرق: «فافترق أصحابه من بعده ]الإمام العسكري(عليه السلام) [خمس عشرة فرقة...؛» ليستنتج أن تعبير أصحابه «يدل على أن الانقسام حصل بين الطبقة القريبة من الحسن العسكري وليس أتباعه فقط، أي الجماعة الخلّص التي يعتمدها في تلقي آرائه وأفكاره. ما يعني أنّ الانقسام كان عمودياً لم يقتصر على عامة الشيعة، بل شمل الرواة والمحدثين...»؛ فالعجيب أن الكاتب لم يعرض لما ذكره كل من المفيد والنوبختي (أبو سهل) من أن أصحاب الإمام العسكري جميعهم (الثقاة والعدول) كانوا على الاعتقاد بوجود ولد للإمام العسكري(عليه السلام)، أو لعلّه لم يدرِ بهذه النصوص، وبالتالي لم يبادر إلى المقارنة بين مداليلها واستخلاص النتيجة منها، وهو ما جعله يعتمد نصاً واحداً يفسره تفسيراً خاضعاً لأكثر من نقاش، ليصل من خلاله إلى نتائج لا تدعمها بقية النصوص ذات الصلة.
[14]- م.ن، ص360-361.
[15]- م.ن، ص362.
[16]- نقلاً عن: الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، م.س، ص92-93.
[17]- وجيه قانصو، الشيعة الإمامية بين النص والتاريخ، م س، ص336.
[18]- م.ن، ص 318-319.
[19]- المقالات والفرق، م.س، ص102-103.
[20]- تحقيق محمد بن محيي الدين عبد الحميد، المكتبة العصرية، بيروت،1990م، لا ط، ج1، ص90-91.
[21]- الإمامة والتبصرة من الحيرة، م.س، ص9.
[22]- الكافي، م.س، ص8.
[23]- الكليني، الكافي، م.س،ص8.
[24]- وجيه قانصو، الشيعة الإمامية بين النص والتاريخ، م.س، ص369.
[25]- م.ن، 369.
[26]- م.ن، ص369.
[27]- م.ن،ص369.
[28]- وهذا الكاتب نفسه يصرّح بهذا الأمر في كتابه (الشيعة الإمامية بين النص والتاريخ)، حيث يقول: «يستعرض الأشعري القمي آراء هذه الفرق، التي ينتمي القمي إلى إحداها التي ستكون الفرقة الإمامية الإثني عشرية لاحقاً» (ص360)، بل إنّ القمي نفسه بعد أن يتحدث عن الفرقة الإمامية يقول: «هذه سبيل الإمامة، وهذا المنهاج الواضح، والغرض الواجب اللازم، الذي لم يزل عليه الإجماع من الشيعة الإمامية المهتدية رحمة الله عليها، وعلى ذلك كان إجماعنا..»، (المقالات والفرق،م.س،ص106).
[29]- المقالات والفرق، م.س، ص105.
[30]- سورة آل عمران، الآية 19.
[31]- ذكرنا هذه الملاحظة من جهة أن الذي ساهم بقوة وفعالية في معالجة أزمة الحيرة إنما هو تلك المنظومة الروائية الوارردة عن أئمة أهل البيت؛ وعليه وجدنا من الضروري الردّ على بعض تلك الدعاوى التي تناولت هذه المنظومة، سواءً في هذه الملاحظة أو فيما يليها من ملاحظات.
[32]- وجيه قانصو، الشيعة الإمامية بين النص والتاريخ، م.س، 403.
[33]- م.ن، ص453.
[34]- م.ن، ص405.
[35]- م.ن، ص404.
[36]- سوف يأتي بعد صفحات كيف أنّ الكاتب استند على إحدى الروايات (تأبير النخل) للوصول إلى نتائج هائلة من دون التحقيق العلمي والتاريخي في تلك الرواية؛ وهو ما يظهر مستوى الانفصام المنهجي الذي يعاني منه، والذي انبنى عليه مجمل عمله.
[37]- لقد أراد الكاتب توظيف هذا المنهج (المعقولية التاريخية) ليلغي دفعة واحدة مجمل تلك المنظومة الروائية لأهل البيت، والتي أسهمت في علاج ازمة الحيرة؛ ومن هنا وجدنا من المطلوب التعرض لهذه القضية والردّ عليها.
[38]- م.ن، ص9.
[39]- م.ن، ص14-15.
[40]- من المناقشات التي قد ترد على هذه الفكرة هو إنه إنّ قلنا إنّ فلسفة دخالة الوحي في الشأن البشري هي (اللطف) وما يقتضيه من هداية وإصلاح وقسط وعدل..؛ فالسؤال الذي يطرح هو إن تلك الفلسفة (ولوازمها) هل تقتصر مقتضياتها على الشأن الأخروي أم تشمل الدنيوي أيضاً؟ هل تقتصر على الروحي أم تشمل المادي أيضاً؟ هل تقتصر على العبادي أم تشمل الاجتماعي والسياسي أيضاً؟.
[41]- أي إنّ النخل حمل تمراً رديئاً لم ينضج بسبب من عدم التلقيح.
[42]- صحيح مسلم، دار الفكر، بيروت، ج7، ص95.
[43]- سورة القلم، الآية4.
[44]- سورة الإسراء، الآية36.
[45]- الكليني، الكافي، م.س، ج5، ص280.
[46]- وجيه قانصو، الشيعة الإمامية بين النص والتاريخ، م.س، ص132.
[47]- م.ن،ص85.
[48]- م.ن، ص83.
[49]- م.ن، ص85.
[50]- م.ن، ص362.
[51]- م.ن، ص360-361.
[52]- م.ن، ص367.
[53]- المقالات والفرق، م.س، ص114-115.
[54]- الشيعة الإمامية بين النص والتاريخ، م.س، ص362.
[55]- راجع: المفيد، الإرشاد، ج2، م.س، ص351-354؛ الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، م.س، ص434-479.
[56]- م.س،ص103.
[57]- م.ن، ص104.
[58]- م.ن،ص105.