البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

قابليات علم الكلام في الدراسات الحضارية

الباحث :  محمد تقي سبحاني
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  16
السنة :  شهر ربيع الاول 1440هـ / 2018م
تاريخ إضافة البحث :  January / 12 / 2019
عدد زيارات البحث :  859
تحميل  ( 250.753 KB )
تمهيد
تتألف هذه المقالة من قسمين رئيسين، حيث يشتمل القسم الأول على إشارة إلى التعاريف والمفاهيم الرئيسة، من قبيل: الحضارة، والتبويب العلمي المطلوب، ومكانة علم الكلام في هذا التبويب، وقابليات علم الكلام في الدراسات الحضارية. وقد تمّ تلخيص ظرفية الكلام في حقل بيان الاتجاه الحضاري للدين، وكذلك بيان المنظومة المنهجية والجامعة للتعاليم الدينية. وفي هذا المورد يمكن الإشارة بشكل استقرائي إلى الأبحاث الأنطولوجية، والأبستيمولوجية، والأنثروبولوجية، ونظرية الإمامة في الفكر الكلامي، بوصفها من أهم الأبحاث الكلامية ضمن التحقيقات الحضارية. وفي القسم الثاني ضمن البيان الإنثروبولوجي الكلامي على محور العقل والإرادة سنبيّن أن علم الكلام ـ خلافاً للرؤى الفلسفية والعرفانية ـ يمكنه أن يؤسس لقواعد جوهرية للعلوم الحضارية في الإسلام.

الكلمات المفتاحية
الدراسات الحضارية، لاهوت الحضارة، الكلام، العقلانية، التعقل الأولي، التعقل الجماعي والحضاري.
المقـدّمــة

هناك اليوم مختلف الاتجاهات والتحليلات بشأن ما سيكون عليه مستقبل الحضارة الإسلامية بوصفها مساراً مطلوباً في حياة المسلمين. وفي بعض هذه التوجّهات تُدرَس قابليات البحث الحضاري أو بناء الحضارة على أساس واحد من العلوم الإسلامية، من جهة بعض الفلاسفة أو الفقهاء الذين يستنبطون عناصر الحضارة من الفلسفة أو الفقه، وملاحظة ذلك في بناء النظام الفكري والعيني (سبحاني، 1385 و1386 هـ ش). وفي هذه الاتجاهات يبدو أن علم الكلام الذي كان يوماً ما في صُلب العلوم الإسلامية قد تنزل ـ بسبب بعض الشرائط والظروف التاريخية للمسلمين ـ إلى موقف الدفاع ومجرّد الإقناع، وانخفضت فيه قابليات الدراسات الحضارية بشدّة. بيد أن التأمل بطبيعة الحال في الموقع والمنزلة الرئيسة لهذا العلم، ومضمونه ونسبته إلى سائر المصادر الدينية من جهة، والمشاكل الواضحة الموجودة في الأسس المعرفية والمكانة الراهنة لسائر العلوم الإسلامية من جهة أخرى، جعلت من هذا العلم على المستوى العملي خياراً لا بديل عنه في تبويب الدراسات الحضارية. وفي هذه المقالة سوف نتناول قابليات علم الكلام في الدراسات الحضارية ضمن قسمين. في القسم الأول سنبحث في مسار تأسيس الحضارات من الزاوية المعرفية وعلى محور أصالة الإرادة الذي ينظر فيه إلى الأنثروبولوجيا الكلامية في مسار تبلور الحضارة. وفي القسم الثاني سوف نشير إلى قابليات التراث الكلامي في إثراء الدراسات الحضارية. وأما الأقسام الأخرى من المقالة فتدور حول بيان وتفصيل هذين المحورين. وكما تقدم ليس هناك اعتقاد بوجود القابليات الكلامية في دائرة الأبحاث الحضارية بمعنى خلوّ علم الكلام من العيوب والشوائب، ويجب إصلاح نواقص هذا العلم في إطار التوجه الحضاري، والإفادة من قابلياته في تبويب التفكير الحضاري.

النظام المطلوب في تبويب العلم وموقع علم الكلام:
يرى الكاتب أن الحضارة عبارة عن تعيّن القيَم والأمور المنشودة للإنسان في مسرح الحياة الفردية والاجتماعية. والمراد من التعيّن هنا ـ بطبيعة الحال ـ ليس مجرّد البعد التشريحي من الواقعية فقط، وإنما التعيّن هنا يشمل التصورات والقيم والتوجهات والأساليب أيضاً. إن هذا التعريف لا يقتصر على مجموعة من العناصر الثقافية المؤلفة لأجزاء الحضارة العضوية فقط، بل تشمل حتى المسارات الذهنية الناتجة عن الحضارة (ثقافة ما بعد التمدّن) أيضاً.
وعلى هذا الأساس تسعى الدراسات الحضارية في الاتجاه المتمحور حول العلم، بوساطة التعريف بالوضع القائم في الحقل الحضاري إلى تحقيق أكثر القيم الإنسانية في أوسع مساحة للحياة والنشاط بشكل منهجي ومتواصل. وبعبارة أخرى: إن هذه الدراسات تمثل أرضية لتعيّن المعتقدات والقيم في الحياة. وفي رؤية واحدة يمكن بيان الطبقات الأربعة للعلم على النحو الآتي:
الطبقة الأولى: العقلانية العامة التي يتم بيانها من طريق القواعد الكلية في الفلسفة العامة.
الطبقة الثانية: المنظومة المعرفية التي يتم بيانها وإنتاجها على أساس مدرسة وثقافة خاصّة.
الطبقة الثالثة: الدراسات الحضارية المبيّنة لكيفية الارتباط بين النظرية والتطبيق، التي الشارحة كيفية تسلل العناصر الفلسفية والمؤلفات المعرفية إلى ساحة العمل والحياة.
الطبقة الرابعة: تتعلق هذه الطبقة بالعلوم التطبيقية، التي تتغذى بشكل متزامن من الطبقات الثلاثة المتقدّمة، وتسعى إلى طرح وتنفيذ النماذج العملية في مقام التطبيق الخارجي (سبحاني، 1382 هـ ش).
إن لهذا التبويب قابلية التعميم، ويمكن تطبيقه في مورد كل حضارة ومجتمع إنساني، ولكن بالنظر إلى فضاء التفكير الإسلامي، يمكن الحديث عن الدور الأوضح للعلوم الإسلامية في بناء الحضارة.
في تاريخ التفكير الإسلامي كان من المفترض ضمان الطبقة الأولى بعلم الفلسفة، ولكن جنوح الفلسفة الإسلامية عن هذه الرسالة أدى إلى ظهور الكثير من المشاكل([1]). والطبقة الثانية، أي الثقافة والمدرسة الإسلامية الخاصة تم استخراجها من علم الفقه، وتم بيان المباني النظرية لها بواسطة علم الكلام. كان الفقه والكلام ـ ولا سيما في المراحل الإسلامية الأولى ـ يعملان على تغطية كامل فضاءات العلوم الإسلامية، وكان الفقه من خلال استنباطاته يبين كلتا المجموعتين من القضايا النظرية والعملية (الأحكام والأخلاق)([2]).كما كان علم الكلام يتكفل بمهمة الدفاع عن هذه القضايا وبيانها وشرحها في كلا الناحيتين النظرية والعملية أيضاً (سبحاني، ص 7، 1391 هـ ش). وبالتدريج حدث شرخ في نظام العلوم وأدى ذلك من جهة إلى اختصاص علم الفقه بحقل استنباط القضايا العملية، وذلك في حدود الأحكام الفردية غالباً، ومن جهة أخرى اقتصر أداء علم الكلام على البيان والدفاع الإقناعي عن القضايا النظرية من الدين فقط. إن فهم هذا الوضع التاريخي إنما يحظى بالأهمية من حيث أن أي إصلاح لعلم الكلام من الناحية الحضارية يجب أن يكون ناظراً إلى التاريخ الماضي والشرائط الراهنة لهذا العلم. وفيما يتعلق بالطبقة الثالثة، أي حقل الدراسات الحضارية، يجب القول: إن الشرخ بين النظر والعمل يعد في الأساس من الشروخ الجديدة في أرومة أفكارنا، وخللاً كبيراً في تاريخ التفكير الإسلامي. وعلى أساس هذه الإشكالات يمكن تشخيص النقص والخلل في العلوم التطبيقية في عالم الإسلام.
إن من بين الأمور المهمة الأخرى بشأن الوضع المطلوب والمنشود للعلوم العقلية في عالم الإسلام، هو الفهم الدقيق للنسبة بين الكلام والفلسفة. هناك من المدافعين عن علم الكلام من لا يرى أي مكانة أو منزلة للفلسفة، وهناك من أنصار الفلسفة من يعيد جميع أدوار علم الكلام إلى الفلسفة قولاً واحداً. ولكن يجب القول: إن الكلام والفلسفة رغم التعاطي القائم بينهما، يجب عدم اعتبارهما علمين متماهيين، بل الصحيح هو أن نعتبر الفلسفة متكفلة بأعم التفسيرات والتحليلات وتقديم المفاهيم الناظرة إلى مجموع النظر والعمل، وإحلال الكلام ضمن المنظومة المعرفية والنظرية للإسلام. وبعبارة أخرى: إن الفلسفة تمثل حاجة أولية لتقديم إطار عام لجميع الأفكار المتناغمة([3])، كي يمكن اعتبارها علماً إنسانياً ولغة مشتركة بين جميع المدارس، وأما علم الكلام ـ بمعنى الإلهيات النظرية التابعة لمدرسة خاصة ومصادر معرفية بعينها ـ فلا ينطوي على مثل هذه الرسالة العامة، وتنحصر وظيفته بتطبيق المباني والقواعد الفلسفية العامة في دائرة المدرسة والمصدر المعرفي الخاص. ومن هنا فإن دخول الفلسفة الإسلامية الراهنة إلى حقل الإلهيات يجب اعتباره من الناحية العملية عدولاً عن مهام هذا العلم ودخولاً في دائرة الكلام. كما أن تركيز علم الكلام بشكل بحت على الدفاع عن التعاليم النظرية من الدين، يُعدّ تنزلاً للكلام عن مستواه وتدنيه إلى مستوى العلم الدفاعي الصرف.
إن الكلام المطلوب بلحاظ مكانته الراهنة وأصوله التاريخية يمكنه قبل كل شيء أن يلعب دورين اثنين يكمنان في عرض وبيان العقائد الدينية في دائرة الوجود (في أمور من قبيل: الله، والإنسان، والمجتمع، وطبقات الكائنات والخلق)، وكذلك البيان العقلائي للتعاليم الأخلاقية والعملية. إن المراد من البيان هنا هو الاستعراض المنهجي للتعاليم الدينية والدفاع العقلاني عنها من خلال الإحالة إلى الإطار العقلي والسماوي العام، وتحديد النسبة بينهما. وعلى هذا الأساس فإن علم الكلام في تعريفه الجديد، بالإضافة إلى العمل على توجيه القضايا العقائدية في الإسلام ، يؤدي عملاً فقهياً في حقل العقائد والمتبنيات. وبذلك فإن علم الكلام يقوم ببيان معقد وهادف وتطبيقي في جميع التعاليم الدينية النظرية والعملية.
وعلى هذا الأساس فإن الأداء الخاص لعلم الكلام الإسلامي في المقياس الحضاري ـ الذي يمثل التنسيق والتناغم بين أجزاء تعاليم مدرسة فكرية ما ضرورة ملحّة لتعيّن تلك المدرسة ـ يتمثل في بيان الانسجام والارتباط الوثيق بين التعاليم العملية والنظرية بوصفها مقدمة للدراسات الحضارية.

القابليات الكلامية في إثراء الدراسات الحضارية:
يمكن لنا ـ من خلال رؤية تفصيلية، وإعادة قراءة قابليات علم الكلام الإسلامي الراهن في بناء الحضارة وضمان حاجة الدراسات الحضارية ـ أن نعمل على تقسيم القابليات المضمونية لها، إلى مجموعتين من القابليات العامة والقابليات الخاصة. وإن الظرفية العامة في علم الكلام يمكن دراستها في الحدّ الأدنى من زاويتين، الأولى: بيان الاتجاه الحضاري من الدين، والأخرى: البيان المنهجي والمنظم للتعاليم الدينية من خلال التوثيق والعقلانية. وبطبيعة الحال فإن القابليات الخاصة في علم الكلام استقرائية، ويمكن الإشارة إلى بعض الموارد في هذا الشأن، من قبيل: المباني الإبستيمولوجية في الكلام القديم، وبحوث المعرفة الدينية في علم الكلام، ونظام الفاعلية في الوجود من زاوية علم الكلام، وبحث التكليف، وفلسفة بعث الأنبياء، والإنثروبولوجيا الكلامية، والرؤية إلى الدنيا والآخرة والنسبة القائمة بينهما، وأخيراً الرؤية الكلامية إلى بحث الإمامة والولاية، حيث يعمل كل واحد من هذه الأبحاث على مدّ يد العون إلى الباحثين في الشأن الحضاري بما يتناسب ومختلف حقول بناء الحضارة.
فيما يتعلق بأهمية بيان الاتجاه الحضاري إلى الدين في البحث الحضاري، يجب القول: إنما يمكن اعتبار حضارة ما دينية، إذا كان هناك في إطار الدين مكانة مؤثرة للحضارة، ولكن هذا الأمر لا يغدو ممكناً إلا إذا تم تقديم تفسير للدين يتقبل الفكر الحضاري بشكل كامل، ويحتضن الحضارة بوصفها عنصراً هاماً في الحياة الدينية. والآن بالالتفات إلى هذا التبويب الذي تمّ تقديمه عن الطبقات المعرفية الأربعة للتفكير الفلسفي العام إلى العلوم التطبيقية، نرى أن العلم الوحيد الذي يستطيع أن يتكفل بأعباء هذه المهمة في حقل المعرفة الدينية، هو علم الكلام. إن علم الكلام يعمل ـ من خلال تفسيره لماهية الدين الإسلامي ـ على بيان موقع ومساحة العقل والوحي في التقدم بالحياة الإنسانية الطيبة، وضمان السعادة الدنيوية والأخروية، ويعمل كذلك ـ من خلال تقديم مساحة واسعة لحضور الدين في مختلف طبقات الحياة الفردية والاجتماعية ـ على المساعدة في التظهير الواقعي والحقيقي لرسالة الأنبياء في بناء الحضارة.
والأمر الجوهري العام الآخر، أي: البيان المنهجي والمنظم لتعاليم الدين، إنما يندرج بدوره ضمن دائرة إمكانات علم الكلام. أما العلوم الأخرى فهي إما لم تدخل بعد في حقل المعارف الإسلامية الخاصة (من قبيل: الفلسفة)، أو أنها من العلوم الجزئية والعاجزة عن بيان منظومة منهجية للدين (من قبيل: الفقه والأخلاق). وفيما يتعلق بالفلسفة يجب القول بطبيعة الحال: إن هذا العلم مضافاً إلى عدوله عن الدائرة العلمية([4])، لا يحتوي كذلك من الناحية الأسلوبية على نظرة توثيقية وتفصيلية إلى مصادر الدين، على حين أن علم الكلام فضلاً عن اشتماله على رؤية توثيقية واستنباطية، يحتوي على أسلوب عقلي عام أيضاً.
وفيما يتعلق بالظرفية الخاصة للكلام في دائرة المباني الإبستيمولوجية يجب القول: إن علم الكلام ـ خلافاً للذين يرون الفلسفة أكثر منها سعة من هذه الناحية ـ ولا سيما في المرحلة الأولى منذ القرن الهجري الثاني إلى بلوغه الذروة في المدرسة البغدادية عند الإمامية، والمدرسة البصرية عند المعتزلة، أكثر ثراءً وتعيّنا [من الفلسفة] في مختلف الأبعاد. إن الكلام في المساحة الإبستيمولوجية يشتمل أولاً: على مسائل معرفية وإبستيمولوجية متنوّعة، وثانياً: إن علم الكلام ـ خلافاً للفلسفة الراهنة التي تنزلت بالعقلانية إلى المنظومة القياسية (axiomatic) فقط ـ يعمل على توظيف مختلف المصادر المتنوّعة الأعم من المشهودات والتجربيات وحتى الخواطر([5])، بمعنى أن علم الكلام علم متعدد الأساليب (polymethodoc) وليس متحد الأسلوب (monomethodic). نرى أن الفلسفة الإسلامية الراهنة التي تسعى إلى مجرّد الحصول على اليقين بالمعنى الضروري (في المعنى الأخص)، قد اقتصرت من الناحية العملية على القضايا التحليلية أو شبه التحليلية، على حين أن المتكلمين من خلال تأكيدهم مراتب المعرفة والتفكيك والفصل بين اليقين السايكولوجي واليقين الإبستيمولوجي، يضعون الثاني في مدار الأبحاث. وهذا بطبيعة الحال ناشئ من الرؤية الواقعية في علم الكلام حيث يعتبر العقل حجة بوصفه كاشفاً عن الواقعية الخارجية، وليس الأنظمة المفهومية والأصل الموضوعي. وثالثاً: إن مبحثاً هاماً للغاية من قبيل العقل العملي الذي يلعب دوراً مباشراً في بناء الحضارة ـ على الرغم من قيامه على أبحاث العقل النظري ـ قد تمّ بحثه في علم الكلام بشكل أكثر بكثير من الفلسفة، ثم إن العقل العملي في الفلسفة الإسلامية قد تعرّض للإخفاق والفشل بسبب سقوطه في عاصفة العقلانية اليونانية (العلمانية). إن العقل العملي في الفلسفة قد تنزل في نهاية المطاف إلى المشهورات والمقبولات العامة، وانحصرت مهمته في الجدل والإقناع دون صناعة المعرفة، وأما في علم الكلام فمن خلال القول بواقعية القيم الأخلاقية وإضفاء الاعتبار للعقل العملي، تم تمهيد الطريق للحكمة العملية في الإسلام على أساس أصل العدل والحُسن والقبح العقلي.
يجب القول بوضوح: إن عدم اعتبار واقعية المقولات العملية في الفلسفة الإسلامية الراهنة، يعد واحداً من الموانع الجادة في طريق بناء الحضارة الإسلامية؛ إذ بناء على اعتبارية القيم الأخلاقية وإرجاعها إلى الأمور الاجتماعية المشهورة والمقبولة، لن يكون هناك بعد ذلك موضع لأخذ الحكمة العملية الإسلامية بجدية في المنظومة الفكرية لدى المسلمين، وهذا الأمر سيفتح الطريق أمام حضارة علمانية.
ومن بين القابليات الخاصة الأخرى لعلم الكلام في بناء الحضارة التي تمسّ الضرورة إلى طرحها في الأبحاث الحضارية، هي مباني المعرفة الدينية، وهي أمور من قبيل: مساحة الدين، وحاجة الإنسان إلى الدين، ومنزلة الدين في الحياة الفردية والاجتماعية، والعلاقة بين الدين والحياة وما إلى ذلك من المقولات التي كانت مطروحة في أبحاث المعرفة الدينية من علم الكلام، وقد تمّ إحياؤها اليوم ثانية في علم الكلام الجديد. ولا يخفى ما سيكون لهذه الأبحاث من التأثير على معرفتنا الدينية في حقل بناء الحضارة.
الظرفية الأخرى لعلم الكلام هي بحوث نظام الفاعلية في الوجود. ففي علم الكلام تمّ التفريق أولاً ومنذ البداية بين الفعل والعلة. وثانياً: إن نظام العالم من الخالق تعالى إلى جميع الكائنات والبشر قائم على أساس الفاعلية. ومن هنا يمكن على أساس المباني الكلامية اعتبار الإنسان بوصفه (كائناً حيّاً مريداً)، وعدّه ضمن مسار بناء الحضارة الفاعلة الرئيسة، على حين أنه طبقاً للنظرة العلّية، إذ تكوّن كل شيء بشكل سابق وعلى نحو جبري، حيث لا يوجد أيّ اختلاف بين الإنسان والشجر والحجر، لا يكون هناك موضع ولا وظيفة من الناحية العملية لمثل هذا الاعتبار والخطاب.
وفي هذا الإطار لا بدّ من الإشارة إلى الظرفية الخاصة لبعض الأبحاث المذكورة في علم الكلام تحت عنوان (التكليف)، والتذكير بأن الكتب الكلامية للمتكلمين المتقدّمين تبدأ من موضوع التكليف، ويرون للعالم نظاماً مسؤولاً، بمعنى أن العلاقة بين الإنسان والحق تعالى تقوم على أساس مسؤولية الإنسان في الوجود، بما في ذلك تغيير الأوضاع في الاتجاه المطلوب.
إن مبحث (الإمامة والخلافة) في الكلام الإسلامي واحد من الحلقات المباشرة والمتصلة بين هذا العلم والمساحات الحضارية. إن نظريات الإمامة في تاريخ الكلام الإسلامي لا تكشف عن الأسلوب التحقيقي في حقل المجتمع من زاوية المذاهب فقط، بل تعبّر أيضاً عن تجربة عينية للإدارة الدينية في الدائرة السياسية والاجتماعية أيضاً. إن دراسة التراث العريق فيما يتعلق بالإمامة يكشف عن جهود متواصلة للمواءمة بين القيم الدينية والواقعيات العينية. وفي هذا الشأن تشتمل الإمامة الشيعية على خصائص تضعها في أفق رفيع من الرؤية الحضارية، ومن ذلك أولاً: أن الإمامة الشيعية من خلال اتصالها بمصادر فهم الدين ومرجعية المعارف الدينية، تسد الطريق على تسلل القراءات العلمانية للحضارة. وثانياً: إن الإمام هو خليفة الله ويتصرّف بالنيابة عن الحق تعالى، بمعنى أنه في نظرية الإمامة الشيعية، تمّ تخويل الإمام ظرفية التغيير والتحول الإنساني، ومن هنا فإن دائرة ولايته لا تقتصر على المجتمع المؤمن فقط، بل تتسع لجميع البشرية وكامل التاريخ الإنساني.
وعلى هذا الأساس فإن مدار الإمامة في رؤية القرآن وأهل البيت يذهب إلى أبعد من مجرد الولاية السياسية، ليشمل الولاية الاجتماعية وما هو أبعد منها حيث هداية النفوس والأرواح وقيادة جميع الأوضاع الإنسانية في الاتجاه التوحيدي. وثالثاً: يمكن للإمام أن يكون مصدراً للتشريع، وهذا يعني القدرة على خلق الأوضاع الجديدة والتكامل في مسار الحركات الاجتماعية والتاريخية. ورابعاً: إن أفق المهدوية في الإمامة الإسلامية يضع أمامنا في الواقع مدينة فاضلة حقيقية، لا مجرّد مدينة افتراضية، ويعمل هذا الأفق على بلورة مسؤولية الحركة نحو الأهداف الإنسانية السامية. يضاف إلى ذلك أن الاعتقاد بإمام حي ـ دون إمام سوف يولد في المستقبل ـ يساعد على إضفاء الحيوية على الحركات المؤسسة للحضارة، حيث يرى الناشط المسلم نفسه في بقعة ضوء الحضور المعنوي والمؤثر لشخصية عالمية وتاريخية، ويرى سعيه منسجماً مع مسار قائد إلهي عظيم. كما أنه من خلال الاعتقاد بنظرية ولاية الفقيه في عصر غيبة الإمام المعصوم (عجل الله تعالى فرجه الشريف) يؤمن في الواقع بتطبيق أهداف الإمامة في ظروفه الزمانية والمكانية المحدودة. وخامساً: إن ضرورة حضور الإنسان الرباني في بلورة الحضارة العالمية على أساس مفهوم الإمامة الشيعية، تعني أن إمكان الوصول إلى الغاية لا يمكن بواسطة مجرّد التمسك بالشريعة والتعاليم الدينية، بل إن تغيير الظروف في الاتجاه المطلوب إنما يمكن مع وجود إنسان رباني، وهو الإمام الذي ولد في ظل هذه الظروف الدنيوية، وعاش في كنف هذه الظروف.
ومن بين الموارد الأخرى لقابليات الكلام في البحث الحضاري هو البحث المتعلق بالإنثروبولوجيا الكلامية المعتدلة حيث يُقدم بالنسبة إلى العلاقة القائمة بين الروح والجسد نظرية معتدلة، لا تضيّق الخناق على الحياة المادية وتكبت الجسد من جهة، ولا تسمح للروح بالخروج والتنصل عن مدار الحياة البشرية من جهة أخرى. وفيما يلي نشير ـ من بين أبحاث الإنثروبولوجيا في علم الكلام ـ إلى أحد الأبحاث المؤثرة في دائرة الدراسات الحضارية بالتفصيل، عسى أن تشكل نموذجاً لتوسيع المعارف الكلامية في دائرة الدراسات الحضارية.

محورية العقل والإرادة في الإنثروبولوجيا الكلامية:
يمكن من خلال تحليل عناصر الهوية الإنسانية إيضاح كيفية الوصول إلى الحياة الحضارية إلى حدّ ما؛ لأن الحضارة نتاج إنساني منبثق عن حاجة الإنسان والعناصر المكوّنة لهويته الذاتية، بيد أن شرط النجاح في هذا المسار أن يتمّ وصف هذه العناصر بشكل واقعي وجامع، مع عدم إبعاد أي واحد من العناصر الوجودية في الإنسان لصالح الأبعاد الأخرى. إن هذا الاتجاه الواقعي الجامع في معرفة الإنسان يمكن أن يتبلور ضمن الإنثروبولوجيا الكلامية بشكل حسن.
طبقاً للرؤية الكلامية تعدّ الهوية الأساسية والرئيسة للإنسان هوية مفتقرة، يتمّ تزويدها بجميع الكمالات ومن بينها العقل والإرادة، ويمكن سلبها عنه واسترجاعها منه. إن الإنسان هو الـ (أنا) التي تتزيّن بنور العقل، ومن خلال منح الإرادة لها، تغدو مريدة([6]). وفي هذا البين بواسطة حضور الـ >أنا< الإنسانية بين عنصري الإرادة والعقل نحصل على وحدة تركيبية. وهذا ـ بطبيعة الحال ـ لا يعني إلغاء ونفي الوجوه الأخرى في الحياة الإنسانية، من قبيل: العواطف والرغبات، بيد أن الذي يجعل الإنسان من وجهة النظر الكلامية مسؤولاً ويميّزه من الحيوانات الأخرى هو العقل والإرادة؛ لأن العقل والإرادة هما اللذان يعملان على تحرير الإنسان من الرضوخ لقيود القوانين والسنن. وعلى هذا الأساس يعدّ هذان العنصران أساسيان، وسائر العناصر الأخرى عناصر تبعية.
وفيما يتعلق بمكانة العقل والإرادة ومنزلتهما في الهوية الإنسانية، يجب القول أيضاً: إن هذين العنصرين يتمّ تقديمهما إلى الإنسان في عرض واحد، مع فارق أن العقل يقوم بمهمّة التشخيص، بينما تقوم الإرادة بمهمّة الاختيار. وبعبارة أخرى: إن تطبيق المعطيات العقلية وكيفية توظيفها ومساحتها يعدّ نشاطاً إرادياً. ثم إن الإرادة ـ خلافاً للقول المشهور في الفلسفة الإسلامية ـ ليست عاطفة شديدة، بل هي سلطة واقعية للإنسان على فعله وتركه. وبطبيعة الحال فإن العقل في المعنى الخاص هو الكمال الممنوح والحجة القصوى التي تنتهي إليها حجية جميع الحجج الأخرى؛ لأن العقل هو المصدر الوحيد لتشخيص ما في الضمير، وإن العلم المنبثق عن كل دليل خارجي إنما يتم تقييمه بهذه الحجة الداخلية. وطبقاً للقرائن الكثيرة يمكن القول: إن (الجهل) في الاستعمال القرآني في قبال >العقل< إنما يكون بهذا المعنى، وليس بمعنى عدم العلم. إن القرآن الكريم يعبّر عن >عدم العلم< بقوله (لا يعلمون)، في حين أننا نجد في المفهوم القرآني للجهل استعمال ادعاء العلم والتمييز، والكثير من القابليات العلمية الأخرى، من قبيل: المحاسبة والحفظ والتدبير وتوفير الظروف أيضاً.
ولا ينبغي ـ بطبيعة الحال ـ الغفلة عن معطيات العقل؛ لأن هذه المسألة تحظى بأهمية بالغة في بيان النسبة بين علم الكلام وحقل الدراسات الحضارية. وعلى أساس التفاوت بين معقولات ومتعقلات العقل، يمكن أن نعد أربعة أنواع للعقل، أو أربعة أنواع للنشاط العقلي، وذلك على النحو الآتي:
1 ـ العقل النظري، الخاص بحقل الوجود والعدم.
2 ـ العقل العملي، الذي يرتبط بمعرفة ما يجب وما لا يجب.
3 ـ العقل المكتشف، الذي يدرك معاني الرموز والدلالات.
4 ـ العقل الآلي، الذي يتابع الأوضاع القائمة بين الأهداف أو القيَم من جهة، والواقعيات من جهة أخرى.
إنّ العقل التدبيري أو عقل المعاش الذي ورد التعبير عنه في المعارف الدينية الذي هو من شؤون العقل الآلي، يعمل على تدبير شؤون حياة الإنسان على أساس القابليات والأمور المطلوبة والمنشودة. وبطبيعة الحال يمكن الاستمرار في هذه التقسيمات، وإثبات أن العقل النظري ـ على سبيل المثال ـ يدرك أحياناً الأمور الكلية، ويدرك الأمور الجزئية والطبيعية أحياناً أخرى، ومن هنا يمكن لنا الكلام حول النسبة بين العقل والحس أيضاً.

النسبة بين العقل والإرادة:
بعد اتضاح مفهوم ومكانة العقل والإرادة، ننتقل الآن إلى الحديث عن النسبة بين هذين المفهومين [العقل والإرادة]. ويمكن لنا في هذا الشأن أن ندافع عن التعقل بمعنى توظيف العقل من قبل الإرادة في مختلف التطبيقات. إن التعقل مسار إرادي للحصول على المعطيات العقلية، وإن العامل في هذا المسار هو الإرادة وأداتها التطبيقية هو العقل. وإن الذي ينتج عن هذا المسار هو الذي يُسمّى بالعقلانية، وفي الحقيقة فإن العقلانية نوع من رؤية الإنسان ونظرته إلى نفسه وإلى العالم المحيط به، حيث يتأثر بتوظيف العقل ـ أو التعقّل ـ فيما يتعلق بمختلف وجوه الحياة البشرية وأبعادها. إنّ العقل كاشف عن أنّ العقل لا يقبل الخطأ، ولكن عندما تتولى الإرادة الإنسانية توظيف هذا العقل، ربما عملت على تنظيم مسار يؤدي إلى خليط من العقل والجهل، فيتمخض بالتالي عن وعي خاطئ أو غير دقيق. إن الإرادة الإنسانية في التعلق لا تكتفي بمجرّد المدركات البسيطة الحاصلة من الداخل والخارج، بل تعمل على البناء التنظيمي في امتداد المعرفة العلمية. إن البناء التنظيمي والتنظيري يتم من خلال توظيف القابليات الإنسانية في موطن النفس. إن الالتفات إلى موقع الإرادة بوصفها عنصراً بناءً، وإلى موقع العقل بوصفه كاشفاً عن الحقيقة، يحظى بأهمية كبيرة؛ ففي هذا المسار تقوم الإرادة بنشاط معرفي، لا أنها تحصل على المعرفة بنفسها. فالمعرفة على كل حال من وظائف العقل، وأما الإرادة فتباشر الفعل والصنع. قد يتحقق نوع من الصنع في مسار التعقل والمعرفة، إلا أن صنع الفعل يتمخض عن الإرادة بشكل متواصل، حيث تكون معرفية حيناً، وعينية وخارجية في أحيان أخرى.
إنّ هذا البناء التنظيمي الصادر عن الإرادة، يتمكن من العمل على توسيع المعرفة أو تضييقها. إن هذه الرؤية التي تمتد بجذورها في الكلام الإسلامي ومذهب أهل البيت :، تضع حداً وفاصلاً دقيقاً بين الإفراط والتفريط في المعرفة، حيث يذهب أحد الجانبين إلى اعتبار جميع المعارف الإنسانية من شؤون العقل، ويذهب الجانب الآخر إلى اعتبار كل معرفة أمراً مختلقاً وخالياً من التعبير عن الحقيقة والواقع. إن هذه الظرفية الإنسانية في التعاطي بين العقل والإرادة هي التي يصطلح عليها بـ (الإنتاج الفكري).
وعلى هذا الأساس فإن الاختلاف بين التعقل والعقلانية الحاصلة منها، يكمن في أنّ الإنسان يصل إلى المعرفة تارة من خلال توظيف العقل مباشرة، وتارة أُخرى يعمل على تنظيم معرفته في إطار صنع الإرادة. إن الفصل بين التعقل والعقلانية يحظى بالأهمية من جهات عدّة، أوّلاً: إن الشخص يصادف وجود هذين الأمرين في موطن النفس مقترنين، ويمكن لذك أن يتسبب في الخلط بينهما. وثانياً: يمكن لهذا التفريق أن يوضح قدرة الفرد في مسار بناء المنظومة المعرفية، ويكشف عن تفاوت الأنظمة المعرفية ونسبتها إلى التعقّل الأصيل. وثالثاً: إنه يحافظ على إمكان ارتباط المنظومة المعرفية بالعينية الخارجية. وتكمن أهمية النقطة الثالثة من حيث أنه عند انقطاع الارتباط مع الخارج، لن يكون هناك إمكان للإخبار عن الخارج وتحصيل العلم أبداً. ومن خلال الفصل بين التعقل بوصفه طريقاً إلى تحصيل المعرفة، والعقلانية بوصفها نتيجة للجهود العقلانية، يمكن للعقل تزويد الفرد بالمعرفة عن تطابق المعارف والمنظومات المعرفية مع الواقع وعدمه. وعلى هذا الأساس فإن الفرد يواجه على الدوام توظيفين للعقل، وهما: التعقل الأولي الذي يصون ارتباط الفرد بموضوع المعرفة، ويمكن الرجوع إليه بوصفه معياراً للمعرفة. والتعقل الثانوي الذي يتم في إطار الأنظمة المنتَجة.
والخلاصة أن التعقل هو حصيلة العلاقة الجدلية والديالكتيكية بين العقل وإرادة الفرد، وهو منوط ومقيد بمقدار الاستفادة من العقل والإرادة. ومع ذلك فإن العقل على كل حال هو الحاكم والسيد في التشخيص الأول والأخير، ويمكن له أن يرصد حتى تدخل الشهوة في تشخيصاته؛ لأن العقل من أجل إتمام الحجية على الإنسان يجب أن لا يكون محكوماً للعلاقات الجبرية الخارجية والداخلية، الأعم من العلاقات النفسية والاجتماعية والتاريخية. وبالاستناد إلى سيادة وحاكمية المعرفة العقلية هذه، يمكن للفرد في كل لحظة أن يغيّر من الظروف والشروط المحيطة بل والتاريخية أيضاً، ويأسس على أنقاض ذلك حياة أخرى أو حضارة جديدة. وإن الدعوة القرآنية إلى الهجرة والقيام، والدعوة إلى أصل التوبة في التحول الداخلي والوجداني، تمثل بدورها شاهداً آخر على هذا الإمكان الماثل من الظروف البيئية المحيطة بالفرد، وعدم خضوع عقله وإرادته للظروف والشروط المحيطة به.
إن مثلث العقل والتعقل والعقلانية، والفصل بين هذه الأضلاع الثلاثة، من شأنه أن يعمل على إيضاح الخلط الشائع في هذا الشأن. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يمكن القول: إن هيجل قد أخذ التعقل خطأ في قبال العقل، وتحدّث عن حركة وتكامل العقل في التاريخ (انظر: هيجل، 1356 هـ ش). كما خلط أصحاب النزعة التاريخية في الواقع بين العقل والعقلانية، ومن هنا عندما تحدث بعض المفكرين، من أمثال: محمد أركون أو محمد عابد الجابري عن العقل الإسلامي أو العقل العربي، إنما كان مرادهم من ذلك خصوص العقلانية (انظر: أركون، ص 65، 1998م؛ طرابيشي، ص 11، ص 1999م). بل يبدو حتى من ابن خلدون أنه قد خلط في نصوصه بين العقل والعقلانية أيضاً (انظر: العروي، ص343، 1997م).
وهنا رغم تأكيدنا السابق السيادة والحاكمية الحاسمة للعقل، نصرّ كذلك على أن العقلانية ـ بسبب تأثيرها المباشر في اتخاذ القرارات، وحتى في منظومة الأفكار والميول ـ تحظى بمكانة خاصّة. إن النظام الأخلاقي العام، وأولويات الإنسان في مقام العمل رهن بالعقلانية المنظمة بشكل مباشر. وبعبارة أخرى: إن قيادة الحياة الإنسانية تتم عبر العقلانية المنتجة من قبل الإنسان نفسه، أو العقلانية التي يرثها من الثقافة والحضارة الإنسانية، على الرغم من أنّ هناك ـ كما ذكرنا ـ إمكان لتشخيص الآفات وتغيير هذه العقلانية على الدوام، وأن الفرد يتمتع في هذا المسار بالإرادة والاختيار على نحو طبيعي. إن السرّ في الحضور الفعّال للعقلانية في حياة الإنسان يكمن في أنه لا يقوم بشكل متواصل بالمحاسبة العقلانية الواعية، بل على أساس منظومته الفكرية والاتجاه السابق عنده والمتمثل بالعقلانية، بحيث يقوم بالكثير من قراراته على نحو لا شعوري، وهذا هو الذي يكون جزءاً من هويته الثانوية.
إن من بين الأدلة الأخرى التي تؤدي بالإنسان إلى الانتقال بشكل طبيعي من مرحلة التعقل الأولي، والعمل بشكل إرادي على صنع منظومة من النظريات والمفاهيم، هي الموارد الآتية: إن الإنسان بحاجة إلى تنظيم معلوماته وتبيينها وتوضيحها، والعمل على الإجابة عن مجهولاته من طريق إيجاد الارتباط بين معلوماته السابقة. كما أنه يسعى إلى تطبيق معلوماته وخاصة إثر التفاهم مع الآخرين. إن الحاجات الآنفة تستوجب التنظيم الفكري والتنظير بشكل طبيعي، وأما في المرحلة اللاحقة ـ وهي المرحلة الحضارية ـ فإنه سوف يتأثر بمقدار ما يسعى فيه إلى التفاهم مع الآخرين بقابلياتهم المفهومية والمعرفية. إن هذا التفسير للتفكير والمعرفة الإنسانية على خلاف التصورات الفلسفية والعرفانية التي لاتقول في الأساس بوجود دور للإرادة، وإن مبنى هذه الرؤية الفلسفية أنها ترى أساس النشاط الجوارحي والعملي للإنسان يكمن في السعي الجوانحي والنفسي للإنسان، أي فعل المعرفة الإنسانية، وإن مسار المعرفة من وجهة نظر الفلاسفة المسلمين أمر جبري وغير إرادي.
بعد تبلور المصنوعات الذهنية، يمكن للفرد أن يُطلّ من نافذة هذا النظام المعرفي الصناعي ويلقي نظرة ثانية على الكون والإنسان، وتكون لديه أفهام جديدة. ونطلق على هذه الأفهام الجديدة مصطلح (التعقل الثانوي). كما يمكن تسمية هذا التعقل الثانوي بـ (التعقل الجمعي) أيضاً؛ لأن الفرد أثناء التفكير وبناء النظام، غالباً ما يستعين بالأدبيات والثقافات والعلوم المعاصرة وحتى النظام الأخلاقي المحيط به، على الرغم من أنّ هناك في التعقل الأولي تأثيراً للغة والزمان والمكان أيضاً، بيد أن دور هذه الأمور في مسار الفهم شأن تبعي.
أما الخطوة الثالثة في التعقل ـ والتي تحدث في ظل ظروف وشرائط خاصة فقط ـ فهي تكمن في تبلور >العقلانية الحضاريةأنا< المعتقد في العلاقات الاجتماعية، بل تغدو القيم الأخلاقية والثقافة الجماعية هي مبنى التفكير والإرادة لدى الأفراد. وفي هذه المرحلة لا تكون إرادة الفرد أو إرادة آحاد الأفراد فرداً فرداً هي من يعمل على الدفع بالجمع قدماً، بل الذي يعمل هو إرادات الأفراد في إطار الإرادة الجماعية التي حصلت على هوية مستقلة نسبياً. وعلى هذا الأساس يمكن في الحالة الحضارية أن يعمل العلماء والمفكرون ـ دون أن يكون لديهم اعتقاد شخصي ـ على خدمة وتطوير العلم السائد والثقافة الحاكمة.
إن تحديد هذه المراحل في الحياة الإنسانية والمجتمعات البشرية، يمهد الأرضية لإمكان التوصيف النفسي لذات الإنسان وحالته، كما يجعل من التحليل التاريخي ـ الاجتماعي لمراحل تطوّر المجتمعات البشرية أمراً ممكناً. والنقطة الهامة أنه قد تجتمع في آن واحد وبشكل متزامن لدى الإنسان ثلاثة أنواع من التعقل: الأولي، والثانوي (الجمعي)، والحضاري. وفي الوضع الحضاري لا يمكن تحويل حتى علوم من قبيل الفلسفة إلى اعتقاد لدى الأفراد، بل تعمل بوصفها فصلاً مشتركاً حاكماً على العلاقات والإرادات الجمعية. وعلى هذا الأساس فإن العلم والثقافة في الوضعية الحضارية وإن كانت من نتاج الإرادات، إلا أن هذا النتاج قد حصل بنفسه على هوية مستقلة، وإن العمل على تغييرها يحتاج إلى آليات خاصة، ولا يمكن تغيير هذه الهوية بواسطة الإرادات الفردية.
والخلاصة هي أن جوهر الحضارة إنما يتبلور عندما يصل البشر إلى إنتاجٍ مشترك للقيم والمفاهيم والمعتقدات على أساس الأهداف والمقاصد الخاصة. وما ذكرناه في هذه المقالة إنما هو مجرد إشارة إلى قدرة مباني علم الكلام الإسلامي على إعادة إنتاج النظريات الحضارية. ويمكن تطبيق ما يشبه هذا النموذج تقريباً على جميع القابليات الآنف ذكرها في علم الكلام أيضاً.

* المصادر والمراجع *
1 ـ أركون، محمد، تاريخية الفكر العربي الإسلامي، المركز الثقافي العربي، بيروت، 1998 م.
2 ـ سبحاني، محمد تقي، الگوي جامع شخصيّت زن مسلمان، مركز مديريت حوزه هاي علميه خواهران، دفتر مطالعات وتحقيقات زنان، قم، 1382 هـ ش.
3 ـ سبحاني، محمد تقي، مقالة: درآمدي بر جريان شناسي انديشه اجتماعي ديني در ايران معاصر، مجلة: نقد ونظر، العددان: 43 و44، سنة 1385 هـ ش.
4 ـ سبحاني، محمد تقي، مقالة: درآمدي بر جريان شناسي انديشه اجتماعي ديني در ايران معاصر، مجلة: نقد ونظر، العددان: 45 و46، سنة 1386 هـ ش.
5 ـ طرابيشي، جورج، نظرية العقل، دار الساقي، بيروت، 1999 م.
6 ـ العروي، عبد الله، مفهوم العقل، المركز الثقافي العربي، ط 2، بيروت، 1997 م.
7 ـ هيجل، غ. و. عقل در تاريخ، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حميد عنايت، مؤسسة نشر علمي في جامعة شريف الصناعية، طهران، 1356 هـ ش.

--------------------------------------------

محمد تقي سبحاني : عضو الهيئة العلمية في مركز الأبحاث والعلوم والثقافة الإسلامية.
[1] سوف نشير لاحقاً إلى بعض موانع ومشاكل الفلسفة الإسلامية.
[2] في هذا التعريف يعد الفقه بمعنى فهم العناصر المعرفية لمدرسة تشتمل على حقل الضرورات والواجبات. وبالالتفات إلى تقسيم الفقه إلى الفقه الأكبر والفقه الأصغر، نلاحظ أن مساحة الفقه تتسع حتى للنشاط الاعتقادي النظري الخاص، وأما في التطبيقات اللاحقة وإثر اقتصار علم الفقه على الأحكام العملية، تم تفريغ الفقه من حقل الأفكار الكلامية.
[3] تعد الأفكار الأنطولوجية والأنثروبولوجية والاجتماعية والأخلاقية العامة والنسب بين هذه الأمور من المسائل المنظوية تحت هذه الفلسفة.
[4] إن الفلسفة الراهنة خليط من عدّة طبقات علمية، فهي على بعض المستويات تبحث في المسائل العقلانية الجوهرية، وفي موطن ثان تدخل في البحث عن مسائل اللاهوت الخاص، وفي طبقة ثالثة تنظر إلى العلوم العملية، وبهذه النظرة تدخل في بحث مسائل الحكمة العملية.
[5] إن لهذا البحث صلة وثيقة ببحث المعرفة الاضطرارية في الكلام، ويكشف الستار عن عوامل اللاوعي والعناصر الخارجة عن الإبستيمولوجيا في المسار المعرفي، ويرتبط بشكل ما مع علم الاجتماع المعرفي، وعلم النفس الإدراكي.
[6] فيما يتعلق بدراسة وبحث الكمالات الممنوحة للإنسان، يتعيّن الحديث عن الفطرة المعرفية والميول أيضاً، ولكننا في هذا المقال لن نخوض كثيراً في هذين العنصرين رعاية للاختصار، حيث يتم بيان البحث على محور عنصر العقل والإرادة.