البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الإمام الحسن عليه السلام امتداد في حركية الرسالة

الباحث :  نبيل علي صالح
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  17
السنة :  شهر جمادى الثاني 1440هـ / 2019م
تاريخ إضافة البحث :  March / 7 / 2019
عدد زيارات البحث :  815
تحميل  ( 688.088 KB )
عندما ندرسُ سيرةَ الأئمة(عليهم السلام)وتراجمهم، لا بد من توفر شروطٍ نوعية للدراسة التاريخية بخصوصهم، كي يكون وعيُ تاريخهم(عليهم السلام)مستمرّاً في حجم الزمن كله، لا في حجم اللحظة الآنية التي عاشوها وعايشوها.. ولعلّ من أهم تلك الشروط أنْ نتفهّم الزمن الثقافي الذي كانت تعاصره تجربتهم، وطبيعة ممارساتهم وأعمالهم وإنجازاتهم، وانعكاس قيم الدّين الأصيل في سلوكهم المباشر على مستوى العلاقات الفردية والجماعية، وذلك بهدفِ الاستفادةِ المباشرة منها في الحاضر والمستقبل.

هذا يلزمُنا مُسْبقاً بضرورةِ التّعاطي مع هذا البُعد العملي بحسٍّ موضوعيٍّ هادفٍ بما يجعلُنا ننفتحُ على الأئمة(عليهم السلام) لا على أساس أنهم رجالٌ معصومون على المستوى السّياسي والفكري والاجتماعي فحسب (تماماً كما يفعل الكثيرون من خلال تقديس الأشخاص وتضخيمهم من جهةٍ، وتغييب منهجهم ورسالتهم وأفكارهم من جهةٍ أخرى) ولكن أيضاً على أساسِ أنهم رجالٌ رساليون وعمليون، أصحابُ منهجٍ عمليٍّ وتنظيمٍ حياتيٍّ رائدٍ، وأطروحةٍ قياديةٍ ربانيةٍ أصيلةٍ سياسيّاً واجتماعيّاً وفكريّاً.. حيث إننا نريد أن نستفيد من الأئمة(عليهم السلام)، ونستلهم رسالتهم المقدسة، وأدوارهم، وفكرهم الرسالي الإنساني العظيم، في مستوى الأبد والإنسانية كلها.

على هذا الأساس يمكننا أنْ ندْخُلَ إلى دراسة الحياة الفكرية والعملية للإمام الحسن(عليه السلام) بصورةٍ تحليليةٍ إجماليةٍ عامةٍ، لنستخلص العبر والدروس التي يمكن أن تصلح لحاضرنا ومستقبلنا الذي نعاني فيه من وجود تحدياتٍ ذاتيةٍ وموضوعيةٍ كونيةٍ كبرى فرضت أثقالها علينا، محاولين في النهاية الوقوف أمام ما كان يميّز تلك الفترة التاريخية الخطيرة من تاريخ الأمة الإسلامية، حيث كانت تتصارعُ تياراتٌ وقوًى سياسيةٌ واجتماعيٌة كثيرةٌ كان همُّ غالبية أصحابها الوصولَ إلى مواقع النفوذ والجاه والثروة والحكم فيها حتى لو جاء على حساب قيم الرسالة والإسلام ومصالح المسلمين.

ولد الإمام الحسن(عليه السلام)في حضنِ الرسالة ومهبط الوحي وبيت النبوة، الأمر الذي هيّأ له أجواء التربية الروحية والأخلاقية الرسالية السّامية التي تجلّت في سلوكه النبيل، وتعامله الإنساني الرّفيع مع نفسه ومع الآخرين، وكانَ جدّه(صلّى الله عليه وآله وسلم) يقول عنه(عليه السلام): «هو سَيّد شبابِ أهلِ الجنّة، وحجّة الله على الأمّة، أمره أمري، وقوله قولي، من تبعه فإنّه منّي، ومن عصاه فإنّه ليس منّي»[1].

وقد ظهرتْ آثار ذلك الإعداد (والتّهيئة) الأخلاقي الروحي والنفسي والعملي –الذي تلقاه الإمام الحسن من جده رسول الله (صل الله عليه وآله وسلم)، وأبيه أمير المؤمنين الإمام علي(عليه السلام) – في مستقبل الدعوة الإسلامية، وفي عمق أحداثها الجسام التي مّرت بها حركة الأمة في سيرورتها التاريخية على مستوى التفاعل والسّجال الواقعي، ومواجهة مختلف الصراعات الاجتماعية والسّياسية التي تفجّرت في داخلها.

عاش الإمام الحسن(عليه السلام) بعد جده الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله وسلم) الأحداثَ الصّعبة والمواجهات العملية والتحديات الكبيرة التي انطلقتْ مفاعيلُها في تلكَ المرحلةِ، فرأى أمامَه ما كانَ يحدثُ لأبيه، ورأى كيف بدأت الأمور تخرج عن مسار وطريق الرسالة الحقيقية.. ورأى أنّ صبرَ أبيه كانَ صبرَ الرّساليِّ الكبير الذي لم يكنْ له من همٍّ سوى تحقيق مصلحة الإسلام والمسلمين.

وهكذا تحرّكت الأيام ومرّت السنون ووصلَ الإمام علي(عليه السلام) إلى موقع القيادة والخلافة، قيادة (ورئاسة) الدولة الإسلامية، وهو الموقع الطبيعي المفترض أن يكون له، إنصافاً للحق والحقيقة والنص القرآني، منذ رحيل ابن عمه الرسول الكريم (صل الله عليه وآله وسلم) الذي جعله بنص القرآن إماماً من بعده للمسلمين جميعاً.

وهنا، في سياق تلك الأحداث، منذ الانقلاب على إمامته (ع) ومنعه عن قيادة الأمة، وقبوله سلميّاً بواقع الحال، حقناً لدماء المسلمين، وحفاظاً على بيضة الإسلام[2]، إلى اشتعال الفتن والاضطرابات السياسية والاجتماعية، كان الإمام الحسن(عليه السلام) ملتصقاً بوالده في كل حركاته ومواقعه[3]، يعتمدُ عليه (والده) كثيراً في إنجاز أعماله ومهماته، لأنه كان يثق بعلمه وعقله وروحيته وإخلاصه ولباقته.. وكان الناس يسألون عليّاً عن كثير من الأمور المتعلقة بالإسلام في طبيعة أحكامه ومفاهيمه، فكان يجيبهم: «اسألوا ابني الحَسَن، فإنّ لديه ما يحلّ مشاكِلَكم، ويعرّفكم الحقّ كما هو»[4].. وهنا يروي لنا كبارُ ثُقاة التّاريخ الإسلامي كثيراً من الروايات والأحاديث حول عمق عبادته وعظمة أخلاقه وطهارته ونقائه.. فها هو الإمام علي بن الحسين زين العابدين(عليه السلام) يصف الإمام الحسن(عليه السلام) بكل دقةٍ قائلاً: «كانَ أعبدَ الناسِ في زمانهِ، وأزهدَهم، وأفضلهم، كان إذا حَجَّ حَجَّ ماشياً، وربما مشى حافياً، وكان إذا ذكر الموت بكى، وإذا ذكر القبر بكى، وإذا ذكر البعث والنشور بكى، وإذا ذكر المَمَرّ على الصراط بكى، وإذا ذكر العرض على الله تعالى ذكره شهق شهقةً يُغشى عليه منها.. وكان إذا قام في صلاته ترتعد فرائصه بين يدي الله عز وجل.. إلخ»[5].

ويُروى عنه (ع) أنه كان إذا دخل المسجد، ووقف ببابه مستأذِناً رفع رأسه، وقال: «إلهي..ضيفُك ببابك، يا محسن قد أتاك المسيء، فتجاوز عن قبيح ما عندنا بجميل ما عندك يا كريم»[6].

وممّا ترويه السيرة عن عظمة أخلاقه(عليه السلام)أنّ شاميّاً –ممّن ثقّفهم معاوية على بغض عليٍّ وأهل بيته(عليهم السلام)، وركّز في نفوسهم سبّ ولعن أمير المؤمنين عليٍّ(عليه السلام) على المنابر– رأى الإمام الحسن(عليه السلام)في الطريق، فجعل يلعنه ويشتمه، والحسن(عليه السلام) لا يردّ عليه، فلما فرغ من سبابه وشتائمه، أقبل إليه الحسن، وهو مملوءٌ بخطاب الله: [وإذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاماً](الفرقان:63).. فسلم عليه وتبسم في وجهه، وقال له: «أيها الشيخ (ويبدو أنه كان متقدماً بالسّن) لو استعتبتنا أعتبناك، ولو سألتنا أعطيناك، ولو استرشدتنا أرشدناك، ولو استحملتنا حملناك، وإن كنت طريداً آويناك، وإن كنت جائعاً أشبعناك، وإن كنت عرياناً كسوناك، وإن كانت لك حاجة قضيناها لك، فلو حركت رحلك إلينا وكنت ضيفاً إلى وقت ارتحالك كان أعود عليك، لأن لنا موضعاً رحباً وجاهاً عريضاً ومالاً كثيراً «.. فلما سمع الرجل كلامه بكى، ثم قال: أشهد أنك خليفة الله في أرضه، والله أعلم حيث يجعل رسالته، وحول رحله إليه، وكان ضيفه إلى أن ارتحل[7].

إنّ هذا الموقف الرّسالي العملي الذي عبّر عنه الإمام الحسن(عليه السلام) استند إلى روحٍ رسوليةٍ قرآنيةٍ تشبّع بها(عليه السلام) قرآنيّاً في امتداد حياته كلها: [ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوةٌ كأنه وليٌّ حميمٌ](فصّلت: 34).. [وإنْ تعفُو هو أقربُ للتّقوى](البقرة: 237).. وهذا الموقفُ يشكّلُ بالنسبة إلينا أيضاً درساً تاريخيّاً بليغاً –نحن أبناء هذا العصر– على مستوى ضرورة اتباع هذا النهج المتين والأسوة الحسنة التي جسّدها هو وكل أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في شتّى مجالات الحياة من خلال أن نتحرك بوعيٍ كما تحركوا، وننفتح بثقةٍ كما انفتحوا، ونقف مع الحقّ حيثما كان وحيثما دار، فنحن نُعرَفُ به، ولا يُعرفُ بنا.

وبالنّظر إلى ذلك يمكننا أنْ نقول بأنّ الإمام الحسن (ع) مثّل أصالةَ الكمالِ النبوي والعلوي والفاطمي في كلّ حركةٍ من حركاتِه، وفي كلّ سكنةٍ من سكناته.. وكانَ –في كلّ حالاته الروحية– مثلاً أعلى في العبادةِ والإخلاصِ لله، والعملِ الدّائم على نيلِ رضاه. وقد استخدمَ جدُّه الرّسولُ الكريمُ (ص) ألطفَ التّعابير، وأدقَّ الألفاظ، وأرقَّ الكلمات في مدْح حفيده الإمام الحسن، وكانَ يحبّه حبّاً جمّاً حتى أنّ أعداءَ أهلِ البيت كانوا إذا تذكروا معاملة رسول الله له تملّكهم احترامٌ عميقٌ له، وبان عليهم الخضوع أمامه.. وفي هذا المجال يروى عن عمير بن إسحاق: «رأيتُ أبا هريرة التقى بالحسنِ بن علي (ع).. فقالَ له: اكشفْ عن بطنك حتى أقبّل حيث رأيتُ رسولَ الله (ص) يقبّلُ منك.. قال: فكشف عن بطنه فقبّله»[8].

وهكذا عندما استشهد الإمام عليٌّ (ع) بويع الإمام الحـسنُ (ع) خليفةً للأمة وإماماً للمسلمين[9]، وهو الذي كان الرسول الكريم (ص) يقول عنه، وعن أخيه الإمام الحسين (ع): «الحسن والحسين إمامان قاما أو قعدا.. هذان ريحانتاي من الدنيا، من أحبني فليحبَّهما، ومن أبغضهما أبغضني، ومن أبغضني أبغضه الله وأدخله النار، وإنهما سيدا شباب أهل الجنة»[10].. ولكنّ المشكلة –التي كانت تتفاقم باستمرارٍ في ذلك العصر– هي أنّ خلافته (ع) كانت تعيش أجواء الاضطراب والقلق والفتن والمحن التي انطلقت في مدينة الكوفة (مركز الاضطراب).. حيث كانَ الناسُ فيها غير منفتحين عموماً على المعنى الرسالي العميق الذي مثّلته إمامة عليٍّ (ع)، والتي استمرت إلى عهد ولده الحسن (ع).

دور الإمام الحسن (ع) في الحياة الإسلامية
(صلحُ الخيار الصعب.. دروس وعبر):

بعد أنْ تمّتِ البيعة للإمام الحسن (ع) –في تلك الظروف التاريخية المعقدة والمتداخلة التي انقسم فيها المسلمون على أنفسهم– وصلت أخبارُ الولاية الجديدة إلى أسماع معاوية (الذي كان معيّناً من عمر بن الخطاب والياً على الشام)، فما كان منهم (هو وقادته وأتباعه) إلا أن بدأوا بالتخطيط والدّس لإحداثِ مشاكلَ وفتنٍ جديدةٍ من أجل إيقاف حركة الإمام الحسن (ع) ومنعه من الوصول الفعلي إلى موقع الخلافة التي كان يؤمّل منها أن تعيد رصّ الصفوف الممزّقة، وتبني من جديدٍ ما يمكن بناؤه معنويّاً وماديّاً ممّا دمّرته الحروب والصراعات الضيقة بين المسلمين التي مرت على الأمة في الفترات السابقة.

انطلق معاوية –وهو الحاكم الباغي[11]، وغير الشرعي الذي حول الخلافة في الإسلام إلى «ملكٍ عضوضٍ»– محاولاً كسب الزعامات والوجوه المؤثرة في سير الأحداث في داخل العراق وخارجه، من خلال دفْع الأموال، وشراء الذمم والضمائر، وتهديد الناس، وإعطاء الهدايا، وبيع الوعود ومختلف أنواع الإغراءات المادية والمعنوية.

ولتنفيذ سياسته الماكرة عمِلَ معاوية على تشكيل وبناء شبكةٍ واسعةٍ من الجواسيس والعملاء والمأجورين في شتى أرجاء العراق.. ولكن سرعان ما انكشفت تلك السياسة الماكرة، حيث وجدنا الإمام الحسن (ع) يرسل رسائلَ عديدةً إلى معاوية (الرجل الخارج على الشرعية «شرعية الأمة»، وإجماع المسلمين) يدعوه فيها إلى وجوب ترك المؤامرات والتخلى عن انشقاقه، والالتزام بموجبات الانتماء الشرعي إلى الأمة.. ولكن معاوية كان يرفض باستمرارٍ، محاولاً إغراء الإمام بأن ينضوي تحت جناحه على أن تكون الخلافة له من بعده.. ولكن الإمام الحسن (ع) أجابه ببلاغةٍ تنمّ عن إصرارٍ وحزمٍ شديدين: «أما بعد، فقد وصل إليَّ كتابُك تذكر فيه ما ذكرتَ، وتركتُ جوابك خشيةَ البغي، وبالله أعوذ من ذلك، فاتبعِ الحقَّ تعلمْ أنّي من أهله، وعليّ إثمٌ أنْ أقولَ فأكذبَ.. والسّلام»[12].

وبالنّظر إلى ما تقدّم كانَ من الطّبيعي أنْ يزدادَ الموقفُ العام حِدّةً وتوتُّراً، وتعلن حالة الحرب بين طرفين وفريقين، لهما وجهتا نظرٍ مختلفتان ومتناقضتان في العمق حول قضايا الشرع والدين والسياسة والحكم.. طرفٌ شرعيٌّ يحظى بإجماع الأمة روحيّاً ومعنويّاً ودستوريّاً، وطرفٌ آخرُ فاقدٌ للشرعية الدينية، ولا يحظى إلا بتأييد من يوزّع عليهم العطايا والهبات والرشاوى، أو من «يرشّ» ويغدق عليهم الأموالَ المنهوبة من بيت مال المسلمين.. إنهما نهجان مختلفان تماماً في الانتماء وآلية التفكير ومنهج العمل.. أحدهما إمامٌ للقلوب والآخر إمامٌ للأجساد.

ويظهرُ أمام أيِّ مُراجِعٍ لتاريخ تلك الفترة أنّ الإمام الحسن (ع) –وإن بدا مقتنعاً كليّاً بضرورة القضاء على رأس الفساد والإفساد والبغي– ولكنه لم يستبعد منطق الحوار من ذهنه منذ بداية تسلُّمه مهامّ حكومته، على الرغم من معرفته الكاملة بطبيعة معاوية القائمة كليّاً على الغدر والخيانة والتآمر.. إلا أنه حاول أن يتعاطى مع مجريات الأحداث والأمور بما يتناسب مع سياسته الدينية الأخلاقية، فقام بدعوة معاوية للكف عن اتباع أساليب الظلم والعدوان والتجاوز، وطلب إليه أن يعلن الطاعة لحكومته الشرعية.

ولكن معاوية أبى أن يستجيب لدعوة الحق والشرعية، فكتب ردّاً على دعوة الإمام: «إن أمري وأمرك شبيه بأمر أبي بكرٍ وأمركم بعد وفاة رسول الله (ص)»[13].. الأمر الذي أغلق أبواب الحوار، وألزم الجميع بالاحتكام إلى لغة العنف، والإصرار على إنهاء الأزمة بحدود السيوف، وأنصال الحراب.

بعد ذلك بدأ كل طرفٍ يحشد سياسيّاً وعسكريّاً للطرف الآخر.. خصوصاً بعد ورود أنباء عن وجود تحرّكاتٍ أمويةٍ باتجاه العراق، حيث كان معاوية قد باشر –قبل ذلك– بالطلب إلى عماله في الولايات بتعبئة المقاتلين وإرسالهم إليه، لكي يستغل الأوضاع المضطربة في العراق، ويبدأ بالهجوم على الكوفة، ويسقط حكومة الإمام الحسن (ع) (في حال إخفاق مخططه الرامي إلى السيطرة على الخلافة بأساليب المكر والدهاء التي نشأ عليها وعُرف بها) الأمر الذي دفع الإمام الحسن (ع) –بعزمٍ راسخٍ– لتحشيد القوى، والاستعداد لمواجهة العدو في اللحظة الحاسمة.. وهاهو (ع) يذيع للناس أول بياناته التي يدعوهم فيها إلى حشد طاقاتهم وإمكاناتهم في سبيل الدفاع عن رسالة المسلمين التي يريد معاوية إسكات آخر مواقعها الشرعية المتمثلة في إمامة الحسن (ع)، والقضاء بصورةٍ نهائيةٍ على آخر خطوط الدفاع عن قيم ومبادئ الإسلام.. يقول (ع): «أما بعد فإن الله كتب الجهاد على خلقه، وسمّاه كرهاً».. ثم قال لأهل الجهاد من المؤمنين: «[اصبروا إن الله مع الصابرين] فلستم أيها الناس نائلين ما تُحبّون إلا بالصبر على ما تكرهون.. اخرجوا رحمكم الله إلى معسكركم بالنخيلة حتى ننظر وتنظروا، ونرى وتروا»[14].

ولكن الناس والأصحاب لم يُلبُّوا دعوة الإمام، بل سكتوا ووقفوا موقف التخاذل من قائدهم وإمامهم –الذي سبق لهم أن بايعوه وعاهدوه– عندما طلب منهم أن يخرجوا معه للقتال ضد معاوية الذي كان رجلاً فاسداً وباغياً تجب إزاحته عن سدّة الحكم، وإزالة غطاء الشرعية المزيفة عنه.

وهنا لا بد لنا من أن نقف قليلاً لنوضح أسباب هذا الانكفاء عن تلبية دعوة الإمام للجهاد ونصرة الحق.. وما هو سر هذا البرودة التي واجهت بها تلك الجموع نداء الإمام الحسن، ودعوته لتحمل مسؤولية الذود عن حياض الإسلام والمسلمين؟!.

في الواقع علينا بدايةً أن نستعرض بعض المقدمات التاريخية التي نعتقد أنها هي التي ساهمت في وصول أمر الناس والأمة إلى هذا المستوى الخطير من انعدام المسؤولية الرسالية لدى أبناء المجتمع، وعجزهم عن النهوض في مواجهة ما كان يحاك للرسالة الإسلامية من دسائسَ ومؤامراتٍ، وانغماسهم في ملاحقة ما تدنّى من غاياتٍ وطموحاتٍ محدودةٍ زائلةٍ[15].. ومن أبرز تلك المقدمات هي تلك الحالة العامة للمجتمع الإسلامي آنذاك الذي كان مجتمعاً مفككاً، مزقته الحروب والصراعات، وأنهكته الفتن والمؤامرات.. وهذا المجتمع المضطرب هو ذاته الذي أفرزَ جيش الإمام الحسن الذي كان سيسير به لمواجهة جيش معاوية.

وهذه كانت من المشاكل والعقبات التي وقفت في وجه إمامة الحسن (ع)، فقد كانت خلافته (ع) في الكوفة، ولم تكن في المدينة، فقد كانت الكوفة مضطربةً، لأنَّ المجتمع الكوفيَّ لم يكن صافياً ولا منفتحاً على المعنى الرّساليّ الَّذي يمثّله الإمام الحسن (ع)، الَّذي هو سيِّد شباب أهل الجنَّة بنصّ رسول الله (ص)، ما يعني أنَّ حياتَه وحركتَه وتصرّفاتِه شرعيَّةٌ بمعانيها وآفاقها، لأنَّ سيِّد شباب أهل الجنّة، لا يمكن أن يخطئ في فكرٍ أو قولٍ أو فعلٍ، ولكنَّ القوم الّذين منعوا الإمام عليّاً (ع) من تنفيذ خطّته، فأربكوا حكمه وأضاعوا النهج الَّذي نهجه لهم، عادوا من جديدٍ ليمنعوا الإمام الحسن (ع) من أن ينفتح على منهجه الجديد في الرسالة[16]. أي إن سلوك أهل الكوفة مع الإمام عليٍّ (ع) في أواخر خلافته، عكس عجزهم عن الإيفاء بالتزاماتهم ومواثيقهم تجاه الولاية لأمير المؤمنين (ع)، وعدم مقاومتهم وصمودهم في حربٍ يمكن وصفها بأنها كثيرة الشبهات –بالنسبة لهم طبعاً– وطويلة الأمد، ومعدومة الغنائم.

وهكذا تكررت تلك الأجواء ذاتها مع الإمام الحسن (ع).. حيث أظهر أهل الكوفة أنهم لا يريدون قتال معاوية.. ولذلك بدأ الحسن (ع) يفكر مليّاً في جدوى حربٍ معدومة شرائط التواجد الفاعل والحاسم من جهة الحكومة الشرعية التي لا تملك جيشاً متوازناً وقويّاً وفاعلاً يدافع عن شرعية حضورها وتواجدها الشرعي في جسم الأمة.

لقد كان واضحاً –كما ذكرنا سابقاً– أن الإمام الحسن كان يرغب في حسم المعركة ضد معاوية ميدانيّاً، ولكنه كان يعي تماماً –في الوقت نفسه– أنّ للحرب مآلاتٍ وتبعاتٍ (وأثقالاً وآثاراً) سلبيةٌ ينبغي تحمُّلها، والمجتمع عموماً هو المعنيُّ بتحمّل عبء هذه التبعات والآثار المترتبة عليها، ودفع تكاليف الحرب وفواتيرها الباهظة.. ولكن لمّا كان مجتمعُ الكوفة منشدّاً إلى الدنيا، وغيرَ راغبٍ بالحرب –وهو أساساً غيرُ قادرٍ على إدراك حقيقتها وفلسفتها– فلا يمكنُ (عند ذلك) أنْ نتوقّعَ من الإمام (ع) أنْ يعلنَ حرباً بمفرده، أو بعِدّة آلاف من جنودٍ ضعفاء في معنوياتهم، مزّقتهم الأهواءُ والشّهوات، وأنهكتهم الدعايات المضلِّلة التي كان يقوم بها معاوية وزبانيّته الذين كانوا يركّزون على استغلال نقاط الضعف في خصومهم، واستغلال كل ما من شأنه أن يُوهِن العزيمة، ويكبّلَ الإرادة، ويُشِلّ القوى فيهم.

وفي هذا المجال يتحدث الإمام الحسن (ع) عن هذا الموضوع محلِّلاً وشارحاً: «إنّا والله لا يثنينا عن أهل الشام شكٌّ ولا ندمٌ، وإنما كنا نقاتل أهل الشام بالسلامة والصبر. فشِيبت السلامةُ بالعداوةِ، والصبرُ بالجزعِ، وكنتم في مسيركم إلى صفين دينُكم أمام دنياكم، وأصبحتم اليوم ودنياكم أمام دينكم.. ألا وقد أصبحتم بين قتيلين قتيل بصفين تبكون له، وقتيل بالنهروان تطلبون بثأره. وأما الباقر فخاذلٌ، وأما الباكي فثائرٌ. ألا وإن معاوية دعانا لأمرٍ ليس فيه عزٌّ ولا نَصَفةٌ. فإن أردتم الموت رددناه عليه وحاكمناه إلى الله عز وجل بظبى السيوف، وإن أردتم الحياة قبلناه وأخذنا لكم الرضى، فناداه الناس من كل جانب البقية البقية وأمضى الصلح»[17].

ولو أنّنا تمعّنّا قليلاً في كلام الإمام (ع) فإننا نجد لديه رغبةً وتأكيداً على وجوب شنّ الحرب ضد القاسطين.. أمّا ما كان يمنع الإمام من استخدام القوة والعنف ضدهم فهم الناس (مجتمع الكوفة) الذين امتنعوا عن القيام بأيِّ عملٍ عسكريٍّ ضد أولئك.. وقد ألمح الإمام الحسن (ع) إلى هذا الموضوع في قوله: «رأيت هوى عظم الناس في الصلح، وكرهوا الحرب، فلم أحبَّ أن أحملهم على ما يكرهون»[18].

وهذا هو الموقف (والتعبير) نفسه الذي سبق لأمير المؤمنين الإمام علي (ع) أن أشار إليه في مواضعَ كثيرةٍ[19].. نذكر منها قوله (ع): «والله إني سلمت الأمر لأني لم أجد أنصاراً، ولو وجدت أنصاراً لقاتلته (يقصد معاوية) ليلي ونهاري حتى يحكم الله بيننا وبينكم»[20].. ويبدو أن هذا النوع من التعاطي السلبي من قبل الجماهير بحق قياداتها (التي لا تتخذ أيَّ إجراءٍ ضدها) يُعدُّ أمراً نادراً في أدبيات العمل السياسي.

وهنا تكمن الإشكالية الكبرى وهي أن القائد (أو الإمام) هو الذي يعاني من شعبه وجماهيره التي بايعته على كلِّ شيءٍ، ولكنها لم تُنفّذ شيئاً ممّا سبق أن عاهدت عليه.. ويبدو أنها من الحالات النادرة في التاريخ الإنساني –كما أسلفنا– أن يأتي قائدٌ يعاني الأمرّين من شعبه وأبناء جلدته.. حيث أن العادة جرت أن تعاني الجماهير من وطأة وضغط قياداتها ونُظُمها عليها (عسفاً وقمعاً وظلماً).. ولكن عليّاً والحسن(عليهما السلام) كانا يشتكيان على الدوام من قلة الناصر والمعين.

بدأت المحنةُ تتفاقم، والأحداث تتسارع.. وانطلق معاوية –الذي كان قد عرف مواطن الضعف الحقيقية في جيش إمامنا الحسن (ع)– راسماً في ذهنه لخطةٍ جديدةٍ تتمحور حول مسألة الصلح مع الإمام الحسن (ع)، والاستجابة للشروط التي يريدها.. وإذا ما ظهرت معارضة الإمام الحسن لتلك الخطة فإنّ أحبولةً جديدةً كان يجري حياكتها حول قادة ورؤساء جيش الإمام، ستكونُ كافية لإسقاط هذا الجيش –الضعيف أساساً– من فوره.

ويذكر الرواة كيف كان معسكر النخيلة يستقبل الوافدين إليه من الكوفة للانضمام إلى الجيش الذي تحركت طلائعه لملاقاة جيش الشام، وكيف كانت حناجر الخطباء الصافية قد بحّت وهي تستنهض العامة، وتلهب بهم الحماس للالتحاق بالطلائع الزاحفة[21].

ولكن الذي حدث –وقد توقّعه الإمام– هو أن بوادر الفتن والاضطرابات بدأت تأخذ مجراها إلى جيش الكوفة الذي كان يعجّ بالمنافقين والمتاجرين من أصحاب، ما يمكن أن نسميه في عصرنا الراهن، بـ « «ثقافة الاسترخاء والتعب».. وكانت الشائعة الكاذبة التي أطلقها معاوية –وقد بدا وكأنّ جيش الكوفة المنهك والهرم كان ينتظرها بفارغ الصبر، إذ إنه فقد الإحساس الحقيقي بحرارة الرسالة، وفضّل الاسترخاء والاستكانة على العمل الرسالي، والالتزام بنهج الإسلام الصحيح– في: «أن الحسن يكاتب معاوية على الصلح فلِمَ تقتلون أنفسكم..»[22].. وسرت تلك الشائعة في أوساط جيش الإمام (ع) كالنار في الهشيم.. فبيْن ُمصدِّقٍ لها، وآخرَ مكذبٍ، وبين من يحاول إثباتها.. ولم يحاول القائد عبيد الله أن يتأكد من كذب هذه الشائعة، وبعدها عن الواقع.. لأن الإمام الحسن (ع) كان مشغولاً –في تلك الأثناء– ببعث الرسل إلى الأطراف، وتهيئة الكتائب اللاحقة بالطلائع، ومكاتبة معاوية بالحرب، وبعث الحماس بخطبه اللاهبة المحرضة على القتال، ولم يكتب في صلحٍ، ولم يكن من رأيه ذلك[23].

وكان القائد عبيد الله أول من تأثر سلباً بتلك الشائعة، وخضعَ لها، خصوصاً بعد أن وصلته رسائل[24] معاوية وهي تحمل في داخلها شتّى ألوان المغريات[25].. وهكذا بدأت –مع استجابة القائد الخيانية لنداء معاوية– مظاهر التفكك والتشرذم بالظهور على السطح، والإمام الحسن لا يزال على موقفه الصلب ضد معاوية.. والرسل لا تزال تأتي من المدائن بقرب تحرك الإمام نحو المعركة الفاصلة.

وتصلُ أنباء استسلام عبد الله لعدوه إلى المدائن، ويشيع جوٌّ من المحنة في النفوس كما هو الحال في «مسكن»، ويشعر الإمام بالطعنة في الصميم تأتيه من أقرب الناس إليه، وأخصّهم به.. وتتسرب إليه أنباء عن مكاتبة بعض رؤساء الأجناد والقواد لمعاوية، وطلبهم الأمان لأنفسهم وعشائرهم، ومكاتبة معاوية لبعضهم بالأمان والمواعيد.. ويقف الإمام أمام هذه النكبات والمحن المتتالية متطامناً على نفسه، ناظراً في أمره، وإلى أين ستنتهي به هذه المسيرة[26].

وتبلغ الأمور حد الخطورة المباشرة والصدمة الكبيرة عندما يعرف الإمام بحقيقة العدد الكبير لجنوده الذين تركوه وانحازوا فارّين من معسكره، والتحقوا بجيش معاوية.. وهو رقمٌ وصل إلى حدود الثمانية آلاف رجلٍ.. إنه رقمٌ مفزعٌ ولا شكَّ[27]. وإذا أخذنا بعين الاعتبار أن التعداد العام لجيش الكوفة لم يكن يتعدى اثني عشر ألف رجل، يمكننا أن نتفهم حجم تلك الصدمة الكبيرة والمرارة النفسية العميقة التي عاشها الإمام.. خصوصاً وأن معاوية كان قد حشد في مواجهة الإمام أكثر من ستين ألف رجلٍ يضاف إليهم ثمانية آلافٍ من الفارِّين إلى معسكره من جند الإمام الحسن (ع).

وهكذا فإن الإمام قد أصبح في وضعٍ صعبٍ ومحيِّرٍ، وبدأ جدّيّاً يبحث عن مخرجٍ مناسبٍ لهذا المأزق والأزمة الخطيرة التي تسارعت تداعياتها السلبية ضده حتى وصلت إلى قوى جيشه في المدائن.. فهل يستمر في تمسُّكه الشديد بمنطق إنهاء الأزمة في ساحة الحرب.. أم أنه –وهو الإمام المعصوم، والحاكم الشرعي البصير بواقع أمته، ومبادئ رسالته الإسلامية، والحريص كلّيّاً على مجتمعه، والمؤتمن على جماهير أمته الإسلامية– لن يجد سبيلاً إلا اتخاذ قرار الصلح مع معاوية اتقاءً لنار الفتنة، وصوناً لدماء المسلمين؟!.

أجل.. إن الخيار – والقرار الذي سيعقبه– صعبٌ ولا شكَّ..

ولكن الإمام (ع) لم يكن في وارد اتخاذ أيِّ قرارٍ قبل أن يختبر نوايا جيشه، وأن يتأكد من حقيقة هذا الجيش، ويكشفه أمام مرآة ذاته، ويزيل عنه قناعه المزيف[28].. ليظهر –كما هو على حقيقته– مشتتاً مهزوماً، غيرَ قادرٍ على مواجهة تحديات أمته.

في هذا المفصل الخطير وقف الإمام الحسن (ع) خطيباً أمام جيشه قائلاً: «ألا وإن معاوية دعانا لأمر ليس فيه عزّ ولا نصفة، فإن أردتم الموت رددناه عليه، وحاكمناه إلى الله عز وجل بظبى السيوف، وإن أردتم الحياة قبلنا، وأخذنا لكم الرضا».. فناداه الناس من كل جانب: «البقية البقية، وامض الصلح..»[29]..

وهنا انكشف الواقع الحقيقي للجيش أمام الإمام (ع).. فالجيش يطلب الراحة والبقاء من خلال إمضاء الصلح مع معاوية.

وبالإضافة إلى معاناة الإمام من جيشه، فقد كان (ع) يشتكي على الدوام من مجتمع الكوفة (الحاضن الفعلي لجيشه).. وها هو يتحدث في كلمةٍ عن أحوال هذا المجتمع وذاك الجيش المتهالك.. يقول (ع): «كرهت الدنيا.. ورأيت أهل الكوفة قوماً لا يثق بهم أحدٌ إلا غُلب، ليس أحدٌ منه يوافق الآخر في رأي ولا هواء، مختلفين، ولا نية لهم في خيرٍ ولا شرٍّ، لقد لقي أبي منهم أموراً عظاماً، فليت شعري لمن يصلحون بعدي، وهي أسرع البلاد خراباً»[30].. إذاً كيف يثق الإمام الحسن بأهل الكوفة وهي التي تملك سجلاً أسودَ في التعامل السلبي مع أبيه أمير المؤمنين، حيث إنها خذلته في صفين وما بعدها.

على أساس ذلك كان طريق الصلح –الذي يجب علينا أن ندرسه دراسةً موضوعيةً واقعيةً (غيرَ وقوعيةٍ) في حجم القضايا والظروف الصعبة والمعقدة التي كان يعيشها المجتمع الإسلامي آنذاك– هو الطريق الوحيد الباقي أمام الإمام (ع) اتقاءً لشر الحرب التي كان سيخسرها لا محالة في ظل وجود جيشٍ منهزمٍ قبل أن تقع المعركة.. وها هو (ع) يعبر عن ذلك بقوله: «ما أردت بمصالحتي معاوية إلا أن أدفع عنكم القتل عندما رأيت تباطؤ أصحابي عن الحرب، ونكولهم عن القتال»[31].. وبالنظر إلى وجود دعواتٍ لمتابعة الحرب من قِبل بعض أصحاب[32] الإمام الحسن، وقف (ع) قائلاً: «يا قوم قد ترون خلاف أصحابكم وأنتم قليلٌ في كثيرٍ، ولئن عدتم إلى الحرب ليكونُنّ أشدَّ عليكم من أهل الشام، فإذا اجتمعوا وأهلَ الشام عليكم أفنَوْكم. والله ما رضيته ولا هويته، ولكني ملتُ إلى الجمهور منكم خوفاً عليكم»[33].

إذاً، وصل الإمام الحسن (ع) إلى قناعةٍ تامّةٍ باستحالة حصول النصر على معاوية في ظل وجود مناخٍ اجتماعيٍّ عامٍّ غيرِ مستعدٍّ لتحمّل تكاليف الحرب –التي تفرض أجواءَ يفقد الناسُ معها وضوحَ الرؤية، ويعجزون عن تحديد حقائق الأشياء– وكذلك في ظل وجود جيشٍ ضعيفٍ، هرمٍ، ومشتتِ الأهواء، كان سيواجه جيشاً جراراً منظماً ومدرباً كجيش معاوية.. أي أنّ هناك خللاً في ميزان القوى العسكري لا يمكن معه للناس إلا وأن يدفعوا تكاليفه الباهظة بالكامل.. انطلاقاً من ذلك قرر (ع) مباشرة الصلح مع معاوية، وابتدأ عامٍ جديدٍ، أطلقوا عليه عام الجماعة.. وكان الأولى أن يسمى –كما قيل– بعام المحنة، أو عام الخيارات الصعبة.

بنود الصلح[34]:

1.  تسليم الأمر إلى معاوية على أن يعمل بكتاب الله وبسنة رسوله (ص)، وبسيرة الخلفاء الصالحين.

2.  أن يكون الأمر للحسن من بعده، فإن حدث به حدثٌ فلأخيه الحسين، وليس لمعاوية أن يعهد به إلى أحدٍ.

3.  أن يترك سب أمير المؤمنين، والقنوت عليه بالصلوات، وأن لا يذكر عليّاً إلا بخير.

4.  استثناء ما في بيت مال الكوفة وهو خمسة آلاف ألف.. فلا يشمله تسليم الأمر.. وعلى معاوية أن يحمل إلى الحسين ألفي ألف درهم، وأن يفضّل بني هاشم في العطاء والصِّلات على بني عبد شمس، وأن يفرق في أولاد من قتل مع أمير المؤمنين يوم الجمل، وأولاد من قتل معه بصفين ألف ألف درهم، وأن يجعل ذلك من خراج دارابجر.

5.  على أن الناس آمنون حيث كانوا من أرض الله في شامهم وعراقهم وحجازهم ويمنهم.. وأن يؤمن الأسود والأحمر، وأن يحتمل معاوية ما يكون من هفواتهم. وأن لا يتبع أحداً بما مضى، ولا يأخذ أهل العراق بإحنة، وعلى آمان أصحاب عليٍّ حيث كانوا، وأن لا ينال أحداً من شيعة عليٍّ بمكروه، وأن أصحاب عليٍّ وشيعته آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وأن لا يتعقب عليهم شيئاً، ولا يتعرض لأحدٍ منهم بسوء، ويوصل إلى كل ذي حق حقه، وعلى ما أصاب أصحاب علي حيث كانوا، وعلى أن لا يبغي للحسن بن علي، ولا لأخيه الحسين، ولا لأحد من أهل بيت رسول الله (ص) غائلةً سرّاً ولا جهراً، ولا يخيف أحداً منهم في أفقٍ من الآفاق.

لكن معاوية لم يلتزم لاحقاً بأيِّ شرطٍ من شروط هذا الصلح[35]، بل عمل على خرقه أمام الجميع ومن دون حسيبٍ أو رقيبٍ.. فها هو يدخل الكوفة معلناً تحلُّلَه من بنود تلك المعاهدة بعد موافقته عليها: «إني كنتُ شرطت شروطاً، ووعدت عِدَاتٍ إرادةً لإطفاء نار الحرب، ومداراةً لقطع هذه الفتنة، فأمّا إذْ جمع الله لنا الكلمة والألفة، وأمناً من الفرقة، فإن ذلك تحت قدميّ. إني والله ما قاتلتكم لتصوموا، ولا لتصلوا، ولا لتحجوا، ولا لتزكوا.. إنكم لتفعلون ذلك، وإنما قاتلتكم لأتأمر عليكم، وقد أعطاني الله ذلك، وأنتم كارهون»[36].

وفعلاً بدأ معاوية من فوره بتنفيذ سياسته الخبيثة المرسومة مسبقاً، والتي بدأها بنقل مركز وعاصمة الخلافة من الكوفة إلى دمشق، وأطلق يد جيشه لتشديد قبضتها على أهل الكوفة، وإثارة الفزع والهلع في نفوسهم، وتعميم جوٍّ من الإرهاب النفسي والسلوكي منقطع النظير.

أما الإمام الحسن (ع) فقد تحدث في مسجد الكوفة قائلاً: «إنما الخليفة من سار بكتاب الله وسنة نبيه (ص)، وليس الخليفة من سار بالجور، ذلك ملك ملكاً يتمتع به قليلاً ثم تنقطع لذته، وتبقى تبعته [وإن أدري لعله فتنةٌ لكم ومتاعٌ إلى حين]»[37]. ويتضح من هذا الخطاب البليغ والمقتضب أن الإمام يقدم معاوية للناس في العالم الإسلامي بواقعه وصفته الحقيقية من حيث كونه ملكاً جائراً.. كما ويشير في الوقت نفسه –كما يروي بعض المؤرخين في الرواية السابقة نفسها– إلى أنه وأخاه الحسين(عليهما السلام) هما الشخصان الوحيدان على الأرض اللذان جدهما نبي الإسلام (ص).. يقول (ع): «إن الله قد هداكم بأولنا محمدٍ، وأن معاوية نازعني حقّاً هو لي، فتركته لصلاح الأمة، وحقن دمائها»[38].

وبالعودة إلى بنود الصلح الخمسة –التي وقّعها الإمام الحسن (ع) مع معاوية بن أبي سفيان– فإننا نجد أن الإمام أدخل إلى اتفاقية الصلح كلَّ ما مِن شأنه إنقاذ ما تبقّى من إمكاناتٍ روحيةٍ وماديةٍ في الأمة، وقد نجح الإمام فعليّاً –على سبيل المثال– في منع معاوية رسميّاً وقانونيّاً من تكريس التداول الوراثي للحكم والسلطة الذي كان معاوية يريد تثبيته أساساً راسخاً في داخل جسم الخلافة الإسلامية.. وقد يقول قائلٌ بأن معاوية استطاع لاحقاً فرض ولده يزيد على المجتمع الإسلامي بسلاح السيف والقهر.. هذا صحيحٌ، ولكن الإمام تمكن من خلال هذا الصلح من كشف ألاعيب معاوية، وفضح أساليبه المزيفة في السلطة والحكم، وإسقاط أقنعة ودسائس الحكم الأموي –التي ترجع في أصولها إلى عهود الجاهلية الأولى التي حاربها بشدّةٍ رسولُ الله (ص) ومِن بعدِه أميرُ المؤمنين (ع)– أمامَ الناس جميعاً، ومنعه من قوْننة هذا النوع من التداول الوراثي للحكم.. وإثبات الحق الشرعي لأهل البيت (ع) في الخلافة والإمامة.. وأن معاوية وأصحابه لا يصلحون للحكم وإدارة شؤون الأمة مطلقاً، وأن طاعتهم لا تجوز أبداً، والدليل هو هذه الممارسات الظالمة واللاإنسانية التي كان يرتكبها بحق المجتمع والأمة، والتي بدأ الناس يشعرون بثقلها وقسوتها مع بداية عهد الظلم والانحراف الكبير.. وفي هذا الوقت بالذات كان بمقدور الإمام الحسن (ع) –وتلك الكوكبة من رجالات الفكر الإسلامي الذين تتلمذوا على يديه– أن يوجدوا في داخل التكوين الثقافي والسياسي للأمة وعياً حركيّاً فاعلاً معارضاً للنهج الأموي الجاهلي في الروح والفكر والممارسة.. وأن ينجحوا في إبقاء روح الوعي والتمرد والتغيير حيَّةً ومنافِحةً عن الحق الإسلامي في امتداد الأجيال الإسلامية اللاحقة كلها.. وهذا هو الشيء الذي عمل له الحسن (ع) من خلال الصلح وهو أنه كان يريد للأمة (ولخط المعارضة فيها على وجه التحديد) أن يبقوا للمستقبل ممسكين بقيم الحق والعدل.

ولعلنا لا نبالغ كثيراً إذا ما اعتبرنا أن ثورة كربلاء كانت موجودةً بالقوة في قلب صلح الحسن (ع) مع معاوية.. أي أنه إذا كان الإمام الحسين (ع) قد فجّر ثورته بالدم الزاكي (المسفوح على امتداد كل هذه المساحة التاريخية والجغرافية والحضارية والإنسانية) فإن الإمام الحسن (ع) قد فجّر قبلَه ثورةً صامتةً مهّدت الطريق (وهيّأت الأجواء) المناسبة لتجذّر (ونموّ وتعملق) ثورة الحسين في عمق الواقع والوجدان التاريخي والثقافي للأمة.

وقد بدت الحـالة العامة آنذاك وكأنّ هناك تخطيطاً مدروسـاً ومنظَّماً قام به الإمام الحسن (ع) بخصوص التمهيد للأحداث المفصلية التي كانت ستشهدها أمتنا لاحقاً[39]، وبخاصةٍ ثورة الإمام الحسين (ع).

وبالنظر لأهميّة تلك الوثيقة (وثيقة الصلح)، وللنتائج الإيجابية الكبيرة التي أدّت إليها –على مستوى حفظ مصلحة الأمة ككلٍّ– يشير إليها الإمام الباقر (ع) بقوله: «والله، لَلذي صنعه الحسن بن عليٍّ (ع) كان خيراً لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس»[40]. وبالفعل لقد كانت تلك الوثيقة خيراً على الأمة، لأنها أوجدت في داخل أبناء الأمة وعياً سياسيّاً، ومعارضةً فكريةً وحركيةً متناميةً للنهج الأموي الظالم والمنحرف مع تتابع الأيام والأجيال، جعلت الأمةَ قادرةً على الوقوف في وجه الانحرافات، وتفعيل نهج الكفاح والجهاد والمنافَحة عن الحق الإسلامي عبر الأجيال.

وأما في خارج الحكم –وبعد أن حدث الصلح، وقرر الإمام الخروج من الكوفة باتجاه المدينة– فقد مارس إمامنا الحسن (ع) مهامَّه الإمامية كاملةً.. حيث كان يرعى المجتمع الإسلامي في كل شؤونه وعناوينه، وبكل ما كان يحتاج إليه.. لأنه (ع) إمامٌ يعيش عمق مسؤولية الإمامة والرسالة خارج الحكم بالروحيةِ نفسِها التي يفرض عليه أن يعيشها داخل الحكم.. فالقضية هنا هي أنّ تولِّيَ الإمام للسلطة والحكم ليس له من غايةٍ فيها سوى إحقاق الحق ونشر العدل والأمان بين الناس.. وفعلاً فقد قدم الحسن (ع) –وهو خارج الحكم السياسي– أمثولةً حيَّةً في الأخلاق العالية، والعلم الغزير.. بحيث إنه استطاع أن يملأ العالم الإسلامي كله بعناصر شخصيته الإسلامية الفذة.

ونحن عندما ندرس بعض تفاصيل الحركة التاريخية للإمام الحسن (ع) –أو لغيره من رجالات تاريخنا العظام مِمّن كان لهم تأثيرٌ نوعيٌّ إيجابيٌّ في حركة التاريخ والحضارة الإسلامية– فإن الغاية من ذلك (كما تحدثنا في أكثر من موقعٍ) هي أن نرتبط ارتباطاً حقيقيّاً واعياً بولايتهم الحقة التي ينبغي أن تتجلى –في علاقتنا بأهل البيت (ع)– في التأكيد على ضرورة الالتزام النوعي الفعَّال بالإسلام الروحي والمفاهيمي كله، في عقيدته وشريعته ومنهجه وحركته على مستوى التطبيق العملي في الحياة.. وألّا يكون هذا الالتزام والارتباط بأهل البيت(عليهم السلام) نوعاً من الاستغراق في ذوات أهل البيت (ع) فقط، بعيداً عن واقع الرسالة وأصالة الإسلام في الوعي، أو استغراقاً –كما سلف القول– في التاريخ لنعتبرهم من شخصيات التاريخ التي طواها الزمن.. بل أن يعنيَ أنّ قضية الإسلام والمسلمين كانت قضيَّتُهم الأولى، والموقعَ الأساسَ لحركتهم في الحياة (سواءً أكانوا في الحكم أم خارجَه).. باعتبار أنهم أصحابُ رسالةٍ، وهم الأمناء الحقيقيون عليها، وأنّ إمامتهم تمثّل –على الدوام– الحضور المتحرك في أمد الحياة كلها، وتُمثّل أيضاً إمامة الإسلام[41].

ولذلكَ كانَ عملُهم الرّساليُّ متركّزاً –في هذا السّياق– في أنْ يجعلوا الناس مرتبطينَ برسالة الله ومتمسِّكين بقيم الدينِ الحقِّ، ليكون اللهُ هو كلَّ شيءٍ في العمق الوجودي للإنسان في الحياة، وأن تكون ولايتُهم الصّحيحةُ لهم (ع) –التي تستمد وجودها وتألقها وزخمها من الله تعالى– هي ولايةَ اتّباع أساليبهم، وتطبيق مناهجهم التي كانوا يؤكدون فيها باستمرار على أنه لا يُوجد خطٌّ للولاية خارجَ نطاق الإسلام في طبيعة قيمه الفكرية والروحية والأخلاقية.

وهذا هو الشّيء الجوهري الذي يمكن أنْ نستهديَه ونستوحيَه من خلال دراستنا لحياة (وفكر) إمامنا الحسن (ع).. هذا الإمام الواجب الطاعة، والإنسانُ الرسالي الذي عاشَ الإسلامَ حركةً دائمةً في قلبه وعقله ووعيه.. والتزمَ خيارَ الأمة، وقدّم مصلحةَ الرسالة على كل المصالح الآنية الخاصة، وحافظَ بعقله وقلبه على أصالة العقيدة، ومبادئ الإسلام الصحيح.. وكانَ امتداداً رساليّاً طبيعيّاً لحركية النّبوة والإمامة في سعيها وهمّها الدائم والقائم على أن تكونَ كلمةُ الله هي العليا في الأرض، على مستوى الذات في تشبّعها بقيم الله (قيم الحق والعدل والخير والجمال)، وعلى مستوى الموضوع في السلوك العملي الممارس في العلاقات الخاصة والعامة، بحيث يكون كلُّ واحدٍ منّا قدوةً وداعيةً إلى الخير والعدل والمحبة والوعي بكلِّ شخصيته وكيانه، ولتكون دعوةً في سبيل الله وتمثّلاً للخط الأخلاقي الإسلامي في قضايا الحق والدعوة إلى الله.

أجل لقد كانَ إمامُنا الحسن (ع) بحقٍّ، خيرَ خلفٍ لخيرِ سلفٍ.. فسلامٌ عليه يوم وُلد، ويوم استُشهد، ويوم يُبْعثُ حيّاً مع الملائكة المقربين، والأنبياء والصالحين، وحَسنَ أولئك رفيقاً.

مراجع البحث:

1.   القرآن الكريم.

2.   نهج البلاغة، شرح النهج لابن أبي الحديد المعتزلي، دار الكتاب العربي ودار الأميرة، لبنان/بيروت، طبعة عام 2007م.

3.   أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري. أنساب الأشراف. تحقيق: سهيل زكار ورياض زركلي، دار الفكر، لبنان/بيروت، طبعة أولى لعام 1996م.

4.   أبو الفرج الأصفهاني. «مقاتل الطالبيين». إيران/قم، طبعة ثانية لعام 1985م.

5.   أبو عبد الله محمد بن النعمان (الشيخ المفيد). الإرشاد. دار الهدى، إيران/قم، طبعة أولى عام: 2010م.

6.   أبو القاسم الطبراني. المعجم الكبير. الناشر: مكتبة ابن تيمية، مصر/القاهرة، طبعة عام 1994م.

7.   أبو حنيفة الدينوري. الأخبار الطوال. تحقيق: عبد المنعم عامر، دار إحياء الكتب العربي، مصر/القاهرة، طبعة عام 1960م.

8.   أبو محمد بن أعثم الكوفي. الفتوح. تحقيق: علي شيري، دار لأضواء، لبنان/بيروت، طبعة أولى لعام 1991م.

9.   أبو جعفر محمد بن علي ابن شهرآشوب. مناقب آل أبي طالب. تحقيق: يوسف البقاعي، دار الأضواء، لبنان/بيروت، الطبعة الثانية لعام 1991م.

10.       الطبري، محمد بن جرير. تاريخ الأمم والملوك. دار التراث، لبنان/بيروت، طبعة عام 1967م.

11.       ابن الأثير. «الكامل في التاريخ». دار الكتب العلمية، لبنان/بيروت، طبعة 1987م.

12.       جمال الدين الزرندي الحنفي. نظم درر السمطين. دار إحياء التراث العربي، لبنان/بيروت، طبعة أولى لعام 2004م.

13.       الحافظ أبو الفرج الجوزي. «تذكرة الخواصّ». مكتبة نينوى الحديثة. إيران/قم، طبعةٌ قديمةٌ بلا تاريخٍ. من محفوظات الهيئة العامة لمكتبة الإسكندرية في مصر، برقم تسجيل: 26163.

14.       رسول جعفريان. الحياة الفكرية والسياسية لأئمة أهل البيت (ع). دار الحق، لبنان/بيروت، طبعة عام 1994م.

15.       الشّيخ المفيد. الأمالي. دار التيار الجديد ودار المرتضى، لبنان/بيروت، بلا تاريخ.

16.       الشيخ الطبرسي. «إعلام الورى بأعلام الهدى». مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، طبعة عام 1996م.

17.       محمد ناصر الدين الألباني. غاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام. المكتب الإسلامي، لبنان/بيروت. بلا تاريخٍ.

18.       مسند الإمام أحمد، مؤسسة الرسالة، لبنان/بيروت، بلا تاريخ.

19.       محمد باقر المجلسي. بحار الأنوار. مؤسسة إحياء الكتب الإسلامية، إيران/قم، طبعة عام 2009م.

20.       محمد جواد فضل الله. «صلح الإمام الحسن.. أسبابه، نتائجه»، دار الغدير للطباعة والنشر والتوزيع، لبنان/بيروت. بلا تاريخ.

21.       محسن الأمين العاملي. أعيان الشيعة. حققه: حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، لبنان/بيروت، طبعة عام 1983م.

22.       محمد بن يعقوب الكليني. الكافي. منشورات الفجر، لبنان/بيروت، طبعة أولى لعام 2007م.

23.       محمد باقر المحمودي. نهج السعادة. دار التعارف، لبنان/بيروت، طبعة عام 1976م.

----------------------------------------------

[1]     أبو جعفر محمد بن علي ابن شهرآشوب، مناقب آل أبي طالب، تحقيق: يوسف البقاعي، دار الأضواء، لبنان/بيروت، الطبعة الثانية لعام 1991م، ج: 3، ص: 394.

[2]     وهذا ما جاء في الحديث عنه (ع): «لَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنَّي أَحَقُّ بِهَا مِنْ غَيْرِي، وَوَاللهِ لأُسلِمَنَّ مَا سَلِمَتْ أُمُورُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِا جَوْرٌ إِلاَّ عَلَيَّ خَاصَّةً، الْتمَاساً لأجْرِ ذلِكَ وَفَضْلِهِ، وَزُهْداً فِيَما تَنافَسْتُمُوهُ مِنْ زُخْرُفِهِ وَزِبْرِجِهِ».(خطبة: 73).»(راجع: ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، دار الكتاب العربي ودار الأميرة، لبنان/بيروت، طبعة عام 2007م، الجزء: 6، ص: 167-168. وغاية المرام في تخريج أحاديث الحلال والحرام لمحمد ناصر الدين الألباني، المكتب الإسلامي، لبنان/بيروت، طبعة:3، عام 1984م، الجزء: 2، ص: 67-68، والجزء: 6، ص: 8).

[3]     يمكنُ أنْ نذكر منها كمثلٍ واضحٍ، اشتراكه (ع) –إلى جانب والده أمير المؤمنين الإمام علي (ع)– في جميع الحروب التي خاضها في البصرة، والنهروان، وصفّين ضد رموز الفتنة، والتي كان له فيها دورٌ محوريٌّ كبيرٌ من خلال مساهمته في إخماد نار الفتن حرصاً على دماء المسلمين.

[4]     الشّيخ المفيد، الأمالي، دار التيار الجديد ودار المرتضى، لبنان/بيروت، بلا تاريخٍ، ص: 77.

[5]     مناقب آل أبي طالب، مصدرٌ سابقٌ، ج: 3، ص: 388.

[6]     المصدر السابق نفسه، ج: 4، ص: 19.

[7]     رسول جعفريان، الحياة الفكرية والسياسية لأئمة أهل البيت (ع)، دار الحق، لبنان/بيروت طبعة عام 1994م، الجزء: 1، ص: 115.

[8]     راجع مسند الإمام أحمد، مؤسسة الرسالة، لبنان/بيروت، بلا تاريخٍ، الجزء: 2، ص: 427-448. وأبو القاسم الطبراني، المعجم الكبير، الناشر: مكتبة ابن تيمية، مصر/القاهرة، طبعة عام 1994م، الجزء: 3، ص: 119، رقم: 2690.

[9]     يتحدث الشيخ الطبرسي –في كتابه إعلام الورى بأعلام الهدى– يتحدث عن الأجواء التي ترافقت مع بيعة الإمام الحسن (ع) بعد رحيل الإمام عليٍّ (ع) إلى الرفيق الأعلى حيث هبّت الكوفة إلى المسجد فزعةً مذهولةً لهول المصاب الأليم، فوقف السبط (ع) بين تلك الكتل البشرية الهائلة، يوجّه أول بيانٍ له بعد رحيل القائد العظيم.. وهذا هو بعض ما ورد فيه: «لقد قُبض في هذه الليلة رجلٌ لم يسبقه الأولون، ولم يدركه الآخرون، لقد كان يجاهد مع رسول الله (ص) فيقيه بنفسه، وكان رسول الله (ص) يوجهه برايته فيكنفه جبرائيل عن يمينه وميكائيل عن يساره، فلا يرجع حتى يفتح الله على يديه، ولقد توفي في هذه الليلة التي عرج فيها عيسى بن مريم (ع)، وفيها قبض يوشع بن نون –وصي موسى (ع)– وما خلّف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهمٍ فضلت عن عطائه»..وهنا توقف الحسن (ع) عن الكلام حيث أرسل دموعه مدراراً، بعد أن تمثلت أمامه صور أعمال (ومواقف) أبيه الخالدة، وبعدها تابع قائلاً: «أيها الناس من عرفني فقد عرفني، ومن لم يعرفني، فأنا الحسن بن عليٍّ، وأنا ابن النبي، وأنا ابن الوصي، وأنا ابن البشير النذير، وأنا ابن الداعي إلى الله بإذنه.. إلى آخر هذه الخطبة الرائعة التي عرض فيها إمامنا الحسن (ع) مواصفات أمير المؤمنين (ع)، بالإضافة لمؤهلاته هو، ومكانته العالية في عالم الإسلام والمسلمين، وكونه هو الأولى بقيادة الأمة والمجتمع الإسلامي دون سواه. (لمزيد من الإطلاع على الأحاديث راجع: الشيخ الطبرسي، إعلام الورى بأعلام الهدى، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، طبعة عام 1996م، ص: 208).. كما ويروي لنا كُتّاب السِّير والتراجم أنّ العبد الصالح (قيس بن عبادة) كان أول شخصٍ بايع الإمام الحسن (ع) بعد استشهاد أبيه، وقال له: «ابسطْ يدك أبايعْك على كتاب الله، وسنة رسوله فإنهما يأتيان على كل شرط».. فبايعه الناس. وكانَ الحسنُ (ع) يشترط عليهم قائلاً: «إنكم مطيعون تسالمون من سالمت، وتحاربون من حاربت».. فارتابوا بذلك، وقالوا: ما هذا لكم بصاحبٍ، وما يريد هذا إلا القتال».. وكان هذا هو أول خيطٍ في حبل الشك الطويل الذي لفّ موقف أهل الكوفة من الإمام الحسن (ع). (راجع: ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار الكتب العلمية، بيروت، طبعة أولى لعام 1987م، ج: 3، ص: 202).

[10]   أبو عبد الله محمد بن النعمان (الشيخ المفيد)، الإرشاد، دار الهدى، إيران/قم، طبعة أولى عام: 2010م، ج: 1، ص: 210.

[11]   طبعاً نحن عندما ننتقد كثيراً من التّحريفات والانحرافات القابعة في مفاصل (وزوايا) تاريخنا العربي والإسلامي –سواءً أكانت انحرافاتٍ فكريةً أم رمزيةً أم غيرَ ذلك– فإنّ النقد الموجه نحو تلك الأحداث أو الرموز أو المواقع لا يعني أبداً أننا نقف ضد توحد المسلمين على قضاياهم المصيرية، أو أنّنا نفرق صفوف الأمة شيعةً في مقابل سُنةٍ، أو سُنةً في مقابل شيعةٍ.. بل إننا نريد أن نؤكد على أن تضامن المجتمعات المسلمة –على تنوعها الفكري والمذهبي– لن يكون راسخاً ومتيناً ما لم ينجز المسلمون جميعاً مشروع النقد العلمي والموضوعي لتاريخهم كله.. ولكن ذلك يقتضي منا أولاً أن نعمل على إنتاج مفهوم توحد المسلمين (أو الوحدة الإسلامية) من خلال إنتاج الإسلام في نفوسنا أولاً كرسالةِ محبةٍ ودينِ عدلٍ وإنسانيةٍ وعقيدةٍ دينيةٍ راسخةٍ لا كحالةٍ مذهبيةٍ ضيقةٍ.. وألّا يفكر الشيعي شيعيّاً والسني سنيّاً، بل أن يفكر الشيعي كمسلمٍ من حيث امتداد الإسلام في مفاهيمه الواسعة من خلال الصورة القرآنية والصورة النبوية في ما صح في السنة، وأن يفكر السني كمسلمٍ في هذا الاتجاه.. وعندما نفعل ذلك فإننا ننتج الإسلام الرسالي في نفوسنا بحيث نتحسس الإسلام في المذهب ولا نتحسس المذهب في الإسلام (كما يقول أحد المفكرين)، من دون أن يلغي المسلم انتماءه لمذهبه.. ونحن عندما نحاول أن نسير في هذا الطريق فإننا سنواجه حتماً في مسيرنا انحرافاتٍ كثيرةً موجودةً لدى هذا الطرف أو ذاك، والواجب الشرعي الديني والأخلاقي يُلزمنا بضرورة التحرك لمواجهتها وتعريتها وكشفها وفضحها بصرف النظر عن انتمائها الطائفي أو المذهبي.. لأن الانحراف (أو التحريف) لا مذهب له، وهو ليس سنيّاً ولا شيعيّاً ولا حتى إسلاميّاً بل هو حالة طغيانيّة تتغطى باللباس الديني والمذهبي.. فيزيد ومعاوية –وغيرهما من طغاة التاريخ وجلاوزته– لا يمثلون السنة ولا الشيعة، وليس لهم من انتماءٍ فعليٍّ إلا الانتماء الذاتي الضيق إلى حزب «الملك العضوض» أو حزب الأنانية الشخصانية.. تماماً مثلما هو إمامنا الحسن (ع) الواجب الطاعة كإمامٍ معصومٍ وشخصيةٍ إسلاميةٍ لكل المسلمين، لا تخص هذا الطرف أو ذاك. من هذا المنطلق نقول بأننا معنيون جميعاً –سنةً وشيعةً– بتسليط الضوء النقدي على مواقع الانحراف والاهتراء الكثيرة في داخل ثقافتنا وتاريخنا الإسلامي، وأن نعمل على تنقيته من كل ما يشوبه من تعصُّبٍ وتزمُّتٍ وأهواءٍ مُتّبَعةٍ، وألّا نخافَ في الله لومة لائمٍ.. فالحقيقة قد تكون –في معظم الحالات– صعبةً وجارحةً، ولكنها حتماً مفيدةٌ، وصالحةٌ للحياة أبداً ومطلقاً.

[12]   ابن أبي الحديد، شرح النهج، مصدرٌ سابقٌ، ج: 16، ص: 227.

[13]   أحمد بن يحيى بن جابر البلاذري، أنساب الأشراف، تحقيق: سهيل زكار ورياض زركلي، دار الفكر، لبنان/بيروت، طبعة أولى لعام: 1996م، ج: 2، ص:31.

[14]   شرح النهج لابن أبي الحديد، مصدرٌ سابقٌ، ج: 16، ص: 229.

[15]   هنا يحضرني –وأنا أتحدثُ عن الإمام الحسن (ع)– حديثٌ مشهورٌ ومعروفٌ للإمام الحسين (ع) يقول فيه: «الناس عبيد الدنيا، والدين لعقٌ على ألسنتهم يحوطونه ما درّت عليهم معايشه، فإذا محّصوا بالبلاء قلّ الديانون».. ويبدو لنا أن حبّ الدنيا (رأس كل خطيئةٍ كما يقول الرسول الكريم (ص)) هو السبب الرئيسي الكامن وراء كل ما حدث وما يمكن أن يحدث من كوارثَ ومصائبَ تُلمّ بنا وتحدق بمجتمعاتنا.. والمسلمون الذين عاشوا سابقاً مع الأئمة (ع) –وحتى أصحابهم، والكثير من شيعتهم ومواليهم– ليسوا بمعزلٍ عن الوقوع في براثن الشطط والخطأ وارتكاب الموبقات وفعل المحرمات.

[16]   محمد حسين فضل الله، الإمام الحسن: تجسيد الإسلام بصورته المشرقة، موقع بينات (الموقع الرسمي لمؤسسة العلامة الراحل محمد حسين فضل الله)، الرابط:

http://arabic.bayynat.org/ArticlePage.aspx?id=14736

[17]   ابن الأثير، الكامل في التاريخ، دار الكتب العلمية، لبنان/بيروت، طبعة 1987م، ج: 3، ص: 406. و»تذكرة الخواصّ» لـــ»الحافظ أبو الفرج الجوزي»، طبعة مكتبة نينوى الحديثة، إيران/طهران، بلا تاريخٍ، ص: 199. (وهي من محفوظات الهيئة العامة لمكتبة الإسكندرية في مصر، برقم تسجيلٍ: 26163).

[18]   المصدر السابق نفسه. و»الأخبار الطوال» لأبي حنيفة الدينوري، دار إحياء الكتب العربي، مصر/القاهرة، طبعة عام 1960م، ص: 220.

[19]   شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، م. س، ج: 11، ص: 29.

[20]   محمد باقر المجلسي، بحار الأنوار، مؤسسة إحياء الكتب الإسلامية، إيران/قم، طبعة عام 2009م، ج: 44، ص: 147.

[21]   شرح النهج، م.س، ج: 16، ص: 42.

[22]   المصدر نفسه.

[23]   محمد جواد فضل الله. «صلح الإمام الحسن.. أسبابه، نتائجه»، طبعة دار الغدير، لبنان/بيروت، بلا تاريخ، ص: 74.

[24]   يقول له معاوية في إحدى رسائله: «إن الحسن قد راسلني في الصلح، وهو مسلّمٌ إليَّ فإنْ دخلت في طاعتي كنت متبوعاً، وإلا دخلت وأنت تابعٌ». وجعل له ألف ألف درهم. (راجع: شرح النهج، مصدر سبق ذكره، ج: 16، ص: 42).

[25]   يظهر أمامنا –من خلال متابعة بعض النصوص التاريخية المهمة– أن عبيد الله بن عباس (قائد جيش الإمام الحسن) لم يفرَّ وحده إلى معاوية.. بل خرج برفقته عددٌ غيرُ قليلٍ من القادة والزعماء والجند.

[26]   المرحوم السيد: محسن الأمين العاملي، أعيان الشيعة، حققه: حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، لبنان/بيروت، طبعة عام 1983، ج: 4، ص: 22.

[27]   يقول اليعقوبي في تاريخه: «إن معاوية أرسل إلى عبيد الله بن عباس، وجعل له ألف ألف درهم فصار إليه في ثمانية آلاف من أصحابه، وأقام قيس بن سعد على محاربته».

[28]   كان جيش الكوفة مكوَّناً من بقايا جيش الإمام علي (ع)، ولذلك فقد بدا –كما ذكرنا في المتن العام– جيشاً متعباً ومنهكاً من جراء الصراعات والحروب الكثيرة التي خاضها، الأمر الذي جعله يعطل كل خطط و دعوات الإمام الحسن (ع) للقتال.. ويذكر لنا الرواة أن قادة هذا الجيش كانوا يقابلون دعوة الإمام للقتال في الشتاء بقولهم: «صبارة القر»، وفي الصيف بقولهم: «حمارة القيظ».

[29]   الكامل في التاريخ، م. س، ج: 3، ص: 204.. ورواها أيضاً الطبري في تاريخه، وابن خلدون في مقدمته.

[30]   م.س نفسه، ج: 3، ص: 204.

[31]   راجع: الأخبار الطِّوال للدينوري، ص221:.

[32]   ولعل أهم من لاموا الإمام الحسن على توقيع وثيقة الصلح هو حجر بن عدي، الصحابي الجليل الذي عرف بالتقوى والصلاح والبأس والعلم والفقاهة، وكان من خيرة صحابة وأعيان رسول الله (ص)، وصحابة علي وابنه الحسن(عليهم السلام).. وقد توجه حجر في خطابه إلى الإمام قائلاً: «أما والله، لقد وددت أنك مت في ذلك، ومتنا معك، ثم لم نر هذا اليوم، فإنا رجعنا راغمين بما أرغمنا بما كرهنا، ورجعوا مسرورين بما أحبوا».. فأجابه الإمام (ع): «إني قد سمعت كلامك في مجلس معاوية، وليس كل إنسان يحب ما تحب، ولا رأيه كرأيك، وأني لم أفعل ما فعلت إلا إبقاءً عليكم». (الفتوح، أبو محمد بن أعثم الكوفي، تحقيق: علي شيري، دار الأضواء، لبنان/بيروت، طبعة أولى لعام 1991، ج: 4، ص: 166).

[33]   محمد باقر المحمودي، نهج السعادة، دار التعارف، لبنان/بيروت، طبعة عام 1976، ج: 2، ص: 268.

[34]   كان معاوية –على ما يبدو– مطمئنّاً وواثقاً من تحقيق نصرٍ حاسمٍ، لو وقعت المعركة بين أهل الشام وأهل العراق، وأن الإمام الحسن (ع) –والمخلصين له من قادته وجنده– سيكونون خلال أيامٍ معدوداتٍ، بين قتيلٍ وأسيرٍ تحت رحمته، وأن السلطة صائرةٌ إليه لا محالة، ولكن استيلاءه على الحكم والسلطة بقوة الحديد والنار والدم لا يعطيه صبغةً شرعيةً (دينيةً) كان يبحث عنها، ليموّه بها على أبناء المجتمع الإسلامي.. خصوصاً وأن الرجل الذي سيحاربه يحظى بمنزلةٍ رفيعةٍ بين المسلمين، وهو سيد شباب أهل الجنة، وريحانة الرسول (ص)، الأمر الذي كان سيجعل معاوية في حرجٍ وضيقٍ شديدين أمام الأمة كلها، على الرغم من كل حملات تزييف الوعي، وشتى محاولات التضليل السياسي والإعلامي التي قام بها (معاوية وحزبه) لإسقاط مقام أهل البيت (ع) من عيون أبناء الأمة، ومن قلوبهم ووعيهم.. من هنا كان معاوية حريصاً كل الحرص على ألّا يتورط في حربٍ داميةٍ ضد الحسن (ع) –حتى ولو كان مطمئنّاً لنتائجها– تظهره مكشوفاً أمام الملأ كله، وكأنه يحارب علناً أبناء الرسول (ص)، وخيرة أصحابه على الرغم من أنه كان سيفعل ذلك –بحسب معرفتنا بمزاجه ونفسيته السلطوية– لو وجد نفسه مضطرّاً لمثل هذا الأمر.. لذلك انطلق عارضاً الصلح على الإمام الحسن (ع)، وترك له أن يدوّن ويشترط عليه ما يريد.. وهذه فكرةٌ لا تخلو من الدهاء والمكر، إذ إن الناس المتعبة والمسترخية كانت ستفضل حتماً هذا الخيار على أيِّ خيارٍ آخرَ.

[35]   يوردُ البلاذري (مؤلف كتاب أنساب الأشراف، مصدرٌ سبق ذكره) ما مفاده أن معاوية لم يلتزم بأيٍّ من التعهدات التي قطعها للإمام الحسن في الصلح، حيث قام بقتل خيرة أصحابه (حجر بن عدي)، ولم يعهد بانتخاب الخليفة إلى شورى المؤمنين، وفرض ابنه يزيد والياً على المسلمين من بعده، وفوق ذلك قام بدس السم للإمام الحسن (ع).. وعن كل هذا يتحدث الحسن البصري –في تهجينه أفعال معاوية، وقتله حجر بن عدي– قائلاً: «.. أربع خصال كنّ في معاوية، لو لم تكن فيه إلا واحدةٌ لكانت موبقةً، انتزاؤه على هذه الأمة بالسيف حتى أخذ الأمر من غير مشورةٍ، وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة، واستخلافه بعده ابنه سكيراً خميراً، يلبس الحرير ويضرب بالطنابير، وادعاؤه زياداً، وقد قال رسول الله (ص): (الولد للفراش، وللعاهر الحجر)، وقتله حجراً، فيا ويلاً له من حجرٍ، ويا ويلاً له من حجرٍ وأصحاب حجرٍ..».(راجع: الكامل لابن الأثير، ج3/ص242)+شرح النهج لابن أبي الحديد –مع بعض الاختلاف– في الجزء 16/ص193).. ويبدو لنا أن هذه الأعمال المشينة كانت نهجاً ورؤيةً سياسيةً منظمةً، لها قواعدها وركائزها العامة التي يمكن أن نوجزها في ما يلي:

1– اعتماد معاوية على عناصرَ فاسدةٍ ومجرمةٍ، وغيرِ ملتزمةٍ بقيم الإسلام الحنيف لا من قريبٍ، ولا من بعيدٍ.. بحيث إنها كانت لا تحسب إلا حساب مصالحها الذاتية والفئوية الضيقة، وكانت تحقق ذلك بكل الطرق والأساليب الملتوية وغير الشرعية، وعلى حساب الأمة كلها.

2– مطاردة القيادات الشريفة والمؤمنة في شتى أنحاء العالم الإسلامي، وقيامه بتشريدها، وقتلها.. فقط لأنهم كانوا من أتباع خط أهل البيت(عليهم السلام).

3-التضييق الرمزي والضغط المادي على عموم شيعة علي بالكبت والفزع وإثارة أجواء القلق والاضطراب الدائم بين صفوفهم، وهدم دورهم ومساكنهم، ونهب أموالهم وأرزاقهم، وإعطائها نحلةً لزبانيته وعملائه.

4– شراء الوعاظ المحترفين الموالين للسلطة المركزية، ودفعهم لتشويه صورة الإمام علي (ع) –وعموم أهل بيت رسول الله (ص)– بين الناس، وقيامه بسب وصي رسول الله، وخليفته الإمام علي (ع) على المنابر وفي المجالس، إلى جانب وضع الأحاديث وتلفيق السير التي تمدح معاوية وحزبه.

5– تبذير ثروة الأمة وحقوق الناس على أماكن اللهو والطغيان، وشراء الذمم والضمائر، وبذل الأموال الطائلة لصالح الزعامات والقيادات القبلية المنحرفة من أجل أن يكسب ولاءها، ويأمن شرها.

[36]   أنساب الأشراف للبلاذري، مصدرٌ سابقٌ، ج: 2، ص: 46. ومقاتل الطالبيين للأصفهاني، إيران/قم، طبعة ثانية لعام 1985م، ص: 44.

[37]   مقاتل الطالبيين، م.س، ص: 47، و: نظم درر السمطين لجمال الدين الزرندي الحنفي، دار إحياء التراث العربي، لبنان/بيروت، طبعة أولى لعام 2004م، ص: 200.

[38]   م.س، نفسه.

[39]   لقد استطاع أهل البيت (ع) –في تنوع أدوارهم الرسالية التي مارسوها على امتداد تاريخنا الإسلامي– النفاذَ إلى عمق الأحداث والظروف الاجتماعية والسياسية التي مرت على الأمة.. حيث إنهم (ع) قاموا بدراستها، وتحليلها، واستيعاب ملابساتها، واستخلاص العبر والدروس منها، بما يضمن استمرارية الرسالة في الأمة، ويحفظ لها كل مقومات النهوض والارتقاء. وهذا الأمر هو الذي اختلط على كثيرٍ من الباحثين الذين اعتبر بعضُهم أن هناك أسلوباً حَسنيّاً يعتمد الرفق، وآخر حُسينيّاً يعتمد العنف في سياق العمل في الواقع.. ولكن المسألة هي أن هناك ظروفاً خارجيةً موضوعيةً تحيط بساحة العمل الرسالي كانت تستلزم الدراسة والتحليل على مستوى الحاضر والمستقبل.. لأن الإسلام ليس ديناً يُحدّق في الآن القريب فقط، ولكنه دين الإنسانية الخاتم، وهذا يتطلب منه أن يرصد نتائج أيِّ عملٍ أو أسلوبٍ أو حركةٍ في الحاضر، لأن آثارها ونتائجها ستظهر في المستقبل.. من هنا كان لأهل البيت (ع) أدوارٌ متنوعةٌ، ولكن الهدف الواحد كان يجمعهم ويوحدهم وهو هدف صيانة الرسالة الإسلامية من العبث والانحراف والتضليل الذي كانت تمارسه بحقها السلطات الرسمية الحاكمة على امتداد التاريخ الإسلامي، والتي كانت تريد صياغة إسلاٍم رسميٍّ وَعْظِيٍّ ينحصر دوره في داخل المسجد، ولا يتطلع أبداً –وهو دين الحياة– إلى خارج حدود المساجد.. من هنا نحن لا نوافق هؤلاء الرأي في وجود أسلوبٍ حَسنيٍّ لَيّنٍ ورقيقٍ، أو أسلوب حُسينيٍّ شديدٍ وعنيفٍ.. بل إن القضية تتصل بطبيعة ظروف العمل –بثوابتها ومتغيراتها– التي يمكن أن ترسم خطة التحرك والسير في هذا الجانب أو ذاك.. ولذلك نقول بأنّ الصلحَ الحَسنيَّ هو صُلحٌ حُسينيٌّ بامتيازٍ، والثورةَ الحُسينيةَ هي ثورةٌ حَسنيةٌ بامتيازٍ.. أيْ إنّ الحُسين (ع) كان حَسنياً في مرحلة الحسن (ع).. ولو عاش الحسنُ (ع) مرحلة الحسين (ع) لكان حُسينيّاً في مرحلته.. ولذلك كانا يتحركان حيث تكون للإسلام والمسلمين مصلحةٌ عليا سلماً كان أم حرباً.

[40]   محمد بن يعقوب الكلَيني، كتاب الكافي، منشورات الفجر، لبنان/بيروت، طبعة أولى لعام 2007م، ج: 8، ص: 330.

[41]   نبيل علي صالح، من أساليب أهل البيت (ع) في العمل والدعوة، صحيفة الانتقاد اللبنانية، الرابط:

https://archive.alahednews.com.lb/alahed.org/archive/2003/2802/educ/doc2.htm