البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

علم الإمام وثورة سيد الشهداء (ع)

الباحث : 
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  9
السنة :  السنة الثالثة - شعبان المعظم 1437هـ / 2016م
تاريخ إضافة البحث :  June / 25 / 2016
عدد زيارات البحث :  969
تحميل  ( 235.295 KB )

علم الإمام

وثورة سيد الشهداء (ع)


العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي ;

ترجمة: هاشم مرتضى

■ السؤال: هل كان يعلم سيد الشهداء (ع) باستشهاده في سفره من مكة إلى الكوفة أم لا؟ وبعبارة اُخرى هل ذهب إلى كربلاء للشهادة، أو بقصد إقامة الحكومة الإسلامية العادلة؟

■ الجواب: إنّ سيد الشهداء (ع) ـ عند الشيعة الإمامية ـ إمام مفترض الطاعة، وهو ثالث خليفة من خلفاء رسول الله (ص)، وهو صاحب الولاية الكلية.

ثم إنّ علم الإمام (ع) بالأعيان الخارجية والحوادث والوقائع على قسمين، وهذا المستفاد من الأدلّة النقلية والبراهين العقلية:

القسم الأوّل من علم الإمام:

إنّ الإمام مطلع على حقائق الكون بأيّ نحو من أنحائها بإذن الله تعالى، أعم من المحسوسات ومن غير المحسوسات، كالموجودات السماوية والحوادث الغابرة والوقائع المستقبلية.

والدليل على هذا:

من طريق النقل والروايات المتواترة المحفوظة في المدونات الروائية الشيعية، ككتاب الكافي والبصائر وكتب الصدوق وكتاب بحار الأنوار وغيرها. فطبقاً لهذه الروايات التي لا تعد ولا تحصى، يكون الإمام مطّلعاً على جميع الأمور، عالماً بجميع الأشياء، وكلّ ما أراده سوف يعلمه بإذن الله بأدنى التفاتة، وهذا عن طريق الموهبة الإلهية دون الاكتساب.

نعم توجد في القرآن الكريم آيات تخصص علم الغيب بالله تعالى وتحصره في ساحته المقدسة، ولكن الاستثناء الموجود في الآية الكريمة: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلاَ يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا * إِلاَّ مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن:26]، يدلّ على أنّ معنى اختصاص علم الغيب بالله تعالى هو أنّه لا يعلم الغيب مستقلاً وبالذات إلاّ الله تعالى، ولكن يمكن للأنبياء المرضيين أن يعلموا الغيب بتعليم الله تعالى، وكذلك يمكن للمرضيين من العباد أن يعلموا الغيب بتعليم الأنبياء، كما ورد في كثير من الروايات إنّ النبي وكذلك الإمام عند آخر لحظات حياته يودع علم الإمامة للإمام الذي يأتي بعده.

ومن طريق العقل، حيث توجد براهين على أنّ الإمام (ع) بحسب مقامه النوراني، يكون أكمل إنسان في عصره، ومظهراً تاماً لأسماء الله وصفاته؛ ولذا يكون عالماً بالفعل بجميع الأمور ومطّلعاً على كلّ قضية خاصّة، ولو توجّه لأيّ جهة ستنكشف له الحقائق بحسب وجوده العنصري (وتقرير هذا البرهان يوكل إلى مجال آخر لابتنائه على مسائل عقلية معقّدة يكون مستواها أعلى من مستوى هذه المقالة).

عدم تأثير هذا العلم بالعمل وعدم علاقته بالتكليف:

هناك نقطة لابد من الانتباه إليها، وهي أنّ هذا العلم الموهوب وطبقاً للأدلّة العقلية والنقلية المثبتة له، لا يتغيّر ولا يتخلّف بتاتاً ولا يخطأ قيد أنملة، وبحسب الاصطلاح إنّه علم بالمثبت في اللوح المحفوظ، وبما تعلّق به القضاء الإلهي الحتمي، ولازم هذا الأمر عدم تعلّق أيّ تكليف بمتعلّق هكذا علم (من حيث كونه حتمي الوقوع ومتعلقاً بهكذا علم)، وكذلك لا يحدث للإنسان من خلاله أيّ قصد وطلب، لأنّ التكليف يتعلّق دوماً عن طريق إمكان تحقّق الفعل، وإنّما يتمّ طلب الفعل أو تركه إذا كانا باختيار المكلّف، أما من جهة كونه [أي العلم] ضروري الوقوع ومتعلقاً بالقضاء الحتمي، فيستحيل أن يكون مورداً للتكليف.

فمن الصحيح مثلاً أن يقول الله تعالى لعبده: إفعل الفعل الفلاني الذي يمكنك فعله وتركه وما هو باختيارك، ولكن يستحيل أن يقول له: إفعل أو لا تفعل الأمر الفلاني الذي سيتحقق البتة ولا يتخلّف بموجب مشيئتي التكوينية وقضائي الحتمي؛ لأنّ هكذا أمر ونهي يكون لغواً لا أثر له.

كذلك الإنسان يمكنه أن يريد الأمر الذي بإمكانه أن يتحقق أو لا يتحقق، فيجعله مقصداً وهدفاً ويسعى لإنجازه وتحققه، ولكن لا يمكن أبداً إرادة وقصد ومتابعة ما سيتحقق يقيناً على نحو القضاء الحتمي من دون تغيّر وتخلّف؛ لأنّ إرادة الإنسان وعدمها وقصده وعدمه لا يؤثّر أبداً فيما سيتحقق لا محالة (فتأمّل).

ومن هنا يظهر:

1ـ أنّ هذا العلم الموهوب للإمام (ع) لا أثر له في أعماله، ولا علاقة له بتكاليفه الخاصّة، وأساساً أيّ أمر حتمي ـ من جهة حتمية وقوعه وتعلّقه بالقضاء الحتمي ـ لا يكون متعلقاً للأمر أو النهي أو إرادة الإنسان وقصده. نعم متعلّق القضاء الحتمي والمشيئة القطعية الإلهية هو الرضا بالقضاء، كما كان يردّد سيد الشهداء (ع) في آخر ساعات حياته وهو على الرمضاء: "رضى بقضاءك وتسليماً لأمرك لا معبود سواك"، كذلك ما قال في خطبته عند خروجه من مكة: "رضى الله رضانا أهل البيت".

2ـ أنّ حتمية فعل الإنسان من وجهة نظر تعلّقه بالقضاء الإلهي، لا ينافي اختياريته من وجهة نظر فاعلية الإنسان الاختيارية؛ لأنّ القضاء السماوي تعلّق بالفعل من جميع حيثياته لا بمطلق الفعل، وعلى سبيل المثال؛ فإنّ الله تعالى إذا أراد أن يفعل الإنسان باختياره الفعل الاختياري الفلاني فحينئذٍ سيكون التحقق الخارجي لهذا الفعل الاختياري حتمياً غير قابل للاجتناب لتعلّقه بإرادة الله، مع كونه بنفس الوقت اختيارياً؛ له صفة الإمكان بالنسبة إلى الإنسان (فتأمّل).

3ـ أنّ ما يبدو من ظاهر أعمال الإمام (ع) الذي يمكن تطبيقه على العلل والأسباب الظاهرية، لا يكون دليلاً على عدم وجود هذا العلم الموهوب وشاهداً على الجهل بالواقع، كما لو قيل: إنّ سيد الشهداء (ع) لو كان عالماً بالواقع فلماذا أرسل مسلماً إلى الكوفة نيابة عنه؟ لماذا راسل أهل الكوفة بيد الصيداوي؟ لماذا خرج من مكة؟ لماذا ألقى بنفسه في التهلكة، وقد قال الله تعالى: } وَلاَ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ {ولماذا؟ ولماذا؟!

إنّ جواب جميع هذه الأسئلة يظهر ممّا ذكرناه ولا حاجة إلى تكراره.

القسم الثاني من علم الإمام: العلم العادي:

قد نص القرآن بأنّ النبي (ص) كذلك الإمام (ع) (من عترته) بشر كسائر أفراد البشر، والأعمال التي يؤديها في مسيرة حياته حالها حال سائر أعمال الناس من حيث انبعاثها من الاختيار والعلم العادي. الإمام كسائر الناس يشخّص الخير والشر والنفع والضرر بالعلم العادي، فتتعلّق إرادته بما يراه جديراً بالإقدام ويسعى لإنجازه، ويصيب الهدف حينما تتوفّر العلل والعوامل والأوضاع والأحوال الخارجية، ويخيب عند عدم توفّر الأسباب والشرائط (وكون الإمام يعلم جزئيات جميع الحوادث كما حصلت وكما ستحصل بإذن الله تعالى، لا يؤثّر في أعماله الاختيارية هذه، كما مرّ).

الإمام (ع) عبدٌ لله ومكلّف بالتكاليف والوظائف الدينية كسائر الناس، وعليه إنجاز مهام القيادة الملقاة على عاتقه من قبل الله تعالى طبقاً للموازين الإنسانية العادّية، وبذل كلّ جهده وما بوسعه لإحياء كلمة الحق وإقامة الدين.

أهداف ثورة سيد الشهداء (ع):

إنّ لمحة إجمالية للوضع العام آنذاك ، تبيّن لنا عزم سيد الشهداء (ع) وسبب إقدامه. فإنّ فترة حكم معاوية البالغة نحو عشرين سنة، كانت من أسوء الفترات على بيت الرسالة وشيعتهم في التاريخ الإسلامي؛ وذلك أنّ معاوية بعدما تسنّم كرسي الخلافة الإسلامية بالمكر والغدر، أصبح حاكم الدولة الإسلامية الوسيعة من دون منازع، عبّأ جميع قواه نحو تحكيم حكومته وطمس معالم أهل بيت الرسالة، وما اكتفى بذلك؛ بل كان ينوي محو اسمهم عن ألسن الناس، ومحو آثارهم من ذاكرة الناس.

ونظراً لوجاهة أصحاب النبي (ص) عند الناس واعتمادهم عليهم، انبرى معاوية لاستغلال بعضهم؛ ليشايعوه ويضعوا روايات لنفع الصحابة وضد أهل البيت :، وكان يُسب أمير المؤمنين (ع) بأمره وعلانية كفريضة واجبة على المنابر في جميع البلاد الإسلامية.

كان معاوية يقضي على أتباع ومحبي أهل البيت أينما وجدهم، وباستعانة أجندته أمثال زياد بن أبيه وسمرة بن جندب وبسر بن أرطاة وغيرهم، وما فتأ عن استخدام المال والقوة والتطميع والترغيب والتهديد إلى أبعد الحدود.

فمن الطبيعي أن ينفر عامة الناس من ذكر علي وآل علي في هكذا مناخ، وحتى الذين كانوا من محبي أهل البيت اضطروا خوفاً على النفس والمال والعرض إلى قطع الأواصر مع أهل البيت.

ويظهر واقع الحال جلياً لو التفتنا إلى أنّ إمامة سيد الشهداء (ع) دامت عشر سنوات، وكانت كلّها (عدا الأشهر الأخيرة) في فترة حكم معاوية. ففي جميع هذه المدّة لم يصل إلينا عنه (ع) ـ وهو إمام عصره والمبيّن للأحكام والمعارف ـ ولا حديث واحد في جميع الفقه ـ (وأقصد بذلك رواية الناس عنه (ع) التي تدلّ على إقبالهم عليه ومراجعتهم له، إلّا ما وصل إلينا عنه بسند من داخل العترة أي الأئمة)، وهذا ما يدلّل على غلق باب أهل البيت : آنذاك تماماً وأنّ إقبال الناس إليهم كان صفراً [في النسب المئوية].

إنّ الضغط والخناق المستمر الذي ساد المجتمع آنذاك، لم يفسح المجال للإمام الحسن (ع) باستمرار الحرب أو الثورة على معاوية، إذ ما كان فيها أيّ جدوى، وذلك أوّلاً لأخذ معاوية البيعة منه، ومع وجود البيعة ما كان يسمع أحد من الإمام. وثانياً: إنّ معاوية عرّف نفسه للناس بأنّه من كبار صحابة النبي (ص) وكاتب الوحي، ومورد اعتماد الخلفاء الثلاثة وبمثابة اليد اليمنى لهم، ووسم نفسه بلقب خال المؤمنين المقدس. ثالثاً: كان يتمكن ـ من خلال المكر الخاص به ـ وبكل سهولة إغواء أقرباء الإمام الحسن (ع) للقيام بقتله، ثم بعد ذلك يقوم هو للطلب بثأره لينتقم من قاتليه، ويضع مجالس العزاء ويلبس لباس العزاء.

ولقد بالغ معاوية في الأمر بحيث ما كان الإمام الحسن (ع) يشعر بالأمان في داخل بيته، إلى أن قام بسمّه على يد زوجه إبّان أخذ البيعة من الناس ليزيد.

حتى أنّ سيد الشهداء (ع) الذي ثار مباشرة بعد موت معاوية على يزيد، حيث فدى نفسه ومن كان معه حتى الطفل الرضيع في هذا الطريق، ما كان يتمكن من هذا الفداء في مدّة إمامته المعاصرة مع معاوية، وذلك لعدم وجود أيّ جدوى وأثر للقيام والشهادة أمام خدع معاوية وأمام البيعة التي أخذها منه.

هذه نبذة مختصرة عن الأحوال الفظيعة التي أحدثها معاوية في المجتمع الإسلامي آنذاك، حيث أغلق باب بيت النبي (ص) تماماً، وسلب عن أهل البيت أدنى مستويات التأثير والخصوصية.

موت معاوية وخلافة يزيد:

الضربة القاضية الأخيرة التي وجهها معاوية للإسلام والمسلمين، تبديله الخلافة الإسلامية بالملك العضوض الموروث، حيث استخلف ابنه يزيد مكانه، والحال أنّ يزيد كان يفتقد مقومات الشخصية الدينية ولو بالظاهر والتزوير، حيث كان منهمكاً دوماً وعلناً بالغناء والسكر واللعب مع القرود من دون أن يحترم الشريعة؛ بل لم يكن معتقداً بالدين أبداً، والشاهد على ذلك ما أنشده عندما دخل ركب الأسرى إلى دمشق مع رؤوس شهداء كربلاء، فخرج لرؤيتهم، وقال عند سماع نعيب الغراب:

نعب الغراب فقلت قل أو لا تقل فقد اقتضيت مـن الـرسول ديوني

وكذلك عندما اُدخل الأسرى عليه مع رأس سيد الشهداء المقدس أنشد أبياتاً قال فيها:

لعبت هاشم بالملك فلا خبر جاء ولا وحي نزل

إنّ حكم يزيد المبتني على استمرار سياسة معاوية، أفصحَ عن تكليف الإسلام والمسلمين، وعلى غرارها أوضحَ نحو علقة أهل البيت مع المسلمين وشيعتهم (وكان المطلوب نسيانها مطلقاً)، في هكذا ظروف؛ كان من أوثق العوامل والوسيلة الوحيدة القاضية بسقوط أهل البيت، واختلاط أمر الحق والحقيقة، بيعة سيد الشهداء ليزيد والاعتراف بكونه الخليفة المفترض الطاعة للنبي (ص) !

الإمام (ع) والبيعة مع يزيد:

إنّ سيد الشهداء (ع) وبحكم إمامته وقيادته الواقعية، ما كان يتمكن من بيعة يزيد وأن يخطو هكذا خطوة مؤثرة لهدم الدين والشريعة، وعليه ما كان تكليفه إلاّ الامتناع من البيعة، وما كانت إرادة الله تعالى منه سوى ذلك.

أثر الامتناع من البيعة:

ومن جهة اُخرى كان للامتناع عن البيعة آثار فظيعة؛ لأنّ القوة الغاشمة المخوفة آنذاك ركزت كل جهودها على أخذ البيعة (البيعة أو القتل)، ولم تقنع بغير هذا، وعليه فإنّ قتل الإمام (ع) عند امتناع البيعة كان أمراً قطعياً وملازماً للامتناع. ولذا فقد عزم سيد الشهداء (ع) رعاية لمصلحة الإسلام والمسلمين على عدم البيعة وعلى أن يُقتل، فآثر الموت على الحياة بكل شجاعة، وكان تكليفه الإلهي أيضاً هو الامتناع من البيعة وعلى أن يقتل.

وهذا معنى ما ورد في بعض الروايات من أنّ رسول الله (ص) قال له في المنام: شاء الله أن يراك قتيلاً، كما قال هو (ع) لمن كان يمنعه من الخروج: شاء الله أن يراني قتيلاً. وعلى أيّة حال أنّ المراد من المشيئة هنا التشريعية لا التكوينية، لأنّـه لا تأثير لمشيئة الله التكوينية في الإرادة والفعل كما مرّ.

اختيار الموت على الحياة:

نعم لقد عزم سيد الشهداء (ع) على الامتناع من البيعة والقتل، فاختار الموت على الحياة، وقد أثبتت الحوادث المستقبلية صحّة رأيه (ع)؛ لأنّ استشهاده بتلك الحالة الفظيعة أثبت مظلومية أهل البيت وأحقيتهم، وقد استمر القتل وإراقة الدماء بعد استشهاده نحو اثنتي عشرة سنة، وبعد هذه الفترة وما حصل من هدنة نسبية في زمن الإمام الخامس، إنهال الشيعة من جميع الأطراف على باب ذلك البيت، البيت الذي لم يطرق بابه أحد زمن حياته (ع).

لقد أضاء [بعد ذلك] نور أهل البيت : وتلألأت حقانيتهم في جميع أصقاع العالم، وكان عمود تلك الحقانية والمظلومية، وكان السابق إلى ذلك سيد الشهداء (ع). إذاً المقايسة بين وضع آل الرسالة ومدى إقبال الناس عليهم في زمن حياته (ع) مع ما حدث بعد استشهاده خلال أربعة عشر قرناً مع تأصيل وتجدّد سنوي، يبيّن لنا إصابة رأيه (ع)، وما أنشده (ع) ـ كما في بعض الروايات ـ يشير إلى هذا المعنى حيث قال:

وما إن طبنا جبن ولكن منايانا ودولـــة آخرينا

ولذا أكّد معاوية على يزيد ووصّاه بأن لا يتعرّض للحسين إذا امتنع من البيعة؛ بل يدعه لحاله، فوصيته هذه لم تكن من باب الحب والاخلاص؛ بل كان يعلم بعدم مبايعة الحسين (ع)، فلو قُتل على يد يزيد توشح أهل البيت وسام المظلومية، وهذا يشكّل خطراً على الملك الأموي، وبنفس الوقت سيكون أفضل وسيلة لأهل البيت في مقام التبليغ والتقدّم.

إشارات الإمام (ع) المختلفة إلى تكليفه:

كان سيد الشهداء (ع) عارفاً بتكليفه الإلهي في الامتناع عن البيعة، وعالماً أكثر من غيره بقوّة بني أمية المهولة وعدم إمكان مقاومتها مع عرفانه بروحيات يزيد، وعارفاً بملازمة عدم البيعة للقتل الحتمي، وأنّ أداء الحكم الإلهي يقتضي الاستشهاد، وهذا ما أشار إليه في مقامات مختلفة وبتعابير متنوعة، فقد قال في مجلس أمير المدينة بعدما طلب منه البيعة: مثلي لا يبايع مثل يزيد.

وعندما خرج من المدينة ليلاً، نقل أنّ جده قال له في المنام بأنّ الله شاء أن يُقتل ـ أي بعنوان التكليف ـ وأعاد نفس هذا الكلام في الخطبة التي خطبها عند خروجه من مكة موجهاً خطابه لمن أراد منعه من الذهاب إلى العراق، كما أشار في جواب أحد وجهاء الأعراب عندما أصرّ في الطريق على منعه من الذهاب إلى الكوفة وإلاّ سوف يقتل قطعاً؛ إلى أنّ هذا الأمر لا يخفى عليه ولكن هؤلاء القوم لا يتركوني وسيقتلونني أين ما كنت. (بعض هذه الروايات وإن كان لها معارض أو كانت ضعيفة السند لكن ملاحظة الأوضاع والأحوال آنذاك وتحليل القضايا وتجزئتها تؤيّدها تماماً).

اختلاف منهج الإمام (ع) خلال مدّة قيامه:

من الواضح بأنّ مرادنا عندما نقول: إنّ الإمام (ع) قصد من ثورته الشهادة، وأنّ الله تعالى أراد منه الشهادة، لم يكن مجرد تحقّق الطلب الإلهي بعدم البيعة مع يزيد، ثم التنحّي جانباً وإعلام أعوان يزيد حتى يأتوا ويقتلوه؛ ليؤدي تكليفه بهذه الطريقة المضحكة، ثم يطلق عليه اسم الثورة؛ بل كان تكليف الإمام (ع) القيام على خلافة يزيد المشؤومة، والامتناع من البيعة، والاستمرار على الامتناع حتى النهاية وإن انجر إلى الاستشهاد.

ومن هذا المنطلق نرى الاختلاف في منهج الإمام (ع) في مدّة قيامه بحسب اختلاف الأوضاع والأحوال. ففي البداية عندما كان تحت ضغط حاكم المدينة، خرج منها ليلاً وذهب إلى مكة المأمن الديني وحرم الله الآمن، فبقي هناك لعدة أشهر كالمستجير وكان تحت رقابة أجندة النظام؛ ليقتل من قبلهم في موسم الحج أو يُلقى القبض عليه ويُرسل إلى الشام، ومن جانب آخر انهالت عليه رسائل أهل العراق بالمئات والآلاف تُظهر النصرة والمعونة وتدعوه إلى العراق، ثم بعدما وصلت إليه آخر رسالة من أهل الكوفة تصرّح بإتمام الحجة عليه (كما ذكر بعض المؤرخين) عزم (ع) على القيام والتوجّه نحوهم.

فأرسل في البداية مسلم بن عقيل مندوباً عنه، ووصلته بعد مدّة رسالة مسلم تؤيّد الأرضية المناسبة لقيامه (ع).

إنّ الإمام (ع) ذهب إلى الكوفة لوجود عاملين: ورود جواسيس النظام لقتله أو أسره ولزوم حفظ حرمة بيت الله، [وثانياً] وجود أرضية القيام في العراق، ثم بعد ما وصل إليه خبر المقتل الفظيع لمسلم وهاني في الطريق غيّر تكتيكه من القيام الدفاعي إلى القيام التهاجمي القتالي، فغربل أصحابه ولم يُبق إلاّ من لم يتخلّ عن نصرته إلى آخر قطرة من دمه، واتجه نحو مصرعه...