البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الخطايا العشر لابن تيمية

الباحث :  محمد عبد الشافي القوصي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  19
السنة :  شهر محرم 1441هـ / 2019م
تاريخ إضافة البحث :  November / 13 / 2019
عدد زيارات البحث :  4573
تحميل  ( 1.125 MB )
زعم ابن تيمية بأنَّ اللهَ محل الحوادث!
من خطايا ابن تيمية الجسيمة: زعمه بأنَّ الله -سبحانه- محل الحوادث «حوادث لا أوّل لها»، وأنّه مركَّب مفتقر إلى ذاته افتقار الكل إلى الجزء. وأنَّ العالم قديم بالنوع ولم يزل مع الله مخلوق دائماً، فجعله موجباً بالذات لا فاعلاً بالاختيار!.
قال ابن تيمية في الموافقة ما نصّه: (وأما أكثر أهل الحديث ومن وافقهم فإنّهم لا يجعلون النوع حادثاً بلْ قديمًا، ويفرِّقون بين حدوث النوع وحدوث الفرد من أفراده، كما يفرّق جمهور العقلاء بين دوام النوع ودوام الواحد من أعيانه)[1].
ويقول فيها  أيضاً ما نصّه: (فمن أين في القرآن ما يدل دلالة ظاهرة على أنّ كلّ متحرّك محدث أو ممكن، وأنّ الحركة لا تقوم إلا بحادث أو ممكن، وأنّ ما قامت به الحوادث لم يخلُ منها، وأنّ ما لا يخلو من الحوادث فهو حادث، وأين في القرآن امتناع حوادث لا أول لها)[2].
وقال في «منهاج السنّة»  ما نصّه: (فإنْ قلتم لنا: بأنّكم قلتم بقيام الحوادث بالربّ، قلنا لكـم: نعم، وهذا قولنا الذي دلّ عليه الشرع والعقل)[3].
هذا؛ وقد ردَّ العلماءُ على ابن تيمية، في قوله: بتسلسل الحوادث إلى ما لا بداية له، يقتضي قِدمها مع أنّ لا قديم إلاَّ الله.
قال الجلال الدواني عن ذلك في كتاب (شرح العضدية): (وقد رأيتُ في بعض تصانيف ابن تيمية القول بالقِدم في العرش، ومعنى قوله هذا أنَّ جنس العرش أزلي، أيْ: ما من عرشٍ إلاَّ وقبله عرش إلى غير بداية، وأنّه يوجد، ثم ينعدم، ثم يوجد، ثم ينعدم وهكذا، أيْ: أنَّ العرش جنسه أزلي لم يزل مع الله، ولكن عينه القائم الآن حادث)[4].
فابن تيمية يعتقد أنّ الحوادث تقوم بذات الله تعالى، أيْ: أنَّ الله تعالى لم يكن متصفاً بصفة، ثم اتصف بها؛ ولذلك يقول إنّ كلام الله تعالى حروف وأصوات، وأنّه تعالى يصعد وينزل -والعياذ بالله من هذه الطامات التي لا يقول بها مسلم عاقل-!.
وقال الشيخ الألباني: «لقد أطال ابنُ تيمية الكلام في ردّه على الفلاسفة محاولاً إثبات «حوادث لا أول لها»، وجاء في أثناء ذلك بما تحار فيه العقول، ولا تقبله أكثر القلوب، حتى اتهمه خصومه بأنّه يقول بأنّ المخلوقات قديمة لا أول لها، مع أنّه يقول ويُصرِّح بأنّ ما من مخلوق إلاَّ وهو مسبوق بالعدم؛ ولكنّه مع ذلك يقول بتسلسل الحوادث إلى ما لا بداية له. كما يقول هو وغيره بتسلسل الحوادث إلى ما لا نهاية، فذلك القول منه غير مقبول، بلْ هو مرفوض بهذا الحديث، وكم كنّا نودّ أن لا يلج ابن تيمية هذا المولج»[5].
وقال الحافظ «ابن حجر» في الفتح: «كان الله ولم يكن شيء قَبْله»، تقدم في بَدء الخلق بلفظ: «ولم يكن شيء غَيْره». وفي رواية أبي معاوية «كان الله قبل كُل شيء»، وهو بمعنى كان الله ولا شيء معه، وهي أصرح في الردّ على مَن أثبت حوادث لا أوّل لها من رواية الباب، وهي من مستشنَع المسائل المنسوبة لابن تيمية، ووقفتُ في كلام له على هذا الحديث يُرجّح الرواية التي في هذا الباب على غيرها مع أنّ قضية الجمع بين الروايتيْن تقتضي حمل هذه على التي في بدء الخلق لا العكس، والجمع يُقَدّم على الترجيح بالاتفاق»[6].

واعتماداً على ما سبقَ:
هذه العقيدة الكُفرية «حوادث لا أوّل لها»، تعني وجود مخلوقات لا بداية لها تشترك في القِدَم مع الذات الإلهية، وهذه العِبارة تحمل تناقضاً غريباً في داخلها. فكل حادثٍ مخلوقٌ، وكل مخلوق له بداية، وكل مخلوق يَعتمد على الذي أوجده وخَلَقَه، فمحالٌ وجود مخلوق خلقَ نفسَه؛ لأنَّ فاقد الشيء لا يُعطيه. ولحظة الخلْق يُحدّدها الخالقُ الذي أوجدَ المخلوقَ، فكيف تكون هذه الحوادث المخلوقة لا بداية لها؟! وهذه العقيدة تفترض أنّ هذه الحوادث هي قديمة بالنوع، أيْ: إنّها واجبة الوجود، وبالتالي فهي غير خاضعة لأيّ خالق مُوجِد، بل كانت معه ندّاً بندّ، وخارجة عن نفوذ قدرة الله تعالى على الخلق -وهذا كُفرٌ بواح- فكل ما سوى الله تعالى مخلوق، وكلّ مخلوق لابدَّ أن جاء إلى هذا الوجود في لحظة زمنية مُعَيّنة، أيْ: إِنّ له بدايةً. وقد كان الله ولا شيء معه، أيْ: إنّه أوجد العناصر من العدم، فالله تعالى وحده مختص بالقِدَم، وما سواه حادث وُجِد بعد إذ لم يكن. وللأسف فهذه العبارة الكُفرية ملتصقة بابن تيمية بصورة يصعب الفكاك منها وهو يدافع عنها بشراسة، والعجيب أنّه عاد ونقضها بكل حماس في مجموع الفتاوى: (فإنَّ الرسل مُطْبِقون على أنّ كلّ ما سوى الله مُحدَث مخلوق كائن بعد أن لم يكن، ليس مع الله شيء قديم بِقِدَمه)[7] اهـ. وهذا يدلّ على شراسة الصراع في عقلية ابن تيمية، فما يُثبته ويدافع عنه في موضع بكل إصرار، ينقضه في موضعٍ آخر بكلّ إصرار.
  وتبدو سوء نيَّة ابن تيمية حينما عمد إلى الترجيح قافزاً فوق الجمع والتوفيق، وهذا يدلّ على أنّه يريد الوصول إلى هدفه المرسوم في رأسه مهما كَلّفه الثمن، فهو يَحمل فكرةً مسبقة في ذهنه، ويريد تطويع الأدلة لإثباتها قافزاً على المنهج العلمي الذي يتشدّق بأنّه من أتباعه، ونحن لا نعلم الغيبَ، ولكن المظهر يدلّ على الجوهر، ومنهجية المسار الخارجي تنبئ عمّا في الصدور.

(الخطيئـــة الثالثـــة)
تقسيم ابن تيمية التوحيد إلى أقسام
من خطايا ابن تيمية: تقسيمه التوحيد إلى «توحيد ألوهية» و«توحيد ربوبية»!.
فقد قسَّم ابن تيميه التوحيد إلى قسميْن: توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية. وفي مواضع أخرى؛ قسَّمه إلى ثلاثة أقسام: «توحيد الربوبية»، و«توحيد الألوهية»، و«توحيد الأسماء والصفات».
وهذا التقسيم مبتدع في الدين لم يسبق إليه أحد قبله، فلم يقل به القرآن ولا النبي (ص)، ولا أحد من صحابة النبيّ وآله الأطهار، ولا أحد من العلماء والتابعين، إنّما هو مِن اختلاقه وابتداعه. وقد قصد ابن تيمية بهذا التقسيم تكفير المتوسِّلين بالنبيّ (ص) وبأوليائه الصالحين؛ لأنّهم -كما يزعم- غير موحِّدين في الألوهية، وإنْ كانوا موحِّدين في الربوبية!.
 قال العلاَّمة المحقِّق «يوسف الدجوي» في رسالته (نقد تقسيم التوحيد إلى ألوهية وربوبية): (إنَّ صاحب هذا الرأي هو ابن تيمية الحرَّاني، قال: إنَّ الرسل لم يُبعثوا إلاَّ لتوحيد الألوهية وهو إفراد الله بالعبادة، وأمَّا توحيد الربوبية وهو اعتقاد أنَّ الله ربّ العالمين المتصرّف في أمورهم فلم يخالف فيه أحد من المشركين والمسلمين، بدليل قوله تعالى: ﴿وَلَئِن سَأَلۡتَهُم مَّنۡ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ لَيَقُولُنَّ ٱللَّهُۚ﴾[8].
 ثم قالوا: إنّ الذين يتوسّلون بالأنبياء والأولياء ويتشفّعون بهم وينادونهم عند الشدائد هم عابدون لهم قد كفروا باعتقادهم الربوبية في تلك الأوثان والملائكة والمسيح سواء بسواء، فإنّهم لم يكفروا باعتقادهم الربوبية في تلك الأوثان وما معها، بل بتركهم توحيد الألوهية بعبادتها، وهذا ينطبق على زوار القبور المتوسّلين بالأولياء المنادين لهم المستغيثين بهم الطالبين منهم ما لا يقدر عليه إلا الله تعالى. بل قال محمد بن عبد الوهاب: (إنَّ كُفرهم أشنع من كفر عباد الأوثان)[9]!.
ثم ردَّ عليهم العلاَّمة الدجوي، بقوله: قولهم: إنّ التوحيد ينقسم إلى توحيد الربوبية وتوحيد الألوهية تقسيم غير معروف لأحد قبل ابن تيمية، وغير معقول أيضاً كما ستعرفه، وما كان رسول الله (ص) يقول لأحد دخل في الإسلام: إنّ هناك توحيديْن وإنّك لا تكون مسلماً حتى توحِّد توحيد الألوهية، ولا أشار إلى ذلك بكلمة واحدة، ولا سُمِع ذلك عن أحد من السلف الذين يتبجَّحون باتباعهم في كل شيء، ولا معنى لهذا التقسيم، فإنَّ الإله الحق هو الربّ الحق، والإله الباطل هو الربّ الباطل، ولا يستحق العبادة والتأليه إلا من كان ربّاً، ولا معنى لأن نعبد من لا نعتقد فيه أنّه ربٌّ ينفع ويضر، فهذا مرتَّب على ذلك، كما قال تعالى: ﴿رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا فَٱعۡبُدۡهُ وَٱصۡطَبِرۡ لِعِبَٰدَتِهِۦۚ هَلۡ تَعۡلَمُ لَهُۥ سَمِيّٗا﴾. فرتَّب العبادة على الربوبية، فإنّنا إذا لم نعتقد أنه ربٌّ ينفع ويضر فلا معنى لأن نعبده)[10]. انتهى كلام الدجوي.
 والحاصل أنّ المتوسل بالنبي (ص) وبالأولياء الصالحين لم يجعلهم آلهة من دون الله، بل جعلهم شفعاء له عند الله، وهذا لا إنكار عليه؛ لأنَّ الشفاعة للأنبياء والأولياء ثابتة في الدنيا والآخرة والأدلة على ذلك كثيرة.

(الخطيئـــة الرابعــــــة)
افتراء ابن تيمية على النبيّ والتنقيص مِن قدرِه
 لا يوجد أحد من المسلمين افترى على المقام النبويّ الشريف مثلما فعل ابنُ تيمية، فقد اختلق من الأكاذيب والتأويلات الفاسدة ما لا يمكن حصره، من ذلك على سبيل المثال:
 قوله: إنَّ الحزن على رسول الله لا فائدة فيه. ونفيهِ سؤال النبيّ والاستعانة به فى حال حياته، وهو قول لم يقله أحد من قبله، ويحاول إظهار النبي كأنّه بشر عادي. وينكِر بركة النبيّ على أهل بيته ومَن تزوج منه وعلى ذريته وعلى أصهاره، متجاهلًا الآيات والأحاديث الواردة فى بركة النبيّ على أهل بيته وذريته الذين يصلّي عليهم المسلمون. ويقلِّل من عظمة نسب الرسول وقرابته ومصاهرته. ويقول: إنّ رسول الله لم يقل له «ولا استعن بي»، وهذا نوع من أنواع خلط الأوراق، خاصّة على العوام[11].

وهنا سوف نردّ على مزاعمه وافتراءاته:
زعمه بأنَّ الحزن على النبيّ لا فائدة منه!.
 يصرّح «ابن تيمية» بأنَّ الحزن على رسول الله لا فائدة منه، ويرى أنّ عدم الحزن على النبيّ مأمور به.  فابن تيمية ذمَّ الذي يحزن على رسول الله؛ لأنّه يحزن على أمر فائتٍ لا يعود.
 كيف ذلك يا ابن تيمية؟ في حين أنّ «أنس بن مالك» يقول: لمَّا كان اليوم الذي قادم فيه النبيّ المدينة أضاء منها كل شيء، فلمَّا كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء. وقال: ما نفضنا عن رسول الله الأيدي حتى أنكرنا قلوبنا، وما لها لا تُظلِم، وقد قال تعالى: ﴿قَدۡ جَآءَكُم مِّنَ ٱللَّهِ نُورٞ وَكِتَٰبٞ مُّبِينٞ﴾، والنور هو النبيّ كما قال أئمة أهل السلف والخلف»[12].
وكيف لا يبكون ولا يحزنون على مَن قال ربُّه فيه: ﴿وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمۡ وَأَنتَ فِيهِمۡۚ وَمَا كَانَ ٱللَّهُ مُعَذِّبَهُمۡ وَهُمۡ يَسۡتَغۡفِرُونَ﴾، وقد روى الإمام أحمد وغيره عن الزهري، قال: (أخبرنى رجل من الأنصار من أهل الثقة أنّه سمع عثمان بن عفان، رحمة الله عليه، يُحدِّث أنَّ رجالاً مِن أصحاب النبيّ حين توفى النبيُّ حزنوا عليه حتى كاد بعضهم يوسوس)[13].

رفض مدد النبيّ حياً ومتنقلاً.
«ابن تيمية» يرفض سؤال النبيّ والاستعانة به فى حال حياته، وهو قول لم يقله أحد من قبله، وكعادته فى إظهار النبيّ كأنّه بشر عادي، وكدأبه فى سلب خصوصيته والقدرة والقوة التي أودعها فى منهاجه، ويتعلّل بقول النبي لابن عباس: «إذا سألتَ فاسأل الله، وإذا استعنتَ فاستعن بالله»، ولم يقل سلني ولا استعن بي، وقد قال تعالى: ﴿فَإِذَا فَرَغۡتَ فَٱنصَبۡ ٧ وَإِلَىٰ رَبِّكَ فَٱرۡغَب﴾[14].
نقول: لنا سُنَّة النبي وفعله وقوله وليس قول ابن تيمية، فقد أخرج الإمام مسلم فى صحيحه وغيره عن ربيعه بن كعب الأسلمي، قال: «كنتُ أبيتُ مع رسول الله فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال: سل، وفي لفظ أحمد وأبو داوود والنسائي والطبري سلني، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال ذلك قلت هو ذلك، قال: فأعنِّي على نفسك بكثرة السجود»[15].
وأخرج الطبراني عن مصعب الأسلمي، قال: «انطلق غلامٌ منّا فأتى النبيَّ، فقال له: إنّي أسألك سؤالاً، قال: وما هو؟، قال: أسألك أن تجعلني ممن تشفع له يوم القيامة، قال: مَن علَّمك هذا، أو مَن دلَّك على هذا؟، قال: ما أمرني به أحد إلاَّ نفسي، قال: فإنّك ممن أشفع له يوم القيامة»[16].
فها هو ذا الصحابي الجليل يسأل النبي: «المرافقة فى الجنة ولم يقل له النبي: لا يستطيعها إلاَّ الله، ولم يقل له أيضاً: وما أدراك أنّك داخلها».
لعلّ أحد الزنادقة أو المكفِّرين يقول: إنّ مقصود ابن تيمية هو الدعاء والطلب، قلنا: لقد طلب الصحابي من النبيّ الجنة وهو أمر واضح وليس هناك مجال للبس[17].

تكفير مَن استعان بالنبيّ
 قول «ابن تيمية» إنّ رسول الله لم يقل له «ولا استعن بي»، فهذا نوع من أنواع تخليط الأمور، خاصّة على العوام، مثل ما أورده فى مجموع الفتاوى: «والله سبحانه أرسل الرسل بأنّه لا إله إلاَّ هو، فتخلو القلوب عن محبة ما سواه بمحبته وبرجائه، وعن سؤال ما سواه بسؤاله، وعن العمل لِما سواه بالعمل له، وعن الاستعانة بما سواه بالاستعانة به»[18].
 نحن نقول: خلت قلوبنا من محبة ما سوى الله ورسوله كما أخرج البخاري ومسلم فى صحيحيهما: ثلاثة مَن كنَّ فيه وجد بهنَّ حلاوة الإيمان»، وأول الثلاث أن يكون الله ورسوله أحبّ إليه من سواهما، وكذلك قول رسول الله «أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما»[19].
وللردّ على ابن تيمية واستعماله وأتباعه الكلام فى غير موضعه، وقلبه الأمور المتعارف عليها إلى باطل؛ لإضلال الأُمة وصبغهم ما اختلقوه بصبغة عقائدية، نورد قوله تعالى فى قصة ذي القرنين: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا﴾[20]، ولم يقل ذو القرنين: إنَّ الاستعانة بمن لا اختيار له ولا مشيئة ولا قدرة محال، ولم يقل: الاستعانة لا تكون إلا بالله.
وأخرج الإمام أحمد عن أبي الخير أنَّ رجلًا من الأنصار حدّثه عن رسول الله أنّه أضْجَع أضحيته ليذبحها، فقال رسولُ الله للرجل: «أعنِّي على ضحيتي فأعانه»، فها هو النبيّ استخدم كلمة «أعنِّي» ولم يقل «لا أستعين إلاَّ بالله».

تجريحه للسيدة فاطمةO
 فى معرض كلامه عن هجر السيدة فاطمة للخليفة أبي بكر حتى ماتت -كما هو ثابت فى البخاري ومسلم- قال ابن تيمية فى منهاجه: «لم يكن هذا -يقصد الهجر- مما يُحمد عليه ولا مما يُذمّ به الحاكم، بل هذا إلى أن يكون جرحاً أقرب منه إلى أن يكون مدحاً»[21].

إنّنا جميعا ندافع عن موقف أبي بكر الصديق دون أن نجرح فيه.
معلوم أنَّ القلوب كلّها مع السيدة فاطمة (ع)، وعلينا التوقّف فيما شجر بين الصحابة، دون التجريح في أيّ طرف؟ ولا سيما وأنّ الله تعالى لن يسألك يوم القيامة عما شجر بينهم، فإنّك لست الشهيد الذي يشهد على الأمة، لكن الشهيد هو الحبيب المصطفى، ولكنّك قد تسُأل عن أدبك وتوقيرك لهم، وكثرة الكلام فيما شجر بين أصحاب النبيّ سوف يوقعك لا محالة فى حقّ أحدهم كما وقع لابن تيمية».
زعمه بأنَّ (عليّ وفاطمة) فرَّقا الجماعة
فى حديث أنّ بعد وفاة السيدة فاطمة ودفن سيدنا عليّ لها، فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته، ولم يكن بايعه تلك الأشهر -لم يبايعه ستة أشهر ولا أحد من بنى هاشم-، فقال لأبي بكر: ائتنا ولا يأتنا أحد معك -كراهية حضور عمر بن الخطاب- فدخل عليهم أبو بكر فتشهَّد عليّ ومدح أبا بكر وبايعه.
وللأسف: مع عِلْم ابن تيمية بما سبق، فقد غمز السيدة فاطمة والإمام عليّ فى منهاجه،  بقوله: (فلو قدّر أنّ أبا بكر وعمر كانا ظالمين مستأثرين بالمال لأنفسهما لكان الواجب مع ذلك طاعتهما والصبر على جورهما، وتمادى في كلامه، فقال: إنّ عليًّا وفاطمة ونحوهما لم يصبروا ولم يلزموا الجماعة، بلْ جزعوا وفرّقوا الجماعة. ويضيف: هذه معصية عظيمة)[22].
ترى؛ ماذا يقول أتباع ابن تيمية فى نقص أدب ابن تيمية مع البضعة النبوية الشريفة؟.
 تشبيه غضب السيدة فاطمة بغضب المنافقين
فى تعليقه على غضب السيدة فاطمة من أبي بكر، ورد فى منهاجه: (من المعلوم لكلّ عاقل أنّ المرأة -يقصد بها السيدة فاطمة- إذا طلبت مالاً من وليّ الأمر فلم يعطها إياه؛ لكونها لا تستحق عنده، وهو لم يأخذ ولم يعطِ لأحد من أهله ولا أصدقائه، بل أعطاه لجميع المسلمين، وقيل: إنّ الطالب غضب على الحاكم، كان غاية ذلك أنّه غضب لكونه لم يعطه مالاً)[23].
إذن؛ السيدة فاطمة غضبت من أبي بكر حتى ماتت، وابن تيمية مقرّ بحديث البخاري ومسلم، وسبب غضبها هو الخلاف على إرثها من أبيها.
ترى؛ أليس مَن يذكر مثل هذا عن فاطمة ويجعله من مناقبها جاهلاً، أوَليس الله قد ذمَّ المنافقين الذين قال فيهم: ﴿وَمِنۡهُم مَّن يَلۡمِزُكَ فِي ٱلصَّدَقَٰتِ فَإِنۡ أُعۡطُواْ مِنۡهَا رَضُواْ وَإِن لَّمۡ يُعۡطَوۡاْ مِنۡهَآ إِذَا هُمۡ يَسۡخَطُونَ﴾[24].
 لكِ اللهُ يا بنت رسول الله! أهذه منزلتك عند ابن تيمية يُشبِّهك فى غضبكِ من أبي بكر الصديق بمن..؟.

زعمه بأنَّ الزواج مِن النبيّ ليس شرفاً
 تقليلًا لعظيم نَسَب الرسول وقرابته ومصاهرته؛ قال ابن تيمية في منهاجه: «ولهذا حصل لأزواج النبيّ إذا قنتنَ للهِ ورسوله وعملن صالحاً، لا لمجرد المصاهرة، بل كمال الطاعة، كما أنهنَّ لو أتينَ بفاحشةٍ مبينة لضوعف لهنَّ العذاب ضعفيْن لقبح المعصية»[25].
 إنَّ قول ابن تيمية هذا، لم يقله مسلم من قبل، أفلا يعلم ابن تيمية أنّ زوجات النبيّ يُصلِّي عليهنَّ المسلمون في صلاة الفرض خمس مرات فى تشهّدهم، ذلك غير النوافل والسنن، وإذا كان عدد المسلمين الآن مليار مسلم، ففي اليوم الواحد يصلي عليهنّ خمسة مليارات صلاة، فكم صلاة عليهن حتى يرث الله الأرض ومَن عليها.
وقد روى البخارى ومسلم عن أبي حميد الساعدي أنّهم قالوا: «يا رسول الله كيف نصلّي عليك؟ فقال رسول الله: قولوا اللهم صلِّ على محمد وأزواجه وذريته كما صلَّيتَ على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما صلَّيتَ على آل إبراهيم وبارك على محمد وأزواجه وذريته كما باركت على آل إبراهيم إنّك حميد مجيد».
وانظر إلى فعل الصحابة لمَّا أطلقوا ما في أيديهم من سبايا بني المصطلق وقالوا: إنّهم أصهار رسول الله، وذلك لمَّا تزوّج النبيُّ «جويرية بنت الحارث»، وقد افتخر عثمان بن عفان بسبب مصاهرته لرسول الله واعتبرها من مناقبه، فهلاَّ اعتبر المبتدِعون الذين يقلّلون من جناب النبيّ الكريم وآله.

زعمه بأنَّ قرابة النبيّ ونسبه لا يفيد ولا ينفع
يحاول ابن تيمية جاهداً نفي بركة النبيّ على أهل بيته ومَن تزوج منه وعلى ذريته وعلى أصهاره متجاهلًا الآيات والأحاديث الواردة فى بركة النبيّ على أهل بيته وذريته الذين يُصلي عليهم المسلمون، وأورد ابن تيمية ذلك فى دقائق التفسير: (الذى ينفع الناس طاعة الله ورسوله، وأمَّا ما سوى ذلك فإنّه لا ينفعهم لا قرابة ولا مجاورة ولا غير ذلك. كما ثبت عنه فى الحديث الصحيح، أنّه قال: «يا فاطمة بنت مُحمَّــد لا أُغني عنكِ من الله شيئاً ويا صفيَّة عمَّة رسول الله لا أُغني عنك من الله شيئاً ويا عباس عم رسول الله لا أُغني عنك من الله شيئاً»)[26].
 وللردّ على ابن تيمية، نقول: معلوم أنَّ السيدة خديجة سيدة نساء عالمها وأحد أربع أفضل نساء العالمين، والسيدة فاطمة بضعة النبيّ سيدة نساء أهل الجنة، والحسن والحسين سيدا رجال الجنة وأبوهما خير منهما، وكل ذلك ثابت فى الأحاديث الصحيحة، وزوجاته معه فى الجنة وذريته يصلي عليهم المسلمون فى صلاتهم، إذا كان لا ينفع أهل البيت قرابتهم من النبي، فمن أيّ شيء استفادوا صلاة المليارات من الخلْق عليهم كل يوم إلاَّ من قرابتهم من رسول الله».

 زعمه بأنَّ إيمان السيدة خديجة ليس كاملاً
 قال ابن تيمية فى منهاجه: (وهؤلاء يقولون قول النبي لخديجة: «ما أبدلني الله بخير منها» إنْ صحَّ معناه ما أبدلني بخير لي منها؛ لأنَّ خديجة نفعته فى أول الإسلام نفعًا لم يقم غيرها فيه مقامها، فكانت خيراً له من هذا الوجه لكونها نفعته وقت الحاجة، لكن عائشة صحبته فى آخِر النبوة وكمال الدين، فحصل لها من العلم والإيمان ما لم يحصل لمن يدرك إلاَّ أول زمن النبوة، فخديجة كان خيرها مقصورًا على نفس النبيّ لم تبغِ منه شيئاً ولم تنتفع بها الأمة كما انتفعت بعائشة)[27].
وهذا الكلام فيه كثير من المغالطات، ومقصود به الجدال العقيم، وإلباس الحق بالباطل، والتقليل من شأن بعض نساء النبيَ، وغير ذلك الكثير. ألم يعلم ابن تيمية أنَّ الشهداء الأوائل في الإسلام، لا سيما حمزة، ومصعب، وغيرهم؛ هم الذين أقام اللهُ بهم شوكة الدِّين، ونفع بجهادهم الإسلام والمسلمين إلى يوم القيامة! فقد استُشهِد كثير بعد حمزة، إلاَّ أنَّ حمزة سيد الشهداء!.
لكن ابن تيمية يأبى إلاَّ كثيراً من الخلط، وكثيراً من المغالطة!.

(الخطيئـــة الخامســة)
زعـم ابن تيمية بفنـاء النَّـار
الاعتقاد السائد والمستقر عند جميع المسلمين، أنَّ عذاب النَّار أبدي بالنسبة للكفَّار الذين ماتوا على كفرهم مُصرِّين، وأنَّ النار لا تفنى أبداً، شأنها شأن الجنة ونعيمها. وهو رأي سلف الأمة وخلفها، وأئمتها، وسائر المسلمين على هذا الاعتقاد. وشواهدهم في ذلك؛ تلك الآيات المتواترة في القرآن المجيد، إلى جانب الأحاديث النبوية، التي لا حصر لها.
لكن (ابن تيمية، وتلميذه ابن القيم) لهم رأي آخَر؛ خالفوا فيه جمهور المسلمين؛ وهو أنَّ النار ليست أبدية، وأنّها ستفنى يوماً بمشيئة الله وأمره، وأنّها سيأتي عليها زمن لا يكون فيها أحد.

فما هيَ حُجج ابن تيمية، وتلميذه؟
قد أنكر -مَن يُمجّدون ابن تيمية ذلك، بزعم أنّه لا يخالف اتفاق الأمة، ولا يخرج عن رأيهم في هذه المسألة ولا في غيرها. وقد أتوا بنصوص وفقر مختلفة مِن كتبه تؤيّد ما ذهبوا إليه. وقالوا: إنَّ نسبة القول بفناء النار إلى ابن تيمية خطأ، إنّما «ابن القيّم» هو القائل بفناء النار، وقد قوَّى رأيه، وأيّده بالأدلة، وذلك في كتابه (حادي الأرواح) (وشفاء العليل).
لكنَّ هؤلاء المقلِّدون يغضُّون الطرف، ويتناسون كتابه (مسألة فناء الجنة والنار) الذي تُوجد منه نسخة بدار الكتب المصرية، ونسخة أخرى بالمكتب الإسلامي ببيروت! وقد بسط رأيه جلياً، وقدَّم كثيراً من الأدلة على صحة رأيه! وربما يكون عذرهم أنّهم لمْ يسمعوا عن الكتاب، حتى ظنّوا أنّ الردود على ابن تيمية؛ كانت ردوداً على (ابن القيم) في (حادي الأرواح) الذي نقل فيه أغلب كتاب ابن تيمية! ونقول لهؤلاء أيضاً: وهل آراء ابن القيم سوى صدى لآراء شيخه، ودفاعاً عنها؟.
لقد أجمع العلماءُ على أنَّ القول: بـ(فناء النار) من أشنع وأفظع عقائد ابن تيمية وتلميذه ابن القيم، إذْ إنَّ المسلمين في كل العصور قد أجمعوا على بقاء النار وخلود الكفار فيها. وهناك قائمة طويلة من الكتب التي ردّت على ابن تيمية في حياته:
فقد أثبت الحافظ «تقيّ الدين السبكي» على ابن تيمية وتلميذه ابن القيم هذا المعتقد، وردَّ عليهما برسالته المشهورة: (الاعتبار ببقاء الجنة والنار). وقد أشاد الحافظ العسقلاني برسالة السبكي، وذلك في «فتح الباري» كتاب الرقاق: باب «صفة الجنة والنار».
أيضاً: أثبت الحافظ «أبو سعيد العلائي» على ابن تيمية هذا القول، كما نقل عنه ذلك الحافظ المؤرخ «شمس الدين محمد بن طولون» في كتابه «ذخائر القصر في تراجم أهل العصر»، والحافظ العلائي من معاصري ابن تيمية.
ونقول لهم أيضاً: لوْ لم يكن لابن تيمية كتاب عن فناء النار؛ لَمَا ردَّ الأميرُ الصنعاني (ت- 1182هـ)، على ابن تيمية، بكتاب (رفع الأستار لإبطال أدلَّة القائلين بفناء النار) تحقيق: الألباني. يقول الصنعاني: (استدلَّ ابنُ تيمية على سِعة رحمة الله تعالى، وأنّها أدركتْ أقواماً ما فعلوا خيراً، وساق أحاديث دالّة على أنّ الرحمة أدركتْ من كان من عصاة الموحدين..)[28].
وتساءل الصنعاني، قائلاً: «كيف يقول ابن تيمية ولوْ قُدِّر عذاب لا آخِر له لم يكن هناك رحمة البتة! فكأنَّ الرحمة عنده لا تتحقق إلاَّ بشمولها للكفار المعاندين الطاغين! أليس هذا من أكبر الأدلة على خطأ ابن تيمية وبعده هو ومَن تبِعه عن الصواب في هذه المسألة الخطيرة؟»[29].
كما ذكر الصنعاني بعض الأدلة التي استشهد بها ابن تيمية، منها: حديث الرجل الذي أوصى أهله أن يحرقوه إذا مات، وأحاديث أخرى.
وإليكم بعض النصوص الواردة في كتاب ابن تيمية حول هذه المسألة، التي تقول بفناء النار، وهي جليَّة كالشمس... لكنَّ العميان لا يرون الشمس ولا القمر!.
من هذه النصوص، قوله: (لمْ أجد نقلاً مشهوراً عن أحد من الصحابة يخالف ذلك، بلْ أبو سعيد وأبو هريرة، هما رويا حديث ذبح الموت، وأحاديث الشفاعة، وخروج أهل التوحيد، وغيرهما، قالا في فناء النار ما قالا)، وقال: (لكن إذا انقضى أجلها، وفنيتْ كما تفنى الدنيا، لمْ يبقَ فيها عذاب)[30].
وقال: (وحينئذٍ، فيحتج على فنائها بالكتاب والسنَّة، وأقوال الصحابة - مع أنّ القائلين ببقائها ليس معهم كتاب، ولا سنة، ولا أقوال الصحابة..).
وقال ابن تيمية أيضاً: والفرق بين بقاء الجنة والنار: شرعاً وعقلاً، فأمَّا شرعاً فمن وجوه عديدة، ثم ذكر ثمانية أوجه شرعية، ولم يذكر الأوجه العقلية!.

ومن هذه النصوص التي دلَّل بها على زوال النار:
أولاً: أنّ الله أخبر ببقاء نعيم الجنة ودوامه، وأنّه لا نفاد له ولا انقطاع في غير موضع من كتابه، كما أخبر أنّ أهل الجنة لا يخرجون منها، وأمَّا النار وعذابها فلم يخبر ببقاء ذلك، بلْ أخبر أنّ أهلها يخرجون منها.
الثاني: أنّه أخبر بما يدلّ على أنّ عذاب النار، ليس بمؤبد في آيات عدة.
الثالث: أنّ النار لم يذكر فيها شيء يدلّ على الدوام.

وقال أيضاً: فإذا قدّر عذاب لا آخر له، لم يكن هناك رحمة ألبتّه!.
وهنا يلاحظ أنَّ ابن تيمية كان يظنّ صحة الآثار الواردة عن بعض السلف في فناء النار، ولذا حاول توجيه دلالة الآيات القرآنية، والأحاديث النبوية إلى معنى الآثار التي ظنَّ صحتها.
خلاصـة رأي ابن تيميـة: أنَّه قال بزوال النار وفنائها صراحة في كتابه (مسألة فناء الجنة والنار)، وهذا الكتاب قائم على مناظرة وحوار، ذكر فيه أدلّة الفريقيْن، ورجَّح أدلة القائلين بفناء النار، بلْ عرضها عرضاً يوحي بجلاء بأنّه منهم، وعلى خلاف مع الفريق الآخر!.
وأوضح أنَّ القائلين بفناء النار؛ يحتجون بالكتاب، والسنَّة، وأقوال الصحابة، أمَّا القائلين ببقائها؛ فليس معهم كتاب ولا سنَّة، ولا أقوال الصحابة!.
لوْ لمْ يقل «ابنُ تيمية» ذلك، فما الداعي إلى ردّ العلماء عليه في عصره، وبعد عصره؟!.
كما أنَّ تلميذه «ابن القيم» أيّده في القول بفناء النار، هو الذي نقل أغلب أجزاء كتابه (مسألة فناء الجنة والنار) في كتاب (شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة التعليل) من صفحة 252 إلى صفحة 264! وكتاب (حادي الأرواح) من ص 254- 280، وهو الكتاب الذي نقل فيه كثيراً من كتاب ابن تيمية (الردّ على من قال بفناء الجنة والنار) يعني أنّه أيقن بهذا الرأي بعدما سأل شيخه عن هذه المسألة، خاصة أنّه كان راويته، ولسان حاله، وترجمان أفكاره. كما أنَّه معروف عنه لا يقول رأيًا مستقلاً من عند نفسه، إنّما آراؤه تأييد وتأكيد لآراء شيخه في الغالب، وربما فصَّلها، وشرحها، ودلَّل عليها أكثر من شيخه!.

أدلَّـة (ابن القيِّـم)على فناء النَّار
قد عرض (ابن القيِّـم) مسألة دوام النار وأبديتها أمْ فنائها، في كتابيْن، هما:
 «شفاء العليل في مسائل القضاء والقدر والحكمة التعليل»، و«حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح». فلمْ يقل بفنائها بحسب ما قال شيخه؛ بلْ ذهب إلى أنَّ أهلها يدخلون بعد ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار! وذلك واضح كل الوضوح في الفصول الثلاثة التي عقدها ابن القيم لهذه المسألة الخطيرة في كتاب «حادي الأرواح إلى بلاد الأفراح».

وخلاصة ما ذكره ابن القيِّم في كتابيْه، يتلخص فيما يأتي:
أولاً: ذَكَر في أبدية النار أوْ فنائها سبعة أقوال، أفاض القول في سابعها، وهو: أنّ للنار أمدًا تنتهي إليه، ثم يفنيها ربّها وخالقها تبارك وتعالى. وقد أيَّد هذا القول بوجوه عديدة -على لسان أصحابها-، منها:
1 ـ أنّ الله تعالى أخبر في ثلاث آيات عن النار بما يدلّ على عدم أبديتها:
أ ـ (الآية: 23) من سورة النبأ: ﴿لَّٰبِثِينَ فِيهَآ أَحۡقَابٗا﴾. فتقييد لبثهم فيها بالأحقاب؛ يدلّ على مدة مقدَّرة يحصرها العدد؛ لأنّ ما لا نهاية له لا يقال فيه: هو باقٍ أحقابًا، وقد فهم ذلك من الآية الصحابة -وهم أفهم الأمة لمعاني القرآن.
ب ـ (الآية: 128) من سورة الأنعام: ﴿قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٞ﴾.
جـ ـ (الآية: 107) من سورة هود: ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ﴾. وقال بعدها في الجنة وأهلها: ﴿خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ﴾ (الآية: 108). ولولا الأدلة القطعية الدالة على أبدية الجنة ودوامها، لكان حكم الاستثناءين في الموضعيْن واحدًا. كيف؟ وفي الآيتيْن من السياق ما يفرق بين الاستثناءين، فإنّه قال تعالى في أهل النار: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ﴾ فعلمنا أنّه تعالى يريد أن يفعل فعلاً لم يخبرنا به، وقال في أهل الجنة: ﴿عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ﴾ فعلمنا أنَّ هذا العطاء والنعيم غير مقطوع عنهم أبدًا - وسنذكر ما قاله الصحابة في الاستثناء.

2 ـ هذا القول منقول عن عدد من الصحابة والتابعين وجلَّة الأئمة:
فمن الصحابة: عمر بن الخطَّاب، قال: «لو لبث أهل النار في النار عدد رمل «عالج» لكان لهم يوم يخرجون فيه». وابن مسعود، قال: «ليأتينَّ على جهنم زمان تخفق أبوابها ليس فيها أحد وذلك بعدما يلبثون فيها أحقابًا». وعبد الله بن عمرو، روي عنه نحو ذلك.
وأبو هريرة قال: «أمَّا الذي أقول: إنّه سيأتي على جهنم يوم لا يبقى فيها أحد، وقرأ: ﴿فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ..﴾ الآيتين. وأبو سعيد الخدري قال في آية ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ﴾: «أتت على كل آية وعيد في القرآن»! وابن عباس قال في الآية ﴿إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ﴾: «استثنى الله، وأمر النار أن تأكلهم».
ومن التابعين وأئمة السلف: الشعبي قال: «جهنم أسرع الدارين عمرانا، وأسرعهما خرابًا». وأبو مجلز قال عن النار: «جزاؤه، فإن شاء الله تجاوز عن عذابه». وإسحاق بن راهويه -وقد سئل عن آية هود- قال: «أتت هذه الآية على كل وعيد في القرآن».

3 ـ دلَّ العقل والنقل والفطرة على أنّ الربّ تعالى حكيم رحيم:
 والحكمة والرحمة؛ تأبيان بقاء هذه النفوس في العذاب أبد الآباد، وقد دلّت النصوص والاعتبار على أنَّ ما شرعه الله وقدَّره من العذاب والعقوبات في الدنيا، إنّما هو لتهذيب النفوس وتصفيتها من الشر الذي فيها، ولحصول مصلحة الزجر والاتعاظ، وقطع النفوس عن المعاودة -وغير ذلك من الحكم- وفي القرآن والسنة ما يدلّنا على أنّ جنس الآلام إنّما هو لمصلحة الإنسان ﴿ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ﴾[31]. الخ، ﴿وَلِيُمَحِّصَ ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ﴾[32]. إلخ، ورب الدنيا والآخرة واحد، وحكمته ورحمته موجودة في الدارين، بلْ رحمته في الآخرة أعظم؛ فقد ورد في الصحيح: أنّ رحمته في الدنيا جزء من مائة جزء من رحمته في الآخرة، فإذا كان العذاب في هذه الدار رحمة بأهله ولطفاً بهم ومصلحة لهم، فكيف في الدار التي تظهر فيها مائة رحمة، كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض.
وليس لله غرض في العذاب، كما قال تعالى: ﴿مَّا يَفۡعَلُ ٱللَّهُ بِعَذَابِكُمۡ إِن شَكَرۡتُمۡ وَءَامَنتُمۡۚ﴾[33]. كما أنّه لا يفعله سدى، وإذنْ فلابدَّ من حكمة ومصلحة تعود على عباده، وهي إمَّا مصلحة أحبائه وأوليائه بتمام نعيمهم وبهجتهم بما يفعله في أعدائه وأعدائهم، وإمَّا مصلحة الأشقياء ومداواتهم، أوْ لهذا ولهذا. وعليه؛ فالتعذيب مقصود لغيره، قصد الوسائل لا قصد الغايات، والمقصود من الوسيلة إذا حصل على الوجه المطلوب زال حكمها. ونعيم أهل الجنة ليس متوقفًا في أصله ولا كماله على استمرار عذاب أهل النار ودوامه، ولو كان أهل الجنة أقسى خلق الله لرقُّوا لحال أعدائهم بعد طول العذاب. ومصلحة الأشقياء ليست في الدوام واستمرار العذاب، وإن كان في أصل التعذيب مصلحة لهم.

4 ـ أخبر الله تعالى أنّ رحمته وسعتْ كل شيء:
وأنَّ رحمته سبقت غضبه، وأنّه كتب على نفسه الرحمة، فلابدَّ أن تسع رحمته هؤلاء المعذَّبين، فلو بقوا في العذاب إلى غير غاية لم تسعهم رحمته، وهذا ظاهر جدًا، والثابت أنّ رحمته لابدَّ أن تنتهي حيث ينتهي العلم، كما قالت الملائكة: ﴿ رَبَّنَا وَسِعۡتَ كُلَّ شَيۡءٖ رَّحۡمَةٗ وَعِلۡمٗا﴾[34].
وقد تسمى الله بالغفور الرحيم، ولم يتسمَّ بالمعذِّب ولا بالمعاقِب، بلْ جعل العذاب والعقاب في أفعاله: ﴿نَبِّئۡ عِبَادِيٓ أَنِّيٓ أَنَا ٱلۡغَفُورُ ٱلرَّحِيمُ ٤٩ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ ٱلۡعَذَابُ ٱلۡأَلِيمُ﴾[35]. وغيرها من الآيات، فإنّه يتمدح بالعفو والمغفرة والرحمة والحلم... إلخ ويتسمى بها، ولم يتمدح بأنّه المعاقب ولا الغضبان ولا المنتقم إلاَّ في الحديث الذي فيه تعديد الأسماء الحسنى ولم يثبت.

5 ـ يوضّح هذا أنّ الله لم يخلق الإنسان عبثًا ولم يخلقه ليعذّبه:
وإنّما خلقه ليرحمه، ولكن اكتسب موجب العذاب بعد خلقه له، فتعذيبه ليس هو الغاية، وإنّما تعذيبه لحكمة ورحمة، والحكمة والرحمة تأبيان أن يتّصل عذابه سرمدًا إلى غير نهاية، أما الرحمة فظاهر، وأما الحكمة؛ فلأنّه إنّما عذب على أمر طرأ على الفطرة وغيرها، ولم يخلق عليه من أصل الخلقة؛ لأنّ الله خلق عباده حنفاء، ولم يخلق للإشراك ولا للعذاب، بل خلق للعبادة والرحمة، ولكن طرأ عليه موجب العذاب فاستحق العذاب، وذلك الموجب -وهو الكفر- لا دوام له فكيف يكون موجبه دائمًا؟.

6 ـ يجوز تخلّف الوعيد:
 بلْ إنَّ إخلافه كرم وعفو وتجاوز يمدح الرب تعالى به، ويثني عليه به؛ لأنّه حقّه، والكريم لا يستوفي حقّه فكيف بأكرم الأكرمين؟ واستشهد ابن القيم لذلك بآثار وأشعار. هذا في وعيد مطلق، فكيف بوعيد مقرون باستثناء معقّب بقوله: ﴿ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ﴾؟ ولهذا قالوا: أتت على كل وعيد في القرآن.

ثانيـاً: فنَّد ابن القيم الأدلة التي استند إليها القائلون بدوام النار، وأهمها:
1 - الآيات التي دلّت على خلود الكفار وتأبيدهم في النار، وقد قال: إنَّ ذِكر الخلود والتأبيد لا يقتضي عدم النهاية، والخلود هو المكث الطويل، كقولهم: قيد مخلد، والتأبيد في كل شيء بحسبه، فقد يكون مدة الحياة، ومدّة الدنيا. وقد ورد النص بالخلود على بعض الكبائر من الموحدين وقيد في بعضها بالتأبيد، كما في قاتل المؤمن عمدًا: ﴿ فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا﴾[36]. وكما في قاتل نفسه: «فحديدته في يده يتوجأ بها في نار جهنم خالدًا مخلدًا فيها أبدًا».
2 - الآيات التي دلَّت على عدم خروجهم منها: ﴿وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾[37]. ﴿وَمَا هُم مِّنۡهَا بِمُخۡرَجِينَ﴾[38]. ﴿لَا يُقۡضَىٰ عَلَيۡهِمۡ فَيَمُوتُواْ﴾[39]. إلى آخر تلك الآيات، قال: فطائفة قالت: إنَّ إطلاقها مقيد بآيات التقييد بالاستثناء بالمشيئة، فيكون من باب تخصيص العموم، وكأنّ هذا قول بعض السلف في آية هود: أتت على كل وعيد في القرآن.
وقال ابنُ القيم بأنَّ هذه الآيات على عمومها وإطلاقها، فهم باقون فيها لا يخرجون منها ما دامت باقية، ولكن ليس فيها ما يدلّ على أنّ نفس النار دائمة بدوام الله لا انتهاء لها، وفرَّق بين أن يكون عذاب أهلها دائمًا بدوامها، وبين أن تكون هي أبدية لا انقطاع لها، فلا تستحيل ولا تضمحل.
3 - الإجماع؛ قال ابن القيم: وإنّما يظن الإجماع في المسألة مَن لم يعرف النزاع، وقد عرف النزاع فيها قديمًا وحديثًا، كيف وقد نقل عن الصحابة والتابعين التصريح بخلاف ما يدّعون؟.

ثالثًـا: بعد هذا كله مال ابن القيِّم إلى التفويض في المسألة إلى مشيئة الله
 فلا جزم بفناء النار، كما لا جزم بدوامها. قال في شفاء العليل: وأنا في هذه المسألة على قول أمير المؤمنين (عليّ)؛ فإنه ذكر دخول أهل الجنة الجنَّة وأهل النار النَّار، ووصف ذلك أحسن صفة، ثم قال: ويفعل الله بعد ذلك في خلقه ما يشاء. وعلى مذهب (ابن عباس) حيث يقول: لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه ولا ينزلهم جنة ولا ناراً. ذكره في تفسير قوله تعالى: ﴿قَالَ ٱلنَّارُ مَثۡوَىٰكُمۡ خَٰلِدِينَ فِيهَآ
إِلَّا مَا شَآءَ ٱللَّهُۗ﴾، وعلى مذهب (أبي سعيد الخدري) حيث يقول: انتهى القرآن كله إلى هذه الآية: ﴿إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ﴾، وعلى مذهب (قتادة)، حيث يقول: ﴿ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ﴾: الله أعلم انشياه: علام وقعت؟، وعلى مذهب (ابن زيد)، حيث يقول: أخبرنا الله بالذي يشاء لأهل الجنة، فقال: ﴿عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ﴾ ولم يخبرنا بالذي يشاء لأهل النار.
والقول: إنّ النَّار وعذابها دائمان بدوام الله خبر عن الله بما يفعله، فإنْ لم يكن مطابقًا لخبره عن نفسه بذلك كان قولاً عليه بغير علم، والنصوص لا تفهم ذلك، والله أعلم.

وللردّ على مغالطات ابن تيمية وتلميذه:
ننقل لهم ما قاله الإمامُ (ابنُ حزم) في هذه المسألة، إذْ يقول: «إنَّ اعتقاد المسلمين أنَّ الجنة والنار لا تفنيان منبعه القرآن الكريم والسنَّة المطهَّرة، وأنَّ مَن خالف ذلك فهو كافر بإجماع؛ لأنّه معلوم من الدين بالضرورة، وتواردت الأدلَّة القاطعة عليه»، حسبنا أنْ نذكر بعض الآيات التي تدلَّ صراحة على الخلود:
 قال اللهُ تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾[40]، وقال سبحانه: ﴿بَلَىٰۚ مَن كَسَبَ سَيِّئَةٗ وَأَحَٰطَتۡ بِهِۦ خَطِيٓ‍َٔتُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾[41]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كُفَّارٌ أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ لَعۡنَةُ ٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِينَ ١٦١ خَٰلِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَلَا هُمۡ يُنظَرُونَ﴾[42]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ
حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾[43]، وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَوۡلِيَآؤُهُمُ ٱلطَّٰغُوتُ يُخۡرِجُونَهُم مِّنَ ٱلنُّورِ إِلَى ٱلظُّلُمَٰتِۗ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾[44]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡ‍ٔٗاۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾[45]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُۥ يُدۡخِلۡهُ نَارًا خَٰلِدٗا﴾[46]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَقۡتُلۡ مُؤۡمِنٗا مُّتَعَمِّدٗا فَجَزَآؤُهُۥ جَهَنَّمُ خَٰلِدٗا فِيهَا﴾[47]، وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَا وَٱسۡتَكۡبَرُواْ عَنۡهَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾[48]، وقال تعالى: ﴿أَلَمۡ يَعۡلَمُوٓاْ أَنَّهُۥ مَن يُحَادِدِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَأَنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدٗا فِيهَاۚ﴾[49]، وقال تعالى: ﴿وَعَدَ ٱللَّهُ ٱلۡمُنَٰفِقِينَ وَٱلۡمُنَٰفِقَٰتِ وَٱلۡكُفَّارَ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ هِيَ حَسۡبُهُمۡۚ وَلَعَنَهُمُ ٱللَّهُۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ﴾[50]، وقال تعالى: ﴿أُغۡشِيَتۡ وُجُوهُهُمۡ قِطَعٗا مِّنَ ٱلَّيۡلِ مُظۡلِمًاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾[51]، وقال تعالى: ﴿أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَغۡلَٰلُ فِيٓ
أَعۡنَاقِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾[52]، وقال تعالى: ﴿فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ﴾[53]، وقال تعالى: ﴿لَوۡ كَانَ هَٰٓؤُلَآءِ ءَالِهَةٗ مَّا وَرَدُوهَاۖ وَكُلّٞ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾[54]، وقال تعالى: ﴿وَمَنۡ خَفَّتۡ مَوَٰزِينُهُۥ فَأُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ فِي جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ﴾[55]، وقال تعالى: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلۡخُلۡدِ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ﴾[56]، وقال تعالى: ﴿يُضَٰعَفۡ لَهُ ٱلۡعَذَابُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَيَخۡلُدۡ فِيهِۦ مُهَانًا﴾[57]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَعَنَ ٱلۡكَٰفِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمۡ سَعِيرًا ٦٤ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدٗاۖ﴾[58]، وقال تعالى: ﴿قِيلَ ٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ﴾[59]، وقال تعالى: ﴿ذَٰلِكَ جَزَآءُ أَعۡدَآءِ ٱللَّهِ ٱلنَّارُۖ لَهُمۡ فِيهَا دَارُ ٱلۡخُلۡدِ﴾[60]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلۡمُجۡرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَٰلِدُونَ ٧٤ لَا يُفَتَّرُ عَنۡهُمۡ﴾[61]، وقال تعالى: ﴿كَمَنۡ هُوَ خَٰلِدٞ فِي ٱلنَّارِ﴾[62]، وقال تعالى: ﴿لَّن تُغۡنِيَ عَنۡهُمۡ أَمۡوَٰلُهُمۡ وَلَآ أَوۡلَٰدُهُم مِّنَ ٱللَّهِ شَيۡ‍ًٔاۚ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ﴾[63]، وقال تعالى: ﴿فَكَانَ عَٰقِبَتَهُمَآ أَنَّهُمَا فِي ٱلنَّارِ خَٰلِدَيۡنِ فِيهَاۚ﴾[64]، وقال تعالى: ﴿وَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِ‍َٔايَٰتِنَآ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ﴾[65]، وقال تعالى: ﴿وَمَن يَعۡصِ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ فَإِنَّ لَهُۥ نَارَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآ أَبَدًا﴾[66]، وقال سبحانه: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَآۚ﴾[67].
فهذه أكثر من ثلاثين آية فيها لفظ الخلود، وهناك أضعافها من الآيات التي يأتي الخلود من معناها، كقوله سبحانه: ﴿فَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُمُ ٱلۡعَذَابُ﴾[68]، وقوله: ﴿ وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنَ ٱلنَّارِ﴾[69]، وقوله: ﴿وَلَا يَجِدُونَ عَنۡهَا مَحِيصٗا﴾[70]، وقوله: ﴿وَمَا هُم بِخَٰرِجِينَ مِنۡهَاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ مُّقِيمٞ﴾[71]، وقوله: ﴿لَيۡسَ مَصۡرُوفًا عَنۡهُمۡ﴾[72]، وقوله: ﴿فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُخۡرَجُونَ مِنۡهَا﴾[73]، وقوله: ﴿لَا يُقۡضَىٰ عَلَيۡهِمۡ فَيَمُوتُواْ وَلَا يُخَفَّفُ عَنۡهُم مِّنۡ
عَذَابِهَاۚ﴾[74]، وقوله: ﴿فَٱلۡيَوۡمَ لَا يُخۡرَجُونَ مِنۡهَا وَلَا هُمۡ يُسۡتَعۡتَبُونَ﴾[75]، وقوله: ﴿أَلَآ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ فِي عَذَابٖ مُّقِيمٖ﴾[76]، وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحۡيَىٰ﴾[77].
لكن يبدو أنَّ (ابن تيمية، وتلميذه)؛ قد أصابهما العمى عن كل هذه الآيات المحكمات!.
 وليس عندي جواب لِمَا ذهبا إليه؛ سوى أنّهما مِن مدرسة: (خالِف تُعرف)!.
ولا أدلَّ على ذلك؛ مِن أنَّهما اشتُهِرا -فقط- من خلال  المسائل التي خالفوا فيها المعلوم من الدين بالضرورة، أوْ التي عارضوا فيها النصوص القاطعة، أوْ التي نقضوا فيها الشريعة، أوْ التي خرجوا فيها على إجماع الأمة!.
ولوْ لمْ يكن ذلك؛ لِمَا كان لمؤلفاتهم وزنٌ ولا قيمة. ولذلك؛ لمْ يحتفِ بآرائهم وفتاواهم؛ سوى الغلاة، والتكفيريين، وذوي العاهات النفسية، وخوارج العصر من الفِرق السلفية اللعينة: مثل: داعش، وتنظيم القاعدة، وبوكو حرام، وأنصار الشريعة، وغيرها من الجماعات الملعونة في التوراة والإنجيل والقرآن!.

(الخطيئـــة السادســة)
إنكار ابن تيمية تحريف التوراة
زعم ابن تيمية «أنَّ (التوراة) كما نزلت، ولمْ تُحرَّف ألفاظها، وإنّما وقع التحريف في تأويلها»!.
وقد أنكر عليه علماءُ عصره هذا القول المتهافت، وقرَّعوه على هذا الزعم غير المسبوق.
 فقد ذكر الحافظ أبو سعد العلائي -شيخ الحافظ العراقي- فيما رواه المحدِّث «شمس الدين بن طولون» في مخطوط عن ابن تيمية، أنّه قال: إنّ التوراة لن تُبدَّل ألفاظها، بل هي باقية على ما أُنزِلت وإنّما وقع التحريف في تأويلها!.
لذلك؛ قال الشيخ محمد زاهد الكوثري: «ولوْ قلنا لم يُبلَ الإسلامُ في الأدوار الأخيرة بمن هو أضرّ من ابن تيمية في تفريق كلمة المسلمين لَمَا كنَّا مبالغين في ذلك، وهو سهل متسامح مع اليهود، يقول عن كُتبهم: إنّها لم تُحرَّف تحريفاً لفظياً».
يبدو أنَّ «ابن تيمية» لم تمر عليه الآيات القرآنية التي ذمَّت اليهود، وكشفت عن جرائمهم في حق التوراة، كقوله -عزَّ وجل-: ﴿فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ يَكۡتُبُونَ ٱلۡكِتَٰبَ بِأَيۡدِيهِمۡ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنۡ عِندِ ٱللَّهِ لِيَشۡتَرُواْ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلٗاۖ﴾[78]. وقوله تعالى: ﴿ مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ﴾[79]. وقوله سبحانه: ﴿يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ مِنۢ بَعۡدِ مَوَاضِعِهِۦۖ﴾[80].
ألم يطَّلِع «ابن تيمية» على ما قاله الصحابة والتابعون وجمهور المفسِّرين في معنى هذه الآيات، وسبب نزولها؟ ألمْ يسمع رأي علماء السلف في تلك الآيات البيّنات؟.
بلْ إنَّ جميع علماء أهل الكتاب -بلا استثناء- يتفقون على تحريف التوراة، وضياع جميع النسخ الأصلية، ويعترفون أنَّ الإخفاء والتحريف والتغيير قد وقع لأسباب سياسية، وتاريخية، ومذهبية، وغيرها.
إنَّ علماء اليهود أنفسهم -الذين تخصّصوا في نقد العهد القديم- يشهدون أنّ أسفار العهد القديم هي مزيج من الاختلافات والتحريفات، ويقولون: «إنّ هذه الأسفار المقدسة هي من طبقات مختلفة، وعصور متباينة، ومؤلفين مختلفين... فلا ارتباط بينها، سواء في أسلوب اللغة أمْ في طريقة التأليف». وشهادات أحبار اليهود على التحريف، جمعها العالِم اليهودي «زالمان شازار» في كتابه (تاريخ نقد العهد القديم من أقدم العصور حتى العصر الحديث)[81].
وها هيَ دائرة المعارف البريطانية Encyclopeadia Pritannica: «إنَّ أسفار التوراة (العهد القديم) جُمِعتْ على قرونعدة كان آخرها في القرن الخامس الميلادي، ونتيجة امتداد زمن التأليف إلى أكثر من ألف سنة خضعت الأسفار لمؤثرات كثيرة عملت فيها بالزيادة أوْ النقصان، ولعلَّ في ذلك ما يُبيِّن بوضوح ما أصاب العهد القديم من تعديلات نتيجة لضياع النصوص، ثم التحريفات والتغييرات الناتجة عن النقل والترجمة». لذلك يتناقش رجال اللاهوت حول بعض الأسفار، وهل هي حقاً من أسفار «العهد القديم» أمْ دخيلة عليه، خاصة ما ورد في سِفْري: الجامعة، ونشيد الإنشاد!.
ويقول مؤلفو دائرة المعارف وأساتذة اللاهوت المسيحيون واليهود: «إنّ العهد القديم -كما هو بين أيدينا الآن- مشكوك في صحته، بلْ في أحداثه، وبالتالي نستطيع أن نجزم بأن التوراة الحالية التي بين أيدينا غير صحيحة، وليست هي التي أنزلها الله على موسى (ع)».
لقد كان العهد القديم قبل أن يكون مجموعة أسفار، تراثاً شفهياً، لا سند له إلاَّ الذاكرة، وكان المنشِدون يتغنَّون بهذا التراث كما يتغنَّى شعراء اليوم بقصة الزناتي خليفة، وعنترة بن شداد!.
وتقول دائرة المعارف العالمية تحت كلمة «Bible»: «ولمَّا كان الكتاب المقدس عبارة عن مجموعة من الوثائق التي تلقيناها من التراث أغلبه (أساطير)، وكانت الأجزاء الأخيرة من هذا التراث قد وقعت أحداثها في نحو مائة سنة بعد الميلاد، والأجزاء الأولى منه في نحو ألف سنة أو أكثر قبل الميلاد، فإنَّ دراسته تتطلب تكتيكات معينة، كذلك يجب التعرّف على الكلمات التي كانت تستخدم في فحص الأدب القديم، ولمَّا كانت أقدم المخطوطات للكتب المقدسة عبارة عن نسخ مأخوذة من التراث عُدّلت وبُدّلت عدة مرات، وجب التخفيف من نقد النصوص حتى نستطيع أن نعين بقدر الإمكان الكلمات الأصلية، وأن نغمض أعيننا عما لا يتلاءم مع عقولنا»[82]. 
 وتقول الموسوعة البريطانية: «إنّ النص السامري يختلف عن النص اليوناني في الأسفار الخمسة بما يزيد عن أربعة آلاف اختلاف، كما أنّ النص العبري القياسي يختلف بما يربو على ستة آلاف اختلاف عنهما». لذلك؛ فإنَّ الكنائس مازالت مختلفة في كثير من هذه الأسفار. فالكاثوليك -مثلاً- يؤمنون بثلاثة وسبعين سِفْراً. بينما الأرثوذكس لا يؤمنون إلاَّ بستة وستين سِفْراً فقط!.
ولا نعجب كثيراً مما قالته دائرة المعارف وما قاله علماء اللاهوت في شأن الكتب التي بأيديهم؛ فالكتاب «المقدس» ذاته يشهد صراحة على تحريفه: فقد جاء في (المزمور 56) على لسان الربّ: «ماذا يصنعه بيَ البشر؟! اليوم كله يُحرِّفون كلامي على كل أفكارهم بالشر»! وجاء على لسان «إشعياء» مُقرّعاً بني إسرائيل، قائلاً لهم: «يا لتحريفكم»! وفي سِفْر إرميا مخاطباً بني إسرائيل:»أمَّا وحي الربّ فلا تذكروه بعد؛ لأنَّ كلمة كل إنسان تكون وحيه، إذْ قد حرفتم كلام الإله الحيّ ربّ الجنود إلهنا». وفي (سِفْر إرمياء8: 8) أيضاً: «كَيْفَ تَدَّعُونَ أَنَّكُمْ حُكَمَاءُ وَلَدَيْكُمْ شَرِيعَةَ الرَّبِّ، بَيْنَمَا حَوَّلَهَا قَلَمُ الْكَتَبَةِ المُخَادِعُ إِلَى أُكْذُوبَةٍ؟». وفي سِفْر الخمسينات من مخطوطات البحر الميت، ورد على لسان الربّ مخاطباً موسى عن بني إسرائيل قائلاً: «سينْسون شريعتي كلها ووصاياي كلها وأحكامي كلها».
ولعلَّ أظهر شاهد على وقوع التحريف في كتبهم تلك القبائح التي ينسبونها إلى أنبياء الله الكرام (صلوات الله عليهم)- مما يتنزّه عنه أقل الناس صلاحاً وسلوكاً، نعني بذلك ما نسبوه إلى نوح ولوط وداود (ع) من شرب الخمر، والوقوع في المحارم، والغدر والخيانة![83].
فــي الختـــام: نسأل ابن تيمية: إذا كانت هذه شهادة أنبيائهم على التحريف الذي مارسه اليهود بشأن التوراة؟ وإذا كانت هذه شهادة علماء اليهود على تحريف كتبهم؟ فكيف تزعم أنَّ التوراة لم تُحرَّف كلماتها؟ ومن أين أتيتَ بهذا الرأي الشاذ الذي لا يوافق عليه اليهود أنفسهم؟! وهل ما ذهبتَ إليه هو «رأي السلف»، و«مذهب السلف»، و«موقف السلف» الذي تدَّعيه؟!.

(الخطيئة السابعة)
جناية «ابن تيمية» على العقل
 زعم «ابنُ تيمية» أنَّ الاشتغال بالعلوم الطبيعية والعمرانية، كالاجتماع والفلسفة والمنطق والجغرافيا والفَلَك والهندسة والكيمياء؛ رِدَّة عن الدِّين، وكُفْر بالله، وخروج من المِلَّة!.
 وقد نَسِيَ أنَّ «الإسلام دِين يفرض التفكير، ويعترف بالمنطق؛ وهو العلم الذي يهتم بالأصول والقواعد التي يستعان بها على تصحيح النظر والتمييز، وحُكم الإسلام في المنطق واضح لا يجوز فيه الخلاف؛ لأنَّ القرآن الكريم صريح في مطالبة الإنسان بالنظر والتفكير، ومحاسبته على تعطيل عقله وضلال تفكيره. وإلى جانب المنطق كانت الفلسفة أيضاً، فالفلسفة الإسلامية كان لها أثر كبير في تقدّم العقلية الأوروبية للعلم والعلماء، ووضع هؤلاء العلماء في مكان لائق بهم، وهو ما يؤكد -أيضاً- أنَّ الإسلام دين عقل وإعمال فكر.
ولوْ لم يكن الإسلام دين تفكير، والتفكير فيه فريضة، لقفل باب الاجتهاد -مع أنّ الاجتهاد ليس له باب يُقفل ولا دار تُهدم! ولقال إنّه يكتفي بالكتاب والسنَّة مصادراً له، ولكنّه أضاف «الإجماع»إلى الكتاب والسنَّة، والإجماع يقوم على اجتهاد أولي الأمر وأهل الذِّكر والعلماء والمفكرين، بما اشتمل عليه من قياس واستحسان أوْ مصالح مرسلة[84]. 
قد نَسِيَ ابنُ تيمية أنَّ القرآنَ الكريم كله دعوة للحثّ على السيْر في الأرض، والنظر والتأمُّل، والبحث العلمي التجريبي؛ لتحقيق مفهوم الاستخلاف في الأرض، مِن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ﴾[85].﴿ قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ﴾. ﴿أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَيَنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ﴾[86]. ﴿وَمِنۡ ءَايَٰتِهِۦ خَلۡقُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفُ أَلۡسِنَتِكُمۡ وَأَلۡوَٰنِكُمۡۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّلۡعَٰلِمِينَ﴾[87]. ﴿وَهُوَ ٱلَّذِي مَدَّ ٱلۡأَرۡضَ وَجَعَلَ فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۡهَٰرٗاۖ وَمِن كُلِّ ٱلثَّمَرَٰتِ جَعَلَ فِيهَا زَوۡجَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ يُغۡشِي ٱلَّيۡلَ ٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَتَفَكَّرُونَ﴾[88]. ﴿قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلَّذِينَ يَعۡلَمُونَ وَٱلَّذِينَ لَا يَعۡلَمُونَۗ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ﴾[89].
قد نَسِيَ «ابنُ تيمية» كل هذه الآيات البيّنات، وما تحمله مِن دلالات بعيدة، للتدبُّر والاعتبار في الأنفس والآفاق، وسبْر أغوار الكون الفسيح وما فيه من جبالٍ وبحارٍ وأنهار!.
قد تناسى «ابنُ تيمية» أنَّ الإسلام دعوة للعقل من أجل البحث والدراسة في مختلف المجالات، وتطوير الحياة، وإعمار الكون، ﴿وَسَخَّرَ لَكُم مَّا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا مِّنۡهُۚ﴾[90]. فكل ما فى السماوات والأرض مِن جمادٍ وحيوان ونبات وأشعَّة وطاقة مُسَخَّر للإنسان؛ كيْ ينتفع الإنسانُ به: ﴿هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ ذَلُولٗا فَٱمۡشُواْ فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُواْ مِن رِّزۡقِهِۦۖ وَإِلَيۡهِ ٱلنُّشُورُ﴾[91]. وقد أمر اللهُ الإنسانَ أن يسير فى الأرض ويبحث؛ ليرى عظمة الخالق فى خَلْقِه ﴿أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ كَيۡفَ يُبۡدِئُ ٱللَّهُ ٱلۡخَلۡقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥٓۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ يَسِيرٞ ١٩ قُلۡ سِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ بَدَأَ ٱلۡخَلۡقَۚ ثُمَّ ٱللَّهُ يُنشِئُ ٱلنَّشۡأَةَ ٱلۡأٓخِرَةَۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ﴾[92].
قد جَهِلَ «ابنُ تيمية» أنَّ البحث العلمي فى مخلوقات الله فريضة إسلامية: ﴿ قُلِ ٱنظُرُواْ مَاذَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَا تُغۡنِي ٱلۡأٓيَٰتُ وَٱلنُّذُرُ عَن قَوۡمٖ لَّا يُؤۡمِنُونَ﴾[93]. ﴿وَفِي ٱلۡأَرۡضِ ءَايَٰتٞ لِّلۡمُوقِنِينَ ٢٠ وَفِيٓ أَنفُسِكُمۡۚ أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾[94]. ﴿أَفَلَمۡ يَنظُرُوٓاْ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَوۡقَهُمۡ كَيۡفَ بَنَيۡنَٰهَا وَزَيَّنَّٰهَا وَمَا لَهَا مِن فُرُوجٖ ٦ وَٱلۡأَرۡضَ مَدَدۡنَٰهَا وَأَلۡقَيۡنَا فِيهَا رَوَٰسِيَ وَأَنۢبَتۡنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوۡجِۢ بَهِيجٖ ٧ تَبۡصِرَةٗ وَذِكۡرَىٰ لِكُلِّ عَبۡدٖ مُّنِيبٖ﴾[95]. ﴿ سَنُرِيهِمۡ ءَايَٰتِنَا فِي ٱلۡأٓفَاقِ وَفِيٓ أَنفُسِهِمۡ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّۗ﴾[96].
 فالآيات المتقدّمة التي دعت للبحث العلمي فى الكون، تحوي إعجازاً عِلمياً أثبته العصر الحديث بعدما اتَّبع المنهج القرآني فى البحث والتجربة. يكفي أنَّ الله تعالى جعل مِن صفات العقلاء والمتَّقين: أنّهم يتفكَّرون فى خَلْقِ الله: ﴿إِنَّ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱخۡتِلَٰفِ ٱلَّيۡلِ وَٱلنَّهَارِ لَأٓيَٰتٖ لِّأُوْلِي ٱلۡأَلۡبَٰبِ ١٩٠ ٱلَّذِينَ يَذۡكُرُونَ ٱللَّهَ قِيَٰمٗا وَقُعُودٗا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمۡ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلۡقِ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ رَبَّنَا مَا  خَلَقۡتَ هَٰذَا بَٰطِلٗا سُبۡحَٰنَكَ فَقِنَا عَذَابَ ٱلنَّارِ﴾[97]. بينما جعل مِن صفات المشركين: الإعراض عن آيات الله فى الكون ﴿وَكَأَيِّن مِّنۡ ءَايَةٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ يَمُرُّونَ عَلَيۡهَا وَهُمۡ عَنۡهَا مُعۡرِضُونَ﴾[98].
 نعم، الإسلام دعوة للعقل، كيْ يصل الإنسانُ إلى عظمة الخالق وإبداعه. والقرآنُ في خطابٍ دائمٍ لاستعمال العقل والنظر، وتكرّرت فيه -كثيراً- عبارات: ﴿ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ﴾ ﴿أَفَلَا تُبۡصِرُونَ﴾، بلْ وارتبط فيه لفظ العِلْم بالتقوى والخشية ﴿أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجۡنَا بِهِۦ ثَمَرَٰتٖ مُّخۡتَلِفًا أَلۡوَٰنُهَاۚ وَمِنَ ٱلۡجِبَالِ جُدَدُۢ بِيضٞ وَحُمۡرٞ مُّخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٞ ٢٧ وَمِنَ ٱلنَّاسِ وَٱلدَّوَآبِّ وَٱلۡأَنۡعَٰمِ مُخۡتَلِفٌ أَلۡوَٰنُهُۥ كَذَٰلِكَۗ إِنَّمَا يَخۡشَى ٱللَّهَ مِنۡ عِبَادِهِ ٱلۡعُلَمَٰٓؤُاْۗ﴾[99].
لكن يبدو أنَّ «ابن تيمية» كان يعاني من عقدة نفسية تجاه العلماء والأطباء والفلاسفة والعباقرة، أمثال: ابن سينا، وابن رشد، والفارابي، والبيروني، والخوارزمي، وابن النفيس، وجابر بن حيّان، وغيرهم. لذا؛ جاء نقده وتعليقاته على هؤلاء العلماء والفلاسفة؛ كاشِفاً عن ضِيق أُفقه، ونظرتهِ السطحية، ورؤيته الأحادية، وتربّصه المذموم، وافتتانهِ بنبش الحروف والكلمات، والتعسُّف في تأويلها على النحو الذي يريده، مع الإصرار على إهانتهم وتقزيمهم، وإلقائهم في الجحيم... فقد رماهم جميعاً بالكُفْر والفسوق والزندقة والإلحاد، وأخرجهم مِن المِلَّة، واعتبرهم شراً مِن المجوس واليهود والنصارى! ليس لجُرمٍ افترفوه، ولا لفاحشةٍ أشاعوها، إنّما لأنّهم رفضوا تعطيل عقولهم، وتسابقوا في طلب العلم، إيماناً منهم بأنَّ الإسلام دين العلم والمعرفة، وفهِموا أنَّ «القرآن» كتاب الله المقروء، وأنَّ «الكون» كتاب الله المنظور، واجتهدوا في التوفيق ما بين الحكمة والخطاب، والتوفيق -أيضاً- بين ما ورد في النصوص الدينية وأبحاثهم العلمية؛ لخدمة الدِّين والدنيا معاً.
فمثلاً؛ يقول عن (ابن سينا) وأمثاله: «هؤلاء قولهم شر مِن قول اليهود والنصارى ومشركي العرب». (الجواب الصحيح لمن بدَّل دِين المسيح). ويقول عن (جابر بن حيان): «ذلك رجل مجهول لا يُعرَف، وليس له ذِكْر بين أهل العلم، ولا بين أهل الدِّين، وكتبه في الكيمياء أشد تحريماً من الربا...»[100].ويقول عن (ابن رشد): «ملحد باطني، بلْ اليهود والنصارى خير منه، وأنّه ملحد من الملاحدة كإخوانه الفلاسفة كما تقدم، وهذا مما يبين ضلاله[101]. وقال عن (الخوارزمي): «إنه مُنجِّم ومترجِم لكتب اليونان وغيرهم، ومؤلفاته في (الجبر والمقابلة) وإنْ كان صحيحاً هذا العلم إلاَّ أنَّ العلوم الشرعية مستغنية عنه». وقال عن الإمام (فخر الدين الرازي): «هذا مُشرِك ومرتدّ عن دين الإسلام». أمَّا عن رأيهِ في الإمام (أبو حامد الغزالي)؛ فكثيراً ما يرميه بالجهل والسفَه، وعندما تحدث عن كتاب (الإحياء) ذكر أنّه يحتوي على مواد فاسدة من كلام الفلاسفة، تتعلّق بالتوحيد والنبوة والمعاد، والخطر في خلطها بمعارف الصوفية، فتكون بمنزلة مَن أخذ عدواً للمسلمين، فألبسه ثياب المسلمين»!.
ســــؤال: ماذا يستفيد ابن تيمية وأتباعه من تكفير العلماء والفلاسفة؟ ألمْ يجدوا صفة يلصقونها بمخالفيهم سوى أشنع الأوصاف، مثل: (التكفير والإلحاد والزندقة)؟.
 فقد قالوا عن (الكندي): هذا الذي يقال عنه فيلسوف العرب له مصنفات في المنطق والنجوم والفلسفة؛ متهم في دِينه بخيل ساقط المروءة. وقالوا عن (ابن الهيثم): من الملاحدة الخارجين عن دين الإسلام من أقران ابن سينا عِلماً وسفهاً وإلحاداً. وقالوا عن (الفارابي): هو مِن الذين اشتغلوا بالفلسفة والمنطق الأرسطي، فَضَلُّوا وأضلُّوا مَن بعدهم، وكان على طريقة سلفِه «أرسطو« في الكفر بالله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وهو من أكبر الفلاسفه إلحاداً وإعراضاً وكان ينكر البعث والسمعيات، وكان ابن سينا على إلحاده خير منه»! وقالوا عن (اليعقوبي): رافضي، معتزلي، تفوح رائحة الرفض والاعتزال من تاريخه المشهور. وقالوا عن (المسعودي): كان معتزلياً شيعياً، كتابه «مروج الذهب» به من الأكاذيب ما لا يحصيها إلا الله.
لا زال الســــؤال قائماً: ماذا يستفيد «ابن تيمية» من تكفير العلماء والتحريض عليهم بهذا الشكل الهيستيري؟ وما هذا الضلال الفكري الذي هوى به إلى هذا النحو المشين؟ وهل «مذهب السلف» الذي يتشدَّق بهِ يقبل تكفير الناس وإخراجهم مِن المِلَّة؟ وهل مِن أخلاق العلماء التكفير والتفسيق واللّعن واالتحقير، ونَصْب المجانيق، والتربُّص بالعلماء؟ 
ولعلَّ هذا المسلك المعوجّ الذي سلكه ابن تيمية؛ يجيب عن أسئلةٍ كثيرة تتردَّد على شفاه الملايين، مثل: لماذا تأخَّر المسلمون، وتقدَّم غيرهم؟ وما أسباب التراجع الحضاري الذي أصاب الأُمة؟  ومَن المسؤول عمَّا آلتْ إليه أُمتنا؟ وكيف صِرنا «العالَم الأخير» بعدما كنَّا «العالَم الأول»؟ ولماذا استُبدِلَ التخلُّف بديلاً عن التقدم؟ والجمود بديلاً عن التجديد؟!.
 إنَّ من أهم أسباب انزلاق الأمة إلى هذا الدرك، وسقوطها في هذا الوحل الفكري؛ تلك الفتاوى المسمومة التي خلَّفها ابن تيمية وأمثاله، والآراء الكاذبة الخاطئة التي طفحت بها كُتبه، وتناقلها -مِن بعده- المغفَّلون من الأعراب، وأصحاب العاهات النفسية؟.
 لقد بدأتْ فصولُ الأزمة منذ عصر ابن تيمية، ثمَّ أخذتْ توابعُ الأزمة وأعراضها تتضاعف، وظهرت المأساة مع مرّ الزمان، وترادف البلاء، وشيخوخة الأمة، وضعف أجهزة المناعة، وقدرة الجراثيم الكامنة على الفتك دون وجل، حتى أصبحت «محنة كُبرى»، وبات المريض «الأمة» في غيبوبةٍ طويلة، أشبه بــ»الموت الإكلينيكي»؛ لضعف المناعة، وكثرة العِلَل، وتغلغل الداء!.
مِن هنا؛ فإنَّ الوعي بأسباب التقهقر الحضاري، ومعرفة أسباب استدعاء التراجع بدلاً من التقدم؛ هو الذي سيضع أيدينا على المفهوم الصحيح والحقيقي لمقولة: «لنْ يصلح آخِر هذه الأمة إلاَّ بما صلح به أولها». فليس المراد الهجرة من الزمن الحاضر إلى الزمن الماضي، وإنّما المراد: الوعي بأسباب النهوض الأول، ومناهجه؛ لنسلكها للنهوض الجديد المنشود.
 لقد بدأتْ أمتنا طورها الحضاري بنهوض وازدهار، وبدأ المسلمون رسالتهم العالمية بداية حسنة، فكانوا -أُمّة ودولة- نموذجاً حسناً لتعاليم الإسلام، واستفادوا استفادة صادقة من تاريخ الأمم الأولى، لكن بمجرد انتهاء «العصر الذهبي» للحضارة الإسلامية؛ بدأ التحوّل المشين، حيث نشأت العصبيات، والطائفيات، والمذهبيات، والعقليات الجامدة، والفِرق التكفيرية الناشزة؛ التي استبدَّتْ بالعقل والنقل معاً، ثمَّ فرضت نفسها على سائر شؤون الحياة!.
نعم؛ إنَّ القلوب المتحجِّرة، والعقول المُنغلِقة؛ التي لا تعرف سوى اللَّعن والتكفير والتفسيق؛ هي التي صنعت الأزمة، وأوصلت الأُمةَ إلى ما وصلتْ إليه!.
وذلك بخلاف الأمم المتقدمة؛ التي قطعتْ شوطاً كبيراً، وبلغت شأواً بعيداً في مجال النقد، والمراجعة، وإبراز الخلل، والتحذير من الانحراف، والتصالح الاجتماعي، وتجنُّب الغلوّ والتشاحن... فالأمم المتقدّمة مولعة باكتشاف أخطائها، وتصويب مسيرتها، أكثر من خصومها الذين ينتظرون سقوطها، ولا يهمهم إلاَّ انهيارها.
انظر -مثلاً- إلى الأمم المتقدِّمة؛ كيف تجاوزت خلافاتها، وصحَّحتْ أخطاءها، وانطلقت مِن كل الأفكار الطموحة عند جميع الأمم والحضارات؛ فاستفادت مِن فِكر الفارابي، والرازي، وابن سينا، وابن الهيثم، وابن حيَّان، وابن رشد، وغيرهم مِمَّن وجدت في فكرهم منفعةً تخدم نهضتها الحضارية، وتركت عصبيات أنظمة الحكم، وصراع المذاهب الفقهية التي لا تنفعها، وبذلك استطاعت أنْ تأخذ ما يفيد من ثقافات الآخَرين، وترك ما لا ينسجم مع شؤون حياتها.
فالمتأمِّل فيما بلغته الحضارة الغربية المعاصرة مِن تقدمٍ مُذهلٍ في شتى الميادين؛ سيُدرك أنّها قامت على أكتاف فلاسفةٍ وعلماء ومبتكرين ومبدعين عظام؛ أمثال: جالليليو، ونيوتن، وفِلمَنْج، وبيكون، وغيرهم من صنَّاع الحضارات، ولم تقم على أكتاف تجَّار المذاهب، وسماسرة الفتاوى، وصكوك الغفران، وكراسي الاعتراف، وتسلُّط رجال الكهنوت الدجَّالين، والتكفيريين؛ الذين حكموا بشنق العلماء، وحرق المفكِّرين كما فعلوا مع «جاليليو، وغيره من الباحثين والعلماء الإصلاحيين!.
كذلك؛ كنَّا في القرون الأولى؛ حين نهض المسلمون، وحكموا المشارق والمغارب، وامتلكوا رموزاً حضارية تظل شاهدةً على تراثٍ فكري وفلسفي لا نظير له، وعلى روائع إبداعية خالدة، اضطلع بها عباقرة، أمثال: الكندي، والفارابي، وابن سينا، وابن الهيثم، وابن رشد، وابن عربي، والخوارزمي، والجاحظ، والغزالي، والرازي، وجابر بن حيّان، وغيرهم من الروّاد العظام... لكن خلَفَ مِن بعدهم خلفٌ عطَّلوا العقول، وحاربوا التفكير والبحث العلمي، ونافحوا عن الجهالة والتقليد.. فأضاعوا الأمجاد، وصاروا ورثةً سفهاء؛ لم يستفيدوا من عطاء آبائهم، فيشكروهم على حسناتهم، ويتجاوزوا عن سيئاتهم، بلْ راحوا يُهيلون الترابَ عليهم، وعلى منجزاتهم الحضارية!.
 فلا نعجب عندما نسمع أنَّ هؤلاء الجامدين أمروا بشنق ابن رشد وحرق مؤلفاته، وأفتوا بتكفير الفارابي، والرازي، وابن سينا، وغيرهم من روَّاد الفكر، وصنَّاع الحضارة!.
 لكن، إبراء للذِّمة، وتبرئة لدِيننا الحنيف؛ لابدَّ أنْ نقول للعالَم كله: «إنَّ ما ترونه في شؤوننا ليس ما أنزل الله مِن كتاب، ولا ما قدَّم رسولُهُ من أُسوة، إنّما هو اعِوجاج أُمة نَسِيتْ ما لديها ومضت مع هواها، وقد بلغت مِن ضراوة الحجب التي رانتْ على بصائرها أنّها تقاوم مَن يريد العودة بها إلى طريق الله، وأنّها تتعصّب لتقاليد الانحراف والعجز، وتتأبَّى على عناصر الحق والرشد، التي عرفها سلفها فكانوا الأمة الأولى في العالم، بلْ كانوا خير أُمة ظهرت في الوجود[102]. 

(الخطيئـــة الثامنـــة)
جناية ابن تيمية على اللغة
  «العربية» لغة شريفة طاهرة عالية المنزلة، شرَّفها الله -سبحانه- بنزول القرآن بها، فهي أُم اللُّغات، وسيدة اللغات، وأعرقها وأشرفها، وأقدسها، وأطولها عمراً، وأخلدها ذِكراً، وأوفرها حظاً. وحسبنا أن نعلم: أنَّ التنزيل الخالد، الممتد إلى نهاية الزمان، الذي وصف اللهُ أبعاده ومداه، بقوله: ﴿قُل لَّوۡ كَانَ ٱلۡبَحۡرُ مِدَادٗا لِّكَلِمَٰتِ رَبِّي لَنَفِدَ ٱلۡبَحۡرُ قَبۡلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَٰتُ رَبِّي وَلَوۡ جِئۡنَا بِمِثۡلِهِۦ مَدَدٗا﴾[103]. والذي كانت (العربية) وعاءه الخالد، هو الذي يجعلنا ندرك الطاقة التي تمتلكها العربية، والشرف الكبير، بجعلها لغة التنزيل... إليها نحتكم فى معنى الألفاظ والعبارات، التي وردت فى الكتاب العزيز.
يقول الجرجانى فى مقدمة (أسرار البلاغة): «اعلم أنَّ الكلام هو الذي يُعطي العلومَ منازلها، ويبيّن مراتبها، ويكشفُ عن صُوَرها، ويجني صنوفَ ثَمَرها، ويدلُّ على سرائرها، ويُبْرِزُ مكنون ضمائرها، وبه أبان اللّ تعالى الإنسان من سائر الحيوان، ونبّه فيه على عِظَم الامتنان، فقال عزّ من قائل: ﴿ٱلرَّحۡمَٰنُ ١ عَلَّمَ ٱلۡقُرۡءَانَ ٢ خَلَقَ ٱلۡإِنسَٰنَ ٣ عَلَّمَهُ ٱلۡبَيَانَ﴾، فلولاه لم تكن لتتعدَّى فوائدُ العلمِ عالِمَه، ولا صحَّ من العاقل أن يَفْتُق عن أزاهير العقلِ كمائمه، ولتعطَّلَت قُوَى الخواطر والأفكار من معانيها، واستوَتِ القضيّة في مَوْجُودَها وفانيها، نَعمْ، ولوقع الحيُّ الحسَّاس في مرتبةِ الجماد، ولكان الإدراك كالذي ينافيه من الأضداد، ولبقيتِ القلوب مُقْفَلةً تَتَصَوَّنُ على ودائعها، والمعاني مَسْجُونَةً في مواضعها، ولصارت القرائح عن تصرُّفها معقولةً، والأذْهان عن سلطانها معزولةً، ولما عُرف كفرٌ من إيمان، وإساءة من إحسان، ولما ظهر فرقٌ بين مدح وتزيين، وذمّ وتهجين».
وحتى نقف على أهمية اللغة العربية، وأصالتها، لابدّ أن نعرف كيف تمَّ جمع اللغة، وتدوينها، وكيف تمَّ اعتماد كل كلمة فيها، فالموضوع ليس اعتباطاً، ولا نزقاً، وإنّما الأمر جدّ لاهزل فيه، فقد أفنى علماءُ اللغة أعمارهم فى جمعها وضبطها، وأخذها من أفواه أصحابها الأصليين، لدرجة أنّهم رفضوا أن يأخذوها من أفواه «المولّدين» الذين ولدوا فى الإسلام من آباء عرب وأمهات غير عربيات، وخاصّة عندما ظهر اللحن في العربية.
وكذلك رفضوا أن يأخذوا قواعد اللغة، وكلمات اللغة من الحديث النبوي الشريف، رغم أنّ النبيّ أفصح العرب وعليه نزل القرآن، ولكنهم نظروا إلى موضوع الرواية بالمعنى، واحتمال أنّ هذه الألفاظ لم ينطقها النبيّ بحروفها، وخاصّة دخول المولدين في الرواة، والموالي من أهل الشعوب الأخرى التي دخلت فى الإسلام.
يقول السيوطي فى «المزهر»: [وقبل الشروع في الكتاب نصدّر بمقالة ذكرها أبو الحسين أحمد بن فارس في أول كتابه «فِقْه اللغة»: قال: اعلم أنَّ لِعلم العرب أصلاً وفرعاً؛ أمَّا: الفرعُ فمعرفةُ الأسماء والصفات كقولنا: رَجُلٌ وفرسٌ وطويلٌ وقصيرٌ وهذا هو الذي يُبْدَأُ به عند التَّعلم.
وأمَّا الأصلُ: فالقولُ على وَضْع اللغة وأوَّليتها وَمَنْشئها، ثمَّ على رسوم العرب في مخاطباتها وما لَها من الافْتنان تحقيقاً ومجازاً. والناسُ في ذلك رجلان: رجل شُغل بالفَرْع فلا يَعْرف غيرَه، وآخَرُ جَمع الأمريْن معاً، وهذه هي الرُّتبةُ العليا؛ لأنّ بها يُعلَم خطابُ القرآنُ والسُّنة، وعليها يُعوّل أهلُ النظر والفُتيا، ومَن لم يعلم توسُّع العرب في مخاطباتها؛ لعَيَّ بكثير من عِلم الكتاب والسنَّة.
ثم يقول [الثانية: في بيان واضع اللغة أتوقيفٌ هيَ وَوَحْيٌ، أمْ اصطلاح وتواطؤ؟.
قال أبو الحسين أحمد بن فارس في «فقه اللغة»: اعلم أنَّ لغة العرب توقيفٌ، ودليل ذلك قولُه تعالى: ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْماَءَ كُلَّهاَ﴾. فكان ابنُ عباس يقول: «عَلَّمَه الأسماء كلها وهي هذه (الأسماء) التي يتعارفُها الناسُ من دابَّة وأرضٍ وسهل وجبل وجمل وأشباه ذلك من الأمم وغيرها».
ثم يقول: ولعلَّ ظاناً يظنُّ أنّ اللغةَ التي دلّلنا على أنّها توقيفٌ إنّما جاءت جملةً واحدة وفي زمان واحد وليس الأمر كذلك، بل وقّف اللّهُ عزّ وجلَّ آدمَ (ع) على ما شاء أن يُعَلّمه إياه مما احتاج إلى عِلمه في زمانه وانتشر من ذلك ما شاء اللّه، ثم عَلّم بعد آدم من الأنبياء -صلوات اللّه عليهم- نبيّاً نبيّاً ما شاء اللّه أن يُعَلّمه حتى انتهى الأمر إلى نبينا محمد (ص)، فآتاه اللّه من ذلك ما لمْ يُؤته أحداً قبلَه تماماً على ما أحسنه من اللغة المتقدمة، ثم قرّ الأمر قَراره فلا نعلمُ لغةً من بعدهِ حدثَتْ، فإنْ تعمَّلَ اليوم لذلك مُتعمّل وجدَ من نُقَّاد العِلْم من يَنْفيه ويَرُدّه.
ولقد بلَغنا عن أبي الأسود الدؤلي أنَّ امرءاً كلَّمه ببعض ما أنكَره أبو الأسود، فسأله أبو الأسود عنه، فقال: هذه لغةٌ لم تَبْلُغْك. فقال أبو الأسود: يابن أخي إنّه لا خيرَ لك فيما لم يَبْلُغْني. فعرَّفَه بلُطْف أنّ الذي تكلَّم به مُخْتَلَق. وخَلَّة أخرى: إنّه لم يبلغنا أنّ قوماً من العرب في زمانٍ يقاربُ زماننا أجمعوا على تسمية شيء من الأشياء مُصْطَلحين عليه فكنا نستدلّ بذلك على اصطلاحٍ قد كان قبلَهم. وقد كان في الصحابة رضي اللّه عنهم -وهم البُلَغاءُ والفصحاءُ- من النظر في العلوم الشريفة ما لا خفاءَ به وما عَلمناهم اصطلَحوا على اختراع لغة أو إحْدَاث لفظةٍ لم تتقدمهم، ومعلوم أنَّ حوادثَ العالَم لا تنقضي إلاّ بانْقضَائه ولا تزولُ إلاّ بزَواله، وفي كل ذلك دليلٌ على صحَّة ما ذهَبْنا إليه من هذا الباب». هذا كله كلام ابن فارس-رحمه الله.
وقال الزركشي فى البحر المحيط: قال أبو الفضل بن عبدان في «شرائط الأحكام» وتبعه الجيلي في «الإعجاز»: لا تلزمُ اللغةُ إلاّ بخمس شرائط:
أحدها: ثبوت ذلك عن العرب بسنَدٍ صحيح يُوجبُ العملَ.
الثاني: عدالةُ الناقلين كما تُعْتَبَرُ عدالتُهم في الشَّرعيات.
الثالث: أن يكون النقلُ عَمّن قولُه حُجَّة في أصل اللغة كالعرب العاربة، مثل: قحطان ومعدّ وعدنان، أمَّا إذا نقلوا عمَّن بعدهم بعد فَسَاد لسانهم واختلاف المولّدين فلاَ. 
الرابع: أن يكون الناقلُ قد سَمعَ منهم حسّاً وأمَّا بغيره فلا.
الخامس: أن يسمع من الناقل حسّاً.
 هذه الشروط: لابدَّ أن تكون ألفاظ اللغة، وقواعد اللغة، وطريقة نطق اللغة، وإعراب اللغة، كل ذلك ثابت بطريقة صحيحة عن العرب بسندٍ صحيح، وأن يكون الناقلون عنهم -أيْرواةاللغة- مثلرواةالحديثالشريف فى العدالة والضبط؛ لأنَّ الموضوع خطير جداً، وليس لَعِباً ولاهزلاً، إذْ يترتب على اللغة تفسير وفهم كتاب الله وسُنَّة رسوله الكريم، فاللغة مرتبطة عندنا ارتباطاً وثيقاً بالدِّين والعقيدة.
إذن؛ فعلماء اللغة يقولون: «يجب النقل فقط عمن قوله حُجَّة فى أصل اللغة، كالعرب العاربة، مثل قحطان ومعد وعدنان، أمَّا إذا نقلوا عمَّن بعدهم بعد فَسَاد لسانهم واختلاف المولّدين فلاَ»! وهذه درجة في الدقة لم تصل إليها أيّ لغة فى العالم، ولذلك رفضوا الاستشهاد بشعر المولّدين، ولك أن تتخيّل أنّ هذا الحكم يشمل الفرزدق وجرير وأبي تمام والمتنبي، فكيف يكون الحال إذا تأخَّر جمع وتقعيد اللغة إلى عصر ابن تيمية، أو عصرنا؟.

فماذا فعل ابن تيمية؟
 مِن المعلوم أنَّ ابن تيمية أقام عقيدته ورؤيته ومرجعيّته ومشروعه الفكري كله على أساس (إنكار المجاز) إنكاراً تاماً، وقد عرض رأيه وأطال في شرحه في كتاب (الفتاوى) حتى استغرق 179 صفحة، كما كتب عنه فصلاً كاملاً في كتابه (الإيمان) أنكر فيه المجاز، ورمى مخالفيه بالكذب حيناً، وبالجهل حيناً آخر!.
وهذا الأساس هو الذى يحمل البناء كله، فما الحُكْم إذا كان هذا الأساس باطلاً، ووهْماً لا أساس له؟ هل يجوز إقامة عقيدة كاملة على وهْم؟ هل يجوز الخروج على إجماع الأمة ومعاداة الأمة كلها من أجل فكرة واحدة، وهي «إنكار المجاز وحمل كل الألفاظ على الظاهر»؟ مع أنَّ الأمة كلها أجمعت على وجود المجاز في اللغة والقرآن طوال ثمانية قرون قبل ظهور ابن تيمية، ما عدا عالِمٍ أو اثنيْن، وبعد ابن تيمية لم يخرق أحدٌ الإجماع إلاَّ المقلِّدين له -فقط- لا غير!.
(يُرجَى التركيز على هذه الفكرة بالذات؛ لأنها أساس مذهب ابن تيمية كله).
أول مَن أُثِر عنه إنكار المجاز «أبو إسحاق الإسفراييني»، قال السيوطي فى المزهر: «قال أبو إسحاق الإسفراييني: «لامجاز في لغة العرب»!.
 وقد نقل الدكتور عبد العظيم المطعني فى كتابه -المجازفىاللغةوالقرآنالكريم-ردَّالسيوطيعلىالإسفراييني، يقول: رد السيوطي يتلخص فى العناصر التالية:
 1- التسليم لأبيإسحاق أنّ المجاز لابدّ فيه من تقدّم الحقيقة عليه، ولكن التاريخ غير معلوم عندنا، والجهل بالتاريخ لا يدلّ على عدم التقديم والتأخير.
 2- أنّ القول بأنَّ العرب وضعت الحقيقة والمجاز وضعاً واحداً قول باطل، فالأسد لم يوضع اسم عين للرجل الشجاع، بل اسم العين فيه هو الرجل ولا يطلق عليه -أسد- إلاَّ مع قرينة صارفة عن إرادة المعنى الأصلي.
3- نقل السيوطي أنَّ إمام الحرمين فى «التلخيص»، والغزالي فى «المنخول» شكَّا فى نسبة هذا القول لأبي إسحاق الإسفراييني.
 وعلى الرغم من هذا النقد الذي أبطل هذه الشبهة فى إنكار المجاز فى اللغة العربية، ورغم هذا الشك فى نسبة هذا القول إلى أبي إسحاق، [مع أنّه هو الوحيد الذي نسب إليه هذا القول] إلاَّ أنَّ ابن تيمية أخذ هذا القول وجعله عقيدة يوالي عليها ويعادي عليها، ومن أجلها عادى كل علماء الإسلام، وسَفَّه كل مَن يخالفه!.
 الشُبَه التي ابتدعها ابن تيمية لإنكار المجاز تماماً حتى يتوصل إلى حمل كل الألفاظ على «الظاهر» ومنع «التأويل» مطلقاً، فالكلام عنده له وضع واحد فقط لا يتغير:
الشُبهة الأولى: ادعاء أنّ أحداً من السلف لم يقل به، حيث يقول في كتاب الإيمان «أمَّا سائر الأئمة فلم يقل أحد منهم، ولا من قدماء أصحاب أحمد، أنَّ في القرآن مجازاً، لا مالك ولا الشافعي ولا أبو حنيفة، إنّما اشتهر فى المائة الرابعة، وظهرت أوائله فى المائة الثالثة، وما علمته موجوداً فى المائة الثانية، اللهم إلاَّ أن يكون في أواخرها».
 هذا الكلام كله غير صحيح على الإطلاق، وإذا أردنا أن نحصي أسماءَ العلماء من الصحابة والتابعين وتابعيهم والأئمة كلهم، لَمَا وَسِعنا الزمان ولا المكان، وهيَ أسماء موجودة ومعلومة ومشهورة كشهرة الآثار الواردة عنهم في هذا المجال، ولذلك يقول الدكتور عبد العظيم المطعني: إنَّ العلماء ردّوا على منكري المجاز قبل ابن تيمية؛لأنّهم كانوا في مرحلة تقعيد القواعد وتأسيس العلوم، أمَّا ابن تيمية فلا يُنظَر إلى رأيه في هذا المقام بعد استقرار العلوم.
الشبهة الثانية: إنكار الوضع -حيث إنّ مستعملي المجاز يقولون بأنّ المجاز هو استعمال اللفظ فى غير ما وضِع له، وحتى يقطع عليهم ابن تيمية الطريق قال بإنكار الوضع الأول.
يقول المطعني: «وإنكار الوضع ابتدعه ابن تيمية ابتداعاً في هذا المقام، فلم نرَ أحداً قبله ممن نُسِبَ إليهم إنكار المجاز أنّهم أنكروا الوضع، وقد جاراه تلميذه ابن القيّم في هذا الأصل، وبهذا يكون الشيخ وتلميذه قد انفردا بهذا القول، فعلماء الأمة كلهم في وادٍ، وهما في وادٍ آخَر!.
وهذه الشيهة فاسدة من ثلاث جهات: تفرُّد ابن تيمية بها، أنَّ علماء الأمة سلفاً وخلفاً مجمعون على الوضع الأول ما عدا ابن تيمية وتلميذه، أنَّ ابن تيمية نفسه قد أقرَّ بالوضع في مواضع كثيرة من مؤلفاته، كما أقرَّ بالمجاز صراحة بلفظه ومعناه! وتلميذه ابن القيّم رجع عن إنكار المجاز في كتابه (الفوائـد) بعدما راجع أقوال البلاغيين، وتفهّم رؤيتهم في المسألة!.

الشبهة الثالثة: إنكار الاستعمال المطلق من كل القيود.
فقد أنكر الاستعمال المطلق من كل القيود؛ ليهدم الأسس التي استند إليها مثبتو المجاز، وذلك حين رآهم يقولون:إنّ المعنى المتبادر إلى الفهم عند الإطلاق هو المعنى الوضعي الحقيقي، وحين يقيد اللفظ بقرينة يكون مجازاً، فقال: إنّ الألفاظ كلّها محفوفة بالقرائن فإمَّا أن تُعدّ كلها حقيقة، وإمَّا أن تُعدّ كلها مجازاً، واعتبار بعضها حقيقة وبعضها مجازاً تحكّم ظاهر. [هذا رأيه]

-وهذه الشبهة مردودة فى مكانها مِن كُتُب العلماء.
الشبهة الرابعة: أنه ردَّ شواهد المجاز في اللغة والقرآن. 
يقول الدكتور المطعني: تفرَّد ابن تيمية بهذه الشُبهة وتبعه تلميذه ابن القيم وانفردا بها، وخالفا بها علماء الأمة، وفيها سوَّى ابن تيمية بين قولنا [رأس الأمر] و[رأس الإنسان].
الخلاصة: إنَّ ما فعله ابن تيمية هو: التشكيك في الثوابت، والمسلَّمات التى أجمعت عليها الأمة، بهدف شقّ مذهب له في الأسماء والصفات بحملها على الحقيقة، الذي هو (التجسيم) ولكن فى صورة مواربة متدثِّرة بدثار السلف، ودعوى الالتزام بالكتاب والسنَّة.
ونحن نتساءل: ما الحكم إذا كان هو ينكر المجاز، والمجاز يملأ القرآن وهو سِر مِن أسرار إعجازه اللغوي.
- ما الحكم إذا كان يحمل النصوص على الظاهر وهي لا تحتمل الحمل على الظاهر؟.
- ما الحكم إذا كان ينكر القرينة وهي موجودة وواضحة للعيان، ولا يمكن تجاهلها؟.
- ما الحكم إذا كان ينكر المجاز، واستعمل هو المجاز في كل كُتبه وكلامه، سواءاً سمَّاه مجازاً أوْ لم يُسمِّه؟
- ما الحكم إذا أنكر الوضع الأول للغة العربية، وهذا الوضع الأول من أساسيات اللغة وثوابتها؟
- ما الحكم إذا كان ابن تيمية بعمله هذا قد اخترع لغة خاصة به؟ أو وضع لنفسه قواعد لغوية خاصة به يلوي بها أعناق القرآن والسنَّة؛ لتوافق هذه القواعد؟ ثم يجزم بضرورة حمل النصوص على الظاهر وعدم التأويل بناءً على قواعده الخاصة؟.
- هذا هو التناقض بعينه، وهذا هو إنكار الواضح الصريح، وهذا هو هدم الثوابت والمسلَّمات.
- ما الظنُّ لو قام كل عالِمٍ من علماء المسلمين بعمل قواعد لغوية خاصة به وفرَّع عليها الفروع، وأرجع إليها نصوص الكتاب والسنَّة؟ وتحاكم إليها، وجعل عقيدة الإسلام قائمة عليها؟.
هل فعل ذلك أحد من علماء اللغة الذين وضعوا قواعدها، وكتبوا المعاجم الطوال والقصار فيها؟ وأفنوا أعمارهم في ترتيبها والحفاظ عليها؟.
 ملحوظـــة: لعلَّ جهل ابن تيمية بدلالات اللغة ومراميها؛ جعله يقولبالتشبيه والتجسيم، ويذهب بالكلام إلى غير مرادهِ؛ مما أردى بهِ إلى الهاوية، وزجَّ بهِ إلى غياهب السجن والمنافي!.
 ســــؤال: لماذا لم يشتغِل العلماء الذين جاءوا بعد ابن تيمية بالردّ على جنايتهِ على اللغة؟.
لأنّه ليس من علماء اللغة؛ ولأنّه لا يُلتفت إليه في هذا المجال، ولأنّه خرق الإجماع المستقر منذ قحطان ومعد وعدنان!.

(الخطيئـــة التاسعـة)
أخطاء «ابن تيميـة» في حق آل البيـت
 هل تدري لماذا يحتفي أدعياء السلفية وغلمان الوهابية بكتاب ابن تيمية (منهاج السنَّة النبوية)؟ بلْ يكاد يكون مرجعهم الوحيد الذي يتعبّدون به، بلْ ويُقدِّمونه على أيّ كتاب آخَر!.

نعم؛ إذا عُرِفَ السبب بطلَ العجب!.
فهذا الكتاب الموسوم بــ(منهاج السنَّة) هو أسوأ كتاب خطَّته أنامل بشر، بسبب الافتراءات والكذب، والغلوّ والشطط الذي اكتظَّت به صفحاته! فهو لا يقلُّ سوءاً عن كتاب (التلمود) الذي يؤمن به غلاة اليهود والمارقون منهم!.
  قال ابن حجر في «فتح الباري»: (إنَّ ابن تيمية ألَّف كتاباً بعنوان «الرد على ابن المطهَّر الحلِّي» وهو المشهور كذباً وزوراً بـ(منهاج السنَّة النبوية) وهذا تدليس على ابن تيمية!)[104].
 ويشتمُّ من ردود ابن تيمية الحادَّة وغير المنطقية؛ أنَّ «ابن المُطهَّر» كان لديه من الحجج والبراهين التي أربكتْ ابن تيمية، بلْ أخرجته عن الموضوعية العلمية، أوْ يمكن القول إنَّ ابن تيمية قابل الغلوّ بغلوّ أشد!.
وكثير من العلماء -مِن أسف-  لمْ يتتبعوا هذا الكتاب «منهاج السنة»، فكمْ من عالمٍ، قال: لمْ يقل ابنُ تيمية كذا وكذا -منهم ابن كثير- والعجيب أن يكون ما نفاه ثابتاً من كلام ابن تيمية في أكثر من موضعٍ من كتبه!.
وفي اعتقادنا؛ أنَّ أفضل من فنَّد هذا الكتاب بمنهج علمي؛ العلاَّمة الدكتور محمود صبيح. إذْ يقول: وما كنَّا نتمنى لابن تيمية أن يُوصَف بالمدلِّس أوْ المخادع؛ بسبب ما احتواه  كتابه (منهاج السنَّة) من المغالطات، والمتناقضات، والتلفيق، بلْ إنّ هذا الكتاب كفيل بأن يصف ابن تيمية بـ(القصور العلمي)، فلم يكن منطقياً ولا مقنِعاً في كثير من آرائه التي بثّها في كتابه![105].
فليس من الصواب أن يكون الردّ على (المخالف) بالانتقاص من قدر آل البيت (ع)، والغضّ من مكانتهم، عن طريق الاستدلال الفاسد! كتحريمه لزيارة الروضة الشريفة، والنهي عن التوسل بالنبيّ ، وادعاءه بأنَّ الكعبة أفضل من النبيّ، وإنكاره مناقب السيدة فاطمة بنت النبيّ، وتقليل فضائل الإمام عليّ، وطعنه في خلافة الإمام عليّ، واتهامه بالفساد، وغير ذلك!.
فمثلاً؛ نراه يُقلِّل مِن زهد وعِلْم الإماميْن: الحسن والحسين (رضي الله عنهما) بمنطق فاسد، إذْ يقول في منهاجه: «وأمَّا كونهما -الحسن والحسيْن- أزهد الناس، وأعلمهم في زمانهم، فهذا قول بلا دليل». ثم نراه يقول: وإنْ كان -الحسن والحسين سيدا شباب أهل الجنة، فأبو بكر وعمر سيدا كهول أهل الجنة، وهذا الصنف أكمل من هذا الصنف»[106]. وقد نسي ابن تيمية أنّ الجنة ليس فيها كهول! ولمْ يُقدِّم دليلاً على أنَّ (الشيخيْن) سيدا كهول أهل الجنة!.
 في ذات الوقت يثبت ابن تيمية في كتابه «الجواب الصحيح»: أن «الصحابي أبا عبيدة بن الجراح؛ أزهد الخلق في الأموال وأعبدهم للخالق، وأرحمهم للمخلوق، وأبعدهم عن هوى النفس»[107]! فما دليل ابن تيمية على صحة كلامه؟!.

إنكار ابن تيمية خصوصية تقدّم نبوة النبيّ قبل جميع الأنبياء:
قد أنكر ابنُ تيمية خصوصية تقدم نبوّة النبيّ (ص) قبل جميع الأنبياء، بما فيهم آدم، صارفاً معنى قول النبيّ (ص) (كنتُ نبياً، وآدم بين الروح والجسد) من كونه كان نبياً بحقيقة من الحقائق تقصر عن فهمها العقول. والعجيب من نفي ابن تيمية وابن القيم للحقيقة المحمدية، مع ادّعاء ابن القيم ما ادّعاه في ابن تيمية، حيث قال في قصيدته النونية:
فاقرأْ تصانيفَ الإمام حقيقةً    شيخ الوجود، العالِمَ الربَّاني!
أعني أبا العباس أحمدَ ذلك     البحرُ المحيطُ بسائر الخِلجانِ!
ترى؛ لوْ قال مُحبٌّ لرسول الله (ص) هذه الجملة؛ ماذا كان ردّ أتباع ابن تيمية عليه؟.
بالطبع؛ لقالوا: أين دليلكم؟! هذا إطراء يُفضي إلى الشرك.. ولا حول ولا قوة إلاَّ بالله!.
 والحاصل: أنَّ ابن تيمية خالف في هذه المسألة أئمة المسلمين، بما فيهم الإمام أحمد بن حنبل -وهو إمامه كما يزعم- حيث سُئلَ عبد الله ابن الإمام أحمد عن معنى قول النبيّ: «كنتُ أولَّ النبيين». فقال الإمام أحمد: (يعني خَلْقاً).
 بلْ تعدَّى ابن تيمية مخالفته بعدم إثبات خصوصية النبيّ بذلك، إلى أن قال: (إنَّ من قال: إنَّ الرسول كان نبياً وآدم بين الروح والجسد، بأيّ معنى غير معنى -كُتِبتُ- فهو كافر باتفاق المسلمين)!.
 لا ندري من أين أتى ابن تيمية باتفاق المسلمين، مع أنَّ الحديث واضح بقولهe: (كنتُ نبياً وآدم بين الروح والجسد)، وتَجَاهَلَ ابن تيمية أحاديث ثابتة لمْ يذكرها أصلاً، وثبت فيها أنَّ رسول الله سُئل: «متى بُعِثتْ»؟ و«متى جُعِلتْ» و«متى وجبتْ» الذي رواه أبو هريرة، و«متى استُنبِئتْ»؟ من ما لا يقلّ عن ثلاثة من الصحابة كميسرة الفجر، وابن أبي الجدعاء، وغيرهم.
  هلْ نسيَ «ابن تيمية» أمْ تناسى أنَّ هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد في مسنده تحت رقم (5/59)، والإمام البخاري في التاريخ الكبير برقم (7/374) و(1606). والحافظ ابن حجر، والهيثمي، وأقره الذهبي، والسيوطي، وأبو نعيم في الحلية، وابن سعد في الطبقات الكبرى، وعبد الله ابن الإمام أحمد في السُّنَّة، وصحَّحه الألباني!.
 ولماذا لمْ يذكر ابن تيمية -ولوْ مرة واحدة- بقية الألفاظ التي ورد بها الحديث، وهي: (متى بُعِثتْ، ومتى جُعِلتْ، ومتى استُنبِئتْ) ولوْ كانت وردت بأسانيد ضعيفة لأقام الدنيا ولمْ يقعِدها، وتجاهلها تماماً.

طعن ابن تيمية في خلافة الإمام عليّ (ع):
 قال ابن تيمية في كتابه «منهاج السنّة»: «لم يتمكن أحد منهم -آل البيت- من الإمامة إلاَّ عليّ بن أبي طالب، مع أنَّ الأمور استصعبتْ عليه، ونصف الأمة أو أقل أو أكثر»[108]. وقال أيضاً: «إنّ ولاية عثمان كان فيها من المصالح والخيرات ما لا يعلمها إلاَّ الله، وما حصل فيها من الأمور التي كرهوها إلاَّ كتأمير بعض بني أمية وإعطائهم بعض المال ونحو ذلك، فقد حصل من ولاية مَن بعده ما هو أعظم من ذلك من الفساد، ولم يحصل فيها من الصلاح ما حصل في إمارة عثمان»[109]. وقال أيضاً في المنهاج: «فلم يزهِر في خلافته -الإمام عليّ- دين الإسلام»[110]. وقال أيضاً في منهاجه: «ومن المعلوم أنّ الخلفاء الثلاثة اتفق عليهم المسلمون، وكان السيف في زمانهم مسلولاً على الكفار، مكفوفاً عن أهل الإسلام، وأمَّا عليٌّ فلم يتفق المسلمون على مبايعته، بلْ وقعت الفتنة تلك المدة، وكان السيف في تلك المدة مكفوفاً عن الكفّار، مسلولاً على أهل الإسلام، وهو تركٌ لذِكر أئمة الخلافة التامة الكاملة، واقتصار على ذِكر الخلافة التي لمْ تتم، ولم يحصل مقصودها»[111]. وقال أيضاً في منهاجه: «فإنْ قيل عليٌّ كان مجتهداً في ذلك، معتقداً أنّه بالقتال يحصل الطاعة، قيل: فإذا كان مثل هذا الاجتهاد مغفوراً، مع أنّه أفضى إلى قتل ألوفٍ من المسلمين، بحيث حصل الفساد، ولم يحصل المطلوب من الصلاح، أفلاَ يكون الاجتهاد في قتل واحدٍ لوْ قُتِل لحصل به نوع المصلحة من الزجر عن الفواحش اجتهاداً مغفوراً، مع أنَّ ذلك لم يقتله، بلْ همَّ به وتركه»[112]. وقال أيضاً في منهاجه: «ولمْ يحصل بالقتال لا مصلحة الدين ولا مصلحة الدنيا، ولا قُوتِلَ في خلافته كافر، ولا فرح مسلم»[113]. وقال كذلك في منهاجه: «وعليٌّ رضي الله عنه لمْ يخص أحداً من أقاربه بعطاء، لكن ابتدأ بالقتال لمن لم يكن مبتدئاً بالقتال، حتى قُتِلَ بينهم ألوفٌ مؤلفة من المسلمين. وإنْ كان ما فعله هو متأوِّل فيه تأويلاً، وافقه عليه طائفة من العلماء، وقالوا: إنّ هؤلاء بغاة، والله تعالى أمر بقتال البغاة، بقوله: (فقاتلوا التي تبغي) لكن نازعه أكثر العلماء»[114]. وقال ابن تيمية أيضاً في منهاجه: «ومن ظنَّ ّأن هؤلاء الإثني عشر هم الذين تعتقد الرافضة إمامتهم، فهو في غاية الجهل، فإنَّ هؤلاء ليس فيهم من كان له سيف إلاَّ عليّ بن أبي طالب، ومع هذا فلم يتمكّن في خلافته من غزو الكفار، ولا فتح مدينة، ولا قتل كافراً»[115].
وها نحن نتعجّب من كلام ابن تيمية الذي يُكذِّبه التاريخ الموثَّق ويرفضه المنطق السليم؛ فكيف يتجاهل ما أخرجه البخاري في صحيحه: عن ابن عباس أنّ النبيّ (ص) قال: «ويح عمَّار، تقتله الفئة الباغية، يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار»[116].
قال الحافظ ابن حجر في الإصابة: «وظهر بقتل عمَّار أنَّ الصواب كان مع عليّ، واتفق على ذلك أهل السنَّة، بعد اختلاف كان في القديم، ولله الحمد»[117].
وقد أخرج الطبراني في الكبير عن جري بن سمرة قال: «لمَّا كان من أهل البصرة، الذي كان بينهم وبين عليّ بن أبي طالب، انطلقتُ حتى أتيتُ المدينة، فأتيتُ ميمونة بنت الحارث -زوجة النبيّ (ص)- فسلَّمتُ عليها.. فقالت: ما جاء بك؟ قلتُ: كان بين عليّ وطلحة الذي كان، فأقبلتُ فبايعتُ علياً، قالت: فالْحق به، فو الله ما ضَلَّ، ولا ضُلَّ به، حتى قالتها ثلاثاً»[118].

افتراء ابن تيمية على أمير المؤمنين علي (ع):
 عقد ابن تيمية مقارنة بين أصحاب الرسول، فقال في منهاج السنة: «ولم يكن كذلك عليٌّ، فإنَّ كثيراً من الصحابة والتابعين يبغضونه ويسبونه ويقاتلونه»[119].
يقول الدكتور صبيح: «إنَّ حب ابن تيمية لتنقيص الإمام عليّ وتهوين قدره، هو الذي جعله يتخيّل أنّ كثيراً من الصحابة والتابعين كانوا يبغضونه ويسبونه!.
وكيف لا يحبونه، وهم يعلمون قول النبيّ لعليّ رضي الله عنه: «لا يحبك إلاَّ مؤمن، ولا يبغضك إلاَّ منافق» (أخرجه مسلم، وأحمد، والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان وابن أبي شيبة وابن أبي عاصم، وابن عبد البر)!.
وكيف يبغضه الصحابة، وقد روى البخاري قول النبيّ: «أنت مني وأنا منك»!.
وكيف يبغضونه وهم الذين رووا كما جاء في الصحيحين عنه (ص): «أمَا ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى، إلاَّ أنّه لا نبوة بعدي»!.
كذلك هم الذين رووا: «مَن كنتُ مولاه فعليّ مولاه» وهو حديث متواتر!.
وكيف يبغضونه ويسبونه، وقد قال النبيّ (ص)-كما في البخاري ومسلم وغيرهما- يوم خيبر: «لأعطينَّ الرايةَ غداً لرجل، يفتح الله على يديه، يحب اللهَ ورسوله، ويحبه اللهُ ورسوله». فبات الناس ليلتهم أيّهم يُعطى، فغدا كلهم يرجونه، فقال النبي : أين عليٌّ؟ فقيل: يشتكي عينيه، فبصق الرسول (ص) في عينيه، ودعا له، فبرأ كأنْ لم يكن به وجع. وزاد مسلم في روايته من قول عمر بن الخطاب: ما أحببتُ الإمارة إلاَّ يومئذٍ»!.
فمَنْ مِنْ الصحابة كان يبغض علياً ويسبّه بعد قول النبيّ (ص) فيه ما قال.
 أمَّا قتال بعض الصحابة لعليّ، فمعلوم أنّ السيدة عائشة، ندمت على ذلك عندما سمعت كلاب الحوأب تنبح عليها. وهناك آثار كثيرة في تذكير الإمام عليّ لتذكير طلحة والزبير بما قاله النبيّ (ص) للزبير «أتحبه، فإنك تقاتله وأنت له ظالم». وهناك العديد من الآثار تفيد أنّ الزبير وطلحة أرادا الرجوع من موقعة الجمل، فقُتِلا أثناء رجوعهما.
وإذا كان ابن تيمية يعرف من التابعين مَن أبغضوا علياً وسبوه، فليُسمِّ لنا طائفة منهم. والحق أنّه لم يكن ذلك إلاَّ من الخوارج، وهم مَنْ هم؟ فهل الخوارج هم سلف ابن تيمية؟!.

ابن تيمية ينفي حديث المؤاخاة بين النبيّ (ص) وعليّ (ع)
قال ابن تيمية في منهاج السنة: «إنّ أحاديث المؤاخاة لعليٍّ كلها موضوعة، والنبي (ص) لمْ يؤاخِ أحداً، ولا آخى بين مهاجري ومهاجري، ولا بين أبي بكرٍ وعمر، ولا بين أنصاري وأنصاري، ولكن آخى بين المهاجرين والأنصار في أول قدومه المدينة»[120]. وقال في مجموع الفتاوى أيضاً: «وأمَّا قوله (مَنْ كنتُ مولاه فعليّ مولاه، اللهمَّ والِ من والاه) فهذا ليس في شيء من الأمهات، إلاَّ في الترمذي! وليس فيه إلاَّ «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه». وأمَّا الزيادة فليست في الحديث، وسئل عنها الإمام أحمد فقال: زيادة كوفية، ولا ريب أنّها كذب، ثم قال: وكذلك قوله: «اللهمَّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه» مخالف لأصل الإسلام. فإنَّ القرآن قد بيّن أنّالمؤمنين إخوة مع قتالهم، وبغي بعضهم على بعض. وقوله «من كنتُ مولاه فعليّ مولاه» فمن أهل الحديث من طعن فيه كالبخاري وغيره، ومنهم من حسَّنه»[121].
كذلك أكدَّ ابن تيمية في منهاجه هذا المعنى بقوله: «إنَّ هذا اللفظ وهو قوله (اللهمَّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله) كذب باتفاق أهل المعرفة بالحديث»[122]!.
أمَّا بالنسبة للمؤاخاة، فيكفي ما أخرجه البخاري[123] ومسلم[124] في صحيحيهما، وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص، قال: قال رسول الله (ص) لعليّ: (أنتَ مني بمنزلة هارون من موسى، إلاَّ أنّه لا نبيَّ بعدي). والدلالة واضحة. أمَّا حديث (من كنت مولاه فعليٌّ مولاه) فقول ابن تيمية فيه «فمن أهل الحديث من طعن فيه كالبخاري وغيره، ومنهم من حسَّنه». فيعدّ نوعاً من أنواع التدليس، فالبخاري طعن في رواية إسماعيل بن نشيط العامري، وسهم بن حصين الأسدي، وعثمان بن عاصم أبي حصين الأسدي، فأين بقية الروايات عن ثلاثين من الصحابة؟! كما قال العجلوني في كشف الخفاء[125]. وقال العجلوني أيضاً: الحديث متواتر أوْ مشهور. وقال الحافظ ابن حجر في الفتح: «وأمَّا حديث (مَن كنتُ مولاه فعليٌّ مولاه، فقد أخرجه الترمذي والنسائي، وهو كثير الطرق جداً، وقد استوعبها ابن عقدة في كتاب المفرد، وكثير من أسانيدها صِحاحٌ وحِسان. وانظر إلى جملة ابن تيمية كالبخاري وغيره؛ تعلم مدى الأسلوب النفسي الذي يتبعه ابن تيمية مع العوام والغوغاء! وأمَّا قوله «ومنهم من حسَّنه» تدليس شديد وتمويه، فهو يوحي بأنّ العلماء لمْ يصححوه، وأنه ينزل درجةً عن الحسن إنْ اعترفوا به!»[126].
 ولا ندري لماذا لم يحترم ابن تيمية إمامه -المفترض- أحمد بن حنبل تجاه حكمه على هذه الأحاديث، بدلاً من تكذيب أحاديث النبيّ (ص)؟! فقد ورد في كتاب السنَّة للخلاَّل أنّ أبا بكر المروزيّ سأل أحمد بن حنبل عن قول النبيّ لعليّ: (أنت مني بمنزلة هارون من موسى) إيش تفسيره؟ قال: «اسكت عن هذا، لا تسأل عن ذا، الخبر كما جاء»! وأنّ أبا طالب سأل أحمد بن حنبل عن قول النبيّ (ص) لعليّ: (مَنْ كنتُ مولاه فعليّ مولاه) ما وجهه؟ قال أحمد: «لا تكلَّم في هذا، دعْ الحديث كما جاء»[127]!.
ومما يدلّنا على تدليس وتغرير ابن تيمية، قوله: «ليس في شيء من الأمهات إلاَّ في الترمذي». فقد رأينا أنَّ الحديث مرويّ عند أحمد والنسائي وابن ماجة وغيرهم عن عدة من الصحابة!.
 وأمَّا قوله «إنّ الزيادة كذب، وقول ابن تيمية أيضاً كذبٌ باتفاق أهل المعرفة بالحديث» -يعني قوله (ص) (اللهمَّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله).
 يقول الدكتور صبيح: إنّ هذا هو أحد كذبات وتهويلات ابن تيمية! فمن أين نقل هذا الاتفاق؟ وهل من صححه ممن أخرجه ورواه مثل ابن حِبَّان، والحاكم، والضياء المقدسي، وغيرهم، ممن ولِد ومات قبل ابن تيمية بقرون عدّة ليسوا من أهل المعرفة بالحديث، وابن تيمية -وحده فقط- هو أهل المعرفة بالحديث والعلم؟! أمَّا لفظ (اللهمَّ والِ من والاه وعادِ من عاداه) فقد أخرجه أحمد (1/118، 119، 152)، والنسائي (5/132 ، 134، 136، 154)، وابن أبي شيبة (6/ 366، 368)، وابن حِبَّان (15/ 376)، والطبراني في الصغير (1/119) والبزار (2/133، 235)، (3/35)، والضياء في المختارة (2/105، 106) عن عليّ بن أبي طالب. وأحمد (4/281، 368، 370، 372)، (5/370)، والنسائي (5/45) والطبراني في الكبير (5/166) والحاكم (3/118) وابن أبي عاصم في السنة (2/566) عن زيد بن أرقم. وأحمد (4/218) وابن أبي شيبة (6/372) عن البراء. والطبراني في الكبير (3/180) عن حذيفة بن أُسيْد الغفاري. وأبو يعلى (11/307) والطبراني في الأوسط (2/24) عن أبي هريرة. والنسائي (5/135) وابن ماجة (1/45) والحاكم (3/126) عن سعد. والبزار (3/171) والحاكم (3/419) عن طلحة بن عبيْد الله.

السـؤال: أكلُّ هؤلاء رووا كذباً على النبيّ (ص)؟!.
 أمَّا مَن أخرج زيادة (عادِ مَن عاداه، وانصر مَن نصره، واخذل مَن خذله) فهم: الإمام أحمد (1/84، 119) والبزار (3/30) وصحح الضياء المقدسي هذه الرواية (2/74) والهيثمي.
وأمَّا قول ابن تيمية «وكذلك قوله (اللهمَّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه) مخالفٌ لأصل الإسلام»! فيدل على مدى ما في نفسية ابن تيمية تجاه الإمام عليّ -رضوان الله عليه!.
ونسأل ابن تيمية: ما هو هذا الأصل من أصول الإسلام الذي خالفه قول النبيّ (ص) (اللهمَّ والِ من والاه، وعادِ من عاداه) هل هو الصلاة أم الزكاة أم الحج؟!.
من أسف؛ إنَّ كلام ابن تيمية هذا يفتح الباب على مصراعيه للزنادقة، فكلما لا يروق له حديث ثابت عن رسول الله (ص)؛ فإنّه يقول: هذا الحديث مخالِف لأصل الإسلام!.
وننقل هنا كلام الحافظ ابن حجر في فتح الباري:  حيث قال: «وأنكر ابن تيمية في كتاب الرد على ابن المطهّر الحلِّي المؤاخاة بين المهاجرين، وخصوصاً مؤاخاة النبيّ (ص) لعليّ، قال: لأنَّ المؤاخاة شُرِعتْ لإرفاق بعضهم بعضاً، ولتأليف قلوب بعضهم على بعض، فلا معنى لمؤاخاة النبيّ لأحدٍ منهم، ولا لمؤاخاة مهاجريّ، وهذا ردٌّ للنص بالقياس، وإغفال عن حكمة المؤاخاة؛ لأنّ بعض المهاجرين كان أقوى من بعض بالمال والعشيرة والقوى، فآخى الرسول بين الأعلى والأدنى؛ ليرتفق الأدنى بالأعلى، ويستعين الأعلى بالأدنى، وبهذا تظهر مؤاخاته (ص) لعليّ؛ لأنّه هو الذي كان يقوم به -عليّ- من عهد الصِّبا من قبل البعثة، واستمر، وكذا مؤاخاة حمزة وزيد بن حارثة؛ لأنَّ زيداً مولاهم، فقد ثبت أخوتهما وهما من المهاجرين. وسيأتي في عُمرة القضاء قول زيد بن حارثة: إنّ بنت حمزة بنت أخي»[128]!.
 كما أخرج الحاكم، وابن عبد البر عن أبي الشعساء عن ابن عباس: آخى النبيّ (ص) بين الزبير وابن مسعود، وهما من المهاجرين. كما أخرجه أيضاً الضياء في المختارة من المعجم الكبير للطبراني، مع العلم أنّ ابن تيمية أقرَّ بأنّ أحاديث المختارة أصح وأقوى من أحاديث المستدرَك!.
قال ابن تيمية في منهاجه: «من اعتقد في بعض الصحابة اعتقاداً غير مطابق، وظنَّ فيه أنّه كان كافراً، أوْ فاسقاً، فأبغضه لذلك كان جاهلاً ظالماً. ولم يكن منافقاً، وهذا مما يبيَّنُ به ما يُروى عن بعض الصحابة كجابر أنّه قال: «ما كنا نعرف المنافقين على عهد النبيّ إلاَّ ببغضهم عليّ بن أبي طالب، فإنَّ الله -عزَّ وجل- قد ذكر في سورة التوبة وغيرها من علامات المنافقين وصفاتهم أموراً متعددة، ليس في شيء منها بغض عليّ، كقوله تعالى (ومنهم من يقول ائذنْ لي ولا تفتني، ألاَ في الفتنة سقطوا)»[129].
 يبدو أنَّ ابن تيمية نسيَ ما أخرجه مسلم عن زِر، قال: قال عليّ: والذي فلق الحبة وبرأ النسمة، إنّه لعهد النبيّ الأمي (ص) إليَّ: ألاَّ يحبني إلاَّ مؤمن ولا يبغضني إلاَّ منافق». أخرجه أحمد والترمذي والنسائي وابن ماجة وابن حبان وابن أبي شيبة وابن أبي عاصم وابن عبد البر. كما روى طائفة من الصحابة أنّ رسول الله (ص) قال لعليّ (لا يحبك إلاَّ مؤمن ولا يبغضك إلاَّ منافق).

(الخطيئـــة العاشـــرة)
تزوير ابن تيمية لحقائق التاريخ
جاء في كتاب (التوفيق الرباني في الرد على ابن تيمية الحراني): تحت عنوان «افتراء «ابن تيمية» على الإمام علي (ع) ما يأتي: قال الحافظ بن حجر في (الدرر الكامنة): «ابن تيمية خطَّأ أمير المؤمنين عليّ -كرَّم اللهُ وجهه- في سبعة عشر موضعاً خالف نص الكتاب، وإنَّ العلماء نسبوه إلى النفاق لقوله هذا في عليّ كرم الله وجهه، ولقوله أيضاً فيه إنّه كان مخذولاً، وإنّه قاتل للرياسة لا للديانة، فمن شاء فليراجع قول ابن حجر في الدرر الكامنة[130]. وقد ذكر ابن تيمية في حق عليّ في كتابه منهاج السنَّة، ما نصه: «وليس علينا أن نبايع عاجزاً عن العدل علينا ولا تاركاً له، فأئمة السنَّة يُسلِّمون أنّه ما كان القتال مأموراً به لا واجباً ولا مستحباً»[131]. وذكر في نفس  الكتاب بعد كلام، ما نصّه: «فلا رأي أعظم ذماً مِن رأيٍ أُريقَ به دم ألوف مؤلفة من المسلمين، ولم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين لا في دينهم ولا في دنياهم، بل نقص الخير كما كان وزاد الشر على ما كان...»[132]‍. قوله: (إنه ما كان القتال مأموراً به لا واجباً ولا مستحبا) هذا غير صحيح، وهو مخالف لِمَا رواه النسائي بالإسناد الصحيح في الخصائص عن عليّ -رضي الله عنه- أنه قال: (أمرتُ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين)، فالناكثين هم الذين قاتلوه في وقعة الجمل، والقاسطين هم الذين قاتلوه في صفين، والمارقين وهم الخوارج، وهذا الحديث ليس في إسناده كذاب ولا فاسق كما زعم ابن تيمية. ثم إنَّ علياً خليفة راشد واجب الطاعة على المؤمنين؛ لقوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَطِيعُواْ ٱللَّهَ وَأَطِيعُواْ ٱلرَّسُولَ وَأُوْلِي ٱلۡأَمۡرِ مِنكُمۡۖ﴾. وقد ذكر الإمام أبو القاسم الرافعي -محرّر المذهب الشافعي-: «وثبت أنّ أهل الجمل وصفين والنهروان بغاة». وقد أثبتها الحافظ ابن حجر في (تلخيص الحبير) فقال بعد إيرادها: هو كما قال. ويدل عليه: أمرتُ بقتال الناكثين والقاسطين والمارقين. رواه النسائي في الخصائص والبزار والطبراني. والقاسطين أهل الشام؛ لأنّهم جاروا عن الحق في عدم مبايعته. ومثله ذكر الحافظ في الفتح[133]، وقد ثبت أنّ من قاتل علياً كانوا بغاة. وأما قوله: (إنّه لم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين لا في دينهم ولا في دنياهم) فهو باطل، فقد روى الحاكم في المستدرك، وابن حبان في صحيحه، والنسائي في الخصائص: أنّ الرسول (ص) قال: «إن منكم مَن يقاتل على تأويل القرآن كما قاتلتُ على تنزيله» فقال أبو بكر: أنا يا رسول الله؟ قال: لا، قال عمر: أنا يا رسول الله؟ قال: لا، ولكنه خاصف النعل (وكان عليّ يخصف النعل). فالرسول زكَّى قتال عليٍّ في جميع الوقائع، ومن قاتله كان عاصياً، ويؤيّد هذا الحديث الذي رواه. أنّ النبيّ (ص) قال للزبير: «إنّك لتقاتلنه وأنت ظالم له»، فالزبير -مع جلالة قدره- ظلم ولكنه ندم ورجع. ثم يرد قوله هذا الحديث المتواتر الذي رواه البخاري: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم للجنَّة ويدعونه إلى النار». فعمَّار الذي كان في جيش عليّ كان داعياً إلى الجنة بقتاله مع علي، فعلي داع إلى الجنة بطريق الأولى، وعمَّار ما نال هذا الفضل إلاَّ بكونه مع علي، فهو وجيشه دعاة إلى الجنة ومقاتلوهم دعاة إلى النار، فلو لم يكن إلاَّ حديث البخاري لكفى في تكذيب ابن تيمية. فكيف يقول: «إنَّ القتال لا واجباً ولا مستحباً»، والرسولe زكَّى قتال عليّ في جميع الوقائع، وكيف يقول «إنه لم يحصل بقتلهم مصلحة للمسلمين لا في دينهم ولا في دنياهم»، وعليّ كان داعياً إلى الجنة، ومن قاتل معه فله أجر ومن خالفه فهو باغٍ ظالم.
فائدة في الثناء على علي في حروبه الثلاثة: ذكر في كتاب الفرق بين الفرق،مانصه: «وقالوا بإمامة علي في وقته، وقالوا بتصويب عليّ في حروبه بالبصرة وبصفين وبنهروان. وقالوا بأنَّ طلحة والزبير تابا ورجعا عن قتال علي، لكن الزبير قتله عمرو بن جرموز بوادي السباع بعد منصرفه من الحرب، وطلحة لمَّا هَمَّ بالانصراف رماه مروان بن الحكم -وكان مع أصحاب الجمل- بسهمٍ فقتله. وقالوا: إنَّ عائشة -رضي الله عنها- قصدت الإصلاح بين الفريقيْن فغلبها بنو ضبة والأزد على رأيها، وقاتلوا علياً دون إذنها حتى كان من الأمر ما كان[134].
 فائدة: «ويح عمار تقتله الفئة الباغية»: قال القاضي في (شرح المصابيح) يريد به معاوية وقومه. وهذا صريح في نفي طائفة معاوية الذين قتلوا عمار -رضي الله عنه- في وقعة صِفِّين، وإنَّ الحق مع عليّ -رضي الله عنه- وهو من الإخبار بالمغيبات، يدعوهم أيْ: عمار -رضي الله عنه- يدعو الفئة وهم أصحاب معاوية الذين قتلوا بوقعة صفين في الزمان المستقبل إلى الجنة، أيْ: إلى سببها وهو طاعة الإمام الحق، ويدعونه إلى سبب النار ومقاتلته. قالوا وقد وقع ذلك في يوم صِفِّين دعاهم فيه إلى الإمام الحق ودعوه إلى النار وقتلوه، فهو معجزة للمصطفى (ص) وعِلْم من إعلام نبوته. وأمَّا قول بعضهم المراد أهل مكة الذين عذّبوه أول الإسلام فقد تعقّبوه بالرد، قال القرطبي رحمه الله: وهذا الحديث مِن أثبت الأحاديث وأصحّها، ولمَّا لم يقدِر معاوية على إنكاره، قال: إنّما قتله مَن أخرجه، فأجابه عليّ -كرم الله وجهه- بأنَّ رسول الله إذن قتل حمزة حين أخرجه. قال ابن دحية وهذا مِن عليّ إلزام مُفحِم لا جواب عنه، وحجَّة لا اعتراض عليها.
وقال الإمام عبد القاهر الجرجاني في كتاب (الإمامة): أجمع علماءُ الحجاز والعراق من فريقي الحديث والرأي، منهم: مالك والشافعي وأبو حنيفة والأوزاعي والجمهور الأعظم من المتكلّمين والمسلمين أنَّ علياً -كرم الله وجهه- مصيب في قتاله لأهل صِفِّين، كما هو مُصيب في أهل الجمل، وأنَّ الذين قاتلوه بغاة ظالمون له، لكن لا يكفرون ببغيهم.
وقال الإمام أبو منصور في كتاب (الفرق في بيان عقيدة أهل السنَّة): أجمعوا أنَّ علياً -كرم الله وجهه- كان مصيباً في قتال أهل الجمل طلحة والزبير وعائشة بالبصرة، وأهل صفين. وقد روى البيهقي  بالإسناد المتصل إلى عمار بن ياسر، قال: «لا تقولوا كَفَر أهل الشام، ولكن قولوا فسقوا أو ظلموا»[135]. وكذا رواه ابن أبي شيبة في مصنفه[136] بروايات. وفي إحداها: ولكنهم قوم مفتونون جاروا عن الحق، فحقَّ علينا أن نقاتلهم حتى يرجعوا إليه.
تنبيــه: ليس مِن سب الصحابة القول: إنَّ مقاتلي عليّ منهم بغاة؛ لأنّ هذا مما صرَّح به الحديث بالنسبة لبعضهم وهم أهل صفين، وقد روى البيهقي في كتاب (الاعتقاد) بإسناده المتصل إلى محمد بن إسحاق وهو ابن خزيمة قال: «... وكل من نازع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب في إمارته فهو باغ، على هذا عهدتُ مشايخنا. وبه قال الشافعي -رحمه الله-. فلا يعد ذِكْر ما جاء في حديث البخاري سباً للصحابة إلاَّ ممن بعُد عن التحقيق العلمي فليتفطن لذلك.
ثم هل نترك كلام عمَّار الذي ورد أنَّ «الجنة تشتاق إليه»، ونتبع كلام زائغ جاهل؟.
 وأمَّا من يعارض هذا الحديث المتواتر بمثل ما رويَ أنّه (ص) قال: «إذا ذُكِر أصحابي فأمسكوا» فهو بعيد من التحقيق بعداً كبيراً؛ لأنّ هذا لم يثبت، فكيف يحتج به في معارضة حديث ثابت متواتر فقد روى حديث «ويح عمار» أربعة وعشرون صحابياً. ومرادنا من هذا الكلام تبين أنَّ علياً هو الخليفة الواجب الطاعة، وأنّ مخالفيه بغاة، فكيف يقول هذا السخيف أنّه ما كان القتال مأموراً به لا واجباً ولا مستحباً. وأنّه لم يحصل للمسلمين فيه مصلحة لا في دينهم ولا دنياهم. فهذا فيه مخالفة للأحاديث التي أوردناها، أليس هذا ذماً بعلي. وراجع كلام ابن تيمية في منهاجه، يقول فيها: «وعلي رضي الله تعالى عنه كان عاجزاً عن قهر الظلمة من العسكرين، ولم تكن أعوانه يوافقونه على ما يأمر به، وأعوان معاوية يوافقونه، وكان يرى أنّ القتال يحصل به المطلوب فما حصل به إلا ضد المطلوب... إلى أن قال: فأئمة السنَّة يعلمون أنّه ما كان القتال مأموراً به لا واجباً ولا مستحباً ولكن يعذرون من اجتهد فأخطأ»[137].ويقول أيضاً: «فإن قال الذاب عن علي: هؤلاء الذين قاتلهم عليّ كانوا بغاة فقد ثبت في الصحيح أنّ النبيّ (ص) قال لعمار رضي الله عنه (تقتلك الفئة الباغية) وهم قتلوا عماراً فههنا للناس أقوال: منهم من قدح في حديث عمار، ومنهم من تأوَّله على أنّ الباغي الطالب وهو تأويل ضعيف، وأما السلف والأئمة فيقول أكثرهم كأبي حنيفة ومالك وأحمد وغيرهم لم يوجد شرط قتال الطائفة الباغية»[138].
 أقول: السؤال في هذا الكلام صحيح منطبق على مذهب أهل الحق، أمَّا جوابه -أيْ: ابن تيمية- عنه فههنا للناس أقوال إلى آخره فاسد وكذب، فهل يُسمِّي لنا القادحين في حديث عمار؟.
 أخيـــراً: هذا قليل من كثير، وغيض من فيض؛ من أخطاء ابن تيمية وخطاياه؛ والتي مازال علوج السلفية ينافحون عنها، ويتعبّدون بها، ويعتبرونها شرعاً حنيفاً جاء به ابن تيمية من السماء!.

--------------------------------------
[1]  ابن تيمية، الموافقة، ج2، ص75.
[2]  م.ن، ج1، ص64.
[3]  ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج1، ص224.
[4]  الجلال الدواني، شرح العضدية.
[5]  محمد ناصر الدين الألباني، كتاب الردود، ص384.
[6]  ابن حجر، فتح الباري، ج13، ص410.
[7]  ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج9، ص281.
[8]  يوسف الدجوي، نقد تقسيم التوحيد إلى ألوهية وربوبية.
[9]  يوسف الدجوي، نقد تقسيم التوحيد إلى ألوهية وربوبية.
[10]  م.ن.
[11]  راجع: ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج18، ص319.
[12]  الترمذي، الشمائل المحمدية، ح380.
[13]  أحمد بن حنبل، مسند أحمد بن حنبل، مسند العشرة المبشرين بالجنة، ح20.
[14]  راجع: ابن تيمية، المنهاج، ج4، ص243-244.
[15]  مسلم النيسابوري، صحيح مسلم، ج2، ص52.
[16]  الطبراني، المعجم الكبير، ج20، ص365.
[17]  راجع: محمود صبيح، أخطاء ابن تيمية في حق النبي وآله.
[18]  ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج18، ص319.
[19]  الطبراني، المعجم الأوسط، ح2609.
[20]  سورة الكهف، الآية 95.
[21]  ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج4، ص244.
[22]  ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج4، ص257-258.
[23]  ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج4، ص244-246.
[24]  سورة التوبة، الآية 58.
[25]  ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج8، ص28.
[26]  ابن تيمية، دقائق التفسير، ج2، ص48.
[27]  ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج4، ص303-304.
[28]  الصنعاني، إبطال أدلة فناء النار، ص111.
[29]  م.ن، ص112.
[30]  الرد على من قال بفناء الجنة والنار، ص61-62.
[31]  سورة التوبة، الآية 120.
[32]  سورة آل عمران، الآية 141.
[33]  سورة النساء، الآية 147.
[34]  سورة غافر، الآية 7.
[35]  سورة الحجر، الآيتان 49-50.
[36]  سورة النساء، الآية 93.
[37]  سورة البقرة، الآية 167.
[38]  سورة الحجؤ، الآية 48.
[39]  سورة فاطر، الآية 36.
[40] سورة البقرة، الآية39.
[41] سورة البقرة، الآية81.
[42] سورة البقرة، الآية162.
[43] سورة البقرة، الآية217.
[44] سورة البقرة، الآية257.
[45] سورة آل عمران، الآية116.
[46] سورة النساء، الآية14.
[47] سورة النساء، الآية93.
[48] سورة الأعراف، الآية36.
[49] سورة التوبة، الآية63.
[50] سورة التوبة، الآية68.
[51] سورة يونس، الآية27.
[52] سورة الرعد، الآية5.
[53] سورة النحل، الآية29.
[54] سورة الأنبياء، الآية99.
[55] سورة المؤمنون، الآية103.
[56] سورة السجدة، الآية14.
[57] سورة الفرقان، الآية69.
[58] سورة الأحزاب، الآيتان64-65.
[59] سورة الزمر، الآية72.
[60] سورة فصلت، الآية28.
[61] سورة الزخرف، الآية74.
[62] سورة محمد، الآية15.
[63] سورة المجادلة، الآية17.
[64] سورة الحشر، الآية17.
[65] سورة التغابن، الآية10.
[66] سورة الجن، الآية23.
[67] سورة البينة، الآية6.
[68] سورة البقرة، الآية86.
[69] سورة البقرة، الآية167.
[70] سورة النساء، الآية121.
[71] سورة المائدة، الآية37.
[72] سورة هود، الآية8.
[73] سورة الجاثية، الآية35.
[74] سورة فاطر، الآية36.
[75] سورة الجاثية، الآية35.
[76] سورة الشورى، الآية45.
[77] سورة الأعلى، الآية13.
[78] سورة البقرة، الآية79.
[79] سورة النساء، الآية46.
[80] سورة المائدة، الآية41.
[81] تاريخ نقد العهد القديم.
[82] دائرة المعارف العالمية، ص572.
[83] كتاب محمَّد مُشتهَى الأمم.
[84] عباس العقاد، فلسفة الغزالي.
[85] سورة العنكبوت، الآية20.
[86] سورة غافر، الآية82.
[87] سورة الروم، الآية22.
[88] سورة الرعد، الآية3.
[89] سورة الزمر، الآية9.
[90] سورة الجاثية، الآية13.
[91] سورة الملك، الآية15.
[92] سورة العنكبوت، الآيتان19-20.
[93] سورة يونس، الآية101.
[94] سورة الذاريات، الآيتان20-21.
[95] سورة ق، الآيات6-8.
[96] سورة فصلت، الآية53.
[97] سورة آل عمران، الآيتان191-192.
[98] سورة يوسف، الآية105.
[99] سورة فاطر، الآيتان27-28.
[100] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج29، ص373-374.
[101] ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، ج5، ص314-315-319.
[102] محمد الغزالي، سِر تخلف العرب والمسلمين.
[103] سورة الكهف، الآية109.
[104] ابن حجر، فتح الباري، ج7، ص271.
[105] أخطاء ابن تيمية في حق رسول الله وأهل بيته.
[106] ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج4، ص41.
[107] ابن تيمية، الجواب الصحيح، ج6، ص153.
[108] ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج4، ص105.
[109] م.ن، ج6، ص156-157.
[110] م.ن، ج4، ص117.
[111] م.ن، ج4، ص161-162.
[112] م.ن، ج6، ص48.
[113] م.ن، ج7، ص454.
[114] م.ن، ج8، ص231-233.
[115] ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج8، ص241-243.
[116] البخاري، صحيح البخاري، ج1، 172؛ ج3، ص1035.
[117] ابن حجر، الإصابة، ج4، ص566.
[118] الطبراني، المعجم الكبير، ج24، ص9.
[119] ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج7، ص138.
[120] ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج7، ص359-361.
[121] ابن تيمية، مجموع الفتاوى، ج4، ص417-418.
[122] ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج7، ص55.
[123] راجع: البخاري، صحيح البخاري، ج3، ص1359؛ ج4، ص1602.
[124] راجع: مسلم، صحيح مسلم، ج4، ص1870-1871.
[125] راجع: العجلوني، كشف الخفاء، ج2، ص361.
[126] ابن حجر، فتح الباري، ج4، ص74.
[127] الخلّال، السنة، ج2، ص347-348.
[128] ابن حجر، فتح الباري، ج7، ص271.
[129] ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج7، ص149.
[130] ابن حجر، الدرر الكامنة، ج1، ص114.
[131] ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج2، ص203.
[132] م.ن، ج3، ص156.
[133] راجع: ابن حجر، فتح الباري، ج13، ص57.
[134] عبد القاهر البغدادي، الفرق بين الفرق، ص350-351.
[135] البيهقي، السنن الكبرى، ج8، ص174.
[136] ابن أبي شيبة، المصنف، ج15، ص290.
[137] ابن تيمية، منهاج السنة النبوية، ج2، ص202.
[138] م.ن، ج2، ص204.