البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

المساق الحسيني: إمته الأخلاقية والسياسية في مجاهدة «النسيء» و«التجبر» وسوقه في البحث عن حلف فضول

الباحث :  د. نعمان المغربي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  19
السنة :  شهر محرم 1441هـ / 2019م
تاريخ إضافة البحث :  November / 13 / 2019
عدد زيارات البحث :  611
تحميل  ( 723.982 KB )
«الإسلام محمّدي الوجود علوي الصمود، حَسنيَّ - حُسينيُ البقاء»

﴿قُلۡ إِن كُنتُمۡ تُحِبُّونَ ٱللَّهَ فَٱتَّبِعُونِي يُحۡبِبۡكُمُ ٱللَّهُ﴾
(سورة آل عمران، الآية31)

ما الإضافة في الدراسة الحسينية؟
إن الدراسات عن سيدنا الحسين (ع) كثيرة، سواء في سيرته أو بلاغته الدعائية أو الشعرية، وسواء أكانت من مسلمين أوغير مسلمين. فماذا يمكن أن يضيف رجل غارق في الذنوب، صادِفٌ عن صراط إمامه الحسين؟.
ينبغي أن نقرّ، بَدْءًا، أنّ الحسين (ع) كَوْنٌ واسع جدًّا، وأنه محاط من العطايا الإلهية ﴿وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا﴾[1]، لا تنقضي عجائبه، فبإمكان كل غوّاص -في كل عصر- أن ينال منه الكَوْثَرَ.
ويمكننا هنا، أن نحاول المشاركة في صنع بعض جدة في تناول الكوثر الحسيني. فما زال خطابه لَمْ يُدْرس علميًا بعدُ (سواء خطابه الدُّعَائي، أو السياسي، أو العشقي، أو الشعري أو النثري)، وما زال فكره الأخلاقي لم تُقاربه  فلسفةُ الأخلاق؛ وما زالت أطروحته السياسية والمعاشية، وسَوْقُهُ[2] التاريخي، وأسلوبه في البناء العائلي والتربية، لم تُقارب بَعْدُ، بمقاربة منهجية علمية.
إنّها محاولة لاقتراح حقول حسينية لم يُفكَّرْ فيها أو ممنوع التفكير فيها أو بإمكانها توسيع دائرة فهم المسعى الحسيني والسَّوْق الحسيني والإِمَّة الحسينية[3]. لا أدَّعي هنا إحَاطة، وإنما خطوط تفكير جديدة، لعلها أعْمق، نجملها في الآتي:
1- الجغرافيا الدينية للقرآن الكريم وموقع الشام فيها.
2- سيطرة مشركي النصارى على شام الأمويين و﴿أَدْنَى الأَرْض﴾.
3- الخطاب الحسيني استمرارٌ للخطاب المحمدي والعَلَوي والحَسَني.
4- دعاء الإمام الحسيْن بن علي (ع): (دعاء عرفات) مثالاً.
5- أعمدة مسْعى الإصلاح الإنساني الحَسني- الحسيني.

1. الجغرافيا الدينية للقرآن الكريم وموقع الشام فيها:
تتوزِّع الجغرافيا الدينية للقرآن الكريم بين مكة والمدينة واليمن (بلقيس وسبأ، وهود والأحقاف،...) وبلاد الروم (سورة الروم، وسورة التوبة) مع إشارة ضمنية للبلاد الإيرانية (سورة الروم، وسورة التوبة، وسورة محمد...). وقد كان ضمنها بلاد الشام، وكذلك العراق (محطة من محطات إبراهيم، ويونس، وأيوب...).
تقدِّم سورة التوبة بآياتها من 29 إلى 35، تحذيرًا شديدًا من الروم وأعوانهم من رجال الدين المزِّيفين، المؤيّدين للطاغوت، والقبائل العربية المستزلمة للروم: ﴿ ٱتَّخَذُوٓاْ أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ وَٱلۡمَسِيحَ ٱبۡنَ مَرۡيَمَ وَمَآ أُمِرُوٓاْ إِلَّا لِيَعۡبُدُوٓاْ إِلَٰهٗا وَٰحِدٗاۖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۚ سُبۡحَٰنَهُۥ عَمَّا يُشۡرِكُونَ ٣١ يُرِيدُونَ أَن يُطۡفِ‍ُٔواْ نُورَ ٱللَّهِ بِأَفۡوَٰهِهِمۡ وَيَأۡبَى ٱللَّهُ إِلَّآ أَن يُتِمَّ نُورَهُۥ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡكَٰفِرُونَ ٣٢ هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ ٣٣ ۞يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ ٣٤ يَوۡمَ يُحۡمَىٰ عَلَيۡهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكۡوَىٰ بِهَا جِبَاهُهُمۡ وَجُنُوبُهُمۡ وَظُهُورُهُمۡۖ هَٰذَا مَا كَنَزۡتُمۡ لِأَنفُسِكُمۡ فَذُوقُواْ مَا كُنتُمۡ تَكۡنِزُونَ ٣٥﴾.
 كان القرآن الكريم يعتبر طويلًا أن أقرب الناس مودة للذين آمنوا ﴿ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّا نَصَٰرَىٰۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنۡهُمۡ قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا وَأَنَّهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٨٢ وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى ٱلرَّسُولِ تَرَىٰٓ أَعۡيُنَهُمۡ تَفِيضُ مِنَ ٱلدَّمۡعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ ٱلۡحَقِّۖ يَقُولُونَ رَبَّنَآ ءَامَنَّا فَٱكۡتُبۡنَا مَعَ ٱلشَّٰهِدِينَ ٨٣ وَمَا لَنَا لَا نُؤۡمِنُ بِٱللَّهِ وَمَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡحَقِّ وَنَطۡمَعُ أَن يُدۡخِلَنَا رَبُّنَا مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلصَّٰلِحِينَ ٨٤ فَأَثَٰبَهُمُ ٱللَّهُ بِمَا قَالُواْ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ وَذَٰلِكَ جَزَآءُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٨٥﴾[4].
ومن هؤلاء دولة الحبشة التي أوصى بها رسول الله خيرًا وحرّم على أصحابه فتحها وصلَّى على نجاشيّها المعاصِرِ له، الذي أجار بعض أصحابه. ولم يكن يطالب نصارى الدولة الإسلامية  سوى بالخراج، إذ إنّ الجزية هي عِقاب لكل دولة هدَّدت دولة المسلمين.
أما المقصودون من طائفة النصارى في سورة التوبة فهم «المستكبرون» المُدَّعُونَ لمثال المسيح مغالطةً؛ وهم ليسوا «مؤمنين بالله» (كما حددتهم سورة المائدة، الآية 18)، بل هم الذين ﴿يُضَٰهِ‍ُٔونَ﴾ (التوبة، 30) ﴿قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَبۡلُۚ﴾ وهم الرومان (بفكرة الثالوث، وفكرة خدمة الدين للسلطة، مع قسطنطين الأكبر، وفكرة جعل المَلِكَ ظل الله). فهم الذين ﴿يُشۡرِكُونَ﴾ (التوبة، 31) أي يجمعون الله تعالى مع القيصر والكنز. فقسيسوهم ليسوا ﴿قِسِّيسِينَ وَرُهۡبَانٗا﴾ (المائدة، 82) مع عظمة الإرسال (عدم التعريف)، بل هم متخِذون ﴿أَحۡبَارَهُمۡ وَرُهۡبَٰنَهُمۡ أَرۡبَابٗا مِّن دُونِ ٱللَّهِ﴾ (التوبة، 31).
وتحدد الآية 34 شركهم هذا بأنهم يأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله وأنهم يكنزون الذهب والفضة، وهي خطيئة لا تخصهم وحدهم: ﴿ يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡأَحۡبَارِ وَٱلرُّهۡبَانِ لَيَأۡكُلُونَ أَمۡوَٰلَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡبَٰطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۗ وَٱلَّذِينَ يَكۡنِزُونَ ٱلذَّهَبَ وَٱلۡفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ فَبَشِّرۡهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٖ﴾[5].
والآية تنبّه إلى أنّ الروم سواء في عهد هرقل (المعاصر لسورة التوبة) أو في عهود الإدارات الأمريكية المتعاقبة (وشعارها هو شعار روما القديمة) هو المسعى[6] المنهجي لإطفاء المَسْعى النوراني المحمدي في التاريخ بإرادة وتخطيط جِدِّي ﴿هُوَ ٱلَّذِيٓ أَرۡسَلَ رَسُولَهُۥ بِٱلۡهُدَىٰ وَدِينِ ٱلۡحَقِّ لِيُظۡهِرَهُۥ عَلَى ٱلدِّينِ كُلِّهِۦ وَلَوۡ كَرِهَ ٱلۡمُشۡرِكُونَ﴾[7]. فالولايات المتحدة الأمريكية بِمِلّتِهَا هي روما الحديثة.
لقد أعلن أبو ذَر حربه على «الكَنْز» من قلب الشام، إذ أحس بالتحالف المتقمِّص زورًا سيدَنَا المسيحَ الشاميَّ (ع) مع الكفر[8]  القرشي اعتمادًا على كنز متراكم منذ العهد العَدَوي. فلقد فَهِم (رضوان الله عليه) أنّ سورة التوبة تنبّه إلى أنّ عدم البراءة من مشركي النصارى (وليس مؤمنيهم) سيؤدي إلى التعاهد معهم، ومن ثم إلى مراكمة الكنز ذي مَسْعى إطفاءِ المسعى النوراني المحمدي. فالمطلوب هو ﴿وَقَٰتِلُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ كَآفَّةٗ كَمَا يُقَٰتِلُونَكُمۡ﴾[9]. فالمطلوب هو المقاتلة الانتحالية والنفسية والمَعَاشية لمشركي المسلمين (أي المنافقين والطغاة) ومشركي النصارى ومشركي اليهود ومشركي النصارى وغيرهم، بالتحالف مع مؤمنيهم «كَافَّةً». تقول سورة البقرة: ﴿وَدَّ كَثِيرٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يَرُدُّونَكُم مِّنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِكُمۡ كُفَّارًا حَسَدٗا مِّنۡ عِندِ أَنفُسِهِم مِّنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ ٱلۡحَقُّۖ﴾[10].
ومَقْطع سورة التوبة نفسه، ينبّه إلى أنّ عَدُوَّ البراءة (أي تحالف مشركي المسلمين ومشركي النصارى) سيؤدي إلى ظلم ﴿ٱلشُّهُورِ ﴾ (التوبة، 36). و«الشهر» (جمع شهور وليس «أَشْهر») هو العالِم (بكسر اللام).
تحدِّد سورة التوبة عدد «الشهور»، وهم العلماء بالأصالة، لا العلماء بالبيعة (أي الذين يأخذون علمهم من العلماء بالأصالة) باثني عشر: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ﴾[11]، فالله تعالى لم يَخْلُق العالَم إلا من أجل الإنسان الكامل، وأهم تجلياته اثنا عشر. ومَنْ هُم «حُرُمٌ»، أي الأعظم في تلك «الشهورِ» «أَرْبَعَةٌ»: ﴿إِنَّ عِدَّةَ ٱلشُّهُورِ عِندَ ٱللَّهِ ٱثۡنَا عَشَرَ شَهۡرٗا فِي كِتَٰبِ ٱللَّهِ يَوۡمَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ مِنۡهَآ أَرۡبَعَةٌ حُرُمٞۚ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلۡقَيِّمُۚ﴾ فالدين القيم، لا يكون إلاّ بِهم. وهم أنفسنا، لأنهم أنفس الإنسان الكامل، محمد (ص): ﴿فَمَنۡ حَآجَّكَ فِيهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَكَ مِنَ ٱلۡعِلۡمِ فَقُلۡ تَعَالَوۡاْ نَدۡعُ أَبۡنَآءَنَا وَأَبۡنَآءَكُمۡ وَنِسَآءَنَا وَنِسَآءَكُمۡ وَأَنفُسَنَا وَأَنفُسَكُمۡ ثُمَّ نَبۡتَهِلۡ فَنَجۡعَل لَّعۡنَتَ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰذِبِينَ﴾[12]. وظلمنا هؤلاء الشهور هو ظلم لأنفسنا؛ لأنّهم غير قابلين للإضرار.
والآية 37 من سورة التوبة تنبّه إلى خطورة «النسيء»: ﴿إِنَّمَا ٱلنَّسِيٓءُ زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِ‍ُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّه ﴾، وهو تأخير حُرْمَة  شهر إلى آخر، أي إنّ الاعتداء على الشهر الأول (الإمام علي) سيؤدي إلى الاعتداء على الثاني (الإمام الحسن) فالاعتداء على الشهر الثالث (الإمام الحسن) فالشهر الرابع (الإمام زين العابدين)[13]. فلقد كان المأمول أنّ محافظة الأمة على الدورة الأولى من «الشهورِ» سيؤدي إلى ظهور الدين الإسلامي على الدين كله، ولكن من سوء الحظ كان تراكم النسيء. والنسيء هو ﴿زِيَادَةٞ فِي ٱلۡكُفۡرِۖ يُضَلُّ بِهِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يُحِلُّونَهُۥ عَامٗا وَيُحَرِّمُونَهُۥ عَامٗا لِّيُوَاطِ‍ُٔواْ عِدَّةَ مَا حَرَّمَ ٱللَّهُ﴾[14]. فهم سيواطئون الشهور الأربعة (ع). وهنا حق وعد الله تعالى على الشعب الأول الذي أنيطت به مسؤولية حمل الإسلام وحفظ شهوره إلى العالم؛ لتناط بشعوب أخرى لنجد في نهاية المقطع: ﴿إِلَّا تَنفِرُواْ يُعَذِّبۡكُمۡ عَذَابًا أَلِيمٗا وَيَسۡتَبۡدِلۡ قَوۡمًا﴾[15]. والسورة ترى أن النّسيءَ سيبدأ بالإخلال بالصحبة وبالحُزْن من تبعاتها: ﴿إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدۡ نَصَرَهُ ٱللَّهُ إِذۡ أَخۡرَجَهُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ثَانِيَ ٱثۡنَيۡنِ إِذۡ هُمَا فِي ٱلۡغَارِ إِذۡ يَقُولُ لِصَٰحِبِهِۦ لَا تَحۡزَنۡ إِنَّ ٱللَّهَ مَعَنَاۖ فَأَنزَلَ ٱللَّهُ سَكِينَتَهُۥ عَلَيۡهِ وَأَيَّدَهُۥ بِجُنُودٖ لَّمۡ تَرَوۡهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلسُّفۡلَىٰۗ وَكَلِمَةُ ٱللَّهِ هِيَ ٱلۡعُلۡيَاۗ وَٱللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾[16]. فإذا خذلتموه فلطالما نصرهُ الله وهو وحيدٌ. ولقَدْ أحْبَطَتْهُ الصحبة الحزينة، النادمة، ولكنَّ الله مَدَّهُ بالسكينة وبالجنود الخفية.

2. سيطرة مشركي النصارى على شام الأمويين و﴿أَدْنَى الأَرْض﴾:
كانت لأبي سفيان، وَمَنْ قَبْلَهُ من بني أمية زواجات وتصاهرات وتحالفات مع مشركي نصارى الشام، وليس مع مؤمنيهم. ولأبي سفيان زيارة مشهورة لهرقل وَثَّقَتْها المَسَانيد. وقد جاء بِفَرَمَانٍ يعيّنه فيه ملكًا على الحجاز، ولكنه وجد مكة متقسمة حول محمد (ص) إذ أعلن نبوته الخاتمة.
أوقف معاوية الزحف الإسلامي باتجاه بيزنطة منذ أن أخذ الولاية أخوه يزيد، عَمَليًّا، وذلك في عهد الخليفة عمر. وفي الأشهر الأولى من عهد الخليفة عثمان عقد اتفاقية موادعة وصداقة مع القيصر. وقد اجتهد في طرد مالك الأشتر[17] (الفاتح العسكري «لا السياسي» للشام ومصر)، وأبي ذرّ الغفاري (وهو الفاتح الحقيقي لرودس وقبرص) حتى لا يزعجا مسعاه التحالفي مع مشركي النصارى. وقد أوقف كل عملية أسلمة للشاميين، فلم يصبح المسلمون أكثرية بها إلا بوسائل عدة في العصر العباسي (عهد المتوكل) (الدعوة الحكيمة بالأرياف مواصلة لدعوة أبي ذر[18]، والإكراهُ كما حَصَلَ في حمص...).
لقد أصبح مشركو نصارى الشام (والقيصر مِنْ وَرَائهم طبعًا) متحكِّمين في القصر الملكي نفسه. فقد أقنع مروان الخليفة عثمان بأن يتزوج منهم: نائلة بنت الفرافصة الكَلْبِية. وكانت تعلم أنّ عليًا هو أهم رجل بعد رسول الله (ص) فأرسلت رسالة إلى معاوية تتهمه وعددًا من الصحابة بالتآمر لقتل الخليفة (محمد بن أبي بكر، عمار، طلحة بن عبيد الله، الزبير...)، وقالت له: «إنّ أهل مصر أسندوا أمرهم إلى علي»[19]. وأرسلت لمعاوية قميصًا لعثمان ملطخًا بالدماء وخصلة من شعره[20]. وقد كانت أم يزيد ميسون بنت بحدل الكلبية. وأخو ميسون (حَسَّان بن بحدل) مِنَ الذين جعلوا مروان ملكًا في مؤتمر الجابية، وكان معه بالمؤتمر عبيد الله بن زياد قاتل الحسين. وقد خنقت زوجة مَرْوَان الكلبية زوجَهَا لأسباب سياسية. ولقد كانت علاقات كلب التجارية بالروم ممتازة، وقد كانوا يوغلون في كل الحِمَى الرومي بالعالم[21]، فكانوا ينسِّقون مؤامراتهم ضد العالمَ الإسلامي مع خلفاء هرقل، عدو الرسول.

وقد كان بعض القادة العسكريين الشاميين في جيش معاوية مِنْ محاولي اغتيال الرسول أثناء تبوك.
وقد كان سرجون بن منصور مستشارًا لمعاوية فيزيد (وهو الذي شجعه وحرضه على قتل الحسين)، ثم معاوية بن يزيد، فمروان عبد الملك والوليد بن عبد الملك. وكان صاحب الشرطة وصاحب الحرس كلبيَّيْن في عهد يزيد[22]. وكان مستشار سليمانَ: «ابنُ بطريقٍ» من مشركي نصارى فلسطين[23]. وقد بقي لهرقل، عدو رسول الله وعَدوِّ سورةِ التوبة، مكانة عظيمة لدى الجهاز المِلِّيّ التابع للسلطة منذ العهد الأموي. فهو في خِطابِهِ «طيب» مع رسل رسول الله (ص) (رغم أنّه حاربه في مؤتة وتبوك وكاد له المكائد)، وقد أثنى ابن تيمية على هرقل في الرسالة القبرصية التي كتبها لملك قبرص الجرماني المحتمل: هنري الثاني.
وقد استبطن معاويةُ هرقْلَ والإدارةَ البيزنطية، وكان مدلول القضاء والقدر كما حدّدته ملة مشركي النصارى حاضرًا في تنصيبه يزيدًا، وفي ما يعتبره «انتصارًا» على علي والحسن L وأنصارهما في خطابهِ لهم. ولم يكن ببلاطه علماءُ الصحابة، بل كان معه شرحبيل بن الصلت الكِنْديّ وأبو مسلم الخولاني، وهما امتداد لرهبنة مشركي النصارى في اليمن. وقد قال شرحبيل مع شهود زور للدمشقيين: «إنّ عليًا قتل عثمان»، ودار بقميص نائلة من قرية شامية إلى أخرى. فالفراغ الديني كان هائلًا بالشام، فإذا كان الخليفة عمر بن الخطاب بَعَث عبد الرحمان بن ملجم[24] قارئًا بمصر فإنه لم يبعث أي قارئ للشام. أما أبو مسلم الخولاني فقد قال لمعاوية: «إنما أنت أجير استأجرك رب هذه الغنم لرعايتها، فإن أنت هنأت جرباها، وداويت مرضاها، وحبست أولاها على أخراها وفاك سيدها أجرك ، وإن أنت لم تهنأ جرباها ولم تداو مرضاها، ولم تحبس أولاها على أخراها عاقبك سيدها»[25].
لقد حاكى معاوية هرقل في كل شيء: في قداسة المَلِكِ، والانقلاب على صاحب السلطة الشرعي (القيصر فوقاس)، وتحويل الناس للملِك. وقد استفاد من استمرار ولايته المذهل في طوله (على عكس كل الولاة)، ومن الكنز المتراكم الذي حَوَّله إلى مال سياسي، ومِنْ أنّه يوجد في الشام أربعة جيوش بينما في العراق جيش واحد. وقد سمح عمر (فعثمان) ببقاء خراج الشام بها، مما جعل الكنز الأموي قوة «لا تقهر».
وإذا كانت دمشق مدينة قديمة، قابلة للتنظيم ومتجانسة؛ فإنّ الكوفة مدينة حادثة، متناقضة داخليًا ومتناقضة مع الأنماط خارجيًا (وكذلك البصرة)، وسكانها عسكريون تعوّدوا على الاغتنامية ولم يَهْجُرُوا التعصب القبلي. ولم يكن لعلي والحسن L أنصار سِوَى مِذْجح وبعض ربيعة وبعض همذان، وهم مِن الذين كانوا حواريين له كما كان واليًا على اليمن. وقد تربوا على ولاةٍ جُلُّهُم سيئون: إما «أغبياء» كأبي موسى الأشعري، أو فاسقون كالوليد بن عقبة بن أبي معيط. وكانت صلاة التراويح فرصة لخلق طبقة القراء، التي أصبحت في ما بعد طائفة الخوارج. بينما أصبحت ثغور الشام معسكرات تدريبِ نُخْبةٍ شُرْطيةٍ وجيش نخبة حسن التكوين؛ بينما بقيت الكوفة جيش قبائل، غير متجانس، وغير منضبط، ومُترجرج الولاء للدولة. لقد دمّر الجناح العَدَوي العراق السابقة، وصنعوا عِراقًا كثيرة النزوح، غير متناصحة، ولقد تطلب الأمر قرونًا لخلق عراق جديد ذي روح قومية واحدة.
وقد كان أهل البيت طائفة مغمورة، وجاءت الثورة على القصر الملكي العثماني فرصة ثمينة عَرَّف فيها علي (ع) بنفسه. ورغم أنّ الزمان لم يعد زمانه، كان ذكيًا وسَوْقيًا، إذ استطاع استغلال الفرصة ليُخْرِج مسعى أهل البيت الإنساني، متحكمًا في المساحة الزمنية الممكنة، بل لعله استطاع أن يمدد فيها. وقد كان الحسن (ع) يملك الحدس التاريخي نفسه إذ استطاع التحكم في المساحة الزمنية المتاحة لكي يمنع بني أمية من هدفهم الرئيس، وهو تحطيم الدين الإسلامي، مشغلًا إياهم بهدفهم الآخر وهو حب الرئاسة والتسلط.
لقد حاول الأمويون تغيير الدين، فهذا أنس بن مالك يدخل دمشق فيندهش قائلًا: «ما أعرف شيئًا مما كان على عهد رسول الله (ص)!». فقيل له: «الصلاة؟». قال: «أليس صنعتم فيها ما صنعتم!»[26]. وقد جاء عن الرسول (ص): «لينقضن الإسلام عروة  [بالنسيء]. فأوّلهنّ نقض الحكم، وآخرهن الصلاة». وذلك كتغيير تكبير النفل وتأخير خطبَة العيد. وقد بعث معاوية كعب الأحبار إلى القيصر لعقداتفاقية الموادعة والصداقة معه. ولقد انتقد محمد الباقر (ع) خضوع مِلَّة مسلمي الشام للشق الشِّرْكي في المَدْرسة الحَرّانية- الشامية: «ما أعظم فرية أهل الشام على الله عز وجل! يزعمون أنّ الله تبارك وتعالى حيث صعد إلى السماء وضع قدمه على صخرة بيت المقدس (...). إنّ الله تبارك وتعالى لا نظير له ولا شبيه. تعالى عن صفة الواصفين، وجلّ عن أوهام المتوهمين، واحتجبت عن أعين الناظرين. لا يزول مع الزائلين ولا يأفل مع الآفلين (...)»[27].
وهذه الفكرة التجسيمية نفسها كان يحملها كعب الأحبار، وبعد أن نشرها في المدينة المنوّرة، واصل في نشرها بدمشق، وقد امتدحه ابن تيمية والذهبي الذي اعتبره «من أوعية العلم»[28]، والممتدِحان من أعمدة الشام الشِّرْكية، وشِقِّ مدرسة حَرّان المتأثر بالتحريف الرومي- اليهودي؛ على عكس الشق الآخر في مدرسة حرَّان، وهو الشقّ الأصيل، وقد تأسّس بإبراهيم (ع)، ومن أهم أعمدته ابن شعبة الحَرّاني صاحب تحف العقول، وُصولاً إلى محمد سعيد رمضان البوطي وفتحي يكن ومحمد حسين فضل الله، وغيرهم.
وقد وجد عمرو بن العاص سفر الاشتراع في غنائم اليرموك، «وكان يتنبأ به ويستخدمه في أحاديثه[29]. وقد عاش كعب الأحبار في حمص (بعد اغتيال الخليفة عمر) في كنف معاوية.
وقد بقي بُغض أهل البيت متمكِّنًا في نفوس كثير من الشاميين بعد ألف شهر من لعنهم، ولولا إصرار أهل البيت على إعادة تَحْمِية الحِمَى الشاميّ جزئيًا، بل اختراق البلاط الأموي جزئيًا، لأصبحت الشام قلعة لمشركي النصارى وَالنَّصْب العربي (إقامة السيدة زينب، دخول محمد الباقر البلاط لصك العملة الإسلامية الأولى والاستقلال النقدي، إقامة بِلال مِنْ قَبْل، إقامة محيي الدين بن عربي، اختراق موسى بن نصير لقيادة الجيش بأمر من الإمام السّجّاد...). فتنازلُ الحسن (ع) كان مما يعني انفتاح الحمى الشامي على الاختراق الانتحالي لأهل البيت بعد انغلاقه، حتى لا يكون الإسلام الشامي إسلامًا منحرفًا مستقلًّا بالتمام.
وأهم الأمثلة على بقاء هذا البغض النّاصِبي الأموي هو ابن تيمية الحَرّاني، وريث مدرسة مشركي النصارى بالشام القائل: «الرافضة أبعدُ عن الدين، فهم أكثر الناس قبحًا. وكذلك الترك»، و«الرافضي كُلّما كَبُرَ عَظُم قبحه وأظهر شينهُ حتى يقوى شبهه بالخنزير، وربما مُسِخَ خنزيرًا وقردًا، كما تَواتر»[30]. وكان فكره في الشر أقرب إلى التفكير الأخلاقي لمشركي النصارى[31]. وما زال الشامي الناصبي إذا غضب على أحد دعاه بـ«بابا حسن»، وهو علي بن أبي طالب (ع). فليس من السهل اجتثاث ناصبِيهِ بني أمية بالتمام.

3. الخطاب الحسيني استمرارٌ للخطاب المحمّدي والعَلَوي والحَسَني:
لا يمكن أن يعلو صوت علي (ع) أثناء حياة محمد (ص). ولا يمكن أن يعلو صوت الحَسَن في حياة علي L. ولا يمكن أن يعلو صوت الحسين في حياة الحسن (ع). فكل واحد منهم هو «عَبْدٌ» للقائم منهم. فدورة أحدهم إنّما هي تكميل لدورة السابق وتمهيد لدورة اللاحق. لقد كانوا قدوتنا في تطبيق قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَرۡفَعُوٓاْ أَصۡوَٰتَكُمۡ فَوۡقَ صَوۡتِ ٱلنَّبِيِّ وَلَا تَجۡهَرُواْ لَهُۥ بِٱلۡقَوۡلِ كَجَهۡرِ بَعۡضِكُمۡ لِبَعۡضٍ﴾[32]. وما شهادة الحسين إلاّ نتيجة للمَسَاق الحسني ولصلحه الظاهري، فمَسْعَيَا الإماميْن مَسْعى واحد.

1.3. مركزية فلسطين في السَّوْق الحُسَيْني التاريخي:
لقد كان القيصر يحاول التَّجَسُّس، لا على الحسن (ع) فحسب، بل على الحسين (ع) بعده أيضًا. ومن بين هذا التجسّس نجد التجسّس الإمِّي، فعَبْرَ وليِّ العهدِ، يزيد، وَصَلَ القيصرُ إلى الحسين (ع) بالمدينة المنورة، فسأله «عن المَجَرّة وعن سبعة أشياء خلقها الله لم تخلق في رحم»، وعن «أرزاق العباد» وعن «أرواح المؤمنين أين تجتمع». وبعد أن أجابه أعلمه أنّ الله تعالى سيبعث «نارًا من المشرق ونارًا من المغرب بينهما ريحان، فيحشران الناس إلى تلك الصخرة في بيت المقدس، فتحبس في يمين الصخرة (...) فتفرق الخلائق عند الصخرة (...)»[33]. وذلك ما يكشف عن سَوْق تاريخي عظيم لدى هذا المناضل الإنساني الكبير جدًا. فبيت المقدس عنده هي التي ستقسم كل البشر في العالم بين «نارين»، أي جبهتين: جبهة مع اغتصابها وجبهة تسعى لتحريرها.

2.3.ما هو الجهاد في فكر الحسين بن علي L؟.
يقول الإمام الحسين (ع): «الجهادعلى أربعة أوجه: فجهادان فرض، وجهاد سنة. فأما أحد الفرضين، فجهاد الرجل نفسه عن معاصي الله، وهو أعظم الجهاد، ومجاهدة الذين يلونكم[34] من الكفار فرض.
وأما الجهاد الذي هو سنة لا يقام إلا مع فرض، فإنّ مجاهدة العدو فرض على جميع الأمة لو تركوا الجهاد لأتاهم العذاب. وهذا هو من عذاب الأمة، وهو سنة على الإمام. وحدّه أن يأتي العدو مع الأمة فيجاهدهم.
وأما الجهاد الذي هو سنة، فكل سنة أقامها الرجل، وجاهد في إقامتها وبلوغها وإحيائها، فالعمل والسعي فيها من أفضل الأعمال؛ لأنّها إحياء سنة. وقال رسول الله (ص): «من سنّ سنّة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا»[35].
وقد قال باختصار (ع): «الحياة عقيدة وجهاد».

3.2. مقاومة النزعات الشِّرْكية في الإسلام الأموي:
يستعيد الإمام سورة التوبة التي تحذّر من مشركي الروم وحلفائهم، فيقول: «يا أيها الناس اتقوا هؤلاء المارقة الذين يشبِّهون الله بأنفسهم، ﴿يُضَٰهِ‍ُٔونَ قَوۡلَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ من أهل الكتاب، بل هو الله ﴿لَيۡسَ كَمِثۡلِهِۦ شَيۡءٞۖ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡبَصِيرُ﴾، ﴿لَّا تُدۡرِكُهُ ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَهُوَ يُدۡرِكُ ٱلۡأَبۡصَٰرَۖ وَهُوَ ٱللَّطِيفُ ٱلۡخَبِيرُ﴾. استخلص الوحدانية الجبروت وأمضى المشيئة الإرادة والقدرة والعلم بما هو كائن. لا منازع له في شيء من أمره ولا كفؤ له يعادله ولا ضد له ينازعه، ولا سمي له يشابهه ولا مثل له يشاكله. لا تتداوله ولا تجري عليه الأحوال ولا تنزل عليه الأحداث، ولا يقدّر الواصفون كنه عظمته، ولا يخطر على القلوب مبلغ جبروته (...) ما تصور في الأوهام فهو خلافه (...) هو في الأشياء كائن لا كينونة محظور بها عليه، ومن الأشياء بائن لا بينونة غائب عنها (...) علوه من غير تَوَقُّل ومجيئه من غير تنقل (...) وبه تعرف المعارف لا بها يعرف (...) سبحانه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير»[36]. فهو يحارب عقيدة معاوية عن الله تعالى، وهي عقيدة تشبيهية ورثها من مدرسة حران وملة روما وقسطنطين الأكبر، وهذه عقيدة التجسيمية ورثها ابن تيمية الحرّاني.
إنّه يقاوم الرؤية «الجديدة» لله تعالى، كما يطرحها أصحاب إمَّةَ مشركي الإسلام الأموي (كعب الأحبار، أبو مسلم الخولاني، ابن الصلت) الذين كانوا من مشركي اليهودية اليمانية ومَنْ معهم من مشركي النصارى (سرجون بن منصور، ابن بطريق...). وقد كانت نظرتهم تجسيمية - تحديدية، فالله تعالى - سبحانه - حد في نظرهم، وقد تبنى ابن تيمية التَّحْدِيدية الرومية - الشامية واجتهد في الدفاع عنها.

4.3.زرع الأخلاقية المحمدية:
1- قال (ع) لرجل اغتاب عنده رجلًا: «يا هذا كف عن الغيبة، فإنّها أدام كلاب النار»[37].
2- قال عنده رجل: «إنّ المعروف إذا أسدي إلى غير أهله ضاع». فقال (ع): «ليس كذلك. ولكن تكون الضيعة مثل وابل تصيب البر والفاجر»[38].
3- قال (ع): «إنّ قومًا عبدوا الله رغبة فتلك عبادة التّجار، وإنّ قومًا عبدوا الله رهبة فتلك عبادة العبيد، وإنّ قومًا عبدوا الله شكرًا فتلك عبادة الأحرار، وهي أفضل العبادة»[39].
4- قال له رجل ابتداءً: «كيف أنت عافاك الله؟». فقال (ع): «السلام قبل الكلام عافاك الله!». ثم قال: «لا تأذنوا لأحد حتى يُسلم!»، وقال أيضًا: «البخيل من بخل بالسلام»[40].
5- قال (ع): «الاستدراج من الله سبحانه لعبده أن يسبغ عليه النعم، ويسلبه الشكر»[41].
6- أتاه رجل فسأله[42]، فقال (ع): «إنّ المسألة لا تصلح إلا في غرم فادح[43]، أو فقر مدقع، أو حمالة مفظعة». فقال الرجل: «ما جئت إلا في إحداهنّ». فأمر له بمائة دينار[44]. وجاء رجل من الأنصار يريد أن يسأله حاجة، فقال (ع): «يا أخا الأنصار، صن وجهك عن بذلة المسألة، وارفع حاجتك في رقعة، فإنّي آتٍ فيها ما سَرَّكَ إن شاء الله». فكتب: «يا أبا عبد الله، إنّ لفلان عليَّ خمسمائة دينار، وقد ألحّ بي، فكلّمه ينظرني إلى ميسرة». فلما قرأ الحسين (ع) دخل إلى منزله فأخرج جرة فيها ألف دينار، وقال (ع) له: «أما خمسمائة فاقضِ بها دينك، وأما خمسمائة فاستعن بها على دهرك. ولا ترفع حاجتك إلا إلى أحد ثلاثة: إلى ذي دين، أو ذي مروءة، أو حسب. فأما ذو الدين فيصون دينه، وأما ذو المروءة فإنه يستحي لمروءته، وأما ذو الحسب فيعلم أنّك لم تكرم وجهك أن تبذله له في حاجتك، فهو يصون وجهك أن يردّك بغير قضاء حاجتك»[45]. فهو (ع) يكرّس عزّة النفس (التي فقدتها الأمة إلى حدٍّ كبير)، فالمسألة لا تكون إلا بشروط فادحة (الفقر المدقع أو الغرم الفادح أو الحمالة المفظعة)، وإذا سأل، عليه أن يسأل من لا يذله، وهم ثلاثة أصناف.
7- قال (ع): «إياك وما تعتذر منه، فإنّ المؤمن لا يسيء ولا يعتذر. والمنافق كل يوم يسيء ويعتذر»[46]. وذلك في سياق تأكيده على مسعى «تعارف» المسلم مع نفسه، وتخليصه من شوائب النفاق والتبرير والتلوّن والتذبذب إلى حدّ أنّه أصبح لا يستطيع أن يصنع «عزيمته» بنفسه. وقال (ع): «من حاول امرءًا بمعصية الله كان أفوت لما يرجو، وأسرع لما يحذر»[47]. وذلك في سياق مسعاه التربوي مع الأمة لكي لا تتخذ «الغاية مبررًا للوسيلة» التي اتخذته ديدنها منذ عقود طويلة تحت هيمنة مشركي/مشرعي المسلمين والنصارى واليهود.
8- قال (ع): «من دلائل علامات القبول: الجلوس إلى أهل العقول»[48]. فهو يحارب الجلوس إلى القصاصين ومشركي النصارى ومشركي اليمن الساسانية - اليهودية، ويحاول أن يعيد للمثقفين والمفكرين المكانة القيادية التي يجب أن يحظوا بها، وهي التي  فتك بها المجسمة والتكفيريون والمحرّفون للملة المحمدية البيضاء بخيالهم القَصصيّ المتحالف مع المتجبرين. ويواصل في الحديث نفسه: «ومن علامات أسباب الجهل: المماراة لغير أهل الكفر»، أي مجادلة أهل الإيمان والعلم والفكر الصحيح ومنازعتهم، وهو ما بدأه معاوية ابن أبي سفيان وأبو موسى الأشعري للإمام علي (ع) والبدريين (رضي الله عنهم)[49]. وفي الحديث نفسه، يقول (ع) للمسلمين: «ومن دلائل العالم انتقاده لحديثه، وعلمه بحقائق فنون النظر»[50]. فالعالِم فِعْلاً ينبغي أن يملك نقدًا ذاتيًّا ومنهجية في التدبر بالنص القرآني وفي التربية الأخلاقية، وقد عبّر (ع) عن المنهجية بـ:«فنون النظر»، وعن التدقيق فيها بـ:«حقائق فنون النظر».
9- قال (ع): «الإخوان أربعة، فأخ لك وله، وأخ لك، وأخ عليك، وأخ لا لك ولا له».
فسُئِلَ عن معنى ذلك، فقال: «الأخ الذي هو لك وله، فهو الأخ الذي يطلب بإخائه ولا يطلب بإخائه موت الإخاء. فهذا لك وله، لأنّه إذا تمّ الإخاء طابت حياتهما جميعًا، وإذا دخل الإخاء في حال التناقض بطل جميعًا. والأخ الذي هو لك، فهو الأخ الذي قد خرج بنفسه عن حال الطمع إلى حال الرغبة، فلم يطمع في الدنيا إذا رغب في الإخاء، فهذا موفر عليك بكليته. والأخ الذي هو عليك، الأخ الذي يتربّص بك الدوائر، ويغشى السرائر ويكذب عليك بين العشائر، وينظر في وجهك نظر الحاسد، فعليه لعنة الواحد.
والأخ الذي لا لك ولا له، فهو الذي قد ملأه الله حمقًا فأبعده سحقًا، فتراه يؤثر نفسه عليك ويطلب شيئًا مما لديك».
إنّه (ع) هنا، يقوم بنقد أخلاقي لمجتمعه، ويحاول إعادة تركيز مقولة الإخاء التي كرس عليه -(ص) - حياته من أجلها: ﴿فَأَصۡبَحۡتُم بِنِعۡمَتِهِۦٓ إِخۡوَٰنٗا﴾[51]. فلقد تهاوت قيم الإخاء، واستطاع ﴿ٱلنَّسِيٓءُ﴾ (التوبة، 37) أن يجرّ الناس إلى حب المال والجاه وإلى التزلّف والاستزلام.

4. دعاء الإمام الحسيْن بن علي (ع): (دعاء عرفات) مثالاً:
كان دعاؤه (ع) فوق عرفات مِنْ أجمَل أدْعية الأولياء. يعترف لله تعالى بفضله إذ أوْلَده في دولة النبي (ص) حتى تكون تربيته أفضل: «لم تخرجني لرأفتك ولطفك لي وإحسانك إليّ في دولة أئمة الكفر الذين نقضوا عهدك وكذّبوا رسلك. لكنّك أخرجتني للذي سبق لي مِن الهدى الذي يسَّرْتني وفيه أنشأتني». وهو لا يعترف بفضل والدته، الزهراء، فحسب، وهي سيدة النساء، بل هو يعترف بفضل أمّيْه: أسماء بنت عُمَيس وخولة الحنفية اللتين حاولتا تعويض وجود الزهراء حتى لا يشعر بدونيّة اليتيم: «وعطّفْتَ عليَّ قلوبَ الحواضن، وكفلتني الأمهات الرواحم» (المقطع 14) فنأى عن النشأة التربوية الأمومية.
وهو يربّي الأمة بالدعاء، إذ يعلمها الألوهية وَعَدْلها والنبوة والإمامة والمعاد، والعشق الإلهي: «اللهم اجعلني أخشاك حتى كأنني أراك وأسعدني بتقواك، ولا تشقني بمعصيتك!». وفي غمرة مأساة الأمة يلهمُ الأمل الكبير: «يا مُقيّض الركب، ليوسف في البلد القفر، ومُخْرِجَه من الجبّ، وجاعله بعد العبودية مَلكًا، ورادَّهُ على يعقوب بعد أن ابيضت عيناه من الحزن فهو كظيم (...)، وجعل فرعون وجنوده من المغرقين!» (المقطع 31)، وهنا يُضَمِّنُ دعاءه مضمونًا سياسيًا ثوريًا. وهو يُعَلِّمُ الأمةَ الاعترافَ لله تعالى بالخطأ.
خدم الدعاء الحسيني، بل كل الدعاء الاثني عشري أربعة أغراض: التواصل العاطفي المباشر والحي بالألوهية؛ وتلقين أركان الإيمان؛ والتربية على الثورة والشجاعة السياسية والرّبْعة عن السلطة؛ والتربية الاجتماعية.

1.4.  التواصل العاطفي المباشر والحي بالألوهية:
أهم هاجس للدعاء الحسيني (والاثني عشري) هو جعل الإنسان عابدًا، أي عاشقًا للإله، فألهم الاعتراف والندم والحب والتذلّل. إنّه يقول: «أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك حتى يكون هو المُظهر لك؟! متى غبتَ حتى تحتاج إلى دليل يدل عليك؟! ومتى بَعُدْت حتى تكون الآثار هي التي توصل إليك؟» (المَقْطع 67). فلا يكون الإله بعيدًا عن الإنسان، بل يكون قريبًا، بل أقرب من حبل الوريد.
إنه يُعلن فقره واحتياجه المُطلق للإله: «إلهي، أنا الفقير في غنايَ، فكيف لا أكون فقيرًا في فقري؟!» (المقطع 43)؛ «إلهي، وَصفتَ نفسك باللطف والرأفة لي قبل وجود ضَعْفي، أفتمنعني منهما بعد وجود ضَعفي؟!» (المقطع 46)؛ «كيف أشكو إليك حالي وهو لا يخفى عليك؟!» (المقطع 50)؛ «أمْ كيف لا تَحسُنُ حالي وبك قامت؟!». (المقطع 53).
هذا التواصل العشقي الحي يريدُ أن يَصل عَمليًّا إلى: «اللهم اجعلني أخشاك حتى كأنّني أراك وأسعدني بتقواك! ولا تُشقني بمعصيتك!» (المقطع 22)؛ «وَفُكَّ رهاني» (المقطع 24). فالبُعْد الإنساني عن الإله ارتهانٌ وشقاء، والقُرب منه سعادة وانفكاك وحُرّية وإرْسال، ورِبْعة (استقلال ذاتي): «اللهم اجعل غناي في نفسي!» (المقطع 23).

2.4. تلقين أركان الإيمان:
إنّه يهذّب امتثالاتنا الميتافيزيقية: في اللألوهية (المقطع 21)؛ وفي تأكيد الدليل الوجداني على الألوهية: «كيف يُستدل عليك بما هو في جوده مفتقر إليك؟!» (المقطع 66)؛ وفي تأكيد «البَدَاء» أي تأثير الإنسان النِّسْبي، ولكن الحاسم، في القدر وعَزمه: «وَخِرْ لي في قَضائك!» (المقطع 22).
وهو يوضح الولاية المقدّسة بوجهيها: النبوة والإمامة (المقطع 29)، وهو إذ يُعلن في مرّاتٍ عديدة: «وآلِهِ الطيبين الطاهرين أجمعين» (المقطع 37)، إنما يُريد تأكيد معرفتهم ومعرفة حقهم جميعًا، فلا هامّية لواحد منهم دون الآخر؛ مع مركزية أبيهم، سيدنا محمد (ص)، مؤكدًا دائمًا أنّ سِمته النووية هي: «وَجَعَلْتَهُ رَحْمة للعالمين!» (المقطع 38)، فغرض وجوده ليس العنف وإنّما الرحمة.
وهو لا يلقّننا المَعَاد، بما هو مَقولة، بل بما هو مَعِيشٌ الآن: «فسبحانك، سبحانك من مُبْدِئ مُعِيد!» (المقطع 18)؛ «جَوَارحي كلها شاهدةٌ عليَّ بما قدْ عَملتُ، وعلِمْتُ يقينًا غيرَ ذي شك، أنّك سائلي من عظائم الأمور، وأنتَ الحَكَمُ العَدْل (...)، وَعَدْلُكَ مُهْلِكي!» (المقطع 34).

3.4. إلهام الاستعداد الثوري والشجاعة السياسية والرِّبعة عن السلطة:
إنّه يسترجع الدعاء المحمدي في الطائف، والنبيُّ آنئذٍ مضطَهَدٌ مِن مُترفي الطائف: «وإلى غيرك فلا تكلني! إلهي، إلى مَن تكلني: إلى قريب فيقطعني، أم إلى بعيد فيتجهمني؟! إلى المستضعفين لي، وأنت ربّي ومليك أمري؟!» (المقطع 26). إنه يعالج تجربة الغُربة لدى المناضل السياسي من أجل العدالة والإصلاح: «أشكو إليك غربتي، وبُعْدَ داري [ضياع مكانة الإمامة لدى المسلمين] وهواني على من مَلَّكْتَهُ أمري!» (المقطع 23). هذا الغريب إنما يبحث عن كرامة كل الإنسانيّة: «أنت الذي أكرمتَ!» (المقطع 33)، تلك القيمة التي ضيّعتها الأمة المحمدية.
إنّ هذا الغريب يشكو مِن آلام التعصّب القبائلي وآلام الرقابة السلطوية، ويُلهم المناضل السَّكينة واستحضار جنودٍ لا يراها: «يا مَن سترني (...) مِن العشائر والإخوان أن يُغيّروني، ومِن السلاطين أن يعاقبوني، ولو اطّلعوا يا مولاي على ما اطلعت به مني إذًا ما أنظروني وقَطَّعوني. فها أنذا بين يديك، وسيّدي!» (المقطع 34). فعندما يستحضر المناضل الحضور الإلهي يتناسى الخطر الرقابي القَمْعي: «لا إله إلاّ أنت سبحانك إنّي كنت من الخائفين!» (المقطع 35)؛ «وأوْقِفْني عَن مَرَكز اضطراري!» (المقطع 76).
إنه يُلهِمُ المسلم المنكسِرَ ضرورة إيجاد اجتماع يَمْتِل[52] القيم الأساسية لاجتماع الكرامة والمروءة: «تُشفي السقيم [مقاوَمة المرض]، وتُغني الفقير [مقاوَمة الفقر]، وتُجبر الكسير [مقاومة الاضطهاد السياسي]، وترحم الصغير وتُعينُ الكبير [مقاوَمة تدني حقوق الطفولة والشيخوخة]!» (المقطع 37). وهو يُلهِمه الشجاعة: «... وليس دونك ظهير [مَدَد]، ولا فوقك قدير (...)! يا مُطلق المُكَبَّل الأسير [كحال الأمة في ظل بني أمية]! يا عِصمة الخائف المستَجير [بك من الاستخبارات الأموية]!» (المقطع 37). ومن ثمَّ يربّيه على التوازن رغم محبطات السلطة: «وسلَّمتني من الزيادة [العُظَامُ: الپارانويا] والنقصان [الشعور بالدونية]!» (المقطع 14).
وإجمالًا، إنه يُلهِم المسلم الضائع أنّ وصوله إلى الله تعالى ورضاه لا يكون إلا بخِدْمة الآخرين، أي بناء إجماع تعاوُني انهار بانهيار الإجماع الراشد: «... فاجمعني عليك بِخِدْمةٍ توصلني إليك!» (المقطع 65)[53]. 

5. أعمدة مسْعى الإصلاح الإنساني الحَسني- الحسيني:
1.5. الذكاء التاريخي الحَسَني:
إنّ إمامة الحسين (ع) التي لم تَدُمْ ظاهرًا سِوى بِضْعَةٍ من الأشهر، هي جزءٌ مِن إمامة واحدة هي الإمامة الحَسَنية - الحَسَينيّة، وما استشهاد الإمام الحسين سِوى تثبيتٍ لمشروع الإصلاح الحسَني (أي مشروع الإصلاح الحَسَني- الحسيني). قال الإمام الحَسن، منْ قَبْل: «ما تشاور قوم في أمْرٍ إلاّ هُدُوا إلى رُشدهم»[54]. فالمطلوب مجتمع شوروي رُشديّ.
لقد عَرف الإمام الحسين مع أخيه L، أنّ خلقَ شعب عراقيّ جديد بَعْد الفتح العَلَوي للعراق (أي الفتح المختلط بسَوْقَيْن: سياسي وحضاري- عسكري) ما زال أمْرًا بعيد المَنال. فلقد وَجَد نفسه كأبيه، مع سَدِيمٍ ديمغرافي، مِنْ تفوّقٍ سَوَادِيٍّ لنازحين على أصيلي البلاد (أنباط، حِيريّون، فُرْس...)، ومِنْ نَشَازٍ سَوَادِيٍّ (يمانيون، نجديون، شماليون، حجازيون)، ومِن نشازٍ مِلِّيّ (مُيُولٌ قبائليّة غالِبة، عَدَويّون، أمويون- عثمانيون، يمانيون علويون- أقلّيون...). وذلك لا يسمح بأرضية دَوْلةٍ عاجلة، ولا بأرضية حولة عَدَالية مستقرة. وخمس سنوات من السنوات القمرية، مِنْ حُكْم الإمام علي (ع) خَذلَهَا مثقفون مؤثِّرون مبكّرًا مثبّتين في السَّدِيم العراقي خَدْشًا في «مشروعية» الدولة العلوية - لَنْ تَسْمَح مطلقًا بُضْع تَشَيُّعٍ في العراق، فضْلًا عن العالم الإسلامي. ولقد تواصَل إرهاق الدولة العلوية - الحَسَنية بالمهارَشة الأموية التي وظَّفت الغباء السلفي - الخوارجي والنزعات القبائلية الانقسامية التي تعمَّقت بالرَّيْبة الحَوْأبيّة وحتى رَيبية عبد الله بن عَبّاس.
في الآن نفسه، سمح الجُبْن الأموي بتوهُّم انتصار حَسَنيّ، نظرًا لحُسْن إخراج الإمام الحَسَن للمعركة العسكرية والمعركة السياسية (كما كان جدُّه الذي أسَّسَ انتصار الضعيف المُسْلِم على الأقوى البيزنطي منذ معركة تبوك إذْ نجح في ضَعْضَعَةِ معنويات «الأقوى» موضوعيًّا).
في التفاوض الحَسَني مع الأمويين، كان حجم النجاح عظيمًا. فسوريا كانت في سَيرورة سريعة باتجاه إعلان الارتداد ولَبوس الشِّرْكية النصرانية (المحاربة للنصرانية المَوَدّية والإسلام المحمّدي الأصيل مَعًا) وإعلان إيلافٍ شِرْكي - نصراني، وفي طريق مفتوح أمام قتل الدعوة الإسلامية - التسامحية في سوريا، بل أمام الكيد لتدمير النص القرآني أو تحريفه في الأقل، بعزل سوريا عن العالمالإسلامي أو جعله بوّابة «تشريكه» في الأقل. وها هي بالصّلح الحسنيّ، الذي جَعل معاوِية لا يفكّر في إيلاف شِرْكي - نصراني، وإنما يَغُرّ نفسه بأن يكون قيصرًا على «المسلمين»، على أن يسعى لجعلهم «مسلمين» كما يُريدُ هُو، ضِمن مُوادَعة مع الصديق، القيصر البيزنطي، تصل حدّ التحالف أحيانًا. وبذلك سمحت سوريا الأموية لنفسها بأنْ تُخْتَرق مِن بعض رموز أهل البيت (زينب بنت الإمام علي، سَبيَّةُ سوريا الأموية نَفْسُهَا، وغيرها)، ومِنْ فكر أهل البيت العَدَالي - التسامحي.
من ناحية أخرى، فتحث وثيقة الصلح أبوابَ الوعي والثورة للأمة الإسلامية على الأمويين، إذ جَعلت الأمْر «شورى» بين المسلمين عند وفاة معاوِية، ونصّت على الإمامة بديلاً لمعاوية عند وفاته، فلا حق له في التنصيص على وَريثٍ أموي بَعْده قانونيًّا.
كان معاوية يريد بِسَمّه للإمام الشهيد، الإمام الحَسَن (ع)، أن يُلْغِي مُمثل الإمامة، ومِن ثم إلغاء الإرادة الشوروية، ومِنْ ثم يَسْمَح لنفسه بتوريث ابنه يزيد الذي تَشَرَّب الحقْد الإشراكي، الأموي- الكَلْبي، الوعي التاريخي للإمام الحسين (ع) حافزًا، لإعاقة المسْعى الأموي الأخْطر السَّوْق الحَسَني- الحُسَيْني)، كانت هجرة الإمام الحسين (ع) إلى العراق. لم يكن العراق حاضرًا شعبًا، فلا وُجود لشعب عراقي آنئذٍ. ولم يكن حاضرًا تشيعًا، فليس هُناك إمكانات تاريخية - مَعْرفية تسمح بتشيع السّديم العراقي، فالتشيع يتطّلب تخلّصًا مِن العصبية القبائلية والمَناطقية العربية ومستوى أدنى من الإبِسْتِميّة العِلمية. ولكنْ كان العراق حاضراً سَوْقًا جغرافيًّا لا بديل له عنه، مِنْ أجْل تمكين عالَميّ مستقبلي للإسلام المحمّدي انطلاقًا مِن مركز العالَم (وليس العالَم الإسلامي فحسب): العراق.

2.5. مثقفو العالَم الإسلامي يقتلون الإمام الحسين (ع) رمزيًّا ويُحبِطون حِلف الفضول:
سَعَى الإمامان الحسن والحسين L إلى بناء اجتماع أهلي ذي رِبْعَةٍ، مستقل عن الدولة البَخْسية - الأموية. فكانت أولى الجمعيات المهنية تظهر باليمن والحجاز والعراق ومِصر، مكرّسة تقليدًا ديمقراطيًّا هو انتخاب رؤساء البُنَى المهنية (الأمناء). وكانت سُنّة الجمعيات المهنية، هي الأرضية التي بُنيت عليها دولة العدالة التشيّعية: دولة القرامطة على أرض البحرين والأحساء، وتوسعت حتى اليمن.
كما سَعَيا في الآن نفسه، إلى بناء حلف فُضول (أي تكتل الإنسانية). وهو ائتلاف سياسي من المثقفين الموثِّرين، فكَّرَ فيه لأول مرة رسولُ الله (ص)، لمّا سقط الإيلاف القرشي سقوطًا أخلاقيًا وسياسيًّا فظيعًا، لإنقاذ النظام السياسي المَكّيّ. وفيه تعرَّف على السيّدة خديجة بنت خويلد وعثمان بن مظعون وعبد الله بن أبي قحافة وسهيل بن عمرو، وغيرهم مِن المثقفين الذين اقترحهم رسول الله (ص) لتكوين حلف فُضول.
اتصل الإمام الحسن (ع) بعبد الله بن عباس وعبد الله بن عمر وعبد الله بن الزبير، مِن أجل تأسيس رِبْعَةٍ مُثقَّفيّة تقف أمام كُلاَّنية السلطة. ولكنّ الأوَّليْن خيّرَا التبعية للسلطة، إلى حدّ مبايعة ابن عُمر ليزيد في حياة أبيه، بينما خيّر ابن الزبير المداهَنة كأنّه لم يَرْعَو مِن خِذْلانه لمبادئ الثورة الشبابية - السِّلمية على الخلافة الأموية - العثمانية، ودَعوته للقضاء على حكومة الشعب برئاسة الإمام علي (ع). ولقد كان ابن عمر شَبِقًا مُفرطًا، ولما فتح الأمويون أسواق النخاسة، كان من أكثر الناس لمسًا للجواري/السلع، وكان الحرفاء لا يمنحون الثقة في حسناختيار الجارية إلاّ لهُ[55].
لقد خاطب الإمام الحسين حجّاج الأمة الإسلامية بمكة، مبينًا لهم حاله وجهاده؛ لأنّ الجهاد ضدّ الاستبدادية -كان يومئذٍ- أوْلى مِن الحج؛ لأنّ المَسْعى الأموي لن يقوّض الحج فحسب، بل كل أركان الإسلام وكل مَعَالِم المحمدية البيضاء، وكل مَكاسب العدالة والولاية العامة للأمة.

3.5. المشروع الإصلاحي الحَسني- الحسيني: مسعى «دولة المروءة»:
من الخطأ والظلم أن نتناول «مشروع إصلاحٍ حُسَيني»، بل الأصحّ أن نتناول «مشروع إصلاحٍ حَسني - حُسَيني».
كان الخِطاب الحسَني خطابًا في إعادة بناءِ أخلاق الأمة. ولذلك كان الحِوار الحسني في المقولات الأخلاقية المحمدية («إنّما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق») دقيقًا ومختصرًا («ما الزهد؟»، «ما الحِلْم؟»، «ما السَّداد؟»، «ما النّجدة؟»، «ما المجد؟»، («ما المروءة؟»، («ما الكَرَم؟»)، ثم ينقلب التعليم الحسني إلى المقولات الأخلاقية السلبية[56].
وقد كان الخطاب الحسيني مطابقًا للتعليم الحسَني: «إنّ هذه الدنيا تغيّرت وتنكّرت»، عمّا كانت عليه في دولة رسول الله (ص)، «وأَدْبَرَ معروفها (...). ألا ترون أنّ الحق لا يُعمل به وأنّ الباطل لا يُنتَهى عنه؟!»، و«الزّمن في المدائن مُهْمَلة»[57].
فالمشروع السياسي الحَسَني - الحُسيْني إنّما هو امتثال المقولات الأخلاقية المحمّدية، إنّما هو إقامة «دولة المروءة»، قال الإمام الحسن (ع) إنّ المروءة: «حِفظُ الدّين، وإعزاز النفس»، وإعزاز النفس هو تعبيرٌ عن ﴿وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ﴾، إذ فقد عناصر الأمة كرامتهم في ظل الاستبدادية. ويُضيف الإمام الحسن أن مِن شروط دولة المروءة: «لِين الكَنَف»، أي التعاضد الاجتماعي والسّلام الأهليّ؛ وكذلك «تعهّد الصنيعة»، أي يَوْمية التعاون، وذلك أساس الجمعيات المهنية والأوقاف إبستِميًّا. و«أداء الحقوق» و«التحبب إلى الناس»[58].
في الخطاب الحُسَيْني نقد لدور المثقّف السلبي في عصره، فبعيد ما جاء في القرآن الكريم من «سوء ثناء على الأحبار، إذ يقول: ﴿لَوۡلَا يَنۡهَىٰهُمُ ٱلرَّبَّٰنِيُّونَ وَٱلۡأَحۡبَارُ عَن قَوۡلِهِمُ ٱلۡإِثۡمَ﴾ (المائدة، 63)»؛ «لأنّهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين أظهرهم المنكر والفساد فلا ينهونهم عن ذلك. رغبةً في ما كانوا ينالون منهم ورهبةً ممّا يحذرون»[59]. فالمطلوب هو «حق الضعفاء» الذين هم «.....» مستعبد مقهور وبين مستضعف على معيشته»[60].
إنّه يدعو إلى أُمَّة المروءة، تمارس «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضةً منه»، «مع ردّ المظلوم ومُخالفة الظّالم»، والمخالفة هي «المعارَضة» بمصطلحنا الحديث، فالإمامان هما مؤسّسا أطروحة المعارَضة في الإسلام. ويدعو الأمة إلى «قسمة الفيء والغنائم»[61]، أي اقتسام فائض القيمة العامّ بالتساوي لإغناء الفقراء والقضاء على الفقر. ولَمْ يكن دون دلالة أن يسمي محمد (ص) أوَّلَ أبنائه «القاسم» (أي: العادل) لمركزية الهدف العَدْلي في المسعى المحمدي.
إنّ الحسين لا يريد أن يصبح حاكمًا، فذلك أمرٌ بعيد المنال آنئذٍ، وإنّما يريد «الإصلاح في أمة جَدّي» وحقَّ الأمة في التدخل السياسي والعدالة الاجتماعية، ضد من «يتقلبون في المُلْك بآرائهم».
ولما أخفق المسعى الحسيني في حلف فضول يؤسّس لاجتماع مدني ذي ربعة وعزة، كان من الضروري الدخول في المشروع الاستشهادي (مسعى كرب اللاء[62])، فكلمهم في الموضوع، فكان أن صمت ابن الزبير فرحًا؛ لأنّ استشهاده يسهل القيام بمسعاه السلطوي، واعتذر ابن عمر ببيعته للطاغوت. ولكن ابن عباس، ذا التخطيط التاريخي الذي لا يتجاوز العقود القليلة لم يكن عارفًا أنّ السَّوْق الحسيني، التاريخي، الطويل الأمد، أذكى من سَوْق عائلة ابن عباس القصيرة الأمد. فكان القاتل الأوّل للإمام الحسين هو المثقف المؤثر بالعالَم الإسلامي (ابن عمر، ابن الزبير)، ثم جيش بني أمية.
كان لا بدّ من صرخة تاريخية ومسرحة للأطروحة الأخلاقية والسياسية للإمام الحسين (ع) التي ضيق عليها الأمويون (ووجهاء الأمة) فلم يتركوها تصل إلى الأمة، وفي ذلك ضياع نهائي لدين محمد (ص)؛ ولا بدّ أن يكون ذلك في قلب جغرافيا الأمة الإسلامية، أي العراق؛ لتصل الصرخة إلى كل الأمة دون استثناء.
ولا بدّ من أن تكون هذه الصرخة في العراق المفكّك المتناقض، ولكن الشامل عرقيًا لكل الأمة وبأفضل النِّسب؛ لأنّه ضمّ كل القبائل العربية والسّود والإيرانيين، على عكس الشام ومصر والحجاز.
ولا بدّ أن تكون في العراق؛ لأنّ الكوفة تضم أهم ثُقفاء العالم الإسلامي (بغثهم وسمينهم)، وهي المسؤولة عن صلاح المسلمين وفسادهم في نظر العالم الخارجي، إذ إنّها الوحيدة التي بقيت تفتح وذات التواصل بالخارج، فهي الوحيدة التي بإمكانها بالجغرافيا السَّوْقيّة أن توصل صوت أهل البيت إلى العالم: ﴿وَمَآ أَرۡسَلۡنَٰكَ إِلَّا (بالحصر) رَحۡمَةٗ لِّلۡعَٰلَمِينَ﴾[63]. فلقد فقدت الحجاز واليمن عناصرهما الشابة وقيمتهما العسكرية والنحلية والملية بالفتوحات.
إنّ اللجوء إلى اليمن (التي يقترحها ابن عباس) والحبشة (كما اقترح النجاشي المعاصرُ للإمام الحسين) يعني سَوْقيًّا إبعاد الأطروحة المحمدية إلى الأبد، وفي ألطف الأحوال يعني أن يتحول الإسلام إلى طائفة معزولة، هامشية في جغرافيا العالم، غير قادرة سَوْقيًّا وحِمَوِيًّا على مقاومة الروم المسيطرين على مَرْكز العالم وعلى ﴿أَدۡنَى ٱلۡأَرۡضِ﴾ (الشام وفلسطين) بالوكالة الأموية - الغَبِيَّة.

خاتمة
لقد كان الجوهري في أطروحة الحسين (ع) التغييرية هو الدعوة لإرجاع الفرد والأمة إلى الإحساس بالعزة والكرامة: «ألا وإنّ الدعي ابن الدعي قد ركز هنا بين اثنتين الملة والسِّلَّة، وهيهات من الذلة. يأبى ذلك الله ورسوله، وحجور طابت، وأنوف حَمِيَّة ونفوس أبِيّة، وأن تُؤْثِرَ طاعة اللئام على مَصَارِع الكرام»[64].
قال (ع): «إنّ المؤمن اتخذ الله عصمته وقوله مرآته. فمرة ينظر في نعت المؤمنين، وتارة ينظر في وصف المتجبرين. فهو منه في لطائف، ومن نفسه في تعارف، ومن قدسه على تمكين»[65]. إنه (ع)، هنا، يدعو إلى اتخاذ «القول» القرآني مرجعًا، وليس قول «الإسرائيليات» التي يرويها كعب الأحبار وقَصَّاصُو بني أمية، من مشركي الإسلام والنصارى واليمن الساسانية - اليهودية[66]. وهو يضع الإيمان في تضاد جذري مع «التجبر»، أي الاستبداد السياسي والاضطهاد في الولاية. «فالنظر» هو مطلب قراءة القرآن الكريم، وهذا النظر يقتضي الابتعاد عن المستهزئين ﴿ٱلَّذِينَ جَعَلُواْ ٱلۡقُرۡءَانَ عِضِينَ﴾[67]، أي شتاتًا من الأخبار. وهذا النظر يقتضي أيضًا التدبر فينعوت المؤمنين والتدبر في نعوت المتجبرين؛ لينجو المؤمن نحو المؤمنين ويمانع خطوط التجبر ومساعيه، ومن ثم نصل شيئًا فشيئًا إلى «التمكين» الاجتماعي والسياسي للإيمان: ﴿وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى ٱلَّذِينَ ٱسۡتُضۡعِفُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ... ٥ وَنُمَكِّنَ لَهُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ ٦﴾[68]، فبذلك وحده يعيد للمسلم «التعارف» مع نفسه، أي العودة إلى الفطرة والاستقرار النفسي الذي فقدته جلُّ الأمة آنئذٍ. ولقد كان في مقالته ذا مصطلحية قرآنية (الإيمان، التجبّر، القول، النظر، التمكين، التعارف...).

-------------------------------------
[1]  سورة الإسراء، الآية 20.
[2]  السَّوْق (بفتح السين) هو «استراتيجيا» في أَلْسِنَةِ أوروبا.
[3]  الإِمَّة: الموجّه المعرفي الرئيس.
[4]  سورة المائدة، الآيات 82-85.
[5]  سورة التوبة، الآية 34.
[6]  المَسْعَى: Project ، (بلغة عربية هجينة: «المشروع»).
[7]  سورة التوبة، الآية 33.
[8]  حددت سورة الممتحنة في الآية 1 والآية 9 الكفر بأنه معاداة الدين الحق والسعي لمَحْقه والسعي لإخراج أهله من ديارهم. ﴿لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمۡ أَوۡلِيَآءَ تُلۡقُونَ إِلَيۡهِم بِٱلۡمَوَدَّةِ وَقَدۡ كَفَرُواْ بِمَا جَآءَكُم مِّنَ ٱلۡحَقِّ يُخۡرِجُونَ ٱلرَّسُولَ﴾ والآية 9 ﴿إِنَّمَا يَنۡهَىٰكُمُ ٱللَّهُ عَنِ ٱلَّذِينَ قَٰتَلُوكُمۡ فِي ٱلدِّينِ وَأَخۡرَجُوكُم مِّن دِيَٰرِكُمۡ وَظَٰهَرُواْ عَلَىٰٓ إِخۡرَاجِكُمۡ أَن تَوَلَّوۡهُمۡۚ وَمَن يَتَوَلَّهُمۡ فَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلظَّٰلِمُونَ﴾. فالمخالف لديننا غير المعادي له ولوجودنا الحِمَوي والمَعَاشي ليس بكافرٍ، حسب سورتيْ الممتحنة والتوبة.
[9]  سورة التوبة، الآية 36.
[10]  سورة البقرة، الآية 109.
[11]  سورة التوبة، الآية 36.
[12]  سورة آل عمران، الآية 61.
[13] رَدَّ معاوية على عبد الله بن العَدَويّ إذ انتقده: «وجدنا وسائل مُمَهَّدة (...) وأبوك بدأ هذا الأمر»، (البلاذري، أنساب الأشراف، دار المعارف، بيروت، 1969، ص 242)
[14]  سورة التوبة، الآبة 37.
[15]  سورة التوبة، الآية 39.
[16]  سورة التوبة، الآية 40.
[17] سمي مالك بهذا النعت لشتر وجهه في فتح الشام، فقد أصيبت إحدى عينيه في معركة اليرموك العظيمة التي قادها عسكريًا، إذ كان القائد السياسي غيره.
[18]  لأبي ذر (رضوان الله عليه) مَقام بإحدى قرى عاملة.
[19]  البلاذري، فتوح البلدان، دار صادر، بيروت، 1969، ج 6، ص 221.
[20]  ابن عبد ربه، العقد الفريد، دار المعارف، 1952، ص251.
[21]  عَوَّادي (هشام)، قبيلة كلب في القرن الأول وبداية القرن الثاني للهجرة، قسم التاريخ، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس، 2002-2003، ص 71.
[22]  اليعقوبي (سنية)، رجال البلاط في العهد الأموي، رسالة ماجستير، قسم التاريخ، كلية العلوم الإنسانية والاجتماعية، تونس 2002-2003، ص 49 و50.
[23]  م.ن، ص 50.
[24]  عبد الرحمان بن مُلجم من مُشركي اليهود اليمانيين (وليس مِن مؤمنيهم). تلقّى تكوينا «إسلاميّا» لدى كعب الأحبار، الذي قرّبه إلى الخليفة عمر ليجعله قارئ مِصْر، دون بقية الصحابة وأبنائهم، بالتنسيق مع ابن العاص الذي أدْمجه في المشروع القرشي.
[25]  ابن تيمية، السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية، وزارة الشؤون الإسلامية والأوقاف، الرياض، 1418، هـ. ق، ص 14.
[26]  العسقلاني، فتح الباري، ج 2، ص 11.
[27]  الصدوق، التوحيد، دار التعارف، بيروت، ص 179.
[28]  الذهبي، تذكرة الحفاظ، دار المعرفة، بيروت، الجزء 1، ص 52.
[29]  ابن سلاّم، شرح غريب الحديث، دار المعرفة، بيروت، 1982، ص 73.
[30]  ابن تيمية، الاستقامة، ج 1، ص 265.
[31]  الحيدري، التوحيد، ج 2، ص 372.
[32]  سورة الحجرات، الآية 2.
[33]  ابن شعبة الحرّاني، تُحف العُقول عن  آل الرسول، دار الأعْلَمي، بيروت، 1996، ص 173.
[34]  «يلونكم»: يحكمونكم.
[35]  ابن شعبة الحراني، م. س، ص 173.
[36]  ابن شعبة الحراني، م. س، ص 173 و174.
[37]  م.ن، ص 174.
[38]  م.ن، ص 174.
[39]  م.ن، ص 175 و177.
[40]  ابن شعبة الحراني، م. س، ص 175 و177.
[41] م.ن، ص 175 و177.
[42]  «سأل» هنا أي طلب عطاء.
[43]  «الغرم» أداء شيء لازم، والضرر والمشقة.
[44]  ابن شعبة الحراني، م. س، ص 177.
[45]  م.ن، ص 172.
[46]  ابن شعبة الحراني، م. س، ص 177.
[47]  م.ن، ص 177.
[48]  م.ن، ص 177.
[49]  لم يكن مع معاوية بدريّ واحد، بينما كانت بقية البدريين مع علي عليه السلام - رغم شيخوخة أكثرهم ومرضهم - حتى في المعارك الحربية.
[50]  ابن شعبة الحراني، م. س، ص 176.
[51]  سورة آل عمران، الآية 103.
[52]  يمتل: يحرك ويزعزع.
[53]  قَارن بـ: كاريل (ألكسي)، الدعاء؛ وشريعتي (علي)، الدعاء؛ والجَعفَري (محمد تقي)، تجليات رُوحانية: دعاء الإمام الحسين في صحراء عرفات (تفسير ومعايشة)، مؤسسة الهدى، تهران، 1428 هـ ق.
[54]  ابن شعبة الحراني، م. س، ص 164.
[55] راجع: عبد الرزاق، المصنف، المجلد 7، ص 285؛ و: الذهبي، سيَر أعلام النبلاء، مؤسسة الرسالة، بيروت، 2001، ج3، ص 73.
[56]  الحرّاني (ابن شعبة)، م.  س، ص 160 وص161.
[57]  الحرّاني (ابن شعبة)، م.  س، ص 174 ص170 («الزِّمَنُ» بلغة غير فصيحة: «المُعاقون»).
[58]  م.ن، ص 160.
[59]  م.ن، ص 169.
[60]  م.ن، ص 169 أيضا.
[61]  و 5  م.ن، ص 160.
[62]  كَرْبُ اللاءِ = كَرْبَلاء = كَرْبُ الرفضِ لذل الأمة وذل الفقراء وذل الإسلام، هي كَرُّ البلَاء [الحَسَنِ].
[63] سورة الأنبياء، الآية 107.
[64]  الحرّاني (ابن شعبة)، م.  س، ص 172.
[65]  م.ن، ص 172.
[66]  من رموز الشام الإسلامية: ابن شعبة الحرّاني وبهاء الدين العاملي وفتحي يكن، ومن رموز اليمن الإسلامية: مالك الأشتر وعبد الرحمان السلمي، ومن رموز اليمن الساسانية - اليهودية: كعب الأحبار، صديق معاوية، وأبو مسلم الخوْلاني وعبد الرحمان بن ملجم وابن شعبة الحراني، م. س.
[67]  سورة الحجر، الآية 91.
[68]  سورة القصص، الآيتان 5-6.