البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الديانة المسيحية والإله يهوه

الباحث :  حفيظ سليماني
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  19
السنة :  شهر محرم 1441هـ / 2019م
تاريخ إضافة البحث :  November / 13 / 2019
عدد زيارات البحث :  524
تحميل  ( 603.523 KB )
ملخّص الدراسة
على الرغم من أنّ المسيح عيسى (ع) لم يصدر منه لا تصريحاً ولا تلميحاً أنّه قال: إنّي أنا الإله الذي تجسّد على الأرض لأكون قريباً من البشرية؛ فإنّ المسيحيين ما زالوا يعتقدون أنّه الله، مع العلم أنّ هذا الاعتقاد باطل بالنص الديني التوراتي والإنجيلي. وقد جاءت هذه الدراسة العلمية لتسلّط الضوء أكثر -انطلاقاً من الكتب التي يؤمن بها المسيحيون- على موضوع: الديانة المسيحية والإله يهوه؛ إذ قد بيّنت من خلالها أنّ اعتقاد المسيحيين بأنّ حمل المسيح اسم الإله يهوه جعل منه إلهاً لا ينبني على دليل نصي، إذ يصعب بل يستحيل إسقاط صفات الإله يهوه على صفات المسيح (ع)، فالسابق إله خاص لبني إسرائيل يتميز بميزات سيئة بخلاف المسيح (ع).وهذا الجزء كاف للرد على عقيدة المسيحيين في الألوهية؛ فما المسيح (ع) سوى عبد لله ورسوله، وأنّ تأليهه بعيد كل البعد عن مضمون رسالة الإنجيل.

مقدمة
يعتقد المسيحيون أنّ المسيح ابن مريم هو الإله الذي تجسّد على الأرض، ودليلهم في ذلك: الكتاب المقدس، يقول لبيب ميخائيل: «فإذا سألني واحد لماذا تؤمن بأنّ المسيح هو الله؟ فإنني أجيبه على أسس من الحق الواضح المعلن في الكتاب المقدس»[1]، ودون الدخول في مناقشة عقيدة ألوهية المسيح بشكل مفصّل ونقدها، فإنّي سأقتصر هنا في هذه الدراسة العلمية الأكاديمية على موضوع الديانة المسيحية والإله يهوه؛ فهذا الأخير يعتقد المسيحيون أنّه هو نفسه المسيح قائلين إنّ المسيح هو الله؛ لأنّه يحمل اسما من أسماء الله، وهذا الاسم هو يهوه، وتأتي هذه الدارسة؛ لتبين انطلاقاً من المصادر والمراجع الكتابية ما مدى صحة الإيمان المسيحي فيما يخص هذه القضية الجوهرية والخطيرة لكونها تعالج أمراً عقدياً. 

المسيح والإله يهوه
يؤمن المسيحيون أنّ المسيح هو يهوه، يقول جوش مكدويل[2]: «اتخذ المسيح لنفسه اسما من أسماء الله يوقِّره اليهود أكثر من غيره، اسما يعتبر مقدساً إلى درجة لا يجرؤ معها اليهودي على النطق به، ألا وهو يهوه. وقد كشف الله لشعبه معنى هذا الاسم في الإصحاح الثالث من الخروج، فعندما سأل موسى الله بأي اسم يدعوه، أجابه الرب: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ». وَقَالَ: «هَكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أَهْيَهْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ»[3].
والسؤال الذي يطرح هنا كيف يتم الربط بين: أنّ المسيح هو يهوه وبين أهيه الوارد في سفر الخروج؟.
يجيب مكدويل: «قامت الترجمة السبعينية بترجمة أول استخدام لتعبير أَهْيَهْ في خروج 3/14إلى ego eimi...وهكذا فقد كانت الصيغة التوكيدية لأهيه ego eimiفي اللغة اليونانية زمن يسوع معادلة لكلمة يهوه العبرية. واعتماداً على هذا السياق، فإنّه يمكن أن تكون طريقة توكيدية لقول «أنا هو« كما في يوحنا 9/9 آخَرُونَ قَالُوا: «هَذَا هُوَ». وَآخَرُونَ: «إِنَّهُ يُشْبِهُهُ». وَأَمَّا هُوَ فَقَالَ: «إِنِّي أَنَا هُوَ»، أو يمكن أن تكون اسم الله نفسه، أَهْيَهْ الأبدي»[4].
في هذا القول يبيّن مكدويل أنّ المسيح هو يهوه، وذلك باعتماد الترجمة السبعينية التي ترجمت أَهيه إلى ego eimi وهو نفس ترجمة أنا هو أي ego eimi. وذلك بناءً على اعتقاده أنّ كلمة أهيه في سفر الخروج هي يهوه. وأوضح نص -حسب اعتقادهم- يعتمدونه من الإنجيل لربط نص سفر الخروج بما جاء في الإنجيل هو نص يوحنا: (قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ)[5].
المسيحيون يحتجون بهذا النص على أنّ المسيح هو يهوه، يقول مكدويل: استخدم يسوع تعبير ego eimiعدة مرات عن نفسه بطريقة لا تليق إلا بالله، وأوضح مثال لذلك هو عندما قال اليهود ليسوع: (فَقَالَ لَهُ الْيَهُودُ: «لَيْسَ لَكَ خَمْسُونَ سَنَةً بَعْدُ، أَفَرَأَيْتَ إِبْرَاهِيمَ؟» قَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «الْحَقَّ الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: قَبْلَ أَنْ يَكُونَ إِبْرَاهِيمُ أَنَا كَائِنٌ= ego eimi[6]. هنا يتضح الربط أكثر هكذا بشكل مبسط:
- أهيه في سفر الخروج = ego eimi
- أنا كائن في يوحنا = ego eimi
وعليه يكون المسيح هو يهوه بناء على الترجمة السبعينية التي ترجمت «أهيه» و«أنا كائن» بنفس اللفظ. وقيل ذلك صراحة وكأنّ المسألة مفروغ منها، فهذا يوسف رياض يقول:
«والآن ما الذي يعنيه قول المسيح:  أنا كائن قبل إبراهيم.إنّ المسيح لا يقول لليهود قبل أن يكون إبراهيم أنا كنت، بل لاحظ عظمة قول المسيح: قبل أن يكون إبراهيم أنا كائن. إنّها كينونة لا علاقة لها بالزمن، كينونة دائمة. إنّ عبارة أنا كائن تعادل تماماً القول أنا الله أو أنا الرب أو أنا يهوه الذي هو اسم الجلالة بحسب التوراة العبرية. فهذا التعبير أنا كائن هو بحسب الأصل اليوناني الجديد وتعني  Ego eimi إجو إيمي تعني الواجب الوجود والدائم، الأزلي والأبدي. فمن يكون ذاك سوى الله؟»[7].
إذاً، حسب هذه الأقوال المسيح هو يهوه ولا غبار على ذلك، فعبارة أنا كائن هي أنا يهوه، إلا أنّ الأمر ليس كذلك، فكلمة يهوه غير معروف أصلها ولا نطقها- كما سيأتي-  فبالأحرى ينبغيربطها بكلمة ego eimi «أهيه» التي وردت في سفر الخروج.
وفي ردي على هذه الأقوال ينبغي التأكيد على أنّ لفظة يهوه لم ترد في العهد الجديد مطلقاً، أي لم يقل المسيح أنا يهوه ولم يسميه أحد من كتبة الأناجيل بذلك، مما يجعل قولهم بأنّه هو يهوه قول مجرد عن الدليل.

حقيقة الإله يهوه
إنّ الإله يهوه الذي يعتقد المسيحيون أنّ المسيح يحمل اسمه ليس إلهاً عالمياً، يقول الدكتور عبد المجيد همو: «إنّ اسم يهوه اسم إله قبلي خاص، وليس إلهاً عالمياً، ولم يستطيعوا أن يرتفعوا -اليهود- به إلى مستوى العالمية[8].  وهذا ما تؤكّده دائرة المعارف الكتابية، تقول تحت عنوان: «يهوه: يهوه  وهذا هو اسم العلم الشخصي لإله إسرائيل كما كان كموش إله موآب وداجون إله الفلسطينيين»[9]. إذاً، فيهوه إله خاص ببني إسرائيل فقط وليس إلهاًعالمياً. وقد تطرق إلى هذه النقطة الدكتور جمال الدين الشرقاوي بقوله: «ولمعلومية القارئ المثقّف فإنّ عُبَّاد يهوه لا يؤمنون به كإله واحد  أحد لا إله غيره، وإنّما آمنوا به إلهاً خاصاً بهم دون سائرة الناس وأنّه يوجد آلهة غيره كثيرة يعبدها شعوب العالم»[10]. إذاً، فقول المسيحيين أنّ المسيح هو يهوه هو اعتقاد قد تبخّر؛ فهو -يهوه-إله خاص، أما المسيح فهم يبشرون الأمم به باعتباره الإله خالق الكون وغافر الخطايا.
ومن النصوص التي تبيّن أنّ يهوه إله من بين آلهة أخرى، أذكر الآتي:

- سفر الخروج: (مَنْ مِثْلُكَ بَيْنَ الآلِهَةِ يَا رَبُّ؟)[11].
قد يقول قائل لا يوجد ذكر ليهوه في النص، فالردّ هو أنّ الترجمات العربية- في الأقل ما هو متوفر عندي- تترجم يهوه بالرب، ولكي يزول الإشكال أثبت هنا النص العبري والنص الإنجليزي ليتضح الأمر:
* الي: (כִּי-אַתָּהיְהוָה، עֶלְיוֹןעַל-כָּל-הָאָרֶץ;מְאֹדנַעֲלֵיתָ، עַל-כָּל-אֱלֹהִים).
أكتفي بهذا القدر من الأمثلة التي جاءت مؤكدة: أنّ يهوه هو إله من بين آلهة أخرى وهو إله خاص ببني إسرائيل.

أصل اسم الإله يهوه
والاسم يهوه غير معروف نطقه ولا أصله، يقول حبيب سعيد: «ومما هو جدير بالذكر هنا أنّ النطق الأصلي الصحيح لاسم الجلالة في العبرية يهوه قد ضاع، أما الحركات التي توضع عادة حيثما توجد هذه الحروف الصامتة فهي متعلقة بكلمة أخرى أدوناي، وهي الكلمة التي كان ينطق بها عند قراءة الأسفار المقدسة بدلاً من يهوه التي لم يكن يجوز النطق بها لقدسيتها إلا لرئيس الكهنة مرة واحدة في السنة»[12]. بالإضافة إلى ضياع النطق الأصلي فاشتقاق الاسم هو أيضاً مجهول؛ وذلك بشهادة دائرة المعارف الكتابية بعد إقرارها أنّ يهوه هو إله بني إسرائيل، تقول: «ولا نعرف المعنى الأصلي ولا مصدر اشتقاق الكلمة»[13]. وهنا أقول للمسيحيين: إذا كان نطق الاسم يهوه واشتقاقه مجهولين فكيف يصح ويعقل ربط  قول المسيح أنا أكون باسم -يهوه- غير معروف أصلاً؟. ونص سفر الخروج نفسه لم يكن يعني بقوله: «أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ» الله يهوه.
ويؤكّد هذا الأب اصطفان شربنتيه، بقوله: «يبدو أنّ الله يدلي باسمه لموسى، في الواقع ليس اسماً بقدر ما هو دليل على حضور مع أنّنا لا نعرف كيف نلفظ هذا الاسم»[14]. فهذا الكاتب ينفي أن يكون نص سفر الخروج له صلة بإعلان الاسم يهوه. وأنتقل بهذا القول المهم إلى نقطة أخرى ذات أهمية؛ لكونها تعدّ حدّاً قاطعاً من جهتها لربط يهوه بالمسيح، وهي صفات يهوه.

صفات يهوه ليست هي صفات المسيح    
أقرر بداية أنّ المسيح في المعتقد المسيحي يمتاز بالصفات الحسنة والأخلاق العالية، جاء في متى قول المسيح: (سَمِعْتُمْ أَنَّهُ قِيلَ: عَيْنٌ بِعَيْنٍ وَسِنٌّ بِسِنٍّ. 39 وَأَمَّا أَنَا فَأَقُولُ لَكُمْ: لاَ تُقَاوِمُوا الشَّرَّ، بَلْ مَنْ لَطَمَكَ عَلَى خَدِّكَ الأَيْمَنِ فَحَوِّلْ لَهُ الآخَرَ أَيْضاً. 40وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُخَاصِمَكَ وَيَأْخُذَ ثَوْبَكَ فَاتْرُكْ لَهُ الرِّدَاءَ أَيْضاً. 41 وَمَنْ سَخَّرَكَ مِيلاً وَاحِداً فَاذْهَبْ مَعَهُ اثْنَيْنِ. 42مَنْ سَأَلَكَ فَأَعْطِهِ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْتَرِضَ مِنْكَ فَلاَ تَرُدَّهُ)[15].

لكن صفات يهوه غير هذا، ومنها:
أ- إله حزين: 
وقد حزن؛ لأنّه خلق الناس، فتأسّف على ذلك: (وَرَأَى الرَّبُّ أَنَّ شَرَّ الإِنْسَانِ قَدْ كَثُرَ فِي الأَرْضِ وَأَنَّ كُلَّ تَصَوُّرِ أَفْكَارِ قَلْبِهِ إِنَّمَا هُوَ شِرِّيرٌ كُلَّ يَوْمٍ. 6فَحَزِنَ الرَّبُّ أَنَّهُ عَمِلَ الإِنْسَانَ فِي الأَرْضِ وَتَأَسَّفَ فِي قَلْبِهِ. 7فَقَالَ الرَّبُّ: «أَمْحُو عَنْ وَجْهِ الأَرْضِ الإِنْسَانَ الَّذِي خَلَقْتُهُ: الإِنْسَانَ مَعَ بَهَائِمَ وَدَبَّابَاتٍ وَطُيُورِ السَّمَاءِ. لأَنِّي حَزِنْتُ أَنِّي عَمِلْتُهُمْ)[16].

ب- إله لص:
يأمر يهوه أتباعه بأن يسرقوا حلي المصريين وأمتعتهم، وأن لا يعيدونها ثم يهربوا فيها، وتصبح هذه الحلي ملكاً لبني إسرائيل: (فَحَمَلَ الشَّعْبُ عَجِينَهُمْ قَبْلَ أَنْ يَخْتَمِرَ وَمَعَاجِنُهُمْ مَصْرُورَةٌ فِي ثِيَابِهِمْ عَلَى أَكْتَافِهِمْ. 35وَفَعَلَ بَنُو إِسْرَائِيلَ بِحَسَبِ قَوْلِ مُوسَى. طَلَبُوا مِنَ الْمِصْرِيِّينَ أَمْتِعَةَ فِضَّةٍ وَأَمْتِعَةَ ذَهَبٍ وَثِيَاباً. 36وَأَعْطَى الرَّبُّ نِعْمَةً لِلشَّعْبِ فِي عُيُونِ الْمِصْرِيِّينَ حَتَّى أَعَارُوهُمْ. فَسَلَبُوا الْمِصْرِيِّينَ)[17].

ت- إله يشبه شارب الخمر:
في سفر المزمور: (فَاسْتَيْقَظَ الرَّبُّ كَنَائِمٍ كَجَبَّارٍ مُعَيِّطٍ مِنَ الْخَمْرِ)[18]. فالرب حسب هذا السفر استيقظ من نومه محتقن العينين، فظهر كجبار ظل يعاقر الخمر[19]. وبناء على هذه الصفات، فلا أظنّ أنّ المسيحيين سيقبلون وصف المسيح بها؛ لكونها تتنافى وتعاليم المسيح.
بعد هذا العرض الذي بيّنت فيه أنّ يهوه هو إله بني إسرائيل؛ وذلك بأدلة علمية واضحة، وأنّ نص سفر الخروج السالف الذكر لم يقصد بـ: أهيه الذي أهيه، الاسم يهوه تكون النتيجة إذاً أنّ المسيح ليس هو يهوه، وبالتالي لا توجد علاقة بين «أهيه» الذي أهيه حسب سفر الخروج و«أنا هو« أو «أنا كائن» الموجودة في الإنجيل.
وزيادة في الحجة والتوضيح وردّاً على بعض الأقوال أنتقل إلى الحديث عن عبارة «أنا هو« أو «أنا كائن»، وذلك بناء على مجموعة من النصوص؛ لكي أثبت ما مدى قدسية العبارة من عدمها.
ومن هذه النصوص أبدأ بنص محاكمة المسيح كما ورد في مرقس، وهو كالآتي: (فَسَأَلَهُ رَئِيسُ الْكَهَنَةِ أَيْضاً وَقَالَ لَهُ: «أَأَنْتَ الْمَسِيحُ ابْنُ الْمُبَارَكِ؟» 62فَقَالَ يَسُوعُ: «أَنَا هُوَ. وَسَوْفَ تُبْصِرُونَ ابْنَ الإِنْسَانِ جَالِساً عَنْ يَمِينِ الْقُوَّةِ)[20]. يعلّق لويس بقوله: «لقد قال: أنا هو في لغتنا الجميلة، أنا هو لا تعني شيئاً يستوجب كل غضب رئيس الكهنة !لكن في اللغة الأصلية التي سمعها السامعون وقتها تعني اسم الجلالة الله»[21]. من خلال النص المسيح، قال: «أنا هو« ولم يقل: أنا الله، وبهذا يكون قول لويس تحريفاً لمعنى النص وهدفه في ذلك تأكيد أنّ المسيح هو الله. لكن رغم ذلك فالنص واضح من خلال قول المسيح أنا هو ومن الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً على يمين القوة، فلو كان هو الله لما قال هذا الكلام.
ومن المفسّرين مَن فسّر النص على أساس بنوة المسيح لله وليس هو الله، بقوله: «إنّهم لم يسألوا ما إذا كان المسيح ابن الله، لقد سألوا فقط ما إذا كان هو في الحقيقة ابن الله...لكنهم على يقين أنّ المسيح هو ابن الله»[22]. فهذا التفسير لم يقل أنّعبارة ego eimi أنا هو تعني الله أو يهوه، كما بيّنت آنفا عند بعض المسيحيين.
ولكي لا يحتجّ أحد سائلاً عن الأصل اليوناني ما إذا كان قد ترجم أنا هو إلى ego eimi، فأجد نفسي هنا مضطراً للإثبات بالنص، وهو الآتي على شكل صورة توضّح موضع العبارة باليوناني ومقابلها العربي كما وردت في العهد الجديد يوناني عربي.
- نص متى: وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ، قَالَ: «الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ وَاحِداً مِنْكُمْ يُسَلِّمُنِي». فَحَزِنُوا جِدّاً، وَابْتَدَأَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقُولُ لَهُ: «هَلْ أَنَا هُوَ يَا رَبُّ؟[23]. النص يحتوي على عبارة أنا هو ونفس الترجمة في اليوناني كما في الصورة التي تضم النص اليوناني ومقابله العربي.
أقول إذاً للذين يتشبّثون بربط أنا هو ego eimi بيهوه، وبالتالي المسيح -حسب اعتقادهم-  هو نفسه يهوه بناء على الترجمة اليونانية لعبارة أنا هو، فهل تستطيعون أن تطلقوا على الذي سيسلم يسوع اسم يهوه؟ ما دام أنّ العبارة التي قالها المسيح أنا هو هي نفسها التي قالها التلاميذ، ونفس الترجمة كذلك في اليونانية. طبعاً لن يقولوا بهذا أبداً. وعليه، تكون عبارة أنا هو وفي أصلها اليوناني لا تحمل أي معنى يجعل منها كلمة مقدسة.
وأختم بآخر مثال لأهميته، وهو نص يوحنا القائل: (فَقَالَ لَهُمْ يَسُوعُ: «مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ، فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ، وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئاً مِنْ نَفْسِي، بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهَذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي.  29وَالَّذِي أَرْسَلَنِي هُوَ مَعِي، وَلَمْ يَتْرُكْنِي الآبُ وَحْدِي، لأَنِّي فِي كُلِّ حِينٍ أَفْعَلُ مَا يُرْضِيهِ)[24]. عبارة أنا هو موجودة في النص وفي الترجمة اليونانية ترجمت بـ: ego eimi. فإذا كان المسيح فعلاً هو يهوه -أناهو =ego eimi- فالنص يطرح مشكلة؛ لقول المسيح: وَلَسْتُ أَفْعَلُ شَيْئاً مِنْ نَفْسِي، بَلْ أَتَكَلَّمُ بِهَذَا كَمَا عَلَّمَنِي أَبِي، وهذا دليل قاطع على أنّ عبارة:  أنا هو =ego eimi  لا تمت بصلة ليهوه كما يعتقد البعض؛ لأنّه من الصعب أن يكون معنى النص: فحينئذٍ تفهمون أَنِّي يهوه، وفي المقابل يقول لهم: لست أفعل شيئاً من نفسي بل بما علمني أبي. فإذا كان هو يهوه فلا معنى لبقية النص.

خاتمة
ومن مجموع الأدلة السالفة الذكر فيما يخص حديثي عن صلة المسيح (ع) بالإله يهوه، تكون الخلاصة هي: إنّ المسيح (ع) ليس هو يهوه، وهذا الأخير إله خاص ببني إسرائيل مجهول الاشتقاق والنطق، كما أنّ الاعتقاد بوجود صلة بين أنا هو ego eimi ويهوه لا تؤكّدها النصوص بل تعارضها؛ فبطل إذاً الاعتقاد: المسيح = يهوه، بأدلة يؤمن بها أصحاب هذا الاعتقاد فأصبحت الحجة عليهم  قوية.

لائحة المصادر والمراجع
 -دائرة المعارف الكتابية، مجلس التحرير: دكتور صموئيل حبيب، القس منيس عبد النور، دكتور القس فايز فارس، جوزيف صابر، المحرر وليم وهبة بباوي، نشر دار الثقافة.
- الأب اصطفان شربنتيه، دليل إلى قراءة الكتاب المقدس، نقله إلى العربية: الأب صبحي حموي اليسوعي، دار المشرق، بيروت، ط3.
- التفسير المسيحي القديم للكتاب المقدس -العهد الجديد، الإنجيل كما دونه مرقس، نقله من اللغات الأصلية: الأب الدكتور ميشال نجم، منشورات جامعة البلمند.
- العهد الجديد، ترجمة: بين سطور-يوناني -عربي-، إعداد الآباء بولس الفغالي - انطوان عوكر- نعمة الله الخوري - يوسف فخري، ط1، 2003.
- جمال الدين الشرقاوي، تابوت يهوه، نشر مكتبة وهبة، القاهرة، ط1، 2008.
- جوش مكدويل، بارت لارسون، حقيقة لاهوت المسيح، ترجمة: سمير الشوملي.
 - حبيب سعيد، المدخل إلى الكتاب المقدس، صدر عن دار التأليف والنشر للكنيسة الأقفية بالقاهرة.
- عبد المجيد همو، الله أم يهوه؟ أيهما إله اليهود؟، مراجعة وتدقيق: إسماعيل الكردي، الأوائل للنشر والتوزيع والخدمات الطباعية، ط1، 2003.
 - لبيب ميخائيل،  هل المسيح هو الله- دراسة تحليلية لآخر قضية من قضايا المسيحية، ط3،1983.
 - لويس عبد الله، حقيقة إيماني،الناشر الكنيسة الإنجيلية، القاهرة.
 - يوسف رياض، أريني أين قال المسيح أنا الله فاعبدوني؟، دار الإخوة للنشر، ط2006.

العبرية:
- תנך: תורה-נביאים-כותנים:   
Massoretic Text According to Jacob Ben Chayim And C.D Grinsburg.

الإنجليزية:
- New World Translation of the Holy Scriptures Rendered  from  the Original Languages by the New World  Bible Translation Commettee —Revised 1984.
-The Holy Bible World English Bible.

-------------------------------------
[1]  - هل المسيح هو الله- دراسة تحليلية لأخر قضية من قضايا المسيحية، ص 40.
[2]  - جوش مكدويل، بارت لارسون، حقيقة لاهوت المسيح، ترجمة:سمير الشوملي، ص 18-19.
[3]  - سفر الخروج3/14.
[4]  - حقيقة لاهوت يسوع المسيح، ص 19.
[5]  - يوحنا8/58.
[6]  - حقيقة لاهوت يسوع المسيح، ص 19.
[7] - يوسف رياض، أريني أين قال المسيح أنا الله فاعبدوني؟،  ص 12.
[8]  - عبد المجيد همو، الله أم يهوه؟ أيهما إله اليهود؟، ص 101.
[9]  - دائرة المعارف الكتابية، ص 380.
[10] جمال الدين الشرقاوي،تابوت يهوه، ص 61.
[11]  - سفر الخروج15/11.
[12]  - حبيب سعيد،المدخل إلى الكتاب المقدس، ص 30-31.
[13] - دائرة المعارف الكتابية، ص 380.
[14]  - الأب اصطفان شربنتيه،دليل إلى قراءة الكتاب المقدس، ص 73.
[15] - متى5/39.
[16] - التكوين6/5-7.
[17] - الخروج12/34-36.
[18] - المزمور78/65.
[19] - وللمزيد من المعلومات حول صفات يهوه ينظر كتاب: الله أم يهوه؟ أيهما إله اليهود؟، مرجع سابق.
[20] - مرقس14/62.
[21]  - لويس عبد الله،حقيقة إيماني، ص 77.
[22] - التفسير المسيحي القديم للكتاب المقدس - العهد الجديد، الإنجيل كما دونه مرقس، نقله من اللغات الأصلية الأب الدكتور ميشال نجم، ص 308-309.
[23]  - متى26/21-22.
[24] - يوحنا 8/28-29.