البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الحسين قربان الله

الباحث :  السيد محمود المقدس الغريفي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  9
السنة :  السنة الثالثة - شعبان المعظم 1437هـ / 2016م
تاريخ إضافة البحث :  June / 25 / 2016
عدد زيارات البحث :  3261
تحميل  ( 339.272 KB )
الحُسين قُربان الله
السيد محمود المقدس الغريفي

القُرْبان: بضم القاف جمع قرابين: مصدر من قرب يقرب هو كل ما يتقرب به إلى الله تعالى من الطاعات يبتغي بذلك القربة له والوسيلة، ومنه تقولُ: قَرَّبْتُ إِلى اللهِ قُرْبَاناً، ثم صار عرفاً واصطلاحاً يطلق على الهدي أو الذبيحة([1]).

وفي الحديث الشريف: صفة هذه الأمة في التوراة قربانهم دماؤهم. أي يتقربون إلى الله تعالى بإراقة دمائهم في الجهاد، وكان قربان الأمم السالفة ذبح البقر والغنم والإبل، ومنه الحديث: الصلاة قربان كل تقى. أي أن الأتقياء من الناس يتقربون بها إلى الله، أي يطلبون القرب منه بها([2]).

والقرابين من أوائل العبادات التي وجدت على الارض، وإنها من شعائر الله السامية ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾([3]).

والقرآن الكريم يقص علينا قصة ولدي آدم (ع) اذ قرّب كل منهما قرباناً فتقبّلَ من احدهما ولم يُتَقَبَّلْ من الآخر، فقال عز وجل ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آَدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآَخَرِ﴾([4]). واستمرت هذه العبادة حتى يومنا هذا مع الاختلاف والتنوع ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللهِ﴾([5]).

ومن أصدق القرابين الى الله تعالى، قربان خليل الله ابراهيم (ع) ولده إسماعيل (ع)، وقربان عبد المطلب بن هاشم ولده عبد الله والد رسول الله (ص)؛ لأَنّ السماءَ فدتهما كُلّاً على طريقته، فجعل الله تعالى قربانهما فريضة ثابتة، احداهما في الحج، والاخرى مقدار دية الرجل المقتول، كما باهى بهما النبي محمد(ص) وافتخر، حيث قال: انا ابن الذبيحين.

فهذا نبي الله ابراهيم حينما امتحنه الله بذبح ولده اسماعيل الذي انتظره عمراً طويلاً، بشوق وأمل وحنين، فأسلم أمره الى المولى الجليل وقدمه لله عز وجل قرباناً صادقاً، كما أسلم اسماعيل أمره لله عز وجل، وانقادا طائعين له، وطلباً لرضاه جل شأنه، فابدله المولى بذِبح عظيم، بعد أن نجحا في الامتحان العصيب، قال تعالى في كتابه العزيز ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ * فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ * فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ * فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ * وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ * قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ * وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ * وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآَخِرِينَ * سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ * كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ * إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ﴾([6]).

وأما عبدالمطلب بن هاشم فَكان قد تعلق بحلقة باب الكعبة - كما روي عن الإمام علي بن موسى الرضا (ع)- ودعا الله عز وجل أن يرزقه عشـرة بنين، ونذر لله عز وجل أن يذبح واحداً منهم متى أجاب الله دعوته، فلما بلغوا عشـرة قال: قد وفى الله لي فَلَأفِيَّن لله عز وجل، فأدخل ولده الكعبة وأسهم بينهم فخرج سهم عبدالله أبي رسول الله (ص) وكان أحب ولده إليه، ثمَّ أجالها ثانية فخرج سهم عبدالله، ثمَّ أجالها ثالثة فخرج سهم عبدالله، فأخذه وحبسه وعزم على ذبحه، فاجتمع نساء قريش ومنعنه من ذلك، واجتمع نساء عبد المطلب يبكين ويصحن، فقالت له ابنته عاتكة: يا أبتاه أعذر فيما بينك وبين الله عز وجل في قتل ابنك قال: فكيف أعذر يا بنية فإنكِ مباركة – أقول: كأنه نطق على لسانها روح القدس- قالت: اعمد إلى تلك السوائم التي لك في الحرم فاضرب بالقداح على ابنك، وعلى الإبل وأعط ربك حتى يرضى.

فبعث عبد المطلب إلى إبله فأحضـرها وعزل منها عشـراً وضرب بها بالسهام، فخرج سهم عبد الله، فما زال يزيد عشراً عشراً حتى بلغت مائة، فضـرب فخرج السهم على الإبل، فكبرت قريش تكبيرة ارتجت لها جبال تِهامة، فقال عبد المطلب: لا حتى أضرب بالقداح ثلاث مرات، فضـرب ثلاثاً كل ذلك يخرج السهم على الإبل، فلما كان في الثالثة اجتذبه الزبير وأبو طالب وإخوانه من تحت رجليه، فحملوه وقد انسلخت جلدة خده الذي كان على الأرض، وأقبلوا يرفعونه ويقبلونه ويمسحون عنه التراب، وأمر أبو طالب أن ينحر الإبل بالحزورة ولا يمنع أحد منها وكانت مائة.

فكانت لعبد المطلب خمس سُنن أجراها الله عز وجل في الإسلام: حرم نساء الآباء على الأبناء، وسن الدية في القتل مائة من الإبل، وكان يطوف بالبيت سبعة أشواط، ووجد كنزاً فأخرج منه الخمس، وسمى زمزم لما حفرها سقاية الحاجِّ.

ولولا أن عبد المطلب حُجة، وأنَّ عزمه على ذبح ابنه عبد الله، شبيه بعزم إبراهيم على ذبح ابنه إسماعيل لما افتخر النبي (ص) بالانتساب إليهما؛ من أجلِ أنهما الذبيحان في قوله (ص): أنا ابن الذبيحين([7]).

والعلة التي من أجلها رفع الله عز وجل الذبح عن إسماعيل، هي العلة التي من أجلها رفع الذبح عن عبد الله، وهي كون النبي (ص) والأئمة (ع) في صلبيهما، فببركة النبي والأئمة صلوات الله عليهم رفع الله الذبح عنهما؛ فلذلك لم يجر السنة في الناس بقتل أولادهم، ولولا ذلك لوجب على الناس كل أضحى التقرب إلى الله تعالى ذكره بقتل أولادهم، وكلما يتقرب الناس به إلى الله عز وجل من أضحية فهو فداء لإسماعيل إلى يوم القيامة([8]).

ثم أن القربان قربانان: قربان شرعي، وقربان فلسفي، لا ثالث لهما. فأما القربان الشـرعي: فهو المأمور به في الحج من ذبح الحيوانات المذكورة الموصوفة على شرائطها من أجناسها المحمودة السالمة، في المواضع التي يجب ذلك فيها، وأجلها ما كان أكثر ثمناً، وأحسن صورة، وأجود غذاء لمن يأكلها، ممن يفرق فيهم ويشبعهم ويكفيهم. فإذا خرج ذلك من حله ودفع إلى أهله بنفس طيبة، ونية صادقة، كان قرباناً مقبولاً، وكفاية نافعة، ودعاء مستجاباً، فهذا قربان شرعي.

وأما الفلسفي: فهو مثل ذلك، إلا أن النهاية فيه التقرب بالأجساد إلى الله سبحانه بتسليمها إلى الموت وترك الخوف... وأن أعظم القرابين هو ترك النفس محبة الدنيا والزهد فيها، وقلة الخوف من الموت وتمنيه ([9]).

فإن في إراقة دم القربان ميل القلب عن حب الدنيا، وبذلها إيثاراً لوجه الله، دون مجرد الدم واللحم، وميل القلب إنما يحصل عند جزم النية والهمة، وإن عاق عن العمل عائق، فــ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾، والتقوى صفة القلب([10]).

ومن أروع صور الإيثار بالنفس لوجه الله تعالى ما بذله الامام الحسين في كربلاء، فإنه فدى نفسه لرضى الله تعالى، وقدم أهله وأحبائه في سبيل إحياء الدين، ورسم صوراً رائعة من العطاء والإباء، والرحمة والفداء، ولولا هذا الموقف العظيم لسيد الشهداء (ع) لأمسى الإسلام في خبر كان، وقد شهد بذلك العظماء من فلاسفة الغرب، كالمسيو ماربين الألماني في كتابه (السياسة الإسلامية) حيث قال: لا يشك صاحب الوجدان إذا دقق النظر في أوضاع ذلك العصـر، وكيفية نجاح بني أمية في مقاصدهم، واستيلائهم على جميع طبقات الناس، وتزلزل المسلمين، أن الحسين قد أحيا بقتله دين جده، وقوانين الإسلام وإن لم تقع تلك الواقعة، لم تظهر تلك الحسيات الصادقة بين المسلمين لأجل قتل الحسين، ولم يكن الإسلام على ما هو عليه الآن قطعاً؛ بل كان من الممكن ضياع رسومه وقوانينه، حيث كان يومئذ حديث العهد([11]).

كما أراد الله عز وجل لهذا الدم الزكي أن يروي الارض ويسقيها بلا ذِبح ولا فِداء؛ ليصبح الحسين رمزاً إِلهياً في بذل النفس في سبيل الله تعالى وإحياء لدينه الحنيف، بعد أن أعرض عن كل صور الحياة السعيدة ومغرياتها الهنيئة، من ألفة الأهل والأولاد، ومحبة الأخوة والأعمام، واخلاص الأحبة والأصحاب، وحلاوة الغنى والترف والراحة، وعلو المنزلة، وعظم الشأن، ورفعة المقام والجاه، ونحو ذلك من توابع الحياة ومتعها، فنأى عن كل هذه اللذائذ الدنيوية بنفسه الأبية، وتحمل ما تحمل من المحن والمصائب، والفجائع والآلام من شيعة آل ابي سفيان لِلقاء الله عز وجل والفوز بما اعده له في الآخرة، فقرر أن يكون هو القربان الى الله تعالى، مخلصاً صادقاً في بذل النفس والروح وما يستتبعها، وأن يمثل الصورة الحقيقية المنجزة على ارض الواقع، والعنوان الخالد للأحرار والثوار، في إحياء المبدأ والعقيدة على دروب الإنسانية.

إن هذا المعنى الرفيع والمبدأ السامي قد استَقرَتهُ العقيلة زينب (ع) واستوحته من تضحية سيد الشهداء وفكره في كربلاء، وهي العالمة غير المُعلمة والفهِمة غير المُفهمة كما وصفها الإمام زين العابدين (ع) ([12])؛ ولهذا قامت في كربلاء بتقديم أخيها الحسين (ع) قرباناً الى الله تعالى، عندما رأته في العراء، مقطع الأوصال، مضمخ بدمه الطاهر، فقد روي أنه لما سير ابن سعد الرؤوس - رؤوس شهداء الطف- ، أقام مع الجيش إلى الزوال من اليوم الحادي عشـر من المحرم الحرام، فجمع قتلاه وصلى عليهم ودفنهم، وترك سيد شباب أهل الجنة، وريحانة الرسول الأكرم، ومن معه من أهل بيته وصحبه بلا دفن، تسفي عليهم الصبا (الريح). وبعد الزوال ارتحل إلى الكوفة ومعه نساء الحسين وصبيته وجواريه وعيالات الأصحاب، وكن عشرين امرأة. وسيروهن على أقتاب الجمال بغير وطاء، كما يساق سبي الترك والروم، وهن ودائع خير الأنبياء، ومعهن الامام السجاد(ع) وقد أنهكته العلة، ومعه ولده الباقر (ع) وله سنتان وأشهر.

فقلن النسوة: بالله عليكم إلا ما مررتم بنا على القتلى. ولما نظرن إليهم مقطعي الأوصال، قد طعمتهم سُمر الرماح، ونهلت من دمائهم بيض الصفاح، وطحنتهم الخيل بسنابكها، صحن وصاحت زينب: يا محمداه هذا حسين بالعراء، مرمل بالدماء، مقطع الأعضاء، وبناتك سبايا، وذريتك مقتلة. فأبكت كل عدو وصديق. ثم بسطت يديها تحت بدنه المقدس ورفعته نحو السماء وقالت: إلهي تقبل منا هذا القربان!) ([13]).

وفي كتاب الطراز المُذْهَب: أنها - سلام الله عليها وعلى جدها وأبيها وأمها وإخوانها - لما وقفت على جسد أخيها الحسين (ع) قالت: اللهم تقبل منا هذا القليل من القربان([14]).

إن هذه الكلمات الجليلة من هذه الحرة الطاهرة، في تلك الوقفة العظيمة التي رأت بها أخاها العزيز بتلك الحالة المفجعة التي كان فيها، تكشف لنا قوة إيمانها، ورسوخ عقيدتها، وفنائها في جنب الله تعالى، وغير ذلك مما لا يخفى على المتأمل([15]).

فالعقيلة زينب (ع) كانت من القانتات، العابدات، المصدِقات بما جاء في الكتاب العزيز وبما بلّغه جدها الرسول الكريم، وكانت تحاكي أُمّها الزهراء (ع) في عبادتها وتبتلها، وهي من النساء القلائل اللواتي وقفن أنفسهن وحركاتهن وسكناتهن وأنفاسهن لله عز وجل.

فإنها لم تترك عبادتها لهول ما جرى عليها من المصائب وكثرة المحن وما رأته من الفجائع العظيمة، وقد تحملت ما تحملت من المصائب الجليلة، وقد ثُكلت بأخيها حجة الله في الارض وباقي اخوتها كأنهم البدور، وبأولاد اخوتها وابناء عمومتها وولديها وأصحابهم من خُلَّص شيعة أبيها، رأتهم مُجَزَّرين كالأضاحي، ولكنها مع ما مرَّ عليها لم تفتر عن عبادتها قط، ففي مثير الأحزان: قالت فاطمة بنت الحسين (ع) وأما عمتي زينب (ع) فإنها لم تزل قائمة في تلك الليلة - أي العاشرة من المحرم- في محرابها تستغيث إلى ربها، فما هدأت لنا عين، ولا سكنت لنا رنة([16]).

بل ما تركت تهجدها لله تعالى طول دهرها حتى ليلة الحادي عشـر من المحرم، مع ما لاقته من المحن والنوائب من هجوم شيعة آل ابي سفيان وجيشهم على خيامهم ورحلها، وما فعلوه من سلب ونهب، وإهانة وضرب، مع تكفلها حال النساء والأطفال ورعايتهم، مع ذل الأسر والسبي وغير ذلك من الرزايا والمحن التي يعجز عن بيانِها الإنسان ويكل عن وصفها اللسان. فقد روى عن الامام زين العابدين (ع) أنه قال: رأيتها تلك الليلة تصلى من جلوس. فسألتها: عمة لِمَ تُصَلِّينَ صلاتك عن جلوس. قالت: يا بن أخي، ان رجلاي لا تحملانني([17]). ويظهر أن تلك الصلاة كانت صلاة فريضة، إذ لا خلاف في جواز الصلاة المستحبة جلوسا.

وروى أيضا عن الإمام زين العابدين (ع) أنه قال : إن عمتي زينب كانت تؤدي صلواتها من الفرائض والنوافل عند سير القوم بنا من الكوفة إلى الشام من قيام، وفي بعض المنازل كانت تصلي من جلوس فسألتها عن سبب ذلك فقالت: أصلي من جلوس لشدة الجوع والضعف منذ ثلاث ليال؛ لأنّها كانت تقسم ما يصيبها من الطعام على الأطفال؛ لأنّ القوم كانوا يدفعون لكل واحد منا رغيفا واحدا من الخبز في اليوم والليلة([18]).

كما نرى منها عمق فكرها الثاقب ونظرتها العميقة للحياة والمواقف، فنجد أن الايمان الصادق، والصبر الجميل، وثبات النفس، والتسليم التام لأمر الله تعالى والرضى بقضائه، راكز في نفسها وجنانها، ويدل على ذلك عِظم موقفها في كربلاء، فقد وقفت على تلك الأجساد الطاهرة بكل شجاعة وصلابة، رابطة الجأش، ثابتة العزم، راسخة الايمان والعقيدة، وقد احتسبتهم عند الله تعالى.

وما أن وقفت على جسد أخيها الحسين (ع) حجة الله في الارض، وقد رأته محزوز الرأس، مقطع الأشلاء، مسلوب الرداء، وشيعة آل أبي سفيان وجيش الأعداء يرمقونها بأبصارهم، فرفعت يديها إلى السماء صابرة مطمئنة، بإخلاص وخشوع وقالت: (اللهم تقبل منا هذا القربان) فكسـرت عين كل ناظر، وأخمدت شماتة الاعداء، وكان عزاؤُها بأخيها أن قدمته قُرباناً الى الله تعالى وطاعة له؛ لتنال أرفع درجات أهل الثواب على المصاب، ويتجلى كلامها حقيقة وواقعا بـ (سمو المعنى في سمو الذات).

فانظر وتأمل قولها (اللهم تقبل منا هذا القربان) فالقربان – كما مرَّ عليك- أمر عبادي محض، وأنه من شعائر الله تعالى الحقيقية؛ لأن فيه بذل الغالي والنفيس عن طيب نفس ورضاً، وإن من اسمى القرابين التي فيها البَذل للدم الزاكي والروح؛ القرابين التي تبذل من أجلِ حفظ الدين، والمبادئ العليا، والقيم المثلى.

فيدل ذلك على نقاوة الاخلاص منها (ع) وروح العبودية لله تعالى، والتسليم له في كل موطن تبرز فيه، بأرقى صورها ومعانيها ومراتبها، فإن الإسلام يربط بين العقيدة والشعائر، فهو منبثق من العقيدة وقائم على الشعائر.

كذلك يدل هذا على وعي العقيلة زينب (ع) وعظم منزلتها وفضل علمها، بما قدمه الإمام الحسين (ع) وادراكها اليقيني لمبادئه السامية، في رسم معالم نهضته وأهدافه بوعي وتدبر، وكأنها تقول: إن ما قام به الحسين إنما هو رسالة إلهية متمخضة عن الإخلاص التام، والقربة المطلقة، والعبادة الخالصة؛ لرضى الله عز وجل والدين الحنيف.

وعلى هذا قَدَمت الحسين قُرباناً، قدمته قربان آل محمد لله عز وجل، وهل يوجد أفضل من الحسين، واعز منه، واغلى من وجوده على الارض، وهو حُجة الله، وابن بنت نبيه، وخامس أهل الكساء من العترة المطهرة، وسيد شباب اهل الجنة، أن يُقدِم نفسه قرباناً طاهراً زكياً الى الله تعالى.

فالعقيلة زينب كأنها أعلنت ذلك عن دراية وإخبار بما حُدثت به من أمها وابيها وأخويها، بأن الحسين هو قربان آل محمد، وبيدِكِ مَنْ يقرب هذا القربان الى المولى الجليل؛ لأنّك شريكته في المصاب والهدف، وهذه منزلة رفيعة، ودرجة عالية، ومقام عظيم للعقيلة زينب، بأن تقدم حجة الله في الارض قرباناً الى الله سبحانه وتعالى، حاكت برفعتها ومقامها منازل الانبياء والمرسلين، وبلغت درجات الأوصياء والاولياء (ع).

وكأن الفكر ينصـرف الى أن القربان الإلهي الذي رُفِع عن جدّي الحسين: نبي الله اسماعيل (ع)، وعبد الله والد النبي محمد (ص)؛ ادُخر للحسين (ع)؛ ليحظى بالشرف الخالص وهو ابن رسول الله وخاتم النبيين، وأن يرفع بيد شريكته في النهضة الحوراء زينب، ويقدم الى المولى الجليل، قرباناً خالصاً؛ لتنال بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب ؛ ومن ثَّم بعث الروح في رسالة جده المصطفى من جديد، بعد ما أراد الانقلابيون والطلقاء القضاء عليها، وموتها سريرياً، بتجفيف اغصانها، وتَيْبِيْسِ اوراقها، فرواها الحسين بدمه الزكي وأهل بيته وأصحابه، وحمل نفسه الأبية قرباناً لله تعالى، وإن أسلم لذلك جداه - اسماعيل وعبد الله- فجعل الله تعالى قربانهما فريضة ثابتة، احداهما في الحج، والأخرى مقداراً لدية الرجل المقتول.

ولكن أراد للحسين أن يكون قربان السماء وفدائها، ورمزاً لأحرار الإنسانية، وشعلة لثوارها، على اختلاف ألوانهم وتنوع أطيافهم وتغاير أديانهم، فكان قدوة للعالمين؛ بل نعاه الانبياء والمرسلون، واختلطت دِماؤهم بدموعهم لذكراه، فأكرمه المولى وشرفه بأن قال فيه على لسان أولياءه: أنه ثأر الله.

فقد أعطى الحسين كل ما في نفسه للمولى الجليل، ولسان حاله مخاطباً الله عز وجل: أنت الذي أريده، أنت وحدك، أنت يا رب، أنا مُصْغٍ إليك، مأخوذ أبدا بك في صمت، لست أعرف كيف أدرك أسرار إلهامك، إن موسيقاك لتضـيء الدنيا وتسـري بأنفاسها في أرجاء السماء، بينما يجتاز فيضها المقدس السدود، ويجرف الأصفاد، إني واثق بك أيها الحق الكريم الذي أشعلت نور الحكمة في عقلي، سأبذل نفسـي لألتمسك في جميع أعمالي، أيا قوي إن قوتك تهبني الصبر على العمل([19]).

فالحسين هو قربان الله في الارض، وثأره من الظالمين، ونور للهداية والإباء لكافة البشر، وما يؤيد هذا أنه ورد ذكره وصفته في الكتب السماوية السابقة ، فهذا يوحنا يخبر عن المذبوح بكربلاء، إذ جاء في سِفره باللغة العِبرية:

( كي أتا نشحطتا وي بدمخا قانيتا لإيلوهيم من كل مشبحا وي لا شون وي كل عم وي گوي وي إيريه وا اشمع قول ملاخيم ربيم قورئيم عوشير وي حاخما وي گبورها وي هدار كاود وي براخا) .

ويعني هذا النصُّ بالعربية: إنك الذي ذبحت، وقدمت دمك الطاهر قرباناً للرب، ومن أجل إنقاذ الشعوب والأمم، وسينال هذا الذبيح المجد والعزة والكرامة وإلى الأبد؛ لأنه جسد البطولة والتضحية بأعلى مراتبها).

فالنص العبري يشير إلى الإمام الحسين (ع) من خلال ما جاء على لسان يوحنا بأنه المذبوح الذي ضحى بنفسه وأهل بيته من أجل الله، وأنه سينال المجد والعزة على مر العصور، حيث نجد الإشارة إلى أنه (ذبح، قتل) من خلال صيغة اسم الفاعل (نشحطتا) وهي مشتقة من الفعل (شاحط): (ذبح، قتل) ثم نجد في النص العبري تأكيداً آخر على أن المذبوح يشري دمه الطاهر قربة إلى الله وابتغاء مرضاته، من خلال عبارة: (بدمخا قانيتا) فالفعل (قانيتا) هو بالأصل: (قانا): (اشترى، باع) و(التاء) في (قانيتا) هي (تاء المخاطب). ثم الإشارة إلى نكتة مهمة وهي أن هذه التضحية وهذا القربان الذي قدمه الحسين (ع) لكل الشعوب والأمم على اختلاف لغاتهم وقومياتهم بقوله: (من كل مشبحا ولا شون وعم وگوي)، ثم يؤكد النص أنّ الله سيجعل - لسيد الشهداء - المجد والكرامة والعزة، بقوله:

(وي اشمع قول ملاخيم ربيم قورئيم عوشر وي حاخما وي گبورا وي هدار كاوود).

وهذا ما ينطبق على سيد الشهداء المذبوح بكربلاء، الذي انفرد بهذه الخصوصية التي ميزته عن بقية الشهداء على مر التأريخ([20]).

بل روي أن إبراهيم (ع) مرَّ على كربلاء فشم تربتها وصلى فيها، واشترى أرضها من أهلها، وسماها (كربلاء). وأن في قاموس اللغة الآشورية القديمة الذي وضعه علماء الآثار الغربيون، يذكر أن معنى (كربو- لو) هو: الرجل القربان، ومعنى (كربو- ئيل) قربان الله([21]).

كما أن الحسين معروف عند الأنبياء والأوصياء السابقين بأنه القربان الإلهي المفجوع الذي تبكي العيون لذكره، وهو القائل (ع): أنا قتيل العبرة، لا يذكرني مؤمن الا استعبر([22]).

وأضحى الحسين (ع) منقذ البشـرية والإنسانية من سباتها، وملهم الشعوب للتضحية والفداء في سبيل العقيدة والمبدأ، بعد أن روى رسالات السماء بدمه الطاهر، وعَبَّدَ طرق الأنبياء من جديد، وأنار دروبها من ظلمة الظالمين، فبكاه الأنبياء والأوصياء، وحزنوا عليه، ولعنوا قاتليه، تعبيراً تضامنياً، وتأييداً سماوياً؛ لأنهم في خط رسالي واحد، وتثبيتاً لظلامته، واستنكاراً لانتهاك حرمته، وهو حجة الله في الارض وابن خاتم الأنبياء والأوصياء، فهذا نبي الله آدم روي أنه لمّا هبط إلى الأرض لم يَرَ حوّاء فصار يطوف الأرض في طلبها فمرّ بكربلاء فاعتلّ [ فاغتمّ ] وضاق صدره من غير سبب، وعثر في الموضع الّذي قتل فيه الحسين (ع) حتّى سال الدّم من رجله ، فرفع رأسه إلى السّماء وقال: إلهي هل حدث منّي ذنب آخر فعاقبتني به؟ فإنّي طفت جميع الأرض، وما أصابني سوء مثل ما أصابني في هذه الأرض؟ فأوحى الله إليه: يا آدم ما حدث منك ذنب، ولكن يقتل في هذه الأرض ولدك الحسين ظلماً فسال دمك موافقة لدمه، فقال آدم: يا ربّ أيكون الحسين نبيّاً؟ قال: لا، ولكنّه سبط النّبيّ محمّد، فقال: ومن القاتل له؟ قال: قاتله يزيد لعين أهل السّموات والأرض! فقال آدم: فأيّ شيء أصنع يا جبرئيل؟ فقال: العنه يا آدم، فلعنه أربع مرّات، ومشى خطوات إلى جبل عرفات فوجد حوّاء هناك([23]).

وروى صاحب (الدرّ الثّمين) في تفسير قوله تعالى: ﴿فَتَلَقّْى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَات﴾ أنّه رأى ساق العرش وأسماء النّبيّ والأئمّة (ع) فلقّنه جبرئيل قل: يا حميد بحقّ محمّد، يا عالي بحقّ عليّ، يا فاطر بحقّ فاطمة، يا محسن بحقّ الحسن والحسين ومنك الإحسان. فلمّا ذكر الحسين سالت دموعه وانخشع قلبه، وقال: يا أخي جبرئيل في ذكر الخامس ينكسـر قلبي وتسيل عبرتي؟ قال جبرئيل: ولدك هذا يصاب بمصيبة تصغر عندها المصائب، فقال: يا أخي وما هي؟ قال: يقتل عطشاناً غريباً وحيداً فريداً ليس له ناصر ولا معين، ولو تراه يا آدم وهو يقـول : وا عطشاه وا قلّة ناصراه، حتّى يحول العطش بينه وبين السّماء كالدّخان، فلم يجبه أحد إلاّ بالسّيوف، وشرب الحتوف، فيذبح ذبح الشاة من قفاه، وينهب رحله أعداؤه، وتشهر رؤوسهم هو وأنصاره في البلدان، ومعهم النّسوان، كذلك سبق في علم الواحد المنّان؛ فبكى آدم وجبرئيل بكاء الثّكلى([24]).

وروى أنّ نوحاً لمّا ركب في السّفينة طافت به جميع الدّنيا، فلمّا مرّت بكربلاء أخذته الأرض، وخاف نوح الغرق فدعا ربّه وقال: إلهي طفت جميع الدّنيا وما أصابني فزع مثل ما أصابني في هذه الأرض؟ فنزل جبرئيل وقال: يا نوح في هذا الموضع يقتل الحسين سبط محمّد خاتم الأنبياء، وابن خاتم الأوصياء. فقال: ومن القاتل له يا جبرئيل؟ قال: قاتله لعين أهل سبع سماوات، وسبع أرضين، فلعنه نوح أربع مرّات، فسارت السّفينة حتّى بلغت الجوديّ واستقرّت عليه([25]).

روي أنّ إبراهيم (ع) مرّ في أرض كربلاء وهو راكب فرساً فعثرت به، وسقط إبراهيم وشجّ رأسه، وسال دمه، فأخذ في الاستغفار وقال: إلهي أيّ شيء حدث منّي؟ فنزل إليه جبرئيل وقال: يا إبراهيم ما حدث منك ذنب، ولكن هنا يقتل سبط خاتم الأنبياء، وابن خاتم الأوصياء، فسال دمك موافقة لدمه. قال: يا جبرئيل ومن يكون قاتله؟ قال: لعين أهل السّموات والأرضين، والقلم جرى على اللّوح بلعنه بغير إذن ربّه، فأوحى الله تعالى إلى القلم إنّك استحققت الثناء بهذا اللّعن، فرفع إبراهيم (ع) يديه ولعن يزيد لعناً كثيراً، وأمّن فرسه- أي قال آمين- بلسان فصيح، فقال إبراهيم لفرسه: أيّ شيء عرفت حتّى تؤمّن على دعائي؟ فقال: يا إبراهيم أنا أفتخر بركوبك عليَّ، فلمّا عثرت وسقطت عن ظهري عظمت خجلتي وكان سبب ذلك من يزيد لعنه الله تعالى([26]).

وروى الصّدوق عن الفضل بن شاذان، قال: سمعت الرّضا (ع) يقول: لمّا أمر الله تبارك وتعالى إبراهيم (ع) أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الّذي أنزله عليه، تمنّى إبراهيم (ع) أن يكون يذبح ابنه إسماعيل (ع) بيده، وأنّه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الّذي يذبح أعزّ ولده بيده، فيستحقّ بذلك أرفع درجات أهل الثّواب على المصائب، فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا إبراهيم من أحبّ خلقي إليك؟ فقال: يا ربّ ما خلقت خلقاً هو أحبّ إليَّ من حبيبك محمّد (ص) فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا إبراهيم أفهو أحبّ إليك أو نفسك؟ قال: بل هو أحبّ إليَّ من نفسي، قال: فولده أحبّ إليك أو ولدك؟ قال: بل ولده، قال: فذبح ولده ظلماً على أعدائه أوجع لقلبك، أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟ قال: يا ربّ بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي، قال يا إبراهيم، فإنّ طائفة تزعم أنّها من أمّة محمّد (ص) ستقتل الحسين (ع) ابنه من بعده ظلماً وعدواناً، كما يذبح الكبش فيستوجبون بذلك سخطي. فجزع إبراهيم (ع) لذلك، وتوجّع قلبه وأقبل يبكي فأوحى الله عزّ وجلّ إليه: يا إبراهيم قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين (ع) وقتله، وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثّواب على المصائب، فذلك قول الله عزّ وجلّ (وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْح عَظِيم) ولا حول ولا قوّة إلاّ باللّه العليّ العظيم([27]).

وروى أنّ موسى كان ذات يوم سائراً ومعه يوشع بن نون، فلمّا جاء إلى أرض كربلاء انخرق نعله، وانقطع شراكه ودخل الحسك في رجليه وسال دمه، فقال: إلهي أيّ شيء حدث منّي؟ فأوحى الله إليه: إنّ هنا يقتل الحسين، وهنا يسفك دمك موافقة لدمه، فقال: ربّ ومن يكون الحسين؟ فقيل له: هو سبط محمّد المصطفى وابن عليّ المرتضـى، فقال: ومن يكون قاتله؟ فقيل: هو لعين السّمك في البحار، والوحوش في القفار، والطّير في الهواء، فرفع موسى يديه ولعن يزيد ودعى عليه، وأمّن يوشع بن نون على دعاءه ومضى لشأنه([28]) .

كما أن عيسى (ع) لعن قاتلي الحسين وأمر بني إسرائيل بلعنهم، وقال: من أدرك أيامه فليقاتل معه، فإنه كالشهيد مع الأنبياء، مقبلاً غير مدبر، وكأني أنظر إلى بقعته، وما من نبي إلا وزارها، وقال: إنك لبقعة كثيرة الخير، فيك يدفن القمر الزاهر([29]).

وروى الشيخ الصدوق في (إكمال الدين): أن عيسى (ع) مرَّ بأرض كربلاء، وتوقف فوق مطارح الطف، ولعن قاتلي الحسين ومهدري دمه الطاهر فوق هذه الثرى([30]).

كما أشير الى معركة الطف في سِفر أرميا حيث جاء فيه: (في ذلك اليوم يسقط القتلى في المعركة قرب نهر الفرات، وتشبع الحرب والسيوف، وترتوي من الدماء التي تسيل في ساحة المعركة، بسبب مذبحة رب الجنود في أرض تقع شمال نهر الفرات)([31]).

إن هذه الوقائع والاحداث والإخبارات التي منبعها السماء تحاكي ما بشـر به رسول الله محمد (ص) خاتم الأنبياء، وأبوهُ أمير المؤمنين علي (ع) خاتم الأوصياء، في حق الحسين، فقد روي عن أبي الطفيل قال: استأذن ملك القطر أن يسلم على النبي (ص) في بيت أم سلمة، فقال: لا يدخل علينا أحد، فجاء الحسين بن علي رضي الله عنهما فدخل، فقالت أم سلمة هو الحسين، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: دعيه فجعل يعلو رقبة النبي (ص) ويعبث به، والملك ينظر، فقال الملك: أتحبه يا محمد؟ قال: اي والله إني لأحبه، قال: أما إن أمتك ستقتله وإن شئت أريتك المكان! فقام بيده فتناول كفاً من تراب، فأخذت أم سلمة التراب فصرته في خمارها، فكانوا يرون أن ذلك التراب من كربلاء ([32]).

وعن معاذ بن جبل قال: خرج علينا رسول الله (ص) متغير اللون فقال: أنا محمد، أوتيت فواتح الكلام وخواتمه، فأطيعوني ما دمت بين أظهركم، فإذا ذهب بي فعليكم بكتاب الله، أحلوا حلاله وحرموا حرامه، أتتكم الموتة، أتتكم بالروح والراحة، كتاب من الله سبق أتتكم فتن كقطع الليل المظلم، كلما ذهب رسل جاء رسل، تناسخت النبوة فصارت ملكاً، رحم الله من اخذها بحقها، وخرج منها كما دخلها، أمسك يا معاذ واحص، قال: فلما بلغت خمساً قال: يزيد لا بارك الله في يزيد، ثم ذرفت عيناه (ص)، ثم قال: نعى إلىَّ حسين، وأتيت بتربته، وأخبرت بقاتله، والذي نفسـي بيده لا يقتلوه بين ظهراني قوم لا يمنعونه إلا خالف الله بين صدورهم وقلوبهم، وسلط عليهم شرارهم، وألبسهم شيعاً. قال: واها لفراخ آل محمد من خليفة يستخلف مترف، يقتل خلفي وخلف الخلف، أمسك يا معاذ، فلما بلغت عشـرة قال: الوليد اسم فرعون هادم شرائع الاسلام بين يديه، رجل من أهل بيته يسل الله بسيفه فلا غماد له، واختلف فكانوا هكذا، فشبك بين أصابعه، ثم قال: بعد العشـر ين ومائة يكون موت سريع، وقيل: ذريع، ففيه هلاكهم، ويلي عليهم رجل من ولد العباس([33]).

وعن أم سلمة قالت: كان الحسن والحسين يلعبان بين يدي رسول الله (ص) في بيتي، فنزل جبريل فقال: يا محمد إن أمتك تقتل ابنك هذا من بعدك، وأومأ بيده إلى الحسين، فبكى رسول الله (ص) وضمه إلى صدره، ثم قال رسول الله (ص): يا أم سلمة وديعة عندك هذه التربة، فشمها رسول الله (ص) وقال: ويح وكرب وبلاء، قالت: وقال رسول الله (ص) يا أم سلمة: إذا تحولت هذه التربة دماً فاعلمي أن ابني قد قتل! قال: فجعلتها أم سلمة في قارورة، ثم جعلت تنظر إليها كل يوم وتقول: إن يوماً تحولين دماً ليوم عظيم([34]).

وعن شيان بن محرم وكان عثمانياً، قال: إني لمَعَ علي رضي الله عنه إذ أتى كربلاء فقال: يقتل بهذا الموضع شهيد ليس مثله شهداء إلا شهداء بدر، فقلت: بعض كذباته؟! وَثَمّ – أي هناك- رِجل حمار ميت، فقلت لغلامي: خذ رِجل هذا الحمار فأوتدها في مقعده وغيبها، فضـرب الدهر ضربة، فلما قتل الحسين بن علي انطلقت ومعي أصحابي، فإذا جثة الحسين بن علي على رجل ذلك الحمار، وإذا أصحابه ربضة حوله([35]).

وروى ابن عساكر عن مدرك الجعفي عن عبد الله بن نجي عن أبيه أنه سافر مع علي بن أبي طالب وكان صاحب مطهرته، فلما حاذوا (نِيْنَوى) ([36]) وهو منطلق إلى صفين، نادى علي صبرا أبا عبد الله، صبرا أبا عبد الله بشط الفرات! قلت: ومن ذا أبو عبد الله، قال: دخلت على رسول الله (ص) وعيناه تفيضان، فقلت: يا نبي الله أغضبك أحد، ما شأن عينيك تفيضان؟، قال: بل قام من عندي جبريل فحدثني أن الحسين يقتل بشط الفرات، وقال: هل لك أن أشمك من تربته؟ فقال: قلت: نعم، فمد يده فقبض قبضة فأعطانيها، فلم يسعني أملك عيني أن فاضتا([37]).

وعن عائشة قالت دخل الحسين بن علي رضي الله عنهما على رسول الله (ص) وهو يوحى إليه، فنزا على رسول الله (ص) وهو منكب وهو على ظهره فقال جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: أتحبه يا محمد؟ قال: يا جبريل ومالي لا أحب ابني. قال: فإن أمتك ستقتله من بعدك! فمد جبريل (ع) يده، فأتاه بتربة بيضاء، فقال: في هذه الأرض يقتل ابنك هذا، واسمها الطف، فلما ذهب جبريل (ع) من عند رسول الله (ص) خرج رسول الله (ص) والتزمه في يده يبكي! فقال: يا عائشة إن جبريل أخبرني أن ابني حسين مقتول في أرض الطف، وان أمتي ستفتن بعدي، ثم خرج إلى أصحابه فيهم على وأبو بكر وعمر وحذيفة وعمار وأبو ذر رضي الله عنهم وهو يبكي، فقالوا: ما يبكيك يا رسول الله؟ فقال: أخبرني جبريل (ع) ان ابني الحسين يقتل بعدي بأرض الطف، وجاءني بهذه التربة، وأخبرني: أن فيها مضجعه([38]).

وبكاه أمير المؤمنين (ع) أيضا، فقد روى الصدوق بسنده عن ابن عباس قال: كنت مع أمير المؤمنين علي (ع) في خروجه إلى صفين، فلما نزل نينوى وهي شط الفرات، قال بأعلى صوته: يا بن عباس أتعرف هذا الموضع؟ قلت: لا أعرفه يا أمير المؤمنين، فقال (ع): لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتى تبكي كبكائي، قال: فبكى كثيراً حتى اخضلت لحيته، وسالت الدموع على صدره، وبكينا معه وهو يقول: آه آه، ما لي ولآل أبي سفيان، صبراً يا أبا عبد الله، فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم([39]).

وغير ذلك كثير من الروايات المستفيضة عن رسول الله (ص)، والإمام أمير المؤمنين علي (ع) التي تخبر بما سيحدث على أرض كربلاء وما يجري على أبي عبد الله الحسين ومظلوميته، وأشارت إلى محل شهادته، والحسين ما زال طفلاً صغيراً.

فالحسين هو القربان الذي يفتخر الله به جل شأنه، ويباهي بدمه الأنبياء والأوصياء، وأنه القربان المتقبل، الخالص النقي، وقد بشـر به الباري تبارك وتعالى، وجعله كالسنة الكونية، التي لابد من أن يعيش ذكراها الأنبياء والأوصياء في أفكارِهم، وأن يؤمنوا بها ويسلموا لصاحبها، وأن تخشع قلوبهم لهولها على مدار سير البشرية من نبي الله آدم(ع) حتى خاتمهم رسول الله محمد (ص) وآله الأطهار(ع).

على أنني لا أفهم مدى عِظم هذه الفاجعة عند المولى جل شأنه وقبولها، وربما قد مرّ مثلها أو ما يقاربها في الأمم السالفة؛ ألِعظم هولها، ام النية والبذل لله تعالى كـان أقـرب وأخلـص، أم الواقعــة جــرت على مَنْ هـو أعز وأشرف- وهذا لا خلاف فيه- ، والله العالم.

ومن هنا قال الامام الحسن لأخيه الحسين ـ وهو الإمام المعصوم الذي لايقول شططاً، ولا ينطق عبثاً، ولا يتكلم لغواً؛ بل كلامه عين الواقع والحقيقة ـ حيث قال له: لا يوم كيومك يا أبا عبد الله([40]). فإن كلمته هذه تفيد الاطلاق والعموم؛ بأن يوم الحسين أعظم أيام البشـرية وأسماها؛ تقرباً واخلاصاً، تسليماً واطمئناناً، شخصاً وشرفاً، وفاجعة ومصاباً.

إنه يوم تتباهى به السماء، لرجل اعطى كل ما يملك في الوجود لله عز وجل ولمبادئه الحنيفة، ولم يهن، أو يتوقف، أو يتراجع قيد انملة. إنه حقاً ابن السماء! وهب نفسه لها خالصة فأعطته كل شيء، فأضحى كعبة الاحرار، وملهم الثوار، وقربان الله في أرضه، الذي أصبح مرقده الطاهر مختلف الملائكة والأنبياء والناس أجمعين.


* هوامش البحث *


([1]) انظر العين - الخليل الفراهيدي - ج 5 - ص 153، لسان العرب - ابن منظور - ج 1 - ص 664 – 665، تاج العروس - الزبيدي - ج 2 - ص 309، المصطلحات - إعداد مركز المعجم الفقهي - ص 2032، معجم ألفاظ الفقه الجعفري - الدكتور أحمد فتح الله - ص 332، معجم لغة الفقهاء - محمد قلعجي - ص 360، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية - محمود عبد الرحمن عبد المنعم - ج 3 - ص 79 – 80.

([2]) النهاية في غريب الحديث والأثر - مجد الدين ابن الأثير - ج 4 - ص 32، لسان العرب - ابن منظور - ج 1 - ص 664 – 665.

([3]) سورة الحج/32.

([4])سورة المائدة/27.

([5]) سورة الحج /34.

([6]) سورة الصافات/100-111.

([7])الخصال- الشيخ الصدوق ص 56.

([8])الخصال- الشيخ الصدوق ص 57 .

([9]) رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء - إخوان الصفاء - ج 4 - ص 270 – 271.

([10]) جامع السعادات - ملا محمد مهدي النراقي - ج 3 - ص 94.

([11]) انظر المجالس الفاخرة – السيد شرف الدين ص96.

([12]) الاحتجاج – الشيخ الطبرسي ج2 ص31.

([13]) انظر كتاب الأخلاق الحسينية - جعفر البياتي - ص292 –293 عن كتاب الكبريت الاحمر في شرائط أهل المنبر للقائني البيرجندي.

([14]) انظر كتاب وفيات الائمة – من علماء البحرين والقطيف ص450 عن كتاب الطراز المُذهب في أحوال أم المصائب زينب لميرزا عباس قليخان المستوفي.

([15]) وفيات الائمة - من علماء البحرين والقطيف ص450.

([16]) انظر كتاب وفيات الائمة - من علماء البحرين والقطيف ص440- 441 عن مثير الأحزان- للشيخ شريف الجواهري.

([17]) الصديقة زينب شقيقة الحسين- السيد محمد تقي المدرسي ص39.

([18]) وفيات الائمة - من علماء البحرين والقطيف ص441.

([19]) الثقافة الروحية في إنجيل برنابا - محمود علي قراعة ص 408.

([20]) أهل البيت : في الكتاب المقدس - كاظم النصيري الواسطي ص113-116.

([21]) الانتصار - العاملي ج 9 - ص 330.

([22]) كامل الزيارات- ابن قولويه ص 215.

([23]) بحار الانوار – العلامة المجلسي ج44 ص242 .

([24]) بحار الأنوار – العلامة المجلسي ج 44 ص 245 .

([25]) بحار الانوار – العلامة المجلسي ج 44ص 243 .

([26]) بحار الانوار – العلامة المجلسي ج44 ص 243 .

([27]) عيون أخبار الرّضا 7 – الشيخ الصدوق ج 1 ص 187.

([28]) بحار الانوار – العلامة المجلسي ج 44 ص 244 .

([29])كامل الزيارات- ابن قولويه ص 67.

([30])) إكمال الدين – الشيخ الصدوق ص 295 .

([31]) أهل البيت : في الكتاب المقدس - كاظم النصيري الواسطي- ص 113 – 116.

([32]) مجمع الزوائد - الهيثمي - ج 9 - ص 190 ورواه الطبراني .

([33]) مجمع الزوائد - الهيثمي - ج 9 - ص 189 - 190 ورواه الطبراني .

([34]) مجمع الزوائد - الهيثمي - ج 9 - ص 189.

([35])مجمع الزوائد - الهيثمي - ج 9 - ص 190 - 191 رواه الطبراني.

([36]) نِيْنَوى من القرى المحيطة بكربلاء.

([37]) تاريخ مدينة دمشق- ابن عساكر ج 14 ص187-188، تاريخ الاسلام- الذهبي ج 5 ص102.

([38])مجمع الزوائد - الهيثمي ج 9 ص188ورواه الطبراني.

([39]) الامالي- الشيخ الصدوق ص694، الفتوح – ابن اعثم الكوفي ج 2ص552.

([40]) الامالي- الشيخ الصدوق ص694، الفتوح – ابن اعثم الكوفي ج 2ص552.


* المصادر والمراجع *

القرآن الكريم- كلام رب العالمين.

الاحتجاج – الشيخ الطبرسي، تعليق وملاحظات السيد محمد باقر الخرسان/ 1386 - 1966 م، نشر دار النعمان للطباعة والنشر - النجف الأشرف.

الأخلاق الحسينية - جعفر البياتي، الطبعة الأولى/ 1418، المطبعة مهر، نشـر أنوار الهدى.

إكمال الدين وتمام النعمة – الشيخ الصدوق تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري/ محرم الحرام 1405 - 1363 ش، نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.

الامالي- الشيخ الصدوق ، تحقيق قسم الدراسات الإسلامية - مؤسسة البعثة - قم، الطبعة الأولى/ 1417هـ ، نشر مركز الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة.

الانتصار – العاملي، الطبعة الأولى/ 1422، نشر دار السيرة - بيروت – لبنان.

أهل البيت: في الكتاب المقدس - كاظم النصيري الواسطي، الطبعة الأولى/ 1997م، المطبعة صدر.

بحار الانوار – العلامة المجلسـي، تحقيق محمد الباقر البهبودي، الطبعة الثانية المصححة/ 1403 - 1983 م نشر مؤسسة الوفاء - بيروت – لبنان.

تاج العروس - الزبيدي / 1414 - 1994م،طباعة ونشر دار الفكر – بيروت.

تاريخ الاسلام- الذهبي، تحقيق د. عمر عبدالسلام تدمرى، الطبعة الأولى/ 1407 - 1987م ، طباعة ونشر - دار الكتاب العربي- لبنان/ بيروت.

تاريخ مدينة دمشق- ابن عساكر- تحقيق علي شيري/ 1415هـ، طباعة نشـر دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت – لبنان.

الثقافة الروحية في إنجيل برنابا - محمود علي قراعة، نشر دار مصر للطباعة.

جامع السعادات - ملا محمد مهدي النراقي، تحقيق وتعليق السيد محمد كلانتر، طباعة ونشر دار النعمان - النجف الأشرف.

الخصال- الشيخ الصدوق، تصحيح وتعليق علي أكبر الغفاري/ 18 ذي القعدة الحرام 1403 - 1362 ش ، نشر مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرسين بقم المشرفة.

الذريعة الى تصانيف الشيعة – الشيخ الطهراني ،الطبعة الثالثة/ 1403 - 1983 م نشر دار الأضواء - بيروت – لبنان.

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء - إخوان الصفاء/ 1376 - 1975 م، نشـر دار صادر للطباعة والنشر .

الصديقة زينب شقيقة الحسين- السيد محمد تقي المدرسي ، الطبعة الاولى/ 1416، منشورات البقيع.

العين - الخليل الفراهيدي، تحقيق الدكتور مهدي المخزومي - الدكتور إبراهيم السامرائي، الطبعة الثانية/ 1409، نشر مؤسسة دار الهجرة - ايران – قم.

عيون أخبار الرّضا 7 – الشيخ الصدوق، تصحيح وتعليق وتقديم الشيخ حسين الأعلمي/ 1404 - 1984 م، طباعة ونشـر مؤسسة الأعلمي للمطبوعات - بيروت – لبنان.

الفتوح – ابن اعثم الكوفي، تحقيق علي شيري ، الطبعة الأولى/ 1411، طباعة ونشر دار الأضواء للطباعة والنشر والتوزيع.

كامل الزيارات- ابن قولويه، تحقيق الشيخ جواد القيومي ولجنة التحقيق، الطبعة الأولى/ عيد الغدير 1417، مطبعة مؤسسة النشر الإسلامي، نشر مؤسسة نشر الفقاهة.

لسان العرب - ابن منظور / محرم 1405هـ ، نشر أدب الحوزة.

المجالس الفاخرة – السيد عبد الحسين شرف الدين، مراجعة وتحقيق محمود بدري، الطبعة الأولى/ 1421هـ،المطبعة عترت ، نشر مؤسسة المعارف الإسلامية – قم.

مجمع الزوائد – الهيثمي/ 1408 - 1988 م ، نشر دار الكتب العلمية - بيروت – لبنان.

المصطلحات - إعداد مركز المعجم الفقهي.

معجم ألفاظ الفقه الجعفري - الدكتور أحمد فتح الله، الطبعة الأولى/ 1415 - 1995م، مطابع المدوخل - الدمام.

معجم المصطلحات والألفاظ الفقهية - محمود عبد الرحمن عبد المنعم، نشـر دار الفضيلة للنشر والتوزيع والتصدير.

معجم لغة الفقهاء - محمد قلعجي، الطبعة الثانية/ 1408 - 1988 م نشـر دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت – لبنان.

النهاية في غريب الحديث والأثر - مجد الدين ابن الأثير، تحقيق طاهر أحمد الزاوي ، محمود محمد الطناحي، الطبعة الرابعة/ 1364 ش، نشـر مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع - قم – ايران.

وفيات الائمة - من علماء البحرين والقطيف- الطبعة الأولى/ 1412 - 1991 م، نشر دار البلاغة للطباعة والنشر والتوزيع - بيروت – لبنان.