البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

التوحيد في الخالقية وأثر الوسائط في الخلقة

الباحث :  أ.م.د. رزاق حسين العرباوي الموسوي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  18
السنة :  شهر شوال 1440هـ / 2019م
تاريخ إضافة البحث :  July / 9 / 2019
عدد زيارات البحث :  613
تحميل  ( 510.878 KB )
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين واللعن الدائم على أعدائهم أجمعين.
لا شك أن أعظم صفةٍ من صفات فعل الله تعالى هي صفة الخلق إذ لا يستطيع أيُّ مخلوقٍ أن يدّعيَها، فمثلاً نجد أن القرآن الكريم حدّثنا عن النمرود أنه ادّعى الألوهية وادّعى أنه يُحيي ويُميت قال سبحانه: ﴿أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبۡرَٰهِ‍ۧمَ فِي رَبِّهِۦٓ أَنۡ ءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ إِذۡ قَالَ إِبۡرَٰهِ‍ۧمُ رَبِّيَ ٱلَّذِي يُحۡيِۦ وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا۠ أُحۡيِۦ وَأُمِيتُۖ قَالَ إِبۡرَٰهِ‍ۧمُ فَإِنَّ ٱللَّهَ يَأۡتِي بِٱلشَّمۡسِ مِنَ ٱلۡمَشۡرِقِ فَأۡتِ بِهَا مِنَ ٱلۡمَغۡرِبِ فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَۗ وَٱللَّهُ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلظَّٰلِمِينَ﴾[1]، وقصَّ علينا القرآن الكريم قصة فرعون إذ إنه ادّعى الربوبية قال جل وعلا: ﴿فَكَذَّبَ وَعَصَىٰ 21 ثُمَّ أَدۡبَرَ يَسۡعَىٰ 22 فَحَشَرَ فَنَادَىٰ 23 فَقَالَ أَنَا۠ رَبُّكُمُ ٱلۡأَعۡلَىٰ﴾[2].
فلم يحدثنا التأريخ ولا القرآن الكريم بأن أحداً ادعى أنه يخلق من دون الله تعالى لأن فعل الخلق لا يقوم به إلّا القادر العليم الخبير الغني وهذه الصفات لا يتصف بها إلا الله تعالى، ولهذا الله تعالى يأمر الجن والأنس أن يعبدوه لأنه هو الذي خلقهم جل وعلا، يقول
سبحانه: ﴿وَمَا خَلَقۡتُ ٱلۡجِنَّ وَٱلۡإِنسَ إِلَّا لِيَعۡبُدُونِ﴾[3]، وقال سبحانه: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ﴾[4]. وأمرهم بالتقوى لأنه خلقهم، قال سبحانه: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلۡجِبِلَّةَ ٱلۡأَوَّلِينَ﴾[5].
وبيّن سبحانه وتعالى بأن الذي يخلق هو الذي يدبّر وهو الذي يُحيي وهو الذي يُميت وهو الذي يرزق، لأنه قادرٌ على الخلق، قال سبحانه: ﴿وَٱللَّهُ خَلَقَكُمۡ ثُمَّ يَتَوَفَّىٰكُمۡۚ وَمِنكُم مَّن يُرَدُّ إِلَىٰٓ أَرۡذَلِ ٱلۡعُمُرِ لِكَيۡ لَا يَعۡلَمَ بَعۡدَ عِلۡمٖ شَيۡ‍ًٔاۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمٞ قَدِيرٞ﴾[6]، وقال جل وعلا: ﴿ ٱللَّهُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ ثُمَّ رَزَقَكُمۡ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡۖ هَلۡ مِن شُرَكَآئِكُم مَّن يَفۡعَلُ مِن ذَٰلِكُم مِّن شَيۡءٖۚ سُبۡحَٰنَهُۥ وَتَعَٰلَىٰ عَمَّا يُشۡرِكُونَ﴾[7]. وآيات كثيرةٌ في ذلك. ولذا نجد آياتٍ تدعو الإنسان الذي لم يؤمن بالله أن يجيب على فعل الخلق من الذي قام به، قال سبحانه: ﴿أَمۡ خُلِقُواْ مِنۡ غَيۡرِ شَيۡءٍ أَمۡ هُمُ ٱلۡخَٰلِقُونَ ٣٥ أَمۡ خَلَقُواْ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَۚ بَل لَّا يُوقِنُونَ﴾[8].
إذًا، أعظم صفةٍ فعل لله تعالى هي صفة الخلق لأن كل الصفات تترتب عليها من العلم والإحاطة والقدرة والربوبية وغيرها، هذا أولاً.
وثانياً: اتفقت كلمات جميع المسلمين عالماً وغير عالمٍ بأن الخالق الوحيد هو الله تعالى دون سواه، ولكن علماء المسلمين اختلفوا في كيفية الخلق، هل إن الله تعالى يخلق على نحوٍ واحدٍ أو على نحوين، وبعبارةٍ أخرى هل إن الله تعالى يخلق على نحو المباشرة فقط أو يخلق على نحو المباشرة والتسبيب، وإذا كان على نحو التسبيب فهذا يعني أن الوسائط في عالم الإمكان لها أثرها ودورها في عالم الخلقة ولا بد أن يُحسب لها حسابها، ومن هنا كانت مشكلة البحث هو بيان أنّ للوسائط دورًا وأثرًا في عالم الوجود، وهذا نجده في القرآن الكريم واضحاً وفي كلمات ربيب القرآن الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، لذا صيرت بحثي على مبحثين، كان الأول منهما يتحدث عن التوحيد في الخالقية وقد تألف من مطلبين، الأول منهما تناولت فيه المعنى اللغوي والاصطلاحي، والمطلب الثاني، بينت فيه أدلة التوحيد في الخالقية عقلًا ونقلًا، وأما المبحث الثاني فدرست فيه الأدلة على أثر الوسائط في الخلقة وصيرته على مطلبين، كان المطلب الأول تناولت فيه الدليل القرآني، والمطلب الثاني درست فيه أثر الوسائط في كلمات الإمام أمير المؤمنين (ع)، ثم ختمته بأهم ما توصل إليه البحث، وختم كل شيءٍ هو الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على محمد وآله الطاهرين.

المبحث الأول: التوحيد في الخالقية:
إنّ معنى التوحيد في الخالقية، هو أنْ ليس في الوجود خالقٌ ولا مؤثِّرٌ أصيلٌ أو مستقلٌّ إلا الله سبحانه، وأنّ ما سواه من الموجودات وما يتعلق بها من الأفعال والآثار مخلوقةٌ لله سبحانه وتعالى بلا مجازٍ ولا عنايةٍ، إلا أن هذه الموجودات مخلوقةٌ له، إما بالمباشرة أو بالتسبيب. يقرر هذه الحقيقة السيد الطباطبائي، إذ يقول: «الفاعل المستقل في مبدئيته على الإطلاق والقائم بذاته في إيجاده وعليته، وهو المؤثر بحقيقة معنى الكلمة، لا مؤثر في الوجود إلا هو، ليس لغيره من الاستقلال الذي هو ملاك العلية، والإيجاد إلا الاستقلال النسبي»[9].
ويمكن الاستدلال على هذا المعنى نقليًّا وعقليًّا، وقبل بيان الأدلة يحسن التعرض إلى المعنى اللغوي والمعنى الاصطلاحي للخلق ليرى الباحث درجة الارتباط  بين المعنييْن.

المطلب الأول: المعنى اللغوي والاصطلاحي للخلق:
1ـ المعنى اللغوي:
قال الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت175هـ): «الخلق والخالق: الصانع وخلقت الأديم: قدرته»[10]، وقال ابن منظور (ت711هـ): وأصل الخلق: التقدير، والخلق في كلام العرب ابتداع الشيء على مثال لم يسبق إليه، وكل شيء خلقه الله فهو مبتدئه على غير مثالٍ سُبق إليه: ﴿أَلَا لَهُ ٱلۡخَلۡقُ وَٱلۡأَمۡرُۗ تَبَارَكَ ٱللَّهُ رَبُّ ٱلۡعَٰلَمِينَ﴾[11]، وقال أبو بكر الأنباري: الخلق في كلام العرب على وجهين: أحدهما: الإنشاء على مثال أبدعه، والآخر: التقدير، وقال في قوله تعالى: ﴿ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ﴾[12]، معناه: أحسن المقدرين»[13].

2 ـ المعنى الاصطلاحي:
الخلق: «هو الإيجاد عن تقدير وتأليف»[14]، أو أن الخلق: «هو إيجاد الشيء وابتداعه على غير مثال سابق»[15].
إنّ التعريف الاصطلاحي ينسجم مع التعريف اللغوي بفرعيه، فان أريد به الإيجاد والابتداع للأشياء من العدم فهو يطابق المعنى اللغوي بشقيه، لأنّ الإيجاد يسبقه أو يصاحبه التقدير، ويؤيد هذا المعنى الآيات القرآنية والروايات، فأما الآيات القرآنية، فمنها قوله سبحانه: ﴿هُوَ ٱللَّهُ ٱلۡخَٰلِقُ ٱلۡبَارِئُ ٱلۡمُصَوِّرُۖ لَهُ ٱلۡأَسۡمَآءُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ﴾[16]، قال الفيض الكاشاني، في تفسير هذه الآية الشريفة: «هو الله الخالق البارئ المصور كلّ ما يخرج من العدم إلى الوجود فيفتقر إلى تقدير أولا، وعلى الإيجاد على وفق التقدير ثانيا، وإلى التصوير بعد الإيجاد ثالثا»[17].  
وأما روائيًّا، فقد ورد عن الإمام أمير المؤمنين (ع) أنه قال: «الحمد لله الواحد الأحد الصمد المتفرد الذي لا من شيءٍ كان، ولا من شيءٍ خَلق ما كان... ابتدع ما خَلق بلا مثالٍ سبق ولا تعبٍ ولا نصبٍ، وكل صانعِ شيءٍ فمن شيءٍ صَنع، والله لا من شيءٍ صَنع ما خلق»[18].
قال المازندراني عند شرحه كلام الإمام (ع): «ولا من شيءٍ خَلق ما كان قدره، أي لم يخلق ما وجد من الممكنات بقدرته الكاملة من مثالٍ سابقٍ يكون أصلًا له ودليلًا عليه، ولا من مادةٍ أزليةٍ، كما زعمت الفلاسفة من أن الأجسام لها أصلٌ أزليٌّ هي المادة»[19]، ثم أردف وقال: «بل هو المخترع للممكنات بما فيها من المقادير والأشكال والنهايات والمبتدع للمخلوقات بما لها من الهيئات والآجال والغايات بمحض القدرة على وفق الإرادة والحكمة»[20].
وإن أريد بالخلق: التقدير، أي إيجاد الشيء، ولكن لا من العدم، وإنما تكون مادته موجودةً، فهو كذلك ينسجم معه، وقد استخدم القرآن الكريم هذا المعنى، وكذلك النصوص الروائية.
أما القرآن الكريم، ففي قوله تعالى: ﴿فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ﴾[21]، فمعنى الآية الكريمة: «أي أحسن المقدرين تقديرا»[22]، وكذلك قوله تعالى: ﴿أَنِّيٓ أَخۡلُقُ لَكُم مِّنَ ٱلطِّينِ﴾[23]، والمراد «بالخلق التقدير دون الإحداث»[24]، أي ليس الإحداث من العدم.
أمّا روائيّا فهو قول الإمام أمير المؤمنين (ع): «كل ما نسخ الله الخلق فرقتين جعله في خيرهما»[25]، فان المراد بـ(نسخ الخلق)، أي «نقلهم بالتناسل من فريق إلى فريقين»[26]، فإنه نقل من الأصول إلى الفروع، وهو عبارةٌ عن تقديرٍ وإيجادٍ وإحداثٍ لا من العدم.
فظهر من ذلك أن معنى الخلق متطابق بين اللغة والاصطلاح.

المطلب الثاني: الدليل العقلي والنقلي على التوحيد في الخالقية:
1 - الدليل العقلي :
تشهد النظرية العلمية والفلسفية بقيام النظام الكوني على أساس سلسلةٍ الأسباب والمسببات، وارتباط كلّ ظاهرة من الظواهر الطبيعية بعلةٍ وسببٍ مادّيٍّ، وهذا النظام بمجموعه نظامٌ ممكنٌ، وإذا كان كذلك فإن الإمكان والافتقار لازمٌ لذاته وماهيته، فالفقر والاحتياج لا ينقطع ولا ينفك عنه، فهو محتاجٌ في ذاته وفعله إلى من يمده ويفيض عليه ما يحتاج إليه، وهذا المفيض لا بدّ من أن يكون غنيًّا مطلقًا، واجبًا بالذات أو قديما، وقد ثبت أنه لا غنيَّ مطلقًا، ولا واجبَ بالذات، ولا قديمَ إلا الله سبحانه، فهو إذًا الواحد الذي لا غيره في الإيجاد والخلق والتأثير[27]. 
ويمكن تقرير البرهان بصيغةٍ أخرى: فإنه لما كانت الظواهر الكونية غيرَ مستقلةٍ في ذاتها وأصل وجودها، كذلك هي غيرُ مستقلةٍ في مقام عليتها وتأثيرها، بمعنى أنّها لا تؤثر إلا بإرادة الله سبحانه، وينتج عن هذا أنه كما لا شريك له سبحانه في الفاعلية والعلية، ليس هناك في الواقع إلا فاعلٌ مستقلٌّ واحدٌ لا غير، فهو العلة المستقلة الوحيدة، وكذلك ما في الكون من عللٍ فهي معاليلُ لهذه العلة الوحيدة، فهي علة العلل، وهي الذات المقدسة الإلهية[28]، وهذا ما يقرره العقل.

2ـ الدليل النقلي على التوحيد في الخالقية:
وأمّا النقل، فقد تضافرت النصوص القرآنية والروائية على أنّ الله سبحانه هو الخالق، ولا خالق سواه، علما أنّ المراد هو «حصر الخالقية بالأصالة لله سبحانه، لا التبعية والظلية بإذنه»[29]. ومن هذه النصوص القرآنية ما يأتي:

أـ القرآن الكريم:
قال سبحانه: ﴿قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ﴾[30]، فالآية الكريمة تقرر أنّ الله سبحانه يخلق جميع الأشياء، ثم أنه هو الواحد القهار، أي: «الخالق لذلك واحد لا ثاني له، وهو الذي يقهر كلّ قادر سواه لا يقدر على امتناعه منه»[31]. وهذه آيةٌ ثانيةٌ وثالثةٌ ورابعةٌ تقرر هذه الحقيقة نفسها، يقول تعالى: ﴿ذَٰلِكُمُ ٱللَّهُ رَبُّكُمۡ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ لَّآ إِلَٰهَ إِلَّا هُوَۖ﴾[32]، أو قوله تعالى: ﴿ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖۖ وَهُوَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ وَكِيلٞ﴾[33]، أو قوله تعالى: ﴿يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱذۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡۚ هَلۡ مِنۡ خَٰلِقٍ غَيۡرُ ٱللَّهِ﴾[34]، وغيرها من الآيات الكثيرة التي تثبت التوحيد في الخالقية.

ب ـ كلام الإمام علي (ع):
وأمّا النصوص الروائية فهي كثيرة ولكن البحث خاصٌّ بكلمات أمير المؤمنين (ع)، وفي كلماته (ع) كل الكفاية، إذ إنّه قال (ع): «الذي ابتدع الخلق على غير مثالٍ امتثله، لا مقدار احتذى عليه من خالق معهود كان قبله... واعتراف الحاجة من الخلق إلى أن يقيمها بمساك قدرته»[35]. قال محمد عبده: «أي لم يقتدِ بخالقٍ آخرَ في شيءٍ من الخلقة، إذ لا خالق سواه»[36].
ويؤكد هذه الحقيقة أمير المؤمنين (ع) في نصٍّ آخرَ فيقول (ع): «لا يقال له أين لأنه أيّن الأينية، ولا يقال له كيف، لأنه كيّف الكيفية، ولا يقال له ما هو، لأنه خلق الماهية»[37]. إنّ في النص «دلالة على أن مطلق الخلق لله سبحانه، وأن لا مؤثر إلا هو»[38].
ولا يخفى أنّ كلّ ما تقدم من أدلةٍ عقليةٍ بحصر الخلق والإيجاد والتأثير في الله سبحانه، فإنه على نحو الأصالة والاستقلال، وأن تأثير ما سواه سبحانه من المؤثرات والعلل إنما هو في ظل قدرته تبارك وتعالى، وإنّ هذه العلل والمؤثرات ما هي إلا وسائطُ للفيض الإلهي، سواءً أكانت هذه الوسائط عللًا ومؤثراتٍ طبيعيةً كالشمس والنار، أم مختارةً كالإنسان، فهي في طول العلة الأولى الأصلية المستقلة الغنية المطلقة لا في عرضها، وهذا ما تؤيده جملةٌ من الآيات والروايات.

 المبحث الثاني: أثر الوسائط في الخلقة والأدلة عليها:
 لما ثبت أن الله تعالى يخلق على نحوين، الأول: على نحو المباشرة، والثاني: على نحو التسبيب. وإذا كان على نحو التسبيب أي توجد وسائطُ للفيض الإلهي، وهذه الوسائط هي عللٌ ومؤثراتٌ في طول قدرته سبحانه تستمد تأثيرها من الله سبحانه ووسائط الفيض هذه لها أثرها ودورها في عالم الإمكان، فهي من باب العلل الإعدادية في الوجود وهذا ما بيّنه القرآن الكريم بشكلٍ واضحٍ وفي كلمات ربيب القرآن أمير المؤمنين علي (ع) نجده واضحًا جليًّا وسوف ندلل على هذه الوسائط من القرآن الكريم وكلمات الإمام عليٍّ (ع). 

المطلب الأول: الدليل القرآني:
إنّ آياتٍ قرآنيةً كثيرةً تبيّن وتؤكد تأثير الوسائط، يكتفي الباحث بعرض بعضٍ منها:
1ـ قال تعالى: ﴿ٱللَّهُ ٱلَّذِي يُرۡسِلُ ٱلرِّيَٰحَ فَتُثِيرُ سَحَابٗا فَيَبۡسُطُهُۥ فِي ٱلسَّمَآءِ كَيۡفَ يَشَآءُ وَيَجۡعَلُهُۥ كِسَفٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦۖ فَإِذَآ أَصَابَ بِهِۦ مَن يَشَآءُ مِنۡ عِبَادِهِۦٓ إِذَا هُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ﴾[39].
إنّ الآية الكريمة واضحةٌ في إعطائها دورًا وتأثيرًا للرياح وغيره، فإنّ عبارةَ (تثير سحابًا) واضحةٌ تمام الوضوح في بيان ما للريح من تأثيرٍ في تحريك وانبساط السحب في السماء، وتجمع السحب بعد ذلك على شكل قطعٍ متراكمةٍ، ومن ثم إنزال المطر بعد كلّ التفاعلات والمقدمات.
2ـ قوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ﴾[40]، وقوله تعالى: ﴿أَوَ لَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلۡمَآءَ إِلَى ٱلۡأَرۡضِ ٱلۡجُرُزِ فَنُخۡرِجُ بِهِۦ زَرۡعٗا تَأۡكُلُ مِنۡهُ أَنۡعَٰمُهُمۡ وَأَنفُسُهُمۡۚ أَفَلَا يُبۡصِرُونَ﴾[41]. ففي هاتين الآيتين يصرّح الكتاب العزيز بتأثير الماء في الزرع، إذ إنّ (الباء) تفيد السببية كما هو معلومٌ، فتناولت هذه الآيات دور الفواعل الطبيعية وتأثيرها، أما الموجودات الاختيارية، كالإنسان وبقية الموجودات الأخرى كالملائكة، فانّ آياتٍ كثيرةً تُثبت لها دورًا وآثارًا متعددةً.
أمّا الفعل الإنساني فيقول سبحانه: ﴿قَٰتِلُوهُمۡ يُعَذِّبۡهُمُ ٱللَّهُ بِأَيۡدِيكُمۡ﴾[42]، فالآية أسندت تعذيب الكفار على أيدي المؤمنين، لما أراد الله سبحانه إنزال العذاب فيهم، يقول السيد الطباطبائي: «إنّ قتل المشركين عذابٌ إلهيٌّ لهم بأيدي المؤمنين، وإنّ المؤمنين أيادٍ مجريةٌ لله سبحانه»[43]. وهناك آياتٌ كثيرةٌ تنسب الفعل إلى الإنسان، كقوله تعالى: ﴿وَإِذۡ زَيَّنَ لَهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ أَعۡمَٰلَهُمۡ﴾[44]، أو كقوله تعالى: ﴿وَقَيَّضۡنَا لَهُمۡ قُرَنَآءَ فَزَيَّنُواْ لَهُم مَّا بَيۡنَ أَيۡدِيهِمۡ وَمَا خَلۡفَهُمۡ﴾[45].
وأما الموجودات الأخرى، فان آياتٍ كثيرةً تُثبت لها دورًا وتأثيرًا في عالم الإمكان، وخير مثالٍ على ذلك الملائكة، يقول سبحانه: ﴿حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ تَوَفَّتۡهُ رُسُلُنَا﴾[46]، قال السيد الطباطبائي: «فالله سبحانه ينتهي إليه كلّ أمرٍ وهو المالك المتصرف على الإطلاق، ولملك الموت التوسل إلى ما يفعله من قبض الأرواح بأعوانه الذين هم أسباب الفعل ووسائله وأدواته»[47] وفي قوله تعالى: ﴿بَلَىٰ وَرُسُلُنَا لَدَيۡهِمۡ يَكۡتُبُونَ﴾[48]، وكذلك في قوله سبحانه: ﴿فَٱلۡمُدَبِّرَٰتِ أَمۡرٗا﴾[49]، قال الطبرسي (ت548هـ): «إنها الملائكة تدبّر أمر العباد من السنة إلى السنة، عن علي (ع)»[50]، وهذا دليلٌ واضحٌ على ما لهذه الموجودات من دورٍ وتأثيرٍ في هذا الكون.

المطلب الثاني: أثر الوسائط في كلمات الإمام علي (ع):
إن تأثير الوسائط  وبيان دورها في عالم الإمكان نجدها واضحةً في كلمات الإمام عليٍّ (ع)، فقد  ورد عن الإمام أمير المؤمنين (ع)، أنّه يعرض تساؤلا بمثابة الاستفهام الإنكاري أراد منه إثبات أنّ لهذه العلل والمؤثرات الاختيارية دورًا وتأثيرًا في عالم الإمكان فقال (ع): «وهل يكون بناءٌ من غير بانٍ، أو جنايةٌ من غير جانٍ»[51]، قال ابن أبي الحديد: «والمراد عموم الفعلية، لا خصوص الجناية، أي مستحيلٌ أن يكون الفعل من غير فاعلٍ، وقد ادعى كثير من المتكلمين الضرورة في ذلك، فقالوا: نعلم ضرورةً أن البناء لا بدّ له من بانٍ»[52].
وبذلك «أخبر أمير المؤمنين صلوات الله عليه عباية بن ربعي الأسدي، حين سأله عن الاستطاعة التي بها يقوم ويقعد ويفعل، فقال له أمير المؤمنين (ع): سألت عن الاستطاعة تملكها من دون الله أو مع الله؟ فسكت عباية، فقال له أمير المؤمنين (ع): قل يا عباية، قال وما أقول؟ قال (ع): إن قلت: أنك تملكها مع الله قتلتك وإن قلت: أنّك تملكها دون الله قتلتك قال عباية: فما أقول يا أمير المؤمنين؟ قال (ع): تقول أنك تملكها بالله الذي يملكها من دونك، فإن يُملّكها إياك كان ذلك من عطائه، وإن يسلبكها كان ذلك من بلائه، هو المالك لما ملّكك والقادر على ما عليه أقدرك، أما سمعت الناس يسألون الحول والقوة حين يقولون: لا حول ولا قوة إلا بالله. قال عباية: وما تأويلها يا أمير المؤمنين؟ قال (ع): لا حول عن معاصي الله إلا بعصمة الله ولا قوة لنا على طاعة الله إلا بعون الله، قال: فوثب عباية فقبل يديه ورجليه»[53]. 
إن محل الشاهد في الرواية يكمن في قوله (ع): (فهو المالك لما ملّكك، والقادر على ما عليه أقدرك)، «وهكذا بالنسبة للأسباب، فما من سببٍ من الأسباب الفعّالة في نظام الوجود إلا والله سبحانه هو الذي ملّكه القدرة على ما يعمله، وهو المالك لما ملّكه، والقادرعلى ما عليه أقدره، وكل ذلك من عطائه»[54]، قال سبحانه: ﴿كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا﴾[55].
اتضح مما تقدم في مبحث التوحيد في الخالقية، أنه ليس في عالم الوجود إلا خالقٌ أصيلٌ ومستقلٌ واحدٌ، وأما تأثير العلل الأخرى وفاعليتها فليست إلا في طول خالقية الله عزّ وجل وعليته وفاعليته، ومحققةً بأذنه تعالى، وهذا يعني أنّ لها دورًا وتأثيرًا في الفاعلية إلا إنها تستمد قدرتها من علة العلل وهي الذات الإلهية الغنية مطلقا، الواجبة بالذات.
هذا ما قرره القرآن الكريم وما عليه مدرسة أهل البيت (ع)، وهو ما يعتقده الباحث.                      
 إن فهم هذه القضية بهذه الصورة، وهو حصر الخالقية والإيجاد والتأثير بالله سبحانه، وفي الوقت نفسه أنّ للموجودات من سواه: الطبيعية والمختارة لها دورها في التأثير والفاعلية في عالم الإمكان، إلا إنها في طوله سبحانه، لا في عرضه، لم يكن بالأمر اليسير، وإنما رافقته صعوبةٌ شديدةٌ، أدّت إلى عسرٍ في فهمه، بل عدم فهمه لدى كثير من المسلمين، لأسبابٍ كثيرةٍ، لا تخلو من تدخُّل يد السياسة فيها، ولعل من أبرزها هو الابتعاد عن فكر آل محمدٍ، فأنتج هذا هوّةٌ كبيرةٌ أفرزت بعد (التي واللتيا) رأيين متضادين في عقيدة كثيرٍ من المسلمين، أحدهما حصر الخالقية والإيجاد والتأثير بالله سبحانه، وليس للموجودات التي من دونه أيُّ تأثيرٍ وفاعليةٍ، سواء كانت الطبيعية أم المختارة، وأنتج هذا الرأي القول بالجبر، وبذلك أنكر العدل الإلهي.
أما الرأي الآخر فأراد أن ينزه الله سبحانه فقال: إنّ الموجودات التي من دون الله سبحانه تحتاج إلى الله تعالى في إحداثها لا في بقائها، ففوض لهذه الموجودات التأثير والفاعلية من دون تدخل يد القدرة الإلهية فيها، وبذلك كان قد أخرج الله سبحانه من سلطانه. وهو ما عرف باسم التفويض.
إنّ هذين الرأيين المتضادين ولـّدا الحقد والضغينة بين كثيرٍ من أصحاب القبلة الواحدة، والقرآن الواحد، أريقت على غراره دماءٌ كثيرةٌ، وأزهقت نفوسٌ كثيرةٌ، وكان كل هذا بمنأًى عن مدرسة أهل بيت العصمة (ع)، التي قدّمت الفهم الصحيح لهذه القضية، الذي ينسجم مع فطرة الإنسان قبل عقله ووعيه.

آراء المسلمين في التوحيد في الخالقية:
توزع المسلمون بين ثلاثة آراء رئيسةٍ في فهم هذه القضية، والاعتقاد بها، والانقياد والخضوع بحسب متبنياتها ودعوتها، وللسياسة يدٌ طولى في حشد الأتباع وكثرتها لهذا الرأي من دون الرأي الآخر. والآراء الثلاثة الرئيسة كان أولها للأشاعرة أو (الجبرية)، وكان ثانيهما للمعتزلة، أو (المفوضة)، وأما الثالث فكان لمدرسة أهل البيت (ع)، أو (الإمامية)، أو ما يسمى بـ(الأمر بين أمرين).

الخلاصـة:
تخلص من هذا البحث نتائجُ مهمةٌ يستطيع الباحث إجمالها على الشكل الآتي:
1. أثبت البحث في التوحيد في الخالقية، أن الفاعل المستقل على الإطلاق هو الله سبحانه وأنه هو المؤثر الحقيقي في الوجود، فلا خالق ولا فاعل ولا مؤثر إطلاقًا واستقلالًا وحقيقةً إلا هو سبحانه.
2. توصل البحث إلى أن الموجودات التي من دون الله سبحانه سواءً أكانت الطبيعية أم المختارة لها فاعليتها وأثرها في الوجود، إلا أنها على نحو الطولية مع الله سبحانه، لا عرضية وهي عللٌ إعداديةٌ لا حقيقيةٌ، وذلك كان دليلًا على بطلان القول بالجبر وقول الأشاعرة.
3. إنّ الموجودات التي سوى الله تعالى فقيرةٌ محتاجةٌ في حدوثها وبقائها فلا يمكن أن تستقلّ في فعلها فهي محتاجةٌ إلى الإفاضات من علة العلل، وهي الذات الإلهية المقدسة حينًا بعد حينٍ وآنا ًبعد آنٍ، وهذا دليلٌ على بطلان القول بالتفويض الذي هو قول المعتزلة.     

----------------------------------------------
[1] سورة البقرة، الآية 258.
[2] سورة النازعات، الآيتان 21-24.
[3] سورة الذاريات، الآية 56.
[4] سورة البقرة، الآية 21.
[5] سورة الشعراء، الآية 184.
[6] سورة النحل، الآية 70.
[7] سورة الروم، الآية 40.
[8] سورة الطور، الآيتان 35-36.
[9] الطباطبائي، محمد حسين، نهاية الحكمة: 176.
[10] الفراهيدي، الخليل بن أحمد (ت175هـ)، ترتيب كتاب العين: 1/522.
[11] سورة الأعراف، الآية 7/54.
[12] سورة المؤمنون، الآية 23/14.
[13] ابن منظور، لسان العرب: 4/192ـ193.
[14] الطباطبائي، الميزان: 8/151.
[15] الحيدري، التوحيد بحوث في مراتبه ومعطياته: 2/13.
[16] سورة الحشر، الآية 59/24.
[17] الفيض الكاشاني، المولى محسن (ت1091هـ)، تفسير الصافي، تصحيح: الشيخ حسين الأعلمي، بيروت، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، ط2 (1402هـ ـ1982م):  5 / 160.
[18] الكليني، الأصول من الكافي: 1/135.
[19] المازندراني، المولى محمد صالح، شرح أصول الكافي: 4/129.
[20] م.ن.
[21] سورة المؤمنون، الآية 23/14.
[22] الطبرسي، أمين الدين أبو علي الفضل بن الحسن (ت549هـ)، تفسير جوامع الجامع، ط: طهران، مؤسسة النشر والطبع، جامعة طهران، ط3، (1412هـ): 3/67.
[23] سورة آل عمران، الآية 3/49.
[24] الطوسي، التبيان في تفسير القرآن (تفسير التبيان): 2/467.
[25] محمد عبد، شرح نهج البلاغة: 392.خطبة(214).
[26] مغنية، في ضلال نهج البلاغة: 3/258.
[27] ظ: السبحاني، الإلهيات: 2/43.
[28] ظ: الحيدري، التوحيد، بحوث في مراتبه ومعطياته: 2/34ـ35.
[29] السبحاني، الإلهيات: 2/44.
[30] سورة الرعد، الآية 13/16.
[31] الطوسي، التبيان في تفسير القرآن (تفسير التبيان): 6/236.
[32] سورة المؤمن، الآية 40/62.
[33] سورة الزمر، الآية 39/62.
[34] سورة فاطر، الآية 35/3.
[35] محمد عبده، شرح نهج البلاغة:159.خطبة(91).
[36] م.ن.
[37] النيسابوري، محمد بن الفتال (ت508هـ)، روضة الواعظين، تح: السيد محمد مهدي السيد حسن الخرسان، قم، منشورات الرضي، (ب.ت): 37.
[38] الحيدري، التوحيد بحوث في مراتبه ومعطياته: 2/17.
[39] سورة الروم، الآية 30/48.
[40] سورة البقرة، الآية 2/22.
[41] سورة السجدة، الآية 32/27.
[42] سورة التوبة، الآية 9/14.
[43] الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن: 7/134.
[44] سورة الأنفال، الآية 41/48.
[45] سورة فصلت، الآية 41/25.
[46] سورة الأنعام، الآية 6/61.
[47]  الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن: 7/134
[48] سورة الزخرف، الآية 43/80.
[49] سورة النازعات، الآية 79/5.
[50] الطبرسي، مجمع البيان في تفسير القرآن: 5/429.
[51] محمد عبده، شرح نهج البلاغة: 327.خطبة(185).
[52] ابن أبي الحديد، شرح نهج البلاغة: 13/56.
[53] ابن شعبة الحراني، (ت، ق4)، تحف العقول، تحقيق وتصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، ط2، نشر: مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة، 1404 هـ. ص 467.
[54] كمال الحيدري، التوحيد. ج2 ص 33.
[55] سورة الإسراء، الآية 20.