البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تجديد خطاب الحداثة، عبد الإله بلقزيز أنموذجاً

الباحث :  هاشم الميلاني
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  16
السنة :  شهر ربيع الاول 1440هـ / 2018م
تاريخ إضافة البحث :  January / 12 / 2019
عدد زيارات البحث :  497
تحميل  ( 313.317 KB )
يمر على الخطاب النهضويّ الإصلاحيّ والتنويري في العالم الإسلامي أكثر من قرنين، منذ هجوم نابليون بونابرت على مصر إلى يومنا الحاضر (1798-2018م).

وقد شهد هذا الخطاب تيارات عدة:

1- التيار الإسلامي.

2- التيار الليبرالي.

3- التيار الماركسي.

4- التيار القومي اليساري.

وقد شهدت هذه التيارات تقلبات مختلفة بين الازدهار والإحباط ونظراً لهذه الحالة تمّ تصنيفها في ضمن مراحل مختلفة، إذ إنَّ المرحلة الأولى تبدأ بعد هجوم نابليون ورئاسة محمد علي باشا وتصدّي الطهطاوي، أمّا المرحلة الثانية فتبدأ بعد انتكاسة (1967) أمام إسرائيل وتستمر طيلة ما تبقّى من القرن العشرين، أمّا المرحلة الثالثة فلم تؤرّخ من قبل الباحثين ولكن يمكن أن نؤرخها لبدايات القرن الواحد والعشرين، بدءاً بأحداث (11 سبتمبر) ومروراً بالربيع العربي وإلى يومنا الحاضر وما حصل من اقتتال إسلامي داخلي مع تراجع واضح أمام القضية الفلسطينية، وفسح المجال العارم أمام الاستعمار الغربي الجديد.

في المدّة الأولى ازدهر خطاب الحداثة على يد محمد علي باشا والطهطاوي وبلغ ذروته في المدّة الناصرية، ولكن بدأ بالانكسار والتراجع بعد الانتكاسة وأفول شعارات القومية وتحرير فلسطين ومناهضة الاستعمار، وبرزت إلى الساحة الخطابات الأصولية والإسلامية المعتدلة، واستمرت هذه الحالة في الوطن الإسلامي بشكل عام، إذ إنَّ الإسلامي بقي هو الوحيد الذي يمكنه تحريك الشارع وانحسر خطاب الحداثة في الجامعات وعند بعض المثقفين، وهو وإن ملك الساحة الإعلامية ودور النشر وبعض المؤسسات لكنه لم يلق رواجاً ميدانياً بشهادة مروجيه ودعاته.

فهذا عزيز الحدادي يسأل عن سبب فشل الحرية والديمقراطية في العالم العربي([1])، وكذلك يرى الدكتور عبد الإله بلقزيز انحسار نفوذ أفكار الحداثة في الحياة الثقافية وتجدّد دعوات الأصالة واتساع نفوذ الناطقين بها([2])، بينما يذهب الدكتور سهيل الحبيّب إلى ابعد من ذلك ليرى انّ الخطاب السياسي ذا الطابع القومي مال في السنوات الأخيرة إلى التأسلم بشكل أكثر([3])، وقبلهم الجابري قد أفتى بأنَّ جميع هذه التيارات وحتى الإسلاميّة منها أصبحت تكرّر خطاباتها من دون جدوى ومن دون أن يكتب لها النجاح([4]).

ونحن لا يسعنا رصد جميع ما كُتِبَ وما نُشر في الساحة الثقافية حول أسباب فشل مشروع النهضة أو نجاحه في بعض الفترات ومتابعته، بيد أننا نشهد في الآونة الأخيرة أي في المرحلة الثالثة من تاريخ النهضة –إن صح التعبير- دعوات تدعو إلى إحياء وتجديد خطاب الحداثة من خلال اقتراح مشاريع جديدة فضلا عن القيام بنقد ذاتي ما بعد نهضوي(على غرار نقد ما بعد الحداثة للحداثة) من قبل التيار القومي وكذلك الحداثوي العلماني؛ ليتمكّن من استرجاع قواه وفتح ما خسره وتوسيع رقعة نفوذه، بعد الوقوف على نقاط الضعف وأسباب الانحسار.

كما يرى الدكتور سهيل الحبيّب انَّ الأطروحة المركزية لخطاب النقد الثقافي في الفكر العربي المعاصر، هو تحديث البنية الثقافية العامة المؤثّرة في سلوكيات أوسع الجماهير([5]).

وممّن دعا إلى ذلك أيضاً الدكتور عبدالإله بلقزيز في ثلاثيته:(العرب والحداثة) إذ يرى من تقديمه للجزء الأول من عمله هذا: أن الوقت قد حان لإعادة تظهير مساهمة خطاب الحداثة في الوعي العربي وفي عملية التراكم الثقافي والفكري([6]).

إنّه يعتمد في ثلاثيته: (من الإصلاح إلى النهضة، من النهضة إلى الحداثة، نقد التراث) بعد تقديم تمهيدي لكلّ جزء إعادة قراءة أهم المشاريع الحداثوية طيلة قرنين مع الإشارة إلى ما لها وما عليها؛ ليشقّ من بينها طريقاً إلى تحديث الحاضر مستعيناً بالترسانة الحداثوية الماضية، لاعتقاده أنَّ خطاب الحداثة في الفكر العربي أعمق وأرصن من غيره فكريّاً ومنهجيّاً وإشكالياً وأغنى معرفيّاً وأقلّ أيديولوجية وشعبيّة إلى كونه أكثر اتصالاً بالمعارف الإنسانيّة الحديثة وأشدّ ارتباطاً بأسئلة العالم وقضاياه، وأكثر قابلية للإصغاء إلى معطيات الفكر الإنساني، وأقلّ إصابة بمرض المركزية الذاتيّة والاعتداد النرجسيّ بالنفس أي أقل إصابة بالأمراض التي تمنع الفكر من التطوّر، وهذه أسباب كافية عند بلقزيز للاعتناء بخطاب الحداثة وإعادة الاعتبار إلى مساهمته الفكرية في الثقافة العربية([7]).

ونحن في هذه العجالة لا يسعنا تسليط الضوء على جميع ما ذكره في ثلاثيته هذه، بل نحاول أن نلخّص مشروعه في ضمن ثلاث نقاط رئيسة تتكفّل بيان مجمل المشروع وأسسه الفكرية، ألا وهي: التراث، الأصالة، الحداثة.

النقطة الأولى: التراث:

لقد عُني خطاب الحداثة بالتراث إذ بات همّه الأوّل، وتتراوح أعمال مفكري هذا الخطاب بين رفض التراث تماما وإحداث القطيعة معه للوصول إلى جنّة الحداثة، وبين قبوله إجمالاً ومحاولة تظهير ما ينفع الحاضر فيه أو محاولة الالتفاف عليه وإعطائه قيمة ظاهرية مع تفريغه من محتواه الرئيسي؛ ليبقى اسما من دون مسمّى.

وباحثنا هذا-أي عبد الإله بلقزيز- لم يكن ببدع من هؤلاء المفكرين، إذ حاز مبحث التراث دائرة واسعة من أعماله، كما سنبيّن هذا في النقاط الآتية:

أ : سبب الاهتمام بالتراث:

إنّ سبب اهتمام بلقزيز بالتراث يعود إلى عوامل عدّة:

لأنّ التراث أثبت نفسه طيلة القرنين المنصرمين على الرغم من الجهود المبذولة لإقصائهِ تماماً، يقول بلقزيز:"التراث من وجوهه كافة: الديني والفقهي والفكري والأدبي والقيمي ليس معطى متخفيّاً من الماضي في المجتمع العربي، وإنّما هو حقيقة وجوديّة في يوميات الاجتماع والسياسة والثقافة والإيمان، ليس في الممكن تجاهلها أو السكوت عنها، إنّه يمارس سلطاناً حقيقياً على الأفكار والعلاقات والمؤسسات ويوجّه أفعال الأفراد والجماعات... إنَّ معدّل سلطانهِ ومساحة ذلك السلطان في المجتمع والوعي زاد على نحو ملحوظ في العقود الأخيرة.. فارتفعت الحاجة إلى إيلاء موضوع التراث، ما يستحقه من اهتمام علمي يناسب حجم حضور سلطته في الوعي والاجتماع"([8]).

فالمجتمع العربي الإسلامي يعيش استمرارية تاريخية وعدم انقطاع: استمرارية دينية، واستمرارية ثقافية، واستمرارية لسانية للغة الأمة والوحي، واستمرارية في منظومة القيم الموروثة([9]).

إنّ الطريق نحو الحداثة يمرّ عبر نقد التراث، وتحجيمه وإعطائه المكانة التي يستحقها مع تقييده بزمانه وتاريخه الماضي:(لقد أعلن مثقفو الحداثة المعاصرون أنّهم يدركون قيمة العمل العلمي في ميدان دراسات التراث بوصفه الميدان الرئيس كي يثبت خطاب الحداثة جدارته في الصيرورة خطاباً تاريخياً مطابقاً)([10]).

إنّه يقول:(لا يبدأ التقدّم والحداثة إلّا من نقد الأصالة وبيان لا أصالتها، فمتى ندشّن مرحلةَ نقدٍ معرفيٍّ رصينٍ لمقالة أيديولوجية ضحلة سيكون ضرورياً لإنتاج حداثة فكرية حقيقية)([11]).

كما يرى بلقزيز أنّ الطريق إلى الحداثة الفكرية لم يعد سالكا مستقيماً، بل بات محفوفاً بالعوائق ومتعرجاً ولا يمكن قطع شوطه إلّا بإعادة مراجعة ونقد الموروث الثقافي في الوعي والذهنية العامة، والنقد عند أكثر هؤلاء الباحثين ليس الهدم وإنّما هو فهم الموروث الثقافي في تاريخيته، وبيان حيويته الداخلية ومساجلة القراءة التراثية الرائجة والذاهبة إلى رفع التراث فوق شروط الزمان والمكان والتاريخ([12]).

وهذه نظرة براغماتية نفعية على خلاف ما يدعيه المؤلف من النزعة العلمية والموضوعية.

ب: سؤال التراث:

إنّ سؤال التراث عند بلقزيز لم يقتصر على العرب والمسلمين، بل يشمل جميع الأمم:"إذ المجتمعات الإنسانيّة لم تعدم أشكالاً وصوراً مختلفة من الاهتمام بتراثها الثقافي والديني ومن التفكير فيه والانتاج العلمي حوله، فسؤال التراث في أيّ ثقافة هو سؤال الصلة التي تربط حاضر الثقافة والمجتمع بماضيها، والمجتمعات المأزومة هي أكثر المجتمعات عناية بماضيها بإعادة الانتباه إليه وإعادة التفكير فيه وقراءته عساها تعثر في خبرته التاريخية عن أجوبة ناجزة أو عن خامات قابلة لتصنيع أجوبة عن مشكلات حاضرها"([13]).

ثمّ أنّ سؤال التراث عند بلقزيز قد تولّد في الوسط الإسلامي جرّاء الآخر الأوروبي: فهو من نبّه العربي إلى تأخره التاريخي، وهو من نبّه إلى تأخره حتى بالنسبة إلى ماضٍ مرجعيّ، وهو من أغراه بالعودة إلى ماضيه؛ لفهم سبب تأخره أو لتصويب رؤية غريمه الأوروبي إلى أسباب ذلك التأخّر([14]).

كما أنّ السؤال عن التراث اشتدّ بعد انتكاسة 1967م، حتى انّ الحداثيين دخلوا على خط العلاقة مع التراث محاولين في البحث عن أسباب تلك السلطة التي ما زال يملكها ذلك التراث في المجتمع والفكر، محاولين كسر احتكار التقليديين لهذا الرأسمال الثقافي([15]).

وفي النهاية يدعو بلقزيز إلى تأسيس سؤال التراث على قواعد البحث العلمي على النحو الذي يجعل البحث في التراث بحثاً علمياً وموضوعيّاً غرضه المعرفة لا التوظيف السياسي والأيديولوجي([16]).

ج – الصراع على التراث:

يفرّق بلقزيز بين ظاهرة الاهتمام بالتراث وبين إشكالية التراث، إذ يرجع الأول إلى بدايات عهد التنوير الإسلامي، أمّا الثاني فقد ظهر في ستينات القرن العشرين، ذلك أنّه ليس من شأن أيّ اهتمام بقضية فكرية ما أن يؤسّس إشكاليّةً وإنْ بلغ من الكمّ والكثافةِ مبلغاً، فإشكالية التراث هي عندما تحوّل التراث إلى سؤال استراتيجي في المعرفة والفكر والمجتمع أو كسؤال سياسي معرفي يتحدّث عن علاقة الأنا الراهنة بالأنا التاريخية، ثمّ بالآخر من منظور حاجات الراهن، فنحن أمام طفرة نوعية من علاقة الوعي العربي بالموروث الثقافي، وفي النظرة إلى موضوع التراث بوصفه موضوع صراع معرفي واجتماعي على المستقبل([17]).

ثمّ أنّ الصراع على التراث هذا كان بين خطابين: خطاب الأصالة وخطاب الحداثة، ولم يكن التراث واحدا عند هؤلاء وأولئك، فقد استعان كل واحد في تظهير لحظات ونصوص فكرية وتغييب غيرها أو الحطّ من مكانتها في تاريخ الفكر، ومع هذا فالتيار الأصالي كان أشدّ صلة بالتراث من التيار الحداثي، وكانت قدرته على إنطاق الماضي بما يريد أعلى من قدرة خصمه([18]).

وعليه فالتدخل الأيديولوجي في جدل التراث ظلَّ أعلى كمّاً ونوعاً من مستوى التدخل الفكري والمعرفي فيه، وكان لهذا التضخّم الأيديولوجي أثره السلبي في ميدان الدراسات التراثية.

والنظرة الأيديولوجية هذه عند بلقزيز لها ثلاثة وجوه: الانتقائية، الإسقاط التاريخي، والتوظيف الفجّ في الجدل السياسي.

أمّا الانتقائية فقد ابتُلى بها دعاة الأصالة والحداثة على حدٍّ سواء، ولم يلتفتوا إلى التراث بوصفه كلّاً ثقافيا غير قابل للقسمة، وإنّما انصرفوا إلى اقتطاع أجزاء منه بعينها والاشتغال عليها بما هي في زعمهم المادة التمثيلية لكليّة ذلك التراث، وكان يقع الحطّ من لحظات ثقافية أخرى بوصفها لحظة برانيّة مدسوسة غير أصيلة أو رجعية ظلامية، فاشتغل الأصاليون بأفكار السلف وبالأشعرية في العقيدة، في حين اشتغل الحداثيون بأفكار المعتزلة في العدل وحريّة الإنسان وجذور العقلانية، وحينما درس الأصوليون الفقه والأصول والحديث وعلوم القرآن، توجّه الحداثيون إلى الفلسفة والمنطق والعلوم، وهكذا دواليك([19]).

أمّا بخصوص التوظيف السياسي فيرى بلقزيز أنَّ الصراع على التراث بين تيارين كان بسبب الاستيلاء عليه واحتكار تأويله؛ ذلك أنَّ الاستيلاء على الماضي أقصر طريق إلى الاستيلاء على الحاضر، ومن ينتصر في معركة الأول ينتصر في الحاضر، والانتصار هذا ليس انتصار خطاب ثقافيِّ فحسب وإنّما هو انتصار خطاب سياسيِّ وموقع سياسيّ أيضاً، فليس الاهتمام بالتراث لأجل التراث بنفسه، بل من أجل توظيفه في المعركة على السلطة الثقافية والسلطة السياسية([20]).

في حين يرى بلقزيز أنَّ التراث محايد في علاقته بنا كمادةٍ مدروسة، فلا هو ضدنا ولا هو في صالحنا، وإنّنا نحن من يهدر حياده أو يخرجه عن حياده فيورّطه في معارك الحاضر الثقافية والسياسية، وإذا كان اليوم يبدو مشكلة عند فريق وحلّاً عند آخرين، فلأنَّ الأول أراده مشكلة وأراده الثاني حلّاً، وليس في التراث نفسه من حيث هو تراث عناصر المشكلة وعناصر الحلّ، فإنَّ الدراسين العرب للتراث والإسلام هم من يطرحون مشكلاتهم على التراث وعلى الإسلام وليس هو الذي يطرح مشكلاته عليهم كما يعتقدون، فيبنون أنساقاً من التفكير على اعتقادهم([21]).

ثمَّ يمتدح النموذج الغربي ويرى أنَّ الباحثين الغربيين لا يرون حرجاً من دراسة تراثهم، إذ إنّهم لا يفعلون ذلك التماساً منه لأجوبة عن مشكلات عصرهم، وإنّما لأنَّ البحث فيه يقع في صلب صناعتهم ومهنتهم كباحثين([22]).

وقد نسي بلقزيز ما ذكره سابقاً من أنَّ الغرب قطع ماضيه الديني أي الحقبة المسيحية ولم يقطع مع ماضيه اليوناني أو الروماني، بل جعله نقطة انطلاق وأجوبة لإشكالات الحاضر:"إنَّ القطيعة هذه إنّما قصد بها محو الحقبة المسيحية من تاريخها، وإنهاء مفعولها في الفكر والثقافة والسياسة والاجتماع، غير انّهُ كان على قوى القطيعة أن تبحث لها عن ماضٍ من تاريخ أوروبا يكون لها نقطة ارتكاز للبناء أو شيئاً بهذه المثابة، وهو ما وجدته في الحقبة اليونانية والرومانية الأولى وبنت عليه، فلقد كان على الدعوة العقلانية واللائكية أن تبني على السابقة اليونانية، على العقل الأرسطي والتراث الفلسفي الإغريقي وعلى الديمقراطية الاثينية وان تبني –في الوقت عينه- على السابقة الرومانية"([23]).

د- المناهج:

يقدّم بلقزيز خريطة معرفيّة للمناهج المستعملة في الفكر العربي المعاصر في دراسة الموروث الثقافي وهي:

المنهج التاريخي التقريري أو منهج العرض التاريخي للموروث الثقافي.

المنهج التاريخي الفيولوجي أي الفحص التاريخي اللغوي للنص والتنقيب في مصادر المفاهيم والأفكار التي تؤسّسه، وقد استفاده الدراسون من المستشرقين.

المنهج المادي التاريخي أي قراءة الأفكار والنصوص بما هي مجرد تعبير عن شرط تاريخي موضوعي ومجرد تعبير عن أيديولوجيا طبقة اجتماعية، وهو متأثر بالخطاب الماركسي.

المنهج الفينومينولوجي المتأثّر بأطروحات هوسرل وتطبيقها في دراسة تاريخ الفكر الإسلامي.

منهج التحليل الابستمولوجي لمنظومات المعرفة، ويعتمد تحليل المفاهيم الحاكمة للتفكير وانتاج المعرفة.

المنهج التحليلي النقدي، يعتمد تفكيك المنظومات الابستيمية للمعرفة.

المنهج التأويلي الهيرمنيوطيقي.

المنهج التاريخي النقدي([24]).

ثمَّ يعرّج على ما يشوب هذه المناهج من فجوات ونواقص وهي:

العقائدية المنهجية بمعنى اختزال التفكير في منهج واحد وتحويل البحث إلى مجرّد تمرين تطبيقي على منهج ما سيّما عند ظهور منهج جديد.

الأقنومية المنهجية وهي مرجعية المنهج في البحث العلمي، وافتراض صلاحيته المطلقة وعموميته وشموليته في كل الأحوال من دون مراعاة مبدأ الملاءمة أو المناسبة، فيتحوّل المنهج إلى قوالب جامدة قابلة للتنزيل على أي موضوع.

واحديّة الهندسة المنهجية للموضوع، إذ يفترض أنّ موضوعاً ما لا يقبل غير طريقة منهجية وحيدة إمّا تاريخية فقط أو سوسيولوجية أو بنيوية فقط.

وبعد هذا يختار بلقزيز الرؤية المرنة للمنهج وهي تعتمد التعددية المنهجية للموضوع الواحد([25]).

هـ - الموقف من التراث:

بعد هذا العرض السريع نصل إلى موقف بلقزيز؛ إذ يتبلور أولاً: في الخروج من سلطان التراث، وثانياً: جعله موضوعاً معرفيّاً بحت للدراسة والتحليل من دون توظيف سياسي أو أيديولوجي.

هذا الموقف هو حصيلة تجاربه من قراءة تاريخ الأصالة والمعاصرة، إذ توصّل إلى عدم إمكان سحق التراث وإغفاله، لذا يدعو إلى النظرة التركيبية لمسألة الحداثة والتراث لخطورة القراءة العدميّة والتبجيلية للماضي([26]).

وعليه فدعوته تتلخّص في تأسيس سؤال التراث على قواعد البحث العلمي على النحو الذي يجعل البحث في التراث بحثاً علمياً وموضوعياً غرضه المعرفة لا التوظيف السياسي والأيديولوجي([27]).

وقبلته في ذلك هو الغرب، إذ خرج من سلطان الماضي، وأنتج حاضره ومستقبله بمعزل عن ايّة مرجعية أقنومية تفرض عليه الاندراج تحت سقفها([28]).

إنَّ ما يبغيه بلقزيز من التراث هو مافي وسع ذلك التراث أن يقدمه لنا، فالذي يسعه تقديمه هو معطاه الثقافي والفكري في تاريخيته غير القابلة للتجاهل، وصلتنا به هي صلة الباحث بأيّ فكر مضى لا يريد منه أكثر من فهمه على أفضل نحو ممكن([29]).

النقطة الثانية: الأصالة:

يركز بلقزيز في بحثه الأصالوي على إفراغ معنيين للأصالة: المعنى الأول إيجابي يدعو إليه، أمّا المعنى الثاني فظلامي يحاربه ويحذر منه، وذلك من خلال التفريق بين الإصلاحية الإسلامية المتمثّلة بالطهطاوي وجمال الدين ومحمد عبده، وبين الإحيائية الإسلامية المتمثّلة برشيد رضا وسيد قطب ومحمد قطب وأمثالهم.

إنَّ دعوته للأصالوية الأولى لم تكن حبّاً منه بها؛ وإنّما بغضاً لجارتها ولأجل كشف عوارها، إذ يختار أهون الشرين وإلّا فمشروعه هو الدعوة إلى الحداثة وبعبارة أخرى أنَّ تمسكه بالأولى تكتيك أمام زحف الخطاب الإحيائي، أمّا تمسكه بالحداثة فهو إيديولوجي خصّص ثلاثيته هذه للتنظير لها ودعمها.

وهذا ليس تخرصّاً عليه بل هو يصرّح بذلك ويقول:"ولم يكن إلحاح بعضهم- وكاتب هذه السطور أحدهم- على الفكر الإصلاحي الإسلامي إلّا وجهاً من وجوه التنبيه على المأزق والأفق المسدود الذي تتدحرج إليه فكرة الأصالة المنغلقة على نفسها"([30]).

وبناء على هذا نتطرّق إلى خطاب الأصالة عند بلقزيز ضمن محورين كما رسمها هو:

أ‌-الإصلاحية الإسلامية:

في الفصل المخصّص للبحث عن الأصالة يضع بلقزيز عنواناً تحت اسم:(أصالة النهضويين)؛ ليشعر قارئه منذ البداية بما يريد أن يؤسّسه، إذ يذهب إلى أنَّ هذه الأصالة النهضوية قبلت تحدّي الحداثة الأوروبية وطفقت تبحث فيها عمّا أسّس لها شوكتها، كما أنّها لم تُعرض عن الموروث القديم وفي الوقت نفسه لم تستذرع به حجة لتأبى بناء الصلة بالأفكار الجديدة، بل بالعكس وجدت في خطاب الحداثة أجوبة عن أسباب التأخر والانحطاط من قبيل انسداد باب العقل والاجتهاد، والإغراق في ثقافة الحواشي، واستبداد السلطان السياسي، وتوقف العلم وما شاكل، لذا لم يتحرّج من إبداء أوسع الانفتاح على الفكر الغربي ونموذجه الحضاري([31]).

فأصحاب هذا الخطاب لم ينكفؤوا إلى الماضي والتراث ليرجموا العصر والعالم، بل قاموا:"بإعادة بناء مفهوم الأصالة نفسه لا بوصفه يردّ إلى منظومة مرجعية مغلقة وثابتة ومطلقة، بل بوصفه يغتني بجديد يعيد به إنتاج نفسه، أي على النحو الذي لا تكون فيه الأصالة رديفاً للماضي وإنّما قرينة على الحاضر وعلى المستقبل أيضاً"([32]).

ويتأسف بلقزيز على إخفاق هذا الخطاب وإجهاض مشروعه، ثمّ يشير إلى أهمّ أسباب هذا الانهيار ويلخّصها في:

انهيار المشروع السياسي الإصلاحي الذي بدأه محمد علي باشا في مصر، ثمّ توسّع إلى تونس والمغرب إذ فقد الخطاب النهضوي حاضنته السياسية.

انقلاب العقلانية الإصلاحية على نفسها سيما عند جيلها الأخير مثلما عند محمد رشيد رضا، إذ ارتدّ على تراثها العقلاني خاصة في ما اتصل بالمسألة السياسية وهي جوهر خطاب الإصلاحية الإسلامية.

سقوط البلاد العربية في قبضة الاحتلال الأجنبي إذ لم يبق معنى للإصلاح حينئذٍ، بل اقتضت المرحلة خطابا ثوريا([33]).

وأخيراً فالعقلانية الإصلاحية الإسلامية قدّمت مساهمة رائدة في الانفتاح على الثقافة الكونية، وفي الدفاع عن التقدّم، وعن الدولة الوطنية الحديثة، وفي مقارعة الاستبداد والدعوة إلى الحرية والعدل السياسي([34]).

ب‌-الإحيائية الإسلامية:

يعرّف بلقزيز الأصالة بأنّها: "استدعاء لموروث يجري الارتفاع به عن معدّل الزمان والتاريخ وإرساله كمطلق متعالٍ.. ولا تكون الأصالة أصالة إلا متى امتنعت عن أحكام التغيّر؛ لأنّ المتغيّر يلحقه فساد والأصالة صلاح مطلق، ولا تكون الأصالة أصالة إلّا في مقابل الحداثة، إذ الحداثة مُحدَث وإحداث، وشرّ الأمور محدثاتها؛ لأّنها في مقام البدعة"([35]).

إنَّ الأصالة بهذا المعنى شرّ محض من وجهة نظر بلقزيز، إذ إنَّ أكبر خطر يهدّد ذاتيتنا الحضارية وأصالتنا هو التشرنق على الذات والانكفاء إلى فكرة الأصالة، انّها تباهي بأمجاد الماضي دون أن تصنع مجداً في الحاضر، انَّها انكفأت على نفسها وخاصمت العصر، وليس بإمكانها تقديم شيء على الصعيد الثقافي والفكري أمام تحديات المعرفة والاجتماع المعاصر ومعضلات التقدّم؛ ذلك أنّها تعزل نفسها عمّا يدور في العالم من تحوّلات معرفية وفكرية([36]).

ثمَّ إنّهُ يصف خطاب الأصالة هذه بالإيديولوجيا ولم يعدّه فكرا؛ ذلك أنَّ معطياته ليست متأسّسة على نسقيّة معرفية، والأعم الأغلب في موضوعاتهِ مواقف دفاعية ضدّ خطاب متماسك هو خطاب الحداثة الغربية أو هجومية وصفية، انّه دعوة إلى شكل من التحزّب الذهني والوجداني أكثر من دعوة إلى معرفة نظرية([37]).

وتعتمد أيديولوجيا الأصالة عند بلقزيز ثلاثة أسس:

1- تفوّق الإسلام على غيره.

2- إنَّ مدنيّة الغرب آيلة إلى الاندحار.

3- عدم حاجة المسلمين إلى الآخر؛ لأنَّ في موروثهم ما يشبع حاجاتهم([38]).

بعد هذا السرد يُرجع بلقزيز لحظة بداية خطاب الإحياء أو الصحوة إلى بداية الثلاثينات من القرن العشرين لا سيما بعد الحرب العالمية الأولى مع حركة الأخوان المسلمين على يد حسن البنا([39]).

ثمَّ أنّه يسجل نقاطا عدّة على خطاب الأصالة هي:

لا تاريخية مفهوم الأصالة بمعنى أنّه يميل إلى حسبانه النظام المرجعي الوحيد للمعرفة والعمران الإسلاميين، فإنَّ خطاب الأصالة خطاب ماضوي يرتد إلى لحظة مرجعية هي الأس والجوهر، وأنّه يؤسس معيارية خاصة مختلفة لمعنى التطور والتقدّم، بمقتضاها لا يكون التقدّم انتقالة إلى الأمام وإنّما انتقال عكسي إلى الوراء، فيصبح مستقبلنا ماضينا ووفاؤنا الحرفي إلى هذا الماضي أقوم سبيل إلينا إلى المستقبل وأيّ حياد عنه يؤول إلى جاهلية متجدّدة.

اختراع معنى أصولي للأصالة.

مذهبية مفهوم الاصالة.

معاداة التقدم والتغيير الثقافي والاجتماعي.

وأخيراً خطاب الأصالة ليس شيئاً آخر غير خطاب الهزيمة النفسية القاسية أمام الحضارة والتاريخ([40]).

ثمَّ إنَّ بلقزيز يرى أنَّ خطاب الأصالة هذا قد أحدث قطيعة فكرية حاسمة مع الخطاب الإصلاحي ـ إن على صعيد إشكاليته، أو على صعيد منطلقاته غير النهضوية، أو على صعيد رؤيته غير العقلانية ـ كان الغرب منبعا من منابع المعرفة والنور، أمّا مع الإحيائية فبات منبع شرٍّ وعدوان، ومع الإصلاحية كان العقل سلطة معرفية تدين لها الأذهان، في حين صار النص الديني السلطة المعرفية الوحيدة لدى الإحيائية([41]).

ويزيده وضوحاً ليقول:"كانت العقلانية الإصلاحية تتوسّل بالمعتزلة وابن رشد وابن خلدون وابن حزم والشاطبي، فصارت الإحيائية الإسلامية تتوسّل بالأشاعرة والغزالي وابن تيمية وابن القيم الجوزية ... وكانت العقلانية الإصلاحية تدعو إلى الانفتاح على ثمرات الفكر الغربي والانتهال منها من دون حرج مثلما انتهل السابقون من الثقافات اليونانية والفارسية والهندية، أمّا الإحيائية فباتت ترى في الفكر الغربي شرّاً مستطيراً ومستودع المادية والإلحاد وتفسّخ القيم... كانت الإصلاحية تدعو إلى التقدّم والانخراط في العصر والتاريخ من خلال تحقيق المصالحة بين الأنا والآخر، الإيمان والعلم، فيما انتهت الإحيائية إلى الدفاع عن الهوية ضد آخر يتهدّدها، مؤثرة التشرنق على النفس والانسحاب من العصر والتاريخ، والانكفاء إلى منظومات ذهنية تقليدية([42]).

وبعد هذا كلّه يرى بلقزيز حسنة واحدة في خطاب الأصالة ألا وهي استنهاض وتحشيد وتجييش الناس في الحقل الاجتماعي والسياسي؛ لإخراج الجمهور الاجتماعي من سلبيته السياسية، وفي ضخِّ بعض التوازن في حقل السياسة بين السلطة والمجتمع، أو في حدّ احتكار النخب الحاكمة للمجال السياسي، أمّا عدا هذا فلا يرى فائدة لخطاب الأصالة لا سيما في مجال الفكر والمعرفة([43]).

النقطة الثالثة: الحداثة :

إنَّ الهدف الرئيس لبلقزيز في ثلاثيته:"العرب والحداثة" هو إعادة تظهير مساهمة خطاب الحداثة في الوعي العربي وفي عملية التراكم الثقافي والفكري([44])؛ ذلك أنَّ خطاب الحداثة في الفكر العربي أعمق وأرصن من غيره فكرياً ومنهجياً وإشكالياً، وأغنى معرفياً وأقلّ أيديولوجية وشعبية، إلى كونه أكثر اتصالاً بالمعارف الإنسانية الحديثة والمعاصرة، وأشدُّ ارتباطاً بأسئلة العالم وقضاياه، وأكثر قابلية للإصغاء إلى معطيات الفكر الإنساني، وأقلّ إصابة بمرض المركزية الذاتية ... فهذه أسباب كافية عند بلقزيز للاعتناء بخطاب الحداثة، وإعادة الاعتبار إلى مساهمته الفكرية في الثقافة العربية([45]).

فمشروع بلقزيز هو إعادة كتابة تاريخ الحداثة في الفكر العربي المعاصر([46]).

ينقسم البحث عن الحداثة عند بلقزيز إلى محورين: محور الحداثة في الغرب، ومحور الحداثة في العالم الإسلامي والعربي.

أ‌-الحداثة في الغرب:

يرى بلقزيز أنَّ الحداثة ترادف معنى المنظومة الفكرية التي تجاوزت فيها نزعات يردّ بعضها إلى بعض، كالإنسانوية والعقلانيّة والتجريبية والعلمانية والتطوريّة والتاريخانية والتقنوية .. الخ، وانَّ هذه المنظومة نشأت واكتملت ملامحها في مكان معين: أوروبا، وفي زمن معين: العهد الحديث؛ لتأخذ هيئتها النهائية في القرن التاسع عشر، ثمَّ لتكتسح العالم الذي يقع خارج مركزها الأوربي: أمريكا الشمالية ثمّ اليابان فسائر العالم([47]).

فالحداثة جاءت برؤية جديدة للعالم أحدثت قطيعة مع ما قبلها الثقافي والفكري، وآذنت بميلاد نظام معرفي جديد في أوروبا الحديثة، وهذه الحداثة تعتمد دعامتين: الأُولى: العقلانية، والأُخرى: الإنسانويّة([48]).

أمّا العقلانية فهي حركة فلسفية شاملة ترد إمكان المعرفة إلى أداة واحدة هي العقل، أمّا الإنسانوية فهي نظرة جديدة إلى الإنسان بوصفه جوهر العالم ومركزه وصانع مصيره، فمع العقلانية بات الإنسان مصدر المعرفة ومرجعها بدل النص المقدس؛ لأنَّه وحده يملك أداتها: العقل، ومع الإنسانوية بات الإنسان وحده من يصنع ويقرر مصيره ويرسم إطار الحرية والسعادة بعد أن عرضت عليه الميتافيزيقيا المسيحية طريقاً آخر لتحصيلها، وبانتصارهما فتح الباب أمام الحداثة([49]).

وهذه الحداثة الأوروبية بدأت في الانتشار خارج حدودها منذ مطلع القرن التاسع عشر، وهي لم تنتشر عن طريق المثاقفة والحوار، بل أتت في ركاب الحملات الاستعمارية التي غزت بلدان العالم ما قبل الصناعي ومجتمعاته، فهي لم تأت بصورة حضارية اقناعية بل أتت على حين غرّة متوسلة بالغزوة الاستعمارية([50]).

ب‌-الحداثة في العالم الإسلامي والعربي:

الحداثة في العالم الإسلامي والعربي خطاب ثقافي جديد يقترح على الوعي العربي رؤية مختلفة للعالم والمجتمع والثقافة متمايزة عن الرؤى والتصورات السائدة([51]). ثمَّ أنَّ بلقزيز يعتقد بوجود حداثات لا حداثة واحدة، صحيح انَّ كلّ حداثة تنهل من حداثة الغرب بالضرورة، لكن أيّاً منها يتلوّن بلون المجتمع الخاص الذي تنبع منه أفكار الحداثة ويتكيّف مع معطيات تاريخه ومواريثه، كما انَّ لليابان حداثة خاصة بها كذلك الصين وغيرها من الدول([52]).

أمّا بداية هذه الحداثة العربية فيرجعها بلقزيز إلى غزوة نابليون إلى مصر([53])، بمعنى أنّها ولدت بتأثير فكرة الحداثة الغربية الوافدة، ولم تكن هذه الرؤية الحداثية العربية ذات صلة بأية رؤية إسلامية تجديدية وإنّما أتت منفصلة عنها تماماً؛ ذلك أنَّ مصدرها هو الفكر الأوروبي الحديث الذي ليس يرتبط بالإسلام من أيّ وجه، وهو الذي أنجز قطيعة مع اللاهوت المسيحي نفسه([54]).

وكون الحداثة دخيلة ليس طعناً عليها عند بلقزيز، إذ يرى انَّ من يبحث عن حداثة ثقافية صافية من أية أخلاط أو تأثيرات خارجية وناجمة عن تطوّر ذاتي ثقافي محض، فلن يجدها في كلّ بقاع العالم، بل لن يجدها إلّا في مراكز الحداثة نفسها وهي على أصابع اليدين تعدُّ.

ثمَّ يستشهد بالحضارة الإسلامية إذ كانت خليطاً من ثقافات أخرى فارسية ويونانية وهلينستية، ثمّ يذهب به الشطط إلى أكثر من هذا ليقول بانَّ حداثة ألمانيا والسويد والنرويج والنمسا وغيرها من الدول إنّما جاءت إليها محمولة في ركاب الغزو الفرنسي والبريطاني والهولندي، كذلك الأمر في أميركا وكندا واستراليا، والخلاصة عند بلقزيز انّه لا ضير أن تنشأ المقالة الحداثية في ثقافتنا المعاصرة في امتداد تأثيرات ثقافية وافدة من خارج وغالباً في ركاب الغزو الأجنبي([55]).

للحداثة العربية ثلاثة أجيال وموجات فكرية منذ ثلاثينات القرن التاسع عشر حتى اليوم، وقد امتدّ زمن الجيل الأول والثاني إلى منتصف القرن العشرين، أمّا الجيل الثالث فيبدأ في عقدي الخمسينات والستينات.

وخطاب الحداثة هذا مرّ بلحظتين فكريتين: 1- كان فيها نهضوياً وامتدّ حتى منتصف القرن العشرين، 2- كان فيها حداثيّاً، إذ بدأ منذ عقد الخمسينات من القرن الماضي([56]).

الحداثة الأولى كانت ساذجة ولم تكن بالمعنى الفلسفي نفسه للحداثة في الغرب، بل كانت تعني الانتصار للفكر الحديث وللأدب الحديث على حساب القديم([57])، وهذا ما يطلق عليه بلقزيز اسم التحديث: أي تطوير بنى المجتمع والسياسة والاقتصاد بحيث توائم بين مستوى التحولات الطارئة على صعيد الزمان والمكان والعلاقات الاجتماعية والحاجات والصلات المتزايدة تواشجاً بين المجتمعات، فالوطن العربي عاش تجربة التحديث المادي من دون أن يعيش تجربة الحداثة الفكرية والثقافية([58])، على حين الحداثة في جيلها الثالث تطوّرت واتسمت بأربع سمات رئيسة:

إنّ مفكريها كانوا أكثر اتصالاً بمصادر الفكر الغربي وتيارات الحداثة فيه.

غلبة المنزع الأكاديمي في التأليف، ونقص في منسوب التبشيرية في التفكير مقارنة بجيلين الأول والثاني.

علاقة نقدية بالمرجعين الثقافيين التراثي والغربي.

السمة التركيبية وهي الإيمان بكونية مبادئ الفكر الحديث مع الاعتراف بالخصوصيات وعدم هدرها، فهذه الرؤية تعبّر عن تحرّر مزدوج من ازعومتين: المركزية التراثية والمركزية الغربية الحديثة([59]).

في هذه اللحظة شهدت الساحة العربية ميلاد نظرة علموية مطمئنة إلى انتصارات العلم على الطبيعة وانتصارات الرؤية العلمية على الرؤية الدينية للعالم والمجتمع، وقد تبلورت في الوضعية العلموية، كما شهدت داروينية اجتماعية عربية أطلت من نافذة القراءة الماركسية العربية للمجتمع، وشهدت ميلاد فلسفة وجودية والاشتغال بمفاهيم التحليل النفسي الفرويدي، وفلسفة بنيوية، مع صعود الخطاب اليساري القومي للسلطة([60]).

بعد هذا السرد يشرح بلقزيز كيفية استقبال الحداثة في الوطن الإسلامي والعربي في ضمن النقاط الآتية:

الممانعة الحادة والشاملة في إنكار الحداثة وجميع تجلياتها مع الرجوع الحاد إلى الماضي والتمسك به وإحياء تقاليده بما في ذلك ما اندثر منها بفعل التقادم الزمني بحسبانه عنوانا لهوية تتعرّض للتبديد.

الممانعة المتكيفة مع إكراهات الحداثة، إذ تتكيّف مع كثير من معطيات الحداثة بهدف تغذية نفسها من جديد أو بهدف إعادة إنتاج نفسها ممانعةً قادرةً على جبه ضغوط الحداثة متوسّلة ببعض معطيات الحداثة وأدواتها.

الممانعة الثقافية البعدية أي بعد انتصار الحداثة وظهور أفولها، وتعود هذه الممانعة إلى الربع الأخير من القرن العشرين.

الاستقبال الإيجابي المتعامل بانفتاح كبير مع معطيات الحداثة الفكرية والثقافية الغربية([61]).

نكسة الحداثة:

يذهب بلقزيز إلى انّ خطاب الحداثة شهد نكستين ثقافيتين في القرن العشرين وضعتاه في حال من التراجع والضمور والدفاع السلبي، تعود الأولى إلى عشرينات ذلك القرن في حين تعود الثانية إلى ستيناته، ارتبطت النكسة الأولى بانهيار الإمبراطورية العثمانية وسقوط الخلافة وما رافقهما من ردّة رجعية ومن ميلاد لحركات الإحيائية الإسلامية، وارتبطت الثانية بانهيار المشروع السياسي القومي والمشروع الثقافي التحرّري الملازم له وبصعود حركة الصحوة الإسلامية المعاصرة وتجدّد الخطاب الأصولي لا سيما بعد ثورة إيران([62]).

نقد الحداثة:

ينتقد بلقزيز خطاب الحداثة من وجهين:

تحوّلها إلى إيديولوجيا، إذ إنّها بدأت فكرة وانتهت إلى إيديولوجيا، وهذا ما أدّى إلى افقار معرفي لفكرة الحداثة، إذ سريعاً ما ألفت نفسها في موقع دفاعي تراجعي: من فكرة تملك تفوقاً معرفياً على غيرها إلى إيديولوجيا لا جمهور لها يدافع عنها أمام إيديولوجيات أخرى لها سلطان في الناس وجمهور من الأتباع([63]).

التغربن أي التقليد الرث للغرب، الحداثة إبداع واقتحام يجدّف ببطولة ضدّ التيار، كي يؤسّس للنفس مكاناً، أمّا التغربن فيرادف التبعية الفكرية والكسل المعرفي والتسوّل الثقافي والتعيّش من إبداع الآخرين وتحويل المعرفة من إنتاج إلى ترجمة وترداد مملّ ورتيب لما قاله الآخرون، ما أكثر الحداثيين العرب الذين لا دور لهم سوى إتيان فعل العنعنة وتحويل نصوصهم إلى ساحة مفتوحة لسوق الاستشهادات والنقول، حداثتهم تلك بئس الحداثة، لا يمثّل هذا التغربن أو هذا التقليد الرثّ والتبعي للغرب الحداثة وأدوارها الثقافية التقدمية بقدر ما يسيء إليها ويغرّمها بباهظ الغرامات أمام نقائضها الثقافية([64]).

حصيلة البحث:

تبيّن من هذه الجولة السريعة في ثلاثية بلقزيز حول العرب والحداثة، أنَّ مشروعه هذا لم يهدف إلى تقديم أجوبة الأسئلة التي أخفق في الإجابة عنها خطاب الأصالة([65])، وانّما يهدف إلى إعادة اعتبار لخطاب الحداثة من خلال إعادة كتابة تاريخها([66])، ليصل من خلاله إلى تظهير مساهمة خطاب الحداثة في الوعي العربي وفي عملية التراكم الثقافي([67]).

إنَّ بلقزيز في عمله هذا يحاول أن يتسم بالموضوعية العلمية؛ لذا نراه يقوم بنقد خطاب الأصالة ونقد خطاب الحداثة سويّة ليشقّ من بينهما طريقا وسطاً، انّهُ يقول:"لقد كان على خطاب الحداثة وما زال وسيبقى عليه أن يواجه نقديّاً خطابين متباعدين في المقدمات والمنطلقات متضافرين أو متخالفين في النتائج: خطاب جاليةٍ ثقافيةٍ ماضويةٍ من خارج الزمان، وخطاب جاليةٍ ثقافيةٍ حداثويةٍ من خارج المكان، من جوف هذا النقد الثقافي المزدوج سيبدأ تاريخ الحداثة"([68]).

كما أنّه يحاول تعديل صورة الآخر والأنا أيضاً، إذ إنَّ الآخر لدى بعضهم ظلم واستعمار ولدى بعضهم الآخر تنوير وتقدّم وحضارة، ومن نقد هاتين النظرتين نصل إلى مدخل ضروري لإعادة وعي موضوعي([69]).

كما أنَّ الأنا عند قوم موطن إعجاب وفرادة، وهي عند قوم آخرين موطن تخلّف وظلامية، فالأمر يدور بين النظرة النرجسيّة الأصاليّة للذات وبين النظرة العدميّة الحداثيّة لها، فضاعت فرصة إعادة بناء الأنا([70]).

إنَّ نقد بلقزيز لخطاب الأصالة – على الرغم من ادعائه الموضوعية- خطاب مؤدلج يروم من خلاله توظيف لحظات إيجابية فيه لصالح الحداثة، إذ يقول:"إنَّ في ذلك النقد ما يميط الحجاب عن الممكنات الأخرى التي انصرف عنها دعاة الأصالة إلى دعواهم، التي كان في مُكْنها أن تؤدي الممانعة الإيجابية دونما تغريم المجتمع بغرامة الانكماش والانكفاء والتشرنق على الذات"([71]).

ولذا يعترض على المبشرين بالفكر الحديث على غرار الغرب تماماً بأنَّهم عندما كانوا ينجزون قطيعتهم مع القديم كان بإمكانهم إلقاء نظرة نسبية إلى ذلك القديم –لا نظرة عدمية إطلاقية- وأن ينصفوا فيه لحظات نوعية ما زال في وسعها أن تتجدّد وأن تغذّي كل مغامرة للتجديد([72]).

من هذا المنطلق يقوم بتأسيس قاعدة تقول أنّ أزمنة الفكر متداخلة وليست مستقلة عن بعضها البعض، فقد يبدو القديم معاصراً:"فالأفكار وأنساق القيم السابقة ما برحت تجد لنفسها مكاناً في العصر الحديث على عظيم ما شهده من تحولات عاصفة؛ ولذلك تبدو متزامنة مع غيرها من الأفكار والقيم الجديدة التي أتت بها تلك التحولات"([73]).

وأخيراً يشير بلقزيز إلى تعمّد الخطاب الحداثوي غضّ النظر عن نقد الحداثة في الغرب، بدافع ايديولوجي معرفي بحت؛ ذلك انّه يشير إلى ما ساد في الغرب من نقد حادّ أعاد النظر في جميع اليقينيات التي رسختها موجة الحداثة في الغرب، وطال هذا النقد القيم العقلانية والإنسانوية والرأسمالية والتقنية وغيرها، ولكن مع هذا يعترف بانّ الفكر العربي تعمّد إخفاء هذا الجانب وعدم التأثر به وعدم التعامل معه، بل طفق ينهل من منظومة الفكر الغربي في تعبيره العقلاني والتاريخي والوضعي، وسبب ذلك يعود إلى حاجتهم إلى خطاب الحداثة من دون خطاب مساءلة الحداثة ونقدها([74]).

ملاحظات نقدية:

لا يتمكن خطاب الحداثة من إخفاء بغضه للتراث إذ يراه حجر عثرة أمامه؛ لذا يبذل ما بوسعه من جهد لتحجيم التراث بشتّى الأشكال الصريحة أو غير الصريحة، من هنا يتعجّب بلقزيز من عدم انحسار التراث على الرغم من هذه الجهود المبذولة، بل زادت رقعة نفوذه لتشمل مساحات واسعة من الفكر والوعي لدى الفرد والمجتمع ممّا يعني الوصول إلى نتائج عكسية أدّت إلى انحسار خطاب الحداثة.

ولأجل هذا غيّر بعض الحداثويين استراتيجيّة محاربة التراث من المواجهة العلنية والاقصائية إلى الاحترام الظاهري للتراث ومحاولة الالتفاف عليه بمبرّرات واهية من قبيل انّه هام ومفيد، ولكن في زمانه التاريخي، وهذا القول هو عبارة أُخرى عن إقصاء التراث بشكل عام.

يدعو بلقزيز إلى الحيادية في معالجة موضوع التراث بأن يُبحث بحثاً علمياً موضوعياً غرضه المعرفة لا التوظيف السياسي أو الأيديولوجي، والسؤال الذي نطرحه عليه انّه هل يوجد بحث خالٍ من التوظيف؟! أليست ثلاثيته هذه(العرب والحداثة) توظيفاً أيديولوجيا لتظهير خطاب الحداثة؟!

ثمَّ إنَّ بلقزيز، إذ يحاكم التوظيف الأيديولوجي هنا، يدعو إليه في مكان آخر بل يراه من المحاسن؛ ذلك انّه يقول: (أمّا حين يدّعي من يدّعي انّه سيفكّر في مسألة اجتماعية أو سياسية أو وطنية بحياد علمي وتجرّدٍ كاملٍ عن الأهواء والمنازع، فانّه لا يفعل أكثر من ممارسة تفكير أيديولوجي صريح باسم العلم، وحيلته حينها لا تنطلي على التحليل النقدي)([75]).

وعليه ينبغي نزع مدّعى الحياديّة وعدم رفعه كوسيلة ومسوّغ لضرب الخصوم وتبكيتهم، إذ كل عمل وجهد معرفي أو غير معرفي يستبطن نوع ايديولوجيا خاصة به، وليس المهم هذا إنّما المهم أن تعتمد هذه الايديولوجيا مقدمات وأُسس ومبانٍ قومية وصحيحة؛ لتنتج مشروعاً قويماً نافعاً، فلابد إذاً من نقل المعركة إلى تقويم تلك الأسس والمباني التي تعتمدها المواقف وتبنى عليها الايديولوجيات وتمحيصها.

نحن لا نتعصّب للتراث ولا ندّعي صوابيته المطلقة، بل نرى انَّ فيه الغثّ والسمين وفيه النافع وغير النافع، كما نؤيد انّ التراث ولد ونما بحسب حاجات المجتمع والفرد في كل زمان ومكان، ولكن مع هذا فنحن نتعصّب للنصّ الديني كلّ التعصّب، ونعتقد انّه نص أبدي عام وصالح لكل الأزمان والأماكن، كما نعتقد بوجود تفسير صحيح لهذا النص من بين سائر التفاسير وهو الذي يرتضيه الله تعالى، ولابد من الوصول إليه بالاجتهاد الصحيح المبتنى على قواعد سليمة.

وهذا هو سرّ وصية رسول الله(صلى الله عليه وآله) بالثقلين: القرآن والعترة، إذ إنَّ المتمسك بهما لن يضل أبداً، ولكن فوّتت الأمة لسوء صنيعها هذه الفرصة وأقصت العترة، فبقي النص المقدس عرضة لاختلاف التفاسير والتأويلات.

فالتراث حاله حال باقي المعارف البشرية من حيث محكوميته بظرفه الحصولي، ولكن هذا لا يعني إهماله، إذ إنّه بمجمله يشكل هوية الإنسان المسلم يعتمدها ويعتزّ بها بحالاتها المشرقة، ويعتبر من الاخفاقات والهفوات؛ لتكون درساً له في الحاضر.

وبناء على هذه النقطة فنحن لا نتوافق مع الدكتور بلقزيز في جعله التراث كتلة واحدة غير قابلة للقسمة، بل نرى انّ التراث سلسلة متكوّنة من حلقات عدّة، وهذه الحلقات قابلة للدرس والاختبار ففيها الصالح وفيها الطالح، وفيها الثابت العابر للأزمان والأوقات وفيها النسبي المحدد بوقت خاص، إذ لا يمكن تقييم التراث ككلٍّ وعام وكتلة واحدة، إذ لحظاته مختلفة وحاجاته متفاوتة ولأجل تقييمه لابد من تقييم تلك اللحظات والأسباب والظروف التي أنتجت ذلك الموقف أو التيار أو الحدث.

ينتقد بلقزيز التراثيين بأنّهم يبحثون عن أجوبة جاهزة في التراث لحلّ مشاكل الحاضر، بخلاف الغربيين، إذ لا يرون حاجة في دراسة تراثهم، إذ أنّهم لا يفعلون ذلك التماساً منه لأجوبة عن مشكلات عصرهم، لكنه نسي أنّه يدعونا للبحث عن أجوبة أسئلة عصرنا في تراث غيرنا أي تراث الغرب، إذ الغرب منذ عصر التنوير أصبح تراثاً، فهو يدعونا في هذا التراث للوصول إلى العصرنة، بل أكثر من ذلك فانّه يحاول أن يقلّل من أهميّة أجوبة الغرب المعاصرة التي تندّد بالحداثة وعصرنة التنوير وتنتقدها أمثال خطاب ما بعد الحداثة وما بعد الاستعمار وما بعد العلمانية ليبقينا في عصر الماضي الغربي وهذا ما يصرّح به.

ونقطة أخرى انّ بلقزيز يعترف بنفسه – كما مضى- بانّ الغرب لم يقطع مع تراثه اليوناني والروماني، وإنّما قطع مع تراثه المسيحي، فالمعركة ليست هي معركة التراث أو الحداثة، إنّما المعركة حول الدين ومحاولة اقصائه من فضاء الفرد والمجتمع مهما أمكن.

إنَّ بلقزيز يحاول أن يختزل الصراع بين التراث والحداثة في الجانب السياسي وكأنّه صراع على السلطة، وهذا الإطلاق غير صحيح، نعم ربمّا يكون بعض الصراع بين بعض التيارات الأصالوية حول السلطة، ولكن تعميم هذه الحالة على جميع التراث والتراثيين أمرٌ غير صحيح، إذ إنَّ المعركة إنّما هي معركة معرفية ثقافية قبل أن تكون صراعاً سياسياً لتملّك السلطة.

القول بأنّ التراث محايد بالنسبة لنا لا هو ضدنا ولا هو في صالحنا، يُبتنى على مقدمات هرمنيوطيقية خاطئة، إذ تجعل النص صامتاً وتدعو إلى موت المؤلف، وانّ القارئ هو الذي يضفي المعنى على المتن، وليس هذا إلّا نزعة شكيّة حديثة تدعو إلى نسبيّة المعرفة والحقيقة بحيث يبقى الإنسان حائراً ومتقلباً بين الآراء والنظريات المختلفة.

لابدّ قبل الخوض في شرح تيارات الأصالة القيام بإعطاء تعريف للمصطلح ليكون مدار النقاش، إذ نعتقد أنّ مفهوم الأصالة مفهوم مشكّك يمتاز بالشدّة والضعف كالنور الذي يطلق على أشد الأنوار وأضعفها، فنور الشمس نور ونور الصباح نور أيضاً، وعليه فلابد من البحث عن جوهر مشترك؛ ليدخل تحته جميع المفردات والحلقات التي تنضوي تحت المصطلح.

المعنى الجوهري الثابت في تعريف الأصالة هو التمسك بالدين وجعله الحلّ لكثير من الأزمات الفردية والاجتماعية مع القول بلزوم الاجتهاد طبقاً لضوابطه الخاصة أي من دون أن ينقلب على النص المقدس – كما يراه الحداثويون- طبعاً مع عدم الانغلاق على مقتضيات العصر من حيث استخدام الآليات والتقنيات الحديثة ومعطيات العلم الحديث فيما لا يتقاطع مع الأسس الإسلامية الثابتة.

وبهذا التعريف يعمّ مفهوم الأصالة كثيراً من المفكرين، إذ على الرغم من اختلافهم في المنهج والطريقة يشتركون في محور جوهري هو إعطاء حق التقدّم للإسلام والقول بثبات تعاليمه وعدم تاريخانيتها، فلا فرق حينئذٍ بين السيد جمال الدين ومحمد عبده وكذلك رشيد رضا ومحمد قطب وسيد قطب.

إنَّ الدكتور بلقزيز يخلط بين خطاب الأصالة وبين السلفية الوهابية المنغلقة والبعيدة عن روح الإسلام، فنحن نتفق معه بأنَّ خطاب السلفية خطاب رجعي ظلامي ونعتقد انّه ضلّ الطريق ولا علاقة له بخطاب الأصالة، بل هو أصالة زائفة لم يُنتِج للعالم سوى الخراب والدمار وهذا ما نشاهده في كل يوم.

نعتقد – خلافاً للبحث- بانّ خطاب الأصالة ليس انهزاميا رجعياً ولا يريد أن ينقلنا إلى الوراء مطلقاً، بل انّه خطاب يعطي الأولوية للنص الديني ويدعو إلى تطبيق الشريعة، أمّا فيما لا نصّ فيه فلا يرى أيّ حرج من استخدام آليات وتقنيات حديثة أو الجري نحو بعض القوانين الوضعية؛ لتنظيم شؤون الحياة الفردية والجمعية فيما لا نص فيه أو فيما تركه الشارع لاختيار وانتخاب الناس.

وإذا كان ثمة بعض الاختلاف في بعض المفردات فإنّما هو لأجل ما اشتملت عليه أو علقت به من سلبيات، فالديمقراطية مثلاً مقبولة عن بعض الأصالويين ومرفوضة عند بعضهم الآخر، فمن قبلها رأى أنّها لا تتخالف مع الأسس والمباني الدينية، إذ طالما كانت الأكثرية مسلمة فإنّها لا تصوّت ضد الإسلام، بل سيكون رأيها نحو استعمال آليات الديمقراطية؛ لتطبيق الشريعة، أمّا من رفضها لم ينظر إليها نظرة آليّة، بل رآها فلسفة تحارب الدين وتنحّيه عن الفضاء العام، وغاب عنهم، انّه إن صدق فإنّما يصدق على مجتمعات غير دينية أو ذات الأكثرية الملحدة.

يرى خطاب الأصالة أنّ مصادر التشريع هي القرآن والسنة الصحيحة، ويأتي العقل مصدراً ثالثاً موضّحاً وشارحاً وسنداً للنص وكذلك مشرعاً فيما لا نص فيه، شريطة أن لا يتقاطع مع صريح النص.

فخطاب الأصالة يمتاز بدرجة عالية من العقلانية، إذ جعل العقل أحد مصادر التشريع، كما أعطى مساحة واسعة للعرف وفهم العقلاء في تحديد بعض الموضوعات الفقهية.

أمّا ما يدعو إليه الخطاب الحداثوي هو إخضاع جميع الشريعة بما فيها من ثوابت دائمية إلى الفهم العرفي وجعلها عرضة للميول والأهواء، ليس ميول وأهواء الشعب المسلم، بل ميول وأهواء الغرب المنقطع عن الغيب القائل بتأليه الإنسان والمنادي بموت الإله.

لم تكن الحداثة عن الخطاب الأصالوي شرٌّ محض، بل يمكن تقسيم الحداثة إلى فكرية معرفيّة وحداثة تقنية، فالكلام كل الكلام في الأولى أمّا الثانية فلم تكن مرفوضة إلّا فيما يتعلق بالآثار السلبيّة الناتجة من التكنولوجيا والتقنية على الإنسان والبيئة.

الحداثة الفكرية والمعرفية المتولّدة في الغرب المعتمدة ـ عند بلقزيز ـ العقلانيّة والإنسانوية مرفوضة عندنا، إذ كما يصرح الدكتور بلقزيز أنّها بنيت على القطيعة مع الدين.

نحن لا نرفض العقل والعقلانية كما لا نرفض الإنسان وأهميته، إذ هما من المحاور الرئيسة في الفكر الديني، يشهد لذلك كثرة النصوص الواردة في مدحهما، والداعية إلى التعقّل وكرامة الإنسان، إنّما المرفوض هو تأليه العقل والإنسان واستبدالهما بالله خالق الأكوان.

لا نعتقد أنّ الغرب كتلة واحدة مخالفة للدين، بل هناك أشخاص متدينون كُثر وتيارات دينية كثيرة تدين لله تعالى بالعبودية والخنوع، كما ظهرت تيارات اجتماع وعلماء اجتماع جُدد يدعون إلى فسح المجال للدين في الفضاء العمومي، وهو ما يسمّى بتيار ما بعد العلمانية، ولكن مع هذا نعتقد أنّ الغرب كمنظومة فكرية وكنظام سياسي؛ يستبعد الدين ولا يعيره أهمية سيّما في الفضاء العام وهذا ما نتقاطع معه وندينه فالحداثة بهذا المعنى مرفوضة.

نتوافق مع الدكتور بلقزيز في أنّ تجليات الحداثة مختلفة بحسب المناطق، فالحداثة في أمريكا تختلف عن الحداثة في فرنسا، كما أنّ الحداثة في اليابان أو الصين تختلف عن باقي الحداثات، ولكن مع هذا يبقى الجوهر واحداً وهو ما ذكره بلقزيز من العقلانية والإنسانوية المنقطعة عن الدين.

فنحن مسلمين كيف يمكننا اقتفاء أثر هذه الحداثة، وكيف يمكننا تحديث مجتمعنا طبقاً لتلك الموازين والرؤى؟ وهل سنبقى مسلمين حينئذٍ؟! سؤال ننتظر إجابته من الدكتور بلقزيز.

السمة التركيبية التي يدعو لها بلقزيز من الإيمان بكونية مبادئ الفكر الحديث مع الاعتراف بالخصوصيات وعدم هدرها للوصول إلى تحرّر مزدوج: من المركزية التراثية والمركزية الغربية الحديثة، هذا المدعى حبر على ورق ولا يكون إلّا من قبيل الدعايات البراقة والخطابات الحماسية التعبوية، وإلّا كيف يجتمع الإيمان بكونية مبادئ الفكر الحديث مع التحرّر من المركزية الغربية الحديثة؟! أليس هذا تناقضاً؟ إذ ذاك الإيمان الذي يدعو إليه بلقزيز هو عين الوقوع في المركزية الغربية.

ثم انّ خطاب الأصالة – عدا الحالة السلفية- لا يدعو إلى المركزية التراثية، نعم إنّه يدعو إلى المركزية الدينية وصوابية تفسير واحد من بين سائر التفاسير، أمّا باقي التراث فهو جهد بشري يعتريه ما يعتري الإنسان من أخطاء وهفوات، وعليه فنحن ندعو إلى الإيمان بكونية المبادئ الدينية الموحاة من قبل ربّ الخليقة مع الاعتراف بالعلوم والنتاج البشري العام والاستفادة منه ما دام لم يتقاطع مع نظريتنا الكونية الإيمانية.

إنَّ الصراع بين الأصالة والحداثة ليس على تقديم التراث أو تأخيره، وليس على الإفادة من العلوم الحديثة أو عدم الاستفادة منها، كما ليس على مفاهيم ومصطلحات ولّدتها عقول البشرية، إذ لكلّ زمان اقتضاءاته الخاصة، وتواصله وتثاقفه الخاص، وما يصلح للأمس ربما لا يصلح لليوم أو الغد، ولكن الصراع على الوجهة العامة التي يتجه نحوها الإنسان، هل وجهته في سلوكه الفردي والعلمي والجمعي نحو السماء أو وجهته نحو الأرض المنقطعة عن السماء والغيب، الصراع حول العبودية، إذ تدعونا الأصالة إلى عبودية الله تعالى على حين أنّ الحداثة تدعونا إلى عبودية المادة والهوى والغرائز والشهوات.

ويمتاز خطاب الأصالة على خطاب الحداثة انّه لا يتقاطع مع خطاب الحداثة فيما لا نص فيه أو فيما لا يتقاطع مع النص تقاطعاً صريحاً واضحاً، في حين أنّ خطاب الحداثة خطاب اقصائي ايديولوجي بحت لا يرى أيّ تقارب بينه وبين خطاب الأصالة، فهو على خلاف ما يدعيه من حوار وتفتح وتواصل لم يكن إلّا إقصائياً منغلقاً على نفسه وأُحاديّاً لا يطيق غير نفسه.


* المصادر والمراجع *

خطاب النقد الثقافي، سهيل الحبيّب، الطبعة الأولى، 2008، دار الطليعة للطباعة والنشر.

مجلة المستقبل العربي، مركز دراسات الوحدة العربية.

من الإصلاح إلى النهضة، عبد الإله بلقزيز، الطبعة الثانية 2014، مركز دراسات الوحدة العربية.

من النهضة إلى الحداثة، عبد الإله بلقزيز، الطبعة الثانية 2011، مركز دراسات الوحدة العربية.

نقد التراث، عبد الإله بلقزيز، الطبعة الأولى 2014، مركز دراسات الوحدة العربية.

نقد الخطاب القومي، عبد الإله بلقزيز، الطبعة الثانية 2010، مركز دراسات الوحدة العربية.

نهاية الفكر العربي، عزيز الحدادي، الطبعة الأولى، 2014، دار الطليعة للطباعة والنشر.

---------------------------------------

([1]) نهاية الفكر العربي: 8.

([2]) من الإصلاح إلى النهضة: 9 .

([3]) خطاب النقد الثقافي: 15.

([4]) مجلة المستقبل العربي، العدد 378 عام 2003: ص20.

([5]) خطاب النقد الثقافي، سهيل الحبيّب: 20 .

([6]) من الإصلاح إلى النهضة: 10 .

([7]) م. ن: 12 .

([8]) نقد التراث: 11 .

([9]) م. ن: 22 .

([10]) م. ن:13 .

([11]) من الإصلاح إلى النهضة: 29 .

([12]) نقد التراث: 33 .

([13]) م. ن: 19 .

([14]) م. ن: 27 .

([15]) م. ن: 32 .

([16]) م. ن:35 .

([17]) م. ن: 38 .

([18]) م. ن: 45 .

([19]) م. ن: 48 .

([20]) م. ن: 46 .

([21]) م. ن: 53 .

([22]) م. ن: 54 .

([23]) م. ن: 20-21 .

([24]) م. ن: 67-71 .

([25]) م. ن: 72-73 .

([26]) م. ن: 34 .

([27]) م. ن: 35 .

([28]) م. ن: 21 .

([29]) م. ن: 52 .

([30]) من الإصلاح إلى النهضة: 11.

([31]) م. ن: 19-20 .

([32]) م. ن: 21 .

([33]) م. ن: 21، 100-103 .

([34]) م. ن: 111 .

([35]) م. ن: 18 .

([36]) م. ن: 10-11.

([37]) م. ن: 25 .

([38]) م. ن: 23 .

([39]) م. ن: 22، 103 .

([40]) م. ن: 25-29 .

([41]) م. ن: 104 .

([42]) م. ن: 108 .

([43]) م. ن: 10 .

([44]) م. ن: 10 .

([45]) م. ن: 12 .

([46]) م. ن: 13 .

([47]) من النهضة إلى الحداثة: 9-10 .

([48]) من الإصلاح إلى النهضة: 69 .

([49]) م. ن: 70-73 .

([50]) م. ن: 74-75 .

([51]) م. ن: 32.

([52]) من النهضة إلى الحداثة: 10 -11 .

([53]) من الإصلاح إلى النهضة: 35 .

([54]) م. ن: 81 .

([55]) م. ن: 35-37 .

([56]) من النهضة إلى الحداثة: 12 .

([57]) من الإصلاح إلى النهضة: 32 .

([58]) م. ن: 68 .

([59]) من النهضة إلى الحداثة: 13-15 .

([60]) من الإصلاح إلى النهضة: 84 .

([61]) م . ن: 75-81 .

([62]) من الإصلاح إلى النهضة: 43، 47، 85، من النهضة إلى الحداثة: 42 وما بعدها .

([63]) من الإصلاح إلى النهضة: 34 .

([64]) م. ن: 38 .

([65]) من الإصلاح إلى النهضة: 11 .

([66]) م. ن: 9، 63 .

([67]) م. ن: 10 .

([68]) م. ن: 38-39 .

([69]) م. ن: 58 .

([70]) م. ن: 59 .

([71]) م. ن:19 .

([72]) م. ن: 42 .

([73]) م. ن:90 .

([74]) من النهضة إلى الإصلاح: 27-28.

([75]) نقد الخطاب القومي: 17 .