البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

أشياء اختصت بها السيدة فاطمة الزهراء (ع)

الباحث :  رسول كاظم عبد السادة
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  8
السنة :  السنة الثالثة - جمادى الآخره 1437هـ / 2016م
تاريخ إضافة البحث :  April / 17 / 2016
عدد زيارات البحث :  5288
تحميل  ( 608.781 KB )
المقدمة

 الحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطيبين الطاهرين وبعد..

انّ الحديث عن الزهراء صلوات الله عليها دائما يرتبط بالمحن والاحزان والرزايا فلو تصفحنا التاريخ والحاضر لم نجد ولن نجد حتى في المستقبل امرأة قد جابهت محناً وبلايا مثل الصديقة الطاهرة هي وولدها صلوات الله عليهم برغم المزايا التي تميزت بها وقربها من رسول الأُمّة (ص) بوصفها ابنته وثمرة فؤاده وبهجة قلبه وروحه التي بين جنبية كما ورد في الخبر عنه (ص) بل كان يفتديها روحي فداه بنفسه إذ لم تلق امرأة من نساء بقية المسلمين مثلها، ومع ذلك فقد اجمع علماء المسلمين على جلالتها وعظيم منزلتها في الدنيا والاخرة وانا احب ان استعير الكلمة القيمة التي ذكرها المفكر الاسلامي الدكتور علي سامي النشار في كتابه (نشأة الفكر الفلسفي في الاسلام) مع ما لدي من ملاحظات على بعض فقراتها الا انها ثمينة حيث تصدر عن مثله قال في الجزء الثاني من كتابه :

(إنّ المسلمين أجمعين ـ اللهم إلا السلف ـ من الحنابلة المتأخرين رأوا في أهل البيت جميعا ملاذا لهم في أدعيتهم وتوسلاتهم وقد أمروا في أدعيتهم وتوسلاتهم، وقد أمروا في صلواتهم بالدعاء لهم والصلاة عليهم. ومجد المسلمون جميعا سنة وشيعة فاطمة الزهراء واعتبروها سيدة نساء العالمين ومنها بقي الدم النبوي في آفاق الأرض وفاطمة الزهراء العقب الوحيد الباقي لمحمد (ص) وقد عاشت في أحضان الرسول (ص) وذاقت مرار اليتم ـ بعد وفاة أمها وتحمّلت مع أبيها وهي طفلة غضة عذاب قريش والقرشيين واضطهادهم، وكانت مثلا من مثل الفداء ولم تهن على الإطلاق. وقد هاجرت مع ابن عمها علي بن أبي طالب فارس الإسلام العظيم من مكة إلى المدينة، يسيران ليلا ويختفيان نهارا ولما نضر عودها زفت إلى ابن عمها وحواري أبيها، ثم حملت حفيدي محمد (ص): الحسن الحسين زهرتي بني هاشم وسيدي شباب أهل الجنة كتب عليهما الموت شهادة في ميلاد .

وحين أتى وفد نجران إلى الرسول (ص) وسألوه عن حقيقة المسيح نزل في القران: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلًا لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ الزخرف/59 ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ آل عمران/59ثم دعا إلى المباهلة :﴿فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ﴾ آل عمران/61.

ورضي الوفد بالمباهلة ـ فأتى الرسول (ص) آخذاً بأيدي الحسن والحسين تتبعه فاطمة وعلي بين يديه وألقى عليهم الرسول (ص) بكسائه وقد عرفت هذه الحادثة بحادثة الكساء وعرف الحديث الواحد فيها بحديث الكساء، ثم جثا الرسول (ص) على ركبتيه وركع فانسحب الوفد النجراني ـ هارباً ورفض المباهلة.

وحين مرض الرسول (ص) ـ وذهبت لدعوده ملتاعة خرجت ضاحكة لتعلن أن الرسول (ص) بشرها بأنها ستلحقه في رياض الله قريبا وحين تولى خلافة المسلمين أبو بكر غضبت فاطمة وقد رأت أن لعلى الحق الأكبر في الخلافة، واجتمع جماعة من المهاجرين والأنصار مع علي بن أبي طالب في منزل فاطمة ـ بعد تولي أبي بكر الخلافة، فقالت :والله لتخرجن أو لأكشفن شعري ولأعجنَّ إلى الله، خشي الصحابة دعوتها فخرجوا.

وبعد سبعين ليلة من وفاة الرسول (ص) أحست فاطمة بالموت، فقالت لصديقتها أسماء بنت عميس: ألا ترين إلى ما بلغت أفأحمل على سرير ظاهرا. لقد خشيت فاطمة الزهراء بنت محمد رسول الله (ص) أن تحمل على سرير يظهر جسدها المسجى للناس فقالت لها أسماء لعمري يا بنت رسول الله (ص) ولكني أصنع لك شيئا فقالت فاطمة فأرينيه فأرسلت إلى جريد رطب فقطعته ثم جعلتها على السرير نعشا وهو أول ما كنت النعوش وتبسمت الزهراء الطاهرة وما رؤيت متبسمة إلا يومئذ وحضرت نساء من قريش في مرضها وقلن لها كيف أنت يا بنت رسول الله قالت أجدني كارهة لدنياكن مسرورة لفراقكن فما حُفظ لي الحق ولا رُعيت مني الذمة ولا قبلت الوصية ولا عُرفت الحرمة. وبعد سبعين يوماً من وفاة الرسول (ص) كما قلت أسلمت الروح العظيمة وبين يديها طفلاها الصغيران الحسن والحسين وكان سنها ثلاث وعشرين سنة.

كانت حياة فاطمة الزهراء القصيرة عظة كبرى للمسلمين جميعا المهاجرة الصغيرة في ظلام الليل الدامس، مع ابن عمّها الفتى تسير في دروب جبال مكة متخفية ثم تخرق الصحراء الكبيرة في طريقها إلى يثرب وأعداء أبيها اللدد في أثرها وإثر ابن عمها ثم هجرتها الأخيرة إلى الموت إلى الله ورسوله – أفعم كل هذا المسلمين بالأسى وقد كان أبو بكر يتذكر فاطمة ويبكي بل أعلن حين موته ندمه أن اقتحم منزلها بالرجال وكانت فاطمة الزهراء تؤمن بلا شك بحق علي في الخلافة ولم يكن هذا منبثق عن أمل في مشاركة ابن عمها حكم المسلمين.

 لقد كانت تعلم عن يقين أنها تاركة الدنيا سراعا ولكن إيمانها بأحقيته وأهليته للمهمة الكبرى التي تركها الرسول (ص).

 وإذا كان المسلمون أجمعون قد أعتبروها زهرة الوجود وعطر الحياة والأنثى الخالدة فإن الشيعة من بين المسلمين قد أعتبروها البرهان على عقيدتهم في الحق الألهي لعلي بل يؤمنون بأنها الشهادة الكبرى من رسول الله (ص) على أحقية علي بن أبي طالب في خلافة الرسول دينا ودنيا ولقد تحرزوا عن دعوتها بالأنوثة ودعوها بفاطم وشغلت أم الإمامين والأئمة في أفكار الشيعة وفي عقائدهم مكاناً قدسياً وحرماً طاهراً مقدساً).

انتهى كلام النشار ولعمري ان اتقن العبارة فقد راوغ في بعض المواطن لاسيما في هجوم القوم على دارها، ونحن في هذه الفقرات المتواضعة سوف نتابع بعض ما اختصت به الصديقة الزهراء (ع)، وان هذه الاشياء التي اختصت بها قد صودرت وخولف فيها عن عمد وقصد.

نعم كانت للزهراء بعض الاشياء الخاصة الا انّ لهذه الاشياء معاني في الآخرة غير ما يتبادر اليها في الدنيا وربما ظهرت بعض تلك المعاني لمصلحة خاصة، فلنتابع بعض اشياء الزهراء، بالرواية والنص التاريخي، ونسأل الله التوفيق ونعتذر سلفا عن التقصير والغفلة وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين والحمد لله رب العالمين أولا ً وآخراً وظاهراً وباطناً.

ــ 1 ــ

بابها عليها السلام

باب فاطمة (ع) هو باب الوجود الحقيقي وسر التوحيد لذلك فلا غرابة ان يتعرض هذا الباب للهتك، كما هو شان التوحيد الذي هتكه الشرك، ولذلك كان رسول الله (ص) يراعي هذا الباب رعاية خاصة، فيقف عنده اربعين ليلة، عن الصادق جعفر بن محمد، عن أبيه، عن آبائه (ع)، قال: كان النبي (ص) يقف عند طلوع كل فجر على باب علي وفاطمة 8، فيقول: الحمد لله المحسن المجمل المنعم المفضل، الذي بنعمته تتم الصالحات، سمع سامع بحمد الله ونعمته وحسن بلائه عندنا، نعوذ بالله من النار، نعوذ بالله من صباح النار، نعوذ بالله من مساء النار، الصلاة يا أهل البيت ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾([1]) وعن أبي سعيد الخدري قال: لما دخل علي بفاطمة جاء النبي (ص) أربعين صباحا إلى بابها فيقول: أنا حرب لمن حاربتم وسلم لمن سالمتم ([2]).

ولابدّ من أن يكون هذا الباب ممييزا عن ابواب الاخرين فلا تمثل عليه اثار الدنيا كبقية الابواب ،عن أبي جعفر (ع)، قال: رجع رسول الله (ص) من سفر، فدخل على فاطمة (ع) فرأى على بابها سترا، وفي يديها سوارين من فضة، فخرج من بيتها، فدعت فاطمة (ع) ابنيها، فنزعت الستر وخلعت السوارين، وأرسلتهما إلى النبي، فدعا النبي (ص) أهل الصفة، فقسمه بينهم قطعا، ثم جعل يدعو الرجل منهم العاري الذي لا يستر بشيء، وكان ذلك الستر طويلا ليس له عرض، فجعل يوزر الرجل فإذا التقى عليه قطعه، حتى قسمه بينهم أزرا ([3]).

وكان هذا الباب مفتوحا الى المسجد النبوي واغلقت كل الابواب الشارعة الى المسجد الا هذا الباب اشعارا بكونه جزءاً لا يتجزّأ منه فهو اصل نظام العبادة ومنتهى الطهارة، فقد اكتسب المكان طهارته من المكين

عن عيسى الملائي قال: دخلت على علي بن الحسين فقلت: حدثني عن الابواب سمعت من أبيك فيها شيئا ؟ قال: حدثني أبي الحسين بن علي عن علي أنه قال: أخذ رسول الله (ص) يدي ثم أرسل إلى أبي بكر أن سد بابك فاسترجع ثم قال: هل فعل بهذا بأحد قبلي ؟ قال: لا. قال: سمعاً وطاعة فسده. ثم أرسل إلى عمر سد بابك فقال: هل فعل بأحد قبلي ؟ قيل: نعم بأبي بكر فقال: إن لي بأبي بكر أسوة فسد بابه ثم أرسل إلى العباس سد بابك فغضب غضبا شديدا ثم قال: ارجع إلى النبي (ص) فقل: أليس عم الرجل صنو أبيه ؟ قال: بلى ولكن سد بابك. فلما سمعت فاطمة سد الابواب خرجت فجلست على بابها تنتظر من يرسل إليها بسد الباب فخرج العباس ينتظر هل يسد باب علي فرآى فاطمة جالسة والحسن والحسين معها فقال: قد خرجت وبسطت ذراعيها مثل الاسد وأخرجت جرويها وخاض الناس في سد الابواب وفتح باب علي فلما سمع النبي (ص) ذلك صعد المنبر فقال: ما الذي تخوضون فيه ما أنا بالذي سددت أبوابكم وفتحت باب علي ولكن الله سد أبوابكم وفتح باب علي ([4])

وهذا الباب الملكوتي المفتوح لأهل الدنيا رحمة للعالمين هتك حجابه واحرق، ولولا حرق هذا الباب وهتكه لما احرقت خيام الحسين بكربلاء وذلك انه:

بـرقي مـنبره رقي في كربلا

صـدر وضـرج بالدماء جبين

لـولا سـقوط جنين فاطمة لما

أودى لـها فـي كـربلاء جنين

وبكسر ذاك الضلع رضت أضلع

فـي طـيها سـر  الإله مصون

وكـما عـلى قـوده بـنجاده

فـلـه عـلي بـالوثاق قـرين

وكـما لـفاطم رنـة مـن خلفه

لـبناتها خـلف الـعليل رنـين

وبـزجرها بسياط قنفذ وشحت

بـالطف مـن زجر لهن متون

وبـقطعهم تـلك الاراكة دونها

قـطعت يـد فـي كربلا ووتين

لـكنما حـمل الرؤوس على القنا

أدهـى وان سـبقت به صفين

كـل كـتاب الله هذا صامت

هـذا وهـذا نـاطق ومبين

نعم أُشعلت النار على بيت التي بمحبتها تطفى نيران الآخرة!!

عن مروان بن عثمان قال: لما بايع الناس أبا بكر دخل علي (ع) والزبير والمقداد بيت فاطمة (ع)، وأبوا أن يخرجوا، فقال عمر بن الخطاب: اضرموا عليهم البيت نارا، فخرج الزبير ومعه سيفه، فقال أبو بكر: عليكم بالكلب، فقصدوا نحوه، فزلت قدمه وسقط إلى الارض ووقع السيف من يده، فقال أبو بكر: اضربوا به الحجر، فضرب بسيفه الحجر حتى انكسر. وخرج علي بن أبي طالب (ع) نحو العالية فلقيه ثابت بن قيس بن شماس، فقال: ما شأنك يا أبا الحسن ؟ فقال: أرادوا أن يحرقوا علي بيتي وأبو بكر على المنبر يبايع له ولا يدفع عن ذلك ولا ينكره، فقال له ثابت: ولا تفارق كفي يدك حتى أقتل دونك، فانطلقا جميعا حتى عادا إلى المدينة وإذا فاطمة (ع) واقفة على بابها، وقد خلت دارها من أحد من القوم وهي تقول: «لا عهد لي بقوم أسوأ محضراً منكم، تركتم رسول الله (ص) جنازة بين أيدينا وقطعتم أمركم بينكم لم تستأمرونا وصنعتم بنا ما صنعتم ولم تروا لنا حقا»([5]).

قال شاعر النيل حافظ ابراهيم في قصيدته الملحمية في حياة عمر بن الخطاب :

وقولة لعلي قالها عمر

أكرم بسامعها أعظم بملقيها

حرقت دارك لا أبقي عليك بها

إن لم تبايع وبنت المصطفى فيها

ما كان غير أبي حفص بقائلها

أمام فارس عدنان وحاميها

نقل احمد بن يحيى جابر البغدادي البلاذري (المتوفي 270) ـ الكاتب الشهير وصاحب التاريخ الكبير ـ هذه الواقعة التاريخية في كتابه انساب الاشراف: إن أبا بكر أرسل إلى علي يريد البيعة فلم يبايع، فجاء عمر ومعه فتيلة! فتلقته فاطمة على الباب.فقالت فاطمة: يا ابن الخطاب، أتراك محرقاً عليّ بابي؟قال نعم، وذلك أقوى فيما جاء به أبوك…!

وكتب المؤرّخ الشهير عبد الله بن مسلم بن قتيبة الدينوري (212 ـ 276) في كتاب الامامة والسياسة:إن أبا بكر تفقد قوماً تخلّفوا عن بيعته عند علي فبعث إليهم عمر فجاء فناداهم وهم في دار علي، فأبوا أن يخرجوا فدعا بالحطب وقال: والذي نفس عمر بيده لتخرجنّ أو لاحرقنّها على من فيها، فقيل له: يا أبا حفص إنّ فيها فاطمة فقال: وإن، ثم كتب ابن قتيبة بعد هذه القضيّة المؤلمة يقول: ثمّ قام عمر فمشى معه جماعة حتّى أتوا فاطمة فدقّوا الباب فلّما سمعت أصواتهم نادت بأعلى صوتها يا أبتاه يا رسول الله ماذا لقينا بعدك من ابن الخطاب، وابن أبي قحافة فلما سمع القوم صوتها وبكاءها انصرفوا.وبقي عمر ومعه قوم فأخرجوا عليّاً فمضوا به إلى أبي بكر فقالوا له بايع: فقال: إن أنا لم أفعل فمه؟ فقالوا: إذاً والله الذي لا إله إلاّ هو نضرب عنقك([6])

ــ 2 ــ

بيت احزانها عليها السلام

بيت الأحزان: جمع حزن ضد الفرح: بلد بين دمشق والساحل، سمي بذلك لأنهم زعموا أنه كان مسكن يعقوب (ع)، أيام فراقه ليوسف (ع)، وكان الإفرنج عمروه وبنوا به حصنا حصينا ([7]) ومثلما كان ليعقوب بيت الأحزان، فان لآل النبي كربلاء ([8])ولان كان نوح (ع) بكى (ع) على هلاك قومه وسوء عاقبتهم حتّى سمّي نوحاً، فقد بكت فاطمة الزهراء (ع) أيضاً على ضلالة هذه الأمّة المرحومة وغوايتها وسوء عاقبتها، حتّى صار لها عالم الإمكان بيت الأحزان ([9]) ولان خرجت (ع) من الدنيا حزينة مظلومة فلعمرك ان الدنيا سجن المؤمن وقد وصف نبي الله يوسف على نبينا و(ع) السجن بذلك بان كتب على بابه: هذا قبر الاحياء، و بيت الاحزان، و تجربه الاصدقاء، و شماتة الاعداء !([10]) .

جاء في حديث ورقة بن عبد اللَّه مع فضة قال: قلت لها: يا فضّة أخبريني عن مولاتك فاطمة الزّهراء (ع) وما الذي رأيت منها عند وفاتها بعد موت أبيها محمّد (ص) سلَّم. قال ورقة: فلما سمعت كلامي تغرغرت عيناه بالدّموع ثمّ انتحبت نادبة وقالت: يا ورقة بن عبد اللَّه هيّجت عليّ حزنا ساكنا وأشجانا في فؤادي كانت كامنة فاسمع الان ما شاهدت منها. اعلم أنه لما قبض رسول اللَّه (ص) افتجع له الصغير والكبير وكثر عليه البكاء وقلّ العزاء وعظم رزؤه على الأقرباء والأصحاب والأولياء والأحباب والغرباء والأنساب، ولم تلق إلَّا كلّ باك وباكية ونادب ونادبة، ولم يكن في أهل الأرض والأصحاب والأقرباء أشدّ حزنا وأعظم بكاء وانتحابا من مولاتي فاطمة الزهراء، وكان حزنها يتجدّد ويزيد، وبكاؤها يشتدّ فجلست سبعة أيام لا يهدى لها أنين ولا يسكن منها حنين، وكلّ يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الأول. فلما كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن فلم تطق صبرا إذ خرجت وصرخت فكأنها من فم رسول اللَّه (ص) تنطق، فتبادرت النسوان وخرجت الولايد والولدان، وضجّ الناس بالبكاء والنحيب، وجاء الناس من كلّ مكان، واطفيت المصابيح لكيلا تتبيّن صفحات النساء، وخيّل إلى النسوان أنّ رسول اللَّه (ص) قد قام من قبره، وصار الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم، وهى تنادى وتندب وا أباه وا أبتاه وا صفيّاه وا محمّداه وا أبا القاسماه واربيع الأرامل واليتامى اه من للقبلة والمصلَّى، ومن لابنتك الوالهة الثكلى.

ثمّ أقبلت تعثر في أذيالها وهى لا تبصر شيئا من عبرتها ومن تواتر دمعتها حتى دنت من قبر أبيها محمّد (ص) فلمّا نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة فقصر خطاها ودام نحيبها وبكاها إلى أن أغمي عليها، فتبادرت النسوان إليها فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتّى أفاقت وهى تقول: رفعت قوّتي، وخانني جلدي، وشمت بي عدوّي، والكمد قاتلي، يا أبتاه بقيت والهة وحيدة وحيرانة فريدة فقد انخمد صوتي، وانقطع ظهري، وتنغّص عيشي، وتكدّر دهري، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيسا لوحشتي، ولا رادا لدمعتي ولا معينا لضعفي، فقد فنى بعدك محكم التنزيل، ومهبط جبرئيل، ومحلّ ميكائيل انقلبت بعدك يا أبتاه الأسباب، وتغلَّقت دوني الأبواب، فأنا للدّنيا بعدك قالية، وعليك ما ترددت أنفاسي باكية، لا ينفد شوقي إليك، ولا حزني عليك. ثمّ نادت: يا أبتاه والبّاه ثمّ قالت:

إنّ حزني عليك حزن جديد

وفؤادى واللَّه صبّ عنيد

كلّ يوم يزيد فيه شجوني

وا كتئا بي عليك ليس يبيد

جلّ خطبى فبان عنّي عزائي

فبكائي كلّ وقت جديد

إنّ قلبا عليك يألف

صبرا أو عزاء فانّه لجليد

ثمّ نادت: يا أبتاه انقطعت بك الدّنيا بأنوارها، وزوت زهرتها وكانت ببهجتك زاهرة فقد اسودّ نهارها، فكان يحكي حنادسها رطبها ويابسها، يا أبتاه لا زالت آسفة عليك إلى التّلاق، يا أبتاه زال غمضي منذ حقّ الفراق، يا أبتاه من للأرامل والمساكين، ومـن للأمّـة إلى يـوم الدّين، يا أبتاه أمسينا بعـدك مـن المستضعفين، يا أبتاه أصبحت النّاس عنّا معرضين، ولقد كنّا بك معظَّمين في النّاس غير مستضعفين فأيّ دمعة لفراقك لا تنهمل، وأيّ حزن بعدك عليك لا يتّصل، وأيّ جفن بعدك بالنّوم يكتحل، وأنت ربيع الدين، ونور النبيين، فكيف للجبال لاتمور، وللبحار بعدك لا تغور، والأرض كيف لم تتزلزل، رميت يا أبتاه بالخطب الجليل، ولم يكن الرزيّة بالقليل، وطرقت يا أبتاه بالمصاب العظيم، وبالفادح المهول، بكتك يا أبتاه الأملاك، ووقفت الأفلاك فمنبرك بعدك مستوحش، ومحرابك خال من مناجاتك، وقبرك فرح بمواراتك، والجنّة مشتاقة إليك وإلى دعائك وصلاتك، يا أبتاه ما أعظم ظلمة مجالسك، فوا أسفا عليك إلى أن أقدم عاجلا عليك واثكل أبي الحسن المؤتمن أبي ولديك الحسن والحسين وأخيك ووليك وحبيبك ومن ربّيته صغيرا وآخيته كبيرا وأحلي أحبابك وأصحابك من كان منهم سابقا ومهاجرا وناصرا، والثكل شاملنا، والبكاء قاتلنا، والأسى لازمنا.

ثمّ زفرت زفرة وأنّت أنّة كادت روحها أن تخرج ثمّ قالت :

قلّ صبري وبان عنّي عزائي

بعد فقدى لخاتم الأنبياء

عين يا عين اسكبى الدّمع سحّا

ويك لا تبخلي بفيض الدّماء

يا رسول الا له يا خيرة الله

وكهف الأيتام والضّعفاء

قد بكتك الجبال والوحش جمعا

والطير والأرض بعد بكى السماء

وبكاك الحجون والركن و

المشعر يا سيدي مع البطحاء


وبكاك المحراب والدّرس

للقرآن في الصّبح معلنا والمساء

وبكاك الاسلام إذ صار في

النّاس غريبا من ساير الغرباء

لو ترى المنبر الذي كنت تعلوه

علاه الظلام بعد الضّياء

يا إلهي عجّل وفاتي سريعا

قد نغصت الحياة يا مولائي

قالت: ثمّ رجعت إلى منزلها وأخذت بالبكاء والعويل ليلها ونهارها وهي لاترقى دمعتها، ولا تهدى زفرتها.

واجتمع شيوخ أهل المدينة واقبلوا إلى أمير المؤمنين عليّ (ع) فقالوا له يا أبا الحسن إنّ فاطمة تبكى اللَّيل والنّهار فلا أحد منّا يتهنأ بالنّوم في اللَّيل على فراشنا ولا بالنّهار قرار على أشغالنا وطلب معايشنا، وإنّا نخيّرك أن تسألها إمّا أن تبكى ليلا أو نهارا، فقال حبّا وكرامة فأقبل أمير المؤمنين حتّى دخل على فاطمة (ع) وهي لا تفيق من البكاء، ولا ينفع فيها العزاء، فلمّا رأته سكتت هيمنة له فقال لها: يا بنت رسول اللَّه (ص) إنّ شيوخ المدينة يسألوني أن أسألك إمّا أن تبكين أباك ليلا وإمّا نهارا فقالت يا أبا الحسن ما أقلّ مكثي بينهم وما أقرب مغيبتي من بين أظهرهم، فو اللَّه لا أسكت ليلا ولا نهارا أو ألحق بأبي رسول اللَّه، فقال لها عليّ: افعلي يا بنت رسول اللَّه (ص) ما بدا لك ثمّ إنّه (ع) بنى لها بيتا في البقيع نازحا من المدينة يسمّى بيت الأحزان وكانت إذا أصبحت قدّمت الحسن والحسين أمامها وخرجت إلى البقيع باكية فلا تزال بين القبور باكية، فإذا جاء اللَّيل أقبل أمير المؤمنين إليها وساقها بين يديه إلى منزلها. ولم تزل على ذلك إلى أن مضى لها بعد أبيها سبعة وعشرون يوما واعتلَّت العلَّة الَّتي توفّيت فيها([11]) .

قال الفرطوسي:

لم تزل بعده عليلة جسم

لقليل السلوى وطول البلاء

وهي يغشى من السقام عليها

كل حين من كثرة الإغماء

لم تفارق فراشها من نحول

قد براها ضعفاً وطول عناء

وهي تبكي ليلا نهاراً أباها

بدموع الذكرى بغير انتهاء

قاتل الله قوم سوء بغاة

منعوها عن الأسى والبكاء

أخرجوها من بيتها حين ضجوا

لعليّ من كثرة الإستياء

فاستظلت ظل الأراكة لكن

قطعوها بقسوة وعداء

فأقام الوصي بيتاً وسمّا

ه ببيت الأحزان والأرزاء

فهي تأوي إليه كل نهار

ثم تأتي لبيتها في المساء

لم تزل دأبا النياحة حتى

أسلمتها إلى قسي الفناء

نعم لقد تنحَّت الزهراء عن البلد في نياحتها على أبيها (ص) وخرجت بولديها في لمة من نسائها إلى البقيع يندبن رسول الله (ص) في ظل أراكة كانت هناك فلما قطعت بنى لها علي بيتا في البقيع كانت تأوى إليه للنياحة يدعى بيت الأحزان وكان هذا البيت يزار في كل خلف من هذه الأمة كما تزار المشاهد المقدسة حتى هدم بأمر الملك عبد العزيز بن سعود لما استولى على الحجاز وهدم المقدسات في البقيع عملا بما يقتضيه مذهبه الوهابي وذلك سنة 1344 للهجرة ([12]).

لقد دأب آل سعود على محو الآثار الإسلامية في مكة والمدينة: فقد هدم آل سعود :

 1 - البيت الذي ولد فيه النبي محمد (ص) بشعب الهواشم بمكة المكرمة .

 2 - هدموا بيت السيدة خديجة أم المؤمنين وأول امرأة آمنت بالرسول (ص) والرسالة الإسلامية وبذلت كل أموالها في سبيل الدعوة الإلهية .

 3 - هدموا البيت الذي ولدت فيه الصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء .

 4 - هدم بيت أبي بكر ويقع بمحلة المسفلة بمكة .

 5 - هدم بيت حمزة بن عبد المطلب عم النبي (ص) أسد الله وأسد رسوله ويقع بيته في المسفلة بمكة .

 6 - هدم بيت الأرقم وهو أول بيت تكونت فيه خلايا الثورة الإسلامية وكان الرسول (ص) يجتمع فيه مع أصحابه سرا وهذا البيت يقع بجوار الصفا بمكة. . أما الآن فقد شيد في مكانه قصر أعطى لتاجر الفتاوى السعودية الباطلة عبد الملك بن إبراهيم ليتاجر به وذريته ويفسدون .

 7 - هدم قبور الشهداء الواقعة في المعلى بأعلى مكة وبعثروا رفاتها .

 8 - هدم قبور الشهداء في بدر .

 9 - هدم البيت الذي ولد فيه الحسن والحسين 8 في المدينة .

 10 - سرقوا الذهب الموجود في القبة الخضراء. في المدينة .

 11 - دمروا بقيع الغرقد الذي يرقد فيه الأئمة الأربعة من أهل البيت وهم الحسن بن علي وزين العابدين والإمام الباقر والإمام الصادق :، وزوجات النبي (ص) وبناته وأولاده وجملة كبيرة من أصحابه .

 12 - هدموا بيت الأحزان الذي بناه الإمام على لسيدة النساء فاطمة الزهراء لتبكي على أبيها فيه .

 13 - طموا المكان الذي ربضت فيه ناقة الرسول (ص) عند قدومه إلى المدينة.

 14 - مكتبات من أثمن المكتبات في العالم أحرقتها الهمجية السعودية بمكة والمدينة: فقد أحرق آل سعود " المكتبة العربية " الأثرية الإسلامية التاريخية العلمية التي كانت في مكة المكرمة وهي التي تعد من أثمن المكتبات في العالم إذ لا تقدر بالمال أبدا، ولا بمليارات العملات. لقد كان بهذه المكتبة (60.000) من الكتب النادرة الوجود الجامعة لمختلف المناهل العلمية والتاريخية. وفيها (40.000) مخطوطة نادرة الوجود من مخطوطات "جاهلية" خطت كمعاهدات بين طغات قريش واليهود وتكشف الغدر اليهودي وعدم ارتباط اليهود بالدين والوطن من قديم الزمان وتكشف مؤامرات اليهود على - النبي محمد (ص) - وفيها وثائق خطت قبل الثورة المحمدية بمئات السنين وفيها ما يعطي فكرة ممتازة عن تلك الحضارات العربية القديمة.

وفي هذه المكتبة وغيرها من مكتبات المدينة بعض المخطوطات المحمدية التي كتبت بخط النبي محمد في أيام كفاحه السري وهناك ما هو بخط علي بن أبي طالب وأبي بكر وعمر وخالد بن الوليد وطارق بن زياد وعدد من الصحابة، ومن هذه المخطوطات ما يسجل العديد من الخطط الحربية التي أرسلها خالد بن الوليد لعمر بن الخطاب والتي أرسلها - عمر - لخالد والتي يظهر بعضها بعض الخلاف الاجتهادي في وجهات النظر.

ومن تلك المخطوطات ما هو مخطوط على جلود الغزلان وعلى فرش من الحجارة وألواح من عظام فخوذ الإبل وغيرها من الوسائل القابلة للكتابة كالألواح الخشبية والفخارية والطين المصهور بالأفران. . والمكتبة العربية التاريخية في مكة المكـرمـة بالإضافة إلى كونها مكتبة نادرة فهي متحـف أيضا يحتـوي على مجموعـة آثار ما قبل الإسلام وبعده، وأنواع من أسلحة النبي محمد (ص) وفيها آخر الأصنام المعبودة التي حطمتها الثورة المحمدية، مثل اللات، والعزى، ومناة، وهبل. . وغيرها.

 ويقول ناصر السعيد: ويحدثنا أحد المشايخ المؤرخين المعاصرين فيقول: وكنت أزور هذه المكتبة مع والدي قبل الاحتلال السعودي وكان يرتادها مجاميع من الدارسين، فتقدم بعضهم بشكوى للحسين بن علي يطلبون منه " إحراق بعض المخطوطات النادرة لأن فيها كفريات " فقال لهم: ( أي الشريف حسين): "إنني معكم قد لا أؤيد هذه الكفريات وبعض هذه المخطوطات هي ليست من حقي أو حقكم أو حق أي كائن من البشر إحراق التاريخ" !

وقال إن في هذه المكتبة وثائق تكشف أصل آل سعود بأنهم من اليهود الذين أسلموا.. وأن فيها مخطوطات بأقلام مجموعة من الصحابة ومنهم عبد الله بن مسعود سجلوا فيها عددا من الآيات القرآنية الكريمة التي دار الصراع عليها ([13])

لكنهم أبقوا بعض الآثار مثل دار تميم الداري بالمدينـة وهو مشهد يزار حتى اليوم، وكذا دار أبى بكر وعثمان، ولكن انهدم بيت الأحزان في بقيع الغرقد لمجاورته مراقد أئمة الشيعة : ذلك لأجل أنه قد يؤخذ الجار بجرم الجار([14]).

ذكره الشيخ محمد السماوي في ظرافة الاحلام قال: رأى العلامة الجليل السيد باقر بن الحجة السيد محمد الهندي الإمام المهدي صلوات الله عليه وعلى آبائه الطاهرين فيما يرى النائم ليلة الغدير وهو كئيب حزين مفكر فقال له السيد بعد ان وقع عليه يقبل يديه وقدمية: مالي اراك مفكراً مهموماً وهذه ايام فرح وسرور بيوم الغدير فأجابه الإمام (ع): ذكرت امي الزهراء وحزنها وما جرى عليها ثم انشأ (ع):

لا تراني اتخذت لا وعلاها

بعد بيت الاحزان بيت سرور

فانتبه السيد يحفظ البيت ونظم قصيدة على وزنه تتضمن حادثة الغدير وما جرى على امير المؤمنين (ع) والزهراء صلوات الله عليها وضمنها هذا البيت:

كلُ غدرٍ وقولِ إفكٍ وزورِ

هو فرعٌ عن جحدِ نصّ الغدير

فتبصّر تُبصر هُداكَ الى الحقِ

فليسَ الأعمى به كالبصير

أفصبراً يا صاحبَ الأمر والخط

ـبُ جليلٌ يُذيبُ قلب الصبور

كم مُصابٍ يطولُ فيه بياني

قد عرا الطُّهرَ في الزمانِ القصير

كيف من بعدِ حُمرة العينِ منها

يا ابن طه تهنا بطرفٍ قرير

فابكِ وازفُرلها فإنّ عِداها

منعوها من البكاءِ والزفير

وكأني به يقول ويبكي

بِسلوِّ نَزرٍ ودمع غزير

(لاتراني اتّخذتُ لا وعُلاها

بعدَ بيتِ الأحزانِ بيتَ سُرور)

فمتى يا ابن أحمدٍ تنشرُ الطاغو

تَ والجبتَ قبلَ يومِ النشورَ

فتدارك منّا بقايا قلوبٍ

قد أُذيبت بنارِ غيظِ الصدور([15])

ــ 3 ــ

نعشها عليها السلام

لم تشأ الزهراء الا ان تكون مميزة حتى في جنازتها صلوات الله عليها فقد دفنت ليلا ومع ذلك فقد اعدت لنفسها نعشا يستر بدنها عن الناظرين، فهي اول من جعل لها ذلك في الاسلام، عن سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (ع) قال سألته عن أول من جعل له النعش ؟ قال فاطمة بنت رسول الله (ص) ([16]).

و عن ابي عبد الله (ع) فيما جرى بين فاطمة والظالمين لها إلى أن قال :فلما نعيت إلى فاطمة (ع) نفسها، أرسلت إلى أم أيمن وكانت أوثق نسائها عندها وفي نفسها، فقالت: يا أم أيمن إن نفسي نعيت إلي فادعي لي عليا فدعته لها، فلما دخل عليها قالت له: يا ابن العم أريد أن أوصيك بأشياء فاحفظها علي فقال لها: قولي ما أحببت، قالت له: تزوج فلانة تكون لولدي من بعدي مثلي، واعمل نعشي رأيت الملائكة قد صورته لي فقال لها علي: أريني كيف صورته، فأرته ذلك كما وصف لها، وكما أمرت به، ثم قالت فاذا أنا قضيت نحبي فأخرجني من ساعتك أي ساعة كانت من ليل أو نهار، ولا يحضرن من أعداء الله وأعداء رسوله للصلاة علي، قال علي (ع) أفعل. فلما قضت نحبها صلى الله عليها وهم في جوف الليل، أخذ علي (ع) في جهازها من ساعته كما أوصته، فلما فرغ من جهازها أخرج علي (ع) الجنازة وأشعل النار في جريد النخل، ومشى مع الجنازة بالنار، حتى صلى عليها، و دفنها ليلاً.

وعن ابن عباس قال: مرضت فاطمة مرضا شديدا فقالت لأسماء بنت عميس ألا ترين إلى ما بلغت فلا تحملينى على سرير ظاهر فقالت: لا لعمري ولكن أصنع نعشا كما رأيت يصنع بالحبشة قالت: فأرينيها، فأرسلت إلى جرايد رطبة فقطعت من الأسواق ثمّ جعلت على السرير نعشا وهو أوّل ما كان النعش، فتبسّمت وما رأيت متبسّمة إلَّا يومئذ ثمّ حملناها ودفناها ليلا وصلَّى عليها العباس بن عبد المطلب ونزل في حفرتها هو وعلىّ والفضل بن العباس .

 وعن أسماء بنت عميس أنّ فاطمة (ع) بنت رسول اللَّه (ص) قالت انى قد استقبحت ما يصنع بالنساء إنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها لمن رأى فقالت أسماء: يا بنت رسول اللَّه (ص) إني أريك شيئا رأيته بأرض الحبشة قال: فدعت بجريدة رطبة فحسنتها ثمّ طرحت عليها ثوبا فقالت فاطمة: ما أحسن هذا وأجمله لا تعرف به المرأة من الرجل ([17])

ــ 4 ــ

لوحها الملكوتي عليها السلام

اختصت الزهراء (ع) بان الائمة من ولدها الى يوم القيامة فهي الكوثر المعطى للنبي (ص)، وهي الليلة المباركة التي فيها يفرق الامر الحكيم امام من بعد امام، وقد انزل عليها من السماء بذلك لوحا ملكوتيا فيه تعداد الأئمة وأسمائهم من ولدها :.

لقد كان لوحا أخضر كأنه كان من عالم الملكوت البرزخي وخضرته كناية عن توسطه بين بياض نور عالم الجبروت وسواد ظلمة عالم الشهادة وإنما كان مكتوبة أبيض لأنه كان من العالم الأعلى النوري المحض.

عن أبي عبد اللَّه (ع) قال: قال أبي لجابر بن عبد اللَّه الأنصاري إن لي إليك حاجة فمتى يخف عليك أن أخلو بك فأسألك عنها فقال له جابر أي الأوقات أحببته فخلا به في بعض الأيام فقال له يا جابر أخبرني عن اللوح الذي رأيته في يد أمي فاطمة بنت رسول اللَّه (ص) وما أخبرتك به أمي إنه في ذلك اللوح مكتوب فقال جابر أشهد بالله أني دخلت على أمك فاطمة (ع) في حياة رسول اللَّه (ص) فهنيتها بولادة الحسين فرأيت في يديها لوحا أخضر ظننت أنه من زمرد ورأيت فيه كتابا أبيض شبه لون الشمس فقلت لها بأبي وأمي أنت يا بنت رسول اللَّه ما هذا اللوح فقالت هذا لوح أهداه اللَّه تعالى إلى رسوله (ص) فيه اسم أبي واسم بعلي واسم ابني واسم الأوصياء من ولدي وأعطانيه أبي ليبشرني بذلك قال جابر فأعطتنيه أمك فاطمة (ع) فقرأته واستنسخته فقال أبي فهل لك يا جابر أن تعرضه علي قال نعم فمشى معه أبي إلى منزل جابر فأخرج صحيفة من رق فقال يا جابر انظر في كتابك لأقرأ عليك فنظر جابر في نسخته فقرأه أبي فما خالف حرف حرفا فقال جابر أشهد بالله أني هكذا رأيته في اللوح مكتوبا. بسم اللَّه الرحمن الرحيم هذا كتاب من اللَّه العزيز الحكيم لمحمد نبيه ونوره. وسفيره وحجابه ودليله نزل به الروح الأمين من عند رب العالمين عظم يا محمد أسمائي واشكر نعمائي ولا تجحد آلائي إني أنا اللَّه لا إله إلا أنا قاصم الجبارين ومديل المظلومين وديان الدين إني أنا اللَّه لا إله إلا أنا فمن رجا غير فضلي أو خاف غير عدلي عذبته عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين فإياي فأعبد وعلي فتوكل إني لم أبعث نبيا فأكملت أيامه وانقضت مدته إلا جعلت له وصيا وإني فضلتك على الأنبياء وفضلت وصيك على الأوصياء. وأكرمتك بشبليك وسبطيك حسن وحسين فجعلت حسنا معدن علمي بعد انقضاء مدة أبيه وجعلت حسينا خازن وحيي وأكرمته بالشهادة وختمت له بالسعادة فهو أفضل من استشهد وأرفع الشهداء درجة جعلت كلمتي التامة معه وحجتي البالغة إليك عنده بعترته أثيب وأعاقب، أولهم علي سيد العابدين وزين أوليائي الماضين وابنه شبه جده المحمود محمد الباقر علمي والمعدن لحكمتي سيهلك المرتابون في جعفر الراد عليه كالراد علي، حق القول مني لأكرمن مثوى جعفر ولأسرنه في أشياعه وأنصاره وأوليائه. انتجب بعده موسى فتنة عمياء حندس لأن خيط فرضي لا ينقطع وحجتي لا تخفى وأنّ أوليائي يسقون بالكأس الأوفى من جحد واحدا منهم فقد جحد نعمتي ومن غير آية من كتابي فقد افترى علي ويل للمفترين الجاحدين عند انقضاء مدة موسى عبدي وحبيبي وخيرتي علي وليي وناصري ومن أضع عليه أعباء النبوة وأمتحنه بالاضطلاع بها يقتله عفريت مستكبر يدفن في المدينة التي بناها العبد الصالح إلى جنب شر خلقي. حق القول مني لأسرنه بمحمد ابنه وخليفته من بعده ووارث علمه فهو معدن علمي وموضع سري وحجتي على خلقي لا يؤمن عبد به إلا جعلت الجنة مثواه وشفعته في سبعين من أهل بيته كلهم قد استوجبوا النار وأختم بالسعادة لابنه علي وليي وناصري والشاهد في خلقي وأميني على وحيي أخرج منه الداعي إلى سبيلي والخازن لعلمي الحسن وأكمل ذلك بابنه (م ح م) د رحمة للعالمين عليه كمال موسى وبهاء عيسى وصبر أيوب فتذل أوليائي في زمانه وتتهادى رؤسهم كما تتهادى رؤس الترك والديلم فيقتلون ويحرقون ويكونون خائفين مرعوبين وجلين تصبغ الأرض بدمائهم ويفشوا الويل والرنة في نسائهم أولئك أوليائي حقا بهم أدفع كل فتنة عمياء حندس وبهم أكشف الزلازل وأدفع الآصار والأغلال أولئك عليهم صلوات من ربهم ورحمة. وأولئك هم المهتدون قال عبد الرحمن بن سالم قال أبو بصير لو لم تسمع في دهرك إلا هذا الحديث لكفاك، فصنه إلا عن أهله ([18]).

وعن أبي جعفر (ع) عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخلت على فاطمة (ع) وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء من ولدها، فعددت اثني عشر آخرهم القائم (ع)، ثلاثة منهم محمد وثلاثة منهم علي ([19]).

وعن أبي جعفر عن جابر بن عبدالله الأنصاري قال: دخلت على فاطمة (ع) وبين يديها لوح فيه أسماء الأوصياء فعددت اثني عشر آخرهم القائم ثلاثة منهم محمد وأربعة منهم علي (ع) ([20]).

و عن جابر الجعفي عن أبي جعفر محمد بن علي الباقر (ع) عن جابر بن عبد الله الأنصاري قال: دخلت على فاطمة بنت رسول الله (ص) وقدامها لوح يكاد ضوءُه يغشى الابصار وفيه اثنا عشر اسماً ثلاثة في ظاهره وثلاثة في باطنه وثلاثه أسماء في آخره وثلاثة أسماء في طرفه فعددتها فإذا هي اثنا عشر قلت: أسماء من هؤلاء ؟ قالت: هذه أسماء الأوصياء أولهم ابن عمى وأحد عشر من ولدى آخرهم القائم قال جابر: فرأيت فيه محمد محمد محمد في ثلاثة مواضع وعليا عليا عليا عليا في أربعة مواضع ([21]).

ــ 5 ــ

مصحفها عليها السلام

ورد في بصائر الدرجات: حدثنا أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد الجمال، عن أحمد بن عمر، عن أبي بصير قال: دخلت على أبي عبد الله (ع)، فقلت له: إنّي أسألك جعلت فداك عن مسألة، ليس هنا أحد يسمع كلامي، فرفع أبو عبد الله (ع) ستراً بيني وبين بيت آخر فاطَّلَع فيه، ثم قال: يا أبا محمد سل عما بدا لك.

قلت: جعلت فداك إنّ الشيعة يتحدثون أنّ رسول اللّه (ص) عَلَّمَ علياً (ع) باباً يفتح منه ألف باب.

فقال أبو عبد الله (ع): يا أبا محمد عَلَّمَ والله رسول الله علياً الف باب يُفتح له من كل باب الف باب، قلت: جعلت فداك، والله هذا العلم، فنكت ساعة في الأرض، ثم قال: إنّه لعلم وما هو بذلك، قال: ثم قال: يا أبامحمد، وإنّ عندنا الجامعة وما يدريهم ما الجامعة.

قلت: جعلت فداك، وما الجامعة؟

قال: صحيفة طولها سبعون ذراعاً بذراع رسول اللّه (ص) وإِملائه من: فلق فيه وخط علي بيمينه، فيها كل حلال وحرام وكل شيء يحتاج الناس اليه حتى الارش في الخدش، وضرب بيده إِليَّ فقال: تأذن لي يا أبا محمد؟

قلت: جعلت فداك إنّما أنا لك، فاصنع ماشئت.

قال: فغمزني بيده. فقال: حتى أرش هذا كأنه مغضب.

قلت: جعلت فداك، هذا واللّه العلم.

قال: إنّه لعلم، وليس بذلك، ثم سكت ساعة، ثم قال: إنّ عندنا الجفر وما يدريهم ما الجفر، مسك شاة أو جلد بعير.

فقلت: جعلت فداك، ما الجفر؟

قال: وعاء أحمر أو أَدم أحمر فيه علم النبيين والوصيين.

قلت: هذا واللّه هو العلم.

قال: إنّه لعلم وما هو بذلك، ثم سكت ساعة، ثم قال: وإنّ عندنا لمصحف فاطمة (ع) وما يدريهم ما مصحف فاطمة!

قلت: وما مصحف فاطمة؟

قال: مصحف فيه مثل قرآنكم هذا ثلاث مرات، والله ما فيه من قرآنكم حرف واحد، إنمّا هو شيء أملاه اللّه وأُوحِيَ إِليها.

قلت: هذا واللّه هو العلم.

قال: إنّه العلم وليس بذاك، قال: ثم سكت ساعة ثم قال: إنّ عندنا لعلم ما كان وما هو كائن الى أن تقوم الساعة.

قلت: جعلت فداك، هذا واللّه هو العلم.

قال: إنّه لعلم وما هو بذاك.

قلت: جعلت فداك، فأي شيء هو العلم.

قال: ما يحدث بالليل والنهار الامر بعد الامر والشيء بعد الشيء الى يوم القيامة([22]).

ومن بيان هذا الحديث: إنّ اللّه تعالى لمّا خلق محمداً وآل محمد من نور عظمته، وهم أول من صدر عن مشيته تشعشع نورهم، فخلق من شعاعه ساير الخلق، وانهى علم ذلك كله إليهم، لأنّ الشعاع لا يغيب عن المنير.

وكان ممّا خلق: أُمور كلية تشتمل على أفراد جزئية وأحكام شخصية تظهر في الكون على التدريج، وَتُسَمّى هذه الكليات باعتبار طبعها ولونها ووضعها واشباه تلك من مشخصاتها بأَسماء مختلفة، فبعض منها يسمى: الجفر الاحمر، وبعض منها: الجفر الأبيض، وبعض: مصحف فاطمة، وبعضها: الناموس، وبعضها: كتاب علي (ع) وهكذا.

وينسب كتابة بعض ذلك أو إِملائه الى: جبرئيل، وبعضها: الى ملك آخر وبعضها: الى إِملاء رسول اللّه (ص) وخط علي (ع)، وعلى هذا القياس.

لإنّ هؤلاء اياديه وأسبابه تعالى في إِجراء تلك الاُمور، ووضع كل منها في موضعها اللايق بها، واللّه تعالى جعل محمداً وآله عليه وعليهم السلام: خزّان تلك الكتب وَحَفَظَتِها، فهي كلها بعين منهم دائماً.

فاذا أرادوا :: الإِخبار عن حكم أو وقوع أمر في العالم أو: لا وقوعه أخبروا عن كتابه الجامع الذي ذلك الحكم أو الامر مذكور فيه بما هو عليه، لأنّه هو محل بيان ذلك الشيء المخبر عنه، فيقولون الحكم الفلاني في الجفر كذا، أو في الجامعة كذا، وهكذا.

وربما يُظهِرُونَ بعض تلك الكتب الكونية لبعض الناس في صورة الكتاب التدويني إِذا شاءوا ذلك، من باب ظهور جبرئيل في صورة البشر ومشاهدة بعض الناس له مع عدم تخليته لمقامه الذي هو فيه، وعدم خروجه عن صورته الأصلية، فإِنّ للشيء الواحد مراتب ومقامات يظهر في كل منها بلباس ذلك المقام، وتلك المرتبة ألاّ ترى الشيء الواحد كيف يوجد في عالم التعقلات بكسوة المعاني، وفي عالم النفوس بكسوة الصور النفسانية وفي عالم القوى الباطنية: بكسوة الصور الظلية المثالية الشبحية وفي عالم الظاهر بكسوة الاجسام والجسمانيات وهو حقيقة واحدة في حدّ نفسه. فعلى هذا القياس تلك الكتب المذكورة، فإِن كونها في صورة الأعيان: لا ينافي كونها في صورة الالفاظ والنقوش المكتوبة، فافهم.

وبالجملة: كليات العالم كتب جامعة مملوءة علماً والائمة : حفظتها يخبرون عنها بما شاءوا، كما كانوا يخبرون عن الكتاب التدويني، اعني: القرآن وينسبون علمهم إِليه، ومثال ذلك: إنّك تكون لك دراهم ودنانير وجواهر مختلفة تضعها في خزائنها اللائقة بها، فإذا أردت استعمال شيء منها مددت يدك واخذتها من تلك الخزينة وانفقتها في الوجه الذي تريد.

وأنت إن اتقنت هذه القاعدة، عرفت وجه نزول جبرئيل على النبي (ص) وإِتيانه بالأخبار.

فإنّ من تلك الخزائن ما جعل اللّه خازنه جبرئيل الذي هو أحد خدام النبي (ص) فاذا اراد الاخبار عما في تلك الخزينة أمر اللّه جبرئيل بواسطة حقيقة النبي (ص) بفتح باب تلك الخزينة وإتيان ما فيها وإنزاله الى مقام الإِخبار والإِعلام، وابطائه احياناً إنّما هو لعدم وقوع وقت الإِظهار والإِخبار، وحزن النبي (ص) بذلك لخوف وقوع البداء من اللّه تعالى. فخذه قصيرة من طويلة، فقد واللّه كشفت لك في هذه الكلمات القلائل باباً ينفتح منه ألف باب.

والى هذا الذي ذكرنا أشاروا : بقولهم: مايتقلب جناح طائر في الهواء: إلاّ ولنا فيه علم.

وذلك بأنّه ما من شيء في الوجود: إِلاّ هو دليل لشيء، ومدلول عليه لشيء، وأصل الشيء، وفرع عن شيء، وسبب لشيء، ومسبب عن شيء، وهكذا فما من شيء: إلاّ ويدل على شيء، وهو العلم المودوع فيه، فافهم أسرار أئمتك وحكمتهم إِن شاءَ اللّه تعالى، تكن من الحكماء السابقين والعلماء الراسخين.

وأمّا قوله (ع) في مصحف فاطمة: إنّه ما فيه من قرآنكم حرف واحد؛ مع كون القرآن فيه تبيان كل شيء، فقد قيل فيه توجيهات ركيكة، والذي يليق بلحن كلماتهم :: هو إنّ المراد به إنّه ليس فيه من القرآن من حيث أنه قرآن حرف واحد، بمعنى: انّه ليس من الكلمات القرآنية، وإنّما هي كلمات: أملاها جبرئيل لفاطمة (ع) كما في الحديث.

ومثال ذلك: إنّك تقول لصاحبك في كتاب لك، إنّ كتابي هذا ليس فيه من كتابك حرف واحد، وتريد به انّه ليس بمنقول ومكتسب وملتقط من كتابك وإنّما هو من إِملائي.

وهذا لا ينافي كون معنى ما في الكتابين متحداً، بل ولفظه كذلك وله توجيهات أُخر، عدلنا عن ذكرها لإِدائها الى التطويل.

وأما قوله (ع) العلم ما يحدث بالليل والنهار، لنشير هنا الى بيانه على سبيل الإِجمال.

وهو: إنّ اللّه تعالى حيث انهى علم جميع الاشياء ممّا كان وممّا سيكون الى الائمة :، لم يكونوا ليستغنوا بذلك عن اللّه عزوجل، بل هم مع ذلك محتاجون دائماً الى إِمداد جديد من مُبدِئ الفيض، بحيث لو لم يصل إِليهم هذا المدد، لم يبق لأنفسهم ذكر في الوجود، فضلاً عن علمهم المفاض إِليهم، فعلومهم محتاجة في البقاء دائماً الى إِحداث من الله جديد، وهو معنى الزيادة التي وردت في الاخبار، وليست زيادة عن نقصان، وإنّما هو بقاء كمال على ما هو عليه، فهم : كاملون في كل حين، وإنَّ كمالهم لا يتناهى، ولا يمكن في الإِمكان: كمال فوق ذلك؛ لكن بإِحداث جديد منه تعالى له في كل آن، وهو معنى العلم الذي يحدث بالليل والنهار الامر بعد الامر، والشيء بعد الشيء، ولا ينافي ذلك علمهم بما كان وبما يكون فافهم ثم فافهم.

ومن تأمل في شأن هذا العلم الجديد عرف انّه هو الذي ينبغى أن يعدّ علماً ويعتنى بشانه كما قال (ع) للراوي

هذا خلاصة حقيقة امر مصحف فاطمة (ع) ولابد من أن نذكر تمام الاخبار المتعلقة بهذا المصحف.

ومنها عن عن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: تظهر الزنادقة في سنة ثمان وعشرين ومائة وذلك أني نظرت في مصحف فاطمة (ع)، قال: قلت: وما مصحف فاطمة ؟ قال: إن الله تعالى لما قبض نبيه (ص) دخل على فاطمة (ع) من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عزوجل فأرسل الله إليها ملكا يسلي غمها ويحدثها، فشكت ذلك إلى أمير المؤمنين (ع) فقال: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي فأعلمته بذلك فجعل أمير المؤمنين (ع) يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا قال: ثم قال: أما إنه ليس فيه شئ من الحلال.

منها ما في روضة الكافي عن أبى بصير قال: بينا رسول الله (ص) جالسا إذ أقبل أمير المؤمنين (ع) فقال له رسول الله (ص): ان فيك شبها من عيسى بن مريم إلى قوله: قال: فغضب الحارث بن عمرو الفهدى فقال اللهم ان كان هذا هو الحق من عندك ان بنى هاشم يتوارثون هرقلا بعد هرقل فأرسل علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب اليم " فأنزل الله عليه مقالة الحارث ونزلت هذه الاية ﴿وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ ثم قال له: يا عمرو أما تبت واما رحلت، فقال: يا محمد بل تجعل لساير قريش شيئا مما في يديك فقد ذهبت بنو هاشم بمكرمة العرب والعجم، فقال النبي (ص) ليس ذلك إلي، ذلك إلى الله تبارك وتعالى فقال: يا محمد قلبى ما يتابعني على التوبة ولكن ارحل عنك فدعا براحلته فركبها فلما صار بظهر المدينة أتته جندلة فرضّت هامته ثم اتى الوحى إلى النبي (ص) فقال: ﴿سَأَلَ سائِلٌ بِعَذابٍ واقِعٍ * لِلْكافِرينَ لَيْسَ لَهُ دافِعٌ * مِنَ اللهِ ذِي الْمَعارِجِ﴾ قال: قلت: جعلت فداك انا لا نقرءها هكذا ؟ فقال: هكذا والله نزل بها جبرئيل على محمد (ص) وهكذا هو والله مثبت في مصحف فاطمة (ع) فقال رسول الله (ص) لمن حوله من المنافقين: انطلقوا إلى صاحبكم فقد اتاه ما استفتح به ([23]).

وفي خبر فقال: قال له: فمصحف فاطمة ؟ فسكت طويلا ثم قال: إنكم لتبحثون عما تريدون وعما لا تريدون، إن فاطمة مكثت بعد رسول الله (ص) خمسة وسبعين يوما وقد كان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه ويخبرها بما يكون بعدها في ذريتها، وكا ن علي (ع) يكتب ذلك، فهذا مصحف فاطمة.

وعن حماد بن عثمان قال: سمعت أبا عبدالله (ع) يقول: تظهر زنادقة سنة ثمانية وعشرين ومائة وذلك لاني نظرت في مصحف فاطمة، قال: فقلت: وما مصحف فاطمة ؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى لما قبض نبيه (ص) دخل على فاطمة من وفاته من الحزن ما لا يعلمه إلا الله عزوجل، فأرسل إليها ملكا يسلي عنها غمها ويحدثها، فشكت ذلك إلى أميرالمؤمنين (ع) فقال لها: إذا أحسست بذلك وسمعت الصوت قولي لي، فأعلمته فجعل يكتب كلما سمع حتى أثبت من ذلك مصحفا، قال: ثم قال: أما إنه ليس من الحلال والحرام، ولكن فيه علم ما يكون.

وعن الحسين بن أبي العلا عن الصادق (ع) قال ان عندي الجفر الابيض قال قلت فاي شئ فيه قال زبور داود وتوراة موسى وانجيل عيسى وصحف ابراهيم والحلال والحرام ومصحف فاطمة ما أزعم ان فيه قرآنا وفيه ما يحتاج الناس فيه الينا ولا نحتاج إلى أحد حتى فيه الجلدة ونصف الجلدة وربع الجلدة وأرش الخدش وعندي الجفر الاحمر قال قلت وأي شئ في الجفر الاحمر قال السلاح وذلك انما يفتح للدم يفتحه صاحب السيف للقتل ([24])

و كان الامام الصادق (ع) يقول: علمنا غابر ومزبور ونكت في القلوب و نقر في الاسماع وإن عندنا الجفر الاحمر والجفر الابيض ومصحف فاطمة (ع) وعندنا الجامعة فيها جميع ما تحتاج الناس إليه، فسئل عن تفسير هذا الكلام فقال: أما الغابر فالعلم بما يكون، وأما المزبور فالعلم بما كان، وأما النكت في القلوب فهو الالهام. وأما النقر في الاسماع فحديث الملائكة : نسمع كلامهم ولا نرى أشخاصهم. وأما الجفر الاحمر فوعاء فيه سلاح رسول الله (ص) ولن يخرج حتى يقوم قائمنا أهل البيت، وأما الجفر الابيض فوعاء فيه توراة موسى وإنجيل عيسى وزبور داود وكتب الله الاولى. وأما مصحف فاطمة (ع) ففيه ما يكون من حادث وأسماء من يملك إلى أن تقوم الساعة، وأما الجامعة فهو كتاب طوله سبعون ذراعا إملاء رسول الله (ص) من فلق فيه وخط علي ابن أبي طالب (ع) بيده، فيه والله جميع ما تحتاج إليه الناس إلى يوم القيامة حتى أن فيه أرش الخدش والجلدة ونصف الجلدة([25]).

وقال محمد بن عبد: كنا عند ابى عبد الله (ع) نحوا من ستين رجلا وهو وسطنا فجاء عبد الخالق بن عبد ربه فقال له كنت مع ابراهيم بن محمد جالسا فذكروا انك تقول ان عندنا كتاب على (ع) فقال لا والله ما ترك على كتابا وان كان ترك على كتابا ما هو الا اهابين ولوددت انه عند غلامي هذا فما ابالى عليه قال فجلس أبو عبد الله (ع) ثم اقبل علينا فقال ما هو والله كما يقولون انهما جفران مكتوب فيهما لا والله انهما لأهابان عليهما اصوافهما واشعارهما مد حوسين كتبنا في احدهما وفى الاخر سلاح رسول الله 9 وعندنا والله صحيفة طولها سبعون ذراعا ما خلق الله من حلال وحرام الا وهو فيها حتى ان فيها ارش الخدش وقام بظفره على ذراعه فخط به وعندنا مصحف فاطمة اما والله ما هو بالقرآن([26]).

و عن سليمان بن خالد قال قال أبو عبد الله (ع) ان في الجفر الذى يذكرونه لما يسوءهم لانهم لا يقولون الحق والحق فيه فليخرجوا قضايا على (ع) وفرائضه ان كانوا صادقين وسلوهم عن الخالات والعمات وليخرجوا مصحف فاطمة فان فيه وصية فاطمة ومعه سلاح رسول الله 9 ان الله يقول أيتونى بكتاب من قبل هذا أو اثارة من علم ان كنتم صادقين([27]).

و عن ابى عبد الله (ع) قال ان عبد الله بن الحسن بزعم انه ليس عنده من العلم الا ما عند الناس فقال صدق والله وعبد الله بن الحسن ما عنده من العلم الا ما عند الناس ولكن عندنا والله الجامعة فيها الحلال والحرام وعندنا الجفر أيدرى عبدالله بن الحسن ما الجفر مسك معز ام مسك شاة وعندنا مصحف فاطمة (ع) أما والله ما فيه حرف من القرآن ولكنه املاء رسول الله وخط على كيف يصنع عبد الله إذا جاء الناس من كل افق ويسألونه ([28]).

ــ 6 ــ

تسبيحها عليها السلام

كان السبب في تشريع هذا التسبيح حسبما ورد في الروايات من طرق الخاصة والعامة: أن أمير المؤمنين (ع) اقترح على فاطمة الزهراء (ع) أن تسأل أباها رسول الله (ص) خادماً لكي تعينها على أعمال المنزل بعدما لاحظ الإمام (ع) على زوجته الطاهرة (ع) أمارات التعب والضرر. وقد نقلت هذهِ القصة بطرق عدّة باختلافات.

روى الشيخ الصدوق في كتاب علل الشرائع عن أبي الورد بن ثمامة عن علي (صلوات الله عليه) أنه قال لرجل من بني سعد: « ألا أحدِّثك عني وعن فاطمة؟ إنّه كانت عندي وكانت من أحب أهله إليه، وإنّها استقت بالقربة حتى أثّر في صدرها، وطحنت بالرحى حتى مَجُلت([29]) يداها، وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها، وأوقدت النار تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فأصابها من ذلك ضررٌ شديد، فقلتُ لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادماً يكفيك حرَّ ما أنت فيه من هذا العمل؟ فأتت النبي (ص) فوجدت عنده حُدّاثاً فاستحت فانصرفت، قال: فعلم النبي (ص) أنها جاءت لحاجة، قال: فغدا علينا ونحن في لفاعنا([30])، فقال: السلام عليكم، فسكتنا واستحيينا لمكاننا، ثم قال: السلام عليكم فسكتنا، ثم قال: السلام عليكم، فخشينا إن لم نرد عليه ان ينصرف. وقد كان يفعل ذلك: يسلّم ثلاثاً فإن أُذن له وإلا انصرف. فقلت: وعليك السلام يا رسول الله أُدخل. فلم يعد ان جلس عند رؤوسنا فقال: يا فاطمة ما كانت حاجتك أمس عند محمد، قال: فخشيتُ إن لم تجبه أن يقوم، قال: فأخرجت رأسي فقلتُ: أنا والله أخبرك يا رسول الله: انها استقت بالقربة حتى أثّر في صدرها، وجرّت بالرّحى حتى مجلت يداها، وكسحت البيت حتى اغبرت ثيابها، واوقدت تحت القدر حتى دكنت ثيابها، فقلتُ لها: لو أتيت أباك فسألتيه خادماً يكفيك حرّما أنت فيه من هذا العمل.

قال (ص): أفلا أعلّمكما ما هو خير لكما من الخادم؟ إذا أخذتما منامكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين، واحمدا ثلاثاً وثلاثين، وكبّرا أربعاً وثلاثين، قال: فأخرجت رأسها فقالت: رضيت عن الله ورسوله، رضيت عن الله ورسوله، رضيت عن الله ورسوله»([31]).

وروى الشيخ النعمان بن محمد بن منصور في كتابه دعائم الإسلام عن علي (ع) قال: «أهدى بعض ملوك الأعاجم إلى رسول الله (ص) رقيقاً([32])، فقلتُ لفاطمة: استخدمي من رسول الله خادماً. فأتته، فسألته ذلك، فقال لها رسول الله (ص): يا فاطمة، أعطيك ما هو خيرٌ من ذلك: تكبرين الله بعد كل صلاة ثلاثاً وثلاثين تكبيرة، وتحمدين الله ثلاثاً وثلاثين تحميدة، وتسبحين الله ثلاثاً وثلاثين تسبيحة، ثم تختمين ذلك بلا إله إلاّ الله، فذلك خيرٌ من الدنيا وما فيها ومن الذي أردت فلزمت صلوات الله عليها هذا التسبيح بعقب كل صلاة ونسب إليها»([33]).

وذكر ابن شهر آشوب في مناقب آل أبي طالب: ان النبي (ص) كان عنده أسارى، فأمر عليٌ (ع) فاطمة (ع) ان تطلب من النبي خادماً، فدخلت على النبي وسلمت عليه ورجعت، فقال أمير المؤمنين (ع) « مالكِ؟ قالت: والله ما استطعت أن أكلِّم رسول الله (ص) من هيبته» فانطلق علي معها إلى النبي (ص) فقال لهما: «جاءت بكما حاجة؟ فقال علي: مجاراتها، فقال: لا، ولكني أبيعهم وانفق أثمانهم على أهل الصفّة» وعلّمها تسبيح الزهراء. (ثم قال ابن شهر آشوب):

«إنها لما ذكرت حالها وسألت الجارية بكى رسول الله (ص) قال: « يا فاطمة، والذي بعثني بالحق إنّ في المسجد أربعمائة رجل مالهم طعام ولا ثياب ولولا خشيتي خصلةً لأعطيتك ما سألت: يا فاطمة إني لا أريد ان يَنْفَكَّ عنكِ أجرُك إلى الجارية، واني أخاف ان يخصمك علي بن أبي طالب يوم القيامة بين يدي الله إذا طلب حقه منك، ثم علّمها صلاة التسبيح، فقال أمير المؤمنين (ع) مضيت تريدين من رسول الله الدنيا، فأعطانا الله ثواب الآخرة»([34]).

وقد نقل العامة هذهِ القصة بعبارات متفاوتة إجمالاً وتفصيلاً مع اختلاف ظاهر في تعيين كيفية التسبيح المزبور ووقته، ولا بأس -من باب إتمام الفائدة- في سرد جملة من الروايات المنقولة من طرقهم بصدد هذا التسبيح.

ذكر العلامة سبط بن الجوزي في كتابه (تذكرة الخواص) هذا الخبر بإسناده عن عطاء بن السائب عن أبيه عن علي (ع) قال: « لم يكن لنا خادم، فقلت لفاطمة: والله لقد سنوتُ([35]) حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله أباك بسبي فاذهبي فاستخدميه خادماً. فقالت: والله وأنا قد طحنت حتى مجلت يداي. ثم أتت النبي (ص) فاستحيت ان تطلب منه شيئاً فرجعت. فأخذها علي (ع) وجاء إلى رسول الله (ص) فذكرا له ما لقيا فقال: إلاّ تحبان ان أعطيكما ما هو أفضل مما سألتما؟ قلنا: بلى. قال: تسبحان الله ثلاثاً وثلاثين وتحمدان ثلاثاً وثلاثين وتكبران أربعاً وثلاثين دبر كل صلاة، وإذا أويتما إلى فراشكما تسبحان.» ([36])

ونقل ابن حجر العسقلاني الخبر بنفس الاسناد المتقدم هكذا: عن عطاء بن السائب عن ابيه عن علي (ع): ان رسول الله (ص) لما زوّجه فاطمة بعث معها بخميلة ووسادة ادم حشوها ليف، ورداءين وسقاءين. قال: فقال علي لفاطمة يوماً: «لقد سنوت حتى اشتكيت صدري، وقد جاء الله بسبي فاذهبي فاستخدمي: فقالت: وأنا والله قد طحنت حتى مجلت يداي، فاتت النبي (ص) فقال: ما جاء بك أي بنية؟ فقالت جئت لأسلّم عليك، واستحيت ان تسأله ورجعت. فاتياه جميعاً، فذكر له علي حالهما. قال: لا والله لا أعطيكما وأدع أهل الصفة([37]) تتلوى بطونهم لا أجد ما أنفق عليهم. ولكن أبيع وأنفق عليهم أثمانهم. فرجعا فأتاهما وقد دخلا في قطيفتيهما([38])، إذا غطّيا رؤسهما بدت أقدامهما، وإذا غطيا اقدامهما انكشفت رؤوسهما فثارا([39])، فقال: مكانكما! ألا أخبركما بخير مما سألتماني؟ فقالا: بلى. فقال: كلمات علمنيهن جبريل: تسبحان في دبر كل صلاة عشراً وتحمدان عشراً وتكبران عشراً، وإذا اويتما إلى فراشكما تسبحان ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبرا أربعاً وثلاثين. قال علي: فوالله ما تركتهن منذ علمنيهن، وقال له ابن الكواء([40]) ولا ليلة صفين. فقال: قاتلكم الله يا أهل الطروق، ولا ليلة صفين»([41]).

ونقل هذا الخبر أيضاً مع اختلاف طفيف أحمد زيني دحلان في السيرة النبوية([42]).

ونقل الشيخ ولي الدين الخطيب في مصابيح الانوار القصة عن كل من علي (ع) وأبي هريرة هكذا:

عن علي: « ان فاطمة أتت النبي (ص) تشكو إليه ما تلقى في يدها من الرحى، وبلغها انَّهُ جاءه رقيق فلم تصادفه، فذكرت ذلك لعائشة، فلما جاء أخبرته عائشة، قال: فجاءنا وقد أخذنا مضاجعنا، فذهبنا نقوم، فقال: على مكانكما، فجاء فقعد بيني وبينها حتى وجدتُ برد قدمه على بطني، فقال: ألا أدلكما على خير مما سألتما؟ إذا أخذتما مضجعكما فسبحا ثلاثاً وثلاثين واحمدا ثلاثاً وثلاثين وكبرا أربعاً وثلاثين، فهو خير لكما من خادم.(متفق عليه)»([43]).

وعن أبي هريرة قال: جاءت فاطمة إلى النبي (ص) تسأله خادماً فقال: «ألا أدلّكِ على ما هو خير من خادم؟ تسبحين الله ثلاثاً وثلاثين وتحمدين الله ثلاثاً وثلاثين وتكبرين الله أربعاً وثلاثين عند كل صلاة، وعند منامك - رواه مسلم»([44]).

وأورد القصة كذلك أبو نعيم الأصبهاني بطريقين في كتابه حلية الأولياء:

عن عطاء بن السائب عن ابيه عن علي (ع): « ان فاطمة كانت حاملاً، فكانت إذا خبزت أصاب حرف التنور بطنها، فأتت النبي (ص) تسأله خادماً، فقال: لا أعطيك وأدع أهل الصفة تطوى بطونهم من الجوع، أوَ لا أدلك على خير من ذلك؟ إذا أويت إلى فراشك تسبحين الله تعالى ثلاثاً وثلاثين وتحمدينه ثلاثاً وثلاثين وتكبرينه أربعاً وثلاثين»([45]).

وفيه كذلك عن ابن أعبد قال: قال علي: يا ابن أعبد ألا أخبرك عني وعن فاطمة: كانت ابنة رسول الله (ص) وأكرم أهله عليه، وكانت زوجتي، فجرّت بالرحاء حتى أثرت الرحاء بيدها، واستقت بالقربة حتى أثرت القربة بنحرها، وقمّت البيت حتى أغبرت ثيابها، وأوقدت القدر حتى دنّست ثيابها وأصابها من ذلك ضر»([46]).

والخبر الأخير غير تام، ويدل عليه خبر علل الشرائع الذي ذكرناه أولاً، ومنه يتبين ان الرجل الذي من بني سعد يدعى بابن أعبد، وفيه نظر: لأن ابن أعبد هذا تصحيف ابن أغيد، ولقد أخطأ الذهبي إذْ اعتبره غير معروف نقلاً عن ابن المديني، والصواب هو ما ذكره العسقلاني في تهذيب التهذيب، حيث صرّح بأن اسمه علي بن أغيد، وهو من أصحاب أمير المؤمنين (ع).

ونقل القسطلاني في كتابه إرشاد الساري القصة عن الحكم بن عتيبة، قال: «حدثنا علي: ان فاطمة (ع) شكت ما تلقى من أثر الرحى، فأتى النبي (ص) فانطلقت فلم تجده، فوجدت عائشة فأخبرتها، فلما جاء النبي (ص) أخبرته عائشة بمجيء فاطمة، فجاء النبي (ص) وقد أخذنا مضاجعنا فذهبتُ لأقوم فقال: على مكانكما، فقعد بيننا حتى وجدت برد قدميه على صدري، وقال: ألا أعلمكما خير مما سألتماني: إذا أخذتما مضاجعكما تكبرا أربعاً وثلاثين وتسبحا ثلاثاً وثلاثين وتحمدا ثلاثاً وثلاثين، فهو خيرٌ لكما من خادم»([47]).

ــ 7 ــ

جهاز عرسها عليها السلام

في خبر زواج الزهراء ،قال علي: فأقبل رسول الله (ص) فقال: يا أبا الحسن انطلق الان فبع درعك وائتني بثمنه حتى اهيئ لك ولا بنتي فاطمة ما يصلحكما. قال علي: فانطلقت فبعته بأربعمائة درهم سود هجرية. وقبض رسول الله (ص) قبضة من الدراهم، ودعا بأبي بكر فدفعها إليه، وقال: يا أبابكر اشتر بهذه الدراهم لابنتي ما يصلح لها في بيتها، وبعث معه سلمان وبلالا ليعيناه على حمل مايشتريه.

قال أبوبكر: وكانت الدراهم التي أعطانيها ثلاثة وستين درهما فانطلقت واشتريت فراشا من خيش مصر محشوا بالصوف، ونطعا من أدم، ووسادة من أدم حشوها من ليف النخل، وعباءة خيبرية، وقربة للماء وكيزانا، وجرارا، ومطهرة للماء، وستر صوف رقيقا، وحملناه جميعا حتى وضعناه بين يدي رسول الله (ص) فلما نظر إليه بكى وجرت دموعه، ثم رفع رأسه إلى السماء وقال: اللهم بارك لقوم جل آنيتهم الخزف قال علي: ودفع رسول الله (ص) باقي ثمن الدرع إلى ام سلمة فقال: اتركي هذه الدراهم عندك، ومكثت بعد ذلك شهرا لا اعاود رسول الله (ص) في أمر فاطمة بشيء استحياء من رسول الله (ص)، غير أني كنت إذا خلوت برسول الله يقول لي: يا أبا الحسن ما أحسن زوجتك وأجملها، ابشر يا أبا الحسن فقد زوجتك سيدة نساء العالمين. قال علي: فلما كان بعد شهر دخل علي أخي عقيل بن أبي طالب فقال: يا أخي ما فرحت بشيء كفرحتي بتزويجك فاطمة بنت محمد (ص)، يا أخي فما بالك لا تسأل رسول الله (ص) يدخلها عليك فنقر عينا باجتماع شملكما، قال علي: والله يا أخي إني لاحب ذلك وما يمنعني من مسألته إلا الحياء منه فقال: أقسمت عليك إلا قمت معي. فقمنا نريد رسول الله (ص) فلقينا في طريقنا ام أيمن مولاة رسول الله (ص) فذكرنا ذلك لها فقالت: لا تفعل ودعنا نحن نكلمه فإن كلام النساء في هذا الامر أحسن وأوقع بقلوب الرجال. ثم انثنت راجعة فدخلت إلى ام سلمة فأعلمتها بذلك وأعلمت نساء النبي (ص) فاجتمعن عند رسول الله (ص) وكان في بيت عائشة، فأحدقن به وقلن: فديناك بآبائنا وامهاتنا يارسول الله قد اجتمعنا لأمر لو أن خديجة في الاحياء لقرت بذلك عينها.

قالت ام سلمة: فلما ذكرنا خديجة بكى رسول الله (ص) ثم قال: خديجة وأين مثل خديجة، صدقتني حين كذبني الناس وآزرتنى على دين الله وأعانتني عليه بمالها، إن الله عزوجل أمرني أن ابشر خديجة ببيت في الجنة من قصب الزمرد لا صخب فيه ولا نصب.

قالت ام سلمة: فقلنا بآبائنا وامهاتنا يا رسول الله إنك لم تذكر من خديجة أمرا إلا وقد كانت كذلك غير أنها قد مضت إلى ربها. فهناها الله بذلك وجمع بيننا وبينها في درجات جنته ورضوانه ورحمته، يا رسول الله وهذا أخوك في الدنيا وابن عمك في النسب علي بن أبي طالب يحب أن تدخل عليه زوجته فاطمة (ع)، وتجمع بها شملة، فقال: ياام سلمة فما بال علي لايسألني ذلك ؟ فقلت: يمنعه الحياء منك يارسول الله. قالت ام أيمن: فقال لي رسول الله (ص): انطلقي إلى علي فائتيني به فخرجت من عند رسول الله (ص) فاذا علي ينتظرني ليسأني عن جواب رسول الله (ص)، فلما رآني قال: ما وراك يا ام أيمن قلت: أجب رسول الله (ص).

قال (ع): فدخلت عليه وقمن أزواجه فدخلن البيت وجلست بين يديه مطرقا نحو الارض حياء منه، فقال أتحب أن تدخل عليك زوجتك ؟ فقلت وأنا مطرق: نعم فداك أبي وامي فقال: نعم وكرامة يا أبا الحسن أدخلها عليك في ليلتنا هذه أو في ليلة غد إن شاء الله، فقمت فرحا مسرورا وأمر (ص) أزواجه أن يزين فاطمة (ع) ويطيبنها ويفرشن لها بيتا ليدخلنها على بعلها، ففعلن ذلك. وأخذ رسول الله (ص) من الدراهم التي سلمها إلى ام سلمة عشرة دراهم فدفعها إلي وقال: اشتر سمنا وتمرا وأقطا، فاشتريت وأقبلت به إلى رسول اله (ص)، فحسر عن ذراعيه ودعا بسفرة من أدم وجعل يشدخ التمر والسمن ويخلطهما بالاقط حتى اتخذه حيسا. ثم قال يا علي ادع من أحببت، فخرجت إلى المسجد وأصحاب رسول الله (ص) متوافرون، فقلت: أجيبوا رسول الله (ص)، فقاموا جميعا وأقبلوا نحو النبي (ص)، فأخبرته أن القوم كثير، فجلل السفرة بمنديل وقال: أدخل علي عشرة بعد عشرة، ففعلت وجعلوا يأكلون ويخرجون ولا ينقص الطعام، حتى لقد أكل من ذلك الحيس سبع مائة رجل وامرأة ببركة النبي (ص).

قالت ام سلمة: ثم دعا بابنته فاطمة، ودعا بعلي (ع)، فأخذ عليا بيمينه وفاطمة بشماله، وجمعهما إلى صدره، فقبل بين أعينهما، ودفع فاطمة إلى علي وقال: يا علي نعم الزوجة زوجتك، ثم أقبل على فاطمة وقال: يا فاطمة نعم البعل بعلك، ثم قام يمشي بينهما حتى أدخلهما بيتهما الذي هيئ لهما، ثم خرج من عندهما فأخذ بعضادتي الباب فقال: طهر كما الله وطهر نسلكما أنا سلم لمن سالمكما وحرب لمن حاربكما، أستودعكما الله واستخلفه عليكما. قال علي: ومكث رسول الله (ص) بعد ذلك ثلاثا لا يدخل علينا فلما كان في صبيحة اليوم الرابع جاءنا ليدخل علينا، فصادف في حجرتنا أسماء بنت عميس الخثعمية، فقال لها: ما يقفك ها هنا وفي الحجرة رجل ؟ فقالت: فداك أبي وامي إن الفتاة إذا زفت إلى زوجها تحتاج إلى امرأة تتعاهدها وتقوم بحوائجها فأقمت ههنا لأقضي حوائج فاطمة (ع)، قال (ص): يا أسماء قضى الله لك حوائج الدنيا والآخرة.

قال علي (ع): وكانت غداة قرة وكنت أنا وفاطمة تحت العباء فلما سمعنا كلام رسول الله (ص) لأسماء ذهبنا لنقوم فقال: بحقي عليكما لا تفترقا حتى أدخل عليكما، فرجعنا إلى حالنا ودخل (ص) وجلس عند رؤوسنا، وأدخل رجليه فيما بيننا، وأخذت رجله اليمنى فضممتها إلى صدري، وأخذت فاطمة رجله اليسرى ضمتها إلى صدرها، وجعلنا ندفئ رجليه من القر. حتى إذا دفئتا قال: يا علي ائتني بكوز من ماء فأتيته، فتفل فيه ثلاثا وقرأ فيه آيات من كتاب الله تعالى، ثم قال: يا علي اشربه، واترك فيه قليلا ففعلت ذلك فرش باقي الماء على رأسي وصدري، وقال: أذهب الله عنك الرجس يا أبا الحسن وطهرك تطهيرا. وقال: ائتني بماء جديد، فأتيته به، ففعل كما فعل وسلمه إلى ابنته (ع) وقال لها: اشربي واتركي منه قليلا، ففعلت فرشه على رأسها وصدرها، وقال (ص): أذهب الله عنك الرجس وطهرك تطهيرا، وأمرني بالخروج من البيت. وخلا بابنته، وقال: كيف أنت يا بنية وكيف رأيت زوجك ؟ قالت له: يا أبه خير زوج إلا أنه دخل علي نساء من قريش وقلن لي: زوجك رسول الله (ص) من فقير لا مال له فقال لها: يا بنية ما أبوك بفقير ولا بعلك بفقير، ولقد عرضت علي خزائن الارض من الذهب والفضة فاخترت ما عند ربي عز جل. يابنية لو تعلمين ما علم أبوك لسمجت الدنيا في عينيك. يا بنية ما ألوتك نصحا أن زوجتك أقدمهم سلما، وأكثرهم علما وأعظمهم حلما. يا بنية إن الله عز وجل اطلع إلى الارض اطلاعة فاختار من أهلها رجلين: فجعل أحدهما أباك والآخر بعلك، يا بنية نعم الزوج زوجك لا تعصي له أمرا. ثم صاح بي رسول الله (ص): ياعلي، فقلت لبيك يا رسول الله: قال: ادخل بيت، والطف بزوجتك، وارفق بها فان فاطمة بضعة مني، يؤلمني ما يؤلمها ويسرني ايسرها، أستودعكما الله واستخلفه عليكما. قال علي (ع): فوالله ما أغضبتها، ولا أكرهتها على أمر حتى قبضها الله عزوجل، ولا أغضبتني، ولا عصت لي أمرا، ولقد كنت أنظر إليها فتنكشف عني الهموم والاحزان ([48]).

ــ 8 ــ

نحلتها عليها السلام

قال الامام الرضا (ع) في كلام له مع المأمون والعلماء في فضل اهل البيت من القران: وأما الخامسـة: فقول الله عزوجل: " وآت ذا القربى حقه " خصوصيـة خصهم اللـه العـزيـز الجبار بها واصطفاهم على الامة. فلما نزلت هذه الآيـة على رسـول اللـه (ص) قال: ادعوا لي فاطمة فدعوها له. فقال: يا فاطمـة. قالت: لبيك يا رسول الله. فقال: إن فدك لم يـوجف عليها بخيل ولا ركاب وهي لي خاصـة دون المسلمين. وقد جعلتها لك لما أمرني الله به فخذيها لك ولولدك .

عن جميل بن دراج عن ابي عبد الله (ع) قال: اتت فاطمة ابا بكر تريد فدكا، قال: هات اسود او احمر يشهد بذلك ؟ قالت فأتت بام ايمن فقال لها بم تشهدين قالت: اشهد ان جبرائيل اتى محمدا فقال: ان الله يقول «وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ» فلم يدر محمد (ص) من هم فقال: يا جبرائيل سل ربك من هم؟ فقال: فاطمة ذو القربى فأعطاها فدكا، فزعموا ان عمر محا الصحيفة وقد كان كتبها ابو بكر([49]).

عن ابي عبد الله (ع) قال: لما قبض رسول الله (ص) وجلس ابو بكر مجلسه بعث الى وكيل فاطمة صلوات الله عليها فأخرجه من فدك فاتت فاطمة (ع) فقالت: يا ابا بكر ادعيت انك خليفة ابي وجلست مجلسه وانك بعثت الى وكيلي فأخرجته من فدك وقد تعلم ان رسول الله (ص) صدق بها علي وان لي بذلك شهودا فقال لها: ان النبي (ص) لا يورث، فرجعت الى علي (ع) فأخبرته فقال: ارجعي اليه وقولي له: زعمت ان النبي لا يورث وان سليمان بن داود ورث يحيى بن زكريا وكيف لا ارث انا ابي. فقال عمر انك معلمة، قالت: وان كنت معلمة فإنّما علمني ابن عمي وبعلي فقال ابو بكر: فان عائشة تشهد وعمر ايضا سمعا رسول الله (ص) وهو يقول ان النبي لا يورث ؟ فقالت: هذا اول شهادة زور شهدا بها في الاسلام، ثم قالت: فان فدكاً إنّما هي صدق بها علي رسول الله (ص) ولي شاهد بذلك بينه فقال لها: هلمي بينتك ؟ قال فجاءت بأمّ ايمن وعلي (ع) فقال ابو بكر يا ام ايمن انك سمعت من رسول الله (ص) يقول في فاطمة ؟ فقالا سمعنا رسول الله (ص) يقول ان فاطمة سيدة نساء اهل الجنة، ثم قالت ام ايمن: فمن كانت سيدة نساء اهل الجنة تدعي ما ليس لها ؟ وانا امرأة من اهل الجنة ما كنت اشهد الا بما سمعت من رسول الله (ص) فقال عمر: دعينا يا ام ايمن من هذه القصص باي شيء تشهدين، فقالت: كنت جالسة في بيت فاطمة (ع) ورسول الله (ص) جالس حتى نزل عليه جبرائيل فقال: يا محمد قم فان الله تبارك وتعالى امرني ان اخط اليك فدكا بجناحي، فقام رسول الله (ص) مع جبرائيل فما لبث ان رجع، فقالت فاطمة يا ابه اين ذهبت ؟ فقال خط جبرائيل لي فدكا بجناحه وحد لي حدودها، فقلت: يا ابه اني اخاف العيلة والحاجة من بعدك فتصدق بها علي، فقال هي صدقة عليك، فقبضتها، قالت: نعم، فقال رسول الله: يا ام ايمن اشهدي ويا علي اشهد، فقال عمر: انت امرأة ولا نجيز شهادة امرأة وحدها، واما علي فيجر الى نفسه، فقامت مغضبة وقالت: اللهم انهما ظلما ابنة محمد نبيك حقها فاشدد وطأتك عليهما، ثم خرجت، وحملها علي على اتان عليه كساء له مخمل فدار بها اربعين صباحا في بيوت المهاجرين والانصار، والحسن والحسين (ع) معها وهي تقول: يا معشر المهاجرين والانصار انصروا الله فاني ابنة نبيكم، وقد بايعتم رسول الله (ص) يوم بايعتموه ان تمنعوا ذريته ما تمنعون منه انفسكم وذراريكم، ففوا لرسول الله بيعتكم، قال فما اعانها ولا اجابها ولانصرها، فقال فانتهت الى معاذ بن جبل فقالت: يا معاذ اني جئتك متنصرة وقد بايعت رسول الله (ص) على ان تنصره وذريته وتمنعه ما تمنع منه نفسك وذريتك، وان ابا بكر قد غصبني على فدك واخرج وكيلي منها، قال فمعي غيري، قالت لا ما اجابني احد قال: فاين ابلغ انا من نصرتك، قال فخرجت من عنده ودخل ابنه فقال: ما جاء بابنة محمّد إليك؟ قال جاءت تطلب نصرتي على ابي بكر فانه اخذ منها فدكا، قال فما اجبتها به؟ قال: قلت وما يبلغ من نصرتي انا وحدي، قال فأبيت ان تنصرها؟ قال: نعم: فأيّ شيء قالت لك ؟ قال: قالت لي: والله لا نازعتك الفصيح من رأسي حتى ارد على رسول الله (ص) قال فقال: انا والله لا نازعتك الفصيح من رأسي حتى ارد على رسول الله اذ لم تجب ابنة محمد (ص) ، قال وخرجت فاطمة (ع) من عنده وهي تقول: والله لا اكلمك كلمه، حتى اجتمع انا وانت عند رسول الله (ص) ثم انصرفت فقال لها علي: ائت ابا بكر وحده فانه ارق من الآخر، وقولي له ادعيت مجلس ابي وانك خليفته وجلست مجلسه ولو كانت فدك لك ثم استوهبتها منك لوجب ردها علي، فلما اتته وقالت له ذلك قال: صدقت، قال فدعا بكتاب فكتبه لها بفدك فقال فخرجت والكتاب معها، فلقيها عمر فقال: يا بنت محمد ما هذا الكتاب الذي معك ؟

قالت كتاب كتبه لي ابو بكر بفدك، فقال هلمي الي ؟ فأبت ان تدفعه اليه... فمزقه ([50]).

قال الشيخ صالح الكوّاز:

الواثبــيـــن لظـلــم آل مـحمّد

ومـحمّد ملقـى بـغيـر تكفينِ

والقائــليـن لفـاطــــم آذيـتـنا

فـي طـــول نـوحٍ دائـم وحنيـــن

والقــاطعين إراكــــةً كيما تـقيل

بظــــل أوراق لـهـا وغصـــون

ومجمّـعي حطبٍ علـــى البيت الذي

لم يجتــــمع لـولاه شمـل الـديــن

والداخـلين علـى البـتـــولة بيتـها

والمسقــطـيـن لهـا أعـزّ جنيـــن

والقائــديـن إمامهـم بـنـجـــاده

والطـهــر تــدعو خلفهـم بـرنيـن

خلّوا ابـن عمّي أو لأكشف للدعـــا

رأســي وأشـكـو للإله شـجونـــي

مـا كــان ناقـة وفـصـيلهــــا

بـالفـضـــل عنــدالله إلاّ دونــي

أيّ الـرزايــا اتـقــي بتــجـلّد

هـو في النوائــب ما حيـيـت قرينـي

فقدي أبي أم غصــــب بعلـي حقّه

أم كسر ضلعـــي أم سقــوط جنيـني

أم أخذهم إرثي وفـاضـل نحلتـــي

أم جهلهم قــدري وقــد عـرفــوني

قهروا يتيمـيك الحسيـن وصنـــوه

وسألتهم حقّـــي وقـد نهـرونـــي

وعن أبي عبدالله (ع) قال: لما بويع لابي بكر واستقام له الامر على جميع المهاجرين والانصار بعث إلى فدك فاخرج وكيل فاطمة بنت رسول الله (ص) منها فجاءت فاطمة (ع) إلى ابي بكر، فقالت يا أبا بكر منعتني عن ميراثي من رسول الله وأخرجت وكيلي من فدك وقد جعلها لي رسول الله (ص) بأمر الله، فقال لها هاتي على ذلك شهودا فجاءت بأم أيمن فقالت لا اشهد حتى احتج يا ابا بكر عليك بما قال رسول الله (ص) فقالت أنشدك الله، ألست تعلم ان رسول الله (ص) قال إن أم أيمن من اهل الجنة ؟ قال بلى، قالت فاشهد انّ الله أوحى إلى رسول الله (ص) ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ فجعل فدك لفاطمة بأمر الله وجاء علي (ع) فشهد بمثل ذلك فكتب لها كتابا بفدك ودفعه اليها فدخل عمر فقال ما هذا الكتاب ؟ فقال أبوبكر: إن فاطمة ادعت في فدك وشهدت لها أم أيمن وعلي فكتبت لها بفدك، فأخذ عمر الكتاب من فاطمة فمزقه وقال هذا فيء المسلمين وقال اوس ابن الحدثان وعائشة وحفصة يشهدون على رسول الله (ص) بانه قال: إنا معاشر الانبياء لا نورث ما تركناه صدقة فان عليا زوجها يجر إلى نفسه، وأم أيمن فهي امرأة صالحة لو كان معها غيرها لنظرنا فيه، فخرجت فاطمة (ع) من عندهما باكية حزينة فلما كان بعد هذا جاء علي (ع) إلى أبي بكر وهو في المسجد وحوله المهاجرون والانصار، فقال :

يا ابا بكر ! لم منعت فاطمة ميراثها من رسول الله ؟ وقد ملكته في حياة رسول الله (ص)، فقال ابو بكر: هذا فيء المسلمين فان أقامت شهودا ان رسول الله (ص) جعله لها وإلا فلا حق لها فيه، فقال أمير المؤمنين (ع) يا ابا بكر تحكم فينا بخلاف حكم الله في المسلمين ؟ قال لا قال فان كان في يد المسلمين شئ يملكونه ادعيت أنا فيه من تسأل البينة ؟ قال: إياك كنت أسأل البينة على ما تدعيه على المسلمين، قال فاذا كان في يدي شيء وادعى فيه المسلمون فتسألني البينة على ما في يدي! وقد ملكته في حياة رسول الله (ص) وبعده ولم تسأل المسلمين البينة على ما ادعوا علي شهودا كما سألتني على ما ادعيت عليهم ! فسكت أبو بكر ثم قال عمر يا علي دعنا من كلامك فانا لا نقوى على حججك فان أتيت بشهود عدول وإلا فهو فيء المسلمين لا حق لك ولا لفاطمة فيه .فقال أمير المؤمنين (ع) يا ابا بكر تقرأ كتاب الله ؟ قال نعم قال فاخبرني عن قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فيمن نزلت أفينا أم في غيرنا ؟ قال بل فيكم قال فلو أن شاهدين شهدا على فاطمة بفاحشة ما كنت صانعا ؟ قال كنت اقيم عليها الحد كما اقيم على سائر المسلمين قال كنت إذا عند الله من الكافرين، قال: ولم ؟ قال: لأنك رددت شهادة الله لها بالطهارة وقبلت شهادة الناس عليها كما رددت حكم الله وحكم رسوله ان جعل رسول الله (ص) لها فدكاً وقبضته في حياته ثم قبلت شهادة أعرابي بايل على عقبه عليها فأخذت منها فدك وزعمت انه فيء المسلمين وقد قال رسول الله (ص) البينة على من ادعى واليمين على من ادعي عليه!!

قال: فدمدم الناس وبكى بعضهم فقالوا صدق والله علي ورجع علي (ع) إلى منزله ([51]).

قال الشيخ عبد المنعم الفرطوسي:

شجـونٌ تستهـل لهـا الدمـــوعُ

وتحـرق من لواعجهـا الضلـوعُ

وقفـتُ على البقيـع فسال طـرفي

وقلبـي فالدموع هــي النجيــع

كـأنّ مصيـبة الزهـراء بيــتٌ

بقـلبـي للأسـى وهــو البقيـع

أمثـلُ البضعة الزهـراء تُجـفـى

ويعـفـا قبرهـا وهــو الرفيـع

ويغصب حقـها جهـراً وتــؤذى

بحيـث وصيـة الهـادي تضيـع

تُصـدّ عن البكـاء علـى أبيـهـا

فتحبس فـي محاجـرها الدمـوع

وتقتـطع الاراكـة حيـن تــأوي

لظـل غصـونهـا كـفٌ قطيـع

ويحـرق بيـتـها بالنـار حقــداً

ويٌهتـك ستـرها وهـو المنـيـع

ويُكسر ضلعهـا بالبـاب عصــراً

فيسقـط حملهـا وهــو الشفيـع

ويدمـي صدرهـا المسمـار كسراً

فينـبغ بيـن ثديـيهـا النجـيـع

وحمـرة عينـهـا للحشـر تبقـى

بهـا من كـفّ لاطمـهـا تشـيع

تنـوح فتسـمع الشكـوى وتدعـو

وما في المسلميـن لهـا سميــع

مصائـب بالفظـاعة قـد تنـاهت

وكـل مصـيـبة خطـب فظـيع

قضت ألمـاً مـن الزهـراء فيهـا

حشاشـة قلـبهـا وهـو المـروع

لقد كانت فدك حدود الولاية لاهل البيت ولم تكن كما يتصور بعضهم ضيعة زراعية صغيرة، عن علي بن أسباط قال: لما ورد أبو الحسن موسى (ع) على المهدي رآه يرد المظالم فقال: يا أمير المؤمنين ما بال مظلمتنا لا ترد ؟ فقال له: وما ذاك يا أبا الحسن ؟ قال: إن الله تبارك وتعالى لما فتح على نبيه (ص) فدكاً وما والاها، لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب فأنزل الله على نبيه (ص) ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ﴾ فلم يدر رسول الله (ص) من هم، فراجع في ذلك جبرئيل وراجع جبرئيل (ع) ربه فأوحى الله إليه أن ادفع فدك إلى فاطمة (ع)، فدعاها رسول الله (ص) فقال لها: يا فاطمة إن الله أمرني أن أدفع إليك فدك، فقالت: قد قبلت يا رسول الله من الله ومنك. فلم يزل وكلاؤها فيها حياة رسول الله صلى الله عليه فلما ولي أبو بكر أخرج عنها وكلاء ها، فأتته فسألته أن يردها عليها، فقال لها: ائتيني بأسود أو أحمر يشهد لك بذلك، فجاءت بأمير المؤمنين (ع) وأم أيمن فشهدا لها فكتب لها بترك التعرض، فخرجت والكتاب معها فلقيها عمر فقال: ما هذا معك يا بنت محمد ؟ قالت كتاب كتبه لي ابن أبي قحافة، قال: أرينيه فأبت، فانتزعه من يدها ونظر فيه، ثم تفل فيه ومحاه و خرقه، فقال لها: هذا لم يوجف عليه أبوك بخيل ولا ركاب ؟ فضعي الحبال في رقابنا ([52]).فقال له المهدي: يا أبا الحسن حدها لي، فقال: حد منها جبل أحد، وحد منها عريش مصر، وحد منها سيف البحر وحد منها دومة الجندل، فقال له، كل هذا ؟ قال: نعم يا أمير المؤمنين هذا كله، إن هذا كله مما لم يوجف على أهله رسول الله (ص) بخيل ولا ركاب، فقال كثير، وأنظر فيه ([53]).

وفي كتاب أخبار الخلفاء أن هارون الرشيد كان يقول لموسى بن جعفر: خذ فدكا حتى أردها إليك، فيأبى حتى ألح عليه فقال (ع) لا آخذه إلا بحدودها قال: وما حدودها ؟ قال: إن حدددتها لم تردها قال: بحق جدك إلا فعلت ؟ قال: أما الحد الاول فعدن، فتغير وجه الرشيد وقال: ايها، قال: والحد الثاني سمرقند، فاربد وجهه قال: والحد الثالث افريقية فاسود وجهه وقال: هيه([54]) قال: والرابع سيف البحر مما يلي الجزر وارمينة قال الرشيد: فلم يبق لنا شئ، فتحول إلى مجلسي، قال موسى: قد أعلمتك أنني إن حددتها لم تردها فعند ذلك عزم على قتله

وفي رواية ابن أسباط أنه قال: أما الحد الاول: فعريش مصر، والثاني دومة الجندل، والثالث: احد والرابع: سيف البحر، فقال هذا كله، هذه الدنيا فقال (ع) هذا كان في أيدي اليهود بعد موت أبي هالة فأفاءه الله على رسوله، بلا خيل ولا ركاب، فأمره الله أن يدفعه إلى فاطمة (ع) ([55]).

ــ 9 ــ

بيتها عليها السلام

كان النبي (ص) قد بنى لنفسه بيتا شرقي المسجد ملاصقا له سكنه مع ابنته فاطمة وبنى هناك أيضا بيوتا اسكنها أزواجه وبنى لعلي (ع) بيتا بجنب البيت الذي تسكنه عائشة وهو الذي دفن فيه النبي صلى الله ثم عاد إلى ذلك البيت وسكنته فاطمة معه حتى توفيت وفيه ولد الحسن والحسين وسائر أولاد علي من فاطمة عليهم جميعا السلام وبقيت الصخرة التي ولدت عليها الحسنين ظاهرة بعد الحاق بيتها بالمسجد يعرفها أهل البيت.

وفي كتاب وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى: أسند يحيى عن عيسى بن عبد الله عن أبيه ان بيت فاطمة في الزور الذي في القبر بينه وبين بيت النبي خوخة. والزور الموضع المزور شبه المثلث في جهة الشام قال واسند عن عمر بن علي بن عمر بن علي بن الحسين ان بيت فاطمة في موضع الزور مخرج النبي (ص) وكانت فيه كوة إلى بيت عائشة فكان رسول الله (ص) إذ قام إلى المخرج اطلع من الكوة إلى فاطمة فعلم خبرهم فدخلت عائشة المخرج في جوف الليل فأبصرت المصباح عندهم وذكر كلاما وقع بينهما فلما أصبحوا سالت فاطمة النبي (ص) ان يسد الكوة فسدها

إلى أن قال: ويشهد لذلك اي كون موضع بيت فاطمة في الزور ما أسنده يحيى عن مسلم عن ابن أبي مريم ان عرض بيت فاطمة إلى الأسطوانة التي خلف الأسطوانة المواجهة للزور وكان بابه في المربعة التي في القبر

 قال: وقد أسند أبو غسان عن مسلم بن سالم قال عرس علي بفاطمة إلى الأسطوانة التي خلف الأسطوانة المواجهة الزور وكانت داره في المربعة التي في القبر قال سليمان وقال مسلم لا تنس حظك من الصلاة إليها فإنه باب فاطمة التي كان علي يدخل إليها منه وقد رأيت حسن بن زيد يصلي إليها.

ثم حكى عن ابن شبة ان عليا (ع) اتخذ بالمدينة دارين أحدهما دخلت في مسجد رسول الله (ص) والأخرى دار علي التي بالبقيع .

ثم حكي عن رزين انه لما كان زمن الوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز عامله على المدينة ومكة بعث الوليد إليه بمال وقال له من باعك فأعطه ثمنه ومن أبى فاهدم عليه واعطه المال فان أبى ان يأخذه فاصرفه إلى الفقراء. ثم ذكر عدة روايات انه بينما الوليد بن عبد الملك يخطب على منبر رسول الله (ص) إذ انكشف الكلة عن بيت فاطمة (ع) وإذا حسن بن حسن يسرح لحيته فلما نزل أمر بهدم بيت فاطمة اخذه الغضب لكونه لم يسمع خطبته بل جلس في بيته يسرح لحيته فامر بهدمه فأبى حسن بن حسن وفاطمة بنت الحسين وهي زوجته زوجه إياها عمه الحسين (ع) ان يخرجوا منه فامر بهدمه عليهم وهما فيه وولدهما فنزع أساس البيت وهم فيه فلما نزع أساس البيت قالوا لهم ان لم تخرجوا قوضناه عليكم فخرجوا منه .

وفي رواية أخرى إن الوليد كان يبعث كل عام رجلا إلى المدينة فيأتيه بأخبارها فقال له مرة لقد رأيت أمرا لا والله ما لك معه سلطان كنت في مسجد النبي (ص) فإذا منزل عليه كلة فلما أقيمت الصلاة رفعت الكلة وصلى صاحبه فيه بصلاة الامام وهو ومن معه ثم أرخيت الكلة واتي بالغداء فتغدوا وإذا هو يأخذ المرآة والكحل فسالت فقيل إن هذا حسن بن حسن قال ويحك فما اصنع هو بيته وبيت امه فما الحيلة قال تزيد في المسجد وتشتري هذا المنزل فكتب إلى عمر بن عبد العزيز بذلك فأبوا أن يخرجوا منه، فأرسل إليهم الوليد بن عبد الملك: إن لم تخرجوا منه هدمته عليكم فأبوا أن يخرجوا، فأمر بهدمه عليهم. .. فخرجوا منه حتى أتوا دار علي نهاراً .

وقال حسن والله لا نأكل له ثمنا ابدا وأعطاهم به سبعة آلاف أو ثمانية آلاف دينار فكتب إلى الوليد بذلك فامره بهدمه وإدخاله وطرح الثمن في بيت المال ففعل وانتقلت منه فاطمة بنت الحسين بن علي ([56])

وروى ما حاصله أن بيت فاطمة الزهراء لما أخرجوا منه فاطمة بنت حسين وزوجها حسن بن حسن وهدموا البيت بعث حسن بن حسن ابنه جعفرا وكان أسن ولده فقال له: اذهب ولا تبرحن حتى يبنوا فتنظر الحجر الذي من صفته كذا وكذا... فجاء جعفر إلى أبيه فأخبره فخر ساجدا وقال: ذلك حجر كان النبي (ص) إذا دخل إلى فاطمة. . أو كانت فاطمة تصلي إليه.

قال يحيى: ورأيت الحسين بن عبد الله بن عبد الله بن الحسين ولم أر فينا رجلا أفضل منه إذا اشتكى شيئا من جسده كشف الحصى عن الحجر فيمسح به ذلك الموضع، ولم يزل ذلك الحجر تراه ([57])

ان هذا البيت له صورة في الملكوت تبين عظمة النازلين به وعلو شأنهم وعجيب مقامهم في العوالم.

عن بشير الدهان قال: قلت لأبي جعفر (ع): جعلت فداك أي الفصوص أفضل لأركبه على خاتمي؟ قال: يا بشير أين أنت عن العقيق الأحمر والعقيق الأصفر والعقيق الأبيض فإنها ثلاثة جبال في الجنة، أما الأحمر فمطل على دار رسول الله، وأما الأصفر فمطل على دار فاطمة، وأما الأبيض فمطل على دار أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) الدور كلها واحدة تخرج منها ثلاثة أنهار من تحت كل جبل نهر أشد بردا من الثلج وأحلى من العسل وأشد بياضا من اللبن، لا يشرب منها إلا محمد وآله وشيعتهم، ومصبها كلها واحد ومجراها من الكوثر. وان هذه الثلاثة جبال تسبح الله وتقدسه وتمجده وتحمده وتستغفر لمحبي آل محمد، فمن تختم بشئ منها من شيعة آل محمد لم ير إلا الخير والحسنى والسعة في الرزق والسلامة من جميع أنواع البلاء، وهو أمان من السلطان الجائر ومن كل ما يخافه الانسان ويحذره([58]).

 وما عرف من باب فاطمة من جهة الشرق والموجود إلى يومنا هذا في المسجد النبوي فهو الباب الشرقي للمقصورة النبوية الشريفة وإنما سمي فيما بعد بباب فاطمة لجواره لبيت فاطمة. ولعل الباب الجنوبي لبيت فاطمة كان باباَ داخلياً تطل منه إلى بيت أبيها هو البيت الذي خصصه (ص) لعائشة.

 وأما الباب الرئيسي لبيت علي وفاطمة فهو الباب الغربي المطل على المسجد كان موقعه قرب الزاوية الجنوبية الغربية للبيت حيث حدد أن باب بيتهما يقع عند مربعة القبر والتي فيها أسطوانة جبرئيل (ع) وهي في الحائز الذي أقامه عمر بن عبد العزيز عند منحرف الصفحة الغربية ويقال لها ايضا: اسطوانة مربعة القبر لأنها في ركن المربعة الغربية الشمالية عند منحرف الصفحة الغربية من الحائز الذي بناه عمر بن عبد العزيز إلى جهة الشمال في صف أسطوانة الوفود بينهما الأسطوانة اللاصقة بالشباك

 وأما عن حدود بيت علي وفاطمة فقال السمهودي: إن بيت فاطمة (ع) كان فيما بين مربعة القبر واسطوانة التهجد، وقالوا أيضاً: شمالي بيت عائشة، وذكرت الروايات السابقة: أن باب بيت علي (ع) كان شارعاً في المسجد، وقيل أن حجرة أم سلمة كانت على جهة الشـرق من بيت علي وفاطمة ، فعلم من هذا كله أن بيت علي وفاطمة يحده من الغرب المسجد النبوي، ومن الشرق حجرة أم سلمة، ومن الشمال الخوخة الفاصلة بينه وبين حجرة عائشة ، ومن الشمال الطريق المؤدي إلى باب جبرائيل، وينتهي جدار بيتهما عند أسطوانة التهجد وهو المحراب الذي كان يتهجد ويصلي النبي (ص) فيه.

ومن ناحية أخرى فإن الزاوية الجنوبية الغربية من هذا البيت تقع عند أسطوانة مقام جبرئيل، كما أن البيت من جهة الشرق يوازي الباب الثاني للمسجد والذي أحدثه عمر بن عبد العزيز عام 91 هـ وسمي بباب علي ثم أبدل فيما بعد بشباك وهو الآن أول شباك على يمين الخارج من باب جبرئيل.

ــ 10 ــ

أولاد ها عليها السلام

لقد شرف الله الزهراء بذرية طاهرة عجيبة فكل الخلق تنسب الى ابائهم الا ولدها فانهم ينسبون الى جدهم تشريفا وتعظيما لهم ولامهم

عن المنصور يعني الدوانيقي قال: حدثني أبي عن أبيه علي عن جده قال: كنت أنا وأبي العباس عند رسول الله (ص) إذ دخل علي فقال النبي (ص) : ان الله أشد حبا لهذا مني إن الله جعل ذرية كل نبي من صلبه وجعل ذريتي في صلب علي([59]).

 وذكر في الميزان أيضا في ترجمة عثمان بن أبي شيبة أحاديث عنه من جملتها حديث: لكل بني أب عصبة ينتمون إليه إلا ولد فاطمة أنا عصبتهم ([60]).

وعن عمر، قال: سمعت النبي (ص) يقول: كل قوم عصبتهم لأبيهم الا أولاد فاطمة، فاني أنا عصبتهم وأنا أبوهم ([61]).

 وعن عمر قال سمعت رسول الله (ص) يقول كل بنى أنثى فان عصبتهم لأبيهم ما خلا بنى فاطمة فإني أنا عصبتهم وأنا أبوهم ([62]).

لكن الامة ابت الا ان تدفع هذه الميزة لفاطمة (ع) في ولدها، ففي حديث طويل للامام الكاظم (ع) مع هارون العباسي قال له: ما لكم لا تنسبون إلى علي هو أبوكم وتنسبون إلى رسول الله (ص) وهو جدكم ؟ فقال موسى (ع): إن الله نسب المسيح عيسى ابن مريم (ع) إلى خليله إبراهيم (ع) بأمه مريم البكر البتول التي لم يمسها بشر في قوله: ﴿وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ﴾ فنسبه بأمه وحدها إلى خليله إبراهيم (ع)، كما نسب داود وسليمان وأيوب وموسى وهارون : بآبائهم وأمهاتهم فضيلة لعيسى (ع) ومنزلة رفيعة بأمه وحدها. ودلك قوله في قصة مريم (ع): ﴿إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ﴾ بالمسيح من غير بشر. وكذلك اصطفى ربنا فاطمة (ع) وطهرها وفضلها على نساء العالمين بالحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة([63]).

 حدث عاصم بن بهدلة قال: اجتمعوا عند الحجاج فذكر الحسين بن علي (ع)، فقال الحجاج: لم يكن من ذرية رسول الله (ص)، وعنده يحيى بن يعمر فقال له: كذبت أيها الأمير، فقال: لتأتيني على ما قلت بينة ومصداق من كتاب الله تعالى أو لأقتلنك، فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَزَكَرِيَّا وَيَحْيى وَعِيسى﴾ فأقر الله تعالى أن عيسى من ذرية إبراهيم بأمه، والحسن بن علي من ذرية محمد (ص) بأمه، قال: صدقت، فما حملك على تكذيبي في مجلسي ؟ قـال : ما أخــذ الله على الأنبيـاء ليبيننه للناس ولا يكتمونه، قال الله تعالى: ﴿فَنَبَذُوهُ وَرَاء ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ بِـهِ ثَمَــنَاً قَـلِيلاً﴾، قال: فنفاه إلى خراسان([64]).

عن أبي حرب بن أبي الأسود قال: أرسل الحجاج إلى يحيى بن يعمر فقال: بلغني أنك تزعم أن الحسن والحسين من ذرية النبي (ص) تجده في كتاب الله، وقد قرأته من أوله إلى آخره فلم أجده ؟ قال: أليس تقرأ سورة الأنعام ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ داوُدَ وَسُلَيْمانَ﴾ حتى بلغ ﴿وَيَحْيى وَعِيسى﴾ قال: بلى، قال: أليس عيسى من ذرية إبراهيم وليس له أب؟ قال: صدقت([65]).

كان سعيد بن سرح مولى كريز بن حبيب بن عبد شمس من شيعة علي بن أبي - طالب (ع) فلما قدم زياد بن أبيه الكوفة واليا " عليها أضافه وطلبه فأتى المدينة فنزل على الحسن بن علي (ع) فقال له الحسن: ما السبب الذي أشخصك وأزعجك ؟ فذكر له قصته وصنيع زياد به فكتب إليه الحسن: أما بعد فإنك عمدت إلى رجل من المسلمين له ما لهم وعليه ما عليهم فهدمت عليه داره وأخذت ماله وعياله فإذا أتاك كتابي هذا فابن له داره واردد عليه ماله وعياله فإني قد أجرته فشفعني فيه، فكتب إليه زياد: من زياد بن أبي سفيان إلى الحسن بن فاطمة، أما بعد فقد أتاني كتابك تبدأ فيه باسمك قبل اسمي وأنت طالب للحاجة وأنا سلطان وأنت سوقة وكتابك إلي في فاسق لا يأويه إلا فاسق مثله وشر من ذلك توليه أباك وقد آويته إقامة منك على سوء الرأي ورضى بذلك وأيم الله لا يسبقني إليه ولو كان بين جلدك ولحمك فإن أحب لحم إلي أن آكله للحم أنت منه فأسلمه بجريرته إلى من هو أولى به منك فإن عفوت عنه لم أكن شفعتك وإن قتلته لم أقتله إلا بحبه أباك، فلما قرأ الحسن (ع) الكتاب كتب إلى معاوية يذكر له حال ابن سرح وكتابه إلى زياد فيه وإجابة زياد إياه ولف كتابه في كتابه وبعث به إليه.

وكتب الحسن إلى زياد: من الحسن بن فاطمة بنت رسول الله (ص) إلى زياد بن سمية عبد بني ثقيف الولد للفراش وللعاهر الحجر ،  فلما قرأ معاوية كتاب الحسن (ع) ضاقت به الشام وكتب إلى زياد: أما بعد فإن الحسن بن علي بن أبي طالب (ع) بعث إلي بكتابك جواب كتابه إليك في ابن سرح فأكثرت التعجب منه وعلمت أن لك رأيين أحدهما من أبي سفيان وآخر من سمية، فأما الذي من أبي سفيان فحلم وحزم، وأما الذي من سمية فكما يكون رأي مثلها ومن ذلك كتابك إلى الحسن تشتم أباه و تعرض له بالفسق، ولعمري لأنت أولى بالفسق من الحسن ولأبوك إذ كنت تنسب إلى عبيد أولى بالفسق من أبيه، فإن كان الحسن بدأ بنفسه ارتفاعا " عنك فإن ذلك لم يضعك وأما تشفيعه فيما شفع إليك فيه فحظ دفعته عن نفسك إلى من هو أولى به منك، فإذا قدم عليك كتابي هذا فخل ما في يدك لسعيد بن سرح وابن له داره ولا تغدر به و أردد عليه ماله فقد كتبت إلى الحسن أن يخبر صاحبه بذلك فإن شاء أقام عنده وإن شاء رجع إلى بلده، فليس لك عليه سلطان بيد ولا لسان، وأما كتابك إلى الحسن باسمه واسم أمه ولا تنسبه إلى أبيه فإن الحسن ويلك ممن لا يرمى به الرجوان أفاستصغرت أباه وهو علي بن أبي طالب أم إلى أمه وكلته لا أم لك فهي فاطمة بنت رسول الله - (ص) فتلك أفخر له إن كنت تعقل والسلام ([66]) .

ــ 11 ــ

مسجدها عليها السلام

قال ابن الجهم: سمعت الرضا (ع) يقول موضع الاُسطوانة ممّا يلي صحن المسجد؛ مسجد فاطمة صلّى اللَّه عليها([67]).

وعن الحسين بن محمّد الأشعريّ، قال: حدّثني شيخ من أصحابنا يقال له: عبداللَّه بن رزين- و ساق الحديث إلى قوله فدخل فسلّم على رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و جاء إلى الموضع الّذي كان يصلّي فيه في بيت فاطمة (ع)، وخلع نعليه، و قام يصلّي.

وعن سهل بن زياد، عن أحمد بن محمّد بن أبي نصر، قال: سألت الرضا (ع) عن قبر فاطمة (ع)؟ فقال: دفنت في بيتها، فلمّا زادت بنواُميّة في المسجد صارت في المسجد.

قال العلّامة السمهودي الشافعي في الفصل الّذي ينقل و يذكر فيه ما جاء في أساطين المسجد النبويّ صلى الله عليه و آله: و منها اُسطوانة التهجّد، أسند يحيى بن عيسى بن عبداللَّه، عن أبيه، قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه و آله يخرج حصيراً كلّ ليلة إذا انكفت الناس، فيطرح وراء بيت عليّ (ع) ، ثمّ يصلّي صلاة الليل...

قال عيسى: و حدّثني سعيد بن عبداللَّه بن فضيل، قال: مرّ بي محمّد بن الحنفية و أنا اُصلّي إليها، فقال لي: أراك تلزم هذه الاُسطوانة هل جاءك فيها أثر؟ قلت: لا.

قال: فالزمها، فإنّها كانت مصلّى رسول اللَّه صلى الله عليه و آله من الليل.

وعن زيد بن ثابت: إنّ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله اتّخذ حجرة- قال: حسبت إنّه قال من حصير- في رمضان، فصلّى فيها ليالي.

و قال المطريّ في بيان موضع هذه الاُسطوانة: هي خلف بيت فاطمة (ع)، والمواقف إليها يكون باب جبرئيل (ع).

وعن جابر بن عبداللَّه الأنصاريّ- في حديث طويل و كان بيتها سلام اللَّه عليها ملاصق بيت رسول اللَّه صلى الله عليه و آله الّذي ينفرد به لنفسه من أزواجه.

و قال السمهودي: قال ابن زبالة: حدّثني عبدالعزيز بن محمّد، عن بعض أهل العلم، قال: قدم الوليد بن عبدالملك حاجّاً، فبينا هو يخطب الناس على منبر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله إذ حانت منه التفاتة، فإذا بحسن بن حسن بن عليّ بن أبي طالب : في بيت فاطمة (ع) في يده مرآة ينظر فيها. فلمّا نزل أرسل إلى عمر بن عبدالعزيز و هو عامله بالمدينة، فقال: لا أرى هذا قد بقي بعد([68]).

ــ 11 ــ

صدقاتها عليها السلام

لفاطمة أوقاف عدة وصدقات في المدينة المنورة قد نص عليها المؤرخون الا أنّها صودرت فيما صودر من آثار البيت النبوي المطهر ومنها:

ام العيال: وهي عين تخر من جبل قرب المدينة يسمى(آره) يقابل قدسا من اشمخ ما يكون من الجبال، احمر تخر جوانبه عيوناً، على كل عين قرية فمنها: الفرع، وام العيال، والمضيق، وسميت القرية باسم العين ام العيال، عن عزام انها صدقة فاطمة الزهراء([69])

ونخلات فاطمة: في صحن المسجد النبوي الشرقي المجاور لباب النساء كانت بئراً ونخلات، نخلتان او ثلاث موجودة الى عهد قريب ذكرها المستشرق بور خارت قائلاً: انها مقدسة وتنسب الى الزهراء (ع) لأنها غرستها بيدها الشريفة([70]).

وأوقافها (ع) حيث كان لها سبعة بساتين وقفتها على بني هاشم وبني عبد المطلب وهي (العواف، والذلال، والبرقة، والمبيت، والحسني، و الصافية، ومال أم إبراهيم)([71]).

وجزيرة فاطمة: كان في المسجد النبوي عند الروضة جذعة تسمى جزيرة فاطمة وكانت عالية يتطاول الزائرون ليلمسوها ويتبركوا بها ([72]).

ــ 12 ــ

قبرها عليها السلام

وفي خاتمة المطاف اختصت الزهراء (ع) بأشجى مزية وامضها على قلوب شيعتها، نعم لقد ماتت الزهراء (ع) البنت الوحيدة لنبي الاسلام بين المسلمين ولكن خفي عليهم مكان قبرها، ان خفاء قبر فاطمة من أكبر الآيات الدالة على غضب فاطمة صلوات الله عليها على المتآمرين عليها وهو متواتر، عن أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت الرضا (ع) عن قبر فاطمة (ع) فقال: دفنت في بيتها فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد ([73]).

وعن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ومنبري على ترعة من ترع الجنة لان قبر فاطمة صلوات الله عليها بين قبره ومنبره وقبرها روضة من رياض الجنة وإليه ترعة من ترع([74]) الجنة([75]).

وروي انه لما توفيت صلوات الله عليها وعلى أبيها، وبعلها وبنيها صاحت أهل المدينة صيحة واحدة واجتمعت نساء بني هاشم في دارها، فصرخن صرخة واحدة كادت المدينة ان تزعزع من صراخهن وهن يقلن: يا سيدتاه يا بنت رسول الله، واقبل الناس مثل عرف الفرس إلى علي (ع) وهو جالس، والحسن والحسين8 بين يديه يبكيان فبكى الناس لبكائهما، وخرجت أم كلثوم وعليها برقعة وتجر ذيلها، متجللة برداء عليها تسحبها وهي تقول: يا أبتاه يا رسول الله، الآن حقا فقدناك فقدا لإلقاء بعده أبداً واجتمع الناس فجلسوا، وهم يرجون وينظرون ان تخرج الجنازة، فيصلون عليها وخرج أبو ذر فقال: انصرفوا فإن ابنة رسول الله (ص) قد أخر اخراجها في هذه العشية فقام الناس وانصرفوا، فلما ان هدأت العيون، ومضى من الليل، أخرجها علي والحسن والحسين (ع)، وعمار والمقداد، وعقيل والزبير، وأبو ذر وسلمان وبريدة، ونفر من بني هاشم وخواصه صلوا عليها، ودفنوها في جوف الليل وسوى على حواليها قبورا مزورة مقدار سبعة حتى لا يعرف قبرها. وقال بعضهم من الخواص: قبرها سوى مع الأرض مستويا، فمسحها مسحا سواء مع الأرض حتى لا يعرف أحد موضعه.

وقالوا: ليس قبرها بالبقيع، إنما قبرها بين رسول الله (ص) ومنبره لا ببقيع الغرقد وتصحيح ذلك قوله (ع) بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة، إنما أراد بهذا القول قبر فاطمة (ع).

قال الأصبغ بن نباتة: سئل أمير المؤمنين (ع) عن علة دفن فاطمة بنت رسول الله (ص) فقال (ع): انها كانت ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها وحرام على من يتولاهم ان يصلى على أحد من ولدها ([76]).

وروي أنها قبضت لعشر بقين من جمادى الآخرة، وقد كمل عمرها يوم قبضت ثماني عشرة سنة، وخمسة وثمانين يوما بعد وفاة أبيها، فغسلها أمير المؤمنين (ع)، ولم يحضرها غيره، والحسن، والحسين، وزينب، وأم كلثوم، وفضة جاريتها، وأسماء بنت عميس، وأخرجها إلى البقيع في الليل، ومعه الحسن والحسين، وصلى عليها، ولم يعلم بها، ولا حضر وفاتها، ولا صلى عليها أحد من سائر الناس غيرهم، ودفنها في الروضة، وعفى موضع قبرها، وأصبح البقيع ليلة دفنت وفيه أربعون قبرا جددا ؟ وإن المسلمين لما علموا وفاتها جاءوا إلى البقيع، فوجدوا فيه أربعين قبرا، فأشكل عليهم قبرها من سائر القبور، فضج الناس ولام بعضهم بعضا، وقالوا: لم يخلف نبيكم فيكم إلا بنتا واحدة، تموت وتدفن ولم تحضروا وفاتها ولا دفنها ولا الصلاة عليها ! بل ولم تعرفوا قبرها ! فقال ولاة الأمر منهم: هاتوا من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور حتى نجدها فنصلي عليها ونزور قبرها. فبلغ ذلك أمير المؤمنين (ص) ، فخرج مغضبا قد احمرت عيناه، ودرت أوداجه، وعليه قباؤه الأصفر الذي كان يلبسه في كل كريهة، وهو يتوكأ على سيفه ذي الفقار، حتى ورد البقيع، فسار إلى الناس من أنذرهم، وقال: هذا علي بن أبي طالب قد أقبل كما ترونه، يقسم بالله لئن حول من هذه القبور حجر ليضعن السيف في رقاب الآمرين. فتلقاه عمر ومن معه من أصحابه، وقال له: مالك يا أبا الحسن، والله لننبشن قبرها ولنصلين عليها. فضرب علي (ع) بيده إلى جوامع ثوبه فهزه ثم ضرب به الأرض، وقال له: يا ابن السوداء، أما حقي فقد تركته مخافة أن يرتد الناس عن دينهم، وأما قبر فاطمة فوالذي نفس علي بيده لئن رمت وأصحابك شيئا من ذلك لأسقين الأرض من دمائكم، فإن شئت فاعرض يا عمر. فتلقاه أبو بكر فقال: يا أبا الحسن، بحق رسول الله وبحق من فوق العرش إلا خليت عنه، فإنا غير فاعلين شيئا تكرهه. قال: فخلى عنه وتفرق الناس ولم يعودوا إلى ذلك([77]).

وعن محمد بن جبرئيل، قال: رأيت الحسن بن علي (ع) وقد استسقى ماء، فأبطأ عليه الرسول، فاستخرج من سارية المسجد ماء فشرب وسقى أصحابه، ثم قال: لو شئت لسقيتكم لبنا وعسلا. فقلنا: فاسقنا. فسقانا لبنا وعسلا من سارية المسجد، مقابل الروضة التي فيها قبر فاطمة (ع)([78]).

وقال المسعودي: ودفن (ع) بالبقيع مع أبيه وجده، وله خمس وستون سنة، وقيل: أنه سم، وعلى قبورهم في هذا الموضع من البقيع رخامة، مكتوب عليها: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمــد لله مبيد الأمم، ومحيي الرمم، هذا قبر فاطمة بنت رسول الله (ص) سيدة نساء العالمين، وقبر الحسن بن علي بن أبي طالب، وعلي بن الحسين بن علي بن أبي طالب، ومحمـد بن علي، وجعفـر بن محمد رضي الله عنهم([79]).

 وعلق الشيخ عباس القمي على ذلك قائلا: صلوات الله عليهم، فقد رفعهم الله من أن يقال: فيهم رحمهم الله، وأما فاطمة التي دفنت الأئمة : معها، فهي فاطمة بنت أسد أم أمير المؤمنين (ع)، وأما فاطمة بنت رسول الله (ص) وعليها، فالظاهر إنها دفنت في بيتها كما حقق ذلك في محله ([80]) .

 قال الشيخ الصدوق: اختلفت الروايات في موضع قبر فاطمة سيدة نساء العالمين (ع)، فمنهم من روى أنها دفنت في البقيع ، ومنهم من روى أنها دفنت بين القبر والمنبر وأن النبي (ص) إنما قال: ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة لان قبرها بين القبر والمنبر ، ومنهم من روى أنها دفنت في بيتها فلما زادت بنو أمية في المسجد صارت في المسجد وهذا هو الصحيح عندي، وإني لما حججت بيت الله الحرام كان رجوعي على المدينة بتوفيق الله تعالى ذكره، فلما فرغت من زيارة رسول الله (ص) قصدت إلى بيت فاطمة (ع) وهو من عند الأسطوانة التي تدخل إليها من باب جبرئيل (ع) إلى مؤخر الحظيرة التي فيها النبي (ص) فقمت عند الحظيرة ويساري إليها وجعلت ظهري إلى القبلة واستقبلها بوجهي وأنا على غسل وقلت:

«السلام عليك يا بنت رسول الله، السلام عليك يا بنت نبي الله، السلام عليك يا بنت حبيب الله، السلام عليك يا بنت خليل الله، السلام عليك يا بنت صفي الله، السلام عليك يا بنت أمين الله، السلام عليك يا بنت خير خلق الله، السلام عليك يا بنت أفضل أنبياء الله ورسله وملائكته، السلام عليك يا ابنة خير البرية، السلام عليك يا سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين، السلام عليك يا زوجة ولي الله وخير الخلق بعد رسول الله، السلام عليك يا أم الحسن والحسين سيدي شباب أهل الجنة، السلام عليك أيتها الصديقة الشهيدة، السلام عليك أيتها الرضية المرضية السلام عليك أيتها الفاضلة الزكية، السلام عليك أيتها الحورية الانسية، السلام عليك أيتها التقية النقية، السلام عليك أيتها المحدثة العليمة، السلام عليك أيتها المظلومة المغصوبة، السلام عليك أيتها المضطهدة المقهورة، السلام عليك يا فاطمة بنت رسول الله ورحمة الله وبركاته، صلى الله عليك وعلى روحك وبدنك، أشهد أنك مضيت على بينة من ربك وأن من سرك فقد سر رسول الله (ص) ، ومن جفاك فقد جفا رسول الله (ص)، ومن آذاك فقد آذى رسول الله (ص)، ومن وصلك فقد وصل رسول الله (ص)، ومن قطعك فقد قطع رسول الله (ص)، لأنك بضعة منه وروحه التي بين جنبيه، كما قال عليه أفضل سلام الله وصلواته اشهد الله ورسله وملائكته إني راض عمن رضيت عنه، ساخط على من سخطت عليه، متبرئ ممن تبرأت منه، موال لمن واليت، معاد لمن عاديت، مبغض لمن أبغضت، محب لم أحببت، وكفى بالله شهيدا وحسيبا وجازيا ومثيبا».

 ثم قلت: اللهم صل وسلم على عبدك ورسولك محمد بن عبد الله خاتم النبيين وخير الخلائق أجمعين، وصل على وصيه علي بن أبي طالب أمير المؤمنين وإمام المسلمين وخير الوصيين، وصل على فاطمة بنت محمد سيدة نساء العالمين، وصل على سيدي شباب أهل الجنة الحسن والحسين، وصل على زين العابدين علي بن الحسين، وصل على محمد بن علي باقر علم النبيين، وصل على الصادق عن الله جعفر بن محمد، وصل على كاظم الغيظ في الله موسى بن جعفر، وصل على الرضا علي بن موسى، وصل على التقي محمد بن علي، وصل على النقي علي بن محمد، وصل على الزكي الحسن بن علي، وصل على الحجة القائم ابن الحسن بن علي، اللهم أحي بن العدل، وأمت به الجور، وزين بطول بقائه الأرض، وأظهر به دينك وسنة نبيك حتى لا يستخفى بشيء من الحق مخافة أحد من الخلق واجعلنا من أعوانه و أشياعه والمقبولين في زمرة أوليائه يا رب العالمين، اللهم صل على محمد وأهل بيته الذين أذهبت عنهم الرجس وطهرتم تطهيرا ". قال مصنف هذا الكتاب - رحمه الله -: لم أجد في الاخبار شيئا موظفا محدودا لزيارة الصديقة (ع) فرضيت لمن نظر في كتابي هذا من زيارتها ما رضيت لنفسي والله الموفق للصواب وهو حسبنا ونعم الوكيل([81]).

هذه نبذة مختصرة مما اختصت به صلوات الله عليها، ولها بأبي وأمي من الفرائد التي لا يدانيها الفكر والتصور والخيال شرفاً ومقاماً.


*  هوامش البحث  *

([1]) الأمالي ص 208.

([2]) مناقب أمير المؤمنين (ع) ج 2 ص 158 .

([3]) مستدرك الوسائل ج 6 ص 511، عيون أخبار الرضا (ع) ج 2 ص 216.

([4]) مناقب أمير المؤمنين (ع) ج 2 ص 460 .

([5]) الأمالي المفيد ص 49، الأمالي المفيد ص 95، مختصر بصائر الدرجات ص 187 .

([6]) انساب الاشراف، ج1، ص586 ،الإمامة والسياسة، ص12، تاريخ الطبري، ج2، ص443، العقد الفريد، ج 4، ص 268، الوافي بالوفيات، ج6، ص17، الملل النحل للشهرستاني، ج1، ص57،شرح نهج البلاغة، ج2، ص46 و 47، مروج الذهب، ج3، ص301،ميزان الاعتدال، ج 1، ص 139,عبد الفتاح عبد المقصود، علي بن أبي طالب ،ج4، ص276.

([7]) معجم البلدان: ج 1 ص 519، كتب الشيخ عباس القمي كتابا في مناقب الزهراء اسماه: بيت الأحزان: في مصائب سيدة النسوان البتول فاطمة الزهراء 3.

([8]) مناقب آل أبي طالب: ج 3 ص 41.

([9]) الخصائص الفاطمية: ج 1 ص 536.

([10]) الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل: ج 10 ص 14.

([11]) بحار الأنوار: ج 43 ص 174 .منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: ج 13 ص 21 .

([12]) النص والاجتهاد , ص 301 .

([13]) تاريخ آل سعود ج 1 / 158. كشف الارتياب في أتباع محمد بن عبد الوهاب ص 55 و 187 و 324 و 86، أعيان الشيعة ج 2 / 7، الصحيح من سيرة النبي الأعظم ج 1 / 81، آل سعود من أين إلى أين ص 47 .

([14]) الذريعة: ج 7 ص 52.

([15]) ظرافة الاحلام ص 169 .

([16]) المناقب ج3 ص 138.

([17]) منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة: ج 13 ص 21

([18]) الكافي: ج 1 ص 527، الوافي: ج 2 ص 309.

([19]) الكافي: ج 1 ص 532.

([20]) عيون أخبار الرضا ( ع ): ج 1 ص 52.

([21]) عيون أخبار الرضا ( ع ): ج 1 ص 51 .

([22]) بصائر الدرجات: 143 / 12 باب في الأئمة انهم عندهم الصحيفة.

([23]) تفسير نور الثقلين ج 5 ص 411 .

([24]) شرح الزيارة الجامعة ص 81 .

([25]) بصائر الدرجات 39.

([26]) بصائر الدرجات ص 171 .

([27]) بصائر الدرجات ص 177 .

([28]) بصائر الدرجات ص 177 .

([29]) قال ابن الأثير في النهاية: يقال مجلت يده تمجل مجلاً ومجلت تمجل مجلاً إذا ثخن جلدها وتعجّر وظهر فيه شبه البثر من العمل بالاشياء الصلبة الخشنة، ومنه حديث فاطمة (ع) انها شكت إلى علي مجل يديها من الطحن (مادة مجل).

([30]) اللفاع: اللحاف أو الكساء.

([31]) الشيخ الصدوق، علل الشرائع ج2 ص54-55.

([32]) الرقيق: المملوك (واحد وجمع)، والرقيق :العبد... وقد رقّ فلان: أي صار عبداً، وسمي العبيد رقيقاً لأنهم يرقّون لمالكهم ويذلون ويخضعون. (انظر لسان العرب ج10 ص124).

([33]) النعمان بن محمد بن منصور، دعائم الاسلام، ج1 ص168.

([34]) ابن شهر آشوب، مناقب آل أبي طالب، ج3 ص124.

([35]) قال ابن منظور: «يقال: سناها الغيث يسنوه فهي مّسْنوّة ومَسْنيّة يعني: سقاها... والسواني: جمع سانية وهي الناقة التي يُستقى عليها، ومنه حديث فاطمة (ع) (لقد سنوتُ حتى اشتكيت صدري» (لسان العرب ج14 ص404 مادة "سنا"). ومعنى كلام أمير المؤمنين (ع) أني سقيتُ بالقربة حتى أثّر في صدري فاشتكيتُ منه.

([36]) سبط بن الجوزي، تذكرة الخواص، ص311.

([37]) الصفة: سقيفة في مسجد رسول الله (ص) كانت مسكن الغرباء والفقراء، ومنه أهل الصفة من المهاجرين لم يكن لهم منازل ولا أموال. (مجمع البحرين للطريحي ج5 ص82).

([38]) القطيفة: دثار مخمل، وقيل كساء له خمل، والجمع: القطائف. (لسان العرب: مادة "قطف"، ج9 ص286).

([39]) أي: همّا بالقيام.

([40]) ابن الكواء: اسمه عبد الله، خارجي ملعون وهو الذي قرأ خلف علي (ع) جهراً ﴿وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنْ الْخَاسِرِينَ﴾ (الزمر:65) وكان علي (ع) يؤم الناس ويجهر بالقراءة فسكت علي (ع) حتى سكت ابن الكواء ثم عاد في قراءته، حتى فعله ابن الكواء ثلاث مرات، فلما كان في الثالثة قال أمير المؤمنين (ع): ﴿فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلاَ يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لاَ يُوقِنُونَ﴾ (الروم: 60) وهو الذي سأل أمير المؤمنين(ع) عن مسائل شتى فأجابه.. والكواء: الخبيث الشتّام. (الكنى والألقاب للشيخ عباس القمي ج1 ص396).

([41]) ابن حجر العسقلاني، الإصابة في تمييز الصحابة ج4 ص368، وذكرها ابن سعد في طبقاته ج8 ص25 مع اختلاف طفيف.

([42]) أحمد زيني دحلان، السيرة النبوية والآثار المحمدية ج3 هامش السيرة الحلبية ص302.

([43]) الشيخ ولي الدين محمد بن عبد الله الخطيب، مصابيح الانوار ج1 ص733.

([44]) المصدر نفسه ج1 ص733.

([45]) الحافظ أبو نعيم الاصبهاني، حلية الأولياء ج2 ص41.

([46]) الحافظ أبو نعيم الاصبهاني، حلية الأولياء، ج2 ص41.

([47]) العلامة القسطلاني، ارشاد الساري بشرح صحيح البخاري ج6 ص639.

([48]) مناقب ال ابي طالب 3/349.

(1) تفسير العياشي ج1، ص310.

(1) الاختصاص ص178.

([51]) تفسير القمي 2/ 155.

([52]) قال العلامة المجلسي: أي ضعي الحبال في رقابنا لترفعنا إلى حاكم، قاله تحقيرا وتعجيزا وقاله تفريعا على المحال بزعمه أي انك إذا أعطيت ذلك وضعت الحبل على رقابنا وجعلتنا عبيدا لك أو انك إذا حكمت على ما لم يوجف عليها أبوك بأنها ملكك فاحكمي على رقابنا أيضا بالملكية. وفى بعض النسخ بالمعجمة أي ان قدرت على وضع الجبال على رقابنا فضع.

([53]) الكافي: ج 1 ص 543.

([54]) قال الفيروزآبادي إيه بكسر الهمزة والهاء وفتحها، وتنون المكسورة، كلمة استزادة واستنطاق، وقال: هيه بالكسر كلمة استزادة وقال: الربدة بالضم لون إلى الغبرة وقد اربد وارباد

([55]) المناقب ج 3 ص 427 .

([56]) وفاء الوفا للسمهودي ج 1 ص 572 أعيان الشيعة: ج 1 ص 313 .

([57]) وفاء الوفا للسمهودي ج 1 ص 513.

([58]) بشارة المصطفى ص 109 .

([59]) نيل الأوطار: ج 6 ص 139.

([60]) نيل الأوطار: ج 6 ص 139.

([61]) مجمع الزوائد: ج 4ص 224 كتاب الأربعين للشيخ الماحوزي ص 72 .

([62]) مجمع الزوائد: ج 6 ص 301.

([63]) تحف العقول عن آل الرسول ( ص )، ص 404 .

([64]) إمتاع الأسماع للمقريزي ج 6 ص 3.

([65]) إمتاع الأسماع للمقريزي ج 6 ص 3.

([66]) الإيضاح , ص 549 ..

([67]) قرب الاسناد ص 392 .

([68]) الكافى: 2/ 359 ح 9، باب مولد الزهراء (ع) فاطمه الزهراء (ع) بهجه قلب المصطفى (ص): 585 و586.

([69]) المغانم المطابة ص 6.

([70]) موسوعة العتبات المقدسة قسم المدينة ص 250.

([71]) مستدرك ما فات اهل الدار ص مستدرك ما فات اهل الدار ص 103.

([72]) نصيحة المشاور ص 241.

([73]) الكافي: ج 1 ص 461، معاني الأخبار , ص 267.

([74]) الترعة - بضم المثناة الفوقانية ثم المهملتين - في الأصل هي الروضة على مكان المرتفع خاصة فإذا كانت بالمطمئن فهي روضة .

([75]) معاني الأخبار , ص 267.

([76]) روضة الواعظين ص 151 .

([77]) دلائل الامامة ص 135 .

([78]) دلائل الامامة ص 170.

([79]) مروج الذهب: ج 3 ص 285 .

([80]) الأنوار البهية ص 174.

([81]) من لا يحضره الفقيه: ج 2ص 572 .