البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

العدل كمبدأ وقيمة في منظومة التفكير الإسلامي

الباحث :  د.نبيل علي صالح
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  20
السنة :  شتاء 2020م / 1441هـ
تاريخ إضافة البحث :  March / 17 / 2020
عدد زيارات البحث :  390
تحميل  ( 769.118 KB )
الإسلامُ دينٌ إنسانيّ ورسالة هداية للبشريّة جمعاء للخير والسّلام الفرديّ والمجتمعيّ، والعدلُ هو من القيم الإنسانيّة الأساسيّة التي جاء بها هذا الدين العظيم، وجَعَلها جوهرَ دعوته، ومن مُقَوِّمَاتِ الحياة البشريّة على الصعيد الفرديّ والأسريّ والاجتماعيّ وحتّى السياسيّ.. حتّى أنّ كلمة العادل هي من صفات الله تعالى، وقيمة العدل هي من أهمّ القيم التي نظّر لها ودعا إليها الدين العظيم من خلال القرآن الكريم في قوله تعالى، الذي يحض فيه على إقامة القسط (أي العدل) بين الناس، باعتباره غاية الرسالات والكتب السماوية: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْـمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾[الحديد: 25].. والقسطُ هنا –كما يقول كلّ المفسّرين- كنايةٌ عن العدل، عدلُ الحاكم وعدل المحكوم، وعدل كلّ مفردات الحياة التي تتّصل بحركة الفرد البشريّ في معاملاته وسلوكه الذاتيّ والموضوعيّ.
وفي تقريرٍ واضح وصريح لا لبس فيه، لإحقاق العدل وضرورة تطبيقه والخضوع لمقتضياته والتزاماته الكلّيّة، (حتّى لو كُنَّا مبغضين لمن نَحْكُم فيهم وعليهم)، يقول الله تعالى في كتابه الكريم:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ﴾[النساء: 135].
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْي يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون﴾[النحل: 90]..
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾[المائدة: 8].
وهكذا فالعدل كان هدف (وغاية) جميع الأديان، ومنها الإسلامِ، حيث إنّ العدلَ أصلٌ من أصوله، وقيمةٌ معياريّة في دعوته، وليس مجرّد فكرة وعظيّة أو فضيلة أخلاقيّة؛ لأنّه مدخل أساسيّ لإقامة المجتمعات على التوازن والتعاون وتحقُّق المُساواة بين الأفراد بما يفضي إلى الرضى والقناعة والسعي الإيجابيّ في مناكبها.. حيث إنّه عندما تكون العلاقات في المجتمع قائمة على أسس العدل والمساواة، ولا يُميّز بين شخص وآخر وفرد وآخر إلا بناء على معايير العدل والكفاءة، فإنّ الناس سيتحركون بقوّة وفعاليّة –ورضى تام- على طريق الانتظام القانونيّ لبناء مجتمعاتهم وبلدانهم على معايير الحقّ والخير والمحبّة، والتنافس المنتج لتطويرها وتحقيق ازدهارها وإسعاد أفرادها. بما يعني أنّ العدالة في التفكير الإسلاميّ هي فلسفة اجتماعيّة كاملة قائمة بذاتها، لا يمكن للمجتمعات أن تنهض وتتطوّر وتزدهر من دون تحقيقها على كافّة الصعد والمستويات الفرديّة والمجتمعيّة.
ولكن رغم أهمّيّة هذا "المبدأ-القيمة" في التفكير الإسلاميّ، لم يبقَ وعي المسلمين له ملازمًا لمعنى انبثاقه النصّيّ الأولي، بل تكرّست -في سياقات التطبيق والسيرورة التاريخيّة- جملة إشكالات فكريّة وشبهات كلاميّة بين كثير من علماء المسلمين، طُرِحت حول هذا المفهوم؛ وكانت تحتاج لمعالجات جدّيّة على مستوى محاولة وضع إجابات وافية وشافية لها.. فمسألة العدل تعتبر أصلًا دينيًّا في مذهب أهل البيت(عليهم السلام)، بينما الأمر ليس على هذا النحو، بالنسبة للمذاهب الإسلاميّة الأخرى.. وقد أدّت هذه الاختلافات الفكريّة والعقديّة ـ على هذا الصعيد ـ إلى إثارة دفائن عقول العلماء المتكلّمين قديمًا وحديثًا، ليتحرّكوا مع خطّ العدل بكلّ مفرداته، فيما هو ممكن، وغير ممكن.
وبإمكاننا اليوم ملاحظة النتائج والآثار (السلبيّة) التي تمخّضت عن عدم الالتزام بخطّ العدل الإلهيّ كأصل من أصول الدين لدى كثير من الفرق والملل الدينيّة الإسلاميّة الأخرى، فقد جوّزت جماعات وتيّارات فكريّة وكلاميّة من المسلمين على الله تعالى فعل القبيح، وبالتالي معاقبة المطيعين، وإدخال الجنّة العاصين بل وحتّى الكافرين؛ ووصلَ الأمر ببعضهم إلى حدّ اعتبار أنّ قمّة العدل الإلهيّ تكمن في ظلمه تعالى وفي جوره وعدم حكمته (تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا).. ويمكن الاستزادة أكثر بالرجوع إلى بعض المصادر في هذا المجال[1].
في الحقيقة، يدرك كلّ إنسان بفطرته أنّ العدل أمر حسن وجميل وجيّد، ويجب الخضوع له والالتزام بكافّة مقتضياته ولو على ذاته ونفسه؛ بينما الظلم شيء قبيح مذموم ومرفوض وتجب مواجهته ومحاربته وعدم الخضوع لمقتضياته. ويستطيع العقل الإنسانيّ -من خلال ملكاته وإدراكاته الفاعلة- أن يسير ضمن قواعد محدّدة حتّى يصل إلى النتيجة التي تقول: «الله تعالى عادل لا يجور ولا يظلم»، فهو لا يحاسب دون فعل وعمل، ولا يثيب ولا يعاقب إلا بعد وقوع الفعل وثبوته، فيما يمثّله موقع الخير أو الشر.
وعلى ضوء ذلك، فالله سبحانه عادل لا يفعل سوى العدل؛ لأنّه ـ كما ذكر المتكلّمون ـ لو كان يفعل الظلم والقبح ـ تعالى عن ذلك ـ فإنّ الأمر لا يخلو عن الصور الأربع التالية[2]:

أنْ يكونَ جاهلًا بالأمر فلا يعلم أنّه قبيح.
أنْ يكون عالمًا به، ولكنّه مجبور على فعله، وعاجز عن تركه.
أن يكون عالمًا به، وغير مجبور عليه ولكنّه محتاج إلى فعله.
أن يكون عالمًا به، وغير مجبور عليه، ولا يحتاج إليه، فينحصر في أن يكون فعله له تشهّيًا وعبثًا ولهوًا..

وكلّ تلك الصور مستحيلة ومحالة وممتنعة على الله تعالى؛ لأنّها تستلزم النقص فيه، وهو تعالى محض الكمال والجمال البديع، فيجب أنْ نحكم بأنّه منزّه عن الظلم، وفعل ما هو قبيح.
وقد أكّد القرآن الكريم على العدل الديني من خلال أنّه ركن وأصل ثابت في مواضع كثيرة؛ ذكرنا سابقًا بعضها.. ونستكمل ذكرها هنا:
(وما الله يريد ظلمًا للعباد) [غافر: 3].
(والله لا يحبّ الفساد)[البقرة: 205].
﴿فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾[التوبة: 70].
قوله تعالى: (أم حسب الذين اجتنبوا السيّئات أن نجعلهم كالذين آمنوا وعملوا الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون)[القم: 35].
وقوله تعالى: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئًا وإن كان مثقال حبّة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين)[الأنبياء: 47].
من هنا نجد خصوصيّة العدل وأهمّيّته، من حيث إنّه جذر للأصل الآخر من أصول الدين وهو المعاد (بعث الناس يوم القيامة)؛ على أساس ثبوتيّة صفة العدل كخطّ إيجابيّ فعّال يتحرّك في الدارين، الدنيا والآخرة... وبالتالي تتحقّق الغاية المطلقة في خطّ العدل فيما هو مثاب، وفيما هو معاقب، كأساس للعدل الإلهيّ.
ممّا تقدّم نخلصُ إلى أنّ العدلَ أصل من أصول الدين، لا سيّما أنّه هدف النبوّات وأساس الرسالات وقاعدة المعاد الذي أحصيت عدد الآيات الواردة بذكره في القرآن الكريم، فبلغت زهاء ألف وأربعمائة آية مع التصريح فقط، وأكثر من ألفي آية مع التصريح والإشارة إلى المعاد.. ولعلّ في ذلك خير برهان على صحّة أصالة العدل في خطّ الدين الإسلاميّ، على اعتبار أنّ الذي هو أساس النبوّة والمعاد –اللذان هما من أصول الدين– هو أيضًا أصل آخر للدين؛ لأنّ أساس الأساس أساس.

العدلُ والظّلمُ في الميزان
بُنِي النّظام الكونيّ والحياتيّ على أساس العدل والحكمة والهدفيّة (الغائيّة)، فلا عبثيّة ولا فوضويّة، وإنّما هو نظام هادف دقيق منسّق، حكيم وعادل ومتوازن ومتكامل، في بعده الذاتيّ الداخليّ وامتداده الموضوعيّ الخارجيّ.. والمتدبّر في مواقع الحياة والوجود، يرى أنَّ هناك بعض الوقائع والقضايا التي قد يتجمّد عندها وعيه، بحيث يفترض أنّها تتحرّك من موقع الخلل والنقص والظلم، من حيث أصل الفعل والحركة والهدف..
فالإنسان يلاحظ مثلًا وجود ظواهر طبيعيّة غير متوازنة، تخرج من النظام المفترض (أنّه عادل ومنتظم ودقيق وموزون)، لتدخل في باب الصدفة والعبث واللا قانون، كالزلازل والبراكين والسيول والصواعق والكوارث البيئيّة والطبيعيّة المختلفة، وكذلك وجود حيوانات مفترسة، وكائنات حيّة أخرى دقيقة، وما ينجم عن ذلك من خلال توازن حركة الإنسان في واقع الحياة المعاشة من آفات وأمراض وعاهات مؤقّتة أم دائمة.. والأمر لا يقف عند هذا الحدّ، بل هناك أناسٌ من ذوي العاهات المكتسبة أو الموروثة، كأنْ يولد أحدهم فاقدًا لحاسّة من حواسه، أو يعاني من عجزٍ ما في جهازه الحركيّ مثلًا... إلى غير ذلك من الحالات التي بتنا نصادفها ونواجهها كثيرًا في حياتنا ومجتمعاتنا.. وهنا يأتينا السؤال:
لو كانَ الخالقُ (الله سبحانه) عادلًا حكيمًا في خلقه وصنعه وفعله، كيف تجتمع صفة العدل (العدل كصفة ذاتيّة للخالق) مع جود هذا الخلل (والظلم) الواقع في الحياة، وعلى أناس محدّدين دون غيرهم، مع انتشار وشيوع مثل هذه الظواهر والحوادث الكثيرة التي قد تشلّ حركة الإنسان وتلغي وجود أيّ معنى لحياته؟!.. ثمّ بأيّ منطق عقليّ وعلميّ (ودينيّ)، يمكن تعليل وتفسير تلك المظاهر والقضايا المعقّدة التي تتحرّك من موقع الظلم والشر على حدّ وعينا لها وفهمنا لحيثيّاتها المختلفة حتّى الآن؟!!.
في الواقع، كانَ التحقيقُ في أصل هذه المسألة، من المباحث الهامّة التي تعود زمنيًّا إلى عهد الإغريق، إبان سطوع فلسفة العقل والحكمة، حيث ذاع ما قاله «أرسطو» في هذا المقام، من أنّ الموجودات الممكنة بالقسمة العقليّة، في بادىء الاحتمال، تنقسم إلى خمسة أقسام:
ما هو خيرٌ كلّه لا شرَّ فيه أصلًا.
ما فيه خيرٌ كثير مع شرّ قليل.
ما فيه شرٌ كثير مع خير قليل.
ما يتساوى فيه الخيرُ والشّر.
ما هو شرّ مطلق لا خير فيه أصلًا.  
ثمّ صرّحوا بأنّ الأقسام الثلاثة الأخيرة غير موجودة في العالم، وإنّما الموجود من الخمسة المذكورة هو قسمان[3]..
لهذا نجد أنّه من الأفضل دراسة هذه القضيّة ضمن مستويات ثلاثة:
المستوى الفلسفيّ.
المستوى العلميّ.
المستوى التربويّ.

أوّلًا- المستوى الفلسفيّ:
وفيه نتناول الأمور التالية:
أ- الشرّ بينَ الأصالة والعدم:
إنّ الشّر أمرٌ عدميّ محض، وليست له أيّة أصالة ذاتيّة في هذا الوجود والحياة، بالرغم من النقائص والاختلالات العرضيّة التي نراها ونعاينها أو نسمع عنها في مسيرتنا الحياتيّة، وما زالتْ تتكرّر وتستمرّ منذ بدء الكون والوجود.
من هنا نجدَ أنّ الحديثَ في أنّ هذه كلّها هي من نوع «العدميّات» و«الفراغيّات»، ووجودها من نوع «النقائص» و«الفقدانات»، فإنّه -من هذه الجهة- هي شرّ.. وعلى هذا الصعيد، هي إمّا أن تكون بذاتها عدمًا أو نقصًا أو فراغًا، وإمّا أن يكون قد نشأ العدم والنقص والفراغ حولها فجعلها تأخذ من صفاته وتكتسب من ذاتيّاته. ودور الإنسان في النظام التكامليّ الضروريّ للكون هو جبران النقائص وملء الفراغات، ومحاولة اقتلاعها جميعًا من صفحة الوجود ما أمكن له ذلك؛ ونحن لا شكّ سنكون مخطئين إذا اعتبرنا وتخيّلنا أنّ للشرور صفًّا معيّنًا ومحدّدًا (بانتظام) من الأشياء تكون ماهيّتها شرًّا محضًا لا خير فيه، وللخيرات صفّ آخر متميّز تكون ماهيّتها خيرًا محضًا لا شرّ فيها. والصحيح هنا هو أنّ الخير والشرّ معجونان ومخلوطان مع بعضها بعضًا، ولا يقبلان التفكيك ولا الانفصال.. فأينما وجد في الطبيعة شرّ، فهناك يوجد أيضًا خير، وأينما وجد فيها خير، فالشرّ أيضًا فيه موجود. فالخير والشرّ قد عُجنا في الطبيعة، وركّبا، ولكنّه ليس تركيبًا كيماويًّا، وإنّما هو –كما قال الشهيد الشيخ مرتضى مطهّري- تركيبٌ من نوع تركيب الوجود والعدم؛ فعندما نتحدّثُ مثلًا عن «العمى»، فهذا لا يعني أنّ العمى شيء خاصّ وواقع ذاتيّ ملموس، بحيث يوجد في العين شيء خاصّ يسمّى العمى، قائم وموجود في كلّ عين. وإنّما العمى هو فقدان الرؤية وعدم البصر، وليس له أيّ واقع متميّز بذاته. وهكذا فالخيرات والشرور أيضًا من قبيل الوجود والعدم. بل الخيرات هي عين الوجود، والشرور هي عين العدم. ويمكننا أن نضرب على الكلام السابق المثال التالي:
عندما يتوسّطُ القمرُ المنطقةَ بين الشمس والأرض، وبالتالي يقع فيما يسمّى بالمحاق، فإنّ نصفه المواجه للشمس يكون مضيئًا، بينما نصفه الآخر المواجه لنا (نحن سكّان الأرض) يكون مظلمًا، وهذا ناجم عن حالة عدم النور التي تسبّب بها الوضع الأوّل، وبالتالي عندما نقول: إنّ ضياء الشمس هو السبب في إضاءة القسم المنير من القمر، فإنّه لا يجوز لنا أنْ نبحث عن الظلّ والظلمة.. وأن نسأل من أين يشعّ الظلّ.. وذلك على أساس أنّ «الظلّ والظلمة لم يشعّا من شيء، وليس لهما مبدأ ولا مصدر مستقلّ[4].

ب- الشّرُّ أمر قياسيّ نسبيّ:
نعلم أنّ النسبيّة لا تتحقّقُ إلا من خلال وسائل القياس والمعايرة، وهي تعني قياس بعض الحوادث إلى بعضها الآخر، وحصولنا على مفاهيم منتزعة كالكبر والصغر والطول والقصر والكمّيّة والحجم، وما شاكل ذلك، من الصفات النسبيّة التي ليس لها واقعة بل يصل إليها الذهن -مع توافر عنصر ثالث- يربط بين الموصوف والصفة..

مثال: الأرض أصغر من الشمس.
الأرض أكبر من القمر.
فعلى اعتبار أنّ الأرض قد حازت على صفتي الكبر والصغر معًا، كحكم تعارضي، ونسبة واحدة لموصوف واحد، فإنّنا نجد أنّ الصفتين السابقتين مجعولتان بالعرض وليس بالذات.. أمّا الصفات الحقيقيّة، فليست لها أيّة واقعيّة حقيقيّة بصرف النظر عن وسيط أو رابط معيّن..

مثال: الإنسان كائن عاقل موجود.
الآن، يمكننا القول، إنّ الموجودات المختلفة التي تتحرّك في الحياة، لتسبّب شرورًا وأضرارًا للكائنات الأخرى، ومنها –وعلى رأسها- الإنسان، إنّما تنطلق في حركتها من موقع ما هي عليه من الكمال والبقاء الذاتيّ، وليس من موقع الشرّ المحض، فسمّ الأفعى
 ـ مثلًا ـ ليس شرًّا بذاته، بل هي شرّ عندما نقيسه للأشياء الخارجة عن الأفعى، كالإنسان مثلًا، وما يسبّبه ذلك السمّ له من أعراض سيّئة تؤثّر على صحّته، قد تؤدّي به إلى الموت الحتميّ؛ أي أنّ سلب الوجود الحياتيّ من الكائن الحيّ هو الشرّ، وليس الشرّ شيئًا مستقلّاً بذاته، كأصل متميّز في ذات الكائن، ولا يحصل له مصداق إلا بالمقايسة فقط. بمعنى أنّ الشرّ لا حيثيّة ذاتيّة واقعيّة له بالمعنى الجوهريّ..
من هنا يتبيّن لنا أنّ «المخلوقات هي ذوات هذه الأشياء، وما لها من الصفات الحقيقيّة، وأمّا اتصافها بالشرّ فليس أمرًا حقيقيًّا محتاجًا إلى تعلّق، بل هو أمر قياسيّ يتوجّه إليه الإنسان عند المقايسة»[5].. وقد ذكر صاحب الأسفار الأربعة الفيلسوف الشيرازيّ، خُلاصةً لما تقدّم، مفادها:

1 - الشرّ أمرٌ عدمي، وليس أمرًا موجودًا محتاجًا إلى العلّة.
2 - الشرّ ليس مجعولًا بالذات بل هو مجعولٌ بالعَرض.  
3 - إذا تَصَفَّحتَ جميعَ الأشياء الموجودة في العالم المسمّاة عند الجمهور شرورًا، لم تجدها في نفسها شرورًا، بل هي شرورٌ بالعرض، خيرات بالذات[6].

ج- ضرورة التفكير والسّعة والارتباط العام:
عندما يقفُ الإنسانُ أمامَ ظاهرة من الظّواهر الشاذّة عن النظام الكونيّ الدقيق والعادل، يفْتَرض ـ للوهلة الأولى ـ أو يظنّ ويخمّن أنّها ناجمة عن الصّدفة العمياء المضادّة للحكمة والاتزان والعدل. لكن هذه النظرة الضيّقة المحكومة لظرفها وزمنها، إنّما هي ناتجة في الواقع عن جملة من المقدّمات النفسيّة المرتكزة على سطحيّة هكذا لون من التفكير وبساطته وسذاجته، بحيث ترى هكذا إنسان ينطلق في تحليل وقراءة وتفسير تلك الظواهر أو المشاهدات من موقع الأنانيّة الذاتيّة في حركته وفكره، «فعندما ينظر إلى الحوادث ويرى أنّها تعود على شخصه وذويه ومحيطه بالأضرار، ينبري من فوره إلى وصفها بالشرور والآفات، ولكن هذه الحوادث في الوقت نفسه وبنظرة ثانية تنقّلت إلى الخير والصلاح وتكتسي خلع الحكمة والعدل والنظم»[7].. إنّ الخفّاش طائر ليليّ يؤذيه النور والضياء، لكن هذا النور هو في حدّ ذاته خيرٌ لنا جميعًا، هذا من جانب.. ومن جانب آخر، فإنّه يجب على الإنسان أن ينطلق في تقديره ووعيه للظواهر والحوادث المختلفة التي يواجهها في حياته من خلال النظرة الشموليّة العامّة، أي من موقع الارتباط العامّ الذي يجعلنا نرى الوقائع والتحوّلات والحوادث كلّها عبارة عن حلقات مترابطة متسلسلة في سلسلة من العلل والمعاليل والأسباب والمسبّبات.. حتّى أنّ ما يهبّ من النسيم ويعبث بأوراق المنضدة الموجودة أمامك، يرتبط ارتباطًا وثيقًا بما حدث أو سيحدث في بقاعٍ أخرى من العالم. وهكذا فنظام الحياة والوجود -والخَلْق كله- بُنِي على أساسِ السّبب والمُسبّب؛ العلّة والمعلول.

د- نظام العلّة والمعلول:
يقوم النظام الكونيّ والحياتيّ على أساس التقدير والتوازن والحكمة الإلهيّة.. يقول تعالى: ﴿إنّا كلّ شيء خلقناه بقدر وما أمرنا إلا واحدة كلمح البصر﴾[القمر: 49-50].
لذلك نجد كيف تسلسلت الأشياءُ ضمن رتب متعدّدة، ذاتيًّا وموضوعيًّا، وذلكَ بحسب ما اقتضته المشيئة الإلهيّة في حاكميتها المتصرّمة والكينونيّة على الوجود كلّه، على أساسَ أنّ اللهَ تعالى هو خالق الوجود وهو علّة العلل، وواجب الوجود. كلّ ذلك من أجل أن يتحرّك كلّ مخلوق في خطّ الحياة، حتّى يصل إلى كماله الممكن له:

قال تعالى: ﴿الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَه ثُمَّ هدى﴾[السجدة: 7].
من ذلك يتضح أنّ علاقة العلّة والمعلول -وهي من البديهيّات العقليّة والأوّليّات الفطريّة الخارجة عن إطار الإثبات الحسّيّ- هي الأساس لبناء الكون بذراته ومجرّاته. والعلّة والمعلول مصطلح من المُصْطَلحات الفلسفيّة والكلاميّة على السَّواء، ويعتبر أهمّ الركائز التي يتكىء عليها الإلهيّون في إثبات وجود الخالق سبحانه وتعالى[8].

وهناك مسائل يعتمد عليها الارتباط العامّ في حركة الحياة والوجود والإنسان.. وهي:
1 - قانون العلّة والمعلول.
2 - ضرورة العلّة والمعلول.
3 - تناسب العلّة والمعلول.
4 - الكون والوجود ينتهيان إلى علل العلل.
فالأصل الأوّل بديهيّ فطريّ إذا صحّ التعبير؛ ويعدّ الأساس الذي تقوم عليه كلّ العلوم، وإنكاره يستلزم إنكار كلّ شيء والاستغراق في السفسطة واللا معنى واللا جدوى.. الأصل الثاني فيُبنى على أنّ المعلول عندما يوجد، فلا يكفي القول إنّ العلّة موجودة، بل لا بدّ من كون وجود العلّة ضروريًّا ومطلوبًا بذاته؛ وما دام صدور المعلول من علّة غير ضروري، فإنّه يستحيل وجود المعلول. وكذلك إذا تحقّقت العلّة التامّة لشيءٍ ما، فإنّ وجود المعلول يصبح واجبًا، فيستحيل عدم وجوده. ونستنتج من هذا أنّ أيّ شيء قد وُجد فقد كان (وجدانه) ضروريًّا، وإنّ أيّ شيء لم يوجد فعدمه كان ضروريًّا.. وإذا انتقلنا إلى الأصل الثالث وجدناه يعني نوعيّة الارتباط بين العلّة والمعلول، ويفيد أنّ علةً ما، لم تستطع أن توجِد معلولًا آخر غير معلولها؛ وأنّ معلولًا ما، لا يمكن أن يصدر من غير علّته. ومن هذه الأصول الثلاثة نستنتج أنّ للكون نظامًا قطعيًّا وغير قابل للتبديل.. أمّا الأصل الرابع، فهو يعني توحيد المبدأ، لنصل إلى الارتباط اليقينيّ العامّ بين كلّ حوادث الكون[9].
فالكون والحياة والإنسان كلّها تدار بسلسلة من القوانين والأنظمة الدقيقة البديعة المتقنة التي تدخل ضمن الإرادة التكوينيّة التي لا تتبدّل ولا تتغيّر، على أساس أنّ هذه الأنظمة العامّة للكون تستلزم حدوث اختلافات وتنوّعات، وبالتالي وجود مراتب في سُلّم الحياة، الأمر الذي يؤدّي ويفضي بالضرورة إلى «انبثاق» النقص والعدم والفراغ. فالأصل خيّر، ولكن ما يعتري مواقعه الوجوديّة من نقص (كونه معلولًا) يعطينا انطباعًا بأنّ تلك المواقع والمراتب التي حدثت فيها تلك النقائص والفراغات هي شرّ أصيل، مع أنّها مجرّد شرّ عرضيّ.

هـ - الترجيح معدوم والاختلاف موجود:
ويعني الترجيح أنْ تتحرك الأشياء في الحياة من موقع التمييز والتفضيل بعد التساوي في الأسباب والاستحقاقات والشروط والقابليّات الواحدة.. وذلك  كأصل له علّة موجدة له.
أمّا الاختلاف فيعني، التفرقة بين الأشياء المتحرّكة من موقع تباينها في مسألة الاستحقاق على أساس أنّ نوعيّة الشيء وكماله الممكن له، ودرجته في السلّم الوجوديّ، يقتضي استحقاقًا معيّنًا.. وبعبارة أخرى: «يكون الترجيح من قبل المُعْطِي، أمّا الاختلاف من قبل الآخِذ»[10].

ولنوضح الأمر بالمثال التالي:
لو قدّمَ طالبان امتحانًا في مادّة دراسيّة معيّنة، وكانا يستحقّان الدرجة نفسها، تبعًا للمقاييس والموازين الموجودة، فإنّ إعطاء أحدهما درجات زيادة على الآخر هو عين الترجيح، وهو لا يحدث إلا من قبل المُصحّح (أي المعطِي)؛ لأنّه هو منشأ الترجيح؛ بينما لو أخذ كلاهما نفس الدرجة فهذا عين العدالة.. ولو خضع طالبان آخران لامتحان آخر، أحدهما يتّصف بالذكاء، والآخر كان كسولًا طيلة العام الدراسيّ، ونتائجهما تدلّ على ذلك، وكتب كلّ منهما الإجابات على حسب معرفته، فلا بدّ أنْ يعطي المصحّح الدرجات لهما على أساس الاختلاف، تبعًا لما قدّم كلّ منهما من أجوبة؛ وذلك لأنّ استعداد الأوّل، يختلف عن الثاني، فالمجتهد استطاع حلّ أسئلته وتقديم أجوبته الصحيحة كلّها، بينما عجز الكسول عن ذلك؛ فهنا نجدُ أنَّ مَنشأ الاختلاف بينهما، ليسَ من ناحيةِ المُعلّم المُصحّح، إنّما من ناحية استعداد كلّ منهما، وقابليّته للتحرّك في إثبات فاعليّته قدراته واكتساباته العمليّة..
نعود مرّة أخرى إلى مسألة الترجيح لنقول: إنّه من الممكن أن يصطدم الإنسان في واقعه بنماذج تنطبق -تبعًا لفهمه- مع مسألة الترجيح، كأن يشاهد طفلًا خُلق مشوّهًا، أو أصيب بعاهة معيّنة قد لا يبرأ منها أبدًا.. وهنا قد يتبادر إلى ذهن أيّ إنسان يرى ويشاهد، التساؤل التالي: يا ترى ما هو ذنب هذا الطفل البريء، الذي يتحمّل كلّ هذا الألم الممض والعذاب المستمرّ طيلة حياته، ومن هو المسؤول عن عاهته الجسديّة أو العقليّة؟! أليسَ ترجيحًا أم هو اختلاف؟!..
في الحقيقة: من الخطأ الظنّ بأنّ الخالق (الله تعالى) قد فرّق –وميّز- بين هذا الإنسان المشوّه وبين غيره من الناس المعافين الأصحّاء؛ ذلك لأنّ التّرجيح لا وجود له في أصلِ الخلق والحياة؛ لأنّه ظلم قبيح، والله تعالى عادل لا يرتكب القبيح ولا يظلم أحدًا، ولكن هذا الوضع غير المتوازن (والذي نأخذ عنه نحن كبشر انطباعات سلبيّة وسيّئة) ينطلق من موقع الاختلاف والتفاوت على أساس أنّهما لازمان ذاتيّان من لوازم المخلوقات، ولازمان لنظام العلّة والمعلول، ممّا يؤدّي إلى تحقيق التكامل الحياتيّ.
وهنا قد يقول البعض: ألا توجد حكمة معيّنة من هذا العمل الاختلافيّ -إن صحّ التعبير-؟! بمعنى آخر: ألا يريدنا الله تعالى أن نتدبّر حقيقة هذا الاختلاف على أساس أن نأخذ منه حكمة معيّنة نستفيد منها في خطّ الحياة؟!.. إنّ الحكمة تتحرّك في إطار المعنى الحقيقيّ من موقعين:
الأوّل، في حقّ الله تعالى: بأنْ يوصلَ الأشياءَ المختلفة -ضمن استعداداتها وقابليّاتها– إلى كمالاتها الممكنة لها.
الثاني، في حقّ الإنسان: على اعتبار أنّ العملَ الإنسانيّ الهادف، والمتحرّك باتجاه الكمال والهدف المرجوّ في خطّ الحياة الإنسانيّة، هي حكمة ذاتيّة على أساس سلوكيّة الإنسان باتجاه معرفة النظام الأكمل.
فإذا عرفنا ذلك أمكننا القول، إنّ الله تعالى حكيم في فعلهِ وإبداعه، وفي كلّ حركة من حركات الكون والوجود.. لكنْ هل يوجد هناك أيّ مغزى أو معنى، في أن تتحرّك المصلحة والحكمة في خطّ الله تعالى، في الفعل الإنسانيّ ترجيحًا وتمييزًا؟!
في الواقع، من غير الحكمة أنْ نقرّر، أنّ الله تعالى -لمصلحة أو حكمة منه- قد خلق أمرًا سلبيًّا معيّنًا في مقابل الأمر الإيجابيّ، على أساس أن يكون لأحدهما معنى بمعرفة الأخر كاللذة والألم مثلًا..؛ ذلك لأنّ الله تعالى قادر على أنْ يعطينا درسًا وعبرةً وحكمة من وراء حالة أو فعلٍ معيّن موجود -هو مبدعه و خالقه- من دون أن يلجأ إلى السلوك الترجيحيّ، على اعتبار أنّ ذلك يعتبر نقصًا في معنى (وأصل) عدالته (تعالى الله عنها).. بمعنى آخر: إنّ الترجيحات والشرور لا يمكن تفسيرها بالحكمة والمصلحة؛ لأنّ الله تعالى قادر على إيجاد فوائد الترجيحات والشرور دون أن توجد هذه الوسائل المعكّرة لصفو المخلوق والمكدّرة لحياته[11]. كأن يكون مشلولًا أو أعمى أو ما شابه ذلك.. وقد ذكر العلّامة الشهيد مرتضى المطهّري(ره) أشكالًا مميّزة، حول مسألة الحكمة والمصلحة الغائيّة، حيث يقولُ: «..ونظام الأسباب والمسبّبات بالنسبة إلينا يعتبر أمرًا متعيّنًا، أمّا بالنسبة إلى الله تعالى فإنّه لا يشكّل سوى اختيار واحد من عدّة اختيارات.. فنحن من يمكن أن نتصفَ بالحكمة، وليس الله، وفعلنا هو الذي له قابليّة الاتصاف بالحكمة، عندما يتطابق مع النظام الموجود، وليس فعل الله هو الذي عين النظام؛ لأنّ هذا النظام لم يخلق مشابهًا نظامًا آخر. والله سبحانه قد خلق نظامًا فإذا تعرّف عليه الإنسان، وعمل وفقه فقد أدّى عملًا حكيمًا..»[12].
فإذا ادّعى إنسانٌ أنّ الله سبحانه خلق العالم وجعل نظامه قائمًا على أساس العلل والمعلولات، المقدّمات والنتائج لكي تتّضح حكمته وعلمه لعباده، ولكي يكون ذلك وسيلة لوصولهم إلى معرفته، وإلا فلو كان النظام والإتقان معدومين ولو كانت الصدفة هي المتحكّمة، وبعد أيّة مقدّمة يمكن أن تجيء أيّة نتيجة، لانعدمت كلّ الطرق المؤدّية إلى معرفة الله..!؟.. أجبناه بأنّ هذا الموضوع -وهو أنّ حصول المعرفة للعباد متوقّف على مشاهدة النظام الحكيم في الخلقة- معناه أنّ هناك نظامًا قطعيًّا ضروريًّا يحكم العالم، مع أنّنا قد أثبتنا فيما مضى، أنّ التوسّل بالأسباب للوصول إلى النتائج، أمر خاصّ بالعباد، وليس شاملًا لذات الله، فمن الممكن لله سبحانه إيصال المعرفة لعباده دون الاستفادة من هذه الوسيلة[13].

قال تعالى: (الذي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلْقَه ثُمَّ هدى)[السجدة: 7].
العدلُ بالمعنى العلميّ والتربويّ
طبعًا، لا يقتصرُ العدل على البعد الذاتيّ الدينيّ على صعيد التوحيد، بل يتعدّاه إلى البعد الحياتيّ والموضوعيّ للبشريّة في كلّ مجالاتها وعلاقاتها الخاصّة والعامّة، في شموليّة أفعالها وخصوصيّاتها، في التصرّفات والسلوكيّات البشريّة، في فكرها وتصوّراتها وانتماءاتها.. فهو قيمة مطلقة لا يدخلها تقييد أو تكبيل، خاصّة مع كونها صفة ذاتيّة لواجب الوجود.. وقد دلّت النصوص الشرعيّة كلّها (قرآن-أحاديث) على ذلك كلّه. يقول تعالى، آمرًا الناس بسلوك طريق العدل، والحكم بموجبه: (إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا الأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)[النساء: 58]. فمع العدل تستقرّ العلاقات الاجتماعيّة البشريّة، ويأمن الناس على حياتهم وعيشهم ومتطلّبات وجودهم ومستقبلهم، ويشعرون بالاطمئنان النفسيّ والسلوكيّ، بما يدفعهم للعمل الخلّاق المنتج، وبناء الحياة البشريّة وعمرانها على أسس متوازنة صحيحة، فتتزايد الخيرات والموارد، وتكثر الأرزاق، ويأخذ كلّ ذي حقّ حقّه.. يقول تعالى: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولو على أنفسكم ولا يجرمنّكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون)[النساء: 135].
إذًا العدلُ -في شرعة الإسلام- فريضةٌ واجبة، وليسَ مجرّد قيمة أو حقًّا قابلًا للمساومة يمكن لصاحبه تركه وإهماله أو التنازل عنه والتفريط به لهذا أو ذاك. ففي النهاية هناك حقّ عامّ حتّى لو تنازل صاحب الحقّ عن حقّه، وهذا الحقّ العامّ هو حقّ الله تعالى الذي هو تماميّة تنفيذ حركة العدل. فهو فريضة واجبة، فُرضت بنصّ القرآن على الرسول وأتباعه.. يقول تعالى: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءهُمْ وَقُلْ آمَنتُ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِن كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ اللَّهُ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ اللَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَنَا وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ)[الشورى: 15].
كما فرضَ كقيمةٍ ومبدأ وحقّ على الحكّام والولاة في عملهم على إحقاق الحقوق وإيصال المجتمعات إلى برّ الأمان في السعي لإقامة مجتمعات العدل والإنسانيّة والكرامة..  يقول بنصّه: (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً)[النساء: 58]. بل لقد أنبأنا الله سبحانه وتعالى أنّ هذه الأمانة -التي فرض على الإنسان حملها وأداءها- كانت هي المعيار الذي تميّز به الإنسان وامتاز على غيره من المخلوقات؛ (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً)[الأحزاب: 72].. ومن المفسّرين من قال: إنّها أمانات الأموال والعدل بين الناس[14]. طبعًا هناك مفسّرون آخرون قالوا بأنّها أمانة بناء الأرض وإعمارها بناء على معيار المسؤوليّة في خطّ الله تعالى.
وهذا الشمولُ لفريضةِ العدلِ (والعمومُ لضرورتها)، يحدّثنا عنه الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) عندما يدعو الآباء إلى العدل بين أبنائهم في قوله: «اعدلوا بين أبنائكم»[15]، وعندما ينهى الولاة عن غشّ الرعيّة في قوله: «ما من عبدٍ يسترعيه اللهُ رعيّة يموت يوم يموت، وهو غاشٌّ لرعيّته إلا حرّم اللهُ عليه الجنّة»[16]؛ وعندما يحدث الولاة عن تكافؤ «العقد» بينهم وبين رعيّتهم؛ ويحذّرهم من التفريط بما عليهم تجاه الرعيّة، فيتحدّث إلى الرعيّة عن علاقتهم بالأئمّة، فيقول: «إنّ لهم –أي الأئمّة- عليكم حقًّا، ولكم عليهم حقًّا مثل ذلك، ما إن استرحموا فرحموا، وإن عاهدوا وفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين»[17]؛ وعندما يتحدّث عن وجوب شمول العدل لكلّ الميادين؛ عدل الولاة في الرعيّة؛ وعدل القضاة في الأحكام؛ وعدل الإنسان في أهل بيته؛ الفرد، والأسرة، والمجتمع[18].
هذا هو معيار «العدل»، كضرورة إنسانيّة واجبة، بكتاب الله وسُنّة الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) والأئمّة الأطهار(عليهم السلام).. يقول الإمام عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) في وعيه لقيمة العدل على الصعيد الاجتماعيّ الواقعيّ: «إن الله فرض في أموال الأغنياء أقوات الفقراء، فما جاع فقير إلا بما متّع به غنيّ، إنّ الغنيّ في الغربة وطن، والفقر في الوطن غربة، وإنّ المقلّ غريب في بلدته، أنتم عباد الله، والمال مال الله، يقسم بينكم بالسويّة، لا فضل فيه لأحد على أحد»[19].

ثانيًا- المستوى العلميّ:
بعد أنْ ناقشْنَا المستوى الفلسفيّ لقيمة العدل، نتابع هنا ما يتعلّق بهذه «القيمة-المبدأ» على الصعيد العلميّ المدروس من خلال الجوانب التالية:

أ – الظواهر الطبيعيّة:
يسوق بعض المتعلّمين مثالًا عن الخلل في فكرة العدل كقيمة معياريّة كونيّة انبثقت أساسًا من معنى العدل الإلهيّ.. والمثال هو ثوران البراكين.. فلو كان العدل هو القانون الحقيقيّ الناظم لحركة الوجود والحياة، فكيف يمكن أنَّ نفسّر ما ينتج عن البراكين والزلازل من مآسي وكوارث وآثار ضارّة على الحياة والإنسان..؟!..
لقد أثبتَ العلماءُ أنّ البراكينَ، في حركتها ومخاضاتها، وما تلفظه من سوائل بركانيّة حارّة تدعى اللافا LAVA، تؤدّي إلى آثار إيجابيّة نافعة للحياة، حيث تتجدّد التربة وتصبح اللافا -بعد خمود البراكين- من أخصب أنواع الترب الزراعيّة الموجودة في الطبيعة، كذلك يترتّب على الزلازل (في مقابل شرورها) خيرات كثيرة للبشر ومنافع للناس، على أساس أنّ هذه الزلازل، التي ذكر العلماء أنّ أحد أسبابها تكمن في حدوث جاذبيّة القمر التي تدفع قشرة الأرض الزراعيّة المحيطة، ممّا يؤدّي إلى حدوث ظاهرة «المدّ والجزر»، وهذا يفيض المياه والخيرات على الأراضي الزراعيّة المحيطة، فتُسقى المزارع والترب، ممّا يساهم في نموّ المزروعات والمحاصيل الزراعيّة المختلفة، وبالتالي اخضرار الحياة بالعطاء للإنسان والحيوان.
كذلك نجد أنّ حركة الرياح تنطوي على فوائد جمّة وكثيرة (في نفس الوقت الذي يسبّب فيه بعضها دمارًا أو خرابًا) من تحريك السحب المولدة للمطر، ودفع حركة سحب المليئة بالتلوّث الناجم عن دخان وأبخرة كثير من المصانع والمعامل، وهي تبدو إلى اليوم (الرياح) وسيلة فعّالة لتلقيح الأزهار بنقلها الأبواغ من مكان إلى آخر.
أمّا بالنسبة للصواعق، فقد وجد أنّها تسبّب منافع للبشريّة من خلال إحداثها للنترات المختلطة بالأكسجين والنتروجين، حيث يحتاجها النبات، وتعمل على إعطاء التربة خصوبتها الملائمة للزراعة.. إلى غير ذلك من الفوائد الكثيرة الناجمة عن حركة الظواهر الطبيعيّة الكثيرة التي ينظر إليها من زاوية أنّها شرور وظلم للناس (كنظرة جزئيّة)، أي نتيجة النظر إليها فقط من زاوية بعض آثارها السلبيّة، الأمر الذي يؤدّي إلى إقرارنا لحقيقة أنّ الخير والشرّ ممزوجان مع بعضهما البعض، لكن جانب الخير يرجح جانب الشر، فيكون المجموع خيرًا لا شرًّا. يقول تعالى: ﴿هو الذي يريكم البرق خوفاً وطمعاً وينشأ السّحاب الثقال ويسبح الرعد بحمده والملائكة من خيفته ويرسل الصواعق فيصيب بها من يشاء وهم يجادلون في الله وهو شديد المحال﴾[الرعد: 12-13].

ب- الإنسان ونقص الخلقة:
إنّ ما نشاهده في حياتنا –من حالات النقص في الخلقة عند الإنسان، وفي مجموع هذه الحالات– لا يشكّل إلا نسبةً ضئيلة جدًّا من حيث عدد ونسبة الأفراد الكاملين في نموّهم وحركتهم وخلقهم، إلى حدّ يمكن القول بأنّ تلك الحالات استثنائيّة في حركة البشريّة وهي لا تمثّل شيئًا كبيرًا.. وقد أثبت العلم الحديث أنّ هناك مجموعة من العوامل والمسبّبات المؤدّية إلى حدوث النقص في النموّ الجنينيّ داخل الرحم.. ففي النهاية، الحياة تسيّرها قوانين ونواميس ومعايير ونواظم أودعها الله فيها.. وإذا عرفنا ذلك مع معرفة نسبيّة هذه الحوادث قياسًا للمجموع الكامل العامّ، يمكن أن نؤكّد بأنّ عدم التقيّد بالقوانين المعروفة اللازمة لكمال النمو عند الجنين أو حتّى بعد ولادته، سيؤدّي حتمًا إلى هذا النقص وحدوث الخلل العضويّ.. فالله تعالى أودع النظم والقوانين في الكون، وهي علّة لوجود هذا الكون، وجعل لكلّ شيء سببًا مباشرًا أو غير مباشر.. والإنسان بعقله ووعيه قادر على الوصل إليها، وعندما لا يتمكّن من معرفة كثير منها فهذا لا يعني مطلقًا عدم وجودها.. لكن بالبحث والتقصّي والتدقيق والتأمّل والتعلّم ومراكمة الخبرات والتجارب سيصل إلى كثير منها.. فالله يسبّب الأسباب ويطلب من الإنسان معرفتها والوصول إليها كي لا يكون هناك حرج، ولتقع المسؤوليّة على من قام بها.
فمثلًا، من الجائز أنْ تكون الأمّ ـ التي وُلِدَ لها طفلٌ مشوّه ـ قد تناولتْ خلال فترة حملها أدوية محظورة، أو مارست عادات ضارّة، بما يؤثّر سلبًا على نموّ جنينها وعلى مجمل حياته اللاحقة بعد الولادة.. أو تكون قد تعرّضت لوضع معيّن يتناسب عكسًا مع صحّة جنينها وسلامة نموّه الطبيعي، حيث إنّه من الممكن أن يختلّ الواجب الوظيفيّ للمشيمة التي تفرز هرمونات لازمة للحمل، وتغذّي الجنين. وكذلك فقد تحدث زيادة في مدّة الحمل، ممّا يؤثّر على حياة الجنين والأمّ معًا، حيث ينقص الأكسجين (O2) القادم إلى الجنين بسبب قلّة المبادلات الغازيّة، الأمر الذي ينجم عنه تعرّض الجنين لتشوّهات معيّنة، وقد يموت عقب ولادته، أو قد يولد ميتًا.
كما ويُلاحظ أنّ بدء التشكّل الإنسانيّ- تخلق الجنين بهيئة الإنسان- عند الجنين يبدأ في الأسبوع الحادي عشر فما بعد، حيث يمرّ الجنين خلال هذا الوقت، بأدقّ مراحله وأخطرها؛ لأنّها مرحلة التخلّق حيث يتمّ تمايز الأعضاء والأجهزة المختلفة.. كلّ ذلك يسير على أساس أنّ كلّ حركة من حركات الجنين لازمة لنظام العلّة والمعلول، وقد يؤدّي سبب معيّن طارئ داخليّ أو خارجيّ إلى نتيجة سيّئة في ذاتها ـ خصوصًا أثناء هذه الفترة الخطيرـ تحمل المعاناة والشقاء من ناحية ذاتيّة.. وقد تثمر وتفيد الخطّ الطبّيّ العام، من خلال البحث عن علّة هذا المرض الذي سبّب التشوه، وأدّى بالتالي إلى حدوث النقص في خلقة هذا الإنسان أو ذاك. وقد سبق أنْ أكّد ستون باحثًا اجتمعوا في المقرّ الطبّيّ لمنظّمة الصحّة العالميّة في كوبنهاغن في شهر تشرين الأوّل عام (1991م) على أنّ تلوّث البيئة قد يكون مسؤولًا مباشرة عن تشوّهات الأجنّة ومشاكل النموّ.. وأضافوا أنّ تشوّهات الأجنّة باتت مشكلة دوليّة تعود بشكل خاصّ إلى انتشار الزئبق والرصاص والأوكسيدات التي تشكّل سمومًا وكلّها تأثيرات ضارّة جدًّا على الصحّة العامّة..»[20].
فالإنسانُ إذًا هو المسؤولُ بالفعل الحركيّ، والله تعالى بالتسبيبِ العامّ.. لذلك فمن المحال على ذات الله المقدّسة ـ التي أبدعتْ خلقَ الإنسان وصوّرته في أحسن تقويم ـ أنْ تشوّه صورته وهيئته لغاية أو لحكمة.. والله تعالى قادرٌ على إظهار الحكمة في الفعل، من غير نقص أو مشقّة أو تكدير لصفو خلقة الإنسان وكمال هيئته وتكوينه.
قال تعالى: (ربّنا الذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى)[طه: 50].
قال تعالى: (وصوّركم فأحسن صوركم ورزقكم من الطيّبات)[الغافر: 64].

ج- التوازن البيئيّ:
إنّ الانسجاميّة التكوينيّة في حركة الكائنات الحيّة، على اختلاف درجاتها، توضّح للمتدبّر في حيثيّاتها المختلفة، أنّه لا بدّ أنْ يكون هناك غاية سامية من جرّاء وجود هذا الكمّ الكبير من التنوّع الهائل في هذه الكائنات الحيّة، وقد بحث العلماء في السلوكيّات الفيزيولوجيّة للكائنات التي وقعت تحت اختباراتهم، فوجدوا أنّها تؤدّي عملًا معيّنًا يتناسب مع طبيعتها العضويّة، بحيث إنّها تنطلق من موقع الهدفيّة ـ لا العبثيّة ـ كما فطرها الله سبحانه، وأوصلها إلى كمالها الوجوديّ الممكن لها.
فالبكتيريا ـ مثلًا ـ سلاحٌ فعّال لمواجهة أزمة البيئة التي سبّبها الإنسان، وتصنّعه في الحياة.. حيث تقوم هذه الكائنات الحيّة الدقيقة بتخلّص الإنسان من كثير من الآثار المدمّرة للمبيدات على الترب الزراعيّة وغير الزراعيّة.. وهناك بكتيريا تعيد تنقية مياه المجاري، إلى مياه صالحة للشرب، فتلك تستطيع أن تمدّ الإنسان بمركّبات طبيعيّة.
كلّ ذلك يدخل تحت ما يسمّى بعلم «البيوتكنولوجيا» أو التقنيّة الحيويّة[21].. يقول العالم الأمريكيّ باري كومونر-أحد أبرز علماء البيئة في العالم- في كتابه الدائرة المقفلة Circle  The closing: «إنّ المتتبّع لطبيعة العلاقات الكونيّة، يرى بأنّها علاقات مترابطة ومتكاملة، فكلّ نتيجة هي أيضًا سبّب.. ففضلات الحيوان تصبح غذاء لبكتريا التربة، وما تفرزه البكتريا يغدو غذاء للنبات، كما أنّ النبات هو قوت الحيوانات، وهكذا... ويوجد أمثلة أخرى كثيرة حيّة، يؤكّد فيها العلم، وعلى نحو قاطع، على أنّ الحكمة والعدالة موجودتان في كلّ تفكيره. جزئيّة كانت أم كلّيّة، من نواحي الحياة والكون والإنسان... ولا أساسَ أبدًا لتلك الحالات الشاذّة التي يقضي فيها البعض أو قضيّة شاذّة تتناسب ومحدوديّة علمه وسذاجة تفكيره..... ولو وقف كلّ إنسان عالم على علمه الضئيل و نسبة علمه إلى ما لا يعلمه لرجع القهقريّ قائلا: (وما أتيتم من العلم إلا قليلًا)
[الإسراء: 85][22]. يقول العالم الإنكليزيّ وليم كروكس (مكتشف إشعاع المادّة، والمخترع لكثير من وسائل التجارب الكيميائيّة وأدواتها: «من بين جميع الصفات التي عاونتني في مباحثي النفسيّة، وذلّلت لي طريق اكتشافاتي الطبيعيّة، و لو كانت تلك الاكتشافات أحيانًا غير منتظرة، هو اعتقادي الراسخ بجهلي»[23].

ثالثًا-المستوى التربويّ:
إنّ الإنسان الذي يألف نمطًا حياتيًّا أحاديًّا، ويتحرّك فيه من موقع إنسانيّته في خطّ الحياة، سيصل -كما تؤكّد التجارب والخبرات الحياتيّة- إلى حالة من حالات انعدام الراحة والطمأنينة.. إنّه الفراغ واللا استقرار.. حيث ستواجهه الكثير من الصعوبات والعقبات في مسيرته ومحطّات الحياة المتنوّعة التي سيقف فيها.. وهذا لا شكّ هو نوع من التربية الحياتيّة العمليّة التي لا بدّ وأن توقظ وعيه الذاتيّ، وتثير في نفسه دوافع التحرّك بعزيمة وإرادة، بحيث تصقل نفسه وجسده، لكي يواجه الحياة بكلّ قوّة وثبات ووعي.
من هنا تكون المصائب التي تعترض سير الإنسان في الحياة، بمثابة الطرق والوسائل التربويّة الخارجيّة التي تسهم في تثبيت موقعه وتدريبه على العيش بثقة وقوّة وطمأنينة، فيما تؤدّي إلى تفجير الطاقات البشريّة الكافية، وسلوك الحياة في خطوط البحث والمعرفة على حسب المبدأ القائل «الحاجة أمّ الاختراع».. وقد أكّد كثير من الباحثين والعلماء على أنّ أكثر الأفكار والنظريّات والطروحات التي سادت في الزمن الغابر، لم تتوضّح، ولم تتحرّك في خطّ الإنسانيّة، بحيث تشهد نموًّا حركيًّا دائبًا، إلا في خضمّ الأزمات المعقّدة من صراعات وحروب وكوارث.
لذلك، فإنّ تفتّح المواهب وتكامل الطاقات، وتفجّرها في حركة الحياة من القوى الكامنة والساكنة إلى فعليّة الحركيّة التكامليّة، تستلزم تعرُّض الإنسان إلى البلايا والصعاب والمصائب فيما يطلق حركة الفكر في عقله، ليحوّلها إلى قوى مثارة ومتحرّكة في الواقع المعاش، من أجل تقديم نماذج من الواقعيّة الفعليّة، من حيث الاختراع والإبداع بإطلاق القوى الكامنة من مواهب وطاقات.. ففي الشدائد تعرف النفس، وتشتدّ قوى الذات الكامنة، وتتفتّح القدرات الذاتيّة.. فلا تشتكوا من صعوبات الحياة وتعقيداتها، ففي عمقها خير كثير.. يقول تعالى: (فإنّ مع العسر يسرًا إنّ مع العسر يسرًا)[الانشراح: 5-6].
ويمكننا من خلال قوله تعالى: (وما أرسلنا في قرية من نبي إلا أخذنا أهلها بالبأساء و الضراء لعلّهم يضرعون)[الأعراف: 94]، أن ندخل في مسألة التكامل الأخلاقيّ، على أساس أن تعرض الإنسان للمصائب والمشكلات والأحوال الصعبة في مواجهاته الحياتيّة، يعتبر بمثابة المنبّه القويّ له لكي يعود إلى طريق الحقّ وجادة الصواب وطريق الاستقامة، تمامًا كما يضرب الطبيب مريضه عندما يفقد وعيه، كوسيلة لإيقاظه واستعادة وعيه.
ويمكننا أن نشير هنا إلى أنّ المصائب قد تكون أيضًا حالة اختبار للإنسان في رحلته الحياتيّة على اعتبار أنّها تمثّل امتحانًا فعليًّا، فيما يمكن أن يعطيه ذلك من حالات الثبات أو عدم الثبات على النهج الصحيح الحقّ من جهة، وفيما يمكن أن يكون ذلك سبب لمعرفة نِعَم الله تعالى على عباده، وتقديرها من الجهة ثانية.. قال تعالى: (ونبلوكم بالشرّ والخير فتنة وإلينا ترجعون)[الأنبياء: 35].
عن رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم): «إنّ الله ليغذّي عبدَه المؤمن بالبلاء، كما تغذّي الوالدة ولدها باللبن، وإنّ البلاء إلى المؤمن أسرع من السيل إلى الوهاد، ومن ركض البرازين.. وأنّه إذا نزل بلاء من السماء إلى الأرض بدأ بالأنبياء ثمّ بالأوصياء، ثمّ الأمثل، فالأمثل»[24].
وهكذا وجدنا، كيف أنّ المصائب ليست شيئًا سلبيًّا دومًا، بل تختزن في داخلها إيجابيّات نفسيّة وتربويّة وعلميّة، تنطلق عمومًا من موقع تربية الأرواح في عمق حركة الشدائد والشرور، ومحاولة اكتشاف السعادة من صلب الألم، بحيث يتفتقُ الإبداع في الشدّة والموهبة في البلاء، على أساس أنّ الإنسان لا يشعر بلذّة إلا بوجود الألم، فسعادتنا –في كثير من الأحيان- تكمن في وعي المصائب التي نمرّ بها.. أجل المصائب والبلايا نعم عظيمة، لا بدّ من تقديم الشكر لله عليها.. إنّها نعم تجلب لنا بصورة مصائب، كما تتجلّى المصائب أحيانًا بصورة الرحمة.. فمن الواجب أن نكون شاكرين لله على هذه البلايا. وعلى أيّة حال فلا بدّ من ملاحظة أنّ كون النعمة نعمة، وكون النقمة نقمة، يرتبط بنوعيّة ردّ فعلنا إزاءها.. فنحن نستطيع أن نبدّل جميع النقم إلى نعم فضلًا عن النعم التي تتجلّى بصرة رحمة، ونحن قادرون أيضًا أنْ نبدّل جميع النّعم إلى مصائب فضلًا عن النعم التي تَصِلُنا بلباس البلاء[25].
إنّ الله تعالى يأمر بالعدل والمحبّة والإحسان والعفو والخير والسلام والوئام بين الناس، وهو لا يرضى إلا بالطيب والخيّر.. وهو أقام الوجود على العدل والاختيار، لتكون المسؤوليّة واقعة عمليّة على الفرد، فلا جزاء بلا مسؤوليّة واختيار.. والله أرادنا أحرارًا؛ والحرّيّة اقتضت الخطأ.. ولا معنى للحرّيّة من دون أن يكون لنا –نحن كبشر نسبيّين ومحدودين وشكّاكين- حقّ التجربة والخطأ والصواب، والاختيار الحرّ بين المعصية والطاعة..
طبعًا من البديهيّ القول بأنّه كان في قدرة الله أن يجعلنا جميعًا أخيارًا، وذلك بأن يقهرنا على الطاعة قهرًا، وكان ذلك يقتضى أن يسلبنا حرّيّة الاختيار، وبالتالي المسؤوليّة.. فهل يعقل أنْ يحاسب الله تعالى إنسانًا يجبره على فعل الشرّ؟! طبعًا لا.. وفى دستور الله وسنّته أنّ الحرّيّة مع الألم أكرم للإنسان من العبوديّة مع السعادة.. ولهذا تركنا نخطئ ونتألّم ونتعلّم، وهذه هي الحكمة في موضوع بالشرّ ووجوده العرضيّ.. ومع ذلك فإنّ النّظر المنصف المحايد سوف يكشف لنا أنّ الخير في الوجود هو القاعدة وأنّ الشّر هو الاستثناء.. فالصحّة مثلًا هي القاعدة والمرض استثناء، ونحن نقضي معظم سنوات عمرنا في صحّة، ولا يزورنا المرض إلا أيّامًا قليلة. وبالمثل الزلازل هي في مجملها بضع دقائق في عمر الكرة الأرضيّة.. وهو عمر يُحصى بمئات ملايين السنين، وكذلك البراكين، وكذلك الحروب هي تشنّجات قصيرة في حياة الأمم بين فترات سلام طويلة ممتدّة زمنيًّا.. ثمّ إنّنا نرى لكلّ شيء وجه خير، فالمرض يخلف وقاية، والألم يربّي المرء على الصلابة والجلد والتحمّل، والزلازل تنفّس عن الضغط المكبوت في داخل الكرة الأرضيّة، وتحمى القشرة الأرضيّة من الانفجار، وتعيد الجبال الى أماكنها كأحزمة تثبت القشرة الأرضيّة في مكانها، والبراكين تنفث المعادن والثروات الخبيثة الباطنة، وتكسو الأرض بتربة بركانيّة خصبة.. والحروبُ تدمج الأمم وتلقّح بينها وتجمعها في كتل وأحلاف ثمّ عصبة أمم ثمّ هناك مجلس أمن، هو بمثابة محكمة عالميّة للتشاكي والتصالح، وأعظم الاختراعات خرجت أثناء الحروب.. البنسلين، الذرة، الصواريخ، الطائرات النفّاثة، كلّها خرجت من الحروب.. ومن سمّ الثعبان يخرج الترياق.. ومن الميكروب نصنع اللقاح[26].

خاتمة البحث- العدل جوهر الوجود وأساس تطوّر المجتمعات
لا شكّ أنّ قيمة العدل تتجلّى في المبدأ من خلال فكرة الحقّ؛ أي إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، من خلال إيصال كلّ ممكن إلى كماله الذي يناسبه بحسب إمكاناته وقدراته عبر إتاحة الفرص والخيارات التكامليّة أمامه...
وتنبثق القيمة الجوهريّة للعدالة بحكم كونها ـ من جهة واجب الوجود- صفة من صفاته تعالى، وبحكم كونها –من جهة ممكن الوجود ـ أساس الملك والحياة والفاعليّة الوجوديّة والحياتيّة.. هي فعليًّا أساس قيام السماوات والأرض في الدنيا والآخرة حسابًا وثوابًا وجزاءً.
وهكذا فالعدل ـ كما قال الشيخ محمّد عبده[27] ـ من المعاني الدقيقة التي يشتبه الحدّ الأوسط فيها بما يقاربه من طرفي الإفراط والتفريط، ولا يسهل الوقوف على حدّه والإحاطة بجزئيّاته المتعلّقة بوجدانات النفس كالحبّ والكره فيما أطلق من اشتراط العدل، اقتضى ذلك الإطلاق أن يفكّر أهل الدين والورع والحرص على إقامة حدود الله وأحكامه في ماهيّة العدل وجزئيّاته ويتبينونها.
ولكن كيف نستفيد من قيمة العدل في حياتنا.. أليس المطلوب منّا أن نسعى إليها لتقوية وتثبيت وجودنا على طريق تحقيق التكامل الإنسانيّ والحياتيّ؟ وإذا كانت إقامة العدل في الآخرة هي شأن الله وحده سبحانه، ألا يقتضي الواجب الدينيّ والقانونيّ والتشريعيّ الوضعيّ منّا أن نتحرّك على طريق إقامة العدل في دنيانا البشريّة خاصّة اليوم حيث الظلم والحرمان والقسوة وهيمنة العقليّة البشريّة الاستحواذيّة على كلّ شيء.. فلا عمران ولا تنمية ولا قيامة نهضويّة من دون عدل، وهي أهمّ أمانة حملها تعالى للإنسان؟!
إنّنا نعتقد أنّ تهميش أو غياب وتغييب هذه القيمة العمليّة والفكرة الجوهريّة عن كثير من مواقع حياتنا ومجتمعاتنا  كان من أهمّ الأسباب التي ساهمت في فقدان الأمّة قدرتها على النهوض، وتثبيط عزائم أبنائها عن العمل، وعجزها عن تجاوز معيقات الحركة والامتداد إلى ساحة الحياة، وبالتالي وقوفه حائلًا بينها وبين وصولها إلى قيم الانفتاح والحرّيّة والتجدّد والإبداع الحضاريّ الإنسانيّ.
وإذا كان الدين ـ بعظمته، وجلال قدره- يرفض الجمود،  والوقوف على الخطأ، ويستنكر التقديس الزائف، وعبادة الشخصيّة، وسيادة الرأي الواحد، وسيطرة القوالب المسبقة.. بل وأكثر من ذلك: إذ إنّه يأمر أصحابه والمؤمنين به بأنْ يلتزموا بقيمة العدل في كلّ مواقع الحياة، فلماذا لا تعمل أمّتنا ـ التي عانت ما عانته من التخلّف والجمود والظلم وما زالت تعاني- على إعلاء شأن العدل، وتعميق هذه القيمة في كلّ مواقعها ومفاصلها الخاصّة والعامّة؟!.
وفي هذا المجال نحن نعتبر أنّ اكتساب الفكر والمعرفة النقديّة -اللازمة للشروع بمستلزمات النهوض، والقيام بدور المثقّف الناقد لتجربة الحاضر، وتجارب الماضين- يتمّ من خلال ما يلي:
ـ إعادة الاعتبار لمكانة ودور قيمة العدل وقيمة العقل والعقلانيّة، وجعلهما أساسًا للوعي والتفكير الإنسانيّ.
ـ التأسيس الجدّيّ للحوار في كلّ مفاصل الأمّة، والاعتماد عليه كوسيلة رئيسيّة من وسائل الوصول إلى حلّ الخلافات، والانقسامات الراهنة.
ـ دفع الإنسان المسلم إلى مواقع العمل والإنتاج الروحيّ والمادّيّ، من خلال الأخذ بأسباب العلم والمعرفة، والسعي باتجاه امتلاك زمام المبادرة في ميادين الحياة.
ـ إثارة الكفاءات الفكريّة والعلميّة، واعتماد الجهد العمليّ والانضباط المسؤول أساسًا للتمايز والتفاضل في كلّ مواقع الحياة الإسلاميّة.
ـ الدعوة إلى (والدفاع عن) هدف الحرّيّة العامّة في المجتمع، في نطاق المسؤوليّة والالتزام الواعي كمنطلق للإنسانيّة الرفيعة والكاملة..؛ لأنّه لا عدالة حقيقيّة من حرّيّة حقيقيّة واعية ومسؤولة.
ـ تحريك الطاقات والمواهب العامّة للناس -في مختلف مواقع المجتمع- باتجاه الحقّ والمعرفة الملتزمة والمعتبرة.. من أجل المساهمة في تعزيز حضور الأمّة، وشهودها، ومقاومة الموت المفروض عليها (التخلّف والكبت والقلق السلبيّ والجهل والحصر…الخ). 
ـ تعميق حسّ الالتزام بالضوابط الأخلاقيّة الشرعيّة والإنسانيّة من خلال الانفتاح على الله تعالى مطلق الكون والوجود والحياة.. ليزداد الإنسان –من خلال ذلك- نموًّا واتساعًا وارتفاعًا في مواقع الخصب والعطاء والإنتاج.

------------------------------------
[1]-  جعفر السبحاني، «الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل»، الدار الإسلاميّة، لبنان/بيروت، طبعة أولى لعام 1989م. ج: 1، ص: 599.
[2]ـ محمد رضا المظفّر، «عقائد الإماميّة»، مركز الأبحاث العقائديّة، إيران/قم، طبعة عام:2001م، ص: 65.
[3]ـ صدر الدين الشيرازيّ، «الأسفار العقليّة الأربعة»، طبعة وزارة الثقافة والإرشاد الإسلاميّ، إيران/طهران، تاريخ النشر: 1994م، الجزء: 7، ص: 68 + الإلهيّات على ضوء الكتاب والسنّة والعقل، م، س، ج: 1، ص: 274.
[4]ـ مرتضى مطهّري، «العدل الإلهيّ»، الدار الإسلاميّة، لبنان/بيروت، طبعة عام 1988م، ص158.
[5]ـ الإلهيّات للسبحانيّ، مصدر سابق، ج: 1، ص: 280.
[6]ـ صدر الدين الشيرازيّ، «الأسفار العقليّة الأربعة»، م. س، الجزء: 7، ص: 62.
[7]ـ الإلهيّات على ضوء الكتاب والسنّة والعقل، مصدر سابق، ج: 1، ص: 275-276.
[8]ـ العلّة، هي القوّة الفاعلة والمؤثّرة في غيرها؛ أمّا المعلول فهو الأثر المترتّب على تلك العلّة، والناتج عنها. مثلًا: حمل المرأة هو نتيجة الاتصال الجنسيّ بين الجنسين، الذكر والأنثى. فالاتّصال الجنسيّ علّة والحمل معلول. كذلك: غليان الماء، سببه تعرّض الماء إلى الحرارة. فالحرارة علّة والغليان معلول.
[9]ـ العدل الإلهيّ، مصدر سابق، ص140.
[10]ـ  العدل الإلهيّ، ص128.
[11]ـ  العدل الإلهيّ، ص122.
[12]ـ المصدر نفسه، ص280.
[13]ـ المصدر نفسه، ص121.
[14]ـ القرطبيّ، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتب المصريّة، مصر/القاهرة، ج14، ص254.
[15]ـ صحيح مسلم، الجزء: 3، ص: 1243، نقلًاً عن: صيد الفوائد. الرابط: https://saaid.net/tarbiah/10.htm.
[16]ـ المصدر نفسه.
[17]ـ أبو نعيم الأصبهانيّ، حلية الأولياء وطبقات الأصفياء، دار السعادة، مصر/القاهرة، طبعة عام 1974م، ص27.
[18]ـ محمّد عمارة، ضرورة العدل.. فريضة إنسانيّة وحقّ واجب للمؤمن أو الكافر، مجلّة المجتمع الكويتيّة، العدد2079، شهر كانون الثاني 2015م، ص39.
[19]ـ ابن أبي الحديد المعتزليّ، شرح نهج البلاغة، طبعة القاهرة لعام 1976م، ج7، ص37.
[20]ـ صحيفة تشرين السوريّة، تاريخ: 12/10/1991م.
[21]ـ مجلّة الكويت، العدد: 93، ص: 60، لعام 1990م.
[22]ـ جعفر السبحاني، «الإلهيّات على هدى الكتاب والسنّة والعقل»، الدار الإسلاميّة، بيروت/لبنان، طبعة1 عام 1989م، ج1، ص278.
[23]ـ محمد فريد وجدي، «على أطلال المذهب المادّيّ»، طبعة القاهرة، لعام 1969م، ج1، ص136.
[24]ـ محمّد باقر المجلسي، «بحار الأنوار»، الجزء81، ص195.
[25]ـ مرتضى مطهّري. «العدل الإلهيّ». طبعة الدار الإسلاميّة، لبنان/بيروت، عام 1988م، ص: 204.
[26]ـ مصطفى محمود، «حوار مع صديقي الملحد»، دار المعارف، مصر/القاهرة، طبعة عام 1986م، ص 55.
[27]ـ محمّد عبده. «تفسير المنار». الجزء: 5، طبعة: 3، عام 1947م، مصر/القاهرة، ص: 147-179.