البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

بين الحسين (ع) والمهدي (عج) وإشكاليّة الثأر

الباحث :  أ.د. محمد شقير
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  9
السنة :  السنة الثالثة - شعبان المعظم 1437هـ / 2016م
تاريخ إضافة البحث :  June / 25 / 2016
عدد زيارات البحث :  4059
تحميل  ( 359.390 KB )

بين الحسين (ع) والمهدي (ع)

وإشكاليّة الثأر


أ.د. محمد شقير


ورد في العديد من الروايات والنّصوص الدّينيّة الواردة عن أئمة أهل البيت(ع) التّأكيد على مفهوم الثّأر للإمام الحسين، وأنّ الإمام المهدي (ع) يطلب بثأره ودمه، ويقتل قاتليه وذراريهم، وأنّه يخرج في يوم عاشوراء، كما جاء عن الإمام الباقر (ع): «يخرج القائم يوم سبت في عاشوراء، اليوم الذي قتل فيه الحسين..»([1])، وقد ورد أيضاً أنّ شعار أصحاب القائم (عجّل الله تعالى فرجه) هو: «يا لثارات الحسين (ع)»)[2])، دلالة على تلك الصّلة وذاك الرّبط بين الحسين والمهدي. كما ورد في بعض الروايات، أنّ قوماً يبعثهم الله قبل قيام القائم، فلا يدعون وتراً لآل محمد إلّا نسفوه، وأوردوه موارد الثّأر.

ويعد هذا المعنى (الثأر للحسين (ع)) من الأمور المسلمة في الخطاب الإسلامي الشّيعي؛ بل في المعتقد ذي الصّلة بالإمام المهدي (ع) وخروجه، وما سوف يقوم به عند ظهوره.

ومن النّصوص التي تحمل ذلك المعنى ما يلي:

عن الصّادق (ع): «إذا خرج القائم قتل ذراري قتلة الحسين (ع) بفعال آبائها»؛ فيُسأل الإمام الرضا (ع) عن هذا القول، فيقول: «هو كذلك»؛ وعندما يسأله السّائل مستفسراً عن علاقة هؤلاء بما فعل آباؤهم؛ يجيبه الإمام: «... ولكن ذراري قتلة الحسين يرضون بفعال آبائهم، ويفتخرون بها، ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه، ولو أنّ رجلاً قتل بالمشرق، فرضي بقتله رجل بالمغرب، لكان الرّاضي عند الله عزّ وجل شريك القاتل، وإنّما يقتلهم القائم إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم..»([3]).

عن الإمام الصّادق (ع) أيضاً، قال: «لما كان من أمر الحسين بن علي (ع) ما كان، ضجّت الملائكة إلى الله تعالى، وقالت: يا ربّ، يُصنع هذا بالحسين صفيّك وابن نبيّك؟ قال [أي الإمام (ع)]: فأقام الله لهم ظلّ القائم (ع)، وقال: بهذا انتقم له من ظالميه»([4]).

وعن الصّادق (ع): «...إنّ الحسين (ع) لما قتل، عجّت السّماوات والأرض ومن عليهما والملائكة، فقالوا: يا ربّنا ائذن لنا في هلاك الخلق، حتى نجُدُّهم(*) عن جديد الأرض، بما استحلوا حرمتك، وقتلوا صفوتك؛ فأوحى الله إليهم: يا ملائكتي، ويا سماواتي، ويا أرضي، اسكنوا؛ ثمّ كشف حجاباً من الحجب، فإذا خلفه محمد (ص)، وإثنا عشر وصيّاً له عليهم السّلام، وأخذ بيد فلان القائم من بينهم، فقال: يا ملائكتي، ويا سماواتي، ويا أرضي، بهذا انتصر لهذا؛ قالها ثلاث مرات»([5]).

وعن الإمام الباقر (ع)، في قوله تعالى: ﴿إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ﴾، قال: «الحسين بن علي (ع) منهم، ولم يُنصر بعد، ثمّ قال: والله لقد قُتل قَتلة الحسين، ولم يُطلب بدمه بعد»([6]).

وعن الصّادق (ع)، في قول تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَايُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾، قال: «ذلك قائم آل محمد، يخرج فيقتل بدم الحسين بن علي (ع)، فلو قتل أهل الأرض لم يكن سرفاً. وقوله تعالى: ﴿فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ﴾، لم يكن ليصنع شيئاً يكون سرفاً»([7]).

وعن الإمام الباقر (ع)، في قوله تعالى: ﴿وَمَن قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِف فِّي الْقَتْل ِإِنَّهُ كَانَ مَنصُوراً﴾، قال: «هو الحسين بن علي (ع)، قتل مظلوماً، ونحن أولياؤه، والقائم منّا إذا قام طلب بثأر الحسين (ع)، فيقتل، حتى يقال: أسرف في القتل...»([8]).

وورد عن الإمام الحسين (ع): «...والله لا يسكن دمي، حتى يبعث الله المهدي، فيقتل على دمي من المنافقين الكفرة الفسقة سبعين ألفاً»([9]).

وفي رواية أخرى عن ابن عباس: «أوحى الله تعالى إلى محمد (ص): إني قتلت بيحيى بن زكريا سبعين ألفاً، واقتل بابن بنتك سبعين ألفاً وسبعين ألفاً»([10]).

وفي دعاء النّدبة، في مناشدة الإمام المهدي (ع): «...أين الطّالب بذحول(*) الأنبياء وأبناء الأنبياء، أين الطّالب بدم المقتول بكربلاء»([11]).

وفي زيارة الإمام الحسين (ع) في عاشوراء: «...أسأل الله الذي أكرم مقامك وأكرمني بك، أن يرزقني طلب ثارك، مع إمامٍ منصورٍ من أهل بيت محمد (ص)... فأسأل الله الذي أكرمني بمعرفتكم ومعرفة أوليائكم، ورزقني البراءة من أعدائكم.. أن يرزقني طلب ثاري مع أمامٍ هدىً، ظاهر ناطق بالحق منكم..»([12]).

وفي نص آخر لزيارة عاشوراء: «...وأسأل الله البر الرّحيم أن يرزقني مودتكم، وأن يوفقني للطلب بثاركم، مع الإمام المنتظر المهدي من آل محمد..»([13]).

إنّ هذا الموضوع يقود إلى طرح أكثر من سؤال، يتمحور حول إشكاليّة الثّأر، وجملة من الأمور التي ترتبط بها؛ ومن تلك الأسئلة:

ما معنى الثّأر الوارد في تلك النّصوص؟ وما هي حقيقته وفلسفته؟

ولماذا ذلك الثّأر، وما هي أسبابه ومبرراته، ولماذا اختص الثّأر بالإمام الحسين (ع)؟

ثمّ ممن الثّأر، ومن هم الذين سوف يثأر منهم الإمام المهدي (ع)؟ ومن الذي يثأر للحسين (ع)؟ ومتى؟ وأين يحصل الثّأر؟

ولماذا ربط الثّأر الحسيني بالإمام المهدي (ع) وخروجه؟ وهل يختص الثّأر بالإمام المهدي (ع) فقط وفي عصر الظهور؟ أم يمكن أن يكون ثأر قبل خروج الإمام (ع)، أو أن يكون هناك اتصال للثّأر، وامتداد له في جميع الأزمنة التي تلت واقعة كربلاء؟ أي هل هناك مراتب للثّأر؟ بحيث يكون هناك مرتبة للثّأر في عصر الظّهور، ومرتبة أخرى في عصر التّمهيد؟ وهل يمكن الحديث عن التّمهيد للثّأر بالثّأر؟

وهل تحمل قضيّة الثّأر بعداً مذهبياً، أو طائفياً أو عشائرياً... وكيف يمكن أن تطرح هذه القضيّة، بحيث لا يتاح لمروجي الفتنة المذهبيّة بين السّنة والشّيعة، أن يستغلوا أي سوء في الفهم، أو خطأ في الخطاب، وسوى ذلك؟

وكيف سوف يحصل ذلك الثّأر، وبأية طريقة؟ وما الذي يترتب عليه، وما هي دلالاته المختلفة؟

وكيف يمكن أن نُفيد من قضيّة الثّأر هذه على المستوى التّربوي، وغير التّربوي، وفي صناعة الخطاب الحسيني، وإعداد جميع عوامل القوّة والحصانة والقيام والنّهوض، وفي بناء مفاهيم النّصر وأخلاقياته، وقيم التّمهيد للمهدي (ع)؟

وكيف يمكن أن نعي مفاهيم الثّأر تلك، في مواجهة التّحديات التي نواجهها في عالمنا المعاصر، وظروفنا التي نعيش؟

وهل يعدّ هذا الأمر صحيحاً، عندما نعطي لهذه المواجهة هذا البعد الدّيني؟

وإلى أين سوف تتجه الأمور بناءً على هذا الفهم، وهذا المعتقد؟ وما الذي تقوله لنا مفاهيم الثّأر على مستوى المستقبل، وقادم الأيام؟

هذا، وسوف نحاول في هذا البحث الإجابة على جميع تلك الأسئلة؛ لكن لا بد في البداية من تحديد معنى الثّأر وحقيقته؛ لننتقل بعدها إلى معالجة بقية القضايا وموضوعاتها:


1 ـ معنى الثأر وحقيقته:

جاء في المعجم الوسيط أن: «ثأر القتيل وبه - ثأراً: أخذ بدمه، ويقال: ثأر الثّأر: أدركه. و- القاتل: أخذه بقتله»([14]).

وفي ترتيب كتاب العين للخليل: «...الثّأر: الطّلب بالدّم. ثأر فلان لقتيله، أي: قتل قاتله..»([15]).

فهناك قتيل، وقاتل، ومن يثأر للقتيل من القاتل، أي إنّ هناك ثلاثة عناصر أساسيّة للثّأر، بغض النّظر عن: من القتيل، ومن القاتل، ومن الذي يثأر، وكيف، ولماذا، وسبب الثّأر، وهدفه...؟

وعندما نطرح كلّ هذه المتعلقات من خلال الأسئلة السّالفة، فلأن الإجابة على هذه الأسئلة، هي التي تحدد طبيعة الثّأر وحقيقته، والتي قد تختلف بين مورد وآخر، وحالة وأخرى، تبعاً للإجابات التي تقدم.

قد يكون للثّأر بُعد شخصي، أو عشائري، أو قبلي، أو مذهبي، أو عنصري...؛ وقد يكون له بعد أيديولوجي، أو ديني، أو إصلاحي، أو أخلاقي، أو إنساني، أو سوى ذلك.

وقد يرتبط الثّأر بمشروع الأنبياء، والأطروحة الإلهيّة على هذه البسيطة، عندما يتضمن ذلك البعد الأيديولوجي والدّيني والتّاريخي، وما تعرض له ذلك المشروع وتلك الأطروحة على مدار التّاريخ، وفي سالف الأيام، من صدّ ورفض وحرب، ومن قتل للأنبياء والأوصياء والأئمة (ع)، والعدوان عليهم وعلى مواليهم وأتباعهم، والتّعرض لهم بشتى أنواع الأذى والظّلم والاضطهاد.

وهنا، حتى نعي حقيقة ذلك الثّأر، علينا أن ندرك حقيقة قتل الإمام الحسين (ع)، وما جرى معه في كربلاء.

إنّ قتل الإمام الحسين (ع)ليس قتلاً شخصياً، أي ليس قتلاً لشخص بمجرده؛ بل هو قتل لإمام ابن إمام أبو أئمة تسعة؛ هو خاتم أصحاب الكساء، وسبط خاتم الأنبياء (ص)، وأب خاتم الأوصياء (المهدي (ع)).

لقد مثّل قتل الإمام الحسين (ع) ذروة الانقلاب على رسول الله (ص)، وخلاصة العدوان على المشروع الإلهي، ومشروع الرّسل والأنبياء على هذه البسيطة.

لقد كان واضحاً للجميع من هو الحسين (ع)، وما الذي يعنيه ويمثّله. ولقد كان معروفاً مقامه ومنزلته، وموضعه من رسول الله (ص)؛ فكان العدوان عليه وعلى أولاده وأصحابه وحرمه، ذروة البغي والإجرام، وخلاصة الظّلم والعدوان على النهج الإلهي، ومشروع الرّسل والأنبياء على مرّ الدّهور وكرّ العصور.

كذلك انّ الذي قتل الإمام الحسين (ع) ليس مجرد شخص أو أمّة أو قوم؛ بل هو نهج الظّلم والفساد والإفساد، وسبيل البغي والانحراف عن الرّسالة الإلهيّة، ومدرسة الأنبياء الرّسل.

إنّ قاتل الحسين (ع) هو منهج الإجرام والعدوان على مشروع الأنبياء وأوصيائهم وأتباعهم، وعلى جميع القيم والمعاني التي يتضمنها ذلك المشروع، وتتجلى في اجتماعه وخطابه وشعائره.

وبناءً على ما تقدم، نستطيع القول، بأنّ الثّأر الوارد في تلك النّصوص الدّينيّة، ممن قتل الإمام الحسين (ع)، هو بمعنى الثّأر من ذلك النّهج الممتد على مرّ التّاريخ، وفي جميع عهود الأنبياء والرّسل([16]). أي هو ثأر من نهج الإجرام والظّلم والطّغيان والعدوان، والذي ظهر بأشنع صوره في قتل الحسين (ع) وأهل بيته وأصحابه؛ أمّا كيف يحصل ذلك الثّأر، فهو ما سوف نفصّل الحديث فيه لاحقاً.

2- كيف يحصل الثأر؟

بما أنّ قاتل الإمام الحسين (ع) هو ذلك النّهج الذي ينظر إلى أهل البيت(ع) وشيعتهم بمنظار الحقد والبغض، ويتعامل معهم بمنطق الإقصاء والإلغاء، ويمارس بحقهم منهج العدوان والإجرام، ويسعى ثقله إلى ظلمهم وقتلهم وأذيّتهم؛ فإنّ الثّأر من ذلك النّهج، يتمثل في القضاء عليه وعلى رموزه، ويتجلّى في مواجهة من ينتمي إليه ومن يناصره، ويعمل على مساعدته وإعانته.

إنّ الثّأر من ذلك النّهج، يعني القضاء على من يتمسك بمضامينه، ويروّج له، ويدعو إليه، ويسعى إلى تحقيقه، ونشر دعوته.

إنّ الثّأر هنا، هو بمعنى محو كلّ ذلك التّراث، الذي ما زال يقدّم التّبرير لقتل الحسين (ع)، وقتل شيعته إلى عصرنا الحالي، وأيامنا التي نعيش.

إنّ ما يعنيه الثّأر هنا، هو مواجهة أي جهة ـ مهما كانت ـ ما زالت تحمل موروث البغض لأهل البيت (ع) وشيعتهم، وتتعامل معهم بالظّلم والعدوان، مواجهةً تقوم على المعاملة بالمثل، وبالتّالي هي تهدف إلى مجابهة تلك الجهة والقضاء على عدوانها، طالما هي تسعى إلى ممارسة شتّى ألوان الإلغاء والإجرام والعدوان والعنصريّة، تجاه جميع من ينتمي إلى أهل البيت (ع) وقيمهم وتراثهم.

ونستطيع أن نقول بعبارة شاملة: إنّ الثّأر لقتل الحسين (ع)، هو بمعنى الثّأر من نهج البغض لأهل البيت (ع) وشيعتهم، وتكفيرهم وظلمهم والعدوان عليهم. بما يعنيه ذلك الثّأر من القضاء على أي عدوان يصدر ممن ينتمي إلى ذلك النّهج، وينخرط فيه، ويرتبط به من قريب أو بعيد، أو يساعد على تمكينه، أو يعين عليه بالقول أو الفعل.

أمّا لماذا الثّأر للإمام الحسين (ع)، يتمثل في ما ذكر؛ فلأنّ النّهج الذي قتل الحسين (ع) ما زال مستمراً في رجاله، ودعاته، والمنضوين فيه، والمعينين عليه. وبناءً عليه فإنّ هؤلاء شركاء في قتل الحسين (ع) والعدوان عليه، طالما هم يمارسون العدوان على نهجه وشيعته. وبذلك أمكن القول إنّ عقابهم هو ثأر للحسين (ع) وأهله وأصحابه.

أمّا فيما يرتبط بما جاء في مجمل الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت (ع)، من تركيز على موضوع القتل، فلا بد من بيان ما يلي:

إنّ النّصوص الدّينيّة ذات الصّلة بموضوع الثّأر، تصرّح بأنّ الإمام المهدي(ع) سوف يقتل من ذراري قتلة الحسين (ع)، من يرضون بفعال آبائهم ويفتخرون بها، وأنّه سوف يقتل من المنافقين الكفرة الفسقة...، وأنّ الله تعالى سوف يقتل بالحسين (ع) سبعين ألفاً وسبعين ألفاً، بالمقارنة مع نبي الله يحيى (ع)، حيث قد يكون ذكر ذلك العدد من باب كثرة من يقتل بالحسين (ع)، وذلك لكثرة من شرك - وما زال - في نهج قتل الحسين (ع) والعدوان عليه، إلى غيرها من النّصوص؛ حيث قد يفهم من تلك النّصوص، أنّ الثّأر يحصل فقط وفقط بالقتل فقط، أو أنّه لا طرق أُخر لتحقيق ذلك الثّأر، والوصول إلى أهدافه وغاياته؛ وهو ما يقتضي أكثر من بيان:

قد ذكرنا سالفاً، أنّ الذي قتل الحسين (ع) ومازال يقتله إلى الآن، هو ذلك النهج والمشروع الذي عادى رسول الله (ص) وأهل بيته وشيعتهم، واعتدى عليهم، ومازال يفعل إلى حاضر الدّهر وأوان اليوم؛ وعليه فإنّ الثّأر يتمثّل في إسقاط ذلك النهج ومشروعه بجميع ما يحتويه، والقضاء عليه وعلى من يناصره، أو ينضوي فيه.

ولا شك - في هذا الحال - أنّ قتل المعتدين والمجرمين، الذين يناصرون مشروع الإجرام والعدوان على أهل البيت (ع) وشيعتهم، هو من أهم أوجه الثّأر للإمام الحسين (ع)؛ لأنّ ذلك المشروع موجود بوجودهم، وهو مستمر فيهم؛ فمتى ما تمّ القضاء عليهم، فإنّ أهم أسس ذلك المشروع تسقط بسقوطهم، وتنتهي بزوالهم.

لكن ما نريد الإلفات إليه، هو أن حدود الثّأر أبعد من ذلك، وغاياته تتعدى الوجود البشري لمشروع القتل والعدوان على الحسين (ع)؛ لأنّ لذلك المشروع أبعاداً أُخر، ثقافيّة وفقهيّة وأيديولوجيّة واجتماعيّة وسياسيّة وإعلاميّة. لايزول ذلك المشروع بكل مفرداته إلا بزوالها جميعها، فهو لا يقتصر على الوجود البيولوجي لأولئك القتلة المجرمين، ومن يناصرهم.

نعم قد يكون المراد بقتل من يرتضي قتل الحسين ويفتخر به ويصوّبه، هو القضاء على ذلك المشروع بجميع منضوياته ومفرداته، وإزالته بجميع أبعاده وجهاته، واقتلاعه من عروقه وجذوره، إلى غير رجعة أو سبيل عودة.


3- ممن الثأر ؟

إنّ النّصوص الدّينيّة ذات الصّلة بموضوع الثّأر، يمكن تقسيمها في مجملها إلى قسمين، قسم يتحدث في مبدأ الثّأر، ومن الذي يَطلب به، والقسم الآخر يتحدث في متعلق الثّأر، ومن الذي يُطلب منه، حيث ذكرت تلك النّصوص، أن العنوان الذي يقع عليه فعل الثّأر، ويؤخذ منه؛ هو:

1- ذراري قتلة الحسين بفعال آبائها؛ وأولاد قتلة الحسين؛ ذرية قتلة الحسين؛ نسل ولد قتلة الحسين.

2- ذراري قتلة الحسين، ممن يرضى فعال آبائه ويفتخر بها؛ الأخلاف، لرضاهم بما فعل أسلافهم.

3- المنافقون الكفرة الفسقة.

وهذا نص تلك الروايات، بحسب ترتيب العناوين التي ذكرت:

1- عن الإمام الصّادق (ع): «القائم والله يقتل ذراري قتلة الحسين (ع) بفعال آبائها»([17]).

عن الإمام الصّادق (ع): في قول الله تبارك وتعالى ﴿فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾، قال: «أولاد قتلة الحسين (ع)»([18]).

عن أحدهما 8 في قوله: ﴿فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ قال: «إلا على ذريّة قتلة الحسين (ع)»([19]).

عن أحدهما 8 في قوله: ﴿فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ قال: «لا يعتدي الله على أحد، إلا على نسل ولد قتلة الحسين (ع)»([20]).

2- عن الهروي: قلت لأبي الحسن الرّضا (ع): يا بن رسول الله، ما تقول في حديث روي عن الصّادق (ع) أنّه قال: «إذا خرج القائم (عجّل الله تعالى فرجه) قتل من ذراري قتلة الحسين (ع) بفعال آبائها»، فقال (ع): «هو كذلك»، فقلت [أي السّائل]: وقول الله عزّ وجلّ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾، قال [أي الرّضا (ع)]: «صدق الله في جميع أقواله، ولكن ذراري قتلة الحسين يرضون بفعال آبائهم ويفتخرون بها، ومن رضي شيئاً كان كمن أتاه، ولو أنّ رجلاً قتل بالمشرق، فرضي بقتله رجل في المغرب، لكان الرّاضي عند الله شريك القاتل، وإنّما يقتلهم القائم (عجّل الله تعالى فرجه) إذا خرج لرضاهم بفعل آبائهم...»([21]).

يُسأل الإمام زين العابدين (ع): «يا بن رسول الله كيف يعاتب الله ويوبخ هؤلاء الأخلاف على قبائح أتى بها أسلافهم، وهو يقول: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾؟ فقال زين العابدين (ع): «...لأن هؤلاء الأخلاف أيضاً راضون بما فعل أسلافهم، مصوبون ذلك لهم، فجاز أن يقال: أنتم فعلتم، أي إذ رضيتم قبيح فعلهم. إنّما يجمع النّاس الرّضا والغضب.

أيّها النّاس، إنّما عقر ناقة صالح واحد، فأصابهم الله بعذابه بالرّضا لفعله، وآية ذلك قوله عزّوجلّ: ﴿فَنَادَوْا صَاحِبَهُمْ فَتَعَاطَى فَعَقَرَ 29 فَكَيْفَ كَانَ عَذَابِي وَنُذُرِ30﴾، وقال: ﴿فَكَذَّبُوهُ فَعَقَرُوهَا فَدَمْدَمَ عَلَيْهِمْ رَبُّهُم بِذَنبِهِمْ فَسَوَّاهَا 14 وَلَا يَخَافُ عُقْبَاهَا 15﴾...»([22]).

أي إنّ المراد من ذكر الآيتين، هو أنّ الله تعالى نسب الفعل في الآية الأولى إلى رجل واحد (..فَعَقَرَ)؛ ثم نسب الفعل نفسه في الآية الثانية إليهم جميعاً، (فَعَقَرُوهَا)؛ فكيف صحَّ أن ينسب عقر الناقة إليهم جميعاً، مع أنّ الذي عقرها رجل واحد؟

والجواب: أنهم لما رضوا بفعله، صحّت النسبة إليهم. ولما شملوه برضاهم، شملهم الله تعالى بعذابه.

3- وفي كلام للإمام الحسين (ع) مع ولده زين العابدين (ع): «...يا ولدي يا علي، والله لا يسكن دمي، حتى يبعث الله المهدي، فيقتل على دمي من المنافقين الكفرة الفسقة سبعين ألفاً»([23]).

وفي مقام مناقشة تلك العناوين التي تتحدث في ذراري، أو أولاد، أو نسل أو ذريّة قتلة الحسين (ع)، أو تلك التي تقيّد هذه العناوين بمن يرضى بفعل آبائه ويفتخر به، أو الأخلاف الذين يرضون ويصوبون فعل أسلافهم؛ ينبغي القول، إنّه قد يفهم البعض من ذلك، أنّ الثّأر هو من أولاد قتلة الحسين (ع) من أصلابهم مهما كانوا، وإلى أي النّهجين أو المشروعين انتموا؛ على حين أنّ ما طرح حول متعلق الثّأر، هو أنّه ينال فقط أولئك، الذين ما زالوا ينضوون في مشروع قتل الحسين (ع) وينتهجونه ويناصرونه.

بل إنّ ما يفهم من تلك الرّواية، التي وردت عن الإمام الرضا (ع)، أو تلك التي وردت عن الإمام زين العابدين، هو ذلك المعنى الذي ذكرناه، من أنّ الثّأر هو من ذلك النّهج الذي قتل الإمام الحسين (ع)، وممن ينضوي فيه، وينتمي إليه؛ فهنا يجب القول، إنّ الثأر لا ينال أولاد القتلة لمجرد كونهم أولاداً لهم؛ بل إنّ الأمر يتعدّى البعد البيولوجي لوجودهم إلى البعد الأيديولوجي لمنهجهم، والدّليل على ما نقول:

إنّ تلك الرّوايات تذكر أنّ علّة الثّأر من أولئك الذّراري، هو أنّهم يرضون قتل الحسين (ع)، ويفتخرون به ويصوّبونه؛ وعليه، لو أن أحداً آخر غير أولئك الذّراري، رضي بقتل الحسين (ع)، وصوّبه، وافتخر به؛ ألا يكون مورداً للثّأر؟

ولو فرضنا في المقابل، أنّ أحداً من أولئك الذّراري لم يرتض قتل الحسين(ع)، ولم يصوّبه ولم يفتخر به؛ هل يصح عندها أن يكون مورداً للثّأر؟

أي إنّ ما نريد قوله، هو إنّ تلك الرّوايات، تفصح عن أنّ علّة الثّأر هي الرّضا بقتل الحسين (ع) وتبنيه والافتخار به، وليس مجرد التّناسل الطّبيعي من قتلته؛ وإلا لماذا تعلّل تلك الرّوايات قتل أولئك الذّراري، بما يتعدى ذلك التّناسل البيولوجي؛ فليس ذلك إلا ليقال، بأنّ الثّأر يتجاوز ذلك التّناسل البيولوجي، وأنّه ليس إلا ممن يتبنى ذلك النّهج الذي قتل الحسين (ع)، وما زال ينتهجه إلى الآن.

ثمّ قد نقول، بأنّه إذا كان من قتل الإمام الحسين (ع)،هو ذلك المشروع القائم على البغض والعداوة لمحمد وآل محمد وشيعتهم والعدوان عليهم، وإذا كانت الذّريّة هي الاستمرار لآبائها بوجودها؛ فقد يكون المراد بالذّريّة أو النّسل أو الأولاد في تلك الرّوايات، من يمثّل بوجوده استمراراً لمشروع البغض والعداء لآل محمد، والعدوان عليهم، سواءً أكان نسلاً بيولوجياً لقتلة الحسين (ع)، أم كان نسلاً أيديولوجياً لهم، إذ إنّ من يحمل في قلبه البغض والعداء لآل محمد وشيعتهم، فهو بعداوته وعدوانه استمرار لقتلة الحسين (ع). وإنّ من يمارس العدوان عليهم، هو بالفعل من ذراري قتلة الحسين (ع). وهو وإن لم يكن ذريّة بيولوجيّة لأولئك القتلة، لكنّه ذريّة أيديولوجيّة لنهجهم، ومشروعهم، وديمومة عدوانهم.

أمّا لماذا يكون الثّأر من أولئك؛ فلأنّ المشروع الذي قتل الحسين مازال قائماً بهم؛ ولأنّ قتل الحسين مازال مستمراً فيهم. فإنّ البغض الذي قتل الحسين مازال يعتلج في صدورهم، وإنّ العدوان الذي انتهك حرمة الحسين ما برح في جوارحهم، وإنّ السّيوف التي تناوشت جسد الحسين (ع) ما فتئت في أيديهم؛ فالبغض واحد، والعدوان متصل، والإجرام هو نفسه الذي كان. وهؤلاء بما يفعلون، إنّما يعيدون تلك الجرائم التي حصلت في كربلاء، ويستنسخون بفعلهم ما جرى في عاشوراء. فالإجرام الذي بلغ ذروته في ذاك اليوم لم يقفل بابه، والعدوان الذي علا في تلك الأرض لم يقطع سببه، ما فلّ وما كلّ، وما زالت طبوله تقرع إلى اليوم الحاضر، والدّهر الذي نعيش.

نحن لا نجافي الحقيقة عندما نقول، بأنّ ذاك الذي يحمل مشروع قتل الحسين(ع)، هو قاتل للحسين (ع)، بمعزل عن أي زمن وجد فيه، أو أرض سعى عليها، فهو شريك في دمه، وفي انتهاك حرمته. ولن يكون ظلماً أو عدواناً أن يناله الثّأر، ويشمله الانتقام؛ لأنّه بما يفعل، مازال يقتل الحسين (ع)، ويشرك في دمه؛ إنّ قتل الحسين (ع) لم يتوقف مذ بدأ في عاشوراء، وانتهاك حرمته لم ينحصر مذ شرع في كربلاء.

إنّ أولئك – بفعلهم ونهجهم - ما زالوا يقتلون الحسين كلّ يوم، ويعتدون على حرمته في كلّ أرض؛ ولذلك هم بحق قتلة للحسين (ع)، وبحق يمكن القول، إنّ الثّأر للحسين (ع) في الثّأر منهم، وهدم بنيانهم، والقضاء على إجرامهم وعدوانهم، وفسادهم في الأرض.


4- لماذا الثأر؟

أي إنّ السؤال المطروح هنا، هو أن ما حصل مع الإمام الحسين (ع)، هل يستحق كلّ هذا الثّأر من الإمام المهدي (ع)، بحيث يكون من أهم وظائف الإمام الثّأر من قتلة الحسين (ع)، ومن يرضى بقتله ويصوّبه وينتهجه ويفتخر به؟

إنّ الجواب على هذا السؤال قد يكون واضحاً، عندما ندرك معنى قتل الحسين (ع) والعدوان عليه، وعندما ندرك في المقابل فلسفة ظهور المهدي (ع) ومشروعه، والذي يهدف إلى إقامة العدل بأرقى تجليّاته، وإقامة الدّين بأبهى صوره وأجمل معانيه، وتحقيق كلّ معاني الإصلاح ومواجهة الظّلم والفساد.

إنّ قتل الحسين (ع) هو خلاصة العدوان على مدرسة الأنبياء والرّسل عبر التّاريخ، وهو غاية العلو في الأرض مرّ الدّهر، وهو الواقعة التي أسفر فيها نهج الظّلم والفساد عن حقيقته، بأشنع ما فيها، وأقبح ما لديها.

وبما أنّ نهج العدوان والظّلم ذاك، قد تمثّل بأسوأ أشكاله، وأطغى صوره، في قتل الحسين (ع)، بما يعنيه ذلك من ذروة الظّلم والطّغيان؛ فلم يكن لنهج العدل الإلهي أن يتحقق بأرقى معانيه، إلا إذا عمل على هدم نهج الظّلم بأطغى صوره، وأعتى مبانيه.

وبما أنّ مشروع العدل الإلهي بأسمى معانيه، قد تمثّل بالمهدي وظهوره. وبما أنّ مشروع العدوان والظّلم بأقبح ما لديه، قد ظهر في قتل الحسين (ع) ونحره؛ عليه، لم يكن لمصباح العدالة المهدويّة أن يشتعل إلا بقبس الحسين (ع)، ولم يكن لظهور المهدي (ع) أن يشرع إلا باسم الحسين (ع) والثّأر له.

إنّ ما تقدّم حول مشروع العدالة المهدويّة، وعلى لسان الرّسول (ص): «ليملأها [الأرض] قسطاً وعدلاً كما ملئت ظلماً وجوراً»([24]) لا يمكن تحقيقه، إلّا من خلال هدم المشروع المعادي لمشروع الأنبياء والرّسل ومدرستهم، أي ذلك المشروع الذي قام على بغض الأنبياء والأئمة، والعدوان عليهم وقتلهم، وارتكاب الظّلم بحقهم، وفعل الفساد والطّغيان في البلاد، واتخاذ الإجرام سنّة، والعلو طريقة.

إنّ العدالة المهدويّة لا يمكن تحقيقها، إلا من خلال القضاء على مشروع الظلم والجور، واستئصال نهج الفساد والعدوان. خصوصاً عندما ندرك، أنّ هذا المشروع لم يكتفِ بما ذكر، وإنّما عمل على فعله باسم الدّين والإسلام؛ ليكون ذلك سبباً إلى قوته، وسلّماً إلى تمكينه؛ ولينالوا في الآن نفسه من الدّين، ويشوهوا مدى جهدهم الإسلام.


5- من يقوم بالثأر؟

يظهر من العديد من النّصوص الدّينية ذات الصّلة، أنّ الذي يقوم بالثّأر حصراً هو الإمام المهدي (ع) وأنصاره، حيث قد يفهم من ذلك، أنّ تحقيق الثّأر مرتبط فقط وفقط بعصر الظّهور وخروج الإمام فقط، فهل يمكن الذّهاب إلى هذا الاستنتاج، أنّه لا ثأر ولا طلب له، إلا من قبل المهدي (ع) وأنصاره في عصر الظّهور؛ أم أنّه يمكن الإسهام في الثّأر وطلبه، على يد الممهدين للإمام (ع) في عصر التّمهيد؟

إنّ الإجابة على هذا السؤال تتصل منهجياً بتحديد من يتعلّق به، ويقع عليه فعل الثّأر؛ فإذا قلنا بأنّ ذلك الثّأر، سوف ينال من ذلك النّهج الذي قتل الإمام الحسين (ع)، وممن يتبنى قتله ويرضاه ويفتخر به، وممن ينتمي إلى ذلك المشروع، الذي ينظر بعين البغض والعداوة للحسين (ع) وشيعته؛ فمعنى ذلك أنّ الثّأر قد بدأ منذ شهادة الحسين (ع)، وأنّه استمر على مرّ العصور وكرّ الدّهور، وأنّه لن يتوقف إلاّ عندما يصل إلى غايته، ويبلغ مرامه في عصر الظّهور، حيث يكون كمال الثّأر وذروته.

والسّبب في ذلك، أنّ نسل ذلك المشروع لم ينقطع مذ بدأ، وأنّ ذيوله ما زالت تتوالى مذ كان، وأنّك تجد له في كل عصر من ينعق بصوته، ويحمل فرّيته.

وإذا كان الثّأر للحسين (ع) موجوداً في كلّ عصر ودهر، فمعنى ذلك أنّ القيام بالثّأر ليس محصوراً بأنصار المهدي في عصر الظّهور؛ بل إنّ الإسهام في مشروع الثّأر مفتوح بابه في عصر التّمهيد، لمن شاء أنّ يكون من أنصار الحسين(ع)، والممهّدين للمهدي (ع) عدله وثأره.

بل إنّ طلب الثّأر في عصر الغبية له رتبته ومقامه؛ لأنّه في الوقت الذي ينصر الحسين (ع) وقضيته، فهو يمهّد للمهدي (ع) ثأره وعدله. فهو ينصر الحسين(ع) ولم يره، ويمهّد للمهدي (ع) ولم يدركه، فهو بما يطلبه من ثأر، قد نال شرف الوصل بين الحسين (ع) والمهدي (ع)؛ ليكون من أنصار الحسين (ع) وأنصار المهدي (ع)، وممن ثأر للحسين (ع)، ومهّد للمهدي (ع) طلب الثّأر، وقيام العدل.

من هنا أمكن القول، إنّ من يثأر للحسين (ع) في أي آن كان أو زمان، فهو من أنصار المهدي في غيبته، كما أنصاره في ظهوره. وإنّ من يطلب بالثّأر، هو من أنصار الحسين (ع) في عصر التّمهيد، كما كان أنصار الحسين، مع الحسين في عاشوراء.

ومما يشهد على ذلك، ما جاء عن الإمام الصّادق (ع)، في قول الله عزّ وجلّ: ﴿وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إسْرائِيلَ فِي الْكِتَــابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ﴾، قال: «قتل أمير المؤمنين، وطعن الحسن بن علي(عليهما السّلام)، ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾، قتل الحسين بن علي (ع)، ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا﴾، قال إذا جاء نصر الحسين بن علي(ع)، ﴿بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ﴾، قوماً يبعثهم الله قبل قيام القائم (ع)، لا يدعون وتراً* لآل محمد إلا أحرقوه، ﴿وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾»([25]).

حيث انّ المراد، أنّ هؤلاء العباد الذين يبعثهم الله قبل قيام القائم (ع)، لايتركون ظالماً لآل محمد (ص) إلاّ نالوا منه، ولا مظلوماً من آل محمد (ص)، إلاّ ثأروا له، فكيف إذا كان المظلوم الحسين (ع)؟

عن الإمام الصّادق (ع) أيضاً: «قتل بالحسين مائة ألف، وما طُلب بثأره، وسيطلب بثأره»([26]).

فإن يُقتل بالحسين (ع)، معناه أنّه نوع من أنواع الثّأر للحسين (ع)؛ أمّا قوله (ع): «وما طلب بثأره" فمعناه، أنّ ذاك القتل بالحسين (ع) والثّأر له، ليس هو ذلك الثّأر المذخور إلى يوم الظّهور على يد المهدي (ع)، فذاك له حديث آخر، ويوم قريب».

ونحو ذلك الحديث، قول الإمام الباقر(ع): «والله، لقد قُتل قتلة الحسين(ع)، ولم يطلب بدمه بعد»([27]).

وهذا ما يدل على أنّ مشروع الثّأر من قتلة الحسين (ع)، لم يندثر بقتل من قتله فعلاً في كربلاء، وأنّ قافلة الثّأر سيبقى لها أنصار ومريدون، ورجال وأبدال، إلى يوم الظّهور وأوان الخروج.


6- متى الثأر ؟

يرتبط الجواب على هذا السؤال، بما حددناه من معنى لحقيقة الثّأر، وعلى من يقع. فبما أنّ الثّأر هو ممن ينتمي إلى قتلة الحسين (ع) في العقيدة والفعل والممارسة، ومن يرضى بقتله ويفتخر به، وينضوي في مشروع العدوان عليه وعلى شيعته، وبما أنّ هؤلاء ما زالوا يتناسلون منذ زمن الحسين (ع)، وسيستمرون إلى عصر الظّهور؛ عليه يمكن القول، إنّ زمن الثّأر لم ينقطع منذ شهادة الحسين (ع)، وإنّ سيله لم ينحسر منذ عاشوراء، وأنّه سيتصل بزمان المهدي وظهوره؛ فما كان من هؤلاء نسل، فإنّ الثّأر بهم موجود؛ ومتى ما كان لهؤلاء أثر، فإنّ الثّأر منهم قائم.

ويمكن القول بتعبير آخر: إن الثّأر موجود في عصر ظهور الإمام (ع)، وزمان خروجه؛ أمّا في عصر غيبته وأوان استتاره، فمتى ما كان من ينضوي في مشروع قتل الحسين والعدوان عليه، وكان في المقابل نصرةٌ للحسين، أنصار للمهدي؛ كان هناك ثأر للحسين، ومن يأخذ به.

أي إنّه في عصر الظّهور، هناك ثأر، ومن يثأر. أمّا في عصر الغيبة، فإنّ تحقق الثّأر مشروط بوجود من يرتضي قتل الحسين (ع) وينتمي إلى العدوان عليه، وبوجود شيعة للحسين ومحبين له، وأنصار للمهدي وممهّدين له.

وعليه، لا أوان للثّأر ولا زمان له، وإنّما يرتبط وجوده بوجود من يَطلب الثّأر ويُطلب منه، ومن يَأخذ به ويُؤخذ منه، فكما أنّ كلّ أرض كربلاء، فيمكن أن تعلو في كلّ أرض للثّأر راية؛ وكما أنّ كلّ عصر هو عصر الحسين (ع)، فكلّ زمان هو زمان ثأره؛ وكما أنّ كلّ يوم عاشوراء، فإنّ في كلّ يوم نصرة وثأر.


7- في فلسفة الثأر:

إنّ الثّأر هنا لا يعني التّشفي، ولا ينبع من شهوة الانتقام، وليس مشروعاً للتشجيع على العنف الأعمى، أو القتل الغرائزي، وليس المراد منه التّغلب، أو الانزلاق إلى أي فعل غير إنساني. ولن يكون من الصّحيح إسقاط ما يمارس من ثأريات متخلّفة أو وحشيّة على مفهوم الثّأر وفلسفته، كما يطرح لدى الإمام المهدي (ع) وثأره.

إنّ حقيقة الثّأر هنا، تقوم على أنّه لا يمكن لبنيان العدل أنّ يرتفع، إلا إذا هدم بنيان الظّلم، وأنّه لا يمكن لصرح الحق أن يقوم، إلاّ إذا صرم فرع الباطل، وأنّه لا سبيل لمسيرة الإصلاح أن تبدأ، إلاّ بالقضاء على الفساد وجذوره.

إنّ كنه الثّأر هنا، يعني أنّه لا يمكن لقيم البرّ والخير والسّلام أن تسود، إلاّ بالنيل من أيادي الجور والعدوان والإجرام، ومن ذاك المشروع الذي ما زال يوغل كلّ يوم، في ارتكاب ما يرى وما لا يرى من مجازر ومظالم، ويعيث في الأرض فساداً وطغياناً، باسم الدّين تارةً، وباسم غيره أخرى.

إنّ فلسفة الثّأر في عزائية الحسين (ع)، تعني استئصال ذلك النّهج الذي يدّمر الإنسان، ويطيح بكلّ معاني الإنسانيّة، ويمارس أعتى درجات التّوحش والإجرام. إنّها تعني أنّ جولة الباطل والعدوان، لابدّ من أن تنتهي في يوم كان قدراً مقدوراً. وأنّ ذاك النّهج، لا أمل له في البقاء، ولا رجاء له إلى الدّوام.

إنّ تلك الفسلفة تعني، أنّ على جميع قوى الخير والعدل أن تستجمع قواها، وأن تدرك أنّ الفعل الوحيد الذي يجدي مع امتدادات الجاهليّة، ومنطق التّكفير، ونسل العدوان من رحم الإجرام؛ هو فقط وفقط باقتلاع أصوله فقط، وبتر فروعه، واسقاطه وجميع أركانه وبنيانه.

أمّا لماذا يحصل ذاك باسم الحسين (ع) والثّأر له، فذلك لأنّ قضيّة الحسين تمثّل خلاصة الظّلم الذي تعرض له خط الأنبياء وذروته؛ ولأنّ مدرسة الحسين، هي المدرسة الأقدر على هدم مشروع الظّلم ومحق نسله وذريته، ولأنّ عاشوراء الحسين تعني جرح العدل والدّين والإنسانيّة، والذي لن يلتئم كَلَمُه، ولن يَشفى ألمه، إلّا بالثّأر من نهج الظّلم والعنصريّة، ونسل العدوان والجاهلية.


8- الثأر والتمهيد للمهدي (ع):

إذا كان التّمهيد للإمام المهدي (ع) من أهم الوظائف في عصر الغيبة، وإذا كان التّمهيد من سنخ أهداف الظّهور وغاياته، وإذا كان الطّلب بثأر الحسين (ع) من أهم غايات الظّهور ومشروعه؛ فعندها، لابدّ من أن يكون التّمهيد للثّأر بالثّأر، والإعداد له.

بتعبير آخر: إن فعل التّمهيد يجب أن يكون منسجماً مع مشروع الظّهور ومتماهياً معه، فإن كان من أهم أهداف الظّهور إقامة العدل، فعندها لابد من أن يكون التّمهيد لذاك العدل بالعدل نفسه وإقامته.

كذلك إذا كان من أهم أهداف الظّهور، هدم مشروع ظلم الأنبياء وقتل الأئمة، والقضاء على جميع المنضوين فيه والتّابعين له؛ فهنا ينبغي أنّ يكون التّمهيد من السّنخ نفسه، بمعنى العمل على مواجهة جميع المعتدين والمجرمين، الذين يعملون على قتل من ينتمي إلى مشروع الأنبياء وأوصيائهم، والعدوان عليهم؛ لأن في مواجهة هؤلاء، ودفعهم، وقتالهم، والقضاء على نهجهم وفكرهم؛ فعل تمهيد للإمام المهدي (ع) وخروجه.

وهذا لا يلغي وظيفة الإمام المهدي (ع) ولا يتعدى عليها؛ لأنّ أي ثأر يمكن أن يحصل قبل الظّهور، ومهما كبر؛ لن يعدو أن يكون مجرد ممهّد للثّأر الأكبر ومعدٍّ له؛ وسيبقى أقل بكثير من مستوى ذلك الثّأر، الذي سوف يقوم به الإمام، ويحصل على يديه وبفعله.

كذلك إذا كان لا بدّ من منابذة قتلة الحسين (ع) في كلّ عصر، ومنازلة نسل العدوان عليه وعلى شيعته في كلّ دهر؛ فمعناه، أنّ ذلك الثّأر هو أمر لابدّ من حصوله، في كلّ عصر، وأوان دهر.

وبتعبير آخر: إذا كان لا بد من الدّفاع عن النّفس والعرض والمال، في وجه من يبغي إجراماً وعدواناً؛ فمعنى ذلك أنّ قضيّة الثّأر والتّمهيد له تحصيل حاصل، وغاية قائمة؛ لأن ذاك الثأر سوف يكون مرتبطاً بالدّفاع عن من يوالي الحسين، وينتمي إليه ويشايعه. أي أنّه متى ما كان عدوان وإجرام، كان قتال ودفاع؛ ومتى ما كان قتال ودفاع، كان ثأر من قتلة الحسين وظالميه، وتمهيد للثّأر بالثّأر.


9- حقيقة الوصل بين الحسين (ع) والمهدي (ع) ودلالاته:

إنّ ما يعنيه قتل الإمام الحسين (ع) – كما ذكرنا - هو ذروة العدوان على المشروع الإلهي، ومشروع الأنبياء والرّسل على مر التّاريخ. وإنّ ما يحويه خروج الإمام المهدي (ع)، هو ذروة انتصار مشروع الأنبياء وأوصيائهم طوال الدّهر؛ ولذلك لا يمكن لمشروع الأنبياء في ذروة انتصاره وتمكّنه، إلا أنّ يهدم مشروع العدوان على الدّين والنّبيين، في خلاصة ظلمه وتجبّره.

ثمّ إنّ الله تعالى لم يكن ليذر قتل الأنبياء والأوصياء دون عقاب دنيوي، فكيف بقتل الحسين بن علي (ع)؛ فكان خروج الإمام المهدي (ع) بما يمثله من أعلى درجات القسط والعدل، والانتقام من الظّلم والعدوان، والقضاء على الإجرام والطّغيان؛ المظهر الأنسب والأفضل، لإزالة جميع مظاهر العدوان والإجرام بحق الأنبياء ورسالاتهم وأوصيائهم، والثّأر منه، ومن جميع وُلدهِ ونسله، وأصله وفرعه.

وعليه إذا كان الحسين (ع) يمثّل قمة المظلومية، فإنّ المهدي يمثّل قمة الثّأر من الظّلم. وإن كان قتل الحسين يعني ذروة طغيان الظّلم، فإنّ خروج المهدي يعني ذروة انتصار العدل. وإن كانت مأساة الحسين تحكي سنام العلو والعدوان، فإنّ ثورة المهدي (ع)تحكي رواية الثّأر من بني العدوان وجميع المجرمين، وممن والاهم وشايعهم.

إنّ حقيقة الوصل بين الحسين والمهدي، تعبّر عن إقامة التّوازن في الفهم والتّربيّة والخطاب. بين ما يمثّله الحسين، وما يعنيه المهدي. فإذا كان الحسين يعبّر عن الشّعور بفداحة الظّلم، فإنّ المهدي يعبّر عن الشّعور بضرورة إقامة العدل. وإذا كان الحسين ومقتله يفضي إلى تنمية الشّعور بكره الظّلم والظّالمين، فإنّ المهدي يشير إلى حب من يحمل العدل ويسعى لإقامته. وإذا كان قتل الحسين يدعو إلى مواجهة الظّلم وزمرته، فإنّ المهدي وخروجه يهدي إلى نصرة العدل وأهله؛ وإن كانت ثورة الحسين تربي على تقبيح الفساد وفعله، فإنّ ثورة المهدي تهب الأمل بانتصار الإصلاح ونهجه.


10- قتل الحسين والتربية على الثّأر:

إنّ شهادة الحسين (ع) وما حصل معه في كربلاء، قد أفرزا خطاباً يتضمن أكثر من بعد تربوي، يشمل - فيما يشمله – كره الظّلم والفساد، والتّعاطف مع المظلوم، ونصرة الحق، والثّورة على الباطل، فضلاً عن قيم التّضحية، والفداء، والإيثار، والصّبر، والإخلاص، والشّجاعة، والعزة، والإباء، والحب، والرّحمة، والثبات، والبطولة.

لكن من الواضح أن مشروع الإمام المهدي (ع) يتضمن تأكيداً على موضوع الثّأر، بما يعنيه ذلك من أنّ كلّ ما تقدم من قيم ومعانٍ، لا يكتمل دوره ولا يبلغ هدفه، من دون القضاء على منبع الإجرام، واجتثاث جذور العدوان، وإزالة أصل الظّلم، ومعاقبة كلّ من ينتمي إلى زمرة القتلة والمجرمين والمفسدين.

وهذا يعني ـ فيما يعنيه ـ أن يكون الخطاب العاشورائي متراوحاً بين الحسين(ع) والمهدي (ع)، أي بين قيم كربلاء، ومعاني الظّهور؛ بين جراح المأساة، والتّوق إلى الثّأر؛ بين التّملي من روح كربلاء، والاستعداد لإقامة العدل؛ بين توهّج الإرادة من حرارة عاشوراء، والإعداد للثّأر من الجور والظّلم والعدوان، في كلّ أرضٍ وكلّ زمان.

وهذا يعني أن يتضمن الخطاب الحسيني توازناً بين التّربية على مظلوميّة الحسين، والتّربية على ثأر المهدي. حيث ينبغي تّأكيد وجوب حضور قضية الثّأر المهدوي في الخطاب الحسيني، وأنّه يجب العمل على تكوين ثقافة الثّأر بشكل واعٍ وهادف، وأن يكون الخطاب الحسيني هو الحاضن لتلك الثّقافة، والحامل لها، والنّاطق عنها وبها؛ لأنّه لا يمكن – بحال من الأحوال - فصل المظلوميّة الحسينيّة عن الثّأر المهدوي.

كذلك يجب أن يكون المجتمع الحسيني مشدوداً دائماً إلى قضيّة الثّأر وملتفتاً إليها، كقضيّة حيّة في التّاريخ والحاضر؛ لأنّ مشروع الحسين ما زال ينبض بالحياة، ولأنّ قتلة الحسين (ع) مازالوا يشركون في دمه وقتله، ولئلّا يخبو خطاب الثّأر ووهجه؛ ولأنّ نصرة الحسين صداها ما انطفأ، وللعدوان ناب ما زال يضرس.

إنّ ما تقدم، يتضمن أهميّة التّربية على معاني الثّأر وقيمه، وأن يكون هذا البعد التّربوي حاضراً بقوة، وبشكل واعٍ وهادف ومتوازن في أي خطاب أو بيان أو منهج، حتى يتمّ الإعداد الصّحيح والمستديم، والتّمهيد الحق والمتواصل. وحتى يمكن لنا أن نستفيد بشكل حكيم وبنّاء من تلك الرّوح المتوقدة التي تولدها كربلاء. وحتى يمكن لنا أن نستثمر بطريقة جادة وهادفة، تلك الطّاقة الجياشة التي تصنعها عاشوراء، لأجل ذلك، لا بد من حضور ثأر المهدي، إلى جنب شهادة الحسين. ولا بد من تفاعل ثقافة الثّأر، مع ثقافة النّحر؛ ولا بد من تمثّل كلّ قيم الثّأر ومعانيه، إلى جانب مآسي كربلاء، وجراحها النّازفة.

11- لماذا أخر الله تعالى الثّأر إلى عصر الظهور ؟

إنّ من الأهميّة بمكان طرح هذا السؤال، حتى لا يظن أحدٌ هواناً للحسين على الله تعالى، وحتى لا يجهلنّ أحدٌ معنى قتل الحسين، وحقيقة الظّهور وفلسفة الثّأر، وكيف أن الله تعالى يمهِل ولا يُهمل، وأنّه يملي لمن يشاء، فيما يشاء.

هذا، ولا بد من تفصيل الجواب فيما يلي:

أولًا: لابدّ من القول، إنّ الثّأر للإمام الحسين (ع) لم يتوقف مذ قُتل الإمام الحسين (ع): لأنّ قتلة الإمام الحسين – كما ذكرنا – موجودون في كلّ عصر، إذ تجد في كلّ دهر من رضي بقتل الحسين (ع) ويفتخر به ويدعو إليه، ويعمل على قتل شيعته ومحبيه ومواليه. وهؤلاء بقتلهم ذاك، يقتلون الحسين من جديد. وبدعوتهم إلى سفك دمهم، يدعون أبداً إلى سفك دمه.

من هنا أمكن القول، إنّه في كلّ دهر ثأر، وإنّ قافلة الثّأر لم تزل، ولا تزال إلى زمن الظّهور وخروج المهدي (ع)، سوى أنّ الثّأر الأكبر سيكون على يديه، والانتقام الأعظم يحين عند خروجه.

ثانيّاً: أمّا تأخير الثّأر الأعظم إلى عصر الظّهور، فيعود لارتباطه بالإمام المهدي (ع) وفلسفة الخروج وأهداف القيام؛ حيث يمكن القول، إنّ إزالة الظّلم والفساد في أوسع تجلياته، والقضاء على جميع رموزه ومنضوياته، واقتلاعه من جذوره وأصوله؛ كلّ ذلك لا يمكن أن يحصل إلاّ على يد المهدي (ع) ويوم ظهوره، لعللٍ كثيرة؛ منها ما يرتبط بما يؤتيه الله تعالى من أسباب القوّة والنّصرة والتّأييد، فضلاً عن ابتلاء الأمّة على مرّ التّاريخ بقضيّة الحسين (ع)، حتى يُعرف من يكون مع قتلته ومنهم، ومن يكون من أنصاره ومعهم، وحتى ﴿يَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ﴾([28])، و ﴿لِيَمِيزَ اللّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾([29]).

كما أنّ الله تعالى يمهل ولا يهمل، إمهاله إن حصل، فعن حكمة. وإن أملى، فلغاية. فليس الإمهال هنا إمهال غفلة، ولا الإملاء إملاء تفريط.

وسوف يكون من المناسب، أن نذكر في هذا المورد حديثاً للإمام زين العابدين (ع)، يبيّن فيه عظيم ما اقترفه قتلة الإمام الحسين (ع)، ويشير فيه إلى قضيّة الحكمة في تأخير عقاب من أُخّر عقابه؛ حيث ذكر الإمام أبو محمد العسكري (ع) أنّ "علي بن الحسين (ع) كان يذكر حال من مسخهم الله قردة من بني إسرائيل، ويحكي قصتهم؛ فلما بلغ آخرها، قال: إنّ الله تعالى مسخ أولئك القوم لاصطياد السّمك، فكيف ترى عند الله عزّ وجلّ، يكون حال من قتل أولاد رسول الله (ص) وهتك حريمه؟ إنّ الله تعالى وإن لم يمسخهم في الدّنيا، فإنّ المعدّ لهم من عذاب الله في الآخرة، أضعاف أضعاف عذاب المسخ.

فقيل له: يا بن رسول الله، فإنّا قد سمعنا منك هذا الحديث، فقال لنا بعض النّصاب؛ فإن كان قتل الحسين باطلاً، فهو أعظم عند الله من صيد السّمك في السّبت؛ أفما كان يغضب الله على قاتليه، كما غضب على صيادي السّمك؟!

قال علي بن الحسين (ع): «قل لهؤلاء النّصاب؛ فإن كان إبليس معاصيه أعظم من معاصي مَن كفر بإغوائه، فأهلك الله من شاء منهم، كقوم نوح وفرعون، ولم يهلك إبليس، وهو أولى بالهلاك؛ فما باله أهلك هؤلاء الذين قصّروا عن إبليس في عمل الموبقات، وأمهل إبليس مع إيثاره لكشف المخزيات؟

ألا كان ربّنا حكيماً بتدبيره وحكمه فيمن أهلك، وفيمن استبقى؛ فكذلك هؤلاء الصّائدون للسمك في السّبت، وهؤلاء القاتلون للحسين (ع)، يفعل في الفريقين ما يعلم أنّه أولى بالصّواب والحكمة، لا يُسأل عمّا يَفعل، وعباده يُسألون»([30]).


12- من دلالات الثأر:

إنّ دلالات عديدة يمكن أن تستفاد من قضيّة الثّأر من قتلة الحسين(ع)، والتي يمكن أن نذكر منها:

إنّ قتل الحسين (ع) قضيّة لا تخبو، وسوف تبقى ملتهبة حتى ظهور المهدي(ع)، وتحقيق الثّأر وبلوغ أهدافه.

إنّ سنّة الله تعالى في الأنبياء وأممهم، ومن اعتدى عليهم، لن تتعطل مع رسول الله (ص) وأهل بيته، حيث انّ من اعتدى على سبط الرّسول (ص) ووصيه الحسين (ع)، سينال عقابه في الدّنيا، وأضعافه في الآخرة.

إنّ الله تعالى قد وعد بنصر مشروع الأنبياء والرّسل في نهاية التّاريخ، وهو ما سوف يحصل من خلال ثورة المهدي (ع) وعند ظهوره، لكن باسم الحسين، ومظلوميّة الحسين، وما تعنيه وما تمثّله، وتحت راية الثّأر، وشعار المهدي وأنصاره: «يا لثارات الحسين».

إذا كان مقتل الحسين (ع) يمثّل قضيّة التّاريخ، وإذا كان خروج المهدي يمثّل قضيّة المستقبل؛ فإنّ الوصل ما بين أواني التّاريخ والمستقبل، إنّما يحصل من خلال مشروع الثّأر وتجلياته.

إنّ الخروج المهدوي، ما كانت لتكتمل ارهاصاته، ولا لتنضج مقدماته، من دون شهادة الحسين (ع) ومقتله، بما يمثّله من قضيّة ملهمة، وطاقة محركة، وغاية توقد الإرادة، وتهب الفعل المهدوي جملة المسوّغات لنهجه ووظائفه.

إنّ شهادة الحسين (ع) ما كانت لتكتمل أهدافها، ولا لتبلغ غاياتها، من دون الثّأر المهدوي ومشروع الثّأر، بما يعنيه هذا المشروع من هدم لأركان الظّلم والعدوان والعنصريّة، وما يعنيه من محو لجميع أشكال الإجرام والكراهيّة.

إنّ سر الوصل بين الحسين (ع) والمهدي (ع) تتجلى أحرفه، من تلمس هذه الحقيقة، أن العدالة المهدويّة في نهاية التّاريخ، تستمد روحها من المظلوميّة الحسينيّة في كبد النّبوة وجوهر الدّين، ومن معنى، أنّ ثورة الإصلاح الحسيني ستبقى تتراكم، وتزداد توهجاً، على مرّ الزّمن وسير الفلك؛ إلى أن تؤتي أكلها كاملاً يوم الظّهور المهدوي، انبعاثاً، يملأ الأرض قسطاً وعدلاً ونوراً، كما ملئت ظلماً وظلاماً وجوراً.


الخاتمة

إنّ ما يُستفاد من خلاصة ما تقدم، أنّ الثّأر لقتل الإمام الحسين (ع) ليس ثأراً شخصياً، بمقدار ما هو ثأر من ذلك المشروع الذي قتل الحسين، مشروع له جذوره في الماضي وامتداداته في التّاريخ، وفروعه في التّراث والإعلام والثّقافة والتّربية والخطاب والسّياسة، ويقوم على ركني البغض لأهل بيت الرّسول (ص) والعدوان عليهم، وعلى كلّ من يرتبط بهم، أو ينتمي إليهم.

إنّ الثّأر هنا يصبح ضرورة إنسانيّة، وواجباً أخلاقياً، ومقدمة لازمة لإقامة الحق، وتحقيق جميع معاني العدل والإصلاح.

الثّأر هنا، لا يحمل أي بعد مذهبي أو شخصي أو عشائري؛ فهنا لا يراد الثّأر من مذهب، أو العدوان على أحد. إنّه ثأر لرفض العدوان، فكيف يمارسه؟ إنّه ثأر لكنس الإجرام، فكيف يقدم عليه؟ إنّه ثأر لبتر الظّلم، فكيف يقع فيه؟

إنّه ثأر الإنسانيّة من عدوها؛ لأنّه في الحسين تكثّفت كلّ معاني الإنسانيّة والفضيلة، فعندما يُثأر للحسين، فإنّه يثأر من كلّ معاني الظّلم والعدوان والإجرام والفساد والبغي والطّغيان.

وما ينبغي التّأكيد عليه، هو أنّنا لا نقدم تصوراً صراعياً للعلاقات في الاجتماع الإسلامي أو الاجتماع العام، ولا يُراد لهذا البحث أن يقدم مادة دافعة إلى تأزيم تلك العلاقات، وزيادة توتيرها. وإنّما هو بمثابة توصيف صريح لما حصل ويحصل، ومحاولة لاستثمار كلّ عناصر القوّة ثقافياً لحماية الوجود والدفاع عن الذّات.

إنّ ما يطرحه هذا البحث هو بمثابة رؤية واقعيّة للأحداث، سواء في التّاريخ أو الحاضر أو المستقبل، فهي رؤية تصف الواقع كما هو، وتتحدث عن وجود مشروع عدواني عنصري تتبناه أكثر من جهة، تمارس القتل والإجرام بحق طائفة من المسلمين، توالي أهل بيت النّبي (ص)، وتدين لهم بالحب والمودّة. حيث لا دافع لكلّ أعمال القتل الوحشي، والإجرام الحاقد؛ إلاّ البغض والكراهيّة، وشهوة الإجرام، وأكثر من فقه أو تراث تشّكل باسم الدّين، على إيقاع السّلطة واستبدادها وتغوّلها، عندما شرت بثمنٍ بخس ذمماً من علماء البلاط، فكان هجين التراث على شاكلة من أراد قصده، ومن دوّن، لكنه أسفر عن وجهه باسم الله وبأقلام فقهاء السّلطان، ويراع الدّرهم والدّينار.

إنّ سفاحاً قد حصل بين استبداد السلطة وتوحّشها، وبين زيغ من علماء السوء وطمعهم، فكان وليدهم على شاكلتهم تراثاً يحمل شبهاً من عنف السلطان وتوحّشه، وعنصرية وتكفيراً باسم الدين وأئمته، تراث حوى أخبث ما في السلطان من صفات، وأسوأ ما في علماء البلاط من نعوت، من صفات، لكنه يستولد بتشوّهاته شروعاً، يستنسخ أقبح ما في ذاك التراث من وضع وتحريف وضلال وتوحّش وإجرام.

ولا أعتقد أنّ وجود ذلك المشروع وتمظهراته يحتاج إلى جدال، أو أنّه محل نقاش؛ لأنّه كان موجوداً في مجمل التّاريخ الإسلامي؛ ولأنّه أبان عن نفسه في حاضر دهرنا، قتلاً وعدواناً، وظلماً وإفساداً، وإيغالاً في الدماء، وشرهاً إلى الإجرام. هذا ولا يحتاج ذو عينين إلى كثير جهدٍ، حتى يعرف عمّا نفصح، وإلى أي بلاء نشير.

كلّ ما في الأمر، أنّ هذه الرؤية تسهم في استنهاض كلّ مكامن القوّة في الوعي الجمعي، والثّقافة المجتمعيّة، لتلك الجماعة المستهدفة، من أجل تحصينها بمختلف عناصر القوّة، للدّفاع عن نفسها، وحماية وجودها.

وخصوصاً عندما يتصل الأمر بتلك الثّقافة، التي تملك تأثيراً بالغ الأثر في تثوير الإرادة، واستنهاض الهمم، وانبعاث الأمم، وتشكيل الوعي، وتحشيد القوى بهدف امتلاك أعلى درجات القوّة، للدّفاع عن الذّات، وحماية الوجود، وبناء الحاضر.

وإن قيل لنا، بأنّ هذا الفعل الدّفاعي والحمائي، هو حق؛ بل واجب، ولكن لماذا تعطونه هذا البعد الأيديولوجي؟؛ فالجواب ما يلي:

إنّ هذا البعد الأيديولوجي هو أيضاً توصيف للواقع، وليس اسقاطاً عليه. بمعنى أنّ وجود تلك الجماعة مستهدف لهويتها فقط، أي لارتباطها بأهل البيت(ع) وولائها لهم، ومن هنا حقّ لها أن تدافع عن وجودها باسم هويتها، أي باسم الحسين والثّأر له.

إنّ هذه الجماعة تملك رؤيتها للتّاريخ والحاضر والمستقبل، فيما يتصل بموقفها من ذلك المشروع العنصري والعدواني الذي يستهدفها، ويستهدف وجودها، ومساره، وما سوف يؤول إليه؛ ومن حقها أن تعبّر عن رؤيتها تلك بشكل إنساني وحضاري، لكن يحق لها في الوقت نفسه، أن تبرز كامل رؤيتها تجاه ذلك المشروع، وتاريخه، ومآلاته في قادم الأيام.

إنّ من حق تلك الجماعة؛ بل من واجبها، أن تبحث عن جميع عناصر القوّة في تراثها، وفكرها، وثقافتها، وتاريخها، وكلّ ما لديها، من أجل الاستفادة منه، وتوظيفه في حماية ذاتها، والدّفاع عن وجودها، وصناعة حاضرها، والحفاظ على هويتها؛ فكيف إذا كان الأمر متصلاً بآلم الذّكريات في وجدانها الجمعي (كربلاء)، وبأرقى الشّعائر في ثقافتها المجتمعيّة (عاشوراء)، وبأسمى المعاني في وعيها الدّيني (شّهادة الحسين (ع))، وأبلغ المعتقدات أثراً في صناعة الأمل، والثّقة بالنّصر، وديمومة ثورة العدل والإصلاح (خروج المهدي وفلسفة الظّهور).


* هوامش البحث *

[1]- مولى محمد صالح المازندراني، شرح أصول الكافي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 2000م،ط1، ج 12، ص 367.

[2]- جاء عن الإمام الصادق 7 في وصفه لأصحاب القائم (عجّل الله تعالى فرجه): "... وهم من خشية الله مشفقون، يدعون بالشهادة، ويتمنّون ان يقتلوا في سبيل الله، شعارهم، "يا لثارات الحسين 7"، إذا ساروا يسير الرعب أمامهم مسيرة شهر..." (ميرزا حسين النوري، مستدرك الوسائل، مؤسسة آل البيت لإحياء التراث، بيروت، 1988 م، ط 2، ج 11، ص 114).

[3]-الصّدوق، علل الشّرائع، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، ١٩٨٨م، ط١، ج١، ص٢٦٨.

[4]- الطّوسي، الأمالي، دار الثّقافة للطباعة والنّشر والتّوزيع، قمّ، ص١٤١٤ هـ ق، ط١، ص٤١٨؛ أيضاً باختلاف يسير: الكليني، الكافي، تصحيح وتعليق: علي الأكبر الغفاري، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، ١٣٦٣ هـ.ش، ط٥، ج١، ص٤٦٥، حيث ورد في المتن: "لما كان من أمر الحسين بن علي 7 ما كان، ضجت الملائكة إلى الله بالبكاء، وقالت: يفعل هذا بالحسين صفيّك وابن نبيّك؟ قال: فأقام الله لهم ظلّ القائم 7، وقال بهذا أنتقم لهذا".

(*) نجُدُّهم: أي نقطعهم ونزيلهم.

[5]- م ن، 534.

[6]- المجلسي، بحار الأنوار، مؤسسة الوفاء، بيروت، 1983 م، ط2، ج 45، ص 298.

[7]- م ن.

[8]- م ن، ج ٤٤، ص ٢١٨.

[9]- م ن، ج ٤٥، ص ٢٩٩.

[10]- -م ن، ص٢٩٨، السّيوطي، الدّر المنثور في التّفسير بالمأثور، دار المعرفة للطباعة والنّشر، ج ٤، ص ٢٦٤ (باختلاف يسير).

* ـ الذّحول: ج الذّحْل: أي الثّأر.

[11]- عباس القمي، مفاتيح الجنان، دار ومكتبة الهلال، بيروت، ٢٠٠٤م، ط ١، ص٥٩٨.

[12]- م ن، ص٥٢٠-٥٢١.

[13]- م ن، ص٥٢٨.

[14]- المكتبة الإسلاميّة، استانبول، ط 2، ص 92.

[15]- إعداد: محمد حسن بكائي، مؤسسة النّشر الإسلامي، قمّ، ١٤١٤ه ق، ط١، ص١١٤.

[16]- إذا كان العدوان على الحسين 7 يمثّل خلاصة العدوان على الأنبياء والرسل، فإنّ الثأر يمثّل خلاصة الثأر للأنبياء والرسل؛ ومن هنا اقترن الثأر للأنبياء وأبنائهم بالثأر للإمام الحسين 7، حيث جاء في مخاطبة الإمام المهدي في دعاء الندبة: "... أين الطالب بذحول الأنبياء وأبناء الأنبياء، اين الطالب بدم المقتول بكربلاء..."

[17]- الصّدوق، ثواب الأعمال، منشورات الشّريف الرّضي، قمّ، ١٣٦٨ه ش، ط 2، 217.

[18]-المجلسي، بحار الأنوار، م ن، ج٤٥، ص٢٩٨.

[19]- الحر العاملي، وسائل الشّيعة، مؤسسة آل البيت لإحياء التّراث، قمّ ١٤١٤ه ق، ط٢، ج١٦،ص١٤٢.

[20]- المجلسي، بحار الأنوار، م س، ص٢٩٨.

[21]- الصّدوق، علل الشّرائع، م س.

[22]- المجلسي، بحار الأنوار، م س، ص٢٩٦.

[23]- م ن، ص٢٩٩.

[24]- علي ابن بابويه القمي، الإمامة والتّبصرة، مدرسة الإمام المهدي، قمّ، ١٤٠٤ه ق، ط١، ص١٢٠.

[25]- المجلسي، بحار الأنوار، م س، ص٢٩٧.

* الوِتْر: "ظُلامة في دمّ" والمقصود بها من ظُلم، بأنّ قتل له أحد أرحامه.

[26]- م ن، ص٢٩٨.

[27]- م ن.

[28]- سورة الأنفال، الآية ٤٢.

[29]- سورة الأنفال، الآية ٣٧.

[30]- الطّبرسي، الاحتجاج، دار النّعمان للطباعة والنّشر، النّجف الأشرف، ١٩٦٦م، ج٢، ص٤١؛ المجلسي، بحار الأنوار، م س، ص٢٩٢.