البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الطموح الإيماني وعلاقته بحياة الإمام علي (عليه السلام) ومماته

الباحث :  أ.م.د عبدالاله نعمة الشبيب
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  18
السنة :  شهر شوال 1440هـ / 2019م
تاريخ إضافة البحث :  July / 9 / 2019
عدد زيارات البحث :  774
تحميل  ( 803.854 KB )
ان البحث الذي نقدمه بتواضع إلى مؤتمر الإمام عليٍّ (ع) الذي تقيمه جامعة الكوفة  كلية الفقه مشكورةً هو قراءةٌ لحياة عليٍّ (ع) لما لها من مركزيةٍ في طموح المؤمنين، وقد اخترنا لهذه القراءة مقطعًا من الدعاء الذي يحفظه أو يقرأه كل المصلين بعد صلاة الصبح ألا وهو «اللهم أحيني على ما أحييت عليه عليَّ بن أبي طالب وأمِتني على ما مات عليه عليُّ بن أبي طالب (ع)» وقد وقع البحث في جولةٍ مختصرةٍ عن حياته (ع) لا على غرار الذين يكتبون حياة العظماء من الناس من المولد إلى الممات. فإن مثل هذه الحياة تمر بأطوارٍ إلى أن تصل إلى النضج والرشد.
 وقد عرفنا بموضوع البحث وخطته وفرضيته وسائر الأمور الأكاديمية التي تتناولها  المقدمة وقد وقع البحث من أجل الوصول إلى الهدف في ثلاثة مباحث كان الأول منها في مطلبين، الأول منهما  في أنه ماذا في حياة عليٍّ (ع) حتى تستحق هذا العشق المتكرر والإلحاح في طلبها صبيحة كلِّ يومٍ وقد أجبنا عن هذا السؤال، وفي المطلب الثاني عرضنا جملة نصوصٍ تُرسم من خلالها صورةٌ معبرةٌ عن هذه الحياة  الخالدة لولي الله تعالى وهي تتحرك تجاه الآخرين لكي توسع إطار مرضاة الله من خلالهم، وفي المبحث الثاني حاول البحث أن يمزج بين كل ألوان البرنامج العبادي، والخروج منه بلوحةٍ تلألأت بسموها في بِّر الشهادة، الذي لا بر فوقه، وفي ساحة الجهاد الأكبر الذي لا جهاد أكبر منه. وفي المبحث الثالث وقع البحث عن علوّ الهمة والإرادة العلوية أبرز معالم ونتاجات اليقين العلوي والتي صاغ من خلالها هذه الحياة التي بقيت طموحًا إيمانيًّا على أمد الأعصار والأمصار، وانتهى البحث إلى عدة نتائجَ سجلناها في خاتمته.

المقدمة
بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين، وعلى جميع أصحابه الأوفياء والميامين المنتجبين.
«اللهم أحيِني على ما أحيَيْتَ عليه عليَّ بن أبي طالبٍ (ع)، وأمِتني على ما مات عليه عليُّ بن أبي طالب (ع)»[1].
البحث هو طموحٌ إيمانيٌّ مستمرٌّ يُلِحّ به الإنسان المؤمن لكي يحقق له حياةً نموذجيةً هي حياة علي بن أبي طالبٍ (ع) وأن يحقق له نهايةً مشرّفةً وموتًا شريفًا هو موت علي بن أبي طالبٍ (ع) من خلال الإرادة وعلو الهمة. 
 وفرضية البحث من خلال ما تقدَّم إمكانية الاصطباغ بهذين المقطعين الحياة والموت لعلي بن أبي طالبٍ (ع)، وذلك من خلال مباحث ثلاثة  تتكامل لأجل إعطاء هذه النتيجة، ففي المبحث الأول مطلبان كان الأول في معرفة الهدف من الإلحاح على تحقيق حياة عليٍّ (ع) وقد تبيّن أنه تحقيق مرضاة الله، وفي المطلب الثاني كان التحرّك بهذه الحياة نحو الآخرين لأجل توسيع دائرة مرضاة الله من خلالهم، وفي المبحث الثاني حاول البحث أن يقدم برنامج الحياة العَلوية من خلال مزيجٍ فنِّيٍّ بين كل ألوان البرنامج العبادي، والخروج منه بلوحةٍ تتلألأ بسموها في بِّر الشهادة، الذي لا برَّ فوقه، وفي ساحة الجهاد الأكبر الذي لا جهادَ أكبر منه. والمبحث الثالث وقع في علوِّ الهمة والإرادة العلوية القرآنية حيث يتميَّز البحث ويرسم مثالهما في القدوة والأسوة.
وأما أهمية البحث فتتجلّى من خلال حاجة المجتمع الإنساني عموما إلى قدوةٍ في حياة أفضلَ يضعها الإنسان أمامه كي ينتظم سيره نحو نقطةٍ واحدةٍ محروزة الاستقامة والكمال مائة بالمائة.
 وأما الداعي إلى البحث فهو معالجة التخاذل والانهزام أمام تحديات الفكر والثقافة والحياة المعاشية التي بسطت نفوذها على وجود الأجيال الجديدة من جراء فقدان الهمة والإرادة في مقاومة هذه التحديات الجديدة من خلال استعراض حياة الإمام عليٍّ (ع) وكيف كانت تمتلك كامل الإرادة والهمة العالية في مقاومة كل تحديات الحياة وصعوباتها.
 وأما سابقة البحث فإن الإمام عليًّا (ع) كتبت عنه كل الأقلام بلا استثناءِ ديانةٍ عن ديانةٍ، ومذهبٍ عن مذهبٍ، وقوميةٍ عن قوميةٍ، ولكنّي في بحثي هذا تناولت حياته (ع) من خلال مفردتين هما مرضاة الله، وعلو الهمة، فاذا كانت الأقلام قد أوغلت في ربط حياة الإمام عليٍّ (ع) بمرضاة الله تعالى فلا أظنّ أن الأقلام قد فعلت ذلك من خلال علو الهمة فأرجو أن يكون توقّعي هذا هو الجديد في البحث، وأخيرًا كانت للبحث نهايةٌ في عدة نتائجَ سجّلناها هناك.

المبحث الأول: نصوصٌ تتجلى فيها حياة الإمام عليٍّ (ع):
المطلب الاول: السؤال الإيماني المُلِحّ:
إن السؤال الذي يطرح نفسه في مقام البحث هو: لِمَ يلحّ المصلّي من المؤمنين بهذا الطلب على الله عزّ وجلّ ومع فجر كلِّ يومٍ؟ ثم قد ترد أسئلةٌ أخرى يبعثها ويثيرها السؤال نفسُه هي: أيُّ شيءٍ فيها حياة عليٍّ (ع) غير الألم والمتاعب، والجوع، والخشونة، والقتال المستمر، والمعاناة التي تُقرِح الفؤاد وتمزِّق الأحشاء؟ وماذا ينفعنا الإلحاح على الله (عز وجل) بهذه الحياة المليئة بالآلام والمعاناة؟ هل الراحة في الألم؟ أم هل المسرَّة والرفاهية في الخشونة والجشوبة والشظف؟
والجواب: إنَّ عليّاً (ع) لم يعشَق الألم، بل هو يتأوَّه منه، ويتضجَّر كأيِّ بَشَرٍ، ولكنْ عندما يكون الألم في طريق مرضاة الله تعالى فهو (ع) يستعذبُه كما يستعذب العطشان الماءَ الفُرات، وهو (ع) لم يأخذه الوجْدُ بخشونة الحياة ولكنْها عندما تؤدي إلى مرضاة الله تعالى يكون هو السبّاق إليها.
والفَقْر في نظر علي (ع) هو الموتُ الأحمر، ولكنْ حينما يكون طريقاً لمواساة المحرومين والفقراء والمساكين يتجلببُ به كأفقر إنسانٍ. والقتال في نظر عليٍّ (ع) كُرْهٌ ولكنْ حينما ترتفع به راية حكم الله تعالى يستأنس به كاستئناس الطفل بثدي أُمّه. بل يشري نفسه من أجل أهدافه المقدسة ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشۡرِي نَفۡسَهُ ٱبۡتِغَآءَ مَرۡضَاتِ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ رَءُوفُۢ بِٱلۡعِبَادِ﴾ [2]، وعليٌّ (ع) رُكِّب في نفسه المَيْل إلى الزينة والنعومة كما رُكِّب فينا ذلك، إلا أنه روَّض نفسه رياضةً تهشّ معها إلى القرص اليابس والثوب المرقَّع، وهو (ع) يعمل من أجل أن يكون له متاعٌ دائمٌ هناك فينقلب إليه مسروراً. ولكن حينما يكون المتاع لدار النقلة يعزف عنه ولا يَهُمُّ به، لأنَّ البيتَ  كما يقول (ع) لا يَتأثَّث في دار النُّقلة[3].
إذًا الشيء الوحيد الذي يعشقه عليٌّ (ع) حقيقةً هو مرضاة الله عزَّ وجلَّ، لأنه هو القائل: «ضاعَ مَن كان له مقصدٌ غيرَ الله»[4]. وما هذه السبل التي سلكها عليٌّ (ع)، والتي كانت تضجّ بالآلام والمعاناة ومرُّ ما لاقاه، والتي لم يتراجع فيها خطوةً واحدةً، والتي ما ذكر لنا التاريخ في سطرٍ من سطوره أنه أصابه الوهنُ والضعفُ والتعبُ خلالها، إلّا تعبيرٌ صريحٌ عن مدى عشقه لهذه الحقيقة. فهو دائماً يسعى من أجل أن يوغل فيها أكثر ويستديم عيشها، ويرقى في مدارجها حتى لو أدّى الأمر إلى أن يبيت على حَسَكِ السَّعدان مُسَهَّداً، أو يُجرَّ في الأغلال مُصَفَّداً، كما يقول هو (ع)، وحتى لو أدّى الأمر إلى أن يَلبس الكرابيس، ويشرب اللبن الحامض. أو يجلس على حصيرٍ رثٍّ.
وهو القائل: «اللهم إن هذه النفس نفس عبدك وأسألك أن تصلي على محمد وآل محمد وأن تحصّنها من الذنوب بحصنك وتمنعها من الخطايا وتحرزها من السيئات وتجعلها في حصنٍ منيعٍ لا يصل إليها ذنبٌ ولا خطيئةٌ ولا يفسدها عيبٌ ولا معصيةٌ حتى ألقاك يوم القيامة وأنت عني راضٍ وأنا مسرورٌ تغبطني ملائكتك وأنبياؤك وجميع خلقك، وقد قبلتني وجعلتني تابعاً طاهراً زاكياً عندك في الصادقين»[5].
إذًا إذا كان تمام مرضاة الله تعالى في حياة عليٍّ (ع) وتمام طموح عليٍّ فيها، فما أحوجنا إلى أن نتنسَّم عبير هذه الحياة مع بزوغ كلِّ فجرٍ، ونعيش في ظلالها الإيمانية الوارفة! وما أحوجنا إليها حتى لو كانت مفعمةً بالآلام والأذى إلى ما شاء الله! لأنّها في الحقيقة هي السعادة، وهي الطموح الإيماني بمعنى الكلمة، وهي السرور والراحة التي ما بعدها راحةٌ. وما ألَمٌ بعدَه رضا الله سبحانَه بأَلَمٍ.
وهل كان محقّاً ومنصفاً ومصيباً أن يقول قائلٌ: «وَالله إنَّ يوماً من عُمْرِ عثمانَ أفضلُ من حياةِ عليٍّ»[6].
المطلب الثاني: الهدف الحركي لحياة الإمام علي (ع):
لو راجعنا بعض النصوص التي تتجلى فيها حياة الإمام عليٍّ (ع) لوجدنا فيها مرضاة الله هدفاً يتحرّك نحوه الإمام (ع) بأسرع ما يمتلك إنسانٌ من جهدٍ وقوةٍ ومنافسةٍ. فهو السبّاق الأوَّل، وهو الفائز الأوَّل في كل طريقٍ يؤدّي إلى الهدف، في الزهد وفي العبادة، وفي الجهاد، وفي السياسة، وفي الحكم والإدارة، وفي الاقتصاد والعدالة، وفي العلم والأخلاق والكلمة، وفي المحيا، وفي الممات. وقد رسم (ع) من خلال هذه النصوص صورةً معبِّرةً عن هذه الحياة وهي تتحرك تجاه الآخرين لكي توسع إطار الهدف الحركي له في مرضاة الله من خلالهم، وهو عملٌ يهدف فيه (ع) إلى تعبيد البشرية من خلال هذا الهدف الذي لا ينتج إلا الإخلاص في العبودية لله تعالى.
وهذه نصوصٌ من نهج البلاغة تتجلّى لنا فيها صورةٌ من حركة الإمام (ع) في الجانب الإداري والمعيشي والتهذيبي نحو تحقيق الهدف، مرضاة الله عزّ وجلّ.
النص الأول: يوصي فيه عامله محمد بن أبي بكر (رض) حين قلَّده مصر في كيفيّة التعامل مع الناس هناك، يقول فيه: «فاخفضْ لهم جناحك، وألِنْ لهم جانبك، وابسط لهم وجهك، وآسِ بينهم في اللحظة والنظرة، حتى لا يطمع العظماء في حيفك، ولا ييأس الضعفاء من عدلك، فإنَّ الله تعالى يسائلكم معشرَ عباده عن الصغيرة من أعمالكم والكبيرة، والظاهرة والمستورة، فانْ يعذِّب فأنتم أظلم، وأن يَعْفُ فهو أكرم»[7]. ثم يقول (ع): «سَعِ الناسَ بوجهك ومجلسِك وحكمِك، وإيّاك والغضبَ فإنّه طِيَرةٌ من الشيطان، واعلم أنّ ما قرَّبك من الله يُباعدك من النار، وما باعدك من الله يقربك من النار»[8].
النص الثاني: وهو نصٌّ يمثِّل تحرَّكه (ع) نحو الهدف المقدس مرضاة الله تعالى في جانب العدالة والمساواة يقول فيه (ع): «والله لأن أَبِيتَ على حَسَك السَّعدان مُسَهّداً أو أجرَّ في الأغلال مُصفَّداً، أحبُّ إليَّ مِنْ أن ألقى الله ورسوله يوم القيامة ظالماً لبعض العباد وغاصبًا لشيء من الحطام»[9].
النص الثالث: وهو نصٌّ في الميدان السابق نفسِه يوجّه فيه الإمام (ع) نفوس الحاضرين إلى الطمع بمرضاة الله، وأنها خيرٌ وأعودُ من الطمع بحطام الدنيا ومتاعها الزائل، يقول فيه: «فأنتم عباد الله، والمال مالُ الله يُقسَّم بينكم بالسوية لا فضل فيه لأحد على أحد وللمتقين عند الله غداً أحسنُ الجزاء وأفضلُ الثواب. لم يجعلِ الله الدنيا للمتقين أجراً وثواباً، وما عند الله خير للأبرار» [10].
النص الرابع: وهو نصٌّ يقرأ لنا حياةَ عليٍّ (ع) في الجانب المعيشي منها حيث يقول (ع): «ما رأيت مُذ بعثَ اللهُ محمداً رخاءً»[11].
وحياة الإمام علي (ع) وإن أخذنا منها إشراقتين، واحدةٌ أطلَّت على عالم السياسة والحكم والثانية أطلت على عالم المال والاقتصاد إلا أنها من حيث الإطار العام لها لا توزن بميزانٍ، ولا تُقاس بمقياسٍ، لأن ضربةً واحدةً من يد عليٍّ (ع) لرأس بطل المشركين عمرو بن ودّ العامري أفضل من عبادة الثقلين إلى يوم القيامة! فكيف بحياة الإمام عليٍّ (ع) التي هي كلها جدٌّ واجتهادٌ وجهادٌ؟ وما كلماته ورسائله وخطبه (ع) التي نقرأها في نهج البلاغة إلا ترجمةٌ وقراءةٌ واقعيةٌ لِما كان يقدِّم لنفسه، ولأُمّةِ الإسلام، ويقرِّر لها من سلوكٍ ومواقفَ. ولقد قال (ع): «وكتابُك أبلغُ ما ينطق عنك!»[12].
إننا نستطيع أن نقرأ حياةَ الإمام عليٍّ (ع) بالكامل، كما نستطيع أن نقرأ القرآن ونهتدي به، فهو عِدلُه يدورُ معه حيثُما دارَ.
ولكن هل نستطيع أن نزن ونحيط بآيةٍ من آيات القرآن الصامت، حتى نستطيع أن نزن حياةَ القرآن الناطق من محياها لمماتها ونحيط بها؟!
إذًا إذا كانت حياة عليٍّ (ع)، على هذا القدر العظيم المعجز، فليستْ هي المطلوبة في الدعاء، لأنَّ ذلك مستحيلٌ، ونحن لا نقدرُ عليه. ولكن الممكن منها أن نَعرِفَ الصبغة التي اصطبغت بها تفاصيل حياة هذا الخالد العظيم ـ لكي نتمكن بعد ذلك من أن نصطبغ بنفس الصبغة التي اصطبغت بها.. وبالقدر المقدور.
إن الصبغة التي صبغت مسار هذه الحياة العظيمة -عزيزي القارئ-  ليست هي  البيضاء والصفراء، بل كان (ع) يقول لها غُرّي غيري، وليست هي الدنيا فهي عنده أهون من عفطة عنز. وفي عينه أهون من عفصةِ مقرةٍ[13]. ومن عِراقِ خنزيرٍ في يدِ مَجذوم[14].
وليست هي الغدر والختل وهو القائل: «والله ما معاوية بأدهى مني ولكنه يغدر ويفجر»  ولا هي طمعاً، لأنه رقّ مؤبّد، ولأن الطامع في وَثاق الذُّل. ولا هي عدوانٌ، لأنَّه هو القائل: «بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد»، ولا هي كذبٌ ولا جبنٌ ولا بخلٌ.. لأنَّ ذلك عارٌ ومنقصةٌ ولأنَّه هو القائل: «ما كَذبتُ ولا كُذِّبتُ ولا ظَلَلْتُ ولا ضُلَّ بي»[15] والقائل: «البخل جامعٌ لمساويء العيوب»[16]. ولا هي نزعةٌ انتقاميةٌ لأنه هو القائل: «إياكم والمثلةُ ولو بالكلبِ العقور»[17]، ولا هي عنصريةٌ ولا قوميةٌ، إذ كلكم لآدم وآدم من تراب. ولا أرى لبني إسماعيل فضلاً على بني إسحق. إنما هي صبغة العبودية لله عز وجل وحده لا شريك له ﴿صِبۡغَةَ ٱللَّهِ وَمَنۡ أَحۡسَنُ مِنَ ٱللَّهِ صِبۡغَةٗۖ وَنَحۡنُ لَهُۥ عَٰبِدُونَ﴾[18]. وهي صبغة التجرد المطلق من الأنا والدنيا والشيطان، هذه الصبغة الثلاثية المنحوسة.
فالإمام عليٌّ هو كما قال عنه رسول الله (ص) يوم الموآخاة بين المهاجرين والأنصار مخاطباً إياه: «أنت أخي وأنا أخوك فإنْ ذكرك أحدٌ فقل: أنا عبدُ الله وأخو رسولِه لا يَدَّعيهما بعدَك إلا كذّابٌ»[19].
فحياة علي بن أبي طالب (ع) كلها مصبوغة بهذه الصبغة المقدسة الطاهرة.. صبغة الله عز وجل من أول يومٍ وُلد فيه إلى آخر لحظةٍ إرتفع فيها شهيداً لله ساجداً في محرابه.
ولكي يتبين لك جانبٌ من صبغة هذا الرجل العظيم، هاك اقرأ معي هذه الرواية لعلَّنا نُوفَّقُ بمقدارٍ ما إلى أن نصطبغَ بها سائلين الله العون على ذلك: فقد جاء في زهد عليٍّ (ع) وقناعته عن الباقر(ع): «أنه ما ورد عليه أمران كلاهما رضًى لله إلا أخذ بأشدِّهما على بَدَنِه»[20].
واقرأ ما حدَّث به أبو عمرو الأسدي عن الكلبي قال: قال معاوية بن أبي سفيان لضرار بن عمرو: صِفْ لي عليّاً، قال: أو تَعفيني؟ قال: لا أَعفيكَ. قال: أمّا إذا لا بدَّ فإنّه واللهِ كان بعيدَ المدى شديدَ القوى يقولُ فصلاً ويحكمُ عدلاً يتفجّر العلم من جوانبه، وتنطق الحكمة من نواحيه، يستوحش من الدنيا وزهرتها، ويستأنس بالليل وظلمته. كان والله غزيرَ العَبرة، طويلَ الفكرة، يقلِّب كفَّه، ويخاطب نفسه، يعجبه من اللباس ما قَصُرَ ومن الطعام ما جَشُبَ!!! كان والله كأحدنا يجيبنا إذا سألناه، ويبتدئنا إذا أتيناه، ويلبّينا إذا دعوناه، ونحن والله مع تقريبه لنا وقربه منا لا نكلمه هيبة، ولا نبتدئه لعظمته!!! فإن تبسَّم فَعَنْ مثلِ اللؤلؤ المنظوم. [كان] يعظِّم أهل الدين، ويحبُّ المساكين، لا يطمع القوي في باطله، ولا ييأس الضعيف من عدله!!! فأشهدُ بالله لقد رأيته في بعض مواقفه وقد أرخى الليلُ سدوله وغارت نجومه وقد مَثُلَ في محرابه قابضًا على لحيته يتململ تململ السليم ويبكي بكاء الحزين فكأني الآن أسمعه وهو يقول: يا دنيا يا دنيا أليَّ تعرضتِ؟ أو ليَ تشَوّفتِ؟ هيهات غُرّي غيري قد أبنتُكِ ثلاثا لا رجعة لي فيك!!! فعمرُكِ قصيرٌ وعيشُكِ حقيرٌ وخطرُكِ كثيرٌ!!! آهٍ من قلَّة الزاد ووحشةِ الطريق وبُعدِ السَّفر!!! قال: فوكفتْ دموع معاوية ما تملكَّها عن لحيته وهو يمسحُها بكفِّه وقد اختنق القومُ بالبكاء!!! فقال معاويةُ: رحمَ الله أبا حسنٍ كان والله كذلك، فكيف حزنك عليه يا ضِرار؟ قال: [ضرار: حزني عليه] حزنُ من ذُبِحَ واحدُها في حجرها فلا ترقأ عبرتُها ولا تسكن حَرَّتُها؟ ثم خَرَجَ[21].
وبهذه القراءة الموجزة لهذه الحياة الحسنى صبغةٌ، يتّضح لنا المعنى من الدعاء الذي يقرأ ضمن تعقيبات صلاة الصبح فيكون معناه هكذا:
 يا إلهي اجعل كل أعمالي وأقوالي لك لا لغيرك، كما كانت حياة عليٍّ كلها لك، ما شذَّت منها لحظةٌ لغيرك.. واجعل مماتي في سبيلك وفي مواطن عبادتك، وفي أقرب المواضع إليك في أحبّ الأوقات لديك، كممات عليٍّ (ع). مات شهيداً في سبيلك في بقعةٍ طاهرةٍ من بقاعك، ألا وهي (مسجد الكوفة)، وفي المحراب، وفي ليلةٍ هي أفضل ليالي شهر رمضان، الذي هو أفضل الشهور، وفي موضع السجود الذي هو أقرب مواضع العبودية لله عزّ وجلّ.
اللهم نحن لا نستطيع أن نحقق حياةً كلها إخلاٌص وعبوديةٌ حقةٌ وصادقةٌ كحياة عليٍّ (ع)، ولكننا نسألك بحق هذا الشهر الأَصَبّ عندك شهر الرحمة وشهر أمير المؤمنين (ع) شهر رجب المرجَّب ألّا تجعل حياتنا مصبوغةً بصبغة الشيطان والهوى وحبِّ الدنيا. وأن تجعل صبغة هذا الشهر، شهر انصباب الرحمة، صبغةً لنا في ما سواه من الشهور.

اللهم اجعل أعمالنا وأقوالنا وكل تصرفاتنا مصبوغةً بالولاء لك ولرسولك (ص)، ولآل بيته الأطهار (ع)، لكي نكون من أوليائك الذين يفتخرون بالعبودية لك.

اللهم اجعل صبغتنا إسلاميةً لا شرقيةً ولا غربيةً وثبتنا عليها ولا تزغ قلوبنا عنها.

اللهم أحينا على ما أحييت عليه علي بن أبي طالب وأمتنا على ما مات عليه علي بن أبي طالب (ع).

المبحث الثاني: اللوحة الفنية لحياة الإمام عليٍّ (ع):

من خلال ما تقدم نستطيع القول بأن الإمام عليّاً (ع) بلحاظ كونه عبداً لله، وأخاً لرسول الله راح يعطي برنامج العبودية لله التي تتكامل بها الشخصية الإنسانية وبرنامج الأخوّة الرسالية التي لازمت رسول الله (ص) واتبعتْه كاتباع الفصيل أثر أمّه[22]، فحققت نسخةً أصيلةً لشخصية الكمال التي كان رسول الله (ص) يُعرف بها، كلُّ ذلك من خلال المزج بين كل ألوان البرنامج العبادي والأخلاقي الذي كان رسول الله (ص) يرفع علمه كل يوم لعليٍّ (ع) ويأمره بالاقتداء به[23]، والخروج منه والتخرّج بلوحةٍ تتلألأ بسموها في بِّر الشهادة، الذي لا بِرَّ فوقه، وفي ساحة الجهاد الأكبر الذي لا جهاد أكبر منه. تخرج وهو يقول: «وإني لمن قومٍ لا تأخذهم في الله لومة لائم سيماهم سيما الصديقين، وكلامهم كلامُ الأبرار. عُمّارُ الليل ومنارُ النهار. متمسّكون بحبل القرآن. يحيون سنن الله وسنن رسوله. لا يستكبرون ولا يعلون، ولا يغلون ولا يفسدون. قلوبهم في الجنان وأجسادهم في العمل»[24].
لوحة أخرجتها يد الجهاد، وروح الإخلاص والفناء في الله عز وجل وفي رسول الله (ص). وأروع ما في هذه اللوحة أنك لا تجد فيها لوناً من ألوان الصفراء والحمراء فقد طلقهما مراراً وتكراراً، وأنك لا تجد فيها لوناً من ألوان العسل ولباب القمح، لأنهما غير جميلين في لوحة يرسمها القائد للأمة المستضعفة، وهيهات أن يغلبه هواه، ويقوده جشعه إلى تخيّر الأطعمة.
نعم فيها لون الصفرة إلا أنها صفرة الوجوه من السهر، والعبادة. وفيها اللون الأبيض والأسمر.. بياض اللبن الحامض، وسمرة خبز الشعير، اللذين اعتاد أن يفطر عليهما، وفيها مشهد البطون التي التحقت بالمتون من الصيام تذللاً، وفيها مشهد العبد الذي يطلب من الله فكاك رقبته. تلك اللوحة التي ازدهرت بلون التقوى، التي تجمع في مركز ساحتها أكثر من مائة لونٍ من ألوان الأخلاق الفاضلة. تلك الألوان التي أشرقت ببهائها على صاحبه همام فخرّ صعقاً، وكانت نفسه فيها.
فيها مشهد الإنسان الذي إذا نظرت إليه وجدته كتاب الله! وإذا نظرت إلى كتاب الله وجدته إياه! لا فرق بينهما سوى أن أحدهما ناطقٌ والثاني صامتٌ.
فلا أدري أيهما أقرأ؟ أقرأ كتاب الله الذي نزل في شهر رمضان نزوله الكلي وفي رجب نزوله التدريجي، أم أقرأ حياة ولي الله الذي صعد إلى ربه عابدًا وعبدًا لله وشاهدًا وشهيداً، فختم لوحتها بعد أن وضعها بيديه بين دفتي المحراب مخضبةً بدمه الأحمر الزكي وهو صائمٌ دون أن يضعها له الناس؟
إن علاقة العبادة بالإمام عليٍّ (ع) كعلاقة التطبيق بالنظرية فقيمة النظرية دائماً من قيمة تطبيقها على الواقع. وقيمة الواقع تنبع من صدق النظرية. وليس من نافلة القول إذا قلنا أن شهور الله كلها تتشرف بعليٍّ وبلوحة حياته المثلى، ولكن من شرف شهر رمضان الذي هو أفضل الشهور أن اختص بشهادة عليٍّ (ع) فيه، ومن شرف شهر رجبَ اختصاصه بولادته وببعثة الرسول الأكرم (ص). ومما يُصدِّق أن شخصية عليٍّ (ع) هي أفضل شخصيةٍ وأروع نموذجٍ بشريٍّ، بعد نموذج رسول الله (ص) هو استشهاده في شهر القرآن على هذه الصفات التي ذكرنا نزرًا منها لكي يبقى خالدًا مع القرآن وليشارك القرآن في صمته في ليلة نزوله، وفي أشرف الأماكن، بعد المسجد الحرام، ومسجد النبي، وفي الأفضل منها ألا وهو المحراب، وفي أفضل حالات العابد ألا وهي السجود، فهل بعد هذه العلاقة علاقةٌ؟
وما الذي نستفيده من هذه العلاقة الصميمية الصادقة بين الاثنين؟
 إنَّ الذي نستفيده هو أننا في أيِّ مدرسةٍ منهما درسنا نكون قد حققّنا لأنفسنا نموذجاً لا يمكن الإشراف عليه والدخول فيه، إلا من خلال هذه الخصال. ومن دون أن نفهم هذه الخصال لا يمكننا أن نفهم كلتا المدرستين، ولا يمكننا أن نكتشف مفتاحيهما وسبر أغوارهما.
ولهذا يصعب على غير المتعلمين في مدرسة القرآن، أن يفهموا شخصية الإمام عليٍّ (ع) ويقيِّموها ويكتشفوا مفتاحها، ويصعب على من لا يفهم شخصية الإمام عليٍّ (ع) أن يحقّق لنفسه معرفةً نموذجيةً للقرآن تنضح بالتقوى والتضحية. ولهذا نجد كل الذين تكلموا عن القرآن بغير لغة عليٍّ (ع) هم دون أن يصلوا إلى واقع القرآن وفضله.
ولكن هذا لا يُثنينا، كما لا يُثنينا التعرّف على حقيقة تلك الحياة التي اُخبرنا رسول الله (ص) عنها بقوله: «يا علي لا يعرفك إلا الله وأنا»[25].
نعم، إن من يعيش في محيط الدنيا لا يستطيع أن يعرف من هو خارجها. ومن هو في حبائلها لا يستطيع أن يعرف الذين أفلتوا منها.
لو حققنا لأنفسنا قراءةً صحيحةً واعيةً للقرآن لاستطعنا أن نفلت من حبائل الدنيا، وننسلّ من مخالبها، وبالتالي نكون قد التحقنا بعليٍّ وشايعناه واجتمعنا معه ورأيناه رأي العين، وعرفناه معرفةً عن قربٍ وواقعيةٍ.
أمّا ذلك الإنسان الذي لا يستطيع أن يروِّض نفسه ولو على محاولةٍ واحدةٍ من مدرسة عليٍّ (ع) كأن يشارك عليّاً أو يواسيه في إفطارٍ واحدٍ من إفطاراته المعروفة كيف نريد له أن يفهم عليّاً وهو لم يأخذ من مدرسة عليٍّ ولا حتى هذا الشيء اليسير؟ وكيف نفهم علًّيا ونريد منه أن يترك آثاره فينا ونحن نرغب عن أن نروض أنفسنا على العطاء والكرم اللذين هما من ملامح مدرسة هذه الذكرى المعطاءة، وكيف ينجذب إلينا عليٌّ (ع) ونحن لا زلنا نخجل وننهزم من خدمة الناس ولا نحقق منها ولو بما يرفع العناء والحاجة والفقر؟  والقرآن الناطق والقرآن الصامت كلاهما ينطقان ويقولان: قال تعالى: ﴿أَرَءَيۡتَ ٱلَّذِي يُكَذِّبُ بِٱلدِّينِ 1 فَذَٰلِكَ ٱلَّذِي يَدُعُّ ٱلۡيَتِيمَ 2 وَلَا يَحُضُّ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ﴾ [26] ويقول في سورة الفجر: ﴿كَلَّاۖ بَل لَّا تُكۡرِمُونَ ٱلۡيَتِيمَ 17 وَلَا تَحَٰٓضُّونَ عَلَىٰ طَعَامِ ٱلۡمِسۡكِينِ 18 وَتَأۡكُلُونَ ٱلتُّرَاثَ أَكۡلٗا لَّمّٗا 19 وَتُحِبُّونَ ٱلۡمَالَ حُبّٗا جَمّٗا﴾[27].
وكيف يستذوق طعم التقوى ولذة العبادة من لا يكرم اليتيم ولا يحض على طعام المسكين إنّنا مدعوون جميعاً أن نروّض أنفسنا على ملامح هاتين المدرستين، لأن عليّاً من قبلِنا روَّض نفسه رياضة «تهشّ معها إلى القرص إذا قدرت عليه مطعوماً وتقنع بالملح مأدوماً»[28]. ومَن روّض نفسه على هذه الرياضة التي يتساوى بها مع الفقير والمسكين في مطعومه ومأدومه لحريٌّ أن يكون هو القرآن الناطق.
إنّنا مدعون جميعاً أن نأخذ من مدرسة عليٍّ ومدرسة القرآن بمقدار قدرتنا وان كانا مدرسةً واحدةً. حتى لو سأَلنا سائلٌ عنهما لأجبنا بمقدار ما روَّضْنا أنفسنا عليه من دروسهما، فإن هذا القليل هو الذي ينفعنا، وهو الذي يلحقنا بهما وليس الكثير الذي لا علم معه. فقد قيل: «ولا تعلم من العلم إلا ما تعمل به فقط»[29]. فالذي ينفعنا هو ما نروّض أنفسنا عليه وفق ملامح مدرسة عليٍّ (ع)، والذي ينفعنا من مدرسة القرآن ما نروّض أنفسنا عليه وفق معالم وملامح مدرسة القرآن لا ما نعلمه فحسب عن هذه المدرسة.
وعليٌّ (ع) هو الشخص الأول بعد رسول الله (ع)، الذي استطاع أن يروِّضَ نفسه على كل معالم مدرسة القرآن التي هي معالم حياة الرسول الأكرم (ص).
هذا، ولو أني تركت القول في ما لا أعرف لكان خيراً لي... لأنه هو القائل: «ودعِ القول في ما لا تعرف، والخطاب في ما لم تُكلَّف» [30]. ولكن الحُبَّ يقهر، والولاء يظهر، فإليك العذر يا سيدي لو أنقصتُ إذ النقيصةُ قدري، ولأنك قرآن الله الناطق... فإذا كان قرآن الله الذي أنزل على نبينا محمدٍ (ص) كما تقول: «نوراً لا تُطفأ مصابيحه وسراجاً لا يخبو توقده وبحراً لا يُدرك قعره...»[31] فكيف ندرك قعرَ بحرك وندرك كنهَ سراجك الذي أوقدتَه بدم شهادتك.
وإذا كان القرآن النازل كما تقول أنت يا مولاي: «بحرٌ لا ينزفه المستنزفون، وعيون لا يُنضبها الماتحون، ومناهل لا يغيضها الواردون»[32]، فما عسانا أن نقول عن بحر علمك ومناهل تقواك ووصلك بالله عز وجل؟ وهكذا أرجع إلى واقع قدر نفسي قائلاً: «ما هلكَ امرؤٌ عرفَ قدرَه»[33].
المبحث الثالث: علو الهمة واليقين أبرز معالم حياة علي (ع):
المطلب الاول: علو الهمة:
عُلوّ الهمة هو أمرٌ نفسيٌّ تتعلق به الأمور العظيمة ويرمز إلى المكانة وعلو المرتبة، وقد يكون هذا العلو ذاتيّاً في نفس الفرد فلا ينتج إلا العلو أيضا يقول علي (ع): «الحِلمُ والأناةُ توأمان يُنتجهما علوُّ الهمّة»[34]، وقد يكون الفرد بذي همة ولا ببعيدها،  فتكون همته مثلًا أشبه بفورةٍ عاطفيةٍ سرعان ما تذوب أو تضعف وتتحول إلى أمرٍ آخرَ يختصر فيها  الفرد على أن يقف مع ما يريد بدون اهتمامٍ وانتباهٍ، وليس له همّةٌ أبعد من ذلك.
 جاء في تفسير الثعلبي: «نظر الحسن إلى رجلٍ يعبث بالحصى ويقول: اللهم زَوِّجني من الحور العين، فقال: بئسَ الخاطبُ أنت، تخطبُ وأنت تعبَثُ» [35]. وجاء في تفسير الثعلبي عن أبي ذر عن الرسول (ص): «إذا قام أحدكم إلى الصلاة فإن الرحمة تواجهه فلا يحركن الحصى»[36] لأن مقام الرحمة الإلهية يجب أن يكون شاغله لا أن يكون مشتغلًا بتحريك الحصى بأصابع قدميه. وبعبارةٍ أخرى: إن صاحب الهمة الكبيرة لا ينبغي له أن ينشغل بغير الأمور الهامة والكبيرة، والرحمة الإلهية وسعتها تطلب من المصلي ذلك.
 وحينما يتحوَّل الفرد إلى هذا المقدار من الهمّة يكون أشبه شيئًا بمن يكون يوم صومه كيوم فطره ليس بينهما مسافةٌ إلاّ حرف الكاف، فلا يغير منه الصوم شيئا، لأنه ليس له همة في أن يكون صومه متميزًا حتى تمتاز حياته بعطائه. وبعبارةٍ أخرى حينما لا يجد ما يشدّه إلى إرادةٍ أرفعَ وهمةً أعلى، ويشعر بأن لا شيء يستحق الهمة والإرادة في هذه الحياة لن يتغير من حاله شيءٌ.
 أمّا صاحب الهمة العالية فهو مهما أعطى من عطاءٍ وقدّم من تقديمٍ إلى الانسانية أو إلى حياته الأخرى فهو لا يرى أنه قدَّم شيئا بل يقول  كما يصور لنا هذه الفكرة الشيخ مكارم الشيرازي في تفسيره الأمثل: «إن أصحاب الهّمة العالية ليسوا كالشخص الكسول الدنيء الهمة الذي يأتي بأقلِّ الأعمال ثم يتصور أنه من المقربين عند الله. ويتملّكه العجب والغرور بحيث يرى الآخرين صِغارًا وحُقراءَ، بل إن هؤلاء لا يطمئنون ولا يبتهجون بأكبرِ عملٍ مهما زكا وسما، بل وينجزون الأعمال الصالحة التي تعادل عبادة الثقلين. ومع كلِّ هذا يقولون: آهٍ من قلّة الزاد وبُعدِ السفر[37]!
وعلوُّ الهمة والارادة العالية إذا تملّك الفرد -مهما كان الفرد-  فإنه لا ينهزم ولا يندحر ولا ييأس أمام حالات الإخفاق والخطأ وانغلاق الفرص والطرق أمامه. وكم من الأفراد من الذين أخفقوا في حياتهم علماء وأصحاب شركاتٍ عالميةٍ وأصحاب عملٍ وأفراد عاديين المرة والمرتين والثلاث والأربع والعشرة والعشرين بل والمائة ولم ينثنِ عزمُهم عن مواصلة الطريق وتجربة الحياة والعمل تحدوهم فيه تلك الإرادة الصلبة والهمة العالية، واستمروا حتى سجَّلوا النجاح والتقدّم، وحتى صاروا رموزًا في مجالاتهم يذكرون حينما يكون الحديث عن الهمم العالية والإرادة الصلبة.  
 وبعلوِّ الهمة هذا راح المفسرون يفسرون قوله تعالى: ﴿نَرۡفَعُ دَرَجَٰتٖ مَّن نَّشَآءُۗ﴾[38]، قال جعفر الخلدي: نرفع درجات من نشاء بالخُلُق السَّني والهِمّة الزكيّة[39]. فهؤلاء الذين رفعهم الله تعالى أو سيرفعهم إن في الدنيا أو في الآخرة إنما لأجل همتهم بعمل الخير والارتباط به دائما، ولأجل المستوى الذي حققوه منه.
بل صار رفع الهمة عن الشيء المهم والصالح أو انعدامها عنده سَفَهاً يُوصف به الفرد.
ورد في تفسير الثعلبي عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَمَن يَرۡغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ﴾[40]، أي يرفع همَّته عنها ويعطيها ظهره ﴿إِلَّا مَن سَفِهَ نَفۡسَهُۥۚ﴾[41]، أي مَن أوبَقَ نفسه وأهلكها كما عن أبي عبيدة»[42].   
ولما كان الإسلام لا يريد لكلٍّ من الفرد والمجتمع معاً أن يكون جامدًا أو يدور حول نفسه ويراوح في مكانه نجده يؤكّد كثيراً على بُعد الهمّة عند الطلب وبالخصوص في أمور الدين والآخرة، فقد ورد عن الإمام علي (ع): «كنْ بعيدَ الهِمَمِ إذا طلبتَ»[43]، وهكذا كانت سيرة الصالحين أولي الهمم العالية من أولياء الله، فهذا أبو ذر كما يذكره لنا الإمام الباقر (ع): «بكى أبو ذرّ (رض) من خشية الله عزّ وجلّ حتى اشتكى بصره، فقيل له: يا أبا ذرّ لو دعوتَ الله أن يشفي بصرَكَ. فقال: إنّي عنه لمشغولٌ وما هو من أكبرِ همّي: قالوا وما يَشغلُكَ عنه؟ قال: العظيمتان: الجنّة والنار»[44].
وهذا هو ربيعة بن كعب في همته وهدفه الأعلى يقول: «قال لي ذات يوم رسول الله (ص): يا ربيعة خدمتني سبع سنين أفلا تسألني حاجةً؟ فقلت: يا رسول الله أمهلني حتى أفكر. فلما أصبحت ودخلت عليه قال لي: يا ربيعة هات حاجتك، فقلت تسأل الله أن يدخلني معك الجنة. فقال لي: من علَّمك هذا؟ (أي من علَّمك هذا الهدف العُلويّ) فقلت: يا رسول الله ما علَّمني أحدٌ، لكني فكَّرت في نفسي وقلت: إن سألته مالاً كان إلى نفاذٍ، وإن سألته عمراً طويلاً وأولاداً كان عاقبتهم الموت، قال ربيعة: فنكَّس رأسَه ساعةً ثم قال: أفعلُ ذلك، فأعنّي بكثرة السجود»[45].أي إذا كنت تريد هذه المكانة العالية فأعنِّي للوصول إليها بالسجود أي بأقصى درجات التقرّب إلى الله والسجود واحدٌ منها، علوٌّ بعلوٍّ، أي علوٌّ في المنزلة يقابله علوٌّ في الوسيلة التي توصل إليه، والعلو لا يُنال بالعبث واللعب والتمني.
أنشد بعضهم:

بقَدْرِ الكَدِّ تُعطى ما ترومُ

ومن طلبَ العلا ليلاً يقومُ

 وبعضهم:

بقدر الكدّ تُكتَسبُ المعالي

ومن طلبَ العُلا سَهَرَ الليالي

ترومُ العزَّ ثم تنامُ ليلاً

يغوصُ في البحر مَنْ طَلَبَ اللآلي[46]

  فإنَّنا نستطيع أن نستفيد من الرواية والتي قبلها عدم كفاية النية وجمع الهمة وحدها بدون أن تفعَل في أن تصنع فرداً نموذجيّاً بل ينبغي للمؤمن أن يعيش همّاً أبعد من قضية النية الحقيقية، بل ينبغي له أن يجعل لنفسه همّاً عمليًّا بعيد الأمد كهمّ أبي ذر الغفاري أو همّ ربيعة أو همّ عجوز بني إسرائيل أو همّ المؤمنين الذين يسألون الله جوار رسوله (ص) في جنته وهمهم في أن يحققوا حياة عليّ بن أبي طالبٍ ومماتاً مثل مماته (ع).
ومن هنا نستطيع أن نفهم لماذا يوجّه الأئمة الأطهار (ع) همتنا وإرادتنا إلى أبعد مسافةٍ في ميدان الهمة والإرادة. ولماذا يريد القرآن أن يُطلق فينا هذه الهمة والإرادة التي لا حدود لها وهو يقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدۡحٗا فَمُلَٰقِيهِ﴾[47]، همة الكدح وإرادته نحو المطلق الذي لا يحدّه حدٌّ  قائلًا له: أنت تكدح في هذا الطريق فهل أعددت له ما يستأهله؟ إياك أن تتعامل معه بلا همةٍ صادقةٍ وإرادةٍ جديةٍ فإنّ طريق كدحك سينتهي إلى ملاقاة ربك ومن يد ربك ستتسلم جزاء كدحك، ﴿فَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ 7 فَسَوۡفَ يُحَاسَبُ حِسَابٗا يَسِيرٗا 8 وَيَنقَلِبُ إِلَىٰٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورٗا 9 وَأَمَّا مَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ وَرَآءَ ظَهۡرِهِۦ 10 فَسَوۡفَ يَدۡعُواْ ثُبُورٗا 11 وَيَصۡلَىٰ سَعِيرًا 12 إِنَّهُۥ كَانَ فِيٓ أَهۡلِهِۦ مَسۡرُورًا 13 إِنَّهُۥ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾[48].
 بل يدين القرآن الانسانَ الذي تقعد به همته لا لشيءٍ الّا لهوًى متَّبعٍ فيقول: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلۡإِنسَٰنُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ ٱلۡكَرِيمِ﴾[49]، أي ما يُقعدك وما يشغلك عنه؟ فهو الذي ربّاك ويُربّيك بأحسن التربية وبأكرم التربية، من يقعد بك عن أن تروم غير الرب الكريم الجواد ذي الفضل العظيم؟ نعم العقائد الضالة ومنها التكذيب بيوم الدين هي التي تقعد بالإنسان عن ذلك.
هذا هو الإمام زين العابدين (ع) يحفِّزُنا إلى هذه الهمة المقصودة فيقول في دعائه: «فقد انقطعت إليك همَّتي، وانصرفت نحوك رغبتي، فأنت لا غيرك مرادي ولك لا لسواك سهري وسهادي»[50]. لقد انقطعت همته (ع) إلى الله عزَّ وجلَّ ولم يأخذ من همته هذه حتى النوم الذي يحتاجه الإنسان في ليله، مجددًا في مقولته وهمته هذه مقولة وهمة جده أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) وهو يقول: «طوبى لنفسٍ أدَّت إلى ربِّها فرضها، وعركت بجنبها بؤسها. وهجرت في الليل غمضها حتى إذا غلب الكرى عليها افترشت أرضها وتوسدت كفَّها في معشرٍ أسهر عيونَهم خوفُ معادهم، وتجافت عن مضاجعهم جُنوبُهم. وهمهمت بذكر ربهم شفاههم، وتقشَّعت بطول استغفارهم ذنوبهم، (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله هم المفلحون)، فاتَّقِ الله يا ابن حنيف ولْتَكفِكَ أقراصُك ليكون من النار خلاصك»[51].
وليس البحث ببعيدٍ في ذكر الشرف السَّنِيِّ من الهمة التي كانت عليها همة زينب بنت أمير المؤمنين L العبادية والرسالية فإنها على الرغم من مُرِّ المعاناة التي مرت عليها في السبي والتي لا وصف لها أدت صلاة الليل كما ورد في الرواية.
وفي موضعٍ من مواضع السبي قال لها ابن زياد أثناء عرض الرؤوس على يزيد (لع): لقد شفى الله نفسي من طاغيتك والعصاة من أهل بيتك. فرقَّت زينب (ع) وبكت وقالت له: «لعمري لقد قتلت كهلي، وقطعت فرعي، واجتثثت أصلي، فإن يشفك هذا فقد اشتفيت، فقال ابن زياد: هذه سجاعة، ولعمري لقد كان أبوها سجّاعًا شاعرًا. فقالت: ما للمرأة والسجاعة؟ إنّ لي عن السجاعة لشغلًا، ولكن صدري نفث بما قلت»[52].
لاحظ ما الذي انصرف إليه همّ الطاغية ابن زياد وما الذي انصرف إليه همّ زينب الكبرى، فالطاغية شغله السجع في خطابة زينب، لم يشغله عظم الجريمة التي قام بها، بينما شغل زينب عرض مظلوميتها ومظلومية أهل بيتها أمام الناس المجتمعين.
نعم كان كل هم زينب كيف تنتصر من هؤلاء الطغام وكيف تحمي ما تبقّى من ثقل النبوة والامامة وتخلّصهم من القتل، ولولا هذه الهمة البطولية العالية في الفداء والتضحية والتعلق المخلص منها لانتهى أمر هذا الثقل في تلك الساعة. 
وهكذا يرسم الإمام عليٌّ وابنته وحفيده (ع) لوحةً العبودية للعابدين لوحة رسمتها يد الهمة العالية والإرادة الصلبة، الإرادة التي تدفع باستغفارها الطويل غيوم الذنوب المتراكمة في النفس، والهمة التي يهمهم صاحبها بذكر الله كثيرا، وتجعله يتجافي بها عن لذة الكرى، وما أدراك ما لذة الكرى، وما أدراك ما سلطانها، الهمة التي تُقسم بأن تستفرغ كل ماء العين في طريق المناجاة مع الله وفي طريق محبته والعبودية بين يديه. 
ولأجل أن تبقى قضية الهمة والإرادة بمناعتها كاملةً لا يأخذ منها أمرٌ مأخذاً، ولا يأخذ منها طلب الراحة واللذة شيئًا، صار الإمام عليٌّ (ع) يسيِّجها بسياجٍ منيعٍ يمنعه من ان تستسلم فيه إلى غيرها، فتراه في هذا السياق يقول موبِّخا ابن حنيف الذي لم يتحلَّ بمقدار من الهمة ومناعة الإرادة الرسالية التي يجب أن يكون عليها المتصدي لأمور المجتمع سيما الذي يعرف بالوجدان حياة قائده وإمامه أنها ليست على هذا النمط الذي مثَّله بحضور هذه الوليمة.
يقول (ع) وقوله رسمٌ وإرادةٌ وحكمٌ: «أمّا بعد يا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلًا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبةٍ فأسرعت إليها تُستطاب لك الألوان وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قومٍ عائلهم مجفوٌّ، وغنيُّهم مدعوٌّ... إلى أن يقول (ع): «ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطِمريه، ومن طعمه بقُرصيه. ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورعٍ واجتهادٍ، وعفةٍ وسدادٍ. فوالله ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا ادخرت من غنائمها وفرًا، ولا أعددت لبالي ثوبي طِمْرًا»[53].
ولم يكتف رسم إرادته إلى هذا الحد بل راح يوبِّخ نفسه وينعى عليها لو أنها فكّرَت ان تكون بهذا المستوى، بل راح يجمع همته ويدفع بها إلى اعلى نقطة، فيفرض لنفسه برنامجًا لا تستطيع الدنيا ولا الهوى أن يصلا إليه، بل راح يتمنى ما لم يتمنَّ غيره في أن يُقيم محكمةً يحاكم فيها هذه الدنيا التي تحاول دوما أن تدغدغ هذه الهمة والإرادة وتأخذ منها، ولكن هيهات هيهات أن تدغدغ همة عليٍّ (ع) وإرادته، فهاك اسمع نبرات هذه الهمة والإرادة العلوية التي تتحول الدنيا فيها إلى عراق خنزيرٍ وعفطة عنزٍ وعفصةٍ مَقِرَةٍ.
«بلى كانت في أيدينا فدكٌ من كل ما أظلته السماء، فشحَّت عليها نفوسُ قومٍ وسخت عنها نفوس آخرين. ونعم الحَكَمُ الله»[54].
ومعلومٌ أن الأرض كأيِّ مالٍ من الأموال شيءٌ محبوبٌ، والوجدان يدل على ذلك ولهذا كانت همة الآخرين شاذة في امتلاكها، وحيازتها وأما همة عليٍّ (ع) فكانت لا ترى فيها شاغلًا يستحق أن تشغل به النفس بل إن التقوى قادرةٌ على أن تعبر قناة محبتها إلى محبةٍ أكبر أو تعبرها إلى شيءٍ آخر يستحق من النفس أن تفكر به  أكثر وتعطيه اهتمامها الأكبر، ذلك هو الجدث وما أدراك ما الجدث، ومع ذلك فالحق لا يضيع ما دام الحَكَمُ موجودًا، والوقوفُ بين يديه حتميّاً، وإن الباطل سيُحكم عليه بما يستحقّ من الويل والثبور. فهو الذي يقول معبِّراً عن هذه الرؤية العملاقة التي تعبِّر عن الهمة العالية في عبور العقبات في طريق العبودية لله عزّ وجلّ:
«وما أصنع بـ(فدك) وغير فدك والنفس مظانّها في غدٍ جدثٌ تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها، وحفرةٍ لو زيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لأضغطها الحجر والمدر، وسد فرجها التراب المتراكم، وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنةً يوم الخوف الأكبر، وتثبت على جوانب المزلق.
ثم ينتقل (ع) ليرسم لنا لوحةً أخرى تجتذب بها النفس روحها من عالم اللذة والانشغال بالطيبات، ولكن هنا يبذل الإمام طاقةً كبرى تحمل في كلِّ نَفَسٍ من أنفاسِها همةً عاليةً وارادةً صلبةً، تلك همة قطع الحبل عن اللذائذ الدنيوية والانشغال بالطيبات. يقول (ع) وهو يرى أمامه كل الجائعين والمحرومين في الأرض، ويحفِّزه في رسم لوحتها جوع الجائعين وحرمانهم أن يكون معهم وشريكهم بل وأسوتهم. ويربأ بنفسه أن يكون في فريق الذين لا همَّ لهم إلا أن يكونوا كالبهائم المربوطة أو المرسلة. يقول (ع):
«ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفّى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة. ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرّى؟ أو أكون كما قال القائل:

وحسبك داء أن تبيت ببطنةٍ

وحولك أكباد تحن إلى القد

أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوةً لهم في جشوبة العيش. فما خُلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقممها، تكترش من أعلافها وتلهو عمّا يراد بها»[55].
ثم يقول (ع) راسمًا بقوله حركته التي ينسل بها من مخالب الدنيا ويفلت من حبائلها ويجتنب فيها مداحضها وبنفس الإرادة والهمة العلوية التي لا يملكها بتمامها غيره: «إليك عني يا دنيا فحبلك على غاربك، قد انسللتُ من مخالبك، وأفلتُّ من حبائلك، واجتنبتُ الذهاب في مداحضك. أين القرون الذين غررتِهم بمداعبِكِ، أين الأمم الذين فتنتِهم بزخارفِك. ها هم رهائن القبور ومضامين اللحود. والله لو كنتِ شخصًا مرئيًّا وقالبًا حِسِّيًّا لأقمت عليك حدود الله في عبادٍ غررتهم بالأماني وأممٍ ألقيتهم في المهاوي، وملوكٍ أسلمتِهم إلى التَّلف وأوردتِهم مواردَ البلاء إذ لا ورد ولا صدر. هيهات من وطئ دحضَك زَلِق، ومن ركِب لُججَكِ غَرِق، ومن اِزورَّ عن حبائلك وُفِّق. والسالم منك لا يبالي إن ضاق به مناخه والدنيا عنده كيومٍ حان انسلاخه. اعزبي عني. فو الله لا أَذُلُّ لكِ فتستذليني، ولا أُسْلِسُ لكِ فتقوديني»[56].

المطلب الثاني: اليقين وعلو الهمة 
في تفسير قوله تعالى ﴿قَالُواْ لَن نُّؤۡثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَآءَنَا مِنَ ٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلَّذِي فَطَرَنَاۖ﴾[57]، وهو حكاية قول السحرة حينما رأوا معجزة موسى وخطابهم اليقيني لفرعون يدل عليه قسمهم بالذي فطرهم وهو الله تعالى شأنه بأنهم لن يؤيدوا فرعون مقابل بعض الأماني الزائفة والزائلة على ما رأوه من معجزةٍ يقينيةٍ، وأنهم لن يتخلّوا عن موسى مهما كانت النتائج. فهذه الإرادة والهمة المرتكزة على اليقين في الثبات على الموقف الإيماني بموسى ومعجزته نابعٌ كما يقول ابن عربي في تفسيره من نتاج قوة اليقين. يقول ابن عربي في تحليل وتفسير هذه الإرادة والهمة العالية وتفسير كلام المؤمنين الذين كانوا قبل لحظات من السحرة ومن أزلام الطاغية بأنه:
«كلامٌ صادر من عظم الهمّة الحاصلة للنفس بقوة اليقين، إذ قوة اليقين في القلب تورث النفس عظم الهمة وهو عدم مبالاتها بالسعادة الدنيوية والشقاوة البدنية واللذات العاجلة الفانية والآلام الحسية في جنب السعادة الأخروية واللذة الباقية العقلية، ولهذا استخفوا بها واستحقروها بقولهم: ﴿إِنَّمَا تَقۡضِي هَٰذِهِ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَآ﴾[58]. ﴿لِيَغۡفِرَ لَنَا خَطَٰيَٰنَا﴾[59] أي: يستر بنوره الهيئات المظلمة والصفات الرديئة التي عرضت لنفوسنا بسبب الميل إلى اللذات الطبيعية ومحبة الزخارف الدنيوية ﴿وَمَآ أَكۡرَهۡتَنَا عَلَيۡهِ مِنَ ٱلسِّحۡرِۗ﴾[60] أي: معارضة موسى لأنهم لما عرفوه بنور استعدادهم وعلموا كونه على الحق، فاستَعفُوا عن معارضته»[61].
ومن هذا الواقع القرآني ينطلق عليٌّ (ع) بهمَّتة النابعة من اليقين بعيدًا عن حبائل الدنيا وزخارفها، وبعيداً عن مداحضها وعن كلِّ علوٍّ واستكبارٍ وغلوٍّ وفسادٍ، حرّاً أبيّاً نظيفاً طاهراً زكيّاً، ولم يكتف بذلك بل راحت إرادته وهمّتُه المرتكزة على ذات اليقين بمعرفة الله -الذي لا يقين فوقه ففي الحديث المستفيض عنه: (لو كُشف ليَ الغطاءُ ما ازددت يقينًا)[62]- تؤكّد نفسها بالأيمان المؤكدة -مستثنيا مشيئةَ الله- على أن تنتهج نهج الرياضة الجهادية في طريق رسول الله وأثر سيره قوي الأعضاد والأعواد والفؤاد على فعل ما لم يستطع عليه إنسانٌ غيره في العزوف والإشاحة عن كل زخارف الدنيا وملذاتها...
يقول (ع): «وأيمُ الله يمينا -أستثني فيها بمشيئة الله- لَأُرُوضَنَّ نفسي رياضةً تهشُّ معها إلى القُرص إذا قدرت عليه مطعومًا، وتقنع بالملح مأدومًا، ولأَدَعَنَّ مقلتي كعين ماءٍ نضِبَ معينُها مستفرغةً دموعها. أتمتلئ السائمة من رعيها فتبرك، وتشبع الربيضة من عُشبها فتربُض ويأكل عليٌّ من زاده فيَهجع؟. قَرّت إذاً عينُه إذا اقتدى بعد السنين المتطاولة بالبهيمة الهاملة والسائمة المرعية»[63].
ولا تحسبن علياء عليٍّ عاليةً برسم معالم حقيقة الدنيا بل هي هي في عليائها في رسم معالم إدارتها وسياستها بين الناس، تلك المعالم التي بقيت أثرًا يرجع إليه كلما أريد العدل والقسط في ساحة حكم الإنسان في الأرض. فاُقرأ كتابه (ع) إلى بعض عماله تجدْ ما نقول صريحًا:
«أما بعد فإنكَ مِمن أستظهرُ به على إقامة الدين، وأقمع به نخوة الأثيم، وأَسُدُّ به لَهاة الثغر المخوف. فاستعنْ بالله على ما أهمَّك، واخلط الشدة بضغثٍ من اللين، وارفق ما كان الرفق أرفقُ، واعتزم بالشدة حين لا يُغني عنك إلا الشدةُ، واخفضْ للرعية جناحَك، وألنْ لهم جانبَك، وآسِ بينهم في اللحظة والنظرة، والإشارة والتحية، حتى لا يطمع العظماءُ في حيفك، ولا ييأس الضعفاءُ من عدلك»[64].
نعم، إن اليقين الذي يمتلكه عليٌّ (ع) الذي حصَّله بالوجدان والبرهان على كمالية نموذج حياة رسول الله (ص) هو الذي خلق عنده هذه الهمة العالية المتميزة في أن تكون حياته نسخةً أخرى ووارثةً لها في كل خصالها التي عَرّف بها القرآن وعرّفت بها الرسالات من قبلُ. ومعرفته بها ويقينه بكمالها هو السبب الذي يقف وراء هذه الحياة المعجزة التي قدَّمها (ع) للبشرية، ووراء هذه الهمّة التي يحملها في طريق بناء الإنسان الصالح.
وفي هذه الهمة العملاقة والإرادة التي ينحدر عنها السيل ولا يرقى إليها الطير هام الشعراء وقالوا فيها كثيرا وأحبوها حافزًا لكلِّ إرادة خيِّرةٍ وهمةٍ عاليةٍ، وهذا أثرٌ من آثارهم يقول فيه صاحبه:

حُبِّي لِحَيدرَة الوصيِّ أَصِيلُ

وَلَدَيَّ فِي ذِكْرِ العُلَى تَرْتِيلُ

رَتَّلْتُ فِيهِ هِمَّةً عِمْلاقَةً

تَنْمَى إلى نَهْجِ النَّبِيِّ تَمِيــلُ


أَنَا كُلَّمّا أَأْتِي عَليّاً أَرْتَقِي

وَيَحُطُّ فِي أَعْمَاقِيَ التَّنْزِيلُ

أنَا كُلَّمَا أَأْتِـــي عَلِيّاً هِمَّتِي

عَلْيَاءُ تَنْشَطُ بالتُّقَى هَابِيلُ

أَنَا كُلَّمَا أَأْتِيهِ  أَلْمَسُ عِطْرَه

أَذْكَى مِنَ المِسْكِ الشَّمِيمِ عَلِيلُ

يَهْدِي إذَا قُصِدَتْ مَنائحُ عِلمِه

في الرّاسِخِينَ وَلِلْهُدَى تَهْلِيلُ

إنّي وَجَدْتُ الصّالِحينَ وَرَاءَهُ

يَمْشُونَ هَوْناً لِلسَّراةِ[65] دَليلُ

رُوحي وَأَرْواحُ الأَنَامِ فِداؤُهُ

مَا أَشْرقَتْ شَمْسٌ وَفَاحَ خَمِيلُ[66]

الخاتمة والنتائج:
إن هذا البحث عزيزي القارئ إنما حاولنا فيه من خلال المقدمة من التعريف بالعنوان  الطموح الإيماني وعلاقته بحياة الإمام عليٍّ (ع) ومماته وفرضية إمكان الاصطباغ بهذه الحياة المثلى من خلال مباحثَ ثلاثةٍ حاول البحث الأول من خلال المطلب الأول أن يعرض جملة نصوص فيها وصف الحياة العلوية، وفي المطلب الثاني طريقته (ع) في توسيع إطار مرضاة الله حركيًّا باتجاه الآخرين، وفي البحث الثاني تناول البحث قراءةً عن حياته (ع) من خلال برنامجٍ عباديٍّ مزج بين كل أنواع العبادة كي يقدمه أنموذجا في رسم لوحة الحياة المثلى في القدوة والأسوة، وفي المبحث الثالث تناولنا إرادته وهمته (ع) التي انفرد بها والتي كانت من نبع يقينه الذي هو حق اليقين ولا يقين فوقه، والتي رسم من خلالها حياته ورسم معها هدفه الكبير الذي تحركت به. ولم يكن البحث يثير اليأس من بلوغ الهدف الذي استقرَّ في نص الدعاء والتعقيب الصباحي لصلاة الصبح ما دام  يثير أمرين هما:
الأمر الأول: إمكانية الحصول على الصبغة الإلهية التي اصطبغت بها حياة عليٍّ (ع) وهي مرضاة الله عز وجل.
الأمر الثاني: إمكانية الكدح المستمر الذي تلبست به شخصية عليٍّ (ع) والذي ظل (ع) متلبسًا به في كل لحظةٍ من لحظات عمره إلى أن لقي الله بأفضل ما يلقى إنسانُ ربَّه.
 وقد سجَّل البحث  من النتائج إلى ما تقدَّم ما يلي:
1 - إن العمق الذي تمتلكه حياة الإمام عليٍّ (ع) لا يُدرك مداه، ولهذا فإنَّ ممارسة التعلُّم في جو هذه الشخصية يعطيها دربةً ومهارةَ تؤهّلها لأن تكون رفيقةً للصالحين.
2 - إن محبة القرآن الكريم وحياة رسول الله (ص) هما الطريق لحياة عليٍّ والاصطباغ بها.
3 - توصّل البحث في إثبات ما قصده من تناول حياة الإمام عليٍّ (ع) إلى اشاراتٍ أخرى لا يسع المقام تفصيلها مثل اليقين، والهمة العالية المنطلقة منه، والفردانية التي لا يمكن تكرارها كنموذجٍ آخر، وقرآنية وفرقانية هذه الحياة، ونحو ذلك مما يمكن للمتلقّي أن يلتقطه بوعيه وتدبّره، ومن الله نرجو القبول ونسأله الحسنى.

المصادر
القران الكريم
1 - ابن عربي (ت638 ه) تفسير ابن عربي، تحقيق: ضبطه وصححه وقدم له عبد الوارث محمد علي، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1422 - 2001م، المطبعة: لبنان/ بيروت - دار الكتب العلمية، الناشر: دار الكتب العلمية.
2 - ابن بابويه، علي (ت 329 ه)  فقه الرضا (ع) تحقيق: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث - قم المشرفة، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: شوال 1406،الناشر: المؤتمر العالمي للإمام الرضا (ع) - مشهد المقدسة.
3 - ابن طاووس (ت 664 هـ) إقبال الأعمال، تحقيق: جواد القيومي الاصفهاني، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: رجب 1414، المطبعة: مكتب الإعلام الإسلامي، الناشر: مكتب الإعلام الإسلامي.
4 - ابن منظور(ت 711 هـ) لسان العرب، سنة الطبع: محرم 1405، الناشر: نشر أدب الحوزة - قم – ايران.
5 - الإربلي، ابن أبي الفتح (ت 693 ه) كشف الغمة،  الناشر: دار الأضواء – بيروت.
6 - الإمام زين العابدين (ع) (ت94 هـ) الصحيفة السجادية (أبطحي)، تحقيق: السيد محمد باقر الموحد الأبطحي الإصفهاني، الطبعة: الأولى سنة، الطبع: 25 محرم الحرام 1411 المطبعة: نمونه – قم، الناشر: مؤسسة الإمام المهدي (ع)، مؤسسة الأنصاريان للطباعة والنشر - قم – ايران.
7 - الترمذي (ت 279 ه) الشمائل المحمدية، تحقيق: سيد عباس الجليمي، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1412، الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية – بيروت.
8 - الثعلبي (ت 427 ه) تفسير الثعلبي، تحقيق: الإمام أبي محمد بن عاشور، مراجعة وتدقيق الأستاذ نظير الساعدي، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1422 - 2002م المطبعة: بيروت - لبنان - دار إحياء التراث العربي، الناشر: دار إحياء التراث العربي.
9 - جورج جرداق (معاصر) روائع نهج البلاغة، تحقيق: إعداد وترتيب: جورج جرداق الطبعة: الثانية سنة الطبع: 1417 - 1997 م المطبعة: باقري الناشر: مركز الغدير للدراسات الإسلامية.
10 - الحلي، الحسن بن سليمان (ت ق 9 هـ) مختصر بصائر الدرجات، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1370 - 1950 م، الناشر: منشورات المطبعة الحيدرية – النجف.
11 - خطب الإمام علي (ع) (ت 40 ه) نهج البلاغة، تحقيق: شرح: محمد عبده، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1412 - 1370 ش، المطبعة: النهضة – قم، الناشر: دار الذخائر - قم – ايران.
12 - الدكتور الخليلي (معاصر) السقيفة أم الفتن، تحقيق وتقديم: مرتضى الرضوي، الطبعة: الأولى، الناشر: الإرشاد للطباعة والنشر - بيروت - لندن.
13 - الراوندي، قطب الدين (ت 573 هـ) الدعوات، تحقيق: مدرسة الإمام المهدي (ع) الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1407 المطبعة: أمير – قم، الناشر: مدرسة الإمام المهدي (ع) – قم.
14 - الريشهري، محمد (معاصر) ميزان الحكمة، تحقيق: دار الحديث، الطبعة: الأولى طبع ونشر: دار الحديث، الناشر: دار الحديث.
15 - الزبيدي (ت 1205 ه) تاج العروس، تحقيق: علي شيري، سنة الطبع: 1414 - 1994م المطبعة: دار الفكر – بيروت الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
16 - السلمي (ت 412 ه) تفسير السلمي، تحقيق: سيد عمران، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1421 - 2001م طبع ونشر: لبنان/ بيروت - دار الكتب العلمية.
17 - الشنقيطي (ت 1393 ه) أضواء البيان، تحقيق: مكتب البحوث والدراسات. سنة الطبع: 1415 - 1995م، المطبعة: بيروت. - دار الفكر للطباعة والنشر. الناشر: دار الفكر للطباعة والنشر.
18 - الشيرازي، ناصر مكارم، (معاصر) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل.
19 - الصدوق (ت 381 ه) عيون أخبار الرضا (ع)، تحقيق: تصحيح وتعليق وتقديم: حسين الأعلمي،  سنة الطبع: 1404 - 1984 م، المطبعة: مطابع مؤسسة الأعلمي - بيروت – لبنان، الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت – لبنان.
20 - الصدوق (ت381 هـ) الخصال، تحقيق: تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، سنة الطبع: 18 ذي القعدة الحرام 1403 - 1362 ش، الناشر: منشورات جماعة المدرسين في الحوزة العلمية في قم المقدسة.
21 - الطبرسي (ت 548 ه) تفسير مجمع البيان، تحقيق: تحقيق وتعليق: لجنة من العلماء والمحققين الأخصائيين الطبعة: الأولى سنة الطبع: 1415 - 1995 م الناشر: مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت – لبنان.
22 - الطوسي (ت 460 ه) التبيان، تحقيق: تحقيق وتصحيح: أحمد حبيب قصير العاملي الطبعة: الأولى، سنة الطبع: رمضان المبارك 1409، المطبعة: مطبعة مكتب الإعلام الإسلامي، الناشر: مكتب الإعلام الإسلامي.
23 - الطوسي (ت 460 ه) مصباح المتهجد، الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1411 - 1991م، الناشر: مؤسسة فقه الشيعة - بيروت – لبنان.
24 - العجلوني (ت 1162ه) كشف الخفاء، الطبعة: الثالثة، سنة الطبع: 1408 - 1988م، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت.
25 - العلامة المجلسي (ت1111 ه) بحار الأنوار، تحقيق: عبد الرحيم الرباني الشيرازي، الطبعة: الثالثة المصححة، سنة الطبع: 1403 - 1983 م، الناشر: دار إحياء التراث العربي - بيروت - لبنان.
26 - علي عاشور (معاصر) حقيقة علم آل محمد (ع) وجهاته.
27 - الكليني، محمد بن يعقوب (ت 329 هـ) الكافي ن تحقيق: تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، الطبعة: الرابعة، سنة الطبع: 1362 ش المطبعة: حيدري، الناشر: دار الكتب الإسلامية – طهران.
28 - المحقق البحراني (ت 1186ه)، الحدائق الناضرة، الناشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.
29 - المرعشي (ت 1411هـ ) شرح إحقاق الحق، تحقيق: تعليق: شهاب الدين المرعشي النجفي، تصحيح: إبراهيم الميانجي، الناشر: منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي - قم – ايران.
30 - المعتزلي، ابن أبي الحديد (ت 656 هـ) شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، الناشر: دار إحياء الكتب العربية - عيسى البابي الحلبي وشركاه،  مؤسسة مطبوعاتي إسماعيليان.
31 - المناوي (ت 1031 ه) فيض القدير شرح الجامع الصغير، تحقيق: تصحيح أحمد عبد السلام الطبعة: الأولى، سنة الطبع: 1415 - 1994 م، الناشر: دار الكتب العلمية – بيروت.
32 - الميرزا النوري (ت 1320 هـ) مستدرك الوسائل، تحقيق: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث، الطبعة: الثانية، سنة الطبع: 1408 - 1988 م، الناشر: مؤسسة آل البيت (ع) لإحياء التراث - بيروت – لبنان.
33 - الواسطي، علي بن محمد الليثي (ت ق 6 هـ) عيون الحكم والمواعظ، تحقيق: حسين الحسيني البيرجندي، الطبعة: الأولى، المطبعة: دار الحديث، الناشر: دار الحديث.

---------------------------------------------
[1]    الطوسي، مصباح المتهجد: ص207، القمي، عباس، مفاتيح الجنان: ص19، هذا الدعاء هو فقرةٌ من فقرات تعقيب صلاة الصبح.
[2]    سورة البقرة، الآية 207 التبيان - الشيخ الطوسي - ج 2 - ص183: رُوي عن أبي جعفر (ع) أنه قال: نزلت في عليٍّ (ع) حين بات على فراش رسول الله (ص) لما أرادت قريش قتله، حتى خرج رسول الله (ص) وفات المشركين أغراضهم، وبه قال عمر بن شبهٌ.
[3]    المرعشي، شرح احقاق الحق: ج8 ص315
[4]    الريشهري، محمد، ميزان الحكمة: ج1 ص757
[5]    ابن طاووس الحسني، الإقبال: ج1 ص123
[6]    بحار الأنوار - العلامة المجلسي - ج 32 - ص 142 - 143 « راجع: رواية  أحمد بن أعثم الكوفي.
[7]    خطب الإمام علي (ع)، نهج البلاغة: ج3 ص27.
[8]    المصدر نفسه: ج3 ص136.
[9]    المصدر نفسه: ج2 ص216.
[10]  المعتزلي، أبو الحديد، شرح نهج البلاغة: ج7 ص37.
[11]  العلامة المجلسي، بحار الانوار: ج34 ص339.
[12]  الإمام علي (ع)، نهج البلاغة: ج4 ص72.
[13]  ابن منظور، لسان العرب: ج 7 - ص 54 – 55، العفص: معروف يقع على الشجر وعلى الثمر. وأعفص الحبر: جعل فيه العفص. والعفص: الذي يتخذ منه الحبر، مولّد وليس من كلام أهل البادية. قال ابن يري: العفص ليس من نبات أرض العرب، ومنه اشتق طعام عفص، وطعام عفص: بشع، وفيه عفوصة وسراره وتقبض يعسر.
عفصة مقرة: العفصة: العفص: نتوء يكون على شجرة البلوط...ولا يعفص ذو العفوصة وهي المرارة والقبض اللذان يعسر معهما الابتلاع. والمقرة: أي المر. المنجد/ مادة عفص.
[14]  الإمام علي، نهج البلاغة: ج4 ص52.
[15]  المصدر نفسه: ج4 ص43.
[16]  جورج جرداق، روائع نهج البلاغة: ص65.
[17]  المصدر نفسه: ج4 ص48.
[18]  سورة البقرة، الآية 138.
[19]  الصدوق، محمد بن الحسين، عيون اخبار الرضا: ج1ص68.
[20]  الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي: ج8 ص131، ابن شهر آشوب، المناقب: ج2 ص51.
[21]  الكوفي، محمد بن سليمان، مناقب أمير المؤمنين (ع): ج2 ص52.
[22]  خطب الإمام علي (ع)، نهج البلاغة: ج2 ص157 يقول (ع): «ولقد كنت أتبعه اتباع الفصيل أثر أمه، يرفع لي في كل يوم من أخلاقه علمًا ويأمرني بالاقتداء به»، والفصيل: ولد الناقة.
[23]  المصدر نفسه: ج2 ص157.
[24]  المصدر نفسه: ج2 ص160.
[25]  الحلي، الحسن بن سليمان، بصائر الدرجات: ص125.
[26]سورة الماعون، الآيات 1-3.
[27]  سورة الفجر، الآيات 17-20.
[28]  خطب الإمام علي (ع)، نهج البلاغة: ج3 ص74.
[29]  العجلوني، كشف الخفاء: ج2 ص350.
[30]  خطب الإمام علي (ع)، نهج البلاغة: ج3 ص39.
[31]  المصدر نفسه: ج2 ص177.
[32]المصدر نفسه: ج2 ص177
[33]  ابن بابويه، علي، فقه الرضا (ع): ص364.
[34]  جورج جرداق، روائع نهج البلاغة: ص64.
[35]  الثعلبي، تفسير الثعلبي: ج7 ص39
[36]  الثعلبي، تفسير الثعلبي: ج7 ص38.
[37]  الشيرازي، ناصر مكارم، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج10 ص471.
[38]  سورة الأنعام، الآية 83.
[39]  السلمي، تفسير السلمي: ج1 ص207.
[40]  سورة البقرة، الآية 130.
[41]  سورة البقرة، الآية 130.
[42]  أنظر: الثعلبي، تفسير الثعلبي: ج1ص278.
[43]  الليثي الواسطي، علي بن محمد، عيون الحكم والمواعظ: ص391.
[44]  الصدوق، الخصال: ص40/25.
[45]  الراوندي، قطب الدين: الدعوات: ص39  البحار: ج93 ص326 ح10.
[46]  المناوي، فيض القدير شرح الجامع الصغير: ج 4 - ص 661.
[47]  سورة الانشقاق، الآية 6.
[48]  سورة الانشقاق، الآيات 7-14.
[49]  سورة الانفطار، الآية 6.
[50]  الإمام السجاد (ع)، الصحيفة السجادية: ص412.
[51]  نهج البلاغة: ج3، ص75.
[52]  الإربلي، ابن أبي فتح، كشف الغمة: ج2 ص276.
[53]  خطب أمير المؤمنين (ع)، نهج البلاغة: ج3 ص71.
[54]  المصدر نفسه، ج3، ص71.
[55]  المصدر السابق :ج3 ص74.
[56]  خطب الإمام علي (ع)، نهج البلاغة: ج3 ص74.
[57]  سورة طه، الآية 72.
[58]  سورة طه، الآية 72.
[59]  سورة طه، الآية 73.
[60]  سورة طه، الآية 73.
[61]  ابن عربي، تفسير ابن عربي: ج2 ص26.
[62]  علي عاشور، حقيقة علم آل محمد (ص) وجهاته: هامش ص138 نقلا عن فضائل ابن شاذان: 137  وكشف الغمة: 1 / 170 - 286، والغرر والدرر ذيل حرف لو، وشرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد: 7 /..... 253 الخطبة 113 و10 / 142 الخطبة 186، وبحار الأنوار: 40 / 153 ح 54 و46 / 135 ح 25، والأنوار النعمانية: 1 / 26 - 35 وقال أنه مستفيضٌ.
[63]  خطب الإمام علي (ع) نهج البلاغة: ج3 ص75.
[64]  المصدر نفسه: ج4 ص48.
[65]  السَّراة: بالفتح جمع سَرِيّ وهو السيد الشريف السخي وصاحب المروة. راجع: الطبرسي، تفسير مجمع البيان: ج9 هامش ص132، غير أن سيبويه يرى أن السَّراة بالفتح اسم جمع لا جمع، انظر: الزبيدي، تاج العروس: ج19 ص521. 
[66]  من ديوان صاحب البحث / غير منشور.