البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تداعيات (التناص الواعي) في النص المعصوم،الخطبة الفدكية أنموذجا

الباحث :  د.عمار صالح جوهر التميمي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  20
السنة :  شتاء 2020م / 1441هـ
تاريخ إضافة البحث :  March / 17 / 2020
عدد زيارات البحث :  381
تحميل  ( 965.909 KB )

المقـدّمـة

الحمد لله على ما أَنْعَمَ، ولَهُ الشَّكْرُ على ما أَلْهَمَ، والثَّناءُ بِما قَدَّمَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشْرَفِ خَلْقِ اللهِ مُحَمّدٍ وآلهِ الطاهِرين، وبعد:
فإنّ مفهوم (التناص) يحتلّ موقعًا رئيسًا بين الدراسات اللسانيّة واللغويّة الحديثة، التي نظرت إلى النصّ بوصفه كائنًا حيًّا، حدّدت مستوياته وحدات مختلفة يكمِّل بعضها بعضًا في وحدة نصّيّة متكاملة، ممّا يجعل النصّ ملتقى تقاطع هذه الوحدات التي يشترك في إنتاجها المبدع (المرسِل)، والنصّ (الرسالة)، والقارئ (المتلقّي)، وبما أنَّ الخطاب القرآنيّ يعدُّ ضربًا من الإعجاز، والانبهار به هيمن على الثقافة اللغويّة والأدبيّة، فقد عمَّقت ظاهرة التناص القرآنيّ العمليّة الإبداعيّة من خلال تفاعل النصوص المختلفة مع بُنية هذا النصّ المعجز، ممّا جعل هذا التأثير يشكّل علاقة نصّيّة جديدة قامت على تقاطع أو ترتيب جديد للوحدات النصّيّة في بنية جديدة مشحونة بالحزم الدلاليّة والطاقات الإيحائيّة.
إنَّ التجربة الروحيّة والاجتماعيّة التي عاشتها السيّدة فاطمة(عليها السلام)، وهي سليلة بيت العصمة، جعلت سياق الخطبة التي ألقتها في ذلك الحشد المعاصر للنزول القرآنيّ،  ينتظم في نسيج النصّ القرآنيّ ـ وهو نصٌّ معصوم ـ؛ إذ يستدعي نصّ الخطبة ـ تارة ـ لغة القرآن المباشرة، ويستدعي حينًا آخر لغة الإشارة والرمز؛ وهذا يعطي مؤشّرًا واضحًا على أنّ (المُخاطَب) يعي جيّدًا المقاصد القرآنيّة، وتوظيفها في النصّ المعصوم.

وقد اقتضى البحث في هذا الموضوع أن ينقسم إلى ثلاثة مباحث، إذ كُرِّس المبحث الأوّل للحديث حول (التناص القرآنيّ / المفهوم والمصطلح)، وأمّا المبحث الثاني فخُصِّص الكلام فيه حول (آليّة التناص الواعي المباشر)، وعُني المبحث الأخير بـ (آليّة التناص الواعي غير المباشر)، وأخيرًا، نأمل أن يجد هذا البحث مكانًا رحبًا في مجال الدراسات التناصيّة الحديثة، فإن أضاف شيئًا فقد حقَّق ما كان ينبغي، وإن لم يضف فحسبنا أنّنا نُسهم في تجلّي ظاهرة التناص القرآنيّ، وتناولها في الدراسات النقديّة الحديثة.

المبحث الأوّل:  التناص القرآنيّ (المفهوم والمصطلح)
إنّ مفهوم النصّ (Texte) ـ كما تُنْبِئُنَا المعاجم اللغويّة ـ يعني: (الرفع، والحركة، والانتهاء)، يقول صاحب اللسان:  «النَّصُّ: رفعك الشيء، نصَّ الحديث ينصُّه نصًّا، رفعه، وكلّ ما أظهر، فقد نُصَّ، نصَّ الحديث إلى فلان أي رَفعَهُ، وكذلك نصصتُه إليه، ونصَّت الظبية جيدها، رَفعتْهُ، ووضع على المنصَّة أي على غاية الفضيحة والشهرة والظهور، والمنصَّة، ما تظهر عليه العروس لتُرى»[1] ويأتي (النصّ) بمعنى منتهى الشيء، وقد ورد في حديث الإمام علي(عليه السلام): «إذا بلغ النساء نصَّ الحِقاق» أي منتهى بلوغ العقل، و(نَصْنَص) الشيء حرَّكه [2].
والمتتبّع لمادّة (نصَصَ) ومشتقّاتها في المعاجم العربيّة القديمة لا يجد في أيٍّ من المعاني ما يدلّ على معنى التناص بالمفهوم النقديّ الحديث، أو استعمال العرب لهذه اللفظة[3]، وأمّا ما ورد في المعاجم الحديثة فإنّه لا يحمل أيّ مدلول اصطلاحيّ، وقد وردت هذه اللفظة في المعجم الوسيط، يقال: تناص القوم، أي ازدحموا[4]؛ ويُرجع أحد الباحثين ذلك إلى أنَّ لفظة (نصص)، ومنها (نصٌّ) قد تطوّرت دلاليًّا من أثر الترجمة، وتبعًا لهذا التطوّر كان من الطبيعيّ أن يشتقّ من اللفظة ألفاظ جديدة، تحمل دلالات جديدة، مثل: نصّ، وتناص، وتناصِّيّة، وبينصِّيّة...[5].

وأمّا مصطلح التناص Intertextuality في النقد الحديث، فيعني: «حدوث تفاعل أو تشارك بين نصّين يستفيد أحدهما من الآخر»[6] ويقوم هذا التفاعل على «تراكم المخزون الثقافيّ – الفنّيّ- بما يستتبعه من توليد جديد في نحت العبارة، أو صياغة النصّ»[7]، وبعبارة أخرى «توظيف النصوص اللاحقة لبنيات نصوص أصليّة سابقة، وإنّ أيّ نصّ كيفما كان جنسه يتعلّق بغيره من النصوص بشكل ضمنيّ أو صريح»[8]  وقد أطلق النقّاد مسمّيات كثيرة لهذا المصطلح، منها: العلاقة النصّيّة، والمتعالقات النصِّيّة، والتداخل النصِّيّ، والتفاعل النصّيّ..[9].
وتعرّف الباحثة البلغاريّة جوليا كرستيفا Julia Kristeva التناص بأنّه: «التفاعل النصّيّ في نصٍّ  بعينه»[10]، ويرى الباحثون أنّ  هذا المصطلح ظهر لأوّل مرّة على يد (كرستيفا) عام 1966م «، حيث طرحت تصوّرها عن النصّ (كأيديولوجيم)، أي حوار متبادل أو حوار بين الشخصيّات، باعتباره وظيفة تناصيّة تتقاطع فيه نصوص عديدة في المجتمع والتاريخ» 6 وترى(كرستيفا) «أنّ كلَّ نصّ يتشكّل من تركيبة فسيفسائيّة من الاستشهادات، وكلّ نصّ هو امتصاص أو تحويل لنصوص أخرى»[11].

ويميل الأستاذ عبد هادي عبدالرحمن إلى الرأي القائل بأنّ التناص «هو أن يتضمّن نصّ أدبيّ ما نصوصًا أو أفكارًا أخرى سابقة عليه، عن طريق الاقتباس أو التضمين أو الإشارة أو ما شابه ذلك من المقروء الثقافيّ لدى الأديب، بحيث تندمج هذه النصوص والأفكار مع النصّ الأصليّ وتندغم فيه ليتشكل نصٌ جديدٌ واحد متكامل»[12]  وقد علَّل ذلك بقوله: «إنّ هذا التعريف هو أصوب التعاريف للتناص، ولا يعدُّ أيّ كلام نصًّا إلا إذا امتلك خاصّيّة الاكتمال وليس الطول أو الحجم المعيّن»[13].
ويبدو أنّ مفهوم التناص في المصطلح النقديّ العربيّ الحديث بُني على ما جاءت به المفاهيم النقديّة الغربيّة؛ كون هذا المفهوم يعدُّ ظاهرة جديدة ارتبطت بـ (البنيويّة، والأسلوبيّة، والسيميائيّة، والتفكيكيّة) وقد بُني المفـهوم العـربيّ الحديث  للتنـاص «كلّيًّـا على الطروحات الغربيّة التي حدَّدت (نظريّة التَّناص) وسنَّت قواعدها وأصولها ونظرت لها من حيث: المصطلح، وتعريفه، وإشكاليّاته، ومرجعيّاته، والتمثيل له بنصوص عربيّة»[14].

إلا أنّ هذا لا يعني أنّ الخطاب النقديّ العربيّ القديم لم يعِ هذه الظاهرة، وإنّما درسها تحت مسمّيات عديدة كـ (السرقة، وتوارد الخواطر، وتداول المعاني، والأخذ، والاستمداد، والاستعانة، والاتباع، والاحتذاء...[15]  وقد التفت سيد البلغاء الإمام عليّ(عليه السلام) إلى نظريّة تداول الكلام، حين قال: «لولا أنّ الكلام يعادُ لنفد»[16]  وأشار إليها كثير من أعلام العرب الكبار كابن طباطبا العلويّ (ت322هـ)  والآمديّ (ت371هـ)، وما قدَّمه عبد القاهر الجرجانيّ (ت471هـ) حول المعاني المشتركة ونظريّة المعاني العقليّة القائمة على فكرتي التضمين والاقتباس...[17].
إنّ أكثر هذه النظريّات تبيّن «بشكل أو بآخر بأنّ العرب عرَّفوا التناص بوصفه فعاليّة أدبيّة تنشأ مع فعل الكتابة وتمضي معه بصور وأشكال لا تختلف عمّا هي عليه غربيًّا، إلا أنّ النظرة النقديّة المحدّدة إليها تتشابه حينًا وتختلف  أحيانًا، مـع أنّهم كثيرًا ما تمكّنوا من رصد الأعمال (المناصِصَة) ومتابعتها، بحكم إدراكهم لمعظم النصوص المحيطة بعالمهم الفكريّ (دينيًّا، وأسطوريًّا، وأدبيًّا)[18].

والذي يعنينا ههنا من مفهوم التناص هو التناص الدينيّ، وهو تداخل نصوص(سابقة) دينيّة مختارة من القرآن الكريم، أو الحديث النبويّ الشريف، أو الخطب، أو الأخبار الدينيّة، مع النصّ الأصليّ (اللاحق)، بحيث تنسجم هذه النصوص (السابقة) مع سياق النصّ اللاحق، وتؤدّي غرضًا فكريًّا أو فنّيًّا أو كليهما معًا[19].
وأمّا التناص القرآنيّ، فقد عرَّفه بعض الباحثين مستفيدًا من توظيفه في السياق الشعريّ، بأنّه «استحضار الشاعر بعض الآيات القرآنيّة أو الإشارة إليها، وتوظيفها في سياقات القصيدة، تعميقًا وإثراءً لرؤية فكريّة / فنّيّة يراها، بشكل ينسجم مع النصّ»[20].

النصّ المعصوم والكمال الإبداعيّ:
إنّ القرآن الكريم بوصفه كتاب الله العزيز يعدّ أعظم خطاب عرفته البشريّة في تاريخها المديد؛ لما تسامى به من إعجاز، وتشريع، وتأثير وجمال، ويبقى النصّ القرآنيّ «ضربًا من التعبير المُعجز، سواء أكان ذلك من حيث الشكل الخارجيّ للنصّ، أو لغته التعبيريّة أو مضمونه»[21].

ويظلّ هذا النصّ المُعجز يمنح العمليّة الإبداعيّة عمقها وأصالتها وشموليّتها من حيث التأثير في المتلقّي وإثراء النصوص الأخرى؛ لذا نرى أنّ التجربة الأدبيّة لا يمكنها بحال من الأحوال أن تبتعد عن هذا الرافد الإلهيّ الذي تميَّز بالخصائص الفنّيّة والجماليّة العالية.
«إنّ الأجناس الأدبيّة جميعًا تدلف في (تناص) مع هذا النصّ، والمقوّمات الجماليّة لمطلق العمل أو الخطاب الأدبيّ تنتظم في نسيجه، ويكفي أنّ مبدع الكون هو مبدع النصّ القرآنيّ الكريم، وهذا ما يحسم الموقف، ويقطع علينا أيّ كلام في تقويمه»[22].

وبما أنّ السيّدة فاطمة(عليها السلام)، ربيبة بيت الوحي، وقد لازمت هذا الأثر العظيم، وعاشت المناخ الرساليّ الذي جسّد الرسالة السماويّة الخالدة؛ فقد مثّل خطابها الانعكاس الصادق للخطاب الإلهيّ، ووصل إلى مستوى (النصّ المعصوم)؛ لما تميّز به مبدعه من مراتب الكمال، ولما أكَّده النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) في حقّها(عليه السلام) عندما جعلها عدل القرآن، حين قال: «إنّي تارك فيكم ما إن تمسّكتم به لن تضلّوا بعدي، أحدهما أعظم من الآخر، كتاب الله حبل ممدود من السماء إلى الأرض، وعترتي أهل بيتي، ولن يفترقا حتّى يردا عليَّ الحوض، فانظروا كيف تخلفوني فيهما..»[23].
ولهذا نجد أنّ بعض النقّاد المعاصرين صنَّف  النصّ الفاطميّ تحت لائحة (النصّ المعصوم)، يقول الدكتور محمود البستانيّ: «وأمّا النصّ المعصوم، ونعني به ما ورد من نصوص الأربعة عشر معصومًا في ميدان: الخطبة، الرسالة، المقالة، الوصيّة، الدعاء، الزيارة، الحديث،...»[24].

وفي ضوء هذا التصنيف يمكن القول: إنَّ النصّ الفاطميّ يمثّل بحقّ التجسيد الحيّ للخطاب القرآنيّ؛ لشموليّته، وصدقه، وواقعيّته، وتأثيره في المتلقّي، إذ مثّل انقلابًا ثوريًّا في الواقع الإسلاميّ، الفكريّ والسياسيّ والأخلاقيّ والاجتماعيّ...، تقول(عليه السلام): «فجعل الله الإيمان تطهيرًا لكم من الشَّرك، والصلاة تنزيهًا لكم عن الكبر، والزكاة تزكيةً للنفس، والحجّ تشييدًا للدين، والعدل تنسيقًا للقلوب، وطاعتنا نظامًا للملَّة، وإمامتُنا أمانًا من الفرقة، والجهاد عزًّا للإسلام، والصبر معونة على استيجاب الأجر، والأمر بالمعروف مصلحة للعامّة..»[25].
إنّ الطروحات النقديّة المعاصرة التي ذهبت إلى دراسة النصّ نظرت إليه بوصفه كائنًا حيًّا، وإنّ العمليّة الإبداعيّة قائمة على ثلاثة أمور تشترك في إبداعه: (المبدع، النصّ، المتلقّي)، وهناك ثمّة محاور أربعة يشتغل عليها النقد الحديث في هذا الجانب، وهي:

التعامل مع النصّ بصفته بنية مستقلّة.
التعامل مع النصّ من خلال صلته بالمبدع.
التعامل مع النصّ من حيث صلته بالسياق الاجتماعيّ.
التعامل مع النصّ من حيث علاقته بالمتلقّي[26].

وإذا أردنا أن نطبّق هذه العلاقات النصِّيّة على النصِّ الفاطمي-خطبتها بعد رحيل أبيها(صلى الله عليه وآله وسلم)- نجد أنّ طبيعة هذا النصّ وصل إلى الكمال الإبداعيّ؛ ذلك لما تميَّز به خطابه من تماسك ووحدة وانسجام واضح في بنيته السطحيّة والعميقة، ولما توافر به من عناصر فنّيَّة وجماليَّة مثيرة ومؤثِّرة في نفس المتلقّي، أضف إلى ذلك تلازمه الواضح، وتأثّره العميق بالنصّ القرآنيّ.
إنَّ مبدع هذا النصّ هو السيّدة فاطمة(عليها السلام) التي تمثّل عِدل القرآن، فلا يأتها باطل من بين يديها ولا من خلفها، وهي(عليها السلام) سليلة الرسالة، وبضعة النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) الذي عبّر عنه القرآن في قوله تعالى: (وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَىٰ ‎﴿٣﴾‏ إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَىٰ ) [النجم: 3-4]، وقد وصفته السيّدة فاطمة(عليها السلام) في خطابها بأنَّه بقيّة: «استخلفها عليكم، كتاب الله الناطق، والقرآن الصادق، والنور الساطع، والضياء اللامع، بيّنة بصائره، منكشفة سرائره، منجلية ظواهره، مغتبطة به أشياعه، قائدًا إلى الرضوان أتباعه، مؤدٍّ إلى النجاة استماعه»[27]، وكذلك هناك من الأخبار المستفيضة ما يؤكّد عظمة هذه السيّدة الطاهرة(عليها السلام)، وقد أكّد ذلك ما جاء في خبر عائشة أنّها قالت: «ما كان أحد أصدق لهجة من فاطمة إلا الذي ولدها»[28]،  وفي خبر آخر: «ما كان أحد أشبه برسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) كلامًا وحديثًا منها»[29].

وأمَّا فضاء النصّ، فهو التجربة الاجتماعيّة التي عاشتها الزهراء(عليها السلام) بعد رحيل أبيها المصطفى(صلى الله عليه وآله وسلم).
ويرى النقّاد المعاصرون أنّ هناك ثمّة علاقة وثيقة بين النصّ والبيئة الاجتماعيّة التي ولد فيها، فالنصّ «لا يولد (مجرّدًا) ينسلخ عن بيئته دلاليًّا وحتّى جماليًّا، فبالنسبة إلى البعد الأخير (الجمالي)؛ فلأن النصّ هو حصيلة (تناص) للبيئة المعاصرة والموروثة»[30].
ومن خلال قراءة نقديّة دقيقة لخطبة السيّدة فاطمة(عليها السلام) نجد أنّها قمّة في الإبداع والتماسك والتأثير، وهي بحقّ تمثّل نصًّا فكريًّا وأدبيًّا كاملًا، توافرت فيه شروط النصّ المبدع الذي هو «كيان متكامل يتكوّن من أجزاء تنمو باتجاه البنية الكلّيّة، إنّه عمل يمثّل جنسًا أدبيًّا معيّنًا، تتوافر فيه شروط العمليّة الأدبيّة من التماسك والوحدة، والانسجام والكلّيّة»[31].

المبحث الثاني: آليّة التناص الواعي المباشر:
انطلاقًا من القاعدة النصّيّة التي ترى أنّ «كلَّ نصّ هو تناص، والنصوص الأخرى تتراءى فيه بمستويات متفاوتة، وبأشكال ليست عصيّة على الفهم بطريقة أو بأخرى، إذ نتعرّف فيها نصوص الثقافة السالفة والحاليّة: فكلّ نصّ ليس إلا نسيجًا جديدًا من استشهادات سابقة»[32]، وقد بنيت هذه القاعدة على الفكرة البيولوجيّة لتناسل النصوص المعتمدة على عمليّة إعادة التوليد (Genotexte)[33]  فإنّ النصّ القرآنيّ؛ لإعجازه وكماله يعدّ أكثر النصوص تأثيرًا وهيمنة على الوعي الجمعيّ والثقافيّ، وقد تفاعلت معه كثير من النصوص الشعريّة والنثريّة، ويعدُّ مرجعًا وافيًا تناصت معه  الأعمال الأدبيّة لتأصيل نتاجها الإبداعيّ.

«فالتناص وإن جاءت تسميته متأخّرة ما هو في الواقع إلا اسم حديث لمولود قديم، أزليّ الوجود، سرمديّ التقدّم، لا يتوقّف حتّى تكفّ الأرض عن دورانها، وهو قانون الحياة وما الأدب إلا برهانه الأصغر»[34].
ومن خلال نظرة فاحصة في الدراسات النقديّة المعاصرة نجد أنّ آليّات التناص تباينت من باحث إلى آخر، ويمكن حصرها في مستويين:

الأوّل: مستوى التناص الظاهريّ.
الثاني: مستوى التناص المخفيّ.
ويندرج تحت هذين النمطين –كما أشار النقّاد– العديد من المسمّيات التي اعتمدت كآليّات يمكن للباحث التعامل معها في عمليّة التشخيص النقديّ للتداخل النصّيّ، ومنها: المباشر وغير مباشر، مباشر وضمنيّ، ضروريّ واختياريّ، عامّ وخاصّ، اعتباطيّ وقصديّ، كلّيّ/نثر، جزئيّ/شعر، تصويريّ وخطّيّ، مخفيّ وجليّ[35].
والنصّ القرآنيّ بما اشتمل من قدسيّة عالية، وإعجاز فريد في التأثير الروحيّ والفنّيّ؛ جعل كثيرًا من النصوص (النثر والنظم) تتداخل معه في علاقة نصّيّة جديدة شحنت بطاقاته الدلاليّة المكثّفة؛ ولهذا يمكن القول: إنّ استدعاء النصّ القرآنيّ مهيمن على الذاكرة الجمعيّة «فحضوره ليس لمجرد إغناء النصّ بطاقاته فحسب بل لكونه عالقًا بذهن المتلقّي، ممّا ينتج عن استثماره من وظيفة مزدوجة: روحيّة، وفنّيّة»[36].

وإذا أردنا أن نقرأ خطبة السيّدة فاطمة(عليها السلام) التي ألقتها بعد رحيل أبيها(صلى الله عليه وآله وسلم)، والتي حرّكت من خلالها الوعي الجمعيّ نجدها نصًّا قرآنيًّا ناطقًا؛ لما احتوته مفرداتها وعباراتها ودلالاتها من مفاهيم قرآنيّة وعلامات توحيديّة وإشارات فكريّة جسَّدت العقيدة الإسلاميّة الحقّة، وقد أسلفنا سابقًا سبب تردُّد المرجعيّة القرآنيّة في خطابها العظيم.

ويمكن لنا أن نرصد في هذه الخطبة العصماء مستويين من التناص:
التناص المباشر: وهو «عمليّة واعية تقوم بامتصاص وتحويل نصوص متداخلة ومتفاعلة إلى النصّ»[37]، وأهمّ أشكال هذا النوع من التناص: (التضمين والاقتباس، والحلّ والعقد)
التضمين: "وهو أحد أهمّ أشكال التقنيّة الجماليّة، متمثّلًا في التوكّؤ على متن مقروء أو مسموع، مثل: النصّ القرآني، الحديث، المثل، الحادثة، الشخصيّة..»[38].

وقد عدّ بعض الدارسين التضمين اقتباسًا، ولم يفرّق بينهما[39] ويبدو أنّ هذا الرأي أقرب إلى الدراسات النصّيّة الحديثة التي لم تتوقّف عند شكل النصّ فقط، وإنّما نظرت إلى بنيته الكلّيّة، فعمليّة التضمين أو الاقتباس تكمن في «إحداث علاقة بين طرفين من خلال جعل أحدهما مقتبسًا أو متضمَّنًا لدلالة الآخر» [40] بينما خصَّ آخرون الاقتباس بالنثر، والتضمين بالنظم[41].

الاقتباس: «هو أن يضمّن الكلام (نظمًا كان أو نثرًا) شيئًا من القرآن أو الحديث لا على أنّه منه... وهو ضربان، الأوّل: ما لم ينقل فيه المقتبس عن معناه الأصليّ، والثاني: خلافه»[42].
ويرى بعض الباحثين أنّ الاقتباس القرآنيّ على قسمين:
الأوّل: الاقتباس اللفظيّ، وهو أن يقتبس الآية القرآنيَّة بشكلها الكامل، أو بعض منها، مع إدخال تحوير بسيط عليها سواء بإضافة كلمة أو حذفها، أو بإعادة ترتيب مفردات الآية.
الثاني: الاقتباس المعنويّ، وهو أن يقتبس المعنى فقط، ويصوغه بلغته الخاصّة مع الإبقاء على كلّ كلمة من الكلمات الدالّة على الآية[43].

ويمكن لنا نلمس هذا النمط من التناص في خطبة السيّدة فاطمة(عليها السلام)، كما في قولها:
«فجعل الله الإيمان تطهيرًا لكم من الشرك... والنهي عن شرب الخمر تنزيهًا عن الرجس، واجتناب القذف حجابًا عن اللعنة، وترك السرْقة إيجابًا بالعفّة، وحرّم الشَّرك إخلاصًا له بالربوبيّة، فاتقوا الله حقّ تقاته ولا تموتنّ إلا وأنتم مسلمون، وأطيعوا الله فيما أمركم به ونهاكم عنه فإنه إنّما يخشى اللهَ من عباده العلماءُ...»[44].

عندما نتأمّل في هذه اللوحة الفاطميّة نجدها متنًا قرآنيًّا ينساب باليقين الإلهيّ، وكأنَّ السيّدة فاطمة(عليها السلام) تنطق بلسان الله  إذ بيّنت الأحكام الشرعيّة والاعتقاديّة للمسلمين، ونرى أنّ ذاتها المقدّسة ذابت في شريعة السماء وهي على مستوى المعرفة اليقينيّة بأحكامها، ونراها تنفعل مع النصّ القرآنيّ وتوظّفه في سياق كلامها دون أن يفقد النصّ القرآنيّ وظيفته السياقيّة، فحين تقول(عليها السلام):«والنهي عن شرب الخمر تنزيها عن الرجس، واجتناب القذف حجابًا عن اللعنة» ففي هذا إشعار واضح لقوله تعالى:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[المائدة: 90]، والأمر اللافت للنظر نجدها(عليها السلام) وظّفت لفظة (الاجتناب) لا للخمر، وإنّما لحكم شرعي آخر تلا حكم شرب الخمر في كلامها، وهذا دليل على إدراكها الكامل لأحكام الله عز وجل، ثمّ يأتي الاستشهاد القرآنيّ موافقًا لما كانت تبغي، فالإيمان والإخلاص أرفع مراتب التقوى والتوحيد في الإسلام،  وكذلك فإنَّ الطاعة المطلقة في النهي والأمر أرفع درجات الخشية الإلهيّة وهي ملازمة للعلماء، فالخشية الكاملة «هي وظيفة العلماء إذ لا خشية إلا بقدر العلم والمعرفة»[45].

وفي قولها(عليها السلام): «أيّها الناس اعلموا أنّي فاطمة، وأبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، أقول عوْدًا وبدوًا، ولا أقول ما أقول غلطًا، ولا أفعل ما أفعل شططًا، (لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتّم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم) [التوبة: 128]، فأن تعزوه وتعرفوه تجدون أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمي دون رجالكم»[46].

وفي هذا المقطع تناغمت أنفاسها(عليها السلام) مع آي الذكر الحكيم، لتؤكّد مقامها العظيم، وصلتها القائمة بين مقام الرسالة ومقام الإمامة، هذا المقام الذي غدا غربيًا بين أهل الشِّقاق والنفاق، ليصبح صوتها ههنا كصوت المرسل في قومه، فكلاهما ينطق حقًّا، ولا يقول شططًا، ويبدو أنّ في  هذا إشارة إلى قوله تعالى: (إذ دخلوا على داوود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض فاحكم بيننا بالحقّ ولا تُشطِط واهدنا إلى سواء الصراط) [ص: 22]، وفي رواية (أقولها حقًّا)،  إشارة إلى الكلمة السابقة (اعلموا أنّي فاطمة) أي «أقولها محقَّة فيما أقول، أي لا شكّ أنّي فاطمة التي قال فيها النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم): (فاطمة بضعة منّي)، كما لا شكّ أنّي بنت محمّد، وهو أبي، فلا تنكروا ميراثه أو عطيّته في حقّي»[47].
ثمّ قالت(عليها السلام): «وكنتم على شفا حفرة من النار، مذقة الشارب، ونهزة الطامع، وقبسة العجلان، وموطئ الأقدام، تشربون الطرق، وتقتاتون القدَّ، أذلّة خاسئين، تخافون أن يتخطفّكم الناس من حولكم، فأنقذكم الله تبارك وتعالى  بمحمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بعد اللتيَّا والتي»[48]، وههنا تمتدّ سلسلة التداعيات التي استحضرها الوعي الفاطميّ ليعلن عن حقيقة مهمّة كان يعيشها هؤلاء القوم قبل الإسلام، وقد أظهرها التناص القرآنيّ في  دلالة تأكيديّة تدلّ على وضع (الخسّة والذلّة) الذي عاشوا تحت ظلّه، وهم على شفا حفرة من النار، والملاحظ ههنا – أيضًا- أنّ النصوص القرآنيّة أخذت تتداخل في نصّ الخطبة  من حيث لا نشعر بها، فعمليّة الاستدعاء التي مرَّ بها قوله تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا ۚ وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا ۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ)
[آل عمران: 103]، لم تكتمل وإنّما مرّت في سلسلة من الأحوال، وفي استدعاء نصّ قرآني آخر، وهو قوله تعالى: (وَاذْكُرُوا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُم بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ )[الأنفال: 26].

وقد اكتمل التناص في توظيف جديد كانت ترمي إليه (عليها السلام)، ويبدو أنّ هذه طريقة فنّيّة جديدة استدعت نصّين أو أكثر تداخلا في نصّ واحد.

وفي قولها(عليها السلام): «وبعد أن مُنِيَ بِبُهم الرجال، وذؤبان العرب، ومردة أهل الكتاب، كلّما أوقدوا نارًا للحرب أطفأها الله»[49] نجدها(عليها السلام) توظّف نصًّا قرآنيًّا كاملًا؛ لتفجّر به دلالة تعبيريّة جديدة، فبعد أن كان سياق الخطبة يعكس جوًّا مرعبًا يؤشّر حالةً مأساويّة من خلال المؤامرة التي  حاكها ذئاب العرب وصعاليكها، ومردة أهل الكتاب وعتاتهم المتكبّرون، اقتحم النصّ القرآنيّ ليعلن التأييد الإلهيّ والانتصار الربّانيّ لصاحب الرسالة العظمى(صلى الله عليه وآله وسلم)، «والمراد من الحرب في الخطبة حرب الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم)، أي كلّما أوقدوا نار الحرب مع رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) أطفاها الله بفيض نصره من السماء كإطفاء النار بالماء، وقيل: المراد إنّه كلّما أرادوا مكرًا للنبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) ودبَّروا خديعة بالنسبة إليه أبطلها الله سبحانه، وفي لفظة (كلّما) دلالة على أنّ هذه الحالة مستمرّة فيهم»[50].

   وفي قولها(عليها السلام): «حتّى إذا دارت بنا رحى الإسلام، ودرَّ حَلبُ الأيّام، وخضعت ثُغرَة الشرك، وسكنت فورة الإفك، وخمدت نيران الكفر، وهدأت دعوة الهرج، واستوسق نظام الدين، فأنّى حزتم بعد البيان؟ وأسررتم بعد الإعلان؟ ونكصتم بعد الإقدام؟ وأشركتم بعد الإيمان؟ بؤسًا لقوم نكثوا إيمانهم من بعد عهدهم، (ألا تقاتلون قومًا نكثوا أيمانهم) وهمّوا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أوّل مرّة أتخشونهم؟ فالله أحقّ أن تخشوه إن كنتم مؤمنين»[51].

وفي هذا المقطع نجد أنّ استجابة المتن القرآنيّ تهيمن على النصّ الفاطميّ، إذ شكّلت حيّزًا ذا أهمّيّة كبيرة رفدت المستوى المضمونيّ والشكليّ للنصّ، وعلى الرغم من أن البنية القرآنيّة رفدت مساحة النصّ بحضورها الكامل، إلا أنّها أغنت النصّ بالطاقة الإيحائيّة التي حقَّقت العمق الجوهريّ الذي أرادت(عليها السلام) أن تثيره في الوعي الجمعيّ؛ وذلك من خلال بيان التباين بين الموقفين، الموقف الصموديّ الرساليّ في أيّام النبيّ الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، والموقف المتخاذل المتمرِّد بعد رحيله(صلى الله عليه وآله وسلم)، فبعد أن دارت رحى الإسلام واستوى نظام الدين، وخضعت رقاب الشرك، تحت اللواء المحمّديّ، انقلبوا على أعقابهم وارتدّوا مشركين بعد رحيله(صلى الله عليه وآله وسلم).

«والمشهور بين المفسّرين أنّ الآية نزلت في اليهود الذين نقضوا عهودهم، وخرجوا مع الأحزاب، وهمّوا بإخراج الرسول من المدينة، وقيل نزلت في مشركي قريش وأهل مكّة»[52]. ويبدو التعريض واضحًا في  توظيف السياق القرآنيّ؛ لعدم اشتمال فضاء الخطبة مصاديق الآية الكريمة، فمحيط النصّ الخارجيّ كان إسلاميًّا صرفًا؛ فأمّا أن يكون الغرض «التعرّض بوجوب قتال الغاصبين للإمامة، الخائنين في حقّها، الناكثين لما عهد إليهم الرسول(صلى الله عليه وآله وسلم) في وصيَّته وذوي قرباه وأهل بيته... أو المراد بهم الغاصبون لحقّ أهل البيت(عليهم السلام)»[53].
وكذلك فإنَّ سياق النصّ يوحي باتّحاد الموقفين، موقف الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)، وموقف الوصيّ من بعده الذي هو كنفس رسول الله، وقد أكّد الموقفين سياقٌ قرآنيّ آخر، وهو قوله تعالى: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) [آل عمران: 61].
ومن قولها(عليها السلام): «سبحان الله ما كان أبي رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عن كتاب الله صادفًا، ولا لإحكامه مخالفًا، بل كان يتبع أثره، ويقتفو سوره، أفتجمعون إلى الغدر اعتلالًا عليه بالزور والبهتان، وهذا بعد وفاته شبيه بما بغي له من الغوائل في حياته،... وبيَّن (عليه السلام) فيما وزّع من الأقساط، وشرّع من الفرائض والميراث،... كلا بل سوّلت لكم أنفسكم أمرًا فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون»[54].

نلمح في هذا المقطع كيف يتحوّل أسلوب الحوار القرآنيّ الذي دار بين  النبيّ يعقوب(عليه السلام) وأبنائه (وَجَاءُوا عَلَىٰ قَمِيصِهِ بِدَمٍ كَذِبٍ ۚ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا ۖ فَصَبْرٌ جَمِيلٌ ۖ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَىٰ مَا تَصِفُونَ)[يوسف: 18] إلى أسلوب ردع وزجر في سياق الخطبة؛ لاستعمالها(عليها السلام) لفظة (كلا)، مع بقاء قدسيّة المحتوى الدلاليّ للنصّ القرآنيّ، ويبدو أنّ هذا أقرب إلى مفهوم (الامتصاص) الذي عرف في الدراسات اللغويّة الحديثة، «وهو القانون الذي ينطلق أساسًا من الإقرار بأهمّيّة هذا النصّ، وقداسته، فيتعامل وإيَّاه كحركة وتحويل، لا ينفيان الأصل، بل يساهمان في استمراره كجوهر قابل للتجديد»[55]، وفي أسلوب الردع هذا نجد أنّ النصّ يحتِّم عدميّة الحوار مع هؤلاء القوم، وضرب البرهان الكاشف لأحقّيّة السيّدة فاطمة(عليها السلام) في حقّها وميراثها من أبيها(صلى الله عليه وآله وسلم).

والمتأمّل في نصّ الخطبة يرى أنّ ظاهرة التناص الشكليّ والوظيفيّ للتعبير القرآنيّ تتجلّى بشكل كبير إلى حدّ جعل سياق الخطبة يذوب في السياق القرآنيّ، ونلمح ذلك فيما تناوله الخطاب من القضايا الفكريّة التي تمسّ جوهر الإسلام، كـ (التوحيد، والنبوّة، والعدل، والمعاد، والخلافة الإسلاميّة...)،  وقد أكَّدتها(عليها السلام) من خلال الإشارات الواعية المنبثقة من المتن القرآنيّ، وعُرف هذا النوع عند النقّاد بــ (التناص الواعي)، حيث يعمد الأديب إلى النصوص المقدّسة أو المعروفة في إبداعها، ويلجأ «عن وعي وقصد إلى الاستفادة من القدرة التعبيريّة للنصوص الغائبة؛ لأنّها تمتلك في الغالب طاقات إيحائيّة من خلال تداول الناس لها وانتشارها فيما بينهم»[56]، وهنا تتجلّى أهمّيّة الخطاب الفاطميّ من خلال «إحداث التأثير المباشر على الجمهور، حيث يستثمر الخطيب (العقل الجمعيّ) لدى الجمهور في إحداث الإثارة المشار إليها»[57]، وبالرغم من أنّ فنّ الخطابة  يعتمد الإثارة العاطفيّة عنصرًا أساسًا  في صياغته، إلا أنّ «السمة الانفعاليّة لا تُعدّ في كلِّ الحالات أمرًا ضروريًّا في الخطبة، بخاصّة فيما يتّصل بالفنّ التشريعيّ الذي لا يلجأ في الغالب إلى الاستثارة العاطفيّة إلا في نطاق محدّد يلتئم مع الجدّيّة والرصانة اللتين تتميّز بهما الشخصيّة الإسلاميّة،... هذا إلى أنّ كثيرًا من المواقف لا تتطلّب انفعالات حادّة بقدر ما تتطلّب طرح الظاهرة بنحو منطقيّ هادئ»[58]،  تقول(عليها السلام): «ألا وقد أرى أن قد أخلدتم إلى الخفض، وأبعدتم من هو أحقّ بالبسط والقبض، وخلوتم بالدَّعة، ونجوتم بالضيق من السعة، فمججتم ما وعيتم، ودسعتم الذي تَسَوَّغْتُم، فإن تكفروا أنتم ومن في الأرض جميعًا فإنّ الله لغنيٌّ حميدٌ، ألا وقد قلت ما قلت هذا على معرفة منّي بالجذلة التي خامرتكم، والغدرة التي استشعرتها قلوبكم، ولكنّها فيضة النفس، ونفثة الغيظ، وخور القناة، وبثّة الصدر، وتقدمة الحجّة، فدونَكُمُوها فاحتقبوها دبرة الظهر، نقبة الخُفِّ، باقية العار، موسومةً بغضب الجبّار، وشنار الأبد، موصولةً بنار الله الموقدة التي تطَّلع على الأفئدة، فبعين الله ما تفعلون،(وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون)، وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فاعملوا إنّا عاملون، وانتظروا إنّا منتظرون»[59]، لو أمعنّا النظر في هذا المقطع لأدهشنا ما ينطوي عليه من قيم فكريّة وجماليّة وظّفتها السيّدة فاطمة(عليها السلام) من خلال التناص المضمونيّ والشكليّ للبنية القرآنيّة، فقد أشارت(عليها السلام) إلى الارتباط الوثيق بين طاعة الله (عزّ وجلّ)، وطاعة من أرسله إلى الناس بشيرًا ونذيرًا، وطاعة من هو أحقّ بقيادة الأمّة من بعد رحيله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وأمَّا عاقبة التخلّي عن إحدى حلقات هذه الارتباط السماويّ فهي الغضب الإلهيّ الموصول بالجحيم الموقد، ونلمح ذلك من خلال استدعاء النصوص القرآنيّة، وامتصاص المضامين الفكريّة بشكل هندسيّ رصين يمكن توضيحه فيما يلي:

وَقَالَ مُوسَىٰ إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ =  طاعة المولى
وأنا ابنة نذير لكم بين يدي عذاب شديد، فاعملوا إنّا عاملون  = طاعة النبــيّ
وأبعدتم من هو أحقّ بالبسط والقبض، وخلوتم بالدَّعـــــة  = طاعة الخليفة
فبعين الله ما تفعلون، وسيعلم الذين ظلموا أيَّ منقلبٍ ينقلبون = العدل الإلهيّ
وشنار الأبد، موصولةً بنار الله الموقدة التي تطَّلع على الأفئدة  = الوعد الإلهيّ

وفي نهاية الخطاب، نرى أنّ بنية النصّ الأصليّ (الخطبة) تتنقل بين النصوص القرآنيّة المتعدّدة، وتقترب منها كثيرًا إلى حدٍّ يوحي بالاندماج الكلّيّ بين النصوص؛ وهذا التنوّع والتأكيد والتصاعد في استدعاء النصوص القرآنيّة ما هو إلا بناء جديد لجسور دلاليّة جديدة اقتضتها طبيعة (الموقف) الفاطميّ، وهنا تظهر أهمّيّة الخطبة في امتصاص النصّ الدينيّ وتوظيفه بما ينسجم مع تجربة المبدع القائمة على توجيه ذهن المتلقّي (المسلم) إلى الواقع، وإرجاعه إلى المشرّع الإسلاميّ الأوّل (القرآن الكريم) لجعله فاصلًا مشتركًا يحدّد ما هو حقّ، وما ينبغي أن يكون قائم في دولة العدل الإلهيّ.

تقول(عليها السلام): «معاشر المسلمين، المسرعة إلى قيل الباطل، المُغضِيَة على الفعل القبيح الخاسر، أفلا تتدبّرون القرآن أم على قلوب أقفالها؟ كلا بل ران على قلوبكم ما أسأتم من أعمالكم،  فأخذ بسمعكم وأبصاركم، ولبئس ما تأوَّلتم، وساء ما به أشرتم، وشرَّ ما منه اغتصبتُم، لتجدنَّ والله مَحْمِلَه ثقيلًا، وغِبَّهُ وبيلًا، إذا كُشف لكم الغطاء، وبان ما ورائه الضَّراء، وبدا لكم من ربكم ما لم تكونوا تحتسبون، وخسر هنالك المبطلون»[60].
وفي ضوء ما تقدّم، يمكن القول: إنَّ خطبة السيّدة فاطمة(عليها السلام) تُعدُّ بحقّ نصًّا دينيًّا مبدعًا، وقد تجلّى التناص القرآنيّ واضحًا من خلال تتبّع فقراتها، وهذه سمة إبداعيّة تمنح النصّ بعدًا شاملًا «إذ يرى القدماء والمحدّثون أنّ هذه الخاصَّيّة الأسلوبيّة من الأمور الجيّدة التي بها تكتمل بلاغة الكاتب، فالاستناد على الآيات القرآنيّة والأحاديث النبويّة في تحليل ظاهرة من الظواهر في النصّ بإمكانها أن تثري النصّ بإيحاءات جماليّة ودلالات معنويّة وفنّيّة»[61].

المبحث الثالث: آليّة التناص الواعي غير المباشر
إنّ هذا النمط من التناص يتحدَّد في توظيف النصّ الجديد للنصّ القديم على نحو لا يميل إلى المحافظة على بنية النصّ القديم، وقد تمحى معالم الشكل البنائيّ القديم وتصل إلى حدّ الخفاء الشبه كلّي في التوظيف النصّيّ؛ ولذا عرف هذا النوع من التناص بــ (تناص الخفاء)[62].

وقد أشارت الدراسات النقديّة المعاصرة إلى أنّ هذا النوع من التناص هو ناتج عمّا كان يعرف في الدراسات البيانيّة الموروثة بالأسلوب الكنائيّ، وهو «ترك التصريح بذكر الشيء إلى ما يلزمه»[63] وفي هذا التناص يتداخل النصّ اللاحق (Hypertexte) مع النصّ السابق (Hypotexte)، فتتجلّى من خلال هذا التداخل علاقات جديدة من خلال إشارة، أو تعريض، أو رمز، أو تلويح، مع بقاء الهيمنة الروحيّة والإيحائيّة لرمزيّة النصّ السابق، وهذا يعدّ نمطًا من أنماط التعالي النصّيّ للنصّ (Transtextualite) وهو «كلّ ما يجعل نصًّا يتعلّق مع نصوص أخرى بشكل مباشر أو ضمنيّ»[64] وهذا النوع من التناص يمكن أن يدخل تحت: «التلويح والإيماء والرمز، وقد يحدث هذا من خلال عمل غير قصديّ، فهو نتيجة البيئة والثقافة التي تظهر تأثيراتها في إنتاج النصّ، وتترك بصمات في صياغته»[65].
وإذا ما رجعنا إلى المستوى الإشاريّ (Semiotique) لمضمون النصّ، نرى أنّ أهمّ ما يميّز النصّ هو انفتاحه على إشارات ومضامين غير نهائيّة وغير محدّدة، وهذا ما أشارت إليه الدراسات النقديّة المعاصرة «فالنصّ لا يستمدّ قوّة وجوده بما يتضمّنه معناه الدلاليّ بقدر ما يستمدّها من معناه المجازيّ الذي يزخر بالإشارات والكنايات»[66] ويمكن لنا أن نلمح هذا الأمر أكثر وضوحًا في المتعالقات النصّيّة من خلال العلاقة الترميزيّة التي يحدثها التفاعل النصّيّ؛ ذلك من خلال اعتماد التداخل الإشاريّ المكثّف بين النصوص، فالنصّ الأدبيّ «يتداخل عادة مع نصوص أخرى بأيّ شكل من الأشكال، بالألفاظ، أو بالتراكيب، أو بالصور، أو بالفكرة[67].

إنّ التناص «بمقدار تركيزه على قابليّة الفهم على المعنى يقودنا إلى النظر في النصوص السابقة على أنّها إسهامات في نظام ترميزيّ (Code) يجعل التأثيرات المختلفة للدلالة ممكنة»[68].
بناءً على ما تقدّم، يمكن القول إنّ التناص الرمزيّ يعني: الدلالة على ما وراء المعنى الظاهريّ عند حدوث  التداخل النصّيّ، يستتبعه حضور ذهنيّ من خلال الاستدعاء الإشاري للنصّ السابق الذي يُحدث توليدًا لدلالات جديدة في النصّ اللاحق، فأيّ نصّ يمكنه أن يعكس دلالات مكثَّفة لها قيمتها الفنّيّة؛ لما يحويه من عناصر فكريّة، وعاطفيّة، وصوتيّة، ولفظيّة، ودلاليّة» حيث تنتظم جميعًا في علاقات متضافرة، ينبثق من خلالها ما اصطلح عليه بـ (اللغة الجماليّة) التي تفرز النصّ الأدبيّ عن سواه»[69]  فالألفاظ مثلًا «مقترنة بمعانيها، قد نستوحي منها دلالات معيّنة لها قيمتها الجماليّة تارة، ومفهومها البنائيّ تارة أخرى، ووقعها الموسيقيّ والصوتيّ ثالثًا، تتعرّف من خلال هذا المنظور على ما يوحيه كلّ لفظ من صورة ذهنيّة تختلف عن سواها شدّة وضعفًا، وتتباين وضوحًا وإبهامًا»[70].
ويرى الباحثون أنّ التفاعل النصّيّ «يتطلّب بالضرورة حضور آليّات خاصّة للتناص لا بدّ للمبدع منها، بعيدًا عن القصديَّة الواعية وغير الواعية المرتبطة بالموضوع»[71] حيث وقف بعض النقّاد العرب عند تلك الآليّات، وحاولوا تقسيمها معتمدين في ذلك على القراءة التطبيقيّة للشعر[72]، وقد أفاد هذا المبحث الذي اعتمد التناص الإشاريّ من بعض تلك التقسيمات محاولًا تطبيقها على ما تجلّى به الخطاب الفاطميّ من إشارات قرآنيّة واضحة، وظّفتها السيّدة فاطمة(عليها السلام)؛ لشحن الموقف الرساليّ، واستنهاض الرأي العام للثورة ضدّ الواقع الراهن، ويمكن لنا أن نلمس ظاهرة التناص الإشاري في خطبة السيّدة فاطمة(عليها السلام) من خلال استدعاء الشخصيّة القرآنيّة في ثلاث آليّات:

أوّلًا:  آليّة التناص الاسميّ / التصريحيّ.
ثانيًا: آليّة التناص الوظيفيّ / الفعليّ.
ثالثًا: آليّة التناص الخطابيّ / القوليّ.
 إنّ هذه الأقسام يمكنها أن تتداخل في بعض مقاطع النصّ الفاطميّ، وتلتقي في موضع واحد، وهذا ما يمكنه أن يعزّز الترابط التناصي من حيث التركيز على دور الشخصيّة القرآنيّة، وتوظيفها في عمليّة التحويل النصّيّ.
وإذا ما رجعنا إلى الرؤية الشعريّة المعاصرة نجد أنّ المبدع يدعم «رؤاه الشعريّة باستدعاء شخصيّة ما، يجد بينها وبين موضوعه وشيجة قد لا يفطن إليها هو ذاته، بمعنى أنّ تلك الاستدعاء قد يكون غير واع من المبدع، فهو لا يعدّ عمليّة منظّمة لإدخال تلك الشخصيّة في نصّه، ولكنّه يستحضرها عند التقائها بفكرة نصّه فيضمّنه إيَّاها، داعمًا رؤياه النصّيّة برؤى غيريّة، تقتصد التفصيل في عرض الموضوع لينوب عنه الرمز والإشارة عبر التناص»[73].
وأمَّا التوظيف الفاطميّ للنصّ القرآنيّ واستدعاء شخصيّاته المتنوّعة، فلا يمكن لنا بحال من الأحوال أن نصفه بالتوظيف اللاواعي؛ لأنّ السيّدة فاطمةر ربيبة بيت الوحي، وهي تعي ما تقول، وقد صرَّحت(عليها السلام) بذلك في قولها: «ولا أقول ما أقول غلطًا، ولا أفعل ما أفعل شططًا»[74] فقد انطلقت في خطابها الذي حاولت فيه إقناع الجماهير من مفهوم عباديّ وواقعيّ هادف، وأمّا الإشارات والرموز القرآنيّة الموظَّفة لا تخرج عن كونها وسيلة للإفصاح عن تكثيف الدلالات التي اكتنزتها معاني الخطبة، فالرمز في العمل الفنّيّ يستعمل كوسيلة للكشف عن الطاقات الإيحائيّة، لا أن يتحوّل إلى لغة سحريّة غامضة ومبهمة، يستحيل إدراكها حتّى على مبدع النصّ نفسه كما نلمح ذلك في نتاج الاتّجاه الرمزيّ الحديث[75]

لقد وظّفت السيّدة فاطمة(عليها السلام) في خطبتها المباركة الشخصيّات القرآنيّة عبر آليّات متنوّعة، كالتصريح المباشر بأسمائها، أو من خلال ذكر أدوارها أو أقوالها التي أشار إليها النصّ القرآنيّ.
تقول(عليها السلام): «أيّها الناس اعلموا أنّي فاطمة، وأبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، أقول عوْدًا وبدوًا، ولا أقول ما أقول غلطًا، ولا أفعل ما أفعل شططًا، ( لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَّحِيمٌ ) [التوبة: 128]، فأن تعزوه وتعرفوه تجدون أبي دون نسائكم، وأخا ابن عمّي دون رجالكم»[76].

والذي يبدو في هذا المقطع أنّ السيّدة فاطمة(عليها السلام) تحاول أن تصرف أذهان الناس إلى حقيقة مهمّة، وهي بيان قربها النسبيّ من رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبيان القرب الأخويّ لابن عمّها الإمام عليّ (عليه السلام) المخصوص بالإخوّة لخاتم الأنبياء(صلى الله عليه وآله وسلم)، هذا القرب الذي لم يحظَ به أحد من الناس، وهنا نرى أنّ لفظة (شططًا) تفضي إلى تداعيات وإشارات تاريخيّة ورد ذكرها في بعض القصص القرآنيّ عبر استدعاء آليّة الخطاب للشخصيّة القرآنيّة، كما في قوله تعالى على لسان أصحاب الكهف: (وَرَبَطْنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَن نَّدْعُوَ مِن دُونِهِ إِلَٰهًا ۖ لَّقَدْ قُلْنَا إِذًا شَطَطًا) [الكهف: 14]، أي: كذبًا وباطلًا [77]، وكذلك ما جاء في قوله تعالى في قصّة النبيّ داود(عليه السلام): (إِذْ دَخَلُوا عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ ۖ قَالُوا لَا تَخَفْ ۖ خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَىٰ سَوَاءِ الصِّرَاطِ)[ص: 22] أي من «الشطط، بمعنى الميل عن الحقّ والكذب، والالتواء»[78].
إنّ عدول السيّدة فاطمة(عليها السلام) عن قضيّتها العادلة، في إثبات حقّ الخلافة الإلهيّة بعد رحيل أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم) يعني شططًا حتميًّا وميلًا عن رسالة السماء، ومثَّلت قضيّة أصحاب الكهف معادلًا موضوعيًّا قابل موقفها وهي تواجه وضعًا بعيدًا عن مبادئ السماء، وقد يتشابه الموقفان من حيث إنّهما واجها وضعًا مزلزلًا في كلّ أحواله.

وإذا رجعنا إلى القصص القرآنيّ نجد أنّ قضيّة (الخصمين)[79] اللذين دخلا على نبيّ الله داود(عليه السلام) كانت واضحة تمام الوضوح في ذهن السامع، والنظر فيها لا يحتاج إلى البيّنة؛ ولذا فإنّ النبيّ داود(عليه السلام) أطلق حكمًا قضائيًّا واقعيًّا سريعًا ولم يطلب من المدّعى عليه دليلًا بيّنًا، كذلك فإنّ قضيّة السيّدة فاطمة(عليها السلام) – فدك والإمامة - كانت راسخة في أذهان الجماهير، ولا تحتاج إلى دليل، وهذا التقابل في وضوح  القضيّتين؛ يجعل العلاقة التناصية علاقة مشابهة من حيث استحالة الوقوع في الشطط؛ أضف إلى ذلك فإنّ السيّدة فاطمة(عليها السلام) تمثّل الامتداد النسبيّ المباشر والأوحد لصاحب الرسالة العظمى(صلى الله عليه وآله وسلم)، وهذا الامتداد يجعل الوقوع في الشطط آمرًا محالًا، وكأنّها تريد أن تذكّر الناس بأنّ «شرف الانتساب إليه(صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما هو مخصوص بنا رجالًا ونساءً لا بكم، ولا هو مشترك بيننا وبينكم، فلم تمنعون ميراثنا، وتغتصبون حقّ خلافتنا، وتتعرّضون بنا في فدك التي وهبها رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) لنا»[80].
ثمّ نجدها بعد ذلك(عليها السلام) تحرص على بيان دور الإمام عليّ(عليه السلام) في تثبيت أركان الدين، وحفظ الرسالة الإسلاميّة، فتقول(عليها السلام) بعد أن حدّدت موقع القرب النبويّ الذي حظت به مع ابن عمّها(عليه السلام) وهي تشير إلى دور أبيها(صلى الله عليه وآله وسلم) في تبليغ الرسالة: «فبلّغ الرسالة صادعًا بالنذارة، مائلًا عن مدرجة المشركين، ضاربًا ثبجهم، آخذًا بأكظامهم، داعيًا إلى سبيل ربّه بالحكمة والموعظة الحسنة، يجفُّ الأصنام، وينكث الهام، حتّى انهزم الجمع وولّوا الدبر، حتّى تفرَّى الليل عن صبحه، وأسفر الحقّ عن محضه»[81].

ويبدو من خلال قراءة هذا المقطع استيعاب السيّدة فاطمة(عليها السلام) للدور الرساليّ الذي منحه الله لأبيها (الرسول المبلِّغ)، فجعلته معادلًا للدور الإماميّ الذي بلّغه النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم) لزوجها (الوصيّ المبلِّغ) من بعد رحيله، وعَبْر استدعاء آليّة الوظيفة للشخصيّة القرآنيّة، حرصت(عليها السلام) على أن تربط بين الدورين ويتجلّى هذا التقابل من خلال إشارات وأبعاد ودلالات قرآنيّة، فأبوها(صلى الله عليه وآله وسلم) بوصفه رسول الأمّة؛ حمل على عاتقه المسؤوليّة العظمى في تبليغ رسالة الله، وآليّة التبليغ كانت عبر استعمال وسائل (النذارة، والحكمة، والموعظة، والقوّة)، مع أهل الشرك والكفر والنفاق، وقد انتقل هذا الدور إلى وصيّه الإمام عليّ(عليه السلام).
وهنا نلمح العلاقات والوشائج التناصية من خلال الدور المحمّديّ الذي بيّنته(عليها السلام) في خطبتها، إذ تقول(عليها السلام): «فبلّغ الرسالة صادعًا بالنذارة»، إنّ لفظة (النذارة) تصرف الذهن إلى الآية المباركة: (وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ) [الشعراء: 214]، وقد ورد أنّ هذه الآية نزلت في مكّة فجمع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عشيرته في يوم الدار، وأنذرهم ثمّ قال: من يؤزرني ويكون وصيّي بعدي، وخليفتي في أهلي، ويقضي ديني، فلم يجبه سوى الإمام عليّ(عليه السلام) [82].

وفي قولها(عليه السلام): «آخذًا بأكظامهم»، تأتي الوشيجة التناصية في النصّ اللاحق مخالفة للنصّ السابق، فقوله تعالى: (الَّذِينَ يُنفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ ۗ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) [آل عمران: 134]، هي صفة ملازمة للمتّقين، حيث تجرَّعوا الغيظ وحبسوه وهم قادرون على إمضائه،، وأمّا اكظام المشركين فقد ضيّقها النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم) وكتمها بأمر الدعوة إلى كلمة التوحيد، والاكظام، جمع الكظم- بالتحريك – وهو مخرج النفس من الحلق[83].
والمتأمّل في فقرة: «يجفّ الأصنام، وينكث الهام، حتّى انهزم الجمع وولّوا الدبر، حتّى تفرّى الليل عن صبحه، وأسفر الحقّ عن محضه» يجد أنّ هذا المقطع لا يكتفي باستدعاء الشخصيّة القرآنيّة على نحو التقرير والاسترسال، بل إنّ الاستدعاء قائم على تنامي الحدث والمغزى الذي يرفد العمل الإبداعيّ بالإشارة الواعية الداعمة للموقف الحاضر، فالملاحظ في عبارة «يجفّ الأصنام» وفي رواية أخرى «يجذُّ الأصنام»[84]  نلمح أنّ الإشارة القرآنيّة بدأت تستدعي الوظيفة الموكَّلة لأصحاب الرسالة السماويّة، وعمليّة تحطيم الأصنام مهمّة رساليّة نفّذها الدور الإبراهيميّ في الواقع الفكريّ والاجتماعيّ الذي كان ينتمي إليه، والتي أشار إليها قوله تعالى: (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَّهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) [الأنبياء: 58].

وأمّا عبارة «حتّى انهزم الجمع وولّوا الدبر» فهي إشارة واضحة إلى الآية القرآنيّة:(سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ) [القمر: 45]، وفي هذه الآية إخبار عن دحر الكفّار وعن «مغلوبيّة وانهزام لجمعهم، ودلالة عن أنّ هذه المغلوبيّة انهزام منهم في حرب سيقدمون عليها، وقد وقع ذلك في غزوة بدر، وهذا من ملاحم القرآن»[85].
وفي عبارة «حتّى تفرَّى الليل عن صبحه، وأسفر الحقّ عن محضه» يمكن لنا أن نلمس تناصًّا إشاريًّا مع قوله تعالى: (وَاللَّيْلِ إِذْ أَدْبَرَ ‎﴿٣٣﴾‏ وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ ) [المدثر: 33-34]، وهنا يستدعي سياق الخطبة عظمة القَسَم الإلهيّ للموقف الغيبيّ (يوم القيامة)، الذي حدّد النتيجة الحتميّة لكلّ من خالف الخطّ الإلهيّ، وفي سياق هذه الآيات قَسَم واضح بأنّ الله تعالى «لقادر على خلق النار وسقر لتعذيب الكفّار وغير المؤمنين»[86].

ومن الواضح أنّ آليّة التناص الإشاريّ في الخطاب الفاطميّ توحِّد الأدوار الرساليّة؛ من حيث حفظ الرسالة الإسلاميّة، ومواجهة المتصدّين لها، فالدور الذي قام به الإمام عليّ(عليه السلام) لا يقلّ شأنًا عمّا قام به النبيّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)، وقد أكَّدت السيّدة فاطمة(عليها السلام) ذلك وهي تصف دور الإمام علي(عليه السلام) المشابه لدور أبيها(صلى الله عليه وآله وسلم) في دفاعه عن الرسالة، فحين تستجمع قوى الكفر والنفاق طاقات الحرب لضرب جبهة الإسلام، يستعمل النبيّ الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) سلاحه الإلهيّ المتمثّل بسيف ذي الفقار، تقول(عليه السلام): «قذف أخاه في لهواتها فلا ينكفئَ حتّى يطأ جناحها بأخمصه، ويخمد لهبها بسيفه»[87].
ثمّ بعد ذلك تستدعي الإشارة القرآنيّة بعض الشخصيّات السَّويّة وغير السَّويّة على وفق آليّة استدعاء الوظيفة، ويرتبط هذا الاستدعاء ارتباطًا وثيقًا بالحدث القائم، والموقف المتأزّم الذي تحاول السيّدة فاطمة(عليها السلام) من خلاله بيان مظلوميّتها، وبيان مظلوميّة زوجها(عليه السلام)، ممّا يجعل الوشائج النصّيّة، والدلائل القرآنيّة تكشف عن مستويين من مستويات قوّة الدعوة في المجتمع الإسلاميّ:

المستوى الأوّل: يمثّل القوّة الداعية إلى مرضاة الله، المدافعة عن أوامره، والرادعة عن نواهيه، وقد حدّدته السيّدة فاطمة(عليها السلام) حين وصفت زوجها(عليه السلام) بقولها: «مكدودًا في ذات الله، مجتهدًا في أمر الله، قريبًا من رسول الله، سيِّدًا في أولياء الله، مشمرًا، ناصحًا، مجدًّا، كادحًا»[88].
المستوى الثاني: يمثّل القوّة الداعية إلى سخط الله، الرادعة لأوامره، والمدافعة عن معاصيه، وقد حدّدته(عليها السلام) بقولها: «وأنتم في رفاهية من العيش، وادعون فاكهون آمنون، تتربّصون بنا الدوائر، وتتوكَّفون الأخبار، وتنكصون عند النزال، وتفرّون من القتال»[89].

وفي المستوى الثاني، نجد أنّ النصّ يستحضر الواقعة التاريخيّة (معركة الأحزاب)، التي سجّل فيها الإمام عليّ(عليه السلام) أروع معاني البطولة في دفاعه عن الدين والعقيدة، وقد صوّرت الآيات القرآنيّة في سورة الأحزاب، (آية / 9 – 25)، أهمّ الأحداث والمواقف التي ضمّها الميدان الرساليّ في يوم الخندق[90]، حيث انقسم المسلمون إلى فئتين تباين موقفها في تلبية النداء والصمود:
الفئة الأولى: فئة المنافقين، التي نكصت على الأعقاب، وولَّت الأدبار، وفرَّت من الميدان، ( وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ‎﴿١٢﴾‏ وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا) [الأحزاب: 12-13].

الفئة الثانية: فئة المؤمنين، التي سلَّمت في وعدها، وصدَّقت في عهدها، وصمدت في الميدان، (مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا) [الأحزاب: 23].
وفي هذه الآيات تصويرًا واضحًا لما أبداه المؤمنون من مواقف صموديّة في مواجهة جبهة الكفر، وكان الإمام عليّ(عليه السلام) أروع مصاديق هذا الحدث التاريخيّ، وقد قتل عمرو بن عبد ودّ الذي كان يعدّ بألف فارس[91]، فقال النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «أبشر يا عليّ فلو وزن اليوم عملك بعمل أمّة محمّد لرجح عملك بعملهم»[92]، وقد ورد في الأثر «وكفى الله المؤمنين القتال بعليّ»[93].

وفي قولها(عليها السلام): «ونبغ خامل الآفلين»80، نلمس تناصًا إشاريًّا مع ما ورد في القرآن الكريم على لسان إبراهيم(عليه السلام) وهو يحتجُّ على عَبَدة الكواكب: (فلمّا جنّ عليه الليل رأى كوكبًا قال هذا ربّي فلمّا أفل قال لا أحبّ الآفلين) [الأنعام: 76].
ثمَّ تقول(عليها السلام): «يا بن أبي قحافة أفي كتاب الله ترث أباك ولا أرث أبي؟ لقد جئت شيئًا فريًّا، أفعلى عمد تركتم كتاب الله ونبذتموه وراء ظهوركم»[94].

إنّ القارئ لهذه الفقرة يجد ثمَّة تداخل نصّيّ شكّل استدعاءً واضحًا للقصّة القرآنيّة، فقد استلهم النصّ حادثة ولادة السيّدة مريم(عليه السلام) التي ورد ذكرها في القرآن الكريم (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ ۖ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا) [مريم: 27].
والتناص هنا يمكن أن يخلق حالة من الذهول الذهنيّ عند المتلقّي؛ فعلى الرغم من أنّ المجتمع المسلم آنذاك كان قريبًا من العهد النبويّ، وكان يعيش أجواء النزول القرآنيّ، وكان النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يحثَّ الناس على قراءة القرآن، والتدبّر فيه، ويتشدَّد في بيان التمسّك به، إلا أنّهم بعد رحيله(صلى الله عليه وآله وسلم) بمدّة وجيرة نبذوه وراء ظهورهم، ولم يأخذوا بإحكامه، وهذا الوضع –على حدِّ تعبير السيّدة فاطمة(عليها السلام)- يعدُّ أمرًا عظيمًا وعجيبًا (فريًّا)؛ لذا كشف النصّ عن حالة التعجّب من خلال طرحها استفهامًا استنكاريًّا.

وإذا رجعنا إلى قوم السيّدة مريم(عليها السلام) نجد أنّ ضبابية الموقف، وعدم وضوح الأدلّة عندهم جعلهم يعيشون حالة الدهشة والتعجّب؛ لأنّهم على يقين مسبق من أنّ السيّدة مريم(عليها السلام) قد أحاطها اللطف الإلهيّ، وإنّها تعدُّ رمزًا للقداسة والطهارة، وهناك ثمَّة استنتاج يلمحه القارئ من خلال قراءة النصّ، فالموقف القديم للسيّدة مريم(عليها السلام) يمكن أن يكون معادلًا لموقف السيّدة فاطمة(عليها السلام)؛ حيث يمثّل الموقف الأوّل إثبات النبوّة للسيّد المسيح(عليه السلام)، وأمّا الموقف الثاني فيمثّل إثبات الإمامة لوصيّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ولا شكّ أن المتلقّي (المسلم) يعي جيّدًا مفهوم الخطاب القرآنيّ، فالسيّدة مريم(عليها السلام) آمنت في قضيّتها الرساليّة رغم توجيه الإدانة الباطلة لها، والسيّدة فاطمة(عليها السلام) آمنت في قضيّتها رغم سلبها حقّها المشروع في (فدك).
وبناءً على ما تقدّم، يتجلّى لنا المستوى الإشاريّ بدلالته الإيحائيّة من خلال تفاعل الخطاب الفاطميّ مع النصّ القرآنيّ، وهذا بدوره يعكس رؤية أكثر شموليّة يمكن أن يحقّقها النصّ للمتلقّي، فالمتلقّي «وإن كان هو المحقّق للمعنى من خلال تفاعله مع بنيات النصّ السطحيّة والعميقة، فإنّه بقدر ما يرتبط بالنصّ ويتفاعل معه بقدر ما يتبلور معنى معيَّن، ويزداد كثافة على مستويات معرفيّة متنوّعة، فالقراءة مشاركة واندماج بين وعي القارئ و(وعي النصّ) المتمثّل في وحداته وبنياته التي يعدِّها في ضوء المعطيات التي يشكّلها وتتوافر له في كلّ مرّة»[95].

الخـاتمة            
أثمر البحث عن جملة من النتائج يمكن إيجازها بما يأتي:
أوّلًا: إنّ آليّة التناص القرآنيّ تعدّ وسيلة مهمّة لنشر المفاهيم القرآنيّة وإثارتها في الوعي الجمعيّ، كما أنّها تُعد من أهمّ الوسائل التي تربط النصوص بالتراكيب والألفاظ والمعاني القرآنيّة.
ثانيًا: استطاع البحث رصد بعض التقنيّات الموظّفة في استدعاء البنية القرآنيّـة (اللفظيّة والدلاليّة)، ولم تأتِ هذه التقنيّات بشكل عفويّ، بل انبثقت من صميم الموقف الطامح إلى إعلاء كلمة الحقّ، وكشف ضبابية الوضع الراهن، وقد اعتمد النصّ الفاطميّ تقنيّة التناص الإشاريّ محاولًا صرف ذهنيّة المتلقيّ إلى القضايا القرآنيّة الكبرى، ممّا يؤكّد أنّ من الجمهور من كان يعي المقاصد القرآنيّة، وأنّ قضيّتها العادلة تعدّ من المسلّمات التي أقرّها القرآن الكريم، كما أنّ الخطبة اعتمدت تقنيّة التناص التقريريّ، وقد لوحظ أنّ هذا النوع من التناص المباشر سجّل خطًّا واضحًا في العمليّة الإبداعيّة.

ثالثًا: كشف البحث عن أنّ السيّدة فاطمة (عليها السلام) كانت على معرفة تامّة بالنصّ القرآنيّ وما يوحي من أسرار وإيحاءات؛ وذلك من خلال استيعاب سياق خطبتها التي ألقتها بعد رحيل
أبيها (صلى الله عليه وآله وسلم) للبنى السطحيّة والعميقة للآيات القرآنيّة، فعمّقت بذلك موقفها الرافض للوضع القائم.
رابعًا: استحضرت آليّة التناص القرآنيّ في النصّ الفاطميّ نماذج قرآنيّة (نبويّة ورساليّة) تحمل من الصفات العليا ما يؤهّلها لتجسيد العدل الإلهيّ؛ ولعلَّ النصّ حاول توظيف الطاقات الإيجابيّة لصرف الأذهان لما يجب أن يقرّره المسلمون في اختيار الحكومة العادلة بعد رحيل النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم).
خامسًا: كشف البحث عن كثير من أوجه التداخل النصّيّ في التركيب واللفظ والمعنى بين النصّ الفاطميّ والخطاب القرآنيّ، وهذا ما أطلقنا عليه بـ(التناص الواعي)، وقد اعتمد جملة من الخطوات التحليليّة قامت على مستويات مختلفة في محاولة تحليل البناء السطحيّ والعميق للنصّ.

قائمة المصادر والمراجع
القرآن الكريم
الاحتجاج، أحمد بن عليّ بن أبي طالب الطبرسيّ، ط1، منشورات الشريف الرضيّ، إيران، 1380هـ.
الإسلام والأدب، محمود البستاني، ط1، المكتبة الأدبيّة المتخصّصة، قم، 1422 هـ.
الإسلام والفنّ، محمود البستانيّ، ط1، مجمع البحوث الإسلاميّة، بيروت،  1992م.
تقريب القرآن إلى الأذهان، السيّد محمد الشيرازيّ، ط1، دار العلوم، بيروت، 2003م
التلقّي والإبداع، محمود درابسة، ط1، دار جرير، عمان، 2010 م.
التناص التراثيّ، سعيد سلام، ط1، جدارا للكتاب العالميّ، عمان، 2010م.
التناص(دراسة تطبيقيّة في شعر شعراء النقائض)، نبيل علي عبد الحسين، ط1، كنوز المعرفة، عمان، 2010م.
التناص في الأدب والنقد(شعر محمّد جميل شلش أنموذجًا)، بشرى محمود القيسيّ، ماجستير، جامعة بغداد، 2003م.
التناص في شعر حميد سعيد، يسرى خلف حسب، ماجستير، جامعة بغداد، 2002م.
التناص في الشعر العربيّ الحديث(البرغوثيّ أنموذجًا)، حصة البادي، ط1، دار كنوز المعرفة، عمان، 2009م.
التناص في القصّ الروائيّ العربيّ الحديث في العراق، رعد طاهر باقر، دكتوراه، جامعة القادسيّة، 2002م.
التناص اللغويّ(نشأته وأصوله وأنواعه)، نعمان عبد السميع متولّي، ط1، دار العلم والإيمان، دسوق، 2014م.
التناص نظريًّا وتطبيقًا، أحمد الزغبيّ، ط2، مؤسّسة عمون، الأردن، 2000م.
التناص والتلقّي، محمد الجعافرة، ط1، دار الكنديّ، بيروت، 2003م.
سنن الترمذيّ، أبو عيسى محمّد بن عيسى الترمذيّ، المكتبة الإسلاميّة، استانبول، تركيا.
ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، محمد بنيس، ط2، المركز الثقافيّ العربيّ، الدار البيضاء، 1985م.
فعاليّة القراءة وإشكاليّة تحديد المعنى في النصّ القرآنيّ، محمّد بن أحمد جهلان، ط1، دار صفحات، سورية، 2008م.
قراءة النصّ الأدبيّ، نضال محمّد فتحي الشماليّ، ط1، دار وائل، عمان، 2009م.
كتاب الصناعتين في الكتابة والشعر، أبو هلال العسكريّ(ت 395هـ)، تح / محمود عليّ البجاوي، ومحمّد أبو الفضل إبراهيم، ط2، دار الفكر العربيّ.
لسان العرب، محمّد بن مكرم بن منظور(ت 711هـ)، ط1، دار الأبحاث، الجزائر، 2008م.
اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام)، محمّد عليّ بن أحمد الأنصاري، تح / السيّد هاشم الميلانيّ، ط، دار فاطمة، قم، 1418هـ.
المثل في نهج البلاغة، عبد الهادي عبد الرحمن، ط1، دار الشوؤن الثقافيّة العامّة، بغداد، 2013م.
مختار الصحاح، محمّد بن أبي بكر الرازيّ، ط10، دار الإرشاد، سورية، 1989م.
مختصر المعاني، سعد الدين التفتازانيّ، دار الفكر، قم.
المعجم الوسيط، أحمد حسن الزيّات وآخرون، دار الدعوة، تركية.
مفتاح العلوم، أبو يعقوب السكّاكيّ (ت 626هـ)، تح / عبد الحميد هنداويّ، ط1، دار الكتب العلميّة، بيروت، 2000م.
الميزان في تفسير القرآن، السيّد محمّد حسين الطباطبائيّ، ط1، مؤسّسة المجتبى، قم، 2004م.
نظريّة النقد العربيّ (رؤية قرآنيّة معاصرة)، محمّد حسين علي الصغير، ط1، دار المؤرّخ العربيّ، بيروت، 1999م.

-----------------------------
[1]ـ لسان العرب، ج14، ص154، مادّة (نَصَصَ).
[2]ـ مختار الصحاح، ج483.
[3]ـ ينظر: التناص (دراسة تطبيقيّة في شعر شعراء النقائض)، ص25.
[4]ـ ينظر: المعجم الوسيط، مادّة (نَصَصَ).
[5]ـ التناص (دراسة تطبيقيّة في شعر شعراء النقائض)، ص26.
[6]ـ التناص اللغويّ، ص27.
[7]ـ الإسلام والأدب، ص185.
[8]ـ التناص التراثيّ، ص43.
[9]ـ التناص اللغويّ، ص27.
[10]ـ التناص نظريًّا وتطبيقًا، ص12.
[11]ـ م. ن، ص9.
[12]ـ التناص نظريًّا وتطبيقًا، ص11.
[13]ـ ينظر: المثل في نهج البلاغة، ص51 – 52.
[14]ـ التناص في القصّ الروائيّ العربيّ الحديث في العراق، ص7.
[15]ـ ينظر: م. ن، ص22؛ التناص اللغويّ، ص22 – 26.
[16]ـ كتاب الصناعتين، ص196.
[17]ـ التناص في القص الروائيّ العربيّ الحديث في العراق، ص 22.
[18]ـ التناص في القص الروائيّ العربيّ الحديث في العراق، ص 24.
[19]ـ ينظر: التناص (دراسة تطبيقيّة في شعر شعراء النقائض)، ص 216.
[20]ـ م. ن، ص216.
[21]ـ الإسلام والفنّ، ص92.
[22]ـ الإسلام والأدب، ص365.
[23]ـ سنن الترمذيّ، ج9، ص342، ح 2790.
[24]ـ الإسلام والأدب، ص366.
[25]ـ الاحتجاج، ج1، ص128.
[26]ـ ينظر: الإسلام والأدب، ص292؛ التلقّي والإبداع، ص17 – 35.
[27]ـ الاحتجاج، ج1، ص128.
[28]ـ اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام)، ص53.
[29]ـ م. ن، ص53.
[30]ـ الإسلام والأدب، ص309.
[31]ـ قراءة  النصّ الأدبيّ، ص28.
[32]ـ التناص في شعر حميد سعيد، ص11 (نقلًا عن: نظريّة النصّ، رولان بارت، ترجمة: محمّد خير البقاعيّ، مجلّة العرب والفكر العالميّ،  ع/ 3، صيف 1988م، ص96).
[33]ـ ينظر: التناص التراثيّ، ص139 – 140.
[34]ـ التناص في الأدب والنقد، ص5.
[35]ـ ينظر: م. ن، ص10 – 11.
[36]ـ التناص في شعر حميد سعيد، ص12.
[37]ـ ينظر، المثل في نهج البلاغة، ص52 (نقلًا عن: نظريّة التناص، حسين جمعة، ص356 – 357).
[38]ـ الإسلام والأدب، ص185.
[39]ـ م. ن، ص185.
[40]ـ م. ن، ص185.
[41]ـ ينظر: مختصر المعاني، ص308 – 311.
[42]ـ ينظر: مختصر المعاني، ص308 – 309.
[43]ـ ينظر: التناص في الشعر العربيّ الحديث، ص40.
[44]ـ الاحتجاج، ج1، ص128.
[45]ـ اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام)، ص585.
[46]ـ الاحتجاج، ج1، ص128 – 129.
[47]ـ اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام)، ص586.
[48]ـ الاحتجاج، ج1، ص129.
[49]ـ الاحتجاج، ج1، ص129 – 130.
[50]ـ اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام)، ص617.
[51]ـ الاحتجاج، ج1، ص133؛ وينظر: اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام)، ص670.
[52]ـ ينظر: اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام)، ص678 – 679.
[53]ـ ينظر: م. ن، ص679.
[54]ـ الاحتجاج، ج1، ص135 – 136.
[55]ـ ظاهرة الشعر المعاصر في المغرب، ص253.
[56]ـ التناص التراثيّ، ص87.
[57]ـ الإسلام والفنّ، ص50.
[58]ـ م. ن، ص146.
[59]ـ الاحتجاج، ج1، ص133 – 134.
[60]ـ الاحتجاج،  ج1، ص136.
[61]ـ التناص التراثيّ، ص106.
[62]ـ التناص والتلقّي، ص15.
[63]ـ مفتاح العلوم، ص512.
[64]ـ التناص التراثيّ، ص47.
[65]ـ المثل في نهج البلاغة، ص52.
[66]ـ التناص التراثيّ، ص97.
[67]ـ التناص اللغويّ، ص28.
[68]ـ التناص في الشعر العربيّ الحديث، ص104.
[69]ـ الإسلام والأدب، ص44.
[70]ـ نظريّة النقد العربيّ، ص43.
[71]ـ التناص في الشعر العربيّ الحديث، ص104.
[72]ـ م. ن، ص104.
[73]ـ التناص في الشعر العربيّ الحديث، ص106 – 107.
[74]ـ الاحتجاج، ج1، ص128.
[75]ـ ينظر: الإسلام والفنّ، ص56 – 57.
[76]ـ الاحتجاج، ج1، ص128 – 129.
[77]ـ تقريب القرآن إلى الأذهان، ج3، ص367.
[78]ـ م. ن، ج4، ص520.
[79]ـ ينظر: م. ن، ج4، ص518 – 521.
[80]ـ اللمعة البيضاء في شرح خطبة الزهراء (عليها السلام)، ص591.
[81]ـ الاحتجاج، ج1، ص129.
[82]ـ ينظر: تقريب القرآن إلى الأذهان، ص82 – 83.
[83]ـ الاحتجاج، ج1، ص129.
[84]ـ م. ن، ج1، ص129.
[85]ـ الميزان في تفسير القرآن، ج19، ص87.
[86]ـ تقريب القرآن إلى الأذهان، ج5، ص555.
[87]ـ الاحتجاج، ج1، ص130
[88]ـ م. ن، ص130.
[89]ـ م. ن، ص130.
[90]ـ ينظر: الميزان في تفسير القرآن، ج16، ص291 – 298.
[91]ـ ينظر: الميزان في تفسير القرآن، ج16، ص303.
[92]ـ م. ن، ج16، ص304.
[93]ـ م. ن، ج16، ص304.
[94]ـ الاحتجاج، ج1، ص131.
[95]ـ فعاليّة القراءة وإشكاليّة تحديد المعنى في النصّ القرآنيّ، ص69.