البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مناظرة علم الكلام للفلسفة، الغزالي ناقداً للفلاسفة المشائين

الباحث :  أ/ سنوسي سامي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  16
السنة :  شهر ربيع الاول 1440هـ / 2018م
تاريخ إضافة البحث :  January / 12 / 2019
عدد زيارات البحث :  2835
تحميل  ( 323.859 KB )
ملخص

قد شاعت في زمن الغزالي الأحكام بخصوص اتهام الفلاسفة المشائين، وتكفيرهم؛ لما أحدثوا من نظريات لم يسبق وجودها في الدين الإسلامي؛ لهذا رأى الغزالي أنه لا يمكن أن يقف أحد على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم، فانكب إذ ذاك على الفلسفة دارسا لها ووجد أن مقاصد الفلاسفة، لا تعدو إلا أن تكون إما منطقية، أو طبيعية أو إلهية، ثم محَّص هذه المقاصد جيدا، فوجد أن المنطق ضروري لكل العلوم، أما الإلهيات والطبيعيات فشدّد حولها النقد للفلاسفة، لا سيما قدم العالم، وعلم الله بالكليات، والسببية ومعاد النفس، وخلص في الأخير إلى أنّ صناعة الفلسفة ولجتها ظنون الناس تارة من المنطق فظن دقة باقي مسائلها، وتارة أُخرى من الميتافيزيقا فظن نسبية باقي المسائل، والحكمة هي الحكم بعد العلم والغزالي مارس هذه الحكمة.

الكلمات المفتاحية: نقد، منطقيات، طبيعيات، إلهيات (ميتافيزيقا)، مشائية. الغزالي.

مقدمة

لقد ساد الاعتقاد طيلة تاريخ الحضارة الإسلامية، أن الفلسفة صناعة يونانية، وما اشتغال المسلمين بها إلا بعد توسع الرقعة الجغرافية للحضارة من جهة، وتمازج الثقافات الإنسانية من جهة أخرى، وكان تشجيع الخلفاء للترجمة آية لذلك، وبهذا نقلت الفلسفة من اللسان الأعجمي إلى العربي، وأضحت مستساغة القراءة لخاصة العلماء، وبعد ذيوعها في المشرق، انتقلت تاليا إلى المغرب مع توسع دائرة المعارف النقلية والعقلية، لكن الإشكال المختلف فيه آنذاك، هو كون الفلسفة تابعة لأقاويل الحكماء الأوائل، وليس للمسلمين فيها إذ ذاك قولا أو إنتاجا

وبهذا التبيين لصناعة الفلسفة واستخلاص تداخل مسائلها مع الدين، انشطرت المواقف بشأنها إلى رؤيتين: ففريق يرى أن الفلسفة ضرورية لفهم مسائل الدين والحياة؛ لأنها حب للحكمة، وقد ندب الشرع لطلب الحكمة أنى كانت، وفريق آخر ينفي أهميتها وضرورتها، ويرى أن كتاب القرآن لم يفرط في شيء، وهاهنا تتجلى إشكالية البحث التي نحن بصدد معالجتها، ومُفادها: لماذا انتقد أبو حامد الغزالي الفلاسفة ؟ ثم ماهو موقفه من الفلسفة ؟ وبمعنى آخر هل تهفيت الغزالي لمزاعم الفلاسفة وإبطاله لجل مقاصدهم يعني رفضه الكامل لصناعة الفلسفة؟

لكن الغزالي حاول ـ وهو يبحث عن اليقين ـ ألا يدع معرفة تفوته ويغفل عن دراستها والوقوف على مقاصدها، ولما انتهت رحلته من علم الكلام اكتشف قصور مراميه في إصابة الحقيقة، وما تعدد الفرق فيه إلا بسبب الجدل العقيم فيه، وانتهى الغزالي إلى ضرورة الانتقال إلى مصدر آخر للمعرفة، فسمع أن طائفة الحكماء تملك الحقيقة النهائية، كيف لا والفلسفة التي يمارسونها تأتي بكل البراهين وتبحث في كل المسائل سواء الطبيعية القريبة أو الميتافيزيقية البعيدة، كما أن قوة الفلسفة بتسلحها بصناعة المنطق، عندها راح الغزالي يتفقه صناعة الفلسفة، وظن الفلاسفة ـ آنئذ ـ أنهم كسبوا إلى صفهم عبقريا فذا يعينهم على خصومهم، وبعد مدة من التمعن في هذه المعرفة، صنف الغزالي كتابا يصف الفلسفة ومباحثها الكبيرة التي لا تعدو أن تكون إما منطقية، أو طبيعية، أو إلهية، وبهذا أنهى رحلة الإشتغال بها.


ـ أولاً ـ

تحديد ميدان النقد وضبطه

بدأ الغزالي في بحثه الفلسفة بقوله:"أن العلوم وإن تشعبت أقسامها فإنها محصورة في قسمين التصور والتصديق(1).

و بعد أن فصّل "الغزالي" مقاصد الفلاسفة، راح يعدد مسائلهم استعدادا لتهفيتها، وقال: «ليعلم أن الخوض في حكاية اختلاف الفلاسفة تطويل، فإن خطبهم ونزاعهم كثير، وآراؤهم منتشرة، وطرقهم متباعدة. فلنقتصر على إظهار التناقض في رأي مقدمهم الذي هو الفيلسوف المطلق والمعلم الأول وهو "أرسطوطاليس"، وقد رد على كل من قبله حتى على أستاذه الملقب عندهم بـ "أفلاطون الإلهي"، ثم اعتذر عن مخالفته بأن قال: "أفلاطون صديق، والحق صديق، ولكن الحق أصدق منه(2).

و في هذه العبارة، أراد الغزالي أن يؤصل لمبادئ الفلسفة المشائية "بأرسطو" الأب الأول والمعلم الباعث لها من عصور اليونان القديمة حتى زمانه. وقد شمل فكر هذا الحكيم فلسفة "الفارابي و"ابن سينا"، وليُعلم أنّا مقتصرون على رد مذاهبهم بحسب نقل هذين الرجلين كي لا ينتشر الكلام بحسب انتشار المذاهب.

وهنا، نلاحظ اهتمامه بفلسفة "الفارابي وابن سينا" فقط دون العودة مباشرة إلى نصوص "أرسطو وأفلاطون"، خاصة عندما قال بنقل الرجلين، وهذا يبين من جهة أخرى اعتماده نصوصاً أقرب زمانا ومكانا إليه. وبعد تحديد الفيلسوفين، لابد تاليا، من تحديد ميدان الفلسفة التي يود تهفيتها، وكان ميدان المعركة الفكرية هو الجانب الإلهي من فلسفتهم بصفة مركزية، وبعض مسائل الطبيعيات مع استبعاد الجوانب الأخرى من رياضيات ومنطقيات(3) كما حدّد الغزالي الوسائل التي بها يبين تهافت الفلاسفة ويسعى إلى إبطال دعاويهم، ولعل المنطق الذي استخدمه الفلاسفة يعدّ أبرز تلك الآليات، ويرى أن العقل مميز للإنسان عن الحيوان وفضلا عن ذلك هو ملكة لاستقبال العلوم النظرية ونور إلهي في القلب(4) وبالعقل محّص دقائق الفلسفة كما يعلمها كبار الفلاسفة(5) أيام كتابته لمقاصد الفلاسفة، وبتحديده للمسائل، نورد ما نحن بصدد تحليله، وهي: مسألة قدم العالم وأزليته، وهي أول مسألة أبطلها "الغزالي"، في أصول إلهيات الفلاسفة. ثم، مسألة إبطال قولهم بأن الأول لا يعلم الجزئيات الحادثة، وهي كذلك في صميم المباحث الإلهية عندهم، ومسألة السببية المطلقة، والمعاد الروحاني دون الجسماني، وهما مسألتان طبيعيتان في مقاصد الفلاسفة، وعليه نكون قد حددنا: مسألتين في مقصد الإلهيات، ومسألتين في مقصد الطبيعيات، ونرى الغزالي قد ركّز عليهما في كتاب المقاصد بيانا وإيضاحا، وفي كتاب التهافت إبطالا وإنكارا. ونبدأ بمسألة قدم العالم.


ــ ثانياً ــ

نقد المسائل الإلهية أو الميتافيزيقية

1 ـ إبطال القول بقِدَم العالم:

يرى الغزالي أن من عادة الحكماء تقديم البحث في الطبيعيات عن الإلهيات، لكن آثر عكس طريقتهم لكون الإلهيات أهم والخلاف فيها أكثر؛ ولأنها غاية العلوم ومقصدها(6) وقد اختلف الفلاسفة في قدم العالم، فالذي استقر عليه رأي جماهيرهم المتقدمين منهم والمتأخرين القول بقدمه، فمن المتقدمين يقول أرسطو:"ليت شعري هل حدثت الحركة ولم تكن قبل ؟ وهل تفسد أيضا فإذ لا يكون معه شيء أصلا يتحرك ؟، أم الحركة لم تحدث ولا تفسد، لكنها لم تزل فيما مضى ولا تزال أبدا ؟ وهذا أمر لا يزال له وليست تفترُّ في الموجودات، بل كأنها حياة ما لجميع ما قوامه بالطبيعة(7).

فالحركة عنده قديمة، لأن أصلَها هو المحرك وهي قديمة من قدمه، ومن شراحه يقول الفارابي: "إنّ الأول هو الذي عنه وجد، ومتى وجد للأول الوجود الذي هو له، لزم بالضرورة أن يوجد عنه سائر الموجودات التي وجودها لا بإرادة الإنسان واختياره (..)، ووجود ما يوجد عنه إنما هو على جهة فيض وجوده لوجود شيء آخر، وعلى أن وجود غيره فائض عن وجوده هو(8)،و على هذا الأساس فإن الموجودات من دون الأول لم تزل موجودة مع الله تعالى، ومعلولة له، ومساوقة له، غير متأخرة عنه بالزمان، مساوقة المعلول للعلة، ومساوقة النور للشمس، وأن تقدم الباري عليها هو كتقدم العلة على المعلول، وهو تقدم بالذات والرتبة لا بالزمان. ودليلهم يجمل في أنه لا يتصور أن يصدر حادث من قديم بغير واسطة أصلا(9).

ومُفاد هذا الكلام أن الفلاسفة بحسب الغزالي اجتمع رأيهم حول قدم العالم، ما عدا أفلاطون وجالينوس بسبب إلهيتهما، وكان برهانهم استحالة صدور محدث تابع للزمان من قديم خارج عن الزمان، دون واسطة لا هي تابعة للأول ولا هي للثاني. ولما كانت عقيدة الغزالي أشعرية، شد النكير على الفلاسفة، فالعالم حادث كونه يفتقر إلى مُحدِث يحدثه بعد أن لم يكن محدَثا في الزمان. وكذلك يبرهن على أن الله قديم، إذ لو كان حادثا لافتقر إلى محدث، وافتقر المحدث إلى محدث آخر، وهكذا إلى ما لا نهاية. وإذن، فلا بد من الانتهاء إلى محدث قديم، لا يجوز عليه العدم لثبوت قدمه، هو الأول والآخر والظاهر والباطن، وهو صانع العالم ومبدؤه، وبارئه ومحدثه ومبدعه(10).

لقد اعترض الغزالي على الفلاسفة حينما رفضوا الواسط بين القديم والعالم، وحددها الغزالي بالإرادة، فقبل وجود العالم كان المريد موجودا، والإرادة موجودة، ونسبتها إلى المراد موجودة، ولم يتجدد مريد، ولم تتجدد إرادة، ولا تجدد للإرادة نسبة لم تكن، فإن كل ذلك تغير، فكيف تجدد المراد، وما المانع من التجدد قبل ذلك؟

و هنا، يبين الغزالي تهافت الفلاسفة في قضية الإحالة بين فعل الله تعالى للعالم، وكون العالم، ومادام الاثنان متمايزين لابد من واسطة بيَّنها لهم في الإرادة، إذ من المستحيل أن يحدث العالم لولا إرادة قديمة سبقت عليه من مريد قديم؛ فالإرادة قديمة تابعة للقديم ؛كونها صفة من صفاته الذّاتية، بينما المراد وهو العالم ليس بالقديم، بل هو محدث كونه (العالم)، كان لم يكن قبل الإرادة، ثم كان بعد أن أراده الله. فالمشكلة التي راح الغزالي يحللها ويهفّت بها رأي الفلاسفة هي دوما الزمان. وخروجه عن ذات الله تعالى، والتزامها بالعالم. ألم تر أن الله تعالى يقول: «إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون(11) فالكون عند الغزالي إرادة الله القديمة، لكن، بمجرد ما أن تجسدت في المراد أضحى محدثا. وبالجملة، العالم عنده محدث بإرادة قديمة، وهذا هو قول جمهور الأشاعرة كلهم. وفي معرض آخر يسأل الفلاسفة بقوله: «بم تنكرون على خصومكم إذا قالوا: قدم العالم محال، لأنه يؤدي إلى إثبات دورات للفلك لا نهاية لأعدادها، ولا حصر لآحادها، مع أن لها سدسا وربعا ونصفا، فإن فلك الشمس يدور في سنة، وفلك زحل في ثلاثين سنة، فتكون أدوار زحل ثلث عشر أدوار الشمس، وأدوار المشتري نصف سدس أدوار الشمس، فإنه يدور في اثنتي عشر سنة، ثم كما أن لا نهاية لأعداد دورات زحل، لا نهاية لأعداد دورات الشمس(12) وهكذا، يبطل الغزالي تصور الفلاسفة للحركة القديمة للأفلاك منتقلا من عدد الدورات لكل فلك، إذ ما دام لها أسداس، وأثلاث، وأنصاف، بمقارنة بعضها ببعض، سوف يستنتج إذ ذاك أنّ فلكاً اكبر من فلك، وفلك أصغر من فلك. وهنا فقط، يظهر أن العالم منحصر بين الصغر والكبر. وعليه، لا يكون معنى للانهاية في الحركة الدورية التي يزعمها الفلاسفة. وقدم الحركة استقاها فلاسفة الإسلام من فلسفة أرسطو وشراحه، خاصة وأنهم يرون أن حركة الأفلاك من المحرك الأول، لكن هي سرمدية، وحركتها دائرية التي تظل دوما على الوتيرة نفسها، وفي المدة نفسها، وحول الأقطاب نفسها، فإنها تستمدها من العقل الثابت(13) . والفلاسفة ينكرون أن يأتي النقيض من نقيضه، كمجيء النور من الظلام، أو الوجود من العدم. وقياسا على هذا، لا يأتي المحدث من القديم، فحركة الأفلاك دائرية؛ لأن الدائرة أكمل الأشكال، وأجملها، والكمال والجمال من صفات القديم عندهم. ثم، إن الحركة ميزة يعطيها المحرك الأوّل، فما دامت الحركة من فيض ذاك المحرك، فهي قديمة بالضرورة من قدمه، ولا مناص من الإقرار بالحدوث من القدم، أو الوجود بعد العدم. ورغم ذلك يبين الفارابي أن أرسطو لم يقصد بقدم العالم قدم الحركة، بل إن الحركة ملازمة للزمان، وهي نتيجته والله هو المحرك(14).

ونجده في مسألة أخرى يتكلم على لسان الفلاسفة بقوله: «فإن قيل أن الله قبل خلق العالم كان قادرا على الخلق بقدر سنة أو سنين، ولا نهاية لقدرته، فكأنه صبر ولم يخلق ثمّ خلق، ومدة الترك متناه أو غير متناه؟ فإن قلتم متناه، صار وجود البارئ متناهي الأول. وإن قلتم غير متناه، فقد انقضت مدة فيها إمكانات لا نهاية لأعدادها(15).

وهاهنا نلاحظ الغزالي يحتمل رد الفلاسفة عليه بكيفية الخلق المتعلقة بالمدة التي استغرقتها الإرادة في الإيجاد والترك. فإن كانت متناهية، كان الأول متناه، وهذا محال. وإن كانت غير متناهية، فكيف، إذن، انتهت اللانهاية، ثم، بدأ الخلق؟

وها هو يردّ هذا الزعم بقوله أن المدة والزمان مخلوقان عندنا وسنبيّن حقيقة الجواب عن هذا في الانفصال عن دليلهم الثاني. قلنا إنما العالم حيث وجد، وعلى الوصف الذي وجد، وفي المكان الذي وجد بالإرادة والإرادة من شأنها تمييز الشيء عن مثله، ولولا أن هذا شأنها، لوقع الاكتفاء بالقدرة(16) فالغزالي يوضح الإرادة ومغزاها، لماذا سميت إرادة؟ لكون المريد (الله تعالى) أراده بكل تفاصيله قبل الحدوث وأثناءه، ولذا يُعدّ الزّمان إرادة الله وتاليا خُلق فأصبح مرادًا، وبذلك صار مُحدثًا، وهنا، يوضح الفارابي دوما أن الزمان والحركة وعلاقتهما متلازمة(17) تلازم السبب والمسبب، فهو قديم بقدمها. في حين أن الغزالي ينكر قدمه؛ لأن قدمه يشاركه قدم البارئ وهذا محال، بل هو مخلوق بإرادة قديمة.

ويُساوق كلامهم حول تعلق الحركة بالزمان، وتعلق الزمان بالحركة، وكلاهما يرجع إلى المكان أو العالم، وفي كل هذه المفاهيم الثلاثة، نجد متقدما ومتأخرا، وإلا أن هذا التقدم والتأخر يكون خاصية أساسية للزمان(18) فابن سينا يرى أن "العلم الإلهي يبحث عن الأمور المفارقة للمادة بالقوام والحد، وقد سمعت أيضا أن العلم الإلهي هو الذي يبحث فيه عن الأسباب الأولى للوجود الطبيعي والتعليمي، وما يتعلق بهما، وعن مسبب الأسباب ومبدأ المبادئ وهو الإله ـ تعالى جده(19) كما أنه يبين أنه لا يجوز أن يكون شيء منها [الأجرام السماوية] لأجل الكائنات لا قصد حركة مهمة من حركة، ولا تقدير سرعة وبطء، بل لا قصد فعل البتة لأجلها(20) وهذا الحكم يبين مكانة الحركة في الأجرام السماوية السرمدية في اعتقاد الفلاسفة المشائين، وهنا ينفي ابن سينا الحركة الفاعلية في هذه الأجرام؛ وذلك لأنّ الجرم بما هو جرم لا يجوز أن يكون مبدأ جرم، وبما له قوة نفسانية لا يجوز أن يكون ذي نفس أخرى؛ وذلك لأنّا بيّنا أن كل نفس لكل فلك فهي كماله وصورته، وليس جوهرا مفارقا وإلا لكان عقلا لا نفسا، وكان لا يتحرك البتة على سبيل التشوق(21)، فابن سينا يرى أن لكل جرم مادي سماوي نفس بها يكون كماله وصورته، وليست النفس عنده عقلاً؛ لأن العقل عنده جوهر مفارق للمواد، وطالما أنّ الأجرام السماوية مواد فإنّ الحالَّ فيها هي النفوس وليست البتة عقولا. لهذا السبب الفارابي يرى أن الفلسفة الإلهية أو الأولى كما يسميها أرسطو، لا تتعلق بالمادة أصلا، فليست حركة المحرك المفارقة كحركة الأفلاك أو ذوات النفوس ممن في حركتها غاية نحو المحرك.

ثم يتابع الغزالي في اعتراضه على قدم العالم من خلال تحديده لتهافت الحكماء في مسألة نهاية العالم، فيقول: «أما القطب، فبيانه أن السماء كرة متحركة على قطبين كأنهما ثابتان، وكرة السماء متشابهة الأجزاء، فإنها بسيطة، لاسيما الفلك الأعلى الذي هو التاسع، فإنه غير مركب أصلا، وهو متحرك على قطبين شمالي وجنوبي، فنقول: ما من نقطتين متقابلتين من النقط التي لا نهاية لها عندهم إلا ويتصور أن يكونا هما القطبان، فلم تعينت نقطتا الشمال والجنوب للقطبية والثبات(22) ولما صرح الفلاسفة في فلكهم، أن العالم ينتهي بقطبين شمالي وجنوبي، قيّاسًا له بالكواكب السيارة، فالأرض لها قطبان شمالي وجنوبي. وهكذا، يتساءل: ولمَ يكن خط المنطقة مارا بالنقطتين حتى يعود القطب إلى نقطتين متقابلتين على المنطقة؟، وجميع النقط متماثلة، وجميع أجزاء الكرة متساوية وهذا لا مخرج عنه(23).

فبان إذن، أنّ العالم عند الفلاسفة مقرون بأقطاب إليها ينتهي، وفي الآن نفسه، يقولون بقدمه، وهذا ما لم يستسغه الغزالي فألزمهم بأن جهة الأفلاك بعضها من المشرق إلى المغرب، وبعضها بالعكس مع تساوي الجهات، ما سببها، وتساوي الجهات كتساوي الأوقات من غير فرق(24) إنه هاهنا يقارن تلازم الزمان والمكان، فالقطب بالنسبة للفلك يحدد الوقت أو الزمان حسب نقاط المكان فيه، وكل فلك يختلف عن فلك آخر، لهذا تختلف الأزمنة انطلاقا من تعدد حركة الأفلاك. فالزمن في حركة الأرض غير حركة زحل والمشتري من جهة العظم أو الكبر على الأرض، أو حركة عطارد والمريخ من جهة الصغر عن الأرض، فالتلازم في الأزمان أو الأوقات تابع بالضرورة إلى الأماكن أو الحركة الفلكية، والفلاسفة متهافتون كونهم يجعلون الحركة قديمة من جهة، وهي إذ ذاك تلغي ضمنيا منطق الصغر والكبر حتى وإن أقرّوا به.

وبهذا، "إن الزمان عرض تابع للحركة ولازم لها، ولا يوجد أحدهما دون الآخر، فلا حركة إلا في زمان، ولا يعقل زمان إلا مع حركة(25) لكن المشكلة أن الحركة في اصطلاح الفلاسفة قديمة، ولا تكون خارج المكان، فالزمان والحركة يحتويهما المكان، فالمكان أعم من الزمان وأسبق منه في الوجود(26) وبالجملة، تجادل الغزالي مع الفلاسفة، ونقد قولهم بقدم العالم من خلال استعراض مسألة الإرادة، والزمان، والمكان، وهي أساسيات مبحث الألوهية في الفلسفة المشائية. كما أبطل مزاعمهم بالوسائل التي استعملها الفلاسفة خاصة المنطق والرياضيات، التي هي علوم يقينية. وبذلك، حسب الفلاسفة أن هذه العلوم ستشفع لهم في استدراج العلم الميتافيزيقي. وظل يبين تناقضاتهم ويشرحها حتى تكون مفهومة لدى القراء من بعده. والكلام عنده في نقد قدم العالم كثير، والدليل فيه واضح إلا أننا نزيد قوله هذا كتهفيت للفلاسفة: «إذ إنّ العالم إذا كان على ما هو عليه، لا يمكن أن يكون أكبر منه ولا أصغر، فوجوده على ما هو عليه واجب لا ممكن، والواجب مستغن عن العلة، فقولوا بما قاله الدهريون من نفي الصانع، ونفي سبب هو مسبب الأسباب وليس هذا مذهبكم(27) وهنا، يحيلنا الغزالي إلى تقسيم الفلاسفة طوائف: الدهريون، الطبيعيون والإلهيون. أما الدهريون فهم طائفة من الأقدمين جحدوا الصانع المدبر، العالم القادر، وزعموا أن العالم لم يزل موجودا كذلك بنفسه، ولا بصانع، ولم يزل الحيوان من نطفة من حيوان كذلك كان، وكذلك يكون، وهؤلاء هم الزنادقة(28) وهو يضيف القائلين بقدم العالم إلى صف الدهريين؛ لأن هذا الزعم يسوي بين الممكن والواجب، فلا فرق حينئذٍ بينهما. والممكن هو العالَم، والواجب هو البارئ تعالى. وعليه، فالإرادة الإلهية قديمة، وقد تعلقت بإحداث الحوادث في أوقاتها اللائقة بها على وفق سبق العالم الأزلي، إذ لو كانت حادثة لكانت ذاته (تعالى) محلا للحوادث، والإرادة على هذا النحو تجعل فعل الله هو السبب الوحيد لكل عمل في الجماد أو الحيوان أو الإنسان، وهذا كله كانت تتبناه الأشاعرة(29) ومن بين المتكلمين الأشاعرة، وبالجملة، رد على الفلاسفة وأبطل دعاويهم، وحرص كل الحرص على الانتصار للحق أو الدين الحنيف دون رد اعتبار للفرق في زمانه، وهذا ما أردنا قوله في إبطال قول الفلاسفة بقدم العالم.

2 ـ إبطال القول بأنّ "الله لا يعلم الجزئيات":

عُني الفارابي وابن سينا بالعلم الإلهي وكيفية صدور الموجودات عن الأول، بحيث يعتقدان أنّ واجب الوجود (الله) يعقل الأشياء كليا، وليس جزئيا، وها هنا يقول ابن سينا:"وهو عالم، لا لأنه مجتمَع الماهيات؛ بل لأنه مبدؤها، وعنه يفيض وجودها(..)، وهناك فلا كثرة، بل إنما توجد الأشياء عنه من جهة واحدة، فإذا كان كذلك فكونه عالما لنظام الكل الحسن المختار هو كونه قادرا بلا اثنينية ولا غيرية(30) فهذه هي فلسفة الفيض عن الواحد حسب ابن سينا.

وما نسبة العلم أو العقل هنا إلى واجب الوجود إلا كنسبتنا إلى الطبيعة مصطلحا كـ"القانون"، أو "السُّنة"، الذي يستخدمه ابن سينا بدلا من "العقول المفارقة" التي ترمز إلى قانونية حركة الأفلاك السماوية(31)، ومعنى هذا أن العلم يُلحقه الفلاسفة بالعليم، ألا وهو الله الواجب، لكن لا يتعرض علمه للناقص أو المتغير، فعلمه كمال كله، ولما يشمل عالم التغير فهو متغير، وهذا محال عندهم، وقد اتفقوا على ذلك، فإن من ذهب منهم إلى أنه لا يعلم إلا نفسه، فلا يخفى هذا من مذهبه، ومن ذهب إلى أنه يعلم غيره- وهو الذي اختاره ابن سينا- فقد زعم أنه يعلم الأشياء علما كليا لا يدخل تحت الزمان، ولا يختلف بالماضي والمستقبل والآن. ومع ذلك، زعم أنه لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض، إلا أنه يعلم الجزئيات بنوع كلي(32) وهذا هو مدار العلم الإلهي عند المشائين عموما، وأصحاب نظرية الفيض بالخصوص.

ويُعدُّ العلم الإلهي شرطًا ضروريا لصدور الموجودات من وجودها بالقوة إلى وجودها بالفعل عند الحكماء " أو ما يُعرف باسم الصّلة بين الله والعالم التي تقوم على أساس علم الله لذاته ولغير ذاته، وهنا يبيّن الغزالي تهافت الفلاسفة المشّائين وبخاصّة ابن سينا، فيذكر أنّهم لا يقدرون على ردّ جميع ما يُثبتونه إلى نفس الذّات، فإنّهم أثبتوا كون الله عالمًا فيلزمهم من هذا أن يكون ذلك العلم زائدًا على مجرّد الوجود(33) إن الفارابي يعدّ صدور الموجودات نتيجة للعلم الإلهي بها في الأزل، فالله يعقل ذاته وصدور العالم نتيجة حتمية لعلمه بذاته، فالفيض عملية عقلية، يسبقها العلم كشرطٍ أساس في الخلق(34) لكن، ما منعه الفلاسفة عقلا هو خضوع علم الله للعالم بالجزئيات الحادثة فيه والمعرضة للكون والفساد. والعلم إذا تعلق بالفاني يصبح علم الله فانيا، وهذا محال في ذات البارئ تعالى بردّ الغزالي عليهم بقوله: «إن الله تعالى له علم واحد بوجود الكسوف مثلا في وقت معين، وذلك العلم قبل وجوده، علم بأن سيكون، وهو بعينه عند الوجود، علم بأنه كائن، وهو بعينه بعد الانجلاء، علم بالانقضاء، وأن هذه الاختلافات ترجع إلى إضافات (...) فإن الشخص الواحد يكون عن يمينك، ثم يرجع إلى قدامك، ثم إلى شمالك، فتتعاقب عليك الإضافات، والمتغير ذلك الشخص المتنقل دونك(35) فبين إذن، أن تبدل العالم من حال إلى حال، لا يعني أن علم الله به يبدّل ذاته، إذ نسلم أنه يعلم الأشياء بعلم واحد في الأزل والأبد والحال، لا يتغير(36) لهذا سخر من حكمة الفلاسفة الخاصة بالعلم الإلهي، حاكما على علومهم بالظن والتخمين، كون فلسفتهم هذه خالية من الحجة(37) والبرهان الذي كانوا يدعون أنهم أسياده، فظهر أن الحكمة المشائية بعد تهفيت قولها بقدم العالم، يتم الوقوف على تهفيت قولها بأن الأول لا يعلم إلا ذاته، ويعلم العالم بعلم كلي. ويتابع انتقاداته فيقول: «وما المانع في أصلكم من أن يعلم هذه الأمور الجزئية، وإن كان يتغير، وهلا اعتقدتم أن هذا النوع من التغير لا يستحيل عليه(38) كما ذهب "جهم" من المعتزلة إلى أنّ علومه بالحوادث حادثة، وما اعتقد "الكرامية" من عند آخرهم أنه محل للحوادث، ولم ينكرها جماهير أهل الحق عليهم، إلا من حيث أن المتغير(39) لا يخلو من التغير؛ لهذا تبقى مسألة العلم الإلهي من أكبر مسائل الفلسفة زيغا وضلالا وبعدا عن جادة الصواب في نظر الغزالي، وسيأتي قوله في الطبيعيات كذلك يؤيد طرحه الأول في نفي مزاعمهم(40).

ولعلّنا ـ هنا ـ نكون قد بينا ما أراده الغزالي فيما يخص العلم الإلهي عند الفلاسفة. وبالجملة، هو أن الله في نظر المشائين لا يعلم الجزئيات كون علمه من جهة هو مطلق، فلا يليق بعالم نسبي، وكون الجزئيات متغيرة فكيف تصلح لعلم كلي، وهذه حجج عقلية وليست نقلية.


ــ ثالثاً ــ

نقد المسائل الطبيعية

1 ـ إبطال القول بالسببية المطلقة:

بعد تحليلنا لتهفيت أهم المسائل في الإلهيات وهي قدم العالم، وعلم الله بالكليات دون الجزئيات، نسعى لتحليل أهم المسائل في الطبيعيات، التي نراها تقتصر على مسألة السببية المطلقة لدى الحكماء، وكذا المعاد الروحاني دون الجسماني.

يتصور الفلاسفة أنّ الله يفعل بطبيعة وليس بإرادة وروية، وهنا أنكر الغزالي مفهوم السببية الضرورية عندهم(41)، فمسألة السببية" في ترتيب المسائل التي هفت بها الغزالي دعاوى الفلاسفة هي السابعة عشرة، وهي تابعة إلى مقصد الطبيعيات، ويبدأ قوله بالاقتران بين ما يعتقده في العادة سببا، وما يعتقد مسبباً ليس ضرورياً عندنا بل كل شيئين، ليس هذا ذاك ولا ذاك هذا، ولا إثبات أحدهما متضمنا لإثبات الآخر، ولا نفيه متضمنا لنفي الآخر(42) ويمثل لنا بالمقترنات كالري والشرب، والشبع والأكل، والاحتراق ولقاء النار، والنور وطلوع الشمس، ... إلخ. فهذه المتتابعات، التي هي في النهاية أسباب ومسببات طبيعية يرى منها الفلاسفة الاقتران الضروري وليس مجرد تتال بين الشيء وسابقه أو لاحقه، وهلم جرا. إنما السبب في منطق الغزالي من إرادة الله، فلولا إرادته لما حدث الاقتران بين السبب والمسبب، فالنار هي الفاعلة للاحتراق، والأكل هو الفاعل للشبع، وهكذا في سائر الأسباب عند الفلاسفة، بل الطبيعة كلها ذات سنن ثابتة وسببية الالتقاء أو الافتراق. ويرد زعمهم هذا لإثبات الدين، وما يقوله حول الإرادة الإلهية، وذلك الهدف الذي يسعى إليه هو إثبات المعجزات، إذ لا يمكن إيرادها إلا إذا عطلت أو علقت الأسباب الطبيعية، وجعلها كلها بيد الله الفاعل المطلق(43)، فتوالي الأحداث يوحي بالاقتران السببي، وهذه مجرد عادة في مشاهدتنا للطبيعة، فليس ثمة برهان حقيقي يثبت كون الحادثة ذات علاقة فعل وانفعال وتأثر أو خلق وإيجاد بينهما(44).

وانتقد الجمهور بأن عطلوا المعجزات، وسيدنا إبراهيم (عليه السلام) لما وُضِع في النار، ولم يحترق، اعتبروه أصبح حجرا أو شيئا لا تؤثر فيه النار، ثم أن النار قد بردت، وسلبت منها الحرارة، وهي بذلك لا تؤثر في سيدنا إبراهيم (عليه السلام)(45) لكن، دوما يتساءل الغزالي من أراد برودتها، فالنار نار في الأصل، وجسد سيدنا إبراهيم قابل للاحتراق، لكن إرادة الله تعالى تدخلت، فلا احتراق موجود، رغم قابلية العوامل فيها لذلك. وهذا لا يعني ترك الأسباب الطبيعية وعدم الإيمان بها، وإسناد كل شيء إلى إرادة الله، بل يرفع الإيمان الحتمي بتوفر المسبب إذا توافر السبب؛ لأن هذا يلغي الإرادة الإلهية من جهة، ويجعل الإنسان يسكن لسنن الطبيعة ويجعلها إلها من دون الله، وهذا ما فعله الحكماء المشّائيون حسب الغزالي. إن أهمية موضوع السببية التي جعلت الغزالي يوليها عنايته، إنما ذلك راجع أساسا إلى عناية قدامى اليونان بها. وتاليا، شراح اليونان وخاصة شراح أرسطو. وللإشارة، فإن المفكر بيار دوهيم في كتابه نظام العالم الخاص بالفلك أفرد للسببية مباحث عدّة أخصّها الكلام عن كتاب الأسباب لأرسطو. لقد كان العرب أول من تلقى التراث اليوناني الأفلوطيني المتأخر، ويبدو أن مؤلفين أفلوطينيين محدثين نسبوا هذا الكتاب (أثولوجيا أرسطو) خطأ لأرسطو، كونه يتناول الأسباب والفيض الكلي عن السبب الأول(46) ويناقض بهذا مشّائية أرسطو الأصيلة القائلة بالعلل الأربعة: المادية، والفاعلة، والصورية، والعلة الغائية، وهي تعمل في وقت واحد وليست بديلة(47) أو بينها مدد زمانية. إن المسألة، إذن، في السببية التي قال بها الفلاسفة مختلفة، فالسببية عند الأفلوطينيين المحدثين تبدأ من سبب الأسباب، وهو الأول كما قلنا، ثم تنزل إلى باقي الأسباب، الأقرب فالأقرب، إلى غاية السبب الأخير وهو العقل العاشر عند الفارابي وابن سينا، أو ما يسمى العقل الفعال.

على حين أنّ أرسطو له موقف آخر من السببية، فهو يرى العالم نمطاً سببياً متراكماً ومتراصاً، وتحكمه العلل الأربعة التي ذكرنا، وهي أساسية كلها، إذ تعمل في وتيرة واحدة، ولا مقدم ولا مؤخر فيها، في حين أصحاب الفيض، يقدمون العقل الأول كالسبب الذي يسبق الثاني، ثم الثالث، وهلم جرا. وحتى الفارابي أثناء استدلاله على وجود الله، سار في بحث الأسباب الطبيعية المتغيرة، فالعالم عنده يتكون من موجودات لها أسباب، وهذا السبب له سبب آخر، ولا يمكن أن تستمر سلسلة العلل والأسباب الفاعلة إلى ما لا نهاية؛ لذلك وجب وجود سبب فعال لا مسبب له، خارج سلسلة الأسباب، وهو واجب الوجود، وهو الله،(48) إذن هنا فقط، يتضح الشرح بين النظريتين الأولى الأرسطية، التي عهدنا لها باسم المشائية، والثانية الأفلاطونية المحدثة، التي عهدنا لها باسم المشرقية. لكن الغزالي في أول أمره حينما اختص بنقد السببية حدد أبا نصر الفارابي وابن سينا على غيرهما، وهؤلاء هم أئمة الفلسفة الأفلاطونية المحدثة. فابن سينا مثلا أصر على هذه السببية الأفلاطونية المحدثة التي مؤداها دائماً أنّ العقل الأول يلزم عنه بما يعقل الأول وجود عقل تحته، وبما يعقل ذاته وجود صورة الفلك وكماله، وهي النفس، وبطبيعة إمكان الوجود الخاصية له المندرجة فيما يعقله لذاته وجود جرمية الفلك الأعلى المندرجة في جملة ذات الفلك الأعلى بنوعه، وهو الأمر المشارك للقوة فيما يعقل الأول يلزم عنه عقل(49)، وهكذا تسير طبيعة الفيوضات من الأول إلى العاشر، والملاحظ يجد أن الغزالي شدد تهفيته للفلاسفة الإسلاميين بسبب هشاشة بنائهم السببي في الموجودات، وعدّ فلسفتهم مناقضة للدين من جهة، ولما أقروه في قواعد المنطق والرياضيات من جهة؛ ولهذا خلص ابن رشد فيما بعد نقد الغزالي- الفلسفة من غرضها الذي أضل بها ابن سينا والفارابي. يقول في فصل المقال: «إن كان فعل الفلسفة ليس شيئا أكثر من النظر في الموجودات واعتبارها من جهة دلالتها على الصانع- أعني من جهة ما هي مصنوعات- فإن الموجودات إنما تدل على الصانع لمعرفة صنعتها، وأنه كلما كانت المعرفة بصنعتها أتم، كانت المعرفة بالصانع أتم، وكان الشرع قد ندب إلى اعتبار الموجودات وحث على ذلك(50) ويقصد ابن رشد هنا أن الدين أو الشرع دعا إلى اعتبار الصانع أو الله تعالى من خلال النظر في الملكوت. وكلما كانت الرؤية أدق، كانت المعرفة بالصانع كذلك أتم أو كما سماه هو الصنعة، ويقصد بها النظر في الطبيعة واستنباط ما وراءها من عظمة الصانع، وهي نفسها طريقة أرسطو ومفادها الانتقال من الموجودات القريبة للوصول إلى أبعد الموجودات، وهي العلة الغائية الصورية التي تهب الصنعة. لكن الغزالي يرفض التتابع الحتمي في الطبيعة، وهنا يقصد به الاقتران الضروري بين الأسباب والمسببات(51) الطبيعية في ذاتها، وليس الاقتران بين السبب الأول كما اصطلح عليه الفلاسفة والمسببات أو الموجودات.

و بالجملة يمكن استخلاص نقطة أخيرة حول نقد الغزالي للسببية المطلقة عند الفلاسفة، ومفادها أن الدين الإسلامي- كما تسلم الأشاعرة- لا ينكر الأسباب العقلية، بل ينكر الضرورة الإلزامية فيها، فليس من الضرورة الطبيعية في ذاتها، بل من إرادة الله تعالى. وهذا ما أردنا قوله فيما يخص تهفيت الغزالي لسببية الفلاسفة.

2 ـ إبطال القول بإنكار البعث الجسماني:

إنّ النّفس شغلت حيزاً مهولاً في مباحث الفلسفة عموما والفلسفة المشائية خصوصا. ولعلنا لا نجانب الصواب إذا حددنا عناية ابن سينا لها بشكل أكبر من غيره، فالنفس عنده "هي كمال النوع من الأجسام الطبيعية، فتعين على ما يصدر عنه من الفعل الذي صدوره عنه بآلات فيه، فتكون النفس كمالا أولا لجسم طبيعي آلي، أو لجسم ذي حياة بالقوة(52) و في اصطلاح الفلاسفة العام هي جوهر مفارق للمادة، أما نشاطها ووظائفها فأفعال ثابتة أو كمالات ثانية، بعبارة أخرى الكمال هو النفس، أما الكمال فهو الحياة(53) إذن، بهذا تكون النفس ملازمة للجسم الطبيعي النباتي والحيواني والإنساني. أما فيما يخص الغزالي، فقد أنكر على الفلاسفة قولهم بعودتها إلى المعاد دون أجسادها التي كانت تحيا فيها.

لقد قال الفلاسفة: إنّ النفس تبقى بعد الموت بقاء سرمديا إما في لذة، لا يحيط الوصف بها لعظمها، وإما في ألم لا يحيط الوصف به لعظمه، ثم قد يكون ذلك الألم مخلدا، وقد ينمحي على طول الزمان(54) أما ميزان اللذة والألم، فيكون محصلة طبيعة النفوس، إذ كلما كانت نقية كانت أميل إلى النعيم، وكلما كانت ملطخة كانت أليق بالشقاء. ودليل الفلاسفة على روحانية النفس في المعاد هي تفضيلهم اللذائذ العقلية على الحسية، إذ لما كانت في الدنيا المعاشية كذلك، ستكون في الآخرة المعادية كذلك بالضرورة. وأما ما ورد في الشرع من الأمور الحسية، فالقصد به ضرب الأمثال لقصور الأفهام عن إدراك هذه اللذات، فمثل لهم ما يفهمون، ثم ذكر لهم أن تلك اللذات فوق ما وصف لهم، فهذا مذهبهم(55) وهنا، أورد الغزالي مدار قولهم في النفس وروحانيتها في المعاد والاستدلال بالشرع على ذلك.

يردّ الغزالي عليهم بتأويل نص الدين من خلال أهوائهم وادعائهم معرفة ذلك بمجرد العقل(56)، فليس هناك حجة ابلغ من حجة القرآن، وغيرها من الكتب السمـاوية التي أنبأت أن النفس لها خلـود في دار المعاد. وفضلا عن الخلود، إما هي في نعيم أو في جحيم، إذ العقل عند الفلاسفـة هو المدرك لهذا، وقد أنكر الغزالي عليهم ذلك.

فإنكار حشر الأجساد واللذات الجسمانيـة في الجنة والآلام الجسمانيـة في النار، هذا إنكار للجنة والنـار كما وصفت في القرآن الكريـم، فما هو المانع من تحقق اللذتين الروحانية والجسمية، وكذا الشقاوة(57)، لكن للفلاسفة ما يبررون موقفهم، وهو أن للنفس درجات في مراتب الوجود، فللعالم نفس، ولكل سماء نفس، ثم للإنسان نفس، وللحيوان نفس، وللنبات نفس، وهذه النفوس تتفاعل فيما بينها، وأعلاها شرفا هي نفوس السماوات والعالم، وتتناقص درجة الشرف إلى أن تصل إلى النفس النباتية(58)، وعليه تحكم هذه الدرجات مسار النفس الإنسانية في اعتقادهم قبل الموت وبعده، ولما كانت النفس من طبيعة ميتافيزيقية مجردة أثناء تعلقها بالعقل الفعال- واهب الصور- فهي خالدة بخلوده، وإلا فكيف تقبل من العلوم دون الجسد الذي هو من طبيعة أرضية فانية. والنفس من جوهر سماوي خالد.

و بالجملة، النفوس عند الفلاسفة مصيرها إما السعادة والخير الأعظم بسبب الكمال في ممارسة العلم العملي والنظري، وإما الشقاوة بسبب الجهل والفسق(59). وهنا، يتفق جمهور المشائين على خلود النفس روحيا بعد مفارقة الجسد، ويتفق- كما قلنا- الغزالي معهم أن النفس تخلد بعد فناء جسدها. لكن، ما ينكره هو دعواهم التي يقيمونها على العقل من جهة، وإنكارهم ما ورد في الشرع من جهة أخرى.

وفصل الفلاسفة أدلتهم في سرمدية النفس في الآتي:

- الأولى: أن يقال الإنسان عبارة عن البدن، والحياة التي تحلّ به هي عرض قائم به ـ كما ذهب إليه بعض المتكلمين ـ، وأمّا النفس التي هي قائمة بنفسها، ومدبرة للجسم، فلا وجود لها، ومع الموت تنعدم مع الجسد(60) فهذه تربط النفس بإكمال الجسد، لكن، تنتهي وظيفتها بانتهاء وظيفته.

- الثانية: وإما أن يقال النفس موجودة، وتبقى بعد الموت، ولكن يرد البدن بجمع أجزائه بعينها.

- الثالثة: وإما أن يقال ترد النفس إلى البدن، سواء كان من تلك الأجزاء بعينها أو من غيرها، ويكون العائد ذلك الإنسان، من حيث أنّ النفس تلك النفس، فأما المادة فلا التفات إليها، إذ الإنسان ليس إنسانا بها، بل بالنفس(61).

فهذه هي أصناف آراء الفلاسفة في طريقة معاد النفس، وهذه الأقسام الثلاثة باطلة كلها في نظر الغزالي.

أما القسم الأول فظاهر البطلان، فالمعدوم لا يعقل عوده قطُّ، والعائد هو الموجود، أي عاد إلى حالة كانت له من قبل، أي إلى مثل تلك الحالة، فالعائد هو التراب إلى صفة الحياة(62).

وعلى الرغم من ذلك، يصرح ابن سينا وغيره من المشّائين، بالمعاد الروحاني فقط للإنسان؛ لأنّ الأحاسيس وسائر الأمور العرضية مرهون ارتباطها بالبدن، وتفنى بفنائه ؛ ولذا فإنّ ما هو باق أزلي إنما هو تلك الصور الذهنية(63)، فالنفس خالدة؛ لأنّها روح مجردة، والجسد فان؛ لأنّه من جوهر الأرض.

أما القسم الثاني، فهو مستقبح وباطل لاسيما في أهل الجنة وهم الذين خلقوا ناقصين في ابتداء الفطرة، فإعادتهم إلى ما كانوا عليه من الهزال عند الموت، في غاية النكال، هذا إن اقتصر على جمع الأجزاء الموجودة عند الموت(64) فهذا تهفيت صريح لدعوى المعاد البدني كما كان في السابق. خاصة عندما بين لهم أن الإنسان في حياته- أيام القحط- يأكل إنسانا آخر، فيتعذر حشرهما جميعا؛ لأن مادة واحدة كانت بدنا للمأكول، وصارت بالغذاء بدنا للآكل، ولا يمكن رد نفسين إلى بدن واحد(65). إنّ هذا الرد في غاية البيان لتهافت القائلين بالمعاد الجسماني، كما كان على حالته الأولى، وحتى ابن سينا يرفض أن تكون النفس معادة إلى الأبدان(66) الأولى وعلى حالتها؛ لأنّ العقل يرفض هذا الزعم وحتى الشرع. وأمّا القسم الثالث، وهو رد النفس إلى بدن إنساني من أي مادة كانت، وأي تراب اتفق فهو محال؛ ذلك أنّ المواد القابلة للكون والفساد محصورة في مقعر فلك القمر، لا يمكن عليها مزيد، وهي متناهية، والأنفس المفارقة للأبدان غير متناهية، فلا تفي بها(67)، فبان معه أنّ الأنفس مع هذه النظرية تشبه مذهب التناسخ، فإن رجع إلى إشغال النفس بعد خلاصها من البدن بتدبير بدن آخر غير البدن الأول. وهنا، توصل الغزالي إلى نقد مزاعمهم، ولم يترك لهم أي دليل يعللون به، فراح يفسر لهم تهافتهم تارة بالطب، وتارة أُخرى بالفيزياء، وتارة ثالثة بحجّة العقل، أو المنطق. ويكفي دعاويهم بالآية الكريمة، إذ يقول الله تعالى: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.

قد دلّت هذه الآية على المعاد الجسماني والروحاني معًا، وعلى البعث والنشور، سواء أكان إلى البدن الأول أو غيره، أو من مادة استوفت خلقها، فإنه هو بنفسه لا ببدنه، إذ تتبدل عليه أجزاء البدن، من الصغر إلى الكبر، بالهزل والسمن، والغذاء، وهذا مقدور الله تعالى(68) إذن، وخلاصة لما جاء في تهفيت الغزالي لمزاعم الفلاسفة في النفس وخلودها، وهي أن الغزالي أنكر إدراكهم العقلي لذلك، وقال لهم لا مناص لكم بالعودة إلى النص. وتاليا، فإن المعاد يكون جسمانيا- روحانيا، وهذا لقدرة الله -تبارك وتعالى- اللامتناهية. وهذا ما أردنا أن نورده في مقالات الفلاسفة في مسألة المعاد الروحاني للنفس دون المعاد الجسماني.

وبعد تحليلنا هذا، الذي اختص بردود الغزالي على الفلاسفة في مسألتين إلهيتين هما قدم العالم، وعلم الله بالكليات دون الجزئيات، ومسألتين طبيعيتين هما السببية المطلقة، والمعاد الروحاني دون الجسماني، يتعيّن علينا إيجاز القول في النقاط الآتية:

فإنْ قال قائل: قد فصلتم مذاهب هؤلاء، أفتقطعون القول بتكفيرهم؟، ووجوب القتل لمن يعتقد اعتقادهم؟ يقول الغزالي: قلنا: لابد من تكفيرهم في ثلاث مسائل:

أ- مسألة قدم العالم وقولهم أن الجواهر كلها قديمة(69)؛ لأنّ هذه المسألة لا تتطابق مع الدين الإسلامي في شيء، ثم تجعل العالم شريكا مع الله في الأزلية وتاليا الأبدية.

ب- مسألة أن الله لا يحيط علما بالجزئيات الحادثة من الأشخاص(70)، وكذا تعد هذه المسألة نافية لعلم الله القديم، والشامل لكل صغيرة وكبيرة في العالم، سواء كان كلياً أو جزئياً.

ج- مسألة إنكار بعض الأجساد وحشرها: فهذه المسائل لا تلائم الإسلام بوجه، ومعتقدها يكذب الأنبياء، لهذا ليس معتقدهم لأحد من فرق المسلمين(71)، وأمّا سائر المسائل فيتقاطعون تارة مع فرق الإسلام، وتارة أُخرى مع غيرهم؛ لذا فهم مبدعون فيها قياسا بأهل البدعة من فرق المسلمين.

و إلى هذا الحد، نكون قد حاولنا استيفاء ما كنا بصدده في فصل تهفيت الغزالي لمسائل الفلاسفة.


ــ رابعاً ــ

مآلات نقد الغزالي للفلسفة

1 ـ نقد المتقدمين للغزالي:

إن نقد الغزالي للفلسفة لم يمر بردا وسلاما على علماء الدين، وتالياً على الفلاسفة، بل أثار هذا النقد حملة فكرية عليه، وجعل إعادة النظر في صناعة الفلسفة أمرا واجبا؛ لهذا راح الفقهاء وأهل الحديث للإطلاع على هذه الصناعة، ونذكر منهم أمثال، ابن تيمية(72) الذي انتقد أبا حامد بشدة مستنكرا عليه أقاويله، التي رد فيها على الفلاسفة حيناً، ثم أعاد لها الاعتبار في كتبه أحيانا أخرى، خاصة في مصنفه "معيار العلم" و" فيصل التفرقة بين الكفر والزندقة"، ويرى أنّها ليست تلائم منهج السلف بوجه، بل جلّ ما في مصنفات الغزالي من جنس كلام الفلاسفة، الذين أبطل دعاويهم؛ ولهذا فهو يحذر من الاغترار بكلام الغزالي، بسبب مكانته بين المسلمين(73) ونجده في معرض آخر ينتقد الفخر الرازي في كتابه الرد على المنطقيين مع أن الرازي في صف الغزالي مع الأشاعرة يقول :" فالرازي لما ادعى ما ادعاه لزمه تناقض زائد على تناقض المنطقيين(74)؛ وبهذا لم يترك ابن تيمية المجال للخوض في مسائل الدين بالعقل الفلسفي؛ لأنّ ذلك يؤدي إلى الزيغ عن جادة الصواب، ويعتبر علم الكلام الإسلامي والفلسفة مجرد بدع حادثة في الملة ما انزل الله من سلطان.

ورغم هذه الانتقادات الموجهة للغزالي من طرف المتقدمين، يبقى هؤلاء أيضا من اخص العلماء؛ وربما هذا يعود لاشتغالهم بعلوم لم يتخصص فيها الغزالي لاسيما فيما يتعلق بعلوم الحديث، إذ نجد معظم المعارضين لفكر الغزالي محدّثين وفقهاء وابن تيمية منهم، وبالإضافة إلى الفقهاء والمحدثين نجد الفيلسوف القرطبي ابن رشد هو الآخر شدد نقده وتهفيته لمزاعم الغزالي؛ كونها لا ترقى إلى مرتبة العقل البرهاني، فنجده يقول في تهافت التهافت فإنّ الغرض في هذا القول ان نبين مراتب الأقاويل المثبتة في التصديق والإقناع، وقصور أكثرها عن مرتبة اليقين والبرهان.

وبالنتيجة اتهم ابن رشد الغزالي بالعقلانية الكلامية الأشعرية التي لا طالما انبهر بها نظراؤه المتكلمون، وهي في الحقيقة قاصرة عن بلوغ مرتبة البرهان الفلسفي، وكذلك نجده يقول في الغزالي، " هذا قول مغالطي خبيث(75)، فإنّه في كل مرة يرد على الغزالي بألفاظٍ مستنكرة، ويرى أن الفلاسفة هم الذين رفعوا الغزالي إلى تلك المنزلة، خاصة وقد أطلعوه على طرق الاستدلال والبرهان والجدال في علم المنطق، وبعدها ينكر الجميل ويعمد إلى تهفيت مسائلهم .

وبالجملة لما وجد الناس في الغزالي الحجة الدامغة للدفاع عن الدين منطقيا، سيجدونه أكثر متفرغ من دراسة المشائية ونتيجة لذلك سيظل المتكلم الأشعري الأصيل.

2 ـ القيمة المعرفية لنقد الغزالي للفلسفة :

إن نقد الغزالي للفلسفة، هو في الآن في نفسه فلسفة، وتسمى في عصرنا الحاضر، بالفلسفة النقدية، وبقدر ما تكون هذه الفلسفة النوعية في أية معرفة، تكون أدق وأوثق والعكس بالعكس.

تعد خاصية التفلسف من شيم الذات المتفلسفة وليست ملحقة بموضوع البحث، لهذا معظم الدارسين لفكر الغزالي هم مؤرخون له ولإنتاجه أكثر مما هم معتبرون الغزالي ذاتاً متفلسفة(76) وناقدة، فالغزالي في عصره كسّر في أذهان قومه رابطة التقليد وأبدع روح البحث عن اليقين مهما كانت مصادره، هذا وعمد إلى مقاومة الغلو في التكفير، خاصة عندما قال في المنقذ علمت يقيناً انّه لا يقف على فساد نوع من العلوم من لا يقف على منتهى ذلك العلم، حتى يجاوز أعلامهم فيه إلى أن يقول ووجدت هذا قليلا في زماننا(77)، فهو يدعو آنئذٍ إلى دراسة الأقاويل أو النصوص دون النظر في أصولها وأصحابها، ثمّ الأخذ بالرأي وقيمته وليس قياسه على شهرة صاحبه، وكم نقل حكمة الإمام علي (كرم الله وجهه) وكرّرها التي قال فيها: لا تعرف الحق بالرجال، بل اعرف الحق تعرف أهله(78).

وبالجملة لقد كون الغزالي لنفسه مكانة ظلت تشهد قديماً وحديثاً، ولولا نقده للفلسفة لما أثمر لنا نقد النقد أو تهفيت التهفيت الذي أتى به ابن رشد، ثم تاليا حيرة الناس في أتباع الغزالي، أو أتباع ابن رشد أو المقارنة بينهما، وعليه وفي كلمة لقد أفاد الغزالي الفلسفة في نقده لها، وليس كما خدمها الشراح المشّائيين .

ومن نافلة القول أنّ الغزالي وبالنظر إلى عنوانات كتبه في صناعة الفلسفة، هو بصدد تهفيت الرجال القائلين بتلك المسائل، فعنون مرة مقاصد الفلاسفة وأخرى تهافت الفلاسفة، وهنا يمكن الرد على القائلين باعتراض الغزالي على الفلسفة بشكل كلي ،ويظهر ذلك في تمحيصه للمسائل المنطقية والطبيعية وقبول أكثرها؛ لأنها ليست تناقض ما أتى به الدين من جهة، وتوافق العلم التجريبي من جهة أخرى، بل لقد دعا الشرع إلى الإفادة من الأمم الأخرى؛ لأنّ الحكمة ضالة المؤمن، وكان الغزالي بذلك أكثر الناس توفيقاً بين الدين والفلسفة، وبين الإيمان والعقل، لا بالمعنى المشائي، بل بالمعنى الإسلامي الحقيقي، وكان يحاول دائما الانتقال من العقل إلى العقيدة(79) وبهذا صنع الغزالي منهجا نقديًا لكل من يرغب الخوض في مسائل المعرفة الإنسانية أنّى كانت.

خاتمة

بعد فراغنا من معالجة إشكالية البحث، واستخلصنا أنها ليست تكفيها هذه السطور، لابد ـ تالياً ـ من تجميع أهم النتائج الفلسفية المستثمرة أثناء اشتغالنا بتحليل الموضوع، ونرى أن هذه النتائج يمكن تقسيمها إلى :منطقية أو آلية، وأخرى معرفية أو فلسفية.

- النتائج المنطقية: مما تقدّم يمكن القول:

- أن أبا حامد الغزالي درس المنطق كما درسه مشائيو المشرق، لاسيما الفارابي وابن سينا، ووجد فيه ضالته، خاصة وأنه أداة تلزم كل دارس للفلسفة، وبمعرفته بدقة، استنتج الغزالي وسيلية المنطق لكل العلوم خاصة العقلية منها .

- لما استخلص الغزالي أن المنطق آلة لكل العلوم، ردّ في ذلك على من يجعلونه جزءا لا يتجزأ من الفلسفة، خاصة وقد ساد رأي الفقهاء والمحدثين آنئذٍ.

- المنطق بهذا رفع منزلة الفلسفة إلى حد اعتقاد الفلاسفة أنهم أهل البرهان واليقين، ولا شك في مسائلهم؛ كونها مبنية على أركان المنطق .

أما النتائج الفلسفية فيمكن أن نستخلص الآتي:

- أنّ الفلسفة في الحضارة الإسلامية رفعت من مكانة العلوم النظرية، وأثمرت مناهج جديدة، وخلقت جوّا من خطاب المناظرة، ومثال الغزالي في محاورة نظرائه الفلاسفة، كان آية ذلك .

-كما كانت دراسة الغزالي للفلسفة دراسة لغاية أخرى، وليس لغاية الفلسفة ذاتها مثلما درسها الفلاسفة المشّائيون، لهذا يظهر الغزالي في مصنفه "مقاصد الفلاسفة" فيلسوفا فذا، ثم يبدو في صورته الدفاعية عن الدين كأشعري أصيل وذلك في كتابه "تهافت الفلاسفة".

وقد قسم الغزالي ظنون دارسي الفلسفة ومناظري الفلاسفة إلى صنفين :

- صنف دخل الفلسفة من باب المنطق والرياضيات: وهي بالجملة أدق العلوم من حيث المنطلقات والنتائج، ثم ظن هؤلاء أن كل مباحث الفلسفة دقيقة ويقينية قياسا عليها .

وفي هذا المضمار، نود أن نبين أنّ الموضوع مازال يتطلب مزيدا من المجهود، خاصة وأن مشكلة الفلسفة الإسلامية المشائية ما زالت تشهد الاختلاف حول نصوصها ومصادرها، هذا ويعتقد البعض أن هذه الفلسفة هي مجرد أفكار يونانية منقولة إلى الأحرف العربية؛ وعليه نرى شبه إبعاد لها من الساحة الفكرية، وبالخصوص منظور المستشرقين، مع أن فلاسفة الإسلام لهم حضور أيام حضورهم، ولهم حضور بعد غيابهم .

أما الغزالي فقد سعى لخلق منهج جديد وهو الشك النقدي - إن صح هذا الاصطلاح- الذي يقوم على دراسة العلوم بحكمة موضوعية، دون النظر إلى مصادرها أو خلفية أصحابها، ثم وبعد إشباعها بالبحث، إلى درجة تجاوز أعْلم أصحابها، يعمد الدارس بعد ذلك للحكم .

- وصنف آخر دخل الفلسفة من باب الإلهيات (الميتافيزيقا)، ورآها مجرد تخمينات لا أساس لها من الصحة، فظن أن باقي مباحثها من طبيعيات ومنطقيات، هي الأخرى ترهات قياسا على الميتافيزيقا، التي سماها أرسطو الفلسفة الأولى .


* هوامش البحث *

(1) الغزالي: مقاصد الفلاسفة، تح وتق: محمود بيجو، مطبعة الصباح، ط1، دمشق، 2000، ص12.

(2) الغزالي: تهافت الفلاسفة، تقديم: صلاح الدين الهواري، المكتبة العصرية، بيروت، 2004، ص 44.

(3) المصدر نفسه، ص 45.

(4) علي محمد الصلابي:الإمام الغزالي، المكتبة العصرية، ط1، بيروت، ص 23.

(5) غلام حسين إبراهيم: المنطق والمعرفة عند الغزالي، دار الهادي، ط 1، بيروت، 2004، ص 308.

(6) علي محمد الصلابي:مرجع سابق، ص 45.

(7) الغزالي: مقاصد الفلاسفة، مصدر سابق: ص 61.

(8) أرسطو طاليس: الطبيعة، ج2، تر: إسحاق بن حنين، شروح: ابن عدي ومتى بن يونس، تح: عبد الرحمن بدوي، المكتبة العربية، مصر، ص 801.

(9) الفارابي أبو نصر: آراء أهل المدينة الفاضلة، تق وتع: ألبير نصري نادر، دار المشرق، ط2، بيروت، 2000، ص 55.

(10) الغزالي: تهافت الفلاسفة، مصدر سابق، ص 53.

(11) محمد علي أبو ريان: تاريخ الفكر الفلسفي في الإسلام، دار المعرفة الجامعية، ط2، الاسكندرية، 1992، ص 359.

* سورة يس: الآية 82.

(12) الغزالي: تهافت الفلاسفة، مصدر سابق، ص 59.

(13) بيار موريس دوهيم: مصادر الفلسفة العربية، تر: أبو يعرب المرزوقي، دار الفكر، ط2، دمشق، 2009،ص 163.

(14) الفارابي: الجمع بين رأيي الحكيمين، تح وتق: ألبير نصري نادر، دار المشرق، ط2، بيروت، 1986.

(15) الغزالي: تهافت الفلاسفة، مصدر السابق، ص 60.

(16) زينب عفيفي: الفلسفة الطبيعية والإلهية عند الفارابي، دار الوفاء، الإسكندرية، 2002، ص 154.

(17) الغزالي: تهافت الفلاسفة، مصدر سابق، ص 61.

(18) زينب عفيفي، مرجع سابق، ص 155.

(19) ابن سينا: الشفاء، الإلهيات، مراجعة: إبراهيم مدكور، تح:الأب قنواتي، سعيد زايد، مكتبة سماحة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم، 2012،ص4.

(20) بيار دوهيم: المرجع السابق، ص 189.

(21) ابن سينا: الشفاء ـ الإلهيات، المصدر السابق: ص 407.

(22) الفارابي: تحصيل السعادة، تق وشر: علي بوملحم، دار ومكتبة الهلال، ط 1، بيروت، 1995، ص 45.

(23) الغزالي: تهافت الفلاسفة، المصدر السابق، ص ص 63- 64.

(24) الغزالي: تهافت الفلاسفة، المصدر السابق، ص 64.

(25) المصدر نفسه، ص 64.

(26) موسى بن ميمون: دلالة الحائرين، تق: حسين اتاي، مكتبة الثقافة الدينية، مصر، ص 254.

(27) زينب عفيفي: المرجع السابق، ص 156.

(28) الغزالي: تهافت الفلاسفة، المصدر السابق، ص 73.

(29) الغزالي: المنقذ من الضلال، تح: سعد كريم الفقي، دار ابن خلدون، الاسكندرية، ص 16.

(30) محمد علي أبو ريان: المرجع السابق، ص 362.

(31)ابن سينا: عيون الحكمة، تح ووتق: عبد الرحمن بدوي، دار القلم، ط 2، بيروت، 1980، ص58.

(32) آرثور سعد ييف: ابن سينا، تعريب: توفيق سلوم، دار الفارابي، ط2، بيروت، 2001، ص 211.

(33) الغزالي: تهافت الفلاسفة، المصدر السابق، ص 149.

(34) محمد جلال شرف: الله والعالم والإنسان في الفكر الإسلامي،دار النّهضة العربية، بيروت،د.ط،1980،ص419.

(35) محمد علي أبو ريان: المرجع السابق، ص 246.

(36) الغزالي: تهافت الفلاسفة، المصدر السابق، ص 153.

(37) المصدر نفسه، ص 153.

(38) بيار دوهيم: مرجع سابق، ص 253.

(39) الغزالي: تهافت الفلاسفة، المصدر السابق، ص ص 154-155.

(40) أبو يعرب المرزوقي: مفهوم السببية عند الغزالي، دار بوسلامة للطباعة والنشر، ط1، تونس، 1978، ص28.

(41) الغزالي: تهافت الفلاسفة، مصدر سابق، ص 176.

(42) كامل حمود: تاريخ الفلسفة العربية، دار الفكر اللبناني، بيروت، 1991، ص 196.

(43) محمد عبد الله الشرقاوي: الأسباب والمسببات، دار الجيل، بيروت، ط1، 1997، ص 163.

(44) الغزالي: تهافت الفلاسفة، مصدر سابق، ص 178.

(45) بيار دوهيم:مرجع سابق، ص 42.

(46) وولتر ستيس: تاريخ الفلسفة اليونانية، تر: مجاهد عبد المنعم مجاهد، المؤسسة الجامعية، ط2، بيروت، 2005، ص 175.

(47) زينب عفيفي: المرجع السابق، ص 263.

(48) الشهرستاني: الملل والنحل، تق: صدقي جميل العطار، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 2008، ص 353.

(49) ابن رشد: فصل المقال، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ط1، 1982، ص 13.

(50) كامل حمود: المرجع السابق، ص 197.

(51) ابن سينا: رسالة في النفس وبقائها ومعادها، تح ودرا: أحمد فؤاد الأهواني، دار بيبليون، باريس، 2007، ص 56.

(52) فتح الله خليف: ابن سينا ومذهبه في النفس، دار الأحد، بيروت.1974، ص64.

(53) الغزالي: تهافت الفلاسفة، مصدر سابق، ص 210.

(54) المصدر نفسه: ص 214.

(55) المصدر نفسه: ص 214.

(56) المصدر نفسه: ص 215.

(57) محمد علي أبو ريان: مرجع سابق، ص 251.

(58) المصدر نفسه، ص 252.

(59) الغزالي: تهافت الفلاسفة، مصدر سابق، ص 216.

(60) المصدر نفسه: ص 216.

(61) المصدر نفسه: ص 217.

(62) آرثور سعدييف: ابن سينا، مرجع سابق، ص 165.

(63) الغزالي: تهافت الفلاسفة، المصدر السابق، ص 218.

(64) المصدر نفسه، ص 218.

(65) آرثور سعدييف: ابن سينا، المرجع السابق، ص 167.

(66) الغزالي: تهافت الفلاسفة، المصدر السابق، ص 218.

* سورة آل عمران: الآيتان (169-170).

(67) الغزالي: تهافت الفلاسفة، المصدر السابق، ص 219.

(68) المصدر نفسه، ص 225.

(69) المصدر نفسه، ص 225.

(70) المصدر نفسه، ص 225.

* فقيه حنبلي. ولد سنة (661هـ). اشغل بالرد على المبتدعة. من كتبه: الرد على المنطقيين، نقض المنطق (726هـ). (انظر ترجمة المصنف في كتاب النبوات لمحمد بن رياض الأحمد السلفي الأثري ص 15).

(71) يوسف القرضاوي: الإمام الغزالي بين مادحيه وناقديه،مؤسسة الرسالة،بيروت،ط4، 1994،ص126.

(72) ابن تيمية: الرّد على المنطقيين، تقديم: رفيق العجم،دار الفكر اللبناني،بيروت، ط1،1993،ص 138.

(73) ابن رشد: تهافت التهافت، تق: صلاح الدين الهواري، المكتبة العصرية، بيروت، 2003، ص 43.

(74) المصدر نفسه، ص 71.

(75) بيار موريس دوهيم: مرجع سابق،ص 246.

(76) نور الدين السافي: نقد العقل، منزلة العقل النظري والعقل العملي في فلسفة الغزالي، مكتبة علاء الدين، ط1، صفاقس، 2003، ص ص 27ـ 28.

(77) الغزالي: المنقذ من الضّلال، مصدر سابق،ص14.

(78) يوسف القرضاوي: مرجع سابق، ص 64.

(79) محمد جلال شرف: مرجع سابق، ص 410.

الباحث: الأستاذ سنوسي سامي، حاصل على شهادة اللسانس في الفلسفة، ثم شهادة الماستر تخصص الفلسفة الإسلامية، وأنا الآن في طور تحضير شهادة دكتوراه في الفكر الإسلامي بأطروحة عنوانها الفلسفة الكلامية عند عبد الكريم سروش، فأتمنى أن تقبلوا إسهامنا هذا في إحياء وتطوير الفكر الإسلامي، أما العنوان :جامعة الجزائرـ2ـ شارع جمال الدين الأفغاني، أو بريد لمسيل (05044)، دائرة راس العيون ــ ولاية باتنة، دولة الجزائر.

----------------------------

أ/ سنوسي سامي : جامعة أبو القاسم سعد الله ـ الجزائر.