البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تأملات في الكيسانية

الباحث :  محمد باقر ملكيان
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  16
السنة :  شهر ربيع الاول 1440هـ / 2018م
تاريخ إضافة البحث :  January / 12 / 2019
عدد زيارات البحث :  2002
تحميل  ( 310.041 KB )
ملخص المقال:

قد نسب إلی الإمامية فرقٌ لا وجود لها إلا في الکتب والأوراق، فإنّها نسبة خاطئة كاذبة أو خلط بين الفرقة السياسية والفرقة الاعتقادية. فمن هذه الفرق المزعومة الکيسانية، وهم ـ علی ما قيل ـ أتباع محمّد بن الحنفية القائلون بإمامته، مع أنّ النسبة غير ثابتة، بل عدمها ثابت.

الألفاظ: الکيسانية، محمّد بن الحنفية، المختار بن أبي عبيد.

تأمّلات في الكيسانية:

قد نسب فرق کثيرة إلی الشيعة إلا أنّ كثيراً من هذه الفرق من اختلاقات واختراعات مؤلّفي الكتب وليس لها في عالم الوجود أثر، وهذا إمّا من باب إظهار فضلهم وتتبّعهم، وإمّا لأجل تضعيف منزلة العلويين في الأمّة الاسلامية لئلا تميل اليهم ولا تشيعهم أو تبذل جهدها في نصرتهم، كما هو الحال في السبئية والمختارية والهشامية واليونسية.

ومن هذه الفرق الکيسانية وهم الذين يدّعون أنّ الإمامة كانت حقّاً لمحمّد ابن الحنفية.

فنحن في المقام نبحث عن هذه الفرقة وأنّه هل تثبت فرقة بهذا العنوان أم لا؟ وذلک في ضمن أمور:

1. وجه تسمية هذه الفرقة:

قد اختلفت الكلمات في وجه تسمية هذه الفرقة بالكيسانية، فنحن نشير إلی ما عثرنا عليه:

1. كيسان كان لقب المختار([1]).

وقيل: إنّما سمّي بهذا الاسم لأنّ أباه حمله وهو صغير فوضعه بين يدي أمير المؤمنين (ع) قالوا: فمسح يده على رأسه وقال: كيس كيس([2]).

2. إنّ كيسان مولى لأمير المؤمنين علي (ع) ([3]).

3. إنّ محمّد بن عليّ (ع) استعمل المختار على العراقين بعد قتل الحسين (ع) وأمره بالطلب بثأره وسمّاه كيسان لما عرف من قيامه ومذهبه([4]).

4. لقب المختار كيسان بصاحب شرطته المكنّى أبا عمره([5]).

5. كيسان كان تلميذاً لمحمّد بن الحنفية([6]).

6. نسبوا إلى رئيس لهم يقال له: كيسان، وهو مولى لبطن من بجيلة بالكوفة([7]).

قال بعض المعاصرين: إنّ هذا الشخص الموهوم المختلف في شخصيته وهويته وصلته بالإمام أمير المؤمنين وولده محمّد بن الحنفية ومختار بن أبي عبيد، يحكي لنا شخصيته شخصية عبد الله بن سبأ الذي قيل إنّه كان موسّساً للسبئية([8]).

وكيفما كان إنّ هذا لا يهمّنا في المقام وإن كان في النفس شيء بالنسبة إلی فرقة كان الاختلاف في وجه تسميتها بهذه المثابة.

قال الشيخ المفيد€: وهذه الحكايات في معنى اسمه عن الكيسانية خاصّة فأمّا نحن فلا نعرف إلا أنّه سمّي بهذا الاسم ولا نتحقّق معناه([9]).

2. نشوء الكيسانية

إنّ الأقوال في نشوء الكيسانية مختلفة، فالآن نشير إليها مع ما فيها من النقاش:

القول الأوّل: إنّ الكيسانية ظهرت بعد شهادة أمير المؤمنين (ع).

قال الأشعريŠ: لمّا قتل عليّ ـ صلوات الله عليه ـ افترقت الأمّة فصاروا فرقاً ثلاثة:

1. فرقة منها قالت: إنّ عليّاً لم يقتل ولم يمت ولا يموت حتّى يملك الأرض ويسوق العرب بعصاه ويملأ الارض قسطاً وعدلاً، كما ملئت ظلماً وجوراً.

2. وفرقة قالت بإمامة محمّد بن عليّ بن أبي طالب ابن الحنفية بعد عليّ؛ لأنّه كان صاحب راية أبيه يوم البصرة دون أخويه الحسن والحسين‡، فسمّوا الكيسانية وهم المختارية.

3. وفرقة لزمت القول بإمامة الحسن بن عليّ بعد أبيه([10]).

وأشار إلی هذا القول البغدادي وغيره أيضاً([11]).

ولكن هذا القول لا يساعده أيّ خبر.

أضف إلی ذلك أنّ الاعتبار التاريخي يردّه، فإنّ محمّد بن الحنفية ليس له وجاهة بمثابة الحسن والحسين‡ بعد أبيهم (ع) حتّی يدّعی له الإمامة أو ادّعی لنفسه، بل إنّه€ تابع لأخويه‡ بل في بعض الروايات تصريح منه بذلك، ففي صحيحة عن أبي جعفر قال: لمّا قتل الحسين (ع) أرسل محمد بن الحنفية إلى عليّ بن الحسين (ع) فخلا به فقال له: يا ابن أخي قد علمت أنّ رسول اللهˆ دفع الوصية والإمامة من بعده إلى أمير المؤمنين (ع) ثمّ إلى الحسن (ع) ثمّ إلى الحسين 7 ([12]).

فكيف يمكن القول بأنّ بعض الشيعة قالوا بإمامته وهو لم ينكر عليهم؟! بل كيف يمكن القول بأنّ بعض الشيعة قالوا بإمامته في حياة الحسنين‡ وهما لم ينكرا عليهم؟!

فهذا يشهد علی أنّ القول بظهور الكيسانية بعد استشهاد أمير المؤمنين (ع) قول بلا دليل.

القول الثاني: ظهور الكيسانية بعد شهادة سيّد الشهداء (ع).

قال ابن نشوان الحميري: افترقت الشيعة بعده [أي الحسين(ع)] على ثلاث فرق:

1. فرقة قالت: إنّ الإمام بعد الحسين ابنه عليّ بن الحسين، وإنّ الإمامة بعد الحسين في ولده خاصّة.

2. وقالت الفرقة الثانية: لم يصحّ عندنا أنّ الحسين عهد إلى أحد، ولا دعى ابنه عليّ إلى بيعة، فنحن نقف حتّى نرى رجلاً من أحد البطنين ـ أي ولد الحسن والحسين ـ يصحّ لنا ولادته، وزهده، وعلمه، وشجاعته، وعدالته، وورعه، وكرمه، يشهر السيف، ويباين الظالمين، فتلزمنا طاعته‏.

3. وقالت الفرقة الثالثة: إنّ الإمام بعد الحسين أخوه محمّد بن عليّ، وهو ابن الحنفية([13]).

وهذا قول من قال بأنّ الكيسانية هم أتباع مختار بن أبي عبيد الثقفي([14]).

ويشهد لهذا القول بعض الروايات أيضاً، فعن أبي خالد الكابلي قال: دعاني محمّد بن الحنفية بعد قتل الحسين (ع) ورجوع عليّ بن الحسين (ع) إلى المدينة وكنّا بمكّة فقال: صر إلى عليّ بن الحسين (ع) وقل له: إنّي أنا أكبر ولد أمير المؤمنين بعد أخوي الحسن والحسين وأنا أحقّ بهذا الأمر منك فينبغي أن تسلمه إليّ، الحديث([15]).

وعن أبي بصير، قال سمعت أبا جعفر (ع) يقول: كان أبو خالد الكابلي يخدم محمّد بن الحنفية دهراً وما كان يشكّ في أنّه إمام‏، الخبر([16]).

إلا أنّ هذا القول يستلزم بأنّ بعض الشيعة قالوا بإمامة محمّد بن الحنفية وهو لم ينكر عليهم، وهذا لا يلائم جلالة محمّد بن الحنفية.

كما أنّ القول بكون الكيسانية هم أتباع المختار وأنّ المختار هو الذي ادّعی الإمامة لمحمّد بن الحنفية أيضاً مناف لما ورد في مدح المختار.

هذا ولكن يمكن أن يقال: إنّ محمّد بن الحنفية ادّعی في برهة أنّه الإمام، كما مرّ في رواية أبي خالد الكابلي ومثلها في رواية صحيحة ذكرت صدرها وإليك تمامها: فعن أبي عبيدة وزرارة جميعاً عن أبي جعفر (ع) قال: لمّا قتل الحسين (ع) أرسل محمّد ابن الحنفيّة إلى عليّ بن الحسين (ع) فخلا به فقال له يا ابن أخي قد علمت أنّ رسول اللهˆ دفع الوصيّة والإمامة من بعده إلى أمير المؤمنين (ع) ثمّ إلى الحسن (ع) ثمّ إلى الحسين (ع) وقد قتل أبوكt وصلّى على روحه ولم يوص وأنا عمّك وصنو أبيك وولادتي من عليّ (ع) في سنّي وقديمي أحقّ بها منك في حداثتك فلا تنازعني في الوصيّة والإمامة ولا تحاجّني.

فقال له عليّ بن الحسين (ع): يا عمّ اتّق الله ولا تدّع ما ليس لك بحقّ إنّي أعظك أن تكون من الجاهلين إنّ أبي يا عمّ، صلوات الله عليه أوصى إليّ قبل أن يتوجّه إلى العراق وعهد إليّ في ذلك قبل أن يستشهد بساعة وهذا سلاح رسول اللهˆ عندي فلا تتعرّض لهذا فإنّي أخاف عليك نقص العمر وتشتّت الحال إنّ الله(عَزَّ وَجَلَّ) جعل الوصيّة والإمامة في عقب الحسين (ع)، فإذا أردت أن تعلم ذلك فانطلق بنا إلى الحجر الأسود حتّى نتحاكم إليه ونسأله عن ذلك.

قال أبو جعفر (ع): وكان الكلام بينهما بمكّة فانطلقا حتّى أتيا الحجر الأسود فقال عليّ بن الحسين لمحمّد ابن الحنفيّة: ابدأ أنت فابتهل إلى الله(عَزَّ وَجَلَّ) وسله أن ينطق لك الحجر ثمّ سل فابتهل محمّد في الدّعاء وسأل الله ثمّ دعا الحجر فلم يجبه، فقال عليّ بن الحسين (ع): يا عمّ لو كنت وصيّاً وإماماً لأجابك.

قال له محمّد: فادع الله أنت يا ابن أخي وسله فدعا الله عليّ بن الحسين (ع) بما أراد ثمّ قال: أسألك بالّذي جعل فيك ميثاق الأنبياء وميثاق الأوصياء وميثاق النّاس أجمعين لمّا أخبرتنا من الوصيّ والإمام بعد الحسين بن عليّ (ع)، قال: فتحرّك الحجر حتّى كاد أن يزول عن موضعه ثمّ أنطقه الله(عَزَّ وَجَلَّ) بلسان عربيّ مبين، فقال: اللّهمّ إنّ الوصيّة والإمامة بعد الحسين بن عليّ (ع) إلى عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب وابن فاطمة بنت رسول اللهˆ، قال: فانصرف محمّد بن عليّ وهو يتولّى عليّ بن الحسين (ع) ([17]).

ومثله بالسند الصحيح عن عليّ بن رئاب عن أبي عبد الله (ع) ([18]).

فكما تشاهد أنّه ادّعی الإمامة حتّی ألزمه السجاد (ع) بما أظهر من الإعجاز.

إلا أنّ ذلك لا يمكن تصديقه، فإنّ محمّد بن الحنفية هو أعرف بالحقّ، فإنّ أهل البيت أدری بما في البيت، ولعلّ الوجه فيما فعله بمرأی الناس ومسمعهم ـ كما قال الراوندي([19]) والمجلسي)[20]) ـ هو إزاحة لشكوك الناس في ذلك. فإنّ بعض الشيعة زعموا أنّ ابن الحنفية هو الإمام أو تردّدوا في ذلك([21])، فلا بدّ له من إنكار ذلك بمرأی ومسمع منهم حتّی يتبيّن الحقّ، كما أنّه€ أظهر ذلك لخواصّ الشيعة قبل ذلك.

فروی الكشي بإسناده عن أبي جعفر (ع) أنّه قال: كان أبو خالد الكابلي يخدم محمّد بن الحنفية دهراً وما كان يشكّ في أنّه إمام، حتّى أتاه ذات يوم فقال له: جعلت فداك إنّ لي حرمة ومودّة وانقطاعاً فأسألك بحرمة رسول الله وأمير المؤمنين إلا أخبرتني أنت الإمام الذي فرض الله طاعته على خلقه؟ قال: فقال: يا أبا خالد حلفتني بالعظيم، الإمام علي بن الحسين (ع) عليّ وعليك وعلى كلّ مسلم([22]).

والظاهر أنّ محمّد بن الحنفية كان ستراً وحفاظاً علی وليّ الأمر ـ أعنيّ عليّ بن الحسين السجّاد (ع) ـ ليكتم أمره علی الأعداء ولئلا يطّلع ما خصّ به أهل العداوة والعناد؛ فلذلك لا يمكنه في عهد يزيد([23]) وبعده في عهد ثورة المختار إظهار كون الإمام هو عليّ بن الحسين إظهاراً عامّاً، لما علم من عداوة يزيد مع بني هاشم وكذا عداوة بني الزبير مع المختار وأتباعه([24])، فأمّا بعد بني الزبير فارتفعت المحاذير، فمّهد محمّد€ بعد ذلك ما جری بينه وبين الإمام السجّاد (ع) عند الحجر الأسود([25].

كما أنّه€ نقل ما جری بعده لمن اعتقد امامته لكي يعرف الحقّ واهتدی([26]).

وأمّا بالنسبة إلی المختار وأنّه برئ من الدعوة إلی إمامة محمّد بن الحنفية، فإثبات ذلك صعب جدّاً لما اختلفت الأخبار فيه.

فالروايات مادحة وذامّة، فأمّا المادحة فمنها:

1. عن أبي جعفر (ع) قال: لا تسبّوا المختار، فإنّه قتل قتلتنا وطلب بثارنا وزوّج أراملنا وقسّم فينا المال على العسرة([27]).

2. وعن عبد الله بن شريك، قال: دخلنا على أبي جعفر (ع) يوم النحر وهو متّكئ وقد أرسل‏ إلى الحلاق، فقعدت بين يديه إذ دخل عليه شيخ من أهل الكوفة فتناول يد ليقبلها فمنعه، ثمّ قال: من أنت؟ قال: أنا أبو الحكم بن المختار بن أبي عبيد الثقفي، وكان متباعداً من أبي جعفر (ع) فمدّ يده إليه حتّى كاد يقعده في حجرة بعد منعه يده، ثمّ قال: أصلحك الله إنّ الناس قد أكثروا في أبي وقالوا والقول والله قولك، قال: وأيّ شي‏ء يقولون؟ قال: يقولون كذّاب، ولا تأمرني بشي‏ء إلا قبلته، فقال: سبحان الله أخبرني أبي والله أنّ مهر أمّي كان ممّا بعث به المختار أولم يبن دورنا وقتل قاتلنا وطلب بدمائنا فرحمه الله، وأخبرني والله أبي أنّه كان ليمر عند فاطمة بنت عليّ يمهّدها الفراش ويثني لها الوسائد ومنها أصاب الحديث، رحم الله أباك رحم الله أباك ما ترك لنا حقّاً عند أحد إلا طلبه قتل قتلتنا وطلب بدمائنا([28]).

3. وعن عمر بن عليّ بن الحسين: أنّ عليّ بن الحسين (ع) لما أتي برأس عبيد الله بن زياد ورأس عمر بن سعد، قال: فخرّ ساجداً وقال: الحمد لله الذي أدرك لي ثاري من أعدائي، وجزى الله المختار خيراً([29]).

4. قال ابن سعد: لم يبق من بني هاشم أحد إلا قام بخطبة في الثناء على المختار والدعاء له وجميل القول فيه([30]).

5. عن ابن عبّاس : أنّه ذكر عنده المختار، فقال : صلّى عليه الكرام الكاتبون([31]).

وأمّا الذامة فمنها:

1. عن أبي عبد الله (ع) قال: كان المختار يكذب على عليّ بن الحسين([32]).

2. وعن أبي جعفر (ع) قال: كتب المختار بن أبي عبيد إلى عليّ بن الحسين‡ وبعث إليه بهدايا من العراق، فلمّا وقفوا على باب عليّ بن الحسين دخل الآذن يستأذن لهم، فخرج إليهم رسوله فقال: أميطوا عن بابي فإنّي لا أقبل هدايا الكذّابين ولا أقرأ كتبهم، فمحوا العنوان وكتبوا المهدي محمّد بن عليّ، فقال أبو جعفر: والله لقد كتب إليه‏ بكتاب ما أعطاه فيه شيئاً إنّما كتب إليه يا ابن خير من طشى ومشى، فقال أبو بصير: فقلت لأبي جعفر (ع): أما المشي فأنا أعرفه فأيّ شي‏ء الطشي؟ فقال أبو جعفر (ع): الحياة([33]).

3. وعن عمر بن عليّ أنّ المختار أرسل إلى عليّ بن الحسين (ع) بعشرين ألف دينار، فقبلها وبنا بها دار عقيل بن أبي طالب ودارهم التي هدمت، قال: ثمّ إنّه بعث إليه بأربعين ألف دينار بعد ما أظهر الكلام الذي أظهره، فردّها ولم يقبلها([34]).

4. بعث المختار بن أبي عبيد إلى عليّ بن الحسين‡ بمائة ألف درهم فكره أن يقبلها منه، وخاف أن يردّها فتركها في بيت، فلمّا قتل المختار كتب إلى عبد الملك يخبره بها فكتب إليه : خذها طيبة هنيئة، فكان عليّ يلعن المختار ويقول : كذب على الله وعلينا؛ لأنّ المختار كان يزعم أنّه يوحى إليه([35]).

5. وعن الصدوق مرسلاً أنّ الحسن (ع) لمّا صار في مظلم ساباط، ضربه أحدهم بخنجر مسموم، فعمل فيه الخنجر، فأمر (ع) أن يعدل به إلى بطن جريحي، وعليها عمّ المختار بن أبي عبيدة مسعود بن قيلة، فقال المختار لعمّه: تعال حتّى نأخذ الحسن (ع) ونسلمه إلى معاوية فيجعل لنا العراق، فنظر بذلك الشيعة من قول المختار لعمّه، فهموا بقتل المختار فتلطف عمّه لمسألة الشيعة بالعفو عن المختار ففعلوا([36]).

وفي كثير من مصادر العامّة قدحه بالكذب ومستندهم ما روي عن النبيّˆ أنّه قال: في ثقيف كذّاب ومبير([37]).

وفسّروا الكذّاب بالمختار والمبير بالحجاج([38]).

بل اتّهم بأنّه ادّعى أنّ الوحي يأتيه، وأنّه يعلم الغيب، فعن رفاعة القتباني قال: دخلت على المختار قال: فالقى لي وسادة وقال: لولا أنّ أخي جبريل قام عن هذه لألقيتها لك. قال: فأردت أن أضرب عنقه فذكرت حديثاً حدّثني به أخي عمرو بن الحمق قال: قال رسول اللهˆ: أيّما مؤمن أمن مؤمناً على دمه فقتله فأنا من القاتل برئ([39]).

وعن الشعبي قال : أقرأني الأحنف كتاب المختار إليه يزعم أنّه نبي([40]).

وعن سعيد بن وهب قال : كنت عند عبد الله بن الزبير فقيل له : إنّ المختار يزعم أنّه يوحى إليه، فقال : صدق : ثمّ تلى ﴿هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلى‏ مَنْ تَنَزَّلُ الشَّياطِينُ تَنَزَّلُ عَلى‏ كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ﴾([41]).

وعن أبي إسحاق قال: قلت لعبد الله بن عمر: إنّ المختار يزعم أنّه يوحى إليه، فقال: صدق وإنّ الشياطين ليوحون إلى أوليائهم([42]).

وقال ابن كثير: زالت دولة المختار كأن لم تكن، وكذلك سائر الدول، وفرح المسلمون بزوالها؛ وذلك لأنّ الرجل لم يكن في نفسه صادقاً، بل كان كاذباً يزعم أنّ الوحي يأتيه على يد جبريل([43]).

واتّهم أيضاً بأنّه اختلق كتاباً عن ابن الحنفية إليه يأمره بنصر الشيعة([44]).

وكلّ هذه باطلة مردودة:

أمّا نسبته بأنّه ادّعى أنّ الوحي يأتيه فهذا من افتراءات ابن الزبير عليه. لاحظ هذا النصّ حتّی يظهر لك الأمر.

قال أبو علقمة الخثعمي: إنّ المصعب بعث إلى أمّ ثابت بنت سمرة بن جندب امرأة المختار وإلى عمرة ابنة النعمان بن بشير الأنصارية وهي امرأة المختار، فقال لهما: ما تقولان في المختار؟ فقالت أمّ ثابت: ما عسيت أن أقول فيه إلا ما تقولون فيه أنتم، فقالوا لها: اذهبي، وأمّا عمرة فقالت: رحمة الله عليه إن كان عبداً من عباد الله الصالحين، فرفعها مصعب إلى السجن وكتب فيها إلى عبد الله بن الزبير أنّها تزعم أنّه نبيّ فكتب إليه أن أخرجها فاقتلها([45]).

بل يظهر من بعض المتون أنّ هنا مغالطة من بني الزبير علی المختار.

فعن العوام بن حوشب عن أبيه قال: كان للمختار غلام وكان يسمّى جبريل، فكان يقول: قال لي جبريل، وقلت لجبريل، وكان عندي جبريل، فكان اولئك العلوج يظنّون أنّه جبريل الملك وإنّما يعني غلامه([46]).

كما أنّه من المحتمل نسبته إلی الكذب من مفترياتهم إمّا بوضع رواية علی رسول اللهˆ وإمّا بالتطبيق الباطل عليه. قال أبو المحيات أنّ أباه قال: دخلت مكة بعد ما قتل ابن الزبير بثلاثة أيّام وهو مصلوب فجاءته أمة عجوز طويلة مكفوفة البصر فقالت للحجاج: أما آن لهذا الراكب أن ينزل؟ قال: فقال الحجاج: المنافق، قالت: لا والله ما كان منافقاً إنّه كان لصوّاماً برّاً. قال: انصرفي فإنّك عجوز قد خرفت. قالت: لا والله ما خرفت منذ سمعت رسول الله (ص) يقول: يخرج من ثقيف كذاب ومبير، فأمّا الكذّاب فقد رأيناه وأمّا المبير فأنت المبير([47]).

وهذه العجوزة هي أسماء بنت أبي بكر أمّ عبد الله بن الزبير([48]). ولم نجد هذا التطبيق الباطل قبلها، وعداوة بني الزبير مع المختار أشهر من أن يخفی.

بل يظهر من ابن عبّاسŠ إمّا عدم قبول هذه الرواية برأسها وإمّا إنكار تطبيق الكذّاب علی المختار.

فحكی ابن الأثير عن ابن الزبير أنّه قال لعبد الله بن عبّاس: ألم يبلغك قتل الكذّاب؟ قال : ومن الكذّاب؟ قال: ابن أبي عبيد. قال: قد بلغني قتل المختار. قال: كأنّك أنكرت تسميته كذاباً ومتوجّع له؟! قال: ذاك رجل قتل قتلتنا وطلب ثأرنا وشفى غليل صدورنا وليس جزاؤه منّا الشتم والشماتة([49]).

كما أنّ نسبته إلی الكذب ليس بعجيب حين نسب أمير المؤمنين (ع) ـ العياذ بالله ـ بالكذب.

فعن الأعمش قال : رأيت عبد الرحمن بن أبي ليلى ضربه الحجاج وأوقفه على باب المسجد، قال : فجعلوا يقولون : العن الكذّابين، فجعل عبد الرحمن يقول : لعن الله الكذّابين ثمّ يسكت ثمّ يقول : عليّ بن أبي طالب وعبد الله بن الزبير والمختار بن أبي عبيد، فعرفت حين سكت، ثمّ ابتدأهم فرفعهم أنّه ليس يريدهم([50]).

ولنعم ما قال المستشرق فلهوزن: لمّا مني المختار بالهزيمة أدبرت عنه الدنيا، وراحت الروايات تطلق سهامها على ذكراه بعد مقتله، في البدء كانت تذمّه دون تشوّه صورته، ولكنها راحت بعد ذلك في مرحلة متأخّرة تنعته بنعوت أملاها الحقد، وهذه النعوت نفسها هي تسود الصورة التي كونتها عنه الأجيال التالية([51]).

وقال الأهواني: إنّ كثيراً ممّا نسب إلى المختار موضوع للتشنيع عليه([52]).

وأمّا ما ورد فيه الذم عن الأئمة المعصومين‰ فقال ابن داود: وما روي فيه ممّا ينافي ذلك، قال الكشي: نسبته إلى وضع العامة أشبه([53]).

وقال المحقّق التستريŠ: حيث إنّ الأئمة‰ كانوا يذمّون شيعة لهم لم يكونوا أهل إمارة تقية ـ كزرارة ومحمد بن مسلم وأضرابهما ـ ففي مثل المختار الذي نال الإمارة باسمهم‰ وفعل بأعدائهم ما فعل لأجلهم كان ذمّه تقية واجباً، لا سيما من السجّاد (ع) لعلمه بدولة المروانية([54]).

هذا ولكن هنا مسألة وهي أنّ المختار في ثورته لم يستأذن السجّاد (ع) ظاهراً بل المشهور أنّه كان مأذوناً من قبل محمّد بن الحنفية، فهل ذلك بمعنی اعتقاد المختار بإمامة محمّد بن الحنفية؟

قال ابن نما الحلي: قد اجتمع جماعة من الشيعة وقالوا لعبد الرحمن بن شريح: إنّ المختار يريد الخروج بنا للاخذ بالثأر، وقد بايعناه، ولا نعلم أرسله إلينا محمّد بن الحنفية أم لا، فانهضوا بنا إليه نخبره بما قدم به علينا، فإن رخّص لنا اتبعناه، وإن نهانا تركناه.

فخرجوا وجاءوا إلى ابن الحنفية، فسألهم عن الناس فخبروه، وقالوا : لنا إليك حاجة. قال : سرّ أم علانية ؟ قلنا: بل سرّ. قال : رويداً إذاً، ثمّ مكث قليلاً وتنحّى ودعانا، فبدا عبد الرحمان بن شريح بحمد الله والثناء عليه، وقال : أمّا بعد، فأنّكم أهل بيت خصّكم الله بالفضيلة، وشرفكم بالنبوّة، وعظّم حقّكم على هذه الأمة، وقد أصبتم بحسين (ع) مصيبة عمت المسلمين، وقد قدم المختار يزعم أنّه جاء من قبلكم، وقد دعانا إلى كتاب الله وسنة نبيّهˆ والطلب بدماء أهل البيت، فبايعناه على ذلك، فإن أمرتنا باتّباعه اتّبعناه، وإن نهيتنا اجتنبناه.

فلمّا سمع كلامه وكلام غيره حمد الله وأثنى عليه، وصلّى على النبيّˆ وقال : أمّا ما ذكرتم ممّا خصّنا الله فإنّ الفضل لله يؤتيه من يشأ والله ذو الفضل العظيم. وأمّا مصيبتنا بالحسين (ع) فذلك في الذكر الحكيم. وأمّا ما ذكرتم من دعاء من دعاكم إلى الطلب بدمائنا، فوالله لوددت أنّ الله انتصر لنا من عدوّنا بمن شاء من خلقه، أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم([55]).

وكان المختار علم بخروجهم إلى محمّد بن الحنفية، وكان يريد النهوض بجماعة الشيعة قبل قدومهم، فلم يتهيّأ ذلك له، وكان يقول : إنّ نفيراً منكم تحيّروا وارتابوا، فإن هم أصابوا أقبلوا وأنابوا، وإن هم كبوا وهابوا واعترضوا وانجابوا فقد خسروا وخابوا، فدخل القادمون من عند محمّد بن الحنفية على المختار، فقال : ما وراءكم ؟ فقد فتنتم وارتبتم ؟ فقالوا : قد أمرنا بنصرتك.

فقال : أنا أبو إسحاق أجمعوا إليّ الشيعة، فجمع من كان قريباً، فقال : يا معشر الشيعة، إنّ نفراً أحبّوا أن يعلموا مصداق ما جئت به، فخرجوا إلى إمام الهدى، والنجيب المرتضى، وابن المصطفى المجتبى ـ يعني زين العابدين (ع) ـ فعرفهم أنّي ظهيره ووزيره، وأمركم باتّباعي وطاعتي، وقال كلاماً يرغبهم إلى الطاعة والاستنفار معه، وأن يعلم الحاضر الغائب. وعرفه قوم أنّ جماعة من أشراف الكوفة مجتمعين على قتالك مع ابن مطيع، ومتى جاء معنا إبراهيم بن الأشتر رجونا بإذن الله تعالى القوّة على عدوّنا، فله عشيرة. فقال : ألقوه وعرفوه الإذن لنا في الطلب بدم الحسين (ع) وأهل بيته، فعرفوه، فقال: قد أجبتكم على أن تولّوني الأمر. فقالوا أنت أهل له، ولكن ليس إليه سبيل، هذا المختار قد جاءنا من قبل إمام الهدى، ومن نائبه محمّد بن الحنفية، وهو المأذون له في القتال، فلم يجب، فانصرفوا وعرفوا المختار. فبقي ثلاثاً، ثمّ إنّه دعا جماعة من وجوه أصحابه، قال عامر الشعبي : وأنا وأبي فيهم، فسار المختار وهو أمامنا يقد بنا بيوت الكوفة، لا ندري أين يريد، حتّى وقف على باب إبراهيم بن مالك الأشتر، فأذن له، وألقيت الوسائد فجلسنا عليها، وجلس المختار معه على فراشه، وقال : هذا كتاب محمّد بن أمير المؤمنين (ع) يأمرك أن تنصرنا، فإن فعلت اغتبطت، وإن امتنعت فهذا الكتاب حجّة عليك، وسيغني الله محمّداً وأهل بيته عنك. وكان المختار قد سلم الكتاب إلى الشعبي.

فلمّا تمّ كلامه، قال : ادفع الكتاب إليه، ففض ختمه، وهو كتاب طويل فيه :

بسم الله الرحمن الرحيم من محمّد المهدي إلى إبراهيم بن مالك الأشتر. سلام عليك، قد بعثت إليك المختار ومن ارتضيته لنفسي، وقد أمرته بقتال عدوّي، والطلب بدماء أهل بيتي، فامض معه بنفسك وعشيرتك، وتمام الكتاب بما يرغب إبراهيم في ذلك.

فلمّا قرأ الكتاب قال : ما زال يكتب إليّ باسمه واسم أبيه فما باله في هذا الكتاب يقول المهديّ ؟ ! قال المختار : ذاك زمان وهذا زمان([56])و([57]).

وقد أجاب عن هذه المسألة أبو عليّ الحائريŠبقوله: لا يخفى‏ أنّه إنّما دعا إليه في ظاهر الأمر بعد ردّ علي بن الحسين (ع) كتبه ورسله خوفاً من الشهرة وعلماً بما يؤول إليه أمره واستيلاء بني أُميّة على‏ الأُمّة بعده، وأمّا محمّد فاغتنم الفرصة وأمره بأخذ الثأر وحث الناس على‏ متابعته؛ ولذا أظهر المختار للناس أنّ خروجه بأمره ومال إليه، وربما كان يقول إنّه المهدي ترويجاً لأمره وترغيباً للناس في متابعته؛ وأمّا أنّه اعتقد إمامته دون عليّ بن الحسين (ع) فلم يثبت([58]).

وقال المحقّق التستري: حيث إنّ السجاد (ع) لم يكن تكليفه من الله تعالى الطلب بدم أبيه جعل المختار مرجعه في الطلب بدم الحسين (ع) أخاه، حيث إنّه كان أكبر ولد أمير المؤمنين (ع) يومئذٍ([59]).

وقال ابن نما الحلي: كان محمّد بن الحنفية أكبر من زين العابدين (ع) سنّاً، ويرى تقديمه عليه فرضاً وديناً، ولا يتحرّك حركة إلا بما يهواه، ولا ينطق الا عن رضاه، ويتأمّر له تأمّر الرعية للوالي، ويفضّله تفضيل السيّد على الخادم والموالي، وتقلّد محمّد ـ رحمة الله عليه ـ أخذ الثأر إراحة لخاطره الشريف، من تحمّل الأثقال، والشدّ والترحال([60]).

وإلی هنا تحصّل أنّ القول الثاني ـ أي ظهور الكيسانية بعد شهادة سيّد الشهداء (ع)ـ أيضاً ممّا لا يمكن المساعدة عليه.

القول الثالث: ظهرت الكيسانية بعد وفاة محمّد بن الحنفية.

وذهب إليه السيّد الخوئي€ والمحقّق التستري([61]).

والتحليل المنطقي أيضاً يستلزم القول بذلك، فإنّا لم نقبل القول بانشعاب الكيسانية في حياة محمّد بن الحنفية وقبله، مع أنّا نجد ذكر الكيسانية في روايات صحيحة عن أبي جعفر الباقر وأبي عبد الله الصادق)[62])، فهذا يستلزم القول بظهور الكيسانية بعد وفاة ابن الحنفية (ع).

ثمّ إنّ هنا تحقيقاً وافياً لبعض المعاصرين في نشأة الكيسانية وأدوارها، فنحن نذكر ملخّصه.

قال عبد الواحد الأنصاري: إنّ الكيسانية في صيرورتها مذهباً، ثمّ مذاهب مرّت في أدوار ثلاثة:

الدور الأوّل: كان رجال هذه المرحلة الأمويون والزبيريون وهدفهما الإطاحة بثورة المختار وتفريق الشيعة من حوله لكي لا يظفر في ثورته بما هو طالبه أي عودة الخلافة إلی آل البيت‰. فالفريقان وأتباعهما رموا المختار بأقسام المفتريات، ومن تلك المفتريات ما نسب إليه من الدعوة إلی إمامة محمّد بن الحنفية.

الدور الثاني: كان رجال هذه المرحلة العبّاسيون ودعاتهم ـ كأبي مسلم الخراساني وخالد بن برمك ـ، وهدفهم إلقاء أنّ الإمامة المنصوصة وصلت إلی بني العبّاس؛ ولذلك جدّدوا القول بإمامة محمّد بن الحنفية وقالوا: إنّ الإمام هو محمّد بن الحنفية، ثمّ بعده ابنه أبو هاشم ثمّ من بعده وبوصية منه تصل الإمامة المنصوصة إلی محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس، ومن بعده إلی إبراهيم بن محمّد بن عليّ الملقب بالإمام، ثمّ إلی أخيه أبي العباس السفاح، ثمّ إلی المنصور و...

ثمّ إنّهم اختلقوا وصيّة لأمير المؤمنين (ع) في نصرة مذهبهم، كما ستأتي.

الدور الثالث: كان رجال هذه المرحلة العملاء والمشعوذين والغاية منها:

1. معارضة العبّاسيين في الإمامة التي ادّعوها عن أبي هاشم.

2. إيقاف الشيعة علی إمامة إمام غائب وإبطال دعوة الإمامة من بعده.

3. التشكيك في عقيدة الشيعة وتشويه سمعة التشيّع ونشر الأباطيل في تعاليمه وإدخال المنتسبين إليه في عداد الفرق الضالّة.

بدأ هذا الدور يوم جدّد العبّاسيون دعوی الكيسانية واستخرجوا من إمامها الثالث أو الخامس عبد الله بن محمّد بن الحنفية الوصيّة المزعومة التي نسبوها إلی أمير المؤمنين (ع) وقالوا بأنّ الإمام بهذه الوصيّة أمر حفيده أن ينقل الإمامة إليهم وسهّلوا الطريق للمسخرين والمأجورين إلی ادّعاء الإمامة لأنفسهم عن أبي هاشم بعد أن صرف العبّاسيون الإمامة عن أولاد عليّ (ع) من نسل فاطمة ƒ3 إلی أولاد غيرها.

ثمّ في عهد المنصور ولمّا كثر الخروج عليه أنّه يأخذ المعارضين عليه بشدّة إلا أنّه يبحث عن وسيلة أخری يأخذ بها المعارضين عليه دون أن يثير من حوله ضجّة سيما أنّ كثيراً من المعارضين اليوم هم ممّن أسهموا في إقامة الدولة العبّاسية أمس. فلأجله أسّس دائرة الزندقة وهي تشبه في عملها دائرة الأمن والاستخبارات اليوم.

فأمّا الذين اتّهموا بالزندقة ليسوا زنادقة ولا ملحدين، بل أنّ ما نسب إليهم من الزندقة والكفر والقول بالتناسخ وإباحة المحرمات من نسج خيال رجال دائرة الزندقة، فإنّهم ابتدعوا الكيسانية في الدور الثاني لأغراض، ثمّ ابتدعوها ونسبوا إليها من المقالات الفاسدة في الدور الثالث لغرض آخر([63]).

ثمّ إنّه قال في توضيح الدور الثاني: إنّ العبّاسيين في مطلع القرن الثاني اعوزهم الدليل علی إقناع الناس علی أنّ الإمامة انتقلت إليه بالنصّ، فلأجله جدّدوا الكيسانية، فنقلوا الإمامة عن ابن الحنفية إلی ابنه أبي هاشم، ثمّ انتقلوها من بعده إلی عميدهم محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العباس.

قال أبو الفرج الاصفهاني: كان [أي أبو هاشم عبد الله بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب] لسناً خصماً عالماً، وكان وصيّ أبيه وهو الذي يزعم الشيعة من أهل خراسان أنّه ورث الوصيّة عن أبيه وأنّه كان الإمام وأنّه أوصى إلى محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العبّاس، وأوصى محمّد إلى إبراهيم الإمام، فصارت الوصيّة في بني العبّاس من تلك الجهة([64]).

وقال اليعقوبي: قدم أبو هاشم عبد الله بن محمّد بن عليّ بن أبي طالب على سليمان، وقال سليمان : ما كلّمت قرشياً قط يشبه هذا، وما أظنّه إلا الذي كنّا نحدث عنه، فأجازه، وقضى حوائجه وحوائج من معه، ثمّ شخص عبد الله بن محمّد، وهو يريد فلسطين، فبعث سليمان قوماً إلى بلاد لخم وجذام، ومعهم اللبن المسموم، فضربوا أخبية نزلوا فيها، فمرّ بهم، فقالوا : يا عبد الله، هل لك في الشراب؟ فقال : جزيتم خيراً. ثمّ مرّ بآخرين، فقالوا مثل ذلك، فجزاهم خيراً، ثمّ بآخرين، فاستسقى فسقوه، فلمّا استقرّ اللبن في جوفه قال لمن معه : أنا والله ميّت، فانظروا من هؤلاء، فنظروا فإذا القوم قد قوضوا، فقال : ميلوا بي إلى ابن عمّي محمّد بن عليّ بن عبد الله بن عباس، فإنّه بأرض الشراة، فأسرعوا السير حتّى أتوا محمّد بن عليّ بالحميمة من أرض الشراة، فلمّا قدم عليه قال له : يا ابن عمّ أنا ميّت، وقد صرت إليك، وهذه وصيّة أبي إليّ، وفيها أنّ الأمر صائر إليك، وإلى ولدك، والوقت الذي يكون ذلك، والعلامة وما ينبغي لكم العمل به أعلى ما سمع وروى عن أبيه عليّ بن أبي طالب، فاقبضها إليك، وهؤلاء الشيعة فاستوص بهم خيراً، وهؤلاء دعاتك وأنصارك، فاستبطنهم، فإنّي قد بلوتهم بمحبّة ومودّة لأهل بيتك، ثمّ هذا الرجل ميسرة، فاجعله صاحبك بالعراق، فأمّا الشأم، فليست لكم ببلاد، وهؤلاء رسله إلى خراسان وإليك، ولتكن دعوتكم بخراسان، ولا تعد هذه الكور : مرو، ومرو الروذ، وبيورد، ونسا، وإيّاك ونيسابور وكورها، وابرشهر، وطوس، فإنّي أرجو أن تتمّ دعوتكم، ويظهر الله أموركم.

واعلم أنّ صاحب هذا الأمر من ولدك عبد الله بن الحارثية، ثمّ عبد الله أخوه الذي هو أكبر منه، فإذا مضت سنة الحمار، فوجه رسلك بكتبك، ووطد الأمر قبل ذلك بلا رسول ولا حجّة.

فأمّا أهل العراق، فهم شيعتك ومحبّوك، وهم أهل اختلاف، فلا يكن رسولك إلا منهم، وانظر أهل الحي من ربيعة فألحقهم بهم، فإنّهم معهم في كلّ أمر، وانظر هذا الحي من تميم وقيس، فأقصهم، ثمّ أبدهم إلا من عصم الله منهم، وهم أقلّ من القليل، ثمّ اختر دعاتك، فليكونوا اثني عشر نقيباً، فإنّ الله(عَزَّ وَجَلَّ) لم يصلح أمر بني إسرائيل إلا بهم وسبعين نفساً بعدهم يتلونهم، فإنّ النبيّ إنّما اتّخذ اثني عشر نقيباً من الأنصار اتباعاً لذلك. فقال محمد : يا أبا هاشم، وما سنّة الحمار؟ قال : لم يمض مائة من نبوة قط إلا انقضت أمورها، لقول الله(عَزَّ وَجَلَّ): ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلى‏ قَرْيَة﴾([65]) الآية، فإذا خلت مائة سنة، فابعث رسلك ودعاتك، فإنّ الله متمّم أمرك. ومات أبو هاشم بعد أن دفع الكتاب إلى محمد بن علي، وذلك سنة 97ه‍([66]).

وقال ابن أبي الحديد: سألت النقيب أبا جعفر يحيى بن محمّد عن كيفية وصول أبناء الدولة العبّاسية إلی الأمويين وزوال ملكهم علی أيديهم؟ فقال: أصل هذا كلّه محمّد بن الحنفية، ثمّ ابنه عبد الله المكنّى أبا هاشم. وقد كان محمّد بن الحنفية صرّح بالأمر لعبد الله بن العبّاس وعرفه تفصيله ولم يكن أمير المؤمنين (ع) قد فصل لعبد الله بن العبّاس الأمر وإنّما أخبره به مجملاً كقوله في هذا الخبر: خذ إليك أبا الأملاك، ونحو ذلك، ولكن الذي كشف القناع وأبرز المستور عليه هو محمّد بن الحنفية. وكذلك أيضاً ما وصل إلى بني أمية من علم هذا الأمر فإنّه وصل من جهة محمّد بن الحنفية وأطلعهم على السرّ الذي علمه ولكن لم يكشف لهم كشفه لبني العبّاس.

وأمّا أبو هاشم فإنه قد كان أفضى بالأمر إلى محمّد بن عليّ وأطلعه عليه وأوضحه له فلمّا حضرته الوفاة عقيب انصرافه من عند الوليد بن عبد الملك مرّ بالشراة وهو مريض ومحمّد بن عليّ بها فدفع إليه كتبه وجعله وصيّه وأمر الشيعة بالاختلاف إليه.

وحضر وفاة أبي هاشم ثلاثة نفر من بني هاشم: محمّد بن عليّ هذا ومعاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب وعبد الله بن الحارث بن نوفل بن الحارث بن عبد المطلب، فلمّا مات خرج محمّد بن عليّ ومعاوية بن عبد الله بن جعفر من عنده وكلّ واحد منهما يدّعي وصايته، فأمّا عبد الله بن الحارث فلم يقل شيئاً.

وصدق محمّد بن عليّ أنّه إليه أوصى أبو هاشم وإليه دفع كتاب الدولة وكذب معاوية بن عبد الله بن جعفر لكنّه قرأ الكتاب فوجد لهم فيه ذكراً يسيراً فادّعى الوصيّة بذلك، فمات وخرج ابنه عبد الله بن معاوية يدّعي وصاية أبيه ويدعي لأبيه وصاية أبي هاشم ويظهر الإنكار على بني أمية. وكان له في ذلك شيعة يقولون بإمامته سرّاً حتّى قتل([67]).

إلا أنّ هذه الوصيّة موضوعة، وذلك لأمور، منها:

1. أنّ ابن الحنفية لم يدّع الإمامة لنفسه، وأنّ قصة الحجر الأسود باطل([68]). فعليه إنّ من قال بإمامة أبي هاشم زعم أنّ الإمامة صارت إلی أبي هاشم من جهة أبيه، فإذا بطل إمامة ابن الحنفية بطل إمامة أبي هاشم؛ لأنّه لا يوجد طريق آخر لإمامة أبي هاشم([69]).

2. أنّ ما أورده اليعقوبي في كيفية الوصية وموت أبي هاشم يعارض ما نقل أبو الفرج في ذلك.

3. أنّه جاء في نقل أبي الحديد من أنّ أبا هاشم انصرف من عند الوليد بن عبد الملك على حين انّه في كلام أبي الفرج انصرف من عند سليمان بن عبد الملك.

4. أنّ العبّاسيين أنفسهم لم يثقوا بهذه الوصيّة ولم يؤمنوا بها؛ لأنّهم في الوقت الذي دعاتهم يعملون بجدّ في ضوء هذه الوصيّة، كان العبّاسيون يلتفون من حول العلويين ويركضون وراء كلّ من خرج يطالب الخلافة لا سيّما المنصوص عليهم بالوصيّة: إبراهيم الإمام والسفاح والمنصور، وكان الأخير منهم أكثر تحريضاً علی بيعة محمّد بن عبد الله بن الحسن المثنّی([70]).

وأمّا مصدر الوصيّة فقال عيسى بن عليّ بن عبد الله بن العباس: لمّا أردنا الهرب من مروان بن محمّد لمّا قبض على إبراهيم الإمام جعلنا نسخة الصحيفة التي دفعها أبو هاشم بن محمّد بن الحنفية إلى محمّد بن عليّ بن عبد الله بن العباس وهي التي كان آباؤنا يسمّونها صحيفة الدولة في صندوق من نحاس صغير، ثمّ دفناه تحت زيتونات بالشراة لم يكن بالشراة من الزيتون غيرهنّ، فلمّا أفضى السلطان إلينا وملكنا الأمر أرسلنا إلى ذلك الموضع فبحث وحفر فلم يوجد فيه شي‏ء، فأمرنا بحفر جريب من الأرض في ذلك الموضع حتّى بلغ الحفر الماء ولم نجد شيئاً([71]).

هذه هي قصّة الوصاية التي ابتدعتها المصلحة العبّاسية، ولا شيء أدلّ علی ابتداعها من أنّ الذين تنادوا بها كانوا من أحط الناس قدراً وأكثرهم تهتّكاً كحمزة بن عمارة الذي نكح ابنته. وأمّا العبّاسيون فإنّهم بعد أن قضی منها غايتهم أنكروها واعتبروا القائل بها كافراً، فأصبحت بالكيسانية تهمة تلاحق المعارضين لدولة العبّاسيين([72]).

فلأجله لم يبق من الكيسانية أحد حتّی في عهد العبّاسيين.

قال السيد المرتضی€: قد انقرضوا فلا عين لهم ولا أثر منذ السنين الطوال، وما رأينا أحداً منهم، ولا من كان قبلنا بمدد بعيدة، فلو كان قولهم حقّاً لما جاز أن ينقرضوا حتّى لا يقول قائل به من الأمّة في زمان بعد زمان، ولا في زمان واحد([73]).

فمحصّل الکلام وملخص المقال أنّه لم يثبت وجود فرقة بهذا العنوان بل ثبت عدم وجود فرقة بهذا العنوان، فبعد ملاحظة ذلك لم تصل النوبة إلی البحث عن فرق الكيسانية ـ مثل المختارية، والأبو مسلمية، وأصحاب الرجعة، والحارثية، وغيرها ـ، بل ليس في البحث عنها فائدة غير الإطالة.

* المصادر والمراجع *

الإرشاد في معرفة حجج الله على العباد، محمّد بن محمّد بن النعمان، تحقيق مؤسسة آل البيت‰، بيروت: دار المفيد، 1414ه‍: الثانية.

أسد الغابة، ابن الأثير، بيروت: دار الكتاب العربي.

اعتقادات فرق المسلمين والمشركين‏، فخر الدين الرازي‏، تحقيق محمّد زينهم‏، قاهرة: مكتبة مدبولي‏، 1413 ه‍: الأولى .

إعلام الورى بأعلام الهدى، الطبرسي، قم: مؤسسة آل البيت‰ لإحياء التراث، ربيع الأول 1417ه‍: الأولى.

أعيان الشيعة، السيّد محسن الأمين، تحقيق حسن الأمين، بيروت: دار التعارف.

بحار الأنوار الجامعة لدُرَر أخبار الأئمة الأطهار، محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي، بيروت: مؤسسة الوفاء، 1403ه‍: الثالثة.

بصائر الدرجات، محمّد بن الحسن الصفّار، تصحيح الميرزا حسن كوچه باغي، طهران: الأعلمي، 1404ه‍.

تاريخ مدينة دمشق، ابن عساكر، تحقيق علي شيري، بيروت: دار الفكر، 1415ه‍.

التبصير في الدين‏، أبو المظفر الإسفرايني‏، تعليق محمّد زاهد الكوثري، قاهرة: المكتبة الأزهرية للتراث‏، الأولی.

التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع‏، ابن عبد الرحمن الملطى‏، تحقيق محمد زينهم‏، قاهرة: مكتبة مدبولي‏، 1413 ق‏: الأولی.

خاتمة مستدرك الوسائل، الميرزا حسين النوري، قم: مؤسسة آل البيت‰، رجب 1415ه‍: الأولى.

الخرائج والجرائح، قطب الدين الراوندي، قم: مؤسسة الإمام المهدي، 1409ه‍: الأولى.

رجال الكشي، أبو عمرو محمّد بن عمر بن عبد العزيز الكشي، تصحيح حسن المصطفوي، مشهد: جامعة مشهد، 1390 ه‍: الأولى.

سنن ابن ماجة، محمّد بن يزيد القزويني، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي، بيروت: دار الفكر.

سنن أبي داود، أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني الأزدي، تحقيق سعيد محمّد اللحام، بيروت: دار الفكر، 1410ه‍: الأولى.

سنن الترمذي، أبو عيسى محمّد بن عيسى بن سورة، تحقيق عبد الوهّاب عبد اللطيف، بيروت: دار الفكر، 1403ه‍: الثانية.

سنن الدارمي: أبو محمّد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل التميمي السمرقندي، دمشق: مطبعة الاعتدال، 1349ه‍.

سنن النسائي، أبو عبد الرحمن أحمد بن علي بن شعيب النسائي، بيروت: دار الفكر، 1348ه‍: الأولى.

شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، تحقيق محمّد أبو الفضل إبراهيم، بيروت: دار إحياء الكتب العربية، 1378ه‍: الأولى.

الفرق بين الفرق وبيان الفرقة الناجية منهم‏، عبد القاهر البغدادي، بيروت: دار الجيل ـ دار الآفاق‏، 1408ه‍.

الفصل في الملل والأهواء والنحل‏، ابن حزم الأندلسي‏، تعليق أحمد شمس الدين، بيروت: دار الكتب العلمية، 1416ه‍: الأولى . ‏

الفصول المختارة، الشريف المرتضى، تصحيح السيّد نور الدين جعفريان الاصبهاني والشيخ يعقوب الجعفري والشيخ محسن الأحمدي، بيروت: دار المفيد، 1414ه‍: الثانية.

قاموس الرجال، الشيخ محمّد تقي التستري، قم: مؤسّسة النشر الإسلامي، 1419 ه‍: الأولى.

الكافي، أبو جعفر محمّد بن يعقوب بن إسحاق الكليني الرازي، تصحيح عليّ أكبر الغفاري، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1365 ه‍: الرابعة.

مذاهب ابتدعتها السياسة في الإسلام، عبد الواحد الأنصاري، بيروت: الأعلمي، 1393ه‍: الأولی.

مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول، محمّد باقر بن محمّد تقي المجلسي، تصحيح السيد هاشم الرسولي، طهران: دار الكتب الإسلامية، 1404ه‍: الثانية.

مقالات الإسلاميين واختلاف المصلّين‏، أبو الحسن الأشعري‏، تحقيق فرانس شتاينر، آلمان: ويسبادن‏، 1400ه‍: الثالثة.

المقالات والفرق‏، سعد بن عبد الله الأشعري القمى‏، طهران: مركز انتشارات علمى وفرهنگى‏، 1360 ش‏: الثانية.

الملل والنحل‏، محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني‏، تحقيق محمّد بدران‏، قم: الشريف الرضي‏، 1364 ش‏: الثالثة.

مناقب آل أبي طالب، ابن شهر آشوب، النجف الأشرف: المكتبة الحيدرية، 1376ه‍.

الوافي بالوفيات، الصفدي، تحقيق أحمد الأرناؤوط وتركي مصطفی، بيروت: دار إحياء التراث، 1420 ه‍.

-------------------------------------

[1]. الفرق بين الفرق: 27.

[2]. الفصول المختارة: 296. ولاحظ أيضاً المحصل: 588؛ مسائل الإمامة: 186؛ المغني: ‏20 ق 2/177؛ الحور العين: 182.

[3]. الفرق بين الفرق: 27؛ المحصل: 587؛ الملل والنحل: ‏1/170؛ الحور العين: 182.

[4]. الفصول المختارة: 296.

[5]. المقالات والفرق: 21.

[6]. الملل والنحل: ‏1/170

[7]. الحور العين: 182.

[8]. مذاهب ابتدعتها السياسة: 48.

[9]. الفصول المختارة: 296.

[10]. المقالات والفرق: 19ـ23. ولاحظ فرق الشيعة أيضاً.

أقول: إنّ كلامه هذا حيث أثبت الكيسانية بعد استشهاد أمير المؤمنين (ع) متناقض مع قوله بأنّ ظهور الكيسانية بعد استشهاد الإمام الحسين (ع) حيث قال: نزلت هذه الفرقة القائلة بإمامته [أي الحسن (ع)] بعد وفاته إلى القول بإمامة أخيه الحسين بن عليّ فلم تزل على ذلك حتّى قتل‏، إلی أن قال: فلمّا مضى افترقوا بعده ثلاث فرق: فرقة قالت بإمامة محمّد بن عليّ بن أبي طالب ابن الحنيفة وزعمت أنّه لم يبق بعد الحسن والحسين أحد أقرب إلى أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب من محمّد ابن الحنفية فهو أولى الناس بالإمامة كما كان الحسين أولى بها بعد الحسن من ولد الحسن، فمحمّد هو الإمام بعد الحسين، إلخ. المقالات والفرق: 25ـ26.

[11]. الفرق بين الفرق: 27؛ التبصير في الدين: 27؛ مقالات الإسلاميين: 18.

[12]. الكافي: ‏1/348، ح5. ولاحظ أيضاً بصائر الدرجات: 1/502.

[13]. الحور العين: 181ـ182. ومثله في شرح الأساس الكبير: ‏1/144. ولاحظ أيضاً مسائل الإمامة: 186؛ الفرق بين الفرق: 27؛ التبصير في الدين: 27؛ مقالات الإسلاميين: 19.

[14]. التبصير في الدين: 26؛ تذكرة الخواصّ: 264؛ الفرق بين الفرق: 27؛ الفصل في الملل والأهواء والنحل: ‏3/112؛ الفصول المختارة: 296؛ مقالات الإسلاميين: 18.

[15]. الخرائج والجرائح: ‏1/257. ولاحظ بصائر الدرجات: 1/502؛ الكافي: ‏1/348.

[16]. اختيار الرجال، الرقم: 192.

[17]. الكافي: ‏1/348.

[18]. بصائر الدرجات: 1/502.

[19]. الخرائج والجرائح: ‏1/258.

[20]. لوامع صاحب قراني: 8/797.

[21]. فعن القاسم بن عوف قال: كنت أتردّد بين عليّ بن الحسين وبين محمّد ابن الحنفية وكنت آتي هذا مرّة وهذا مرّة. اختيار الرجال، الرقم: 196.

[22]. اختيار الرجال، الرقم: 192.

وقال الصادق (ع): كان أبو خالد يقول بإمامة محمّد ابن الحنفية فقدم من كابل شاه إلى المدينة فسمع محمّداً يخاطب عليّ بن الحسين (ع) فيقول: يا سيّدي‏، فقال له: أتخاطب ابن أخيك بما لا يخاطبك مثله؟! فقال: إنّه حاكمني إلى الحجر الأسود فصرت إليه فسمعت الحجر يقول: سلّم الأمر إلى ابن أخيك فإنّه أحقّ به منك، وصار أبو خالد الكابلي‏ إماميّاً. إعلام الورى: ‏1/486.

[23]. لاحظ هذه الرواية حتّی يتّضح لك الحال في هذا العهد. ففي رواية صحيحة بريد بن معاوية قال: سمعت أبا جعفر (ع) يقول: إنّ يزيد بن معاوية دخل المدينة وهو يريد الحجّ فبعث إلى رجل من قريش، فأتاه فقال له يزيد: أتقرّ لي أنّك عبد لي إن شئت بعتك وإن شئت استرقيتك، فقال له الرّجل: والله يا يزيد ما أنت بأكرم منّي في قريش حسباً ولا كان أبوك أفضل من أبي في الجاهليّة والإسلام وما أنت بأفضل منّي في الدّين ولا بخير منّي، فكيف أقرّ لك بما سألت؟! فقال له يزيد: إن لم تقرّ لي والله قتلتك، فقال له الرّجل: ليس قتلك إيّاي بأعظم من قتلك الحسين بن عليّ (ع) ابن رسول اللهˆ، فأمر به فقتل، ثمّ أرسل إلى عليّ بن الحسين (ع) فقال له مثل مقالته للقرشيّ، فقال له عليّ بن الحسين (ع) أرأيت إن لم أقرّ لك أليس تقتلني كما قتلت الرّجل بالأمس؟ فقال له يزيد ـ لعنه الله ـ: بلى، فقال له عليّ بن الحسين (ع): قد أقررت لك بما سألت أنا عبد مكره، فإن شئت فأمسك وإن شئت فبع، فقال له يزيد ـ لعنه الله ـ: أولى لك حقنت دمك ولم ينقصك ذلك من شرفك. الكافي: 8/234، ح313. ولاحظ أيضاً الكامل في التاريخ: 4/118ـ119.

[24]. قال المسعودي: إنّ عبد الله بن الزبير حبس الحسن بن محمّد بن الحنفية في حبس مظلم‏، وأراد قتله فأعمل الحيلة حتّى تخلص من السجن وتعسف الطريق على الجبال حتّى أتى منى وبها أبوه محمّد بن الحنفية، ثمّ أنّ عبد الله جمع بني هاشم كلّهم في سجن عارم وأراد أن يحرقهم بالنار وجعل في فم الشعب حطباً كثيراً فأرسل المختار أبا عبد الله الجدلي في أربعة آلاف، فقال أبو عبد الله لأصحابه: ويحكم إن بلغ ابن الزبير الخبر عجّل على بني هاشم فأتى عليهم فانتدب هو نفسه في ثمانمائة فارس جريدة فما شعر بهم ابن الزبير إلا والرايات تخفق بمكة فقصد قصد الشعب فأخرج الهاشميين منه‏. شرح نهج البلاغة: ‏20/146.

[25]. قد نقلت قصّة تحكيم الحجر الأسود بأسانيد مختلفة ومتون متفاوتة، بل ومتعارضة أحياناً، ثمّ ذهب بعض المعاصرين إلی اختلاق هذه القضية رأساً. وللتفصيل لاحظ مذاهب ابتدعتها السياسة: 68ـ75. إلا أنّا ـ كما عرفت في مطاوي البحث ـ في فسحة من ذلك. نعم، بعض متون هذه القضية لا يمكن قبولها، مثل ما روي عن رشيد الهجري ويحيى بن أم الطويل أنّهما قالا: لمّا ادّعى محمّد بن الحنفية الإمامة بعد الحسين (ع) وقال: أنا أحقّ بالإمامة فإنّي ولد أمير المؤمنين (ع) وقد كان اجتمع إليه خلق كثير اقبل زين العابدين (ع) يعظه ويذكره ما كان من رسول اللهˆ في الإشارة إلى ولد الحسين وإنّ الوصية وصلت إليه من أبيه (ع) فلم يقبل محمّد ابن الحنفية وانتهى الامر إلى أن أخذ عليّ بن الحسين بيده وقال فنحاكم إلى الحجر الأسود فانطق الله سبحانه الحجر الأسود وشهد لعليّ بن الحسين (ع) بالإمامة ورجع محمّد ابن الحنفية عن الخلافة. عيون المعجزات: 62ـ63. فإنّ رشيداً الهجري ـ كما نصّ عليه المورخّون ـ قتل في حبّ أمير المؤمنين علي (ع) قتله ابن زياد قبل أن يأخذ معاوية البيعة لولده يزيد.

[26]. فعن أبي بجير أنّه كان يقول بإمامة ابن الحنفية وقال: حججت فلقيت يوماً إمامي وكنت يوماً عنده فمرّ به غلام شاب فسلّم عليه، فقام فتلقاه، وقبل ما بين عينيه، وخاطبه بالسيادة، ومضى الغلام، وعاد محمّد إلى مكانه، فقلت له: عند الله أحتسب عنائي. فقال: وكيف ذاك ؟ قلت: لأنّا نعتقد انّك الامام المفترض الطاعة تقوم وتتلقى هذا الغلام، وتقول له: يا سيّدي ؟ ! فقال: نعم، والله هو امامي. فقلت: ومن هو؟ قال: ابن أخي عليّ بن الحسين (ع)، ثمّ نقل حكايته مع السجّاد (ع) عند الحجر الأسود، إلی أن قال أبو بجير: فانصرفت من عنده وقد دنت بإمامته، أعني عليّ بن الحسين‡، وتركت القول بالكيسانية. ذوب النضار: 51ـ53.

[27]. اختيار الرجال، الرقم: 197.

[28]. المصدر نفسه الرقم: 199.

[29]. المصدر نفسه الرقم: 203.

[30]. الطبقات الكبرى: 5/100. ومثله في تاريخ مدينة دمشق: 54/343.

[31]. أنساب الأشراف: 6/446.

[32]. اختيار الرجال، الرقم: 198. والرواية ضعيفة سنداً.

[33]. المصدر نفسه، الرقم: 200. والرواية ضعيفة سنداً.

[34]. المصدر نفسه، الرقم: 204. والرواية ضعيفة سنداً.

[35]. بحار الأنوار: 45/346. والرواية مرسلة.

[36]. علل الشرائع: 1/221.

[37]. سنن الترمذي: 3/338، ح2317؛ المعجم الكبير: 24/310؛ المعجم الأوسط: 4/376؛ الاستيعاب: 4/1860.

[38]. سنن الترمذي: 3/339؛ مسند الحميدي: 1/157؛ الثقات: 5/311؛ تاريخ مدينة دمشق: 12/121.

[39]. مسند أحمد بن حنبل: 5/437. وقريب منه في سنن ابن ماجة: 2/896؛ المعجم الأوسط: 8/211.

[40]. سير أعلام النبلاء: 3/539.

[41]. المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي: 7/253.

[42]. المعجم الأوسط: 1/283.

[43]. البداية والنهاية: 8/320.

[44]. سير أعلام النبلاء: 3/541.

[45]. تاريخ مدينة دمشق: 69/269. وقريب منه في تاريخ الطبري: 4/574؛ البداية والنهاية: 8/318.

[46]. تاريخ واسط: 1/105، لأسلم بن سهل الرزاز الواسطي.

[47]. تاريخ مدينة دمشق: 28/242ـ243. المستدرك: 3/553؛ مسند أبي داود الطيالسي: 228؛ مسند الحميدي: 1/156ـ157؛ مسند ابن راهويه: 5/123؛ المعجم الأوسط: 4/376؛ المعجم الكبير: 24/101؛ أسد الغابة: 3/164.

[48]. كتاب الفتن: 75؛ مسند الحميدي: 1/156؛ السيرة الحلبية: 1/285 وغيرها.

[49]. الكامل في التاريخ: 4/278.

[50]. المصنّف لابن أبي شيبة الكوفي: 7/262؛ الطبقات الكبرى: 6/112؛ معرفة الثقات: 2/245؛ تاريخ مدينة دمشق: 36/98.

[51]. الخوارج والشيعة: 234.

[52]. في عالم الفلسفة: 78.

[53]. رجال ابن داود: 514، الرقم: 478.

[54]. قاموس الرجال: 10/14. ولاحظ أيضاً معجم رجال الحديث: ‏19/108، الرقم: 12185.

[55]. قال جعفر بن نما: فقد رويت عن والديŠ أنّه قال لهم: قوموا بنا إلى امامي وامامكم عليّ بن الحسين، فلمّا دخل ودخلوا عليه خبره بخبرهم الذي جاءوا لأجله، قال: يا عمّ، لو أنّ عبداً زنجياً تعصّب لنا أهل البيت، لوجب على الناس مؤازرته، وقد وليتك هذا الأمر، فاصنع ما شئت. فخرجوا، وقد سمعوا كلامه وهم يقولون: أذن لنا زين العابدين (ع) ومحمّد بن الحنفية. ذوب النضار: 96ـ97.

[56]. الظاهر أنّ قوله: المهدي رمز بين محمّد بن الحنفية والمختار في القيام لا أنّ محمّداً يدّعي كونه هو المهدي الموعود. نعم، لا يبعد أنّ هذا مستند من قال من الكيسانية بكونه هو المهدي. كما أنّه من المحتمل كونه اختلاقاً لتشويه أذهان الناس بالنسبة إلی ثورة المختار. ويؤيد ذلك أنّ الراوي لهذه الرسالة هو الشعبي الذي كان من أعداء المختار بحيث قال ابن الأثير: كان بينهما [أي المختار والشعبي] ما يوجب أن لا يسمع كلام أحدهما في الآخر. أسد الغابة: 4/336. ولاحظ أيضاً الإصابة: 6/276.

[57]. ذوب النضار: 95ـ99. تاريخ الطبري: 4/495؛ الكامل في التاريخ: 4/215.

[58]. منتهى المقال: ‏6/243، الرقم: 2952.

[59]. قاموس الرجال: 10/15.

[60]. ذوب النضار: 51.

[61]. معجم رجال الحديث: ‏19/109ـ110، الرقم: 12185؛ قاموس الرجال: 1/14، الرقم: 7434.

[62]. لاحظ بصائر الدرجات: 1/178، ح11 و14؛ 1/184، ح38.

[63]. مذاهب ابتدعتها السياسة: 40ـ45.

[64]. مقاتل الطالبيين: 85.

[65]. البقرة: 259.

[66]. تاريخ اليعقوبي: 2/296ـ298.

[67]. شرح نهج البلاغة: ‏7/149ـ150.

[68]. قد مرّ منّا أنّ قصّة الحجر الأسود لم تدلّ علی ادّعاء ابن الحنفية الإمامة لنفسه، فلأجله لا نحكم بكونها موضوعة.

[69]. بل إنّ أبا هاشم أيضاً لم يدّع الإمامة. فعن أبي معشر قال: كان عليّ بن أبي طالب اشترط في صدقته أنّها إلى ذي الدين والفضل من أكابر ولده، فانتهت صدقته في زمن الوليد بن عبد الملك إلى زيد بن الحسن بن عليّ بن أبي طالب فنازعه فيها أبو هاشم عبد الله بن محمّد، فقال: أنت تعلم أنّي وإيّاك في النسب سواء إلى جدّنا عليّ وإن كانت فاطمة لم تلدني وولدتك، فإنّ هذه الصدقة لعليّ وليست لفاطمة وأنا أفقه منك وأعلم بالكتاب والسنّة حتّى طالت المنازعة بينهما، فخرج زيد من المدينة إلى الوليد بن عبد الملك وهو وبدمشق فكبّر عنده على أبي هاشم وأعلمه أنّ له شيعة بالعراق يتّخذونه إماماً وأنّه يدعو إلى نفسه حيث كان، فوقع ذلك في نفس الوليد ووقّر في صدره وصدّق زيداً فيما ذكره وحمله منه على جهة النصيحة وتزوّج ابنته نفيسة ابنة زيد بن الحسن وكتب الوليد إلى عامله بالمدينة في إشخاص أبي هاشم إليه وأنفد بكتابه رسولاً قاصداً يأتي بأبي هاشم. فلمّا وصل إلى باب الوليد أمر بحبسه في السجن فمكث فيه مدّة.

فوفد في أمره عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب فقدم على الوليد، فكان أوّل ما افتتح به كلامه حين دخل عليه أنّه قال: يا أمير المؤمنين ما بال آل أبي بكر وآل عمر وآل عثمان يتقرّبون بآبائهم فيكرمون ويحبّون وآل رسول اللهˆ يتقرّبون به فلا ينفعهم ذلك، فيم حبست ابن عمّي عبد الله بن محمّد طول هذه المدّة؟ قال: بقول ابن عمّكما زيد بن الحسن، فإنّه أخبرني أنّ عبد الله بن محمّد ينتحل اسمي ويدعو إلى نفسه وأنّ له شيعة بالعراق قد اتّخذوه إماماً. قال له عليّ بن الحسين: أو ما يمكن أن يكون بين ابني العمّ منازعة ووحشة كما يكون بين الأقارب، فيكذب أحدهما على الآخر، وهذان كان بينهما كذا وكذا، فأخبره خبر صدقة عليّ بن أبي طالب وما جرى فيها حتّى زال عن قلب الوليد ما كان قد خامره، ثمّ قال له: فأنا أسألك بقرابتنا من نبيّكˆ لمّا خليت سبيله، فقال: قد فعلت. فخلّى سبيله وأمره أن يقيم بحضرته. تاريخ مدينة دمشق: 19/375ـ376. ولاحظ أيضاً الوافي بالوفيات: 15/19.

[70]. لاحظ مقاتل الطالبيين: 140ـ142.

[71]. شرح نهج البلاغة: ‏7/149.

[72]. مذاهب ابتدعتها السياسة: 135ـ166.

[73]. الشافي في الإمامة: ‏3/147.

هذا ولكن أبو ريحان البيروني نقل أنّ جماعة انتظروا خروج محمّد بن الحنفية وزعموا أنّه حيّ مقيم بجبل رضوی. الآثار الباقية: 213.