البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

السلفية

الباحث :  م ح
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  8
السنة :  السنة الثالثة - جمادى الآخره 1437هـ / 2016م
تاريخ إضافة البحث :  April / 17 / 2016
عدد زيارات البحث :  14653
تحميل  ( 401.596 KB )
(1)

السلفية بالمعنى العقائدي والفقهي

أو فكريا وثقافياً

في المقال الأول كان بودنا أن نتناول مسألة السلفية بمنظور قطاعي، أو في حيز جغرافي معين ولتكن الجزائر، وحاولنا أن نتقمص روح الموضوعية والعقلانية والحياد أو اتخاذ مسافة واحدة من المنظومات العقائدية والفقهية، وآلينا على أنفسنا أن تتسم مقاربتنا، بشيءٍ من التميز والتجديد وأن تبتعد قدر الإمكان عن الأساليب المعهودة، والمفاهيم والمصطلحات الدارجة، أو المكررة على نحو ممل، حتى لاننزلق أو نكبكب الى الغرق في سجال لا ينصر قضية، ولا يهزم خصم، ونفقد القدرة على التشريح والمراجعة، والنقد، أو نفسر الماء بالماء.

أ ـ السلفية بمعاني ودلالات عصرنا:

وهل تعني السلفية شيئاً آخر، غير حصر معاني النصوص ودلالاتها، التي تتخذها مرجعاً وسنداً، وتركيزها، وتكثيفها، وتضخيمها وتعظيمها، إلى الحد الذي يخرجها من أصالتها، ويفقدها هويتها التي لا تتم وتكتمل، أو لايحتمل أن تتجلى وتظهر، بالقدر الذي ييسر لها التنزيل على الواقع، من دون بروز مضعفات، أو حصول رجات وفجوات، ما لم ينتبه الى مكانة هذه النصوص، وموقعها، وعلاقاتها، وارتباطاتها، بمجمل النصوص، قرآنية وحديثية، واستؤنس بفهوم العلماء والمراجع لها عبر الحقب والعصور، وفي مختلف الظروف، على تعاكسها وتجددها، وما يمكن أن تحمل من صدمات ومفاجآت، عفواً على السهو والنسيان مرة، وعلى التعسف والمكابرة مرة اخرى، وعلى الحيلة والمراوغة مرة ثالثة، وعلى مابالنفس من بقايا الجاهلية أحياناً، ومن الجاهلية في حالتها البكر، أو بتمام هويتها، وكامل ذاتيتها، أحياناً اخرى، فكراً ووجداناً وسلوكاً، إن هذه الصيغة، أو المنظومة، تعبر عن عناصر مختلف العلوم الإسلامية في اتساقها، وروحها، وصدق تمثيلها للإسلام الحق أو (الإسلام الأصيل) والنموذج الإدراكي الذي تحمله، أو تسكبه في عقول معتنقيها، أو تلهمهم إياه، فيغدو قناعة راسخة، أو بعداً تكوينياً، يطفو على الجسد، وتصرخ به ملامح الوجه، فضلاً عن القوة الإدراكية، وحينئذ لا تسأل عن السلوك كيف يكون؟!، ولا كيف تكون مخرجاته ؟!

لم تنبثق هذه الصيغة، وهذه المنظومة بغتة، ومن دون سابق إنذار وتنفجر وتتشظى في زمننا هذا، وفي عصرنا الحالي، فتثير الاستغراب والاندهاش، وتغشانا بهيجان أمواجها المخيفة، أو بغضب رياحها العاصفة التي تنسف الاستقرار، وتقتلع الثبات وتبعد النشاط الذي تكون به حماية البيضة، والدفاع عنها، والذي يكون به بعث العمران والدفع به الى النمو والازدهار، أو الى التجاوز والرقي، عمل واحد يتقنه هؤلاء، ويفنون في الإخلاص له، هو تبديد الإمكانيات، واستهلاك التاريخ على نحو صبياني، أو بعبث طفولي، وما يؤسي، ويثير الحفيظة، ويحدث خللاً في العقل، واختلالاً في الشريعة، شكل تعاطيهم، مع النصوص تدبرا وتصريفاً لها، على غير هدى، أو بهوى جامح، ما أفضع العشوائية والتخبط، وما أفضح التساهل والارتجالية ؟؟!!

لهؤلاء سلف في التاريخ، ولهذا النبات شتلة في الماضي، لم تخل منه أي من التاريخ فترة من فتراته الحاسمة، ولا محطة من محطاته المفصلية، برزوا في حياة النبي الأكرم (ص) ولكن بروزهم كان بشكل ضيق جدا وبخجل وعلى استحياء، إلا أن هناك ملامح لم تتبين بوضوح، والقبض عليها أو الإمساك بها، بنحو التمكن والحيازة، يحتاج الى ورشة عمل، تتنطح لقراءة النصوص بما فيها نص التاريخ على مهل وبتأنٍ شديد، أن قدراً من الفهم والتعقل مشتركاً، بينهم وبين جسم المنافقين، وهو كبير ومعرفته بديهية، تواطأت عليه جميع فرق المسلمين، أو أنهم والمنافقين، يتواجدون في موقع واحد، أو في مواقع متقاربة ومتجاورة، أما في عهد الإمام علي (عليه أفضل الصلاة والسلام)، فقد خرجوا الى العلن، وبرزوا للعداوة، وانتصبوا للاستئصال، وجفوا المودة، فاض كيدهم، وانهمر غضبهم وسخطهم، على موضع كانوا قد غادروه من قبل، موضع أو موقع الالتزام الشديد الملتبس بالمن والخيرة كاقتدار وانتزاع، لا كتوفيق إلهي وتأسٍ رسولي، أو كرحمة غامرة شملتهم واستغرقتهم، فأخرجتهم من ذواتهم، أو أنقذتهم من تملك غرائزهم وشهواتهم، ومن تحكم عصبياتهم، أو تفاقم أنانيتهم، كانوا الشوكة التي أصابت مسألة الحكم في الإسلام في خاصرته الضعيفة، ولم نبعد كثيرا اذا قلنا عكروا صفو الأجواء، وخلطوا الأمور أو دفعوا الفتنة الى أقصاها، فإذا أضفنا اليهم الذين كانوا في العتمة، حتى في حياة الرسول (ص)، وكانوا على أحر من الجمر في انتظار هذه الفرصة، حتى يهجموا وقد خلا لهم الجو وواتتهم الظروف، فإذا رفعنا رأسنا ومدينا ببصرنا الى قطاع آخر مهم وحساس من المجتمع في تلك الفترة يسمى (الطلقاء)، وهم الذين كانوا يسعون الى الالتفاف على الحقائق والمبادئ مذ دخلوا الى الإسلام واندمجوا في الكيان الوليد على مضض بتبييت نياتي، والحال أن هؤلاء رأس الأمر كله، أي (الطلقاء)، ولا تسأل عن براعتهم، أو حرفيتهم في الإصطياد في الماء العكر ؟!، والحال هذه، أو بالإحالة الى هذه الحيثيات، وقد اكتملت نموا ونضوجاً، وتمت ارادة وقدرة على مباشرة الفعل، ومسك الواقع من خلال تناقضاته، والهيمنة عليه وإخضاعه وشده الى المصلحة الخاصة، من خلال تصدعاته وشقوقه، وكان ذلك ممكنا أو لينا وطيعا وتحت اليد تحكما وتصريفا، أو تلاعبا وتزييفا، أو قلبا ومسخا، بعد العصر النبوي، وفترة من بعده، ليست بالطويلة ولا القصيرة، - وإن ساورها قلق وتوتر، أو هزها تطلع واستشراف للسلطة ـ لم تزايلها القداسة، وان خفت وبدت قابلة للاختراق، ولم يفارقها المعنى، بكل جماله وجلاله، وبكل قوته وعنفوانه، حيث سور المجتمع الوليد في عصر النبوة، وصار له أرضا وسقفاً، وغدا ضبطا دقيقا، وقانونا مرعيا، على جميع المستويات، وفي معظم المراتب والدرجات، بحيث تم الاستغناء عن حق استعمال العنف، المادي خاصة، في أغلب الأحوال، وفي مختلف الوضعيات، والظروف، ولكنه فيما بعد أي: في عصر الصحابة، فترت حدته، وخبا توهجه، أو مال الى ذلك وبدا يسري فيه الوهن، في هذا الحين أو في هذه الأجواء التي بدأت تنزاح عن السوية، أو تغشاها حالة غير اعتيادية، إذ أخذ شيء من الشذوذ الفكري والسلوكي والعلائقي، يطفو على السطح، فور مغادرة الرسول الأكرم (ص) الحياة والتحاقه بالرفيق الأعلى، عفوا بل في اللحظات الأخيرة من لمعة الحياة المقدسة وهي تودع، وبقية النفس الشريف، وقد أخذته الرحمة والشفقة والرأفة بما قد ينشأ مما قد لا تحمد عقباه من وقائع تؤزم حياتهم، وتؤشكل الفهم والوعي الذي استودعه إياهم، وتحدث خللا في النفوس وفي الروابط، أو تميل بهم الى مزاج يستمرئ الخوض في الظنون والشكوك، ويستلذ الرحيل أو السفر في مطاوي الأوهام، ومراكب أضغاث الأحلام، وركوب أجنحة الأخيلة، ظنا به عليهم من هذا كله (ص)، طلب منهم الوسائل أو الأدوات ليكتب لهم وصية، تحملهم على الجادة، وتلزمهم التمهل والتوءدة، أو الرزانة والاعتدال، وتعصمهم من الاختلاف المضر، والتلاحي والشقاق المشين، والمؤذي، وحفظ نصاب السلطة من التلاعب، أو المزايدات، أو وضع النقاط على الحروف في مسألة الشرعية والمشروعية، لكن القوم خرجوا عن طورهم، وتعدوا حدودهم، وأدلوا بدلوهم فيما هم غير مؤهلين له، ولا هو من اختصاصهم، ولم يراعوا المقام، ولا خصوصية اللحظة الفارقة، ارتفع اللغط وسادت موجة من الضجيج، فكبر على النبي الأكرم (ص)، أن يحصل هذا في حضرته، فطلب منهم الانصراف وقال: «لاينبغي الخصام عندي».

قال تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾(1).

وقال أيضاً: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيدًا﴾ (2).

وقال سبحانه: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِّنْ أَنفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾(3).

وقال أيضاً: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾ (4).

وقال أيضاً: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾(5).

عن أنس بن ماك، عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه [وآله] وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين».

وفي رواية لمسلم: «حتى أكون أحبَّ إليه من أهله وماله والناس أجمعين»، وبنحوه ورد عند البخاري من حديث أبي هريرة (6).

إن المرء ليتساءل ويتساءل بجد، أو بشكل ملحاح، لأن الحيرة تأخذ بخناقه، فلا تدعه يستقر على حال، ولاتسمح له بالركون الى وجه من الأوجه المتعددة، التي تتنازع الحقيقة، إن التردد والمراوحة، في المكان لها نتائجها الوخيمة، ودلالاتها غير المريحة، على مستوى التصرف والتدبير، وعلى مستوى بناء السلوك الفردي، وعمارة المجتمع كمجتمع مترابط متسق، في كل ما يأتيه ويدعه، متناغم مع ما يعتقده، ويدين به، أو يتمتع باستقرار معرفي (إبستيمولوجي) على مستوى قناعته، ومن ثمّ لايصدر في تعقله وتفكيره، إلا عن حيثية هذه القناعة، ولايمشي إلا بهدى هذه البوصلة، أما وقد حدث تزحزح أو إنزياح، عن المفعول العقائدي، والأرضية المعرفية، وإن بمنسوب متواضع أو شحيح في أول أمره، وفي إبان حصوله، فهو خرق أو تضعضع نشأ في الوقت المحرج والمحرج جداً، ولم يتداع إليه لتلافيه أو محاصرته، ريثما يتم إصلاحه أو ترميمه.

وإذا وضعنا في الحسبان أن مرحلة هؤلاء الخلفاء التي اكتنفها بعض الستر، وخمرها بعض الاستقرار، كانت في عمر الزهور وما أن شارفت على النهاية، واستعدت للانقضاء، حتى حصل المحذور، وانتصب المتربص والموتور، وخرجت الفتنة العمياء من جحورها، وألقت بظلها البارد على أرض الإسلام، وكما نعرف ويعرف غيرنا أن الفتنة ككرة الثلج كلما دحرجتها، كبرت وتضخمت.

قال الإمام علي (ع): «إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ الله وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالًا عَلَى غَيْرِ دِينِ الله فَلَوْ أَنَّ الْبَاطِلَ خَلَصَ مِنْ مِزَاجِ الْحَقِّ لَمْ يَخْفَ عَلَى الْمُرْتَادِينَ وَلَوْ أَنَّ الْحَقَّ خَلَصَ مِنْ لَبْسِ الْبَاطِلِ انْقَطَعَتْ عَنْهُ أَلْسُنُ الْمُعَانِدِينَ وَلَكِنْ يُؤْخَذُ مِنْ هَذَا ضِغْثٌ وَمِنْ هَذَا ضِغْثٌ فَيُمْزَجَانِ فَهُنَالِكَ يَسْتَوْلِي الشَّيْطَانُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ وَيَنْجُو الَّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنَ الله الْحُسْنى»(7).

وقال (ع): «كُنْ فِي الْفِتْنَةِ كَابْنِ اللَّبُونِ لَا ظَهْرٌ فَيُرْكَبَ وَلَا ضَرْعٌ فَيُحْلَبَ»(8).

وعن أبي هُرَيْرَةَ، عنه عَنْ النَّبِيِّ (ص) قَالَ: (يُقْبَضُ الْعِلْمُ، وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ، وَالْفِتَنُ، وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا الْهَرْجُ؟ فَقَالَ: (هَكَذَا بِيَدِهِ) فَحَرَّفَهَا، كَأَنَّه يُرِيدُ: الْقَتْلَ (9).

وقال الله تبارك وتعالى: «وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ»(10).

وقال سبحانه: ﴿لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالاً ولأَوْضَعُواْ خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ * لَقَدِ ابْتَغَوُاْ الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ وَهُمْ كَارِهُونَ * وَمِنْهُم مَّن يَقُولُ ائْذَن لِّي وَلاَ تَفْتِنِّي أَلاَ فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُواْ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ﴾(11).

وعليه فما ألم بمرحلة الصحبة حسب قولهم من هنات وعثرات وفلتات ناهيك عن رؤاهم السديمية أو الضبابية وعطل استيعابهم لمقومات الإسلام، وعمد الإيمان وأساسياته، فضلاً عن قراره ونضجه، وحينئذ فمن خطل الرأي أن ننتظر ظهور مقتضياتهما وانبساطها، وفيضان عطاءاتها، فضلاً عن الشريحة العريضة من الصحابة التي انسحبت من الساحة، أو سحبت، وقضت ما تبقي لها من العمر في العتمة، حتى كتب التاريخ والسير قفزت عليها، واستغفلتها أو تناستها، وقطاعات اخرى من المسلمين كالأنصار مثلاً، وهذه وإن نالت شيئاً من الذكر، وتمتعت بإشارات الى مشاركتها وأهميتها، إلا أن التقدير لها لم يكن وازنا، المهم أن عرى الحكم في الإسلام تضعضعت، وخربت، ثم سقطت سقوطاً مريعاً، وتولى الدفة الطلقاء، في واقع غاية في التركيب والتعقيد، وسارت الأمور في طريق كثير التعاريج والمنعطفات، أو دفعت في الجهة المقابلة والمعاكسة، لمقتضيات الإسلام ومطالبه، ومن طبيعة الأشياء التي لاتنفك عنها، أن يكون لكل سلطة قوة اجتماعية، أو قواعد شعبية، تسند سلطتها وحكمها، أو تحوطها كالسياج، فما كان منهم (أي: من الطلقاء) إلى أن وضعوا أيديهم على القوة التي كانوا يدخرونها، وخليطاً من المتعصبين الموتورين والغاضبين الذين ديدنهم العنف، والإرهاب، ووضيفتهم أن يحشروا الناس في الأماكن الضيقة، أو يسوقوهم في الدروب المسدودة، ولا نعدم أن نجد لهم اشارات وتنبيهات في السنة النبوية المطهرة، وفي القرآن الكريم، وليس هذا بمستغرب، أو مما يُتعجب منه، أو يصدم العقل ويحيره فهو معروف، ودارج الحصول، في كل المجتمعات البشرية، إنْ على مستوى الأديان أو مستوى المذاهب، أو مستوى الإديولوجيات، أو مستوى القوميات، وفي الفلسفة والأدب والفن، وإنما المستغرب، والمتحير منه على الحقيقة أن يحتل هذا الفريق العنفي والمتطرف، مركز الساحة، ووسط الجماعات والجماهير، أو أن يكتسب مبررات وجوده، ومسوغات خطابه، وشرعية رؤيته، بمعنى أن يقبل ويتبنى، وهذه هي الداهية العظمى، أو الخروج الصراح على العقل والنص والعرف، وخيانة الذات، ومناكفة السوية، أو هو النذر بالإنسلاخ من الأمانة، والشهادة، قال الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِن تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾(12).

في هذا الزمان وفي هذا المكان وفي هذا الجو، جو اختلاط الحابل بالنابل، أو فضاء الفوضى ومنهج ذر الرماد في العيون، تخلقت نطفة السلفية المشؤومة، أو منطق السلب الذي ينفي كل شيئ إلا ذاته وأفكاره، وهذا قبل التدوين، تدوين العقيدة، والفقه، والأخلاق، والتاريخ، والسير، والذي سيجد له مستقبلا مكاناً في المدونة الكبرى للعلوم الإسلامية، ومن ثمّ زخاً للإديولوجيا السلطوية، في عقول الناس ووجدانهم، متواتراً ومستمراً، وعليه فالمعارف تكون أقل وأضعف معرفية، مما نتوقع، والحقائق نسخاً باهتة للحقائق، لكن لحسن الحظ ورعاية القدر، أن الهاشميين، والأطهار منهم على الخصوص، لم يتركوا الأمر على عواهنه، غائماً ضبابياً بغير حد ولاقيد يعرف به، انكبوا على العلم يتدارسونه، ويدرسونه، وينشرونه، يكشفون حقائق الدين، ويبرزون معالمه، وتعهدوا الدعوة إليه، على ما يجب أن تكون عليه، جهداً وعنايةً وتتبعاً، وخدمة المؤمنين والنصح لهم، سروا في العروق وهرعوا الى المفاصل، سكناً وإقامة، توهجت معانيهم ولمعت رموزهم، أو تألقت واشتدّ ألقها ما كان مدعاة لزهد الناس في هيل وهيلمان السلطة، وامتعاظهم من المعارف التي تنتج في حجرها، معارف غسل الأدمغة، وتدجين الأجساد .

ب ـ سلفية المركز وسلفية الأطراف:

كيف نقتنص هذا المركز ونقبض عليه بوصفه أداة للفهم والتفسير أو للتفكيك والتشريح، أو مفهوماً يرسم لنا الخريطة، ويعطينا مفاتيح قراءتها، قد يكون هذا الأصل نصّاً، وقد يكون شخصية كارزماتية، وقد يكون منطقة جغرافية، وقد يكون ايديولوجيا، قوى اجتماعية معينة، وقد يكون مزاجاً وذاكرة ومخيلة، لم تغادر ما انطوت عليه من قبل، ولامعهودها، أي إنّها أرادت أن تدخل الدين الجديد في جحرها، ولم تشأ أن تخرج من جحرها الى فضاء الدين وحقول معارفه، وتقبل مايفرضه عليها الدين، ومعارفه، من تكيف وتكييف، أو بمعنى نافذ تأهيل ورسكلة.

 ومن تحصيل الحاصل، أن الانعطافة الى التراث الفكري والثقافي وخاصة الجانب السياسي منه، الذي انحدر إلينا من تلك الفترة المأزومة، أو اللحظة الحرجة والقلقة، حين ضربت الفتنة أوتادها، ونصبت خيامها، لا يشير ولايدل على معاني القرآن، ولا تمثل النبي الأعظم (ص) لها، ليس بمعنى التطابق، وهو مستحيل في حق القطاع الكبير من المسلمين، ولكن بالمعنى الراجح والظن القوي، الذي يلامس اليقين، بقدر مايشير ويدل على أن هذا الإرث الفكري والثقافي، هو نتيجة أو محصلة التكيف مع السلطة القاهرة، أو الغاشمة، أو الوقوع في استقطابها، وليس هو السيلان السلس، والإنصباب السهل والعفوي، للمعاني الثرة، المنبجسة، من قلب القرآن، ومن عقول الأفذاذ، ومن قمم العصمة، على بسيطة الإسلام، وصفحة سلطته، ما جعل المركز مركزا خطأ، وزحزح نقاط نفوذه، ومحتوى فعاليته، الى الأطراف والهوامش، أو الى الاستعدادات والقابليات، حيث المعطى البكر، والعقل المتوثب، أو حيث الاستضعاف، والقهر المادي والمعنوي، وغياب الفكر، والجوع الثقافي، في هذا المحيط، وفي هذا الجو، وفي هذه المناسبات والموافقات، التي التقت على نحو ما، برزت الرموز، وانتهضت ونشطت وتحركت وأعطت، فنشأت المعرفة ونمت وربت، فاستمالت قلوب الناس، فحصل وعي وفهم وتمييز، فنتأ صعيد الهدى وتجلى، كأفضل ما يكون التجلي، واستبان وهد الضلال، أو غسق الظلام، أو الانحراف والنكوث، فلم يعد خافياً، أو مشتبهاً وملتبساً، هنا في هذا المكان، مهبط نزول الوحي، وتهيئ جميع الإمكانيات، وتوفر جميع العناصر والعوامل، لتلقي الرسالة، على النحو الذي يجب أن تكون عليه، فهما وهضما وتمثلا، وعكساً لحقائقها، على الأرض توازناً بين المادة والروح، وتوازناً بين العقل والغرائز، وتسليطا للروح، وللإلهام، على التسخير المادي، أو المنجز الحضاري، أس الحضارة والمدنية، ونسغ ازدهارها، وانتاجها، واثمارها، حتى وان ضلت تلك السلطة، أو ذلك الملك، واستطاع أن يبقى قائماً يتمتع بالتحكم والضبط، والهيل والهيلمان، فإنه لم يستطع ولم يتمكن من أن يوقف أو يحد من موجات العلم والمعرفة والهدى التي كانت تغشى المجتمع وتخترق المناطق العصية فيه، فتمده بماء الحياة والحيوية، وبمصل الجد والاجتهاد، وباللحمة والتماسك، وبالأمل والطموح، ولم يشأ أن يقلب الأمر رأساً على عقب، ويدفع الى التغيير، بصورة الإكراه والعنت، أو بالشكل الذي لايراعي التدرج وتهيأ الأرض للقبول، فيوقع في الفتنة، أو الحيص بيص، بحيث يقابل بنقيض المقصود، ما نريد أن نقوله ونؤكد عليه بإلحاح، وإصرار، أن الحلول الجذرية، أو مسألة الخروج من المخانق، وإنهاء المآزق، وتجاوز الإشكاليات التي انغلقت على نفسها، وتأبت على التجاوز (في إطار السلطة السياسية والثقافية، أو المعنوية)، و طبعاً في الجهة الأخرى، وما نسميها في لغة عصرنا المعارضة، هذه الحلول المقترحة، طاوعت بسلاسة في الحيز الطرفي أين كانت تطبخ ثقافة جديدة، وكان العقل ينفتح ويرتقي وينضج ويراكم المكتسبات والإنجازات، أو التجارب والخبرات، في جو من الطهر والحرية، والإنضباط والإلتزام، وكانت الروح تتعملق وتتألق، لأنها اتصلت من جديد بالمنبع والمورد، وكانت القيادات تتكشف شيئاً فشيئاً للناس، وتتوضح ملامحها ومميزاتها، وطفق التطلع إليها والاِشْرِئْباب نحوها بالأعناق، وحينئذ لم يفتأ الناس يطلبونها ولو على جهة الأمل والطموح، ما جعل (السلفية) وهو اسم إشهاري ودعائي، أكثر منه إسم يتطابق مع المسمى، أو يحتوي حقائقه ويجليها، لأن سلطة تلك الأزمنة، كانت تدعم شرعيتها ومشروعيتها لهذا الإشهار، وأدرك الناس إدراكاً لاتشوبه شائبة الريب، خواء السلطة المخيف من كل معنى يحيل الى الإيمان، أو الإسلام، وحل خريف رموزها فتساقطت كتساقط أوراق أشجاره، وأصاب العطب شرعيتها ومشروعيتها، فتضعضع كيانها المادي، واهترأت أركانه، وبطلت فاعلية أدواتها التي استعملتها أول مرة للصعود، وهي كثيرة العصبية عمود خيمتها ..

ج ـ السلفية كلغة لقراءة الأصل :

إنّ السلفية بوصفها نشأة مستأنفة، أو صناعة لشيء يراد، أو لغرض استراتيجي، زرعت في أرضنا أو في أرض الإسلام، واختير لها المكان، واختير لها الجو الثقافي، واستجلبت لها سلطة، ودعمت لتتحالف معها، وترعاها وتحميها، واختيرت لها لغة، ومنهج، ومفاهيم، ومصطلحات، بعناية كبيرة، وكأنها نتاج مراكز الأبحاث، ودوائر التخطيط، وإن كانت لغتها في بساطتها وابتذاليتها تجاري لغة الكوبوي، أو لغة الهنبورغر، ليضمن لها الانتشار، بين غمار الناس ورعائهم، إن حرصهم وتشديدهم على الأصل، أو السلف الصالح، كما يقولون، يوحي للقارئ النبيه، وللمتأمل الذكي، بأنهم أولى بالمسلمين من الأصل، وبأنهم أولى بالمسلمين من أنفسهم، وإن استبدالهم الفقه، بالأحاديث والسنن، يوهم المسلمين بأنهم يتماهون مع الأصل، أو يتطابقون معه، فضلاً عن أنّهم يرمون الثروة الفقهية، في ساحة المهمل المهجور، وينبذون المعرفي أو (الإبستيمولوجي) كما يقال في عصرنا، أو البحث والاستقصاء والتنقيب، والمراجعة والنقد، وهي ميزات تحمد في عالم علمنا ومعرفتنا، وهي إن دلت على شيء تدلّ على عبقريات ومواهب وملكات، إن انطلق منها وبني عليها، في ميادين علمية اخرى فإنها تثمر ولاشك، وقراءتهم المذكورة سلفاً، تقتل إمكانيات الذكاء والتأمل، واستعمال العقل، وتقليب النظر، وهو عين تهافتها، وسر عقدتها، واذا حاكمناها بالأصل الذي تريد أن تركبه وتستوي عليه، أو تحوله الى عملة، وتنفقه وتصرفه، أو الى عصا تسوق بها الناس، الى الجنة، أو الى النار، أو الى ترياق يشفي المسلمين، من أن أمراض الزندقة، والهرطقة، والشرك، والنفاق، لم ينطلِ على ذوي الألباب، ولن يمر على أصحاب الحجى، لأنهم وهو يقرؤونهم ويتعاطون مع مقارباتهم، يطرحون على أنفسهم، سؤالا مهما ينشأ بأدنى التفات، وينتأ عفواً ومن دون تأمل عقل، وتدقيق نظر، أين مؤلفاتهم التي تضاهي مؤلفات الأقدمين، وأين طروحاتهم التي لا نقول تبز بل تقترب منها في العمق والإحاطة والاستدلال، وحسن التناول، ما يمكن أن نجزم به ونعده من إنجازاتهم (الفذة)، هو أنهم دفعونا للانكشاف، وسهلوا استباحتنا من ارتهان شخصيتنا الى سرقة مقدراتنا ..

د ـ السلفية والانتقاء في التعامل مع النصوص:

وتندرج قراءتها للأصل واستعادتها له في فوضاها في التعامل مع النصوص وحرف معانيها، وليّ أعناقها لتتلاءم مع خلفياتها ومسبقاتها، ولتدعم منطق هيمنتها، على فهوم ومدارس ومذاهب، وقضايا اعتقادية، وتيارات كلامية وفلسفية، أو لتمحوها وتلغيها من ساحة المسلمين، الدينية والمذهبية والثقافية، النص الأول الذي نال حيفهم، أو بعدهم وجفاءهم، هو النص القرآني، وهو على فرض كثرة تلاوتهم له، وإظهار الاحتفاء به، وامتداح من يدمن على تلاوته وتكراره، فهو لايحضر في جميع المواضيع، التي يطرقها، وفي جميع القضايا، التي يتناولها، في المعارف التي ينتجونها، وفي المسائل التي يجتهدون فيها، أو على الأقل يبدون رأياً فيها، يحضر فقط ويستدعى فحسب، في مواضيع محددة، ومسائل وقضايا منتقاة، أو تلجئ إليها الحاجة الإيديولوجية، والهواء السلطوي، والتقوي الشوفوني بالدين، بوصفه رأس مالٍ رمزيٍّ يسلم له المسلمون طراً، وينصرفون غير عابئين بشيء عن معظم المواضيع والقضايا والمسائل في حياتنا، تطلب القرآن أو تجد بغيتها في الذكر الحكيم، وهم في المواضيع التي يستدعون فيها القرآن، كالعقيدة، والتربية، فلا يستنكفون أن يأتوا بالعجب العجاب، أو بما يصدم عقول اليقظة، وبراهين الشرع الساطعة، ويخالف أعراف الصفوة وتقاليدها لعلماء الإسلام كالتجسيد والتجسيم، والتكفير، إذاً القرآن باعتبارات معينة عندهم مهجور، أما السنة القولية والفعلية، فهي لم تنجُ من تلاعبهم وعبثهم، ولم تفلت من نياتهم المبيتة، وأغراضهم المريضة، فأعملوا فيها تخريباً وفتكاً، سواءٌ في تصحيحها وتوثيقها، سنداً ومتناً، أو في تفسيرها وتنزيلها على الوقائع، وهذا من دون مراعاة لاختلاف الشروط والظروف والحيثيات ..

هـ ـ السلفية والتشويش على التاريخ :

إذا كانت عادة الأمم خاصة الحضارية منها، تلجأ الى تاريخ ثقافتها، وتاريخ أفكارها، فتعيد قراءتهم المرة بعد الأخرى، من منطلقات العصر الذي هي فيه، أو من مطالب الواقع وحاجاته، الذي هي منغمسة فيه، وتعانيه، ومن منطق المستضعف الذي يريد أن يتقوى، أو المتخلف الذي يريد أن يتقدم، أو المستعمر بأي صورة من الصور، الذي يريد أن يتحرر ويملك زمام أمره، ويدير حياته، على النحو الذي يحقق مصالحه، ويجعله في منعة من غيره، أو في عصمة من الاختراق، والانتهاك بما يمليه عليه دينه، وتقبله ثقافته، وتحتويه، أو تكيفه، في صيغ مرضية، وفي نماذج محضية، وفي شعارات مسبية، غير إشهارية ولادعائية، الوهابية عكست هذه الصبغة ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ﴾(13)، هذه الآية تحيل الى تعريف الثقافة، في مبادئها كافة، وفي أكمل نسيجها، عند علماء الثقافة، وزيادة، ونحن في غنى عن ذكر تعاريفها عند علمائها فهي موجودة في كتابات كثيرة، وفي كتاب المفكر مالك بن نبي(14)، وقد قتلها بحثاً، وكسرت هذا المنطق، وهو منطق واقعي، وليس صورياً، ويمكن نسبته الى العلوم الإجتماعية، وعلى حقل الثقافة بالذات، بوصفه مبدءاً من مبادئها، كالمبدأ الجمالي ....، ولم تعزُ للتحدي بوصفه شيئاً حاضراً وماثلاً وضاغطاً في نفس الوقت شروى نقير من اهتمامها، ومعارفها، وجهدها، فراحت تمنينا بترحيل الماضي إلينا، أو تعدنا بتهجيرنا إليه، حقيقية أي (الوهابية)، إنها تعاني من عي في عقلها، ومن انقطاع عن ماضيها، وانفصام مع حاضرها، من يرغب من المسلمين أن يكون في مثل هذه الوضعية معلقاً، لاماضي ولا حاضر، أما المستقبل فهو من فضول التفكير وفضول القول.

و ـ السلفية تشنج من العصر :

إستنتاجاً مما سبق، وتحشية عليه، نقدر أن نقول تدقيقاً وانطواءاً على يقين أن هذا الجسم، أو هذا الشبح والكابوس، الذي يأتي بما لا تقره العقول ولا تقبله الشرائع، وليس الشرع فقط، ولا ما تواضعت عليه الجماعات والمجتمعات، هذيان حديث، ومجون فعل، قبح سلوك، وشؤم أخلاق، بطلان نجاعة، وشح فاعلية وعطاء، فقر طموح، وارتخاء أمل، أو محدوديته، تكبير الصغائر، وتصغير الكبائر، الانحياز الى الاقتصاد الريعي، وتحقير أو الاستخفاف بالاقتصاد المنتج، تكريس مبدأ تأبيد السلطة وتقويتها، على حساب انحرافها عن الدين الحق، أو عن استغلاله بطرق ملتوية، اعطاء الظهر لمصالح المجتمع والأمة ككل، أو المقامرة بمصيرها وقدرها، يستغرب الإنسان حقاً أو يفقد عقله، ولن تبقى بقية منه فيه، وهو يطوف بهذه الوضعية ويتأمل أصولها وفصولها، أو كليتها ودقائقها، فلا يعثر على عنصر قادر للاستغلال والتوظيف، أو مستحق للتثمين والاحتفاظ، غير تشنجات مزمنة تشير الى مرض عضال، مأتى هذه التشنجات أفكارٌ ميتة ومعاني سحرية مفوتة وردت من ماضٍ سحيق، من بداوة سبقت الإسلام، بكل ملفوفاتها ومخبآتها، واخرى جاءت من أطوار، ومراحل، وحقب، من داخل الحاضرة الإسلامية، وجدت لها محضناً في شقوق المذاهب، وفي أخاديد الخلافات العقائدية، والكلامية، ومغارات في الآداب السلطانية، وفي بثور السلطة الواقعية وأورامها، وفي الصراع والتصادم، وما يخلفهما من حفائظ وإحن، وتصفية حسابات، وتقطيع أوصال جسم المملكة أو السلطنة، الى إمارات أو ما يشبهها، فلا عجب أن يكون النص فقهياً أو كلامياً أو أدبياً، بهذه الصورة الشوهاء، أو المبتورة والمعيبة، الى حد التقزز والغثيان، لأنه ـ أي النص ـ وليد التكيف مع السلطة، أو نص الأمر الواقع ...

(2)

السلفية في ميزان العقل والفكر

تقييم نصوصي أو تشريح واقعي

المطلوب هو التعريج على السلفية في بقعة محددة، هي الجزائر، أو في بقعة أوسع، وأرحب، تحكمها تجانسات وتشابهات، من الكثرة بمكان بحيث توحد بين هذه الأقطار، التي تشغل هذه البقعة الواسعة والرحبة، والتي نسميها المغرب العربي، أو المغرب الإسلامي كما يحلو للإعلام أن يسميها، وهي تسمية تأخذ في اعتبارها التيار الإسلامي، أو الحركة الإسلامية، بوصفه عاملاً طفح على السطح، وعنصراً يتحفز لتغيير المنطقة، بأي ثمن، أو اقتلاع أطر الإدراك والدمج، بوصفها مفاهيم ومصطلحات ومؤسسات، ومذاهب، وطرق للتعبد والتقرب الى الله، وأدوات للتجانس الاجتماعي، والاستقرار النفسي، والانتظام السياسي، ومفاهيم ومصطلحات النفاذ الى غور العقيدة الإسلامية، أو الى المنظومة الكلامية، وحامل لقناعات مستقرة، ومعاني حصل حولها إجماع من لدن ذوي الشأن، أو الأئمة الذين نظروا لهذا العلم وعززوه بالأدلة العقلية، والشرعية، وأعطوا مدى لدوره ووظيفته، في تثبيت هذا الدين وترسيخه وتحصين معتنقيه، من كل هوى وزيغ، الذي قد يطرأ في كل لحظة على فضاء المسلمين، نتيجة ظهور تيار فكري، إما نتيجة تغير الأوضاع بصورة دراماتيكية، أو غزو ثقافي محتمل، أو اختراق عقائد معينة، بشكل مفاجئ، وفي غفلة من المجتمع، وهذا الذي نذكره، ليس تقديرات عقلية، أو إحتمالات فكرية متوقعة، بل هي وقائع حدثت بشكل محسوس، وماتزال تستغل بوصفها بؤراً للتوتر، في منطقة المغرب العربي، تخيف السلطة، وتقلق المجتمع المدني، أو تدفعه للانزواء والانكفاء، لهذه الأسباب، ولغيرها، اجتاحت السلفية الوهابية، هذه البلدان، وهذه الأقطار، لأنها جاءت من باب الإسلام، ومن حيثية الدين، ولأنها وجدت فراغاً رهيباً في إنتاج المعارف الدينية، وتطويرها لتلائم التغيرات المستجدة، والتبدلات المتلاحقة، ووجدت ما هو تقليدي وعتيد، وما هو أساسي وأثيل، قد حد من فاعليته، وقتل أدواته في الحركة والهجوم، طول انشغاله بالدفاع، وتقوقعه في نفس الموقع، وهذا زمن طويل وثقيل جداً، مرحلة الانحطاط، وتلتها مرحلة الاستعمار (الاستدمار)، وعليه فإن السلفية، منذ مرحلة السبعينات، إلى الآن، انتشرت كالنار في الهشيم في بلدنا، ومن نافل القول أن نذكر أنها جاءت في ركاب الحركة الإسلامية، الحركة الإسلامية كما نعرف ويعرف المهتمون، بهذا الشأن هي رد سياسي بالدرجة الأولى، على إخفاق الدولة القطرية، في وعودها: بالتنمية، والعدالة، والحرية، وخلق الفرص المتكافئة للمواطنين على حد سواء، وتحرير فلسطين، والوهابية وإن كانت لوناً وعنصراً في هذا المشهد إلا أنها على الضد من هذا الطرح، وعلى النقيض من هذه المقاربة، غير أنها سطت على هذه الإمكانية، وجيرتها لصالحها، ونظرا لما كانت تتمتع به من دعم مادي، أو ما يسمى بـ(البيترو دولار)، وسند معنوي سلطوي، وثقافة دينية شعبوية، تكاد تكون فلكلورية، وكتابات مبسطة الى حد الابتذال، تركز على التوافه والترهات، تستغل الأمية والجهل، وجوع الناس المؤسي، لتحصيل ثقافة دينية، تحسن مواقعهم، في عالم القرب من الله، غياب المنافس الشريف، الذي يتسلح بمعارف راسخة ورصينة، تسمى علماً بالمعنى الكبير والواسع للكلمة، وهي وإن كانت تحت غطاء اسم تعرف به وتسوق نفسها به، فهي تيارات ومنازع شتى، وتختص كل منها باسم فرعي، وهذا لاينفي، أن الخطوط العريضة توحدها، وأن عدت سلفيات اخرى، غير السلفية العلمية ..

أ ـ السلفية العلمية، أو المرجئة الحديثة :

 ولها تفرعات، واليكم التعريف الذي يعرفون به أنفسهم،  ( السلفية العلمية أحد فصائل التيار السلفي، وهو فصيل سلمي معتدل، يحمل أطروحة دعوية علمية، وعظية بالأساس، لتعليم الناس، كل أمور الإسلام، أو باختصار هم علماء أوطلبة علم (أهل السنة والجماعة)، ويركز دعاتها جهودهم، على طلب العلم، لتحقيق عقيدة التوحيد، وإنكار الشرك أولا مع اتباع السنة وإنكار البدع، و لمعرفة الأحكام الشرعية ( الحلال، الحرام، الواجب، المستحب، المكروه ) بتعلم ودراسة كل ما يلزم من تفسير و مصطلح الحديث، و أصول الفقه ...إلخ، وهم في ذلك متقيدون بالقرآن والسنة، بفهم السلف الصالح، أي: بعيداً عن التعصب، وعن التطرف، أو تأويل بفكر منحرف، لتصفية الدين الإسلامي مما دخل فيه، من ضلالات وتطبيقه، وهذا ما كان يطلق عليه الشيخ محمد ناصر الدين الألباني التصفية والتربية، وانتشر هذا الوعي في بلدان كثيرة من الدول العربية كمصر، واليمن، وسوريا، والجزائر، والكويت، وخاصة المملكة العربية السعودية، التي عرفت تجديدا في دعوة التوحيد الوهابية، في السعودية، انتشرت مجددا هذه الصحوة في تسعينات القرن الماضي،  واجتهدوا في تبليغ العلم الشرعي، في صفوف الشباب، وازداد انتشاره عن طريق مؤلفات أهل العلم، من كتب، ومجالس العلم، وفي المساجد، أو من أشرطة سمعية، و عبر الفضائيات، وشبكة الانترنت، أما عن موقفهم من السلطة، فإنّ السلفيين العلميين، يحرمون الخروج عن الحاكم ولو كان ظالماً)، وتفرعاتها أو انقساماتها ومدارسها هي:

 السلفية الفقهية :

وهي التي عليها المؤسسة الرسمية التقليدية (المفتي وهيئة كبار العلماء والقضاة) فمنهجها دراسة الفقه على كتب المدرسة الحنبلية، ولكن (من دون تعصب)؟!، واذا اختلف المذهب والدليل الشرعي فإن الدليل هو المقدم ؟!، وهذا المنهج رسخه (محمد بن عبد الوهاب)؟!، في كتاب التوحيد، (باب من أطاع العلماء، والأمراء، في تحليل ما حرم الله أو تحريم ما أحل الله، فقد اتخذهم أربابا من دون الله)، وهذه السلفية هي التي عليها عامة طلبة العلم والعامة وهي الصحيحة إن شاء الله، وأما من تعصب للمذهب، فهذا خرج عن السلفية إلى المذهبية، ولكنه يبقى سلفياً في العقيدة .

السلفية الحديثية :

هذه السلفية تهتم بعلم الحديث، والتصحيح، والتضعيف، (كمنهج الشيخ الألباني، وعبد الله السعد وغيرهم)، وهذا أمر حسن، ولكنهم غير متخصصين في الفقه، وهذا لا يُعاب عليهم، ولكن يعاب على بعضهم إنكاره على التخصص في الفقه، أو إنكاره دراسة كتب المدارس الفقهية .

السلفية المنهجية :

وهؤلاء من يوصفون بالجامية، فهؤلاء سلفيون في العقيدة والفقه، ولكنهم غلوا في مسائل المنهج، والخلاف المنهجي، فكل من اختلف معهم بدّعوة هجروه، ووصل بهم الأمر إلى أن هجر بعضُهم بعضا، وبدّع بعضهم بعضا، وأقرب مثال على هذا النزاع الذي حصل بين ربيع المدخلي، وأبي الحسن، كل طرف منهم، اتهم الآخر بأنه يسب الصحابة، وأقرب مثال أيضا، طلاب الوادعي، فقد تمزقوا، وتفرقوا ..

ب ـ سلفية الحركة والتنظيم والمجابهة السياسية :

السلفية الإخوانية:

فهؤلاء قالوا نحن سلفيون في العقيدة، ونسير على خطى جماعة الإخوان المسلمين، التي أسسها، حسن البنا، لما لها من نشاط فكري وحركي، والمنزع العقدي والهوى الفقهي في أدبيات الإخوان، على اختلاف المواضيع التي تتناولها، ليس سرا ولا متستراً عليه، فهو بارز واضح، ويمجد ويعتز به ..

السلفية الجهادية :

وهذه الجماعة موجودة وكانت في أفغانستان، وهذا أمر حسن، ولكن غلا بعضهم، وخرج من الجهاد، إلى تكفير بعض المسلمين، والخروج على ولي الأمر المسلم، وخرج بعضهم إلى مسألة إنكار المنكر باليد وهو غير ذي سلطان، وهي التي خرج من تحت عباءتها العنف والإرهاب والتكفير، وكانت لها صولات وجولات في جميع أنحاء البلاد الإسلامية، ولقـد أضاقتنا المر في الجزائر، طيلة عشر سنوات حمراء، وها هي الآن في العراق، وسوريا، ومصر، ولـم تنج منهـا حـتى اوربـا..

وعليه فإنّ امتداداتها في الجزائر، وجميع بلاد المغرب العربي، كتيارات، بل وحتى مدارس وشيوخ وطلبة، وأتباع، يتكاثر عددهم باستمرار، وأجزم أنهم يسيرون من مكان بعيد، ويشتغلون لحساب أجندات، وهذا المنزع أو الهوى العقدي، لا نعدم أن نجد له وجوداّ في مسيرة الإسلام في الجزائر، وافتعال واصطناع الخصومات والنزاعات والصراعات والصدامات، دونها المؤرخ الشيخ المهدي البوعبدلي، وأطلعنا في نفس الوقت على تواجد الشيعة، وحضورها، في مناطق عديدة في الجزائر، في أزمنة متقطعة من مسيرة الإسلام في الجزائر، وكانت تدفع وتحارب، صحيح أن السلفية، في هذه الأزمنة البعيدة، لم تكن بنفس القوام، ولا نفس الهوية،  وإن قلنا الجوهر هو هو، ولكنه خضع لفعل الزمن، وفعل الظروف والتغيرات التي أكسبته لوناً آخر، وأعطته فعالية مختلفة ...

 (3)

السلفية ومشكلات الثقافة

الاختزال و الاختلال

إذا كان الانطلاق من الصعيد العقائدي، إذا كانت الرؤية لا تحصل أو لاتكون كقضية أنطولوجية، أو وجودية، حتى تحتاج الى تموقع، وإشراف، لتملك الأبعاد الزمنية والمكانية، في طور، وفي طور آخر التموقع في نقطة أبعد من ذلك بكثير، هي السيطرة والهيمنة المتمكنة، على أبعاد ترسمها، استراتيجية الغائب والمطلق، ويدعى العقل بوصفه قوة فارقة أو مرتبة وجودية تتضمن خصائص رفيعة، ومزايا معتبرة، ومؤهلات مركبة تتيح له أن يشتغل على ما فوق الحسي، والاستواء على المادي، والاستحواذ عليه وتدبيره، كما لديه اليد الطولى، على القوة الأخرى التي في الإنسان كالذاكرة والخيال، وغيرهما من القوى واستثمار منتجاتهما، أو تجييرهما لصالحه، واستخدامهما لحاجاته، العقل طبعاً من حركته التي لا ينفك عنها، وهويته اللصيقة به، ذلك أن ينزع نحو العقلانية، أو تكوين نظام، يلم به شعث الواقع وأطرافه، أو مزقه وبقعه وحيزاته المتناثرة، أو المتناقضة، والمتباعدة، فيجلبها الى ساحته، ويضعها تحت رعايته، من خلال نظام يشيع فيها التآلف، والتجانس، يهذب وحشيتها، ويصقل جساوتها، ويلين صلابتها، ويأتي الى كثافة الواقع فيجعله شفافاً، والى تفلته وتملصه فيجعله طيعاً، ليناً، هيناً، بعد العقل، أو عقب معرفته، بالحجم والساحة، المستغرقتين فيه، أو المستهلكتين في طاقته وقدرته، نقاد ونرشد على مهاد هذه المعرفة، أو نحمل على أشعتها، الى كيفية تشكل الثقافة بوصفها أنماطاً للتفكير، وأنماطاً للسلوك، وأنماطاً للتقديس، وأنماطاً للتذوق الجمالي، وهذه ليست ممكنة، ولا هي قيد التحقق، إلا في نطاق علاقات غاية في الدقة، والتركيب، والتعقيد، تأخذ الأفراد كذرات شاردة، فتصنع ترابطهم، وتقيم تعارفهم وتآلفهم، في دوائر صغيرة، في الأسرة والقبيلة والعشيرة، وفي دوائر أرفع، كاللغة، والمذهب، والدين، أو كالوطن، والأمة، والقومية، أين تتشكل عادات وتقاليد وبروتوكولات، تطاول الزمن وتنافس الجبال في رسوخها، ومن وبهذا يكون جهداً مشتركاً، يتوفر على كل الإمكانيات المودعة في الإنسان، أو المضمرة في قابلياته، من فكرية ونفسية، واجتماعية، أو (علائقية)، وعضلية، أين يصنع أو ينتج الحضارة، ولكن في أطر، وهل هناك أطر غير الأطر التي ذكرناها سلفاً، كالأمة أو القومية، ولكن بضميمة اخرى، أو بعامل طارئ، قد يكون متوقعاً، وقد يكون غير متوقع، كرسالة سماوية، وظهور مفكر خارق استثنائي، أو تيار فكري تنويري، ومنعرج تاريخي، يصير الشأن الثقافي، أو العامل الثقافي، عامل محوري، يخلق حقلا حيوياً، وجواً من الأصوات، والألوان، والروائح، أو مصدراً للمواقف، والأفعال، وردود الأفعال، ولما يقبح، وينفر، فيستنكر، ويدفع، الى الصدود، والإشاحة بالوجه، والى ما يطمئن، ويريح، ويعجب، أو يستحسن فيقبل عليه بلهفة، أو يرغب فيه،  فيطلب، أو يكون من الإضافات التي تكون بها الحياة حلوة سعيدة، وللعلم فإن الثقافة، أو شخصيتها، تضع حدوداً دقيقة للمقبول، والمرفوض، أو لما له قيمة، ولما ليس له قيمة، سواء بالنسبة لما يخص التفكير، أو لما يخص الروح، أو لما يخص المشاعر والإحساسات، وحتى تغدو هذه القضايا واضحة جداً، نذكر مثالاً حصل للمفكر مالك بن نبي، يقول: ( شاهدت مسرحية عطيل للكاتب الكبير الإنجليزي شكسپير في اوربا فلما وصلت المسرحية الى محل عقدتها حيث قتل عطيل ديدمونة، ويعلق حيث ادخر المؤلف لها كامل عبقريته، يخلع التأثر الشديد على الإنسان الأوربي، ويتصاعد منسوب حزنه وتفيض عيناه بالدموع، لأنه ينظر إليها نظرة جمالية، وشاهدتها في المسارح العربية، فلم يبالِ المشاهد العربي، ولم يرف له جفن، لأن رؤيته لها أخلاقية)، ما الذي يعنيه بالضبط أن نتكلم عن السلفية الوهابية، في إطار الثقافة، ومن خلالها أو بموجهاتها، وإيحاءاتها، بل بمعاييرها وموازينها، إن الثقافة عندما تكون في أفضل حالاتها، وأوج نشاطها، وأشد فاعليتها، أو ثقافة الحضارة، تكون محصنة، ومعتصمة، تلفظ ما ينبت فيها، أو يمسها من كائنات غريبة، تخربط حركتها، أو تعطل سيرها، أو تخرب اتساقها وتناغمها، وتصد كل ما يأتيها من خارجها، إلا إذا كان قابلاً للتهذيب والتبيئة، وعندما تعجز وتخمل وتنكمش، وتفقد التجديدات المستمرة، والمواكبة المقتدرة، أو تكون ثقافة انحطاط، قد غادرتها المناعة، وارتخى دفاعها حينئذ، وحينئذٍ فقط تستباح بالغزو الخارجي، والفكري والثقافي، وتتسامح مكرهة مضطرة، او تتخلى، لأنها فقدت جميع الخيارات، للتيارات الهامشية، أو تيارات المفازات والأحراش، أو فرق الصعلكة، أن تحتل الساحة الثقافية، وتغرز فيها أوتادها، وتقيم عليها خيامها، وهذا في حال تسرب الاستقالة، لكيانات الأفراد والمجتمعات، أو ما يسميه المفكر الجزائري مالك بن نبي (القابلية للاستعمار)، ويسميه الآخرون (التفاوت التاريخي)، أو (الانحطاط)، إن المأزق أو الإشكالية، بالنسبة لهذا التيار السلفي، الذي طفح على السطح، في عدة محطات من تاريخنا، وأذاق المسلمين وبال شره، وترك ندوب وبثورا في جسم الدين، أو أوهن عقائد الأغرار والضعاف، أو الهمل، حين حال بينهم وبين المذاهب، والمدارس الفقهية، أو أوهن ثقتهم بها، وفرمل أو كبح فواعل الثقافة، وأزال حدودها، فأشعل بهم فوضة وهرجاً ومرجاً، هي في الحقيقة، انتفاشه أو انتفاخه مغتر، أو زبد نهر وبحر، أو تشنجات جسم زايلته السلامة والصحة، وإذا عدنا مرة اخرى الى تعريف الثقافة، وأضفنا إليها ما هو من مكملاتها، أو من أجزائها التي تكون من دونها ناقصة ومبتورة، وهو المتخيل، والرمز، والثقافة الشفهية، وهي ربما في نظرنا الخاصرة الضعيفة للثقافة، أو جوانبها الرخوة والهشة، التي تكون مدعاة للاختراق، أو لتنفس الفوضى، أو ثوران براكين الحمم، بالمعنى الإنساني، والمجتمعي، وغدا هذا ممكنا، أو سهلاً ومتيسراً، لما كفت الثقافة الكتابية، عن التحكم والضبط، أو عن التجديدات، والإبداعات، ودرست أنماط التفكير، وأنماط السلوك، وأنماط التقديس، أو أصبحت أطلالاً، وغابت المؤسسات، بمختلف أصنافها، وغاب التنسيق بينها، حيث أصبحت كل مؤسسة، تدور في فلكها الخاص، أو في خط مصالحها الضيقة، وانعزلت عن غذاء الدين، ومدد الثقافة، يقع العلاج ويتأكد، فقط بتنشيط فواعل الثقافة ككل، وتجنيد كل مفرداتها، هنا يمكن محاصرة توحشها، وأصواتها النكرة، وفيضان سيلانها المدمر، وحتى ربما خنقها، هذا إذا عززنا كل ذلك بالمقدس ...

 (4)

السلفية والمجتمع

الانفصام والحرث في الماء

طغى كلامنا على الثقافة، وسطعت مهمتنا في المقاربة على إيلاء مكونات تشكيلات الثقافة، وما يمكن أن تنهض به من جهد، وهو على الحقيقة جهدٌ، لا يمكن أن يستعاض عنه، أو نعثر له على بديل، أو نقيم له نائب، وهي أي: الثقافة، تنأى بنفسها عن الاعتباطية والارتجالية، وتحرم أو تمنع بعفوية وتلقائية، التغيرات والسريعة، أو المتلاحقة والمتتالية، التي يلجأ إليها ويتبناها المغامرون، والطائشون، أو المغرورون، والذين يرون في أنفسهم شيئاً، لذا نرى سلوك الثقافة، أو ردودها المفحمة، وإعراضها عن مشاريع، وأفكار، وطروحات، وآراء، ومقترحات تعرض نفسها، نحتار في هذا السلوك، ولا نجد له تفسيراً، ويستشيط غضباً، من تصدوا للإصلاح والترميم، أو للتغيير والتبديل، أو للإنقاذ والانتشال، أو للتنوير والتبشير بالنهضة، أو لمن شمروا وتجمهروا حول هؤلاء، ومحضوهم التأييد المادي، والمعنوي، نقول إن الثقافة، لو تجاوبت مع كل ناعق، وتفاعلت مع كل زعم، لانسحب بساط الاستقرار من أصله، ولانفصمت وانفرطت العلاقات، ما بين مكونات المجتمع، أولاً، وما بين المجتمع والنخبة، ثانياً، وما بينه أيضاً، وبين السلطة، وهي كثيرة في المجتمع، وتفضي بعضها الى بعض، أو تتبادل التأثير والتأثر، أو الدعم والتساند، يتحصل لدينا، أو نورد الفهم القويم، أو المسدد، لو سايرت الثقافة التغير في كل حين، والاستجابة للآراء والمقترحات، في كل آن، لتزعزعت اسسها، وانخرم نظامها، وتحلل تماسكها، وهذا ضد طبائع الأشياء، إن زمنية الثقافة طويلة، وطويلة جداً، أو تستغرق أحقاباً من الزمن، حتى تكتمل، وتؤتي أكلها، وكذلك بالنسبة لإصلاحها، وإدخال التجديدات، والإبداعات، الى حقلها، فإنها لا تقبلها إلا بتكييفات، وتعديلات، ومواءمات، ومناسبات، وشروط، والحال أن هذا لايتحقق إلا بشق الأنفس، وفي زمن ليس في مكنتنا تقديره، لأن التاريخ، يأتي بأشياء لم تكن بالحسبان، ويصدمنا بمفاجآت لم نكن قد أعددنا لها العدة .

المجتمع في الحقيقة، أو في الجوهر، هو نتاج وانعكاس للثقافة، أو هو الثقافة وقد صارت نظاماً، في تركيب علائقي، وفي توزع نشاطي، أو تقسيم عملي، إن المجتمع بوصفه وحدة متكاملة، اعتبارية، حضر في نقطة معينة من الزمان والمكان، كولادة، أو كاستئناف، ومعاودة لصناعة التاريخ، والمشاركة في الحضارة، أو المسك برسالته، وقد اقدر على ذلك أو ملك مقومات هذه الرسالة، ونفذ الى روحها على نحو التشبع، أو الامتلاء، فكان همه وشغله، وديدنه، الذي يعيش عليه، ويحيا من أجله، ومن خلاله (أي الرسالة)، يعي وجوده، فاندفع كالسهم ينشرها في الآفاق، ولايألو جهداً في التمكين لها، والحال أن اقتران الحضارة بالرسالة أمرٌ بديهي، وكما نعرف من حوادث التاريخ، ومن سنن الاجتماع البشري، ومن إدراك العقل الاعتباري، الذي يجمع بين هذا وذاك، أن هذا الطريق ليس ممهداً، بل فيه كثير من الحواجز، وليس شاغراً، أو خالياً، بل مزدحماً، وليس سهلاً ميسراً، بل صعباً مستصعباً، هنا في هذه النقطة، وهذه المحطة الحساسة، والحساسة جداً، أو بتعبير آخر في هذه الإشكالية المنغلقة، التي لا تقبل الحل، ولا تلين له، إلا أنها تقبل التجاوز، لأنها عبارة عن كم هائل من المشاكل تشدها خيوط، بعضها الى بعض، كل مشكلة في هذا الكم، لا تقبل الحل منفردة، قد يقع في روع من يتتبع كلماتنا المتواضعة هذه، أو يقرأ مقالنا، إنّنا نطوف بالمشكلة، ونلف حولها، من دون أن نذهب إليها رأساً، وعلى الفور، أو نمد إليها أيدينا، أين هي ؟، وهي في وكرها، وحصنها، من دون مواربة، ولا ذهاب يمنة ويسرة، وصعود وهبوط ــ (المأزق أو الإحراج الوهابي)، وقد بلغ منه السيل الزبى، وطفح الكيل: إطاحة بالمؤسسات السياسية، ومجابهة متعاظمة للمؤسسات العسكرية، وتوهين لدورها، أو تشويش لوظيفتها، وتشويه لسمعتها، وأما ما نالته منها، المؤسسات الدينيةـ ورجال مذاهبها، ورموزها، فقد تجاوز حدود المعقول، وعلى المجتمع، أو المجتمعات العربية والإسلامية، كانت وطأتها أشد، وتأثيرها أفعل، تمزق وتشرذم وعدوات وإحن، ومعاناة ومآسي ــ في الحقيقة أن طبيعة الكتابة، وخصوصية الموضوع، وطريقة التناول لإشكالية بهذا الحجم، وبهذا التركيب والتعقيد، وببعدها التاريخي، وبتشابكاته التي لا حصر لها، كالأصول الاجتماعية لكل فرقة، وما يحمل عليه التنافس، على الرأسمال الرمزي والمعنوي، والذي هو من مكونات كل مجتمع، أو من حاجاته، التي لولاها لما ارتفع من طور أدنى، الى طور أعلى، أو من مستوى، الى مستوى أغنى وأرقى منه، والذي قد ينشب منه صراعٌ، غير ذي وجاهة، أو وجهة، نتيجة خلل ما، لم يتنبه له، أو يكترث به، كالأطر الاجتماعية للمعرفة، التي ينتسب إليها الفرد، أو الفئة، أو الشريحة الاجتماعيتين، ويأخذ منها نصيبه، من المعرفة، وإدراكه العقلي، أو تكوينه وتربيته، في كامل أبعادها النفسية، والروحية، والعقلية، أو يشكل من خلالها شخصيته، كالقدوة، والمذهب الفقهي، والمنهج العقدي، والأدب والفن، أو غذاء الوجدان والمشاعر، قد يتساءل متسائل ؟، ولا غضاضة في تساؤله، ومشاحة في اعتراضه ؟، ولا في تنكره لعدم الفهم، أو عدم اكتماله، أو أنه قضية قلقة لا يحسن السكوت عليها، أو أن الوعي يرفضها بتاتاً، ويرى بديلاً لها، أو ضداً ونقيضاً، هو أن العناصر التي يتكون منها الإطار المعرفي، هي الرسول (ص) بوصفه قدوة، والقرآن كتاباً، ومدرسة، ومذهباً معاً، وهو ما تدعيه السلفية، أو السلفية الوهابية، وتنام عليه، أو تزعم امتلاكه بمفردها، ولا يشاركها فيه أحد، على وجه الجزم والقطع، محل (الدوغمائية)، أو اليقين العاري من لوازم العقل والشرع، أو العنف النكد، الذي اضطر المجتمع الى الانفراط، كانفراط السبحة، وقد تقطع سلكها فأصبحت كل حبة في كف لاقط، لا ؟، هذا تفكيرٌ موهوم، أو تصورٌ مكلوم، وإدراكٌ مخروم!! الاختلاف ينشأ أو يبرز وينتأ، وإن كانت المنطلقات واحدة، والمؤثر من قبل واحد، والمعطيات والمباني التي وضعت تحت اليد، أو في متناول العقل والفكر، تكاد تكون في أكثر الأحيان، وعند غالب الفئات، متجانسة، يكون الاختلاف ولابد، إلا أنه يجب أن يكون موضوعياً، تمليه اختلاف الموضوعات، والميادين، المشتغل عليها، ويمليه أيضاً، تفسير اللغة وتأويلها، واللغة كما هو معلوم (بؤرة للدلالات)، وتمليه أيضاً الأدوات المشتغل بها، كقواعد الاجتهاد، ومجسات النظر، وتجدد الأقضية والحاجات، أو النوازل والحوادث، وطرائق قراءة الأحاديث والسنن، والموازين التي توضع لصحتها، أو قبولها، أو استحسانها، وكيفية استثمارها، وعليه فإننا بصدد تسليط الرؤية، على قضية القضايا، في عصرنا وفي واقعنا، نلجأ الى قطاع من الواقع، أو الى حقل من حقوله، بوصفه رائزاً وبقعة إمكان واختبار، لأننا من صلبه ومن فضائه، ومن مفرداته وجزئياته، أو من كائناته وشخوصه، التي عركته وعركها، أو عالجته فتمنع، أو محصته فتدلع، أو ساومته فترفع، أو أرادت أن تشرحه وتفككه، فارتطمت به فطحنها وسحقها، هو الواقع الجزائري، لم يكن كما هو الآن، أو كان بالضد وعلى العكس من وجه هذا الواقع الجديد، وقد غزي واستبيح، أو اخترق وانتهك، على بكرة أبيه، كان الواقع الجزائري أيام الاستعمار (الاستدمار)، وفي سنوات الاستقلال الأولى، تلبسه الوحدة، ويسري فيه التناسق والتناغم، ويصدر في كل ما يهمه ويريده، أو في كل ما يحز به، ويؤلمه، عن عقل واحد، ورأي واحد، ومشاعر واحدة، لأن المرجعية واحدة، وكان المجتمع الجزائري، وربما هذه القضية لستم أنتم إخواننا المشرقيين، على إطلاع عليها، أو إطلاع ليس بالكفاية اللازمة، لتمكين الرؤية من الإدراك، أنه رغم مذهبه المالكي السني، والأشعري العقدي، كان يفنى في حب آل البيت :، أو يستغرقه ويغمره حبهم، وكان من جهة الوجدان والمشاعر يعدّهم المراجع الحقيقيين، ولهذا قصص، وأمثالٌ، وشعرٌ باللهجات الجزائرية، وكاتب هذا المقال عاش هذه الفترة، يشهد أن الأسماء الأكثر ذكراً، ودوراناً على الألسنة، وإشادة وتمجيداً، هم أهل الكساء، وحتى الأكثر تسمية لأولادهم، وحتى معظم علماء المالكية كانوا يرون بل يقتنعون بأن التشيع مذهب من المذاهب الإسلامية، وحتى لا يقع التباس، نذكر بأن بعض فقهاء وعلماء المالكية، غير ذلك تماماً، كابن العربي الإشبيلي (الفقيه المالكي)، وحتى ابن حزم الظاهري، وابن خلدون المالكي، وحديثاً البشير الإبراهيمي نائب رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ولم ينج من ذلك أخلافهم وأتباعهم ....

 (5)

السلفية وعقدة التاريخ

صناعة العدو، والانتقام منه


1) منظور التاريخ :

من تحصيل الحاصل الى أن ننبه إلى أن سحب بساط التاريخية، من تحت الأشياء، سواء كانت هذه الأشياء مدنية، أو حضارة، أو ثقافة، أو علوم، كيفما كانت هذه العلوم، علوم اجتماعية إنسانية، أو علوم صحيحة، متعلقة بالمادة الصلبة، أو بالأحياء، هذا إن لم نقل أن الكون علويه وسفليه، له تاريخ، وفي رواق التاريخ وتحت ردائه، أو في جوفه وكفية اشتغاله، أو بين يديه، وفي حالة تصرفه وتدبيره، أو صناعته لأشياء، ودَعَّهُ لأخرى، إما لأن قابليتها غير متوفرة، أو لأنها تأخرت عن اليوم الموعود، أو لأنها حادت عن الفرصة التي وفرها لها، أو لم تواتِها الظروف والحيثيات، طبعاً نحن نتكلم في إطار الخلق المباشر لله، وفي نطاق العناية والرعاية، الإلهيتين..

2) أفكار وحركات تنزلق على سطح التاريخ:

السلفية الوهابية، بوصفها فكرة، وحركة، أو إمكاناً يريد أن يخرج من القوة الى الفعل، أو ينبثق وينفتح على الفعل والعطاء، أو على التداول والأخذ والرد، ومن ثمّ التمدد والانسياح، أو التمكن والاستقواء، لم يشأ أن ينصت الى التاريخ، ويتلقى دروسه وعبره، فضلاً عن أن يؤمن بأن للتاريخ منطقاً، وسنناً، لاتحابي أحداً، من خرج عليها أو لم يحترمها، رماها على ضفافه، وهوامشه، أو نفضها من على ظهره، أو من على سطح ظهره، كما ينفض الزبد وخشاش الأرض، من على سطح النهر أو البحر، ويرمى في الضفاف والهوامش، وهؤلاء رفضوا منطقه ومعقوليته، ولم يروا له تأثيراً بتاتاً، وأصروا على أن الزمنية، هي هي، وعلى أن الظروف، باقية على حالها، أو لم تحل ولم تزل، وبقيت كما كانت منذ آماد، وفاتهم أو خانتهم قناعاتهم، وعاداتهم في التفكير.

إنّ أنماط التفكير، وقوالبه، وأنماط السلوك، وبرتكولاته، تخضع للتغيير، وتنصاع للتعديل، إنْ قليلاً أو كثيراً، مع مرور الزمن، وتواتر الإنجاز، وتضخم التراكم،  صعدوا إلينا من القدامة، أو من بداوتها بجميع ملابساتها، أو بنفسها ومزاجها، وحتى بسقط متاعها، وحتى أنها وهي تقدم بكل إرادتها، وبمنتهى قدرتها وإصرارها، على التحويل التاريخي، أو رغم أنف التاريخ، لحياتنا، ولمعايشنا، وحتى لمصادر تفكيرنا وثقافتنا، أو لأسس الفهم والوعي، ولمتطلبات الذائقة الجمالية والفنية، تستنجد باللغة الشفاهية، أو الطبيعية، التي لم ترتفع الى التجريد، ولم تطلها يد الصنعة، أو لم تخضع بما فيه كفاية، للتهذيب والصقل، لتقدر على حمل معاني العقل الرفيعة، أو لتتشكل في تشكيلات متنوعـة ، مـن مـادة المفاهيم والمصطلحات، والمفردات الخاصة، لتلائم كل علم على حدة، ولتنقل بكل أمانة، أو بكل دقة، معاني العلوم على كثرتها وتباينها، أو على تمفصلها وتفرعها.

3) الوهابية تقف في العراء وتطارد الشاردة:

أمّا وقد ودعت كل ما يمت للعقل وعلومه بصلة، توديعا غير مأسوف عليه، وانصرفت متعجلة أو مسرعة، عن كثير من معاني الروح، وعن زبدة معاني الرسالة والكتاب، وحسبتها فضلة، أو على الأقل نافلة، فما لها وللغة المخصوصة، أو اللغة باعتبار الأوصاف التي جهدنا في اقتناصها، وتعملنا، بما يتسع له تفكيرنا في أن تكون دالة أحيانا، وإجرائية أحياناً اخرى، ولأنها لا تقوى على حمل تراث، بمثل هذه القامة، وبمثل هذا الزخم، وهذا الاتساع، وهذا الغنى، ولايمكن أن يتسع له صدرها أو يصافيه قلبها، وهو على هذا التجهم، وهذا الاكفهرار، والشؤم، من كرم هذا التراث، الذي يقبل المخالف، كما يقبل الصنو والشبيه، ولا يتبرم بتعدد الألوان، والأحجام، وفي الوقت نفسه انبرت للعصر وقضاياه، أو للحداثة والتقنية، أو لما يمكن أن يعكساه من فكر وثقافة، وفي إرادتها ونيتها أن تدجنه، وإلا تنهره وتصده، ولا ترضى إلا بتواريه واختفائه، أو بتلاشيه واضمحلاله، وهذا حتى يخلو المكان، ويستقيل الواقع، ويفقد كل مقاومة، ويخفق في الدفع عنه، يمكن في هذه الحالة، أو هذه الوضعية، أن نمثل بهذا المثال العربي ونحن مرتاحون (حديث خرافة يا أم عمر)، وفعلا تخيلت أو توهمت من خلال العالم الأسطوري، الذي اسطنعته، أو بالمثيولوجيات، التي اصطحبتها معها، منذ البدء، أو من محطة الإقلاع، أن الواقع تحت معالجتها، أو طيع في يديها، وهي على وشك أن تسويه، أو تجعله محلاً للرغبة والطلب، أو للتوق والهفو، والواقع يسايرها، ويمشي في ركابها، ويستقيم بمعاييرها، لأنها جاءته بلغة الأم، أو اللغة الشفاهية .

4) الوهابية لدد الخصومة وإرادة الانتقام :

حملها حقدها المتعاظم، على التاريخ ومكره، وعلى الماضي وكدماته، وعلى عامة الناس، وقد أوجسوا منها خيفة، وعلى النخب، أو (مجاميع العلماء)، وقد استخفوا بها، وسخروا من جهلها، أو من بضاعتها المعرفية، المتواضعة جداً، أو من وهن أدلتها، وهشاشة طرحها، وجرح انتسابها، وعور ولائها، أو مرضه المزمن، الذي لم تصل به، لا واجب المحبة، ولا ما أمر الله به أن يوصل، على جهة الاعتقاد الديني، ولا على جهة الإتباع الشرعي، وكان الأحرى بهذا أن يتسبب في مراجعتها لإرثها، ونقدها له، وإعطاء لنفسها مهلة، تقف فيها وقفة تأمل، ولم لا ؟، قراءة لتراثات الفرق الأخرى، من دون خلفيات ولا مسبقات، وبهدي العقل المستقل الذي يقف في نقطة تبعد بمسافة واحدة، من جميع الفرق، بل من جميع الأديان والإديولوجيات والثقافات، ألم يحتف القرآن، أيما احتفاء، بالعقل، وبالتفكير، ويدعو الى تسليط العقل وفتح دينامية تفكيره، على كل شيء، من أبسط شيء، الى أكبره وأضخمه، ألم يؤلف أديب وكاتب عربي حديث (محمود عباس العقاد)، كتاباً سماه: (التفكير فريضة إسلامية)، ألم يقل المفكر العربي الحديث، من أصل مغربي، (محمد عابد الجابري)، وهو يتأمل فشل المدرسة الإصلاحية، وهي تطلب النهضة، وفشل القومية، وهي تطلب التنمية، والعدالة، والمساواة، وتكافؤ الفرص، وتحرير فلسطين، وأخيراً فشل الدولة القُطرية المطبق، بأن قبل هذا كان الأفضل أن يبدأ بنقد العقل العربي، ولكنها أي السلفية الوهابية، لم تستشر العقل، ولم تعرج على المقارنة، ولم تستجب لنداء الضمير، ضمير الشرع، قبل ضمير الشخص، أو الكائن، فتملكها الغضب، وأخذ بعنقها العناد، فازدادت بعداً وملاحاة، ولم تبالِ بأن هذا قد يوردها موارد الهلاك، كالكيد للمسلمين، والتربص بهم، قصد الإيقاع بهم، ومد اليد الى العدو للاستعانة به، ولربما وقعوا في النصب، وهو الداهية العظمى.

كل هذه الاعتبارات والحيثيات، جرتهم الى قابلية الاستخدام والتوظيف، إن على المستوى الداخلي، وقد تم هذا مرات عدّة في التاريخ، من طرف السلطة، أو من طرف الموالين لها، أو القوة المناوئة، التي تريد أن تنقض على السلطة أو تحوزها، ويكون هذا دائماً، على حساب شرعية المشروع، أو على حساب سوية الأفكار، ومدى ارتباطها بالرسالة، واتّصالها بروحها، وصدقية تمثيليتها لمقتضياتها، وإن على المستوى الخارجي، أو القوة الخارجية، المناوئة والمتربصة بعالمنا الإسلامي، أو كفكرة، وثقافة، ورسالة مقدسة، يقبع في ذاكرتها، ويسكن مخيلتها، منذ الحروب الصليبية، وبالرغم مما لمسته منه، أو نالها من الاحتكاك به، وحتى الصدام، من تسامح وأريحية ونصفة، رغم الشنآن، ومدنية زاهرة، تجد فيها الإنسانية نفسها، وتساعدها على التخلص من وحشيتها، أو مما يسبب الأتعاب لها ولغيرها، تصلح لأن تؤخذ وتستوعب، أو على الأقل يقتبس منها، أكيد أن القوى الأوروبية، لاحظت هذا وتفقدته، وأخذت منه أو اقتبست ما يجاري هواها، ويناسب مصالحها، ولكنها لم تشأ، أو حتى تبرمت، بروح هذه المدنية، وخلاصتها، أو النتائج التي تفضي إليها، والجنى الذي تقود إليه، وتعمدت إخفاؤه، أو تشويهه، وبقيت على مرضها، أو انطوت على حسد، تعاظم وتفاقم، وعاودت الكرة مرة اخرى ـ بعد الكابوس العثماني وما خلفه وتركه، من انهيارات وتحلل ـ أيام استعمارها أو احتلالها، للأوطان العربية والإسلامية، عنوة وبحد السلاح، واستعملت كل الوسائل، ووظفت كل الأدوات، لمسخ هذه الشخصية، أو تعديلها، في أثناء تواجده في العالم الإسلامي، فلم يحالفه النجاح، للوصول الى هذه النواة الصلبة، في كينونة هذا العالم، فدبر أمره بليل، واستنجد بخبرة التاريخ، وأنشأ لذلك علوماً، ومراكز بحث، كالاستشراق، والأنثروبولوجيا، وعلم الاجتماع، وعلم النفس التاريخي، وغيرها من العلوم، وجاء الى الاستعمار الجديد، والهيمنة الاقتصادية، والإعلامية، ونمط الاستهلاك، بعد استقلال بلدان العالم الإسلامي، ما مكنه على وضع يده على بؤر التوتر، وعلى جروح التاريخ، وعلى خطوط الهشاشة، أو الخواصر الرخوة، التي ظل يشكو منها العالم الإسلامي، لأزمان طويلة، ولم يتوقف عن رفع عقيرته، بشدة ألمها وتباريحه، فذهب مباشرة، أو انحط من علٍ على السلفية الوهابية، وهيأ لها أوطاناً وممالك، وسخر لها ما سخر من إمكانيات مهولة، إن لم تكن من صنائعه، وما نعاينه ونشاهده الآن، يشهد على ذلك ...


*  هوامش البحث  *

 (1) - الآية 59 من سورة النساء.

(2) الآية 56 من سورة النساء.

(3) الآية 128 من سورة التوبة.

(4) الآية 65 من سورة النساء.

(5) الآية 66 من سورة النساء.

(6) الحديث أخرجه مسلم، حديث (44)، وأخرجه البخاري في كتاب الإيمان باب حب الرسول صلى الله عليه [وآله] وسلم من الإيمان حديث (15)، وأخرجه النسائي في كتاب الإيمان باب علامة الإيمان حديث (5029)، وأخرجه ابن ماجه في المقدمة باب في الإيمان حديث (67).

(7) نهج البلاغة – الخطبة 50.

(8) نهج البلاغة – الحكمة 1.

(9) رواه البخاري (85) - واللفظ له - ومسلم بمعناه (157).

(10) الآية 25 من سورة الأنفال.

(11) الآيات 47 – 48 – 49 من سورة التوبة.

(12) الآية 38 من سورة محمد.

(13) الآية 138 من سورة البقرة.

(14) مشكلة الثقافة.

(*) باحث إسلامي من الجزائر.