البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الشهيدان الأول والثاني في مواجهة تيارين كلاميين بمدرسة الحلة

الباحث :  أ.م.د. محمد تقي سبحاني - ترجمة : أسعد مندي الكعبي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  7
السنة :  السنة الثالثة - ربيع الثاني 1437هـ / 2016م
تاريخ إضافة البحث :  February / 29 / 2016
عدد زيارات البحث :  1558
تحميل  ( 485.396 KB )
ملخّص المقالة:

الشائع في الأوساط العلمية أنّ الشهيدين الأوّل والثاني رمزان من رموز علم الفقه، ولكن لم يتمّ تسليط الضوء على سائر توجّهاتهما الفكرية والكلامية بشكلٍ ملحوظٍ.

من الناحية الفقهية فإنّ هذين العلمين تبنّيا آراءً فقهيةً في غاية الانسجام، ولعلّ شهرة الشهيد الثاني على نطاقٍ واسعٍ مدينةٌ لجهوده الكبيرة التي بذلها في شرح وتحليل المسائل الفقهية لسلفه الشهيد الأوّل؛ لكنّ الخلاف الفكري بينهما يكمن في المباحث الكلامية، وبالطبع فلا يتسنّى لنا التعرّف على مكامن هذا الخلاف إلا عند الرجوع إلى التراث الكلامي الشيعي في العهود السالفة.

قام الباحث في هذه المقالة بإجراء تحليلٍ تأريخيٍّ حول فكر التشيّع وتطرّق إلى بيان الخلافات الكلامية التي نشبت في مدرستي قم وبغداد ثمّ مدرسة الحلّة، وأثبت أنّ السبب الكامن وراء كلّ ما حدث من تضاربٍ في الآراء يعود في أساسه إلى الأصول المعرفية لعلم الكلام الإسلامي.

الكلمات الدالّة: علم الكلام الشيعي، مدرسة الحلّة، الشهيد الأوّل، الشهيد الثاني.

المقدّمة

لقد اشتهر الشهيدان الأوّل([1]) والثاني([2]) ببراعتهما في علم الفقه أكثر من أيّ علمٍ آخر، وبكلّ تأكيدٍ فإنّ هذه البراعة المشهودة منحتهما منزلةً رفيعةً في أنصع صفحات التأريخ العلمي لأتباع مذهب أهل البيت :.

الشهيد الأوّل هو أوّل من أسّس مدرسةً علميةً شيعيةً في منطقة جبل عامل إبّان القرن الثامن الهجري ليصبح الرائد في انطلاق مرحلةٍ جديدةٍ في مجال تكامل فقه التشيّع، وأمّا الشهيد الثاني فهو أحد أبرز الفقهاء الذين شرحوا المباني الفقهية للشهيد الأوّل وقد احتلّ المرتبة الأولى في تلك المدرسة العظيمة؛ ولحسن الحظّ فمعظم التراث الفقهي المشترك لهذين العلمين لم يندثر على مرّ العصور مقارنةً مع سائر آثارهما العلمية([3]). فضلاً عن ذلك فقد بذلا جهوداً حثيثةً في طلب العلم ونشره خلال سنواتٍ عديدةٍ فتتلمذ على أيديهما كثير من طلاب العلم ليصبح بعضهم فيما بعد أساتذةً وأساطين لمعت أسماؤهم في شتّى أرجاء البلاد الإسلامية، وغالبية هذه الجهود تجسّدت في نشاطاتٍ فقهيةٍ تفوق ما أنتجاه من علوم كلامية وعقائدية لدرجة أنّنا قلّما نجد من يصنّفهما في ضمن علماء الكلام والفلسفة في القرون الماضية.

ولكن مع ذلك فليس من الحريّ بنا غضّ الطرف عن نشاطاتهما العلمية في مجال علم الكلام ولابدّ من تسليط الضوء على هذا الأمر في إطار دراساتٍ تحليليةٍ تخصّصيةٍ، ومن هذا المنطلق سنقوم في هذه المقالة بإجراء هذا النمط من البحوث العلمية والذي قد يعدُّ الأوّل من نوعه حول هاتين الشخصيتين بغية بيان الموضوع في ضمن بحثٍ علميٍّ تحليليٍّ.

على الرغم من الجهود التي بذلها الباحثون لتدقيق وتمحيص المصادر الموروثة عنهما، لكنّ المجال ما يزال مشرعاً أمام البحث والتحقيق لاستكشاف كثير من المعلومات الخاصّة بشخصيتيهما العلمية سواء في مصادرهما الخاصّة أو فيما دُوّن حولهما من قبل الآخرين. الأسلوب المتّبع في هذه المقالة هو من نمط البحوث العلمية التحليلية الحديثة، وذلك بهدف بيان جوانب من تأريخ الشيعة بقيت طوال قرونٍ مطوّيةً في صفحات النسيان.

إنّ كلّ باحثٍ ومتتبّعٍ لأحوال الشهيدين وإنجازاتهما العلمية يدرك بوضوحٍ أنّهما شمّرا عن ساعديهما للبحث والتحقيق في المواضيع الكلامية لأجل إنارة الطريق أمام أتباع مذهب أهل البيت : كي تتّضح لهم معالم مذهبهم الفكرية والعقائدية، وهذا الأمر لا يقتصر على مدوّناتهما الكلامية ومساعيهما الواسعة في هذا المضمار فحسب، بل يبدو جليّاً في آثارهما الفقهية وبعض مدوّناتهما والإجازات التي منحوها لطلاب العلم والأساتذة، إذ استثمرا كلّ فرصةٍ كانت تسنح لهما لتسليط الضوء على المباحث العقلية بشكلٍ يفوق ما يبدر من كلّ فقيهٍ أو مجتهدٍ آخر كما جرت عليه العادة بين أرباب علم الفقه. ومن الجدير بالذكر أنّنا سنشير في طيّات البحث إلى أنّ الشهيد الثاني فاق سلفه الأوّل من حيث تنوّع تخصّصاته العلمية وعدد آثاره التي خلّفها لنا.

ومن المسائل التي يشار إليها هنا أنّنا نستشفّ نمط المذهب العقلي لهذين العلمين العظيمين من سياق مباحثهما الفقهية المنسجمة والمرتّبة حسب أبواب المواضيع.

إذن، سنثبت أنّ الشهيدين يمكن أن يصنّفا في قائمة علماء العلوم العقلية وأنّهما عالما كلامٍ دون أدنى ترديدٍ، وذلك خلافاً للرؤية التي تبنّاها العلماء والمؤرّخون حولهما طوال القرون الماضية؛ وحتّى لو جعلنا الإنجازات العلمية هي المعيار في تقييم الموضوع، يمكننا أيضاً اعتبارهما من جملة علماء الكلام في عصرهما، وفي الحين ذاته سنلاحظ أنّ إنجازاتهما لا تتضمّن مبادئ خاصّة لإرساء مدرسةٍ كلاميةٍ مستقلّةٍ جديدةٍ تختلف عن سائر المدارس الفكرية، لكن مع ذلك فهي تعكس مدى عمق أفكارهما الكلامية التي تجعلهما ضمن قائمة كثير من علماء الكلام المعروفين رغم عدم امتلاكهما خلفيةً دراسيةً وآثاراً علميةً مشهودةً على هذا الصعيد.

هدفنا الأساسي من وراء إجراء هذه الدراسة لا يتمحور حول بيان هذا الموضوع، بل يتركّز على إماطة اللثام عن بُعدٍ جديدٍ في شخصيتهما ألا وهو الجانب الكلامي الذي يتجسّد في دورهما التأريخي لترويج التراث الشيعي بمختلف صوره المعرفية انطلاقاً من مدرسة الحلّة وصولاً إلى جبل عامل وسائر البقاع في أقصى أرجاء المعمورة، كما يتضمّن البحث بيان دورهما الفاعل في ترسيخ المبادئ الكلامية لمدرسة الحلّة.

من جملة المعطيات الجديدة التي تمّ التوصّل إليها هنا أنّ الشهيدين لم يتبنّيا مسلكاً كلامياً موحّداً بخلاف ما تبنّياه من آراء فقهية منسجمة، وعلى الرغم من أنّهما ابتدءا مسيرتهما الكلامية من مهدٍ واحدٍ إلا أنّهما في خاتمة المطاف لم يتوصّلا إلى نتيجةٍ واحدةٍ؛ وسنشير إلى أنّ هذا التنوّع الفكري الكلامي يضرب بجذوره في التراث القيّم الذي اكتسباه من مدرسة الحلّة، وهذا الأمر بدوره يعكس ضرورة إعادة النظر في دراسة مشارب هذه المدرسة العريقة وتحليلها؛ لأنّه لم يحظ باهتمامٍ يتناسب مع مستواه الحقيقي.

وننوّه على أنّ المجال لا يسعنا في هذه المقالة كي نتناول أطراف البحث والحديث عن المواضيع المشار إليها بإسهابٍ وتفصيلٍ لأنّ ذلك يتطلّب مجالاً أوسع، لكنّنا سنقوم بإثبات الموضوع في إطار دراسةٍ منسجمةٍ.

من مدرسة قم إلى مدرسة الحلّة :

استناداً إلى ما ذكر في مقدّمة البحث، فلو أردنا التعرّف على المكانة الحقيقية للشهيدين الأوّل والثاني في التأريخ الكلامي الشيعي، لا بدّ لنا من الرجوع إلى صفحات الماضي وتمحيصها بشكلٍ موجزٍ كي نستكشف خلفية تراثهما الفكري من المصادر الأولى، ومن المؤكّد أنّ هذا التراث القيّم يضرب بجذوره في مدرسة الحلّة العريقة بشكلٍ أساسيٍّ.

فتحت هذه المدرسة أبوابها للعلماء وطلاب العلم في القرن السادس الهجري وذاع صيتها حتّى القرن الثامن لتصبح منارةً لنشر التراث العلمي لشريعة خاتم الأنبياء (ص) بجميع مذاهبها الشيعية وغير الشيعية، فانضوى تحت مظلّتها أشهر الفلاسفة وعلماء الكلام في تلك الآونة وهو أمرٌ لم يسهم في الحفاظ على إنجازات السلف وعطاءاتهم الفكرية وترويجها في شتّى ارجاء المعمورة فقط، بل ساعد على انتشار علم الكلام وتناميه بعد أن توفّرت أنسب الأجواء للبحوث والنقاشات العلمية لتبدأ بذلك واحدةٌ من أهمّ مراحل تأريخ علم الكلام الديني وأكثرها حساسيةً.

بكلّ تأكيدٍ فإنّ هذه الأجواء العلمية الفاعلة هي التي دعت أشهر عالم كلامٍ وأصولٍ شيعيٍّ يهاجر من مدينة الرّي ويشدّ الرحال نحو مدينة الحلّة ويقيم فيها بعد أدائه فريضة حجّ بيت الله الحرام، ألا وهو سديد الدين محمود الحمصي، حيث استجاب لطلب علماء هذه المدينة وتصدّى لمسؤولية تدريس علم الكلام ومن ثمّ ألّف أحد أهمّ الكتب العقائدية الشيعية في تلك الآونة تحت عنوان (المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد)([4])؛ كما أنّها شجّعت عالم الكلام والفيلسوف الشيخ ميثم البحراني([5]) على الهجرة من البحرين إلى هذه البقعة المباركة ليخلّف لنا آثاراً قيّمةً في هذا المضمار بعد أن تتلمذ على يديه علماء فطاحل في علم الكلام وسائر العلوم من أمثال العلامة الحلّي. وفي تلك الآونة أيضاً هاجر الخواجة نصير الدين الطوسي([6]) إلى مدينة بغداد قادماً من مشرق البلاد الإسلامية حيث تولّى منصب الوزراة، لكنّ مدرسة الحلّة استقطبته نظراً لسمعتها الراقية وسعة نطاق علومها، فربطته فيها علاقاتٌ مع فطاحل علمائها وبقي يتراود عليها حتّى التحق بالرفيق الأعلى.

ومن المؤكّد بمكانٍ أنّ تواجد أساطين العلم والمعرفة في مدينة الحلة آنذاك يعدّ دليلاً جليّاً على المكانة السامية التي حظيت بها في مجال العلوم العقلية، فقد قطن فيها علماء كبار من أمثال قطب الدين الرازي والكاتبي القزويني وسيف الدين الآمدي، وهؤلاء في الحقيقة من رموز علماء الكلام والفلسفة في عصرهم. ومن الجدير بالذكر أيضاً أنّ بعض علماء الشيعة المعروفين، كأُسرة ابن طاووس، رغم إقامتهم في مدينة بغداد لكنّهم حافظوا على تواجدهم في الحلّة التي كانت مقرّهم العلمي.

لقد احتلّت هذه المدينة مكانةً علميةً مرموقةً رغم ازدهار بغداد آنذاك وحملها لراية العلم والمعرفة وتنوّع المذاهب الدينية فيها؛ بل إنّ هذه العاصمة تهمّشت أمام عظمة الحلّة ولم تضاهؤها علماً ومعرفةً.

دور قم وبغداد في نشأة مدرسة الحلّة :

الفضل في انتعاش مدرسة الحلّة وازدهارها يعود في الواقع إلى غنى التراث العلمي للشيعة في مدرستي قم وبغداد، ففي عصر ازدهار هاتين المدرستين إبّان القرنين الرابع والخامس بعد الهجرة شهدت الأوساط الموالية لمذهب أهل البيت: حركةً علميةً ملحوظةً في مجالي الفقه والكلام.

مدينة قم منذ سالف العهود كانت مركزاً لتأليف ونشر علوم الحديث للشيعة، حيث بلغت الذروة في هذا الصعيد خلال القرنين الثالث والرابع بعد أن لمعت فيها شخصياتٌ يضرب بها المثل في هذا التخصّص من أمثال أحمد بن محمّد بن عيسى وإبراهيم بن هاشم وسعد بن عبد الله ومحمّد بن الوليد؛ وبغداد بصفتها عاصمة العالم الإسلامي آنذاك استقطبت علماء الشيعة نحوها منذ باكورة تأسيسها وهاجر إليها الكثير من أتباع أهل البيت :، وشيئاً فشيئاً تحوّلت إلى مركزٍ رسميٍّ للمذهب الإمامي؛ ولكن لو تتبّعنا التأريخ لألفينا أنّ الفضل في ازدهار علوم الشيعة ببغداد، ولا سيّما علم الكلام، مدينٌ إلى حكومة البويهيين في إيران، فهذا العلم انتقل إلى عاصمة الدولة الإسلامية من تلك الديار البعيدة.

فترة الازدهار هذه التي بلغت الذروة في أواخر القرن الرابع الهجري والنصف الأوّل من القرن الخامس، انتعش علم الكلام لدى الشيعة في رحاب منظومةٍ معرفيةٍ منسجمةٍ لم يسبقها نظيرٌ، حيث أرست دعائمه شخصياتٌ يُشار إليها بالبنان، من قبيل الشيخ المفيد([7]) والسيّد المرتضى([8]) وبعض تلامذتهما من أمثال الشيخ الطوسي([9]).

ولا غرو لو قلنا إنّ ذيوع صيت مدرسة قم ونفوذها الواسع رهينان لرفع المضايقات السياسية عن الشيعة من قبل الحكومة البويهية التي قدّمت يد العون لنشر علوم أهل البيت : أيضاً، وأبرز دليلٍ على ذلك دعوة الشيخ الصدوق إلى مدينة الرّي وتعيينه في مقامٍ رسميٍّ رفيعٍ. قبل هذه الحقبة الزمنية واجه الشيعة وعلماؤهم ظروفاً قاسيةً ومضايقاتٍ ظالمةً على شتّى الصعد السياسية والاجتماعية والاقتصادية وحتّى العلمية، لكن بعد تصدّي آل بويه للحكم فسح لهم المجال وأصبحت لديهم قدرةٌ سياسيةٌ ومن ثمَّ تمكّنوا من إنشاء مركزين علميين مرموقين لهما القدرة على مقارعة أبرز المدارس الفكرية والفرق الإسلامية التي شهدتها الساحة في تلك الآونة.

التوجّهات الفكرية والدينية في مدرستي قم وبغداد لم تنصبّ في تيّارٍ واحدٍ، وقد بلغت بعض الاختلافات درجة النقد اللاذغ وحتّى التّهم المتبادلة على صعيد القضايا العقائدية، حيث انتقد مشايخُ قم علماءَ بغداد بذريعة أنّهم بالغوا في اللجوء إلى الاستدلالات العقلية واتّخذوا جانب التأويل غير الصائب للقرآن والحديث ممّا يعني أنّهم ابتعدوا عن المصادر الدينية الأصيلة التي تعدّ الوسيلة الأساسية لمعرفة كنه المعارف العقائدية. وأمّا علماء الكلام في بغداد فخلال نقدهم لمدرسة قم، سلّطوا الضوء بشكلٍ أساسيٍّ على النزعة الحديثية البحتة التي انتهجها المحدّثون هناك، حيث تسبّبت هذه النزعة الجافّة بفقدان الدقّة والصواب في المباحث العقلية ممّا أدّى إلى تبنّيهم معتقداتٍ مشوبةً بالجبر والتشبيه.

وتجدر الإشارة إلى أنّ مدرسة بغداد بقيت تزاول نشاطاتها العلمية لفترةٍ أطول من نظيرتها قم، والسبب في ذلك يعود لأمور معرفية ونفسية وسياسية عديدة، هذا فضلاً عن أجوائها الاجتماعية والثقافية التي جعلت مدّها العلمي يجتاح مناطق شاسعة من البلاد الإسلامية، وبعبارةٍ أخرى فقد أصبحت المركز الرسمي الذي يعكس متبنّيات الشيّع الإمامي في مختلف الأوساط الثقافية؛ وفي هذه الأثناء واصلت مساعيها الحثيثة للحفاظ على التراث الحديثي للشيعة بعيداً عن أنظار الأوساط العلمية ولم تنفكّ عن ترويج متبنّياتهم العقائدية ([10]).

على مرّ الزمان طرأت كثير من الأحداث التي أسفرت عن أفول نجمي هذين المركزين العلميين بحيث لم يبق لتلك العظمة والرفعة أثرٌ ملحوظٌ في أواخر القرن الخامس الهجري، وعلى الرغم من عدم وجود دراساتٍ دقيقةٍ ومعتمدةٍ لمعرفة العوامل الأساسية التي أدت إلى هذا الزوال الثقافي، لكن لا يمكن تجاهل الظروف السياسية والاجتماعية التي واجهها الشيعة إثر سقوط حكومة البويهيين في منتصف القرن الخامس الهجري وتولّي الأتراك السلاجقة مقاليد الأمور، حيث تشتّت علماء الشيعة في مختلف أصقاع البلاد الإسلامية، فالسلاجقة تحالفوا مع علماء السنّة بغية تحقيق مطامح سياسية وساروا على نهج الحكومة العباسية مستغلّين الضعف الذي انتاب نظام الحكم البويهي، لذلك تمكّنوا من ضمّ مناطق كبيرة لسلطتهم تدريجياً فاجتاحوا شرق البلاد الإسلامية وغربها.

في عام 447هـ سيطر أوّل حاكم سلجوقي على مقاليد الحكم في العاصمة الإسلامية بغداد لينتهج أسلوباً مناهضاً للشيعة فشدّد عليهم الخناق وضيّق نطاق نشاطاتهم العلمية والدينية،([11]) وقد بلغ هذا الظلم غايته حينما استشهد أحد علماء الشيعة في فتنة الكرخ، كما تسبّب في اضطرار الشيخ الطوسي إلى الهجرة رغم كونه زعيم مدرسة بغداد وأبرز شخصيةٍ كلاميةٍ وفقهيةٍ شيعيةٍ فيها، ومن ثمّ حذا علماء الإمامية حذوه وتركوا هذه المدينة أو إنّهم اعتكفوا في منازلهم وانزووا عن المجتمع.

رحل شيخ الطائفة إلى مدينة النجف وجاور مرقد أمير المؤمنين (ع)، لكنّ هذه المدينة لم تضاهِ بغداد من الناحية العلمية ولم تكن بديلةً لها في تلك الآونة، إلا أنّ الله شاء أن تصبح مدينة الرّي مركزاً أساسياً للفكر الكلامي الإمامي بعد أن آلت بغداد إلى الأفول. من الجدير بالذكر هنا هو ظهور بعض المراكز العلمية بعد سقوط بغداد، لكنّها لم تكن تتمتّع بشهرةٍ واسعة النطاق وطرحت العلوم فيها ضمن إطارٍ محدودٍ، ومنها نيسابور وحلب وطرابلس وقزوين والبحرين. هذه المراكز العلمية برمّتها لم تكن بمستوى مدرسة الرّي، حيث هناك كثير من الشواهد التأريخية التي تدلّ على أنّ هذه المدينة كانت مزدهرةً غاية الازدهار العلمي بعد أواسط القرن الخامس الهجري، لذلك استوطنها طلاب بغداد وعلماؤها ونقلوا إليها تراثهم العلمي وهو أمرٌ أسفر عن انطلاق نهضةٍ علميةٍ جديدةٍ لأتباع مذهب أهل البيت :.

وكما هو معلومٌ فخلال القرنين الثالث والرابع الهجريين كان للشيعة حوزةٌ علميةٌ في مدينة الرّي، حيث امتازت برقيّ علوم الحديث نوعاً ما، لذا استضافت فطاحل محدّثي قم والكوفة ليتحفوها بالحديث وعلومه ناهيك عن أنّها ورثت التراث الكلامي من مدرسة بغداد لتصبح قبلةً للعلماء وطلاب العلم الذين طرحوا فيها مختلف المباحث الفقهية والكلامية؛ هذا إلى جانب رواج العلوم التقليدية في الحديث والمعتقدات حسب النمط الذي كان سائداً في مدرسة قم.

لم تكتف مدرسة الرّي بشرح وتحليل الفكر الكلامي الذي كان مطروحاً في بغداد، بل بذل أساطينها جهوداً واسعةً على هذا الصعيد وأضفوا عليه تغييراتٍ عبر استثمار القواعد الأساسية التي تمّ وضعها في علوم كلام المعتزلة والأشاعرة، ويمكننا بيان هذا التحوّل العلمي المشهود من خلال إجراء دراسةٍ مقارنةٍ بين كتابي السيّد المرتضى (الذخيرة في الأصول) و(الملخّص في الأصول) من جهةٍ، وكتاب (المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد) لسديد الدين الحمصي من جهةٍ أخرى، فكتابا السيّد المرتضى يتضمّنان الإنجازات الكلامية الجديدة لعلماء مدرسة بغداد، في حين أنّ كتاب الشيخ الحمصي يعدّ خلاصةً للفكر الكلامي الشائع في مدرسة الرّي؛ ويبدو هذا التحوّل جليّاً في مباحث (دقيق الكلام) أو (لطيف الكلام) والتي تعكس التوجّهات العقلية التي يتبنّاها كلّ متكلّمٍ بغية تفسير معتقداته الدينية.

من الطريف أنّ مدرسة الرّي شهدت تنامي تيّارين فكريين متناحرين في آنٍ واحدٍ، فمن ناحيةٍ انتعشت النشاطات العلمية لأصحاب النزعة العقلية وعلماء الكلام الذين تشبّثوا إلى حدٍّ كبيرٍ بالإنجازات العلمية التي حقّقها نظراؤهم المعتزلة وعدّوها علوماً بشريةً مباحةً وجديرةً بالبحث والتحليل، ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ مشايخ قم الذين يناهضون المنهج العلمي المطروح في الكلام والعقائد ويصرّون على عدم فاعليته ويتّهمون المنضوين تحت مظلّته بالتراجع عن المعارف السماوية الحقّة، تمكّنوا من التغلغل في الأوساط العلمية وبسط نفوذهم هناك؛ وهناك شواهد بيّنة على هذا الأمر في آثار القطب الراوندي وابنه.([12])

إذن، تمكّنت مدينة الرّي من لـمّ شمل مدرستي قم وبغداد واحتضان علمائهما برحابة صدرٍ، ومن ثمّ قامت إلى حدٍّ ما بتطوير القابليات العلمية التي ورثتها منهما.

وكما أشرنا آنفاً فإنّ مدرسة الحلّة كانت أكبر مدرسة كلامية شيعية بعد مدرسة الرّي، لكنّها تعدّ نظيرةً لمدرسة بغداد وأفضل من مدرسة الرّي من حيث تنوّع علومها وسعة نطاقها وكذلك من جهة إنجازاتها على صعيد علم الكلام.

علم الكلام الإمامي لمدينة الحلّة تمكّن من طرح أُسسه في نطاقٍ جديدٍ بعد أنّ انتقل إلى مدينة الرّي، فضلاً عن أنّه استطاع التركيب بين الكلام والفلسفة ليسجّل في أنصع صفحات التأريخ انطلاق مرحلةٍ جديدةٍ في تأريخ علم الكلام لدى الشيعة.

وجهتان متباينتان في مدرسة الحلّة :

لقد أُرسيت دعائم مدرسة الحلّة على وفق أصول مذهب أهل البيت : لكون الحلّة مدينةً شيعيةً من أساسها، فعندما تأسّست هذه المدينة على يد أمير بني مزيد (سيف الدولة) في سنة 495هـ لم يتصوّر أحدٌ بأنّها ستمسي يوماً ملاذاً يأوي إليه أكابر علماء الإمامية بجميع مشاربهم من علماء كلام وفقهاء وهو أمرٌ جعل لها اليد الطولى في مختلف العلوم الإسلامية وغير الإسلامية خلال قرون عديدة؛ ومن الجدير بالذكر هنا أنّ الساحة العلمية في مدينة الحلّة شهدت رواج وجهتين فكريتين متباينتين في مجال علم الكلام، حيث عكستا متبنّيات مدرستي قم والرّي، وعلى مرّ الأيام تطوّرت أركان هاتين الوجهتين بفضل نشاطات العلماء الذين استوطنوها.

تزامنت نشأة مدرسة الحلّة في القرن السادس الهجري مع رواجٍ في التوجّهات الفقهية وركودٍ في العلوم العقلية، وبالطبع فهذه الظاهرة لا تعني إهمال علم الكلام، إذ إنّ فقه التشيّع في مدرسة بغداد قد ارتبط ارتباطاً وطيداً بعلم الكلام الذي أُطلق عليه آنذاك (علم أصول الدين).

علم أصول الدين كان متلازماً مع علم أصول الفقه، لذلك أطلق عليهما (الأصولان)، وبكلّ تأكيدٍ فإنّ هذا الاصطلاح يدلّ على التقارب الذي كان موجوداً بين علمي الفقه والكلام ولا سيّما في مدرسة الحلّة التي شهدت في باكورة تأسيسها نشاطاتٍ علميةً وعقائديةً تمحورت بشكلٍ أساسيٍّ حول شرح آراء السيد المرتضى وتحليلها، ولكن هناك أسباباً بعضها غير معروفٍ أدّت إلى بقاء هذا العلم ثانوياً في تلك الآونة بحيث لم تشهد الساحة سوى عددٍ قليلٍ من المتخصّصين والمبدعين على صعيد المباحث الكلامية، وقد نجم عن هذا الأمر تدوين عددٍ ضئيلٍ من المؤلّفات في الكلام والعقائد. ولكن بمرور الزمان تغيّرت الأوضاع إثر رواج المنافسات المذهبية وتبادل النقد بين مختلف الفرق والأديان، وأيضاً بسبب افتقار علمي الفقه والأصول إلى المباحث الكلامية، حيث وجد علماء الشيعة أنفسهم بحاجةٍ ماسّةٍ إلى تطوير العلوم العقلية وتقويتها؛ وقد تجلى هذا الأمر في مدرسة الحلّة بشكلٍ ملحوظٍ. هناك كثير من الشواهد التأريخية التي تثبت هذا التحوّل، فعلى سبيل المثال قال الشيخ سديد الدين محمود الحمصي إنّه سافر إلى مكّة بطلبٍ من بعض علماء الحلّة وأقام حلقةً دراسيةً هناك لتدريس علم الكلام وأملى على طلاب العلم كتابه المعروف (المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد) المعروف بـ (التعليق العراقي).([13]) ثم تلاه عددٌ من فطاحل العلماء كالمحقّق الحلّي وأستاذه في علم الكلام نجم الدين بن وشّاح الحلّي([14]) والسيّد ابن طاووس([15]) ومفيد الدين محمّد بن جهم الأسدي([16]) ويوسف بن عليّ بن المطهّر الحلّي والد العلامة الحلّي.

وصف المحقّق الحلّي كلاً من يوسف بن عليّ المطهّر الحلّي ومفيد الدين محمّد ابن جهم الأسدي بأنّهما أبرع علماء أصول الدين والفقه في الحلّة عندما عرّفهما إلى الخواجة نصير الدين الطوسي في أوّل زيارةٍ له لهذه المدينة، حيث قال: "هذان أعلم الجماعة بعلم الكلام وأصول الفقه" ([17]).

هناك عددٌ من الشواهد التأريخية التي تدلّ على أنّ هؤلاء العلماء الذين أتحفوا المكتبة الإسلامية في مدرسة الحلّة بنتاجاتهم القيّمة، قد اختلفوا عن أسلافهم، حيث تبنّوا مناهج جديدة في علم الكلام لا تنسجم مع ما تبنّاه أتباع منهج السيّد المرتضى من فكرٍ كلاميٍّ متأثّرٍ بالفكر المعتزلي المتأخّر ([18]). المعتزلة المتأخّرون هم أتباع أبي الحسن البصري وتلميذه الملاحي الخوارزمي المعتزلي، حيث تجاوزوا أسوار الاعتزال البصري وأقبلوا على دراسة القواعد والأصول الفلسفية وتحليلها، فاتّجها نحو الانفتاح على علم الفلسفة([19]).

وقبل هذه المدّة، شهد علم الكلام في مدرسة الحلّة تحوّلاً آخر أسفر عن حدوث تغييراتٍ جذريةٍ في كلام الإمامية بعد رواج مبادئ الفلسفة المشائية بين علماء الشيعة بفضل حضور رمزين من رموز المذهب في هذه المدرسة، وهما الخواجة نصير الدين الطوسي والشيخ عليّ بن ميثم البحراني؛ إذ ألّف الأوّل كتاب (تجريد العقائد) والثاني ألّف كتاب (قواعد المرام) وهو أمرٌ أرسى دعائم المنهج الكلامي المتأخّر بين الشيعة الإمامية والذي استمرّ لمدّة ثلاثة قرون بصفته أعظم تيّارٍ كلاميٍّ إماميٍّ في شتّى أرجاء العالم الإسلامي. تتلمذ العلامة الحلّي على يدي هذين العلمين الفذّين وتناول أبحاثهما العلمية بالشرح والتحليل، ونظراً لمقامه السياسي وقدرته الفقهية استطاع أن يروج مذهبهما الفكري في مختلف الأوساط العملية لأتباع أهل البيت :.

يمكن القول بضرسٍ قاطعٍ إنّ الفكر الكلامي الشيعي الذي روّجه العلامة الحلّي استمرّ حتّى قرنين من الزمن، وطوال هذه الفترة لم نشهد طرح أيّة أفكارٍ جديدةٍ ولم يقم العلماء إلا بشرح وتفسير ما ورثوه من مدرسة الحلّة والدفاع عن متبنّيات السلف؛ وسنذكر لاحقاً أنّ هذا التراث الفكري القيّم قد وصل إلى الشهيدين الأوّل والثاني وسائر أساطين مدرسة جبل عامل ليصبح الدعامة الأساسية لمنهجها الكلامي. يتصوّر كثير من الباحثين أنّ هذه الفترة الزمنية لم تشهد سوى مؤيّدين للمنهج الكلامي المنبثق من مدرسة الحلّة، لكنّ الواقع على خلاف ذلك، حيث شهدت ساحة التشيّع حضور علماء آخرين لم ينخرطوا في ركب هذا الفكر الكلامي لدرجة أنّ بعضهم وجّهوا له نقداً لاذعاً؛ وأبرز هؤلاء هم كبار محدّثي مدرسة الحلّة الذين ينحدر معظمهم من مشايخ قم والرّي. أبرز من انضوى تحت هذا التوجّه المناهض للمباني الكلامية في مدرسة الحلّة أُسرة السيّد ابن طاووس، ولا سيّما السيّد رضي الدين عليّ بن طاووس الذي يعدّ أشهرهم وأكثرهم نفوذاً والذي اعترض على المباني الكلامية الحلّية أكثر من أيّ عالمٍ آخر، وقد ذكرنا آنفاً أنّه تتلمذ على يد ابن وشّاح الحلّي ودرس بعض مباحث كتابه المناهج أو (المنهاج)، وعلى الرغم من عدم توفّر معلوماتٍ كافيةٍ عن دراساته الكلامية قبل هذه الفترة، لكن هناك شواهد تدلّ على براعته في هذا المضمار حيث نلحظ أنّه نقل مواضيع كلامية في آثاره ناهيك عن وجود كثير من الكتب المختصّة بهذا الموضوع في مكتبته الشهيرة؛ وهذا الأمر إن دلّ على شيءٍ فإنّما يدلّ على إلمامه بتفاصيل علم الكلام.([20]) ومن الجدير بالذكر أنّه قد تأثّر بوالده الكريم وجدّه لأمّه ورّام بن أبي فراس،([21]) ولكن ليست هناك مصادر توضّح ما تبنّاه والده من أفكارٍ، بل هناك معلوماتٌ فقط عن جدّه تتمثّل فيما تناقله المؤرّخون وأرباب السير حوله وما ورد في كتابه الشهير (تنبيه الخواطر ونزهة النواظر) المعروف بـ (مجموعة ورام)([22])، ورغم أنّ هذا الكتاب روائيٌّ لكن فيه دلالاتٌ تعكس التوجّهات الفكرية لصاحبه الذي لازم سديد الدين محمود الحمصي ويحتمل أنّه استضافه في مدينة الحلّة، لكنّه مع ذلك لم يتبنَ الأصول الكلامية التي سادت في مدرسة الحلّة؛ وحتّى لو افترضنا أنّ ورام سار على النهج الكلامي السائد في هذه المدرسة، إلا أنّ هذا الافتراض لا يصدق مطلقاً بشأن السيّد ابن طاووس.

نشير فيما يلي بشكلٍ موجزٍ إلى أشهر أثرٍ خلّفه السيّد ابن طاووس تحت عنوان (كشف المحجّة لثمرة المهجة) بوصفه ذا صلةٍ بموضوع بحثنا حول الشهيدين. ألّف السيّد هذا الكتاب في سنة 649هـ حينما تجاوز الستّين من عمره بعامٍ واحدٍ، حيث دوّنه في إطار وصايا أخلاقية موجّهة لولده، وإلى جانب ذلك تضمّن بيان متبنّياته الفكرية بأسلوبٍ مبسّطٍ ومفهومٍ. الملفت للنظر هنا ما ذكره في هذا الكتاب من آراء حول خصوصيات علم الكلام في عصره وما ساقه من نقدٍ للمنهجية المتّبعة فيه آنذاك ناهيك عن تأكّيده على أنّ ما ذكره من مواضيع لم يكن ناشئاً من الجهل بعلم الكلام لأنّه طالع بما فيه الكفاية من مصادر هذا العلم وتعلّم كثيراً عنه طوال سنواتٍ مديدةٍ، حيث قال: " واعلم يا ولدي محمّد ومن يقف على هذا الكتاب أنّني ما قلت هذا جهلاً بعلم الكلام وما فيه من السؤال والجواب، بل قد عرفت ما كنت أحتاج إلى معرفته منه وقرأت منه كتباً ثمّ رأيت ما أغنى عنه، وقد ذكرت في خطبة كتاب البهجة لثمرة المهجة كيف اشتغلت فيه وعلى من اشتغلت في معانيه وما الذي صرفني من ضياع عمري في موافقة طالبيه"([23]).

التصوّر السائد هو أنّ معارضة علم الكلام أو سائر العلوم العقلية المتعارفة من قبل أحد العلماء يعني بالضرورة الإعراض عن العقل ويدلّ على أنّ من يسير في هذا المسلك يصنّف ضمن الطائفة الأخبارية، لكنّ هذا التصوّر عارٍ من الصواب، فالسيّد ابن طاووس لم يعرض عن العقل وقد اعتبر أنّ القدرة على نقد علم الكلام تعدّ من المواهب الذهنية والمعرفية الصادرة من التنبيهات العقلية والنقلية([24])، أي: من العقول المستقيمة والقلوب السليمة.([25]) من الجدير بالذكر هنا أنّ السيّد ابن طاووس لدى قيامه بتحليل أصول العقائد وإثبات ذات البارئ تعالى شأنه، استند إلى الأدلّة العقلية واعتبرها ذات رتبةٍ مقدّمةٍ على العمل بالتكليف الديني، حيث ساق الأدلّة في إطارٍ منطقيٍّ منسجمٍ واستدلّ منها على وفق قواعد عقلية متكاملة([26]).

إذن، بناءً على ما ذكر فالسؤال الآتي يطرح نفسه: ما السبب الذي دعا السيّد ابن طاووس لأن يعارض علم الكلام؟

محور نقاشات السيّد ابن طاووس يدور حول نقطتين أساسيّتين، إحداهما كيفية استخدام العقل والأخرى الطريق الذي يمكن التوصّل من خلاله إلى تحصيل المعرفة،([27]) وأهمّ مؤاخذةٍ ساقها على علماء الكلام تتمثّل في أنّهم ضيّقوا الطريق الذي مهّده الله تعالى ونبيّه الكريم (ص) للمكلّفين على صعيد معرفة المولى والمالك، حيث قال: "قد ضيّقوا على الأنام ما كان سهّله الله جلّ جلاله ورسوله"([28]). فهو يعتبر هذا الطريق سهلاً يسيراً منسجماً مع الأدلّة العقلية البيّنة المؤدّية إلى اليقين والتي تتحصّل بواسطة الأمور الفطرية. فضلاً عن ما ذكر فكلامه يشير إلى اعتقاده بأنّ التعاليم الكلامية السائدة إبّان عصره ناشئةٌ من آراء المعتزلة التي تضمّنت ألفاظاً حادثةً([29]) بعيدةً كلّ البعد عن اليقين، كما نوّه على أنّ معظم هذه الآراء تحول دون سلوك الناس في طريق التديّن القويم([30]).

ومن الحريّ بالذكر هنا أنّ السيّد لم يكتف بنقد النهج المعتزلي، بل وجّه النقد أيضاً إلى كلّ من سار على هذا النهج من علماء الشيعة، لذلك تعرّض لأبرز الرموز الدينيّة في علم الكلام بمدرسة بغداد آنذاك، وبمن فيهم الشيخ المفيد والسيّد المرتضى، حيث استند إلى رسالة القطب الراوندي التي تضمّنت 95 مسألةً من مسائل علم أصول العقائد لبيان الاختلاف في آراء هذين العلمين، وقال في خاتمة المطاف إنّ بسط الموضوع بشكلٍ مفصّلٍ وذكر مصاديق أخرى لإثبات المدّعى تجعل حجم الكتاب كبيراً للغاية؛ لذا اعتبر هذا الأمر دليلاً على كون الطريق لتحصيل المعرفة في علم الكلام بعيداً عن الواقع، فقال: "وهذا يدلّك على أنّه طريقٌ بعيدٌ في معرفة ربّ الأرباب"([31]). هذا الكلام يثبت بوضوحٍ أنّ النهج الكلامي المتّبع آنذاك كان أحد هواجس السيّد ابن طاووس بحيث كانت له نقاشاتٌ ومناظراتٌ حوله مع علماء الكلام المعاصرين له([32])؛ لكنّه مع ذلك لم يتوقّف عند هذا الحدّ، بل ادّعى أنّه أثبت بطلان الأمر على أساس البراهين العقلية والنقلية لأنّه يعتقد بأنّ الطريق الذي اتّبعه علماء الكلام يختلف بالكامل عن تعاليم القرآن الكريم وعلوم النبيّ الخاتم (ص) وسائر الأنبياء والرسل :، إضافةً إلى تباينه مع معتقدات الرعيل الأوّل من علماء المسلمين الذين عاصروا الأئمّة المعصومين : ورافقوهم في ميدان العلم والمعرفة، فالعلماء الأوائل حسب رأيه قد ساروا على النهج الإسلامي الأصيل([33]) الذي وصفه بالقول: "التنبيهات على الدلالات على معرفة مولاهم ومالك دنياهم، محدث الحادثات ومغيّر المتغيّرات ومقلّب الأوقات"([34])، وأكّد على أنّه يختلف عن النهج الكلامي الذي وصفه بأنّه نظرٌ في الجوهر والجسم والعرض والتركيب بحيث إنّ أكثر الناس عاجزون عن إدراكه حتّى وإن استفرغوا غاية الجهد والسعي لأنّه لا يتحصّل إلا من خلال طول الفكر.([35]) ولم تقتصر مساعيه على بيان أسلوبه في إطار الأدلّة التنبيهية العقلية،([36]) بل ساق رواياتٍ عن أهل البيت : تذمّ (الكلام) و(أصحاب الكلام) بغية إثبات صحّة مدّعاه([37]).

إذن، من الواضح بمكانٍ أنّ السيّد ابن طاووس يمنح الأدلّة العقلية قيمةً معرفيةً، إلا أنّه يُعدُّ الإدراكات العقلية مستندةً في أساسها إلى الفطرة التي يولد الإنسان عليها.([38]) وقد اتّخذ موقفاً حيال الجدل المحتدم بين علماء الكلام والمحدّثين حول كون المعارف الإلهية مكتسبةً أو ضروريةً، حيث تصدّى للمتكلّمين بصراحةٍ ولم يؤيّد كون المعرفة مجرّد كسب الإنسان ونظره ولم يعتبرها حصيلةً لاجتهاده وسعيه، بل رأى أنّها جودٌ وعطاءٌ من الله سبحانه وتعالى يأخذان بيد الإنسان للعلم بما لا يعلم حتّى وإن كان قاصراً عن ذلك، فقال: "إنّما الله جلّ جلاله يسلك بالعبد الضعيف إلى التعريف تسليكاً يقصر فهمه عنه".([39]) يجب التنويه هنا على أنّ السيّد لم ينخرط في ركب من حرّم علم الكلام جملةً وتفصيلاً، فقد قال: إنّ مراده من هذا الكلام لا يعني حرمة التأمّل بالجواهر والأعراض، كما لايعني أنّ هذا العلم لا يتيح أيّ طريقٍ للمعرفة، بل المراد هو أنّ الأساليب الكلامية تعدّ طرقاً مطوّلةً ومحفوفةً بالمخاطر ومن ثمّ لا يمكن الخروج منها بسلامٍ.([40]) وقد ذكر أمثلةً لأجل بيان معالم الطريقة التي اتّبعها وتمييزها عن المنهج الذي سلكه علماء الكلام، ومن جملة ما قاله: "إنّني وجدت مثال شيوخ المعتزلة ومثال الأنبياء : مثل رجلٍ أراد أن يعرف غيره أنّ في الدنيا ناراً موجودةً، وذلك الرجل الذي يريد أن يعرف وجودها قد رأى النار في داره وفي البلد ظاهرةً كثيرةً بين العباد ما يحتاج من رآها إلى المعرفة بها ولا اجتهاد". وقال في موضعٍ آخر: "وكلّ من عدل في التعريف عن الأمر المكشوف إلى الأمر الخفي اللطيف، فهو حقيقٌ أن يقال قد أضلّ ولا يقال قد هدى ولا قد أحسن فيما استدلّ"([41]).

لقد تطرّقنا إلى الحديث عن آراء السيّد ابن طاووس بتفصيلٍ أكثر كي نثبت للقارئ الكريم أنّ مدرسة الحلّة شهدت حضور علماء ذوي توجّهاتٍ عديدةٍ في مجال علم الكلام ممّا أسفر عن نشوب جدلٍ كلاميٍّ فيما بينهم بكلّ أدبٍ واحترامٍ، وغالباً ما كان هذا التباين يحدث بين الأستاذ والتلميذ أو بين الزملاء في الدرس. وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ السيّد ابن طاووس ومن حذا حذوه قد عاصروا توجّهاتٍ كانت تروّج للنزعة المعتزلية المتأخّرة في مدرسة الحلّة، وفي الحين ذاته كانت الأوساط الإمامية تقترب أكثر من أيّ وقتٍ مضى لتبنّي مبادئ المنهج الكلامي الفلسفي للخواجة نصير الدين الطوسي والشيخ ابن ميثم البحراني.

الشهيد الأوّل وارث علم الكلام المتأخّر في مدرسة الحلّة:

بلغ علم الكلام الإمامي ذروته واتّسع نطاقه بشكلٍ منقطع النظير ببركة جهود العلامة الحلّي الذي يشهد له أهل العلم والفضل، ومن ثمّ واصل طريقه ولده الكريم فخر المحقّقين([42]) برفقة سائر الأساطين الذين تتلمذوا على يده ليصل هذا التراث القيّم إلى الشهيد الأوّل.

ليست لدينا معلوماتٌ دقيقةٌ حول تأريخ مجيء الشهيد الأوّل إلى مدينة الحلّة، لكنّنا نعلم أنّه في سنة 751ه حاز في هذه المدينة على إجازةٍ من فخر المحقّقين، حيث كان تلميذاً له كما أنّه حضر دروس اثنين من تلامذة العلامة الحلّي، وهما ابنا اخت السيّد عميد الدين والسيّد ضياء الدين.

من الجدير بالذكر هنا أنّ فخر المحقّقين لم يمنح الشهيد الأوّل إجازةً لتدريس كتبه فحسب، بل أجاز له جميع مؤلّفات والده الجليل في المعقول والمنقول والفروع والأصول([43]).

بعد سنة 766هـ غادر الشهيد الأوّل مدينة الحلّة وشدّ الرحال نحو دمشق فحضر عند قطب الدين الرازي، لكنّ ذلك لم يدم طويلاً لأنّ الأخير توفّي في السنة ذاتها، وقد مدحه وأثنى عليه كثيراً في إجازته لابن الخازن قائلاً: "واستفدت من أنفاسه وأجاز لي جميع مؤلّفاته في المعقول والمنقول"([44])، وأشار فيها إلى أنّ القطب كان من التلامذة المميّزين للعلامة الحلّي. كما أنّ الشيخ البهائي تحدّث عن القطب الرازي وقال إنّه مؤلّف كتابي (المحاكمات) و(شرح المطالع) وذكر أنّه درس كتاب (قواعد الأحكام) بين يدي العلامة الحلّي([45]) .

وبغضّ النظر عمّا ذكر، فليست لدينا معلوماتٌ حول أساتذة الشهيد الأوّل في علم الكلام والعلوم العقلية، لكنّنا نعلم أنّه تتلمذ على يد العالم السنّي قاضي القضاة عزّ الدين بن جماعة في المدينة المنوّرة سنة 754هـ حيث روى عنه تفسير الزمخشري (الكشّاف) بعد أن منحه إجازةً عامّةً بجميع المعقول والمنقول الذي ذكره أمامه([46]).

وبشكلٍ عامٍّ يمكن القول إنّ الشهيد الأوّل أعار أهميةً لعلم الفقه فاقت اهتمامه بأيّ علمٍ آخر بحيث اتّصفت شخصيته العلمية بالفقاهة، ومنذ تلك الآونة قلّما قيل عنه بأنّه عالم كلامٍ أو صاحب نزعةٍ عقليةٍ([47])، ولكنّ هذا الأمر لايعني بتاتاً أنّه أعرض عن علم الكلام بالكامل، فهناك شواهد وقرائن كثيرة تدلّ على انهماكه بالمباحث الكلامية إلى جانب دراساته الفقهية طوال مسيرته العلمية، إذ نستشفّ ذلك من مختلف آثاره الكلامية ودروسه وما نُقل عنه من قبل بعض تلامذته.

من التراث العلمي الذي بين أيدينا لهذا العلم الفذّ، أربعة رسائل صغيرة في علم الكلام ولحسن الحظّ فقد وصلتنا كاملةً، وهي عبارةٌ عن: (المقالة التكليفية) و(العقدية الكافية) و(المسائل الأربعينية) و(تفسير الباقيات الصالحات)([48])، وكما يبدو فإنّ هذه الرسائل كانت تحظى باهتمامٍ منذ تلك الآونة وانتشرت في مختلف المناطق الشيعية بحيث توجد العديد من النسخ المخطوطة لها في شتّى المكتبات باستثناء رسالة (المسائل الأربعينية)([49])، ولو طالعنا شرح العلامة البياضي على رسالتي (المقالة التكليفية) و(تفسير الباقيات الصالحات) لأدركنا مدى شهرة الآثار الكلامية للشهيد الأوّل، ورغم أنّ آثاره الفقهية تتضمّن بعض المباحث العقائدية والآراء الكلامية التي تبنّاها، إلا أنّ هاتين الرسالتين تتضمّنان ما فيه الكفاية من الآراء التي تعكس لنا توجّهاته الفكرية.

لقد تتلمذ كثير من طلاب العلم على يد الشهيد الأوّل وبرز من بينهم فطاحل تمكّنوا من طرح متبنّياته الفكرية بأفضل وجهٍ، وعلى رأسهم جمال الدين المقداد بن عبد الله السيوري المعروف بـ(الفاضل المقداد)([50]) الذي استفاض منه وبقي ملازماً له حتّى هاجر إلى الشام. هذا العالم الفاضل يعدّ أحد أعظم شرّاح مبادئ علم الكلام في مدرسة الحلّة، وهناك احتمالٌ كبيرٌ بأنّه اكتسب غالبية علومه ومعارفه من أستاذه البارع الأمر الذي يدلّ بوضوحٍ على الدور الهامّ للشهيد السعيد في نقل التراث الكلامي الحلّي إلى الأجيال اللاحقة([51]).

ومن تلامذة الشهيد الأوّل الذين انتهلوا منه مبادئ علم الكلام، عزّ الدين الحسن بن سليمان الحلّي العاملي صاحب كتاب (مختصر بصائر الدرجات). هذا العالم الجليل برع في علم الحديث، وقد تتلمذ على يد أستاذه الفذّ ودرس عنده كتاب (أنوار الملكوت) وغيره سنة 756ه، حيث أشار الشهيد السعيد إلى هذا الأمر في خاتمة الكتاب.([52]) في هذه الفترة كان الشهيد ينتهل العلم من أساتذته الأفاضل في مدينة الحلّة، وفي الوقت ذاته كان يدرّس تلامذته بصفته أحد أبرز الأساتذة وأبرعهم([53]).

وممّن تتلمذ على يديه المباركتين أيضاً شمس الدين أبو جعفر محمّد بن تاج الدين بن نجده، حيث درس عنده آثار العلامة الحلّي (المناهج في علم الكلام) و(شرح النظم في علم الكلام) و(شرح الياقوت) و(نهج المسترشدين).([54]) في سنة 770هـ  منح الشهيد الأوّل إجازةً لابن نجده بتدريس كتبه وبما فيها (رسالة التكليف)، كما أجاز له تدريس كتب أبي المكارم ابن زهره الحلبي ولا سيّما كتابي (غنية النزوع في علم الأصولَين) المعروف بـ(الغنية) وكتاب (نقض شُبَه الفلاسفة)([55]).

لدينا وثيقةٌ تأريخيةٌ تثبت أنّ الشهيد الأوّل حينما كان مقيماً في مدينة دمشق وفي سنة 784ه بالتحديد منح إجازةً لعليّ بن الخازن الحائري بتدريس ونقل علومه ومعارفه وبما فيها (رسالة التكليف)، أي قبل سنتين من استشهاده، وهذا الأمر بطبيعة الحال يدلّ على أنّ نشاطاته العلمية لم تقتصر على تدريس العلوم الكلامية فحسب، بل كان يروم تأليف نتاجاتٍ جديدةٍ على هذا الصعيد. وأشار ابن الخازن في هذه الإجازة إلى أنّ أستاذه يقوم بتدوين كتبٍ في الفقه والكلام واللغة العربية، حيث قال: "وكتبٌ شرع فيها يرجى إتمامها في الفقه والكلام والعربية إن شاء الله تعالى"([56]).

عند التأمّل فيما ذكر ومع الأخذ بعين الاعتبار التأريخ الذي قام فيه الشهيد الأوّل بتأليف بعض كتبه، يثبت لنا أنّه طوال مسيرته العلمية تأثّر بأفكار بمدرسة الحلّة المتأخّرة ولا سيّما آراء العلامة الحلّي، وبقي على هذا النهج حتّى آخر لحظةٍ من حياته من دون أن يذكر أدنى انتقادٍ حول ما اكتسبه من علوم ومعارف في هذه المدرسة العريقة، كما نلمس من آثاره أنّه لم يبد أيّة رغبةٍ بالانخراط وراء التيّارين الفكريين الآخرين اللذين شاعا بين المتقدّمين هناك وبمن فيهم سديد الدين الحمصي والمحقّق الحلّي والسيّد ابن طاووس وأُسرته.

تراجع الشهيد الثاني عن المد الكلامي لمدرسة الحلة:

شرع الشهيد الثاني بطلب العلم في إحدى المدارس التي بذل الشهيد الأوّل جهوداً مضنيةً لتأسيسها في جبل عامل، ولا ريب في أنّ هذه المدرسة هي إحدى ثمار مدرسة الحلّة لتبنّيها تراثها الفقهي والكلامي وتطويره ليترعرع فيها علماء فطاحل في شتّى أنماط العلوم الإسلامية طوال سنواتٍ مديدةٍ بحيث تمكّنوا من ترويج ما اكتسبوه في مشارق البلاد الإسلامية ومغاربها.

ومن الجدير بالذكر هنا أنّ الدولة الصفوية في تلك الآونة كانت بحاجةٍ ماسّةٍ إلى علماء الشيعة وما لديهم من تعاليم قيّمة بغية ترسيخ دعائم مشروعيتها، لكن لم تجد ضالّتها في إيران والعراق لخلوّهما من هكذا طاقات علمية، لذلك اتّجهت نحو مدرسة جبل عامل طالبة العون من علمائها الأفذاذ.([57])

درس الشهيد الثاني العلوم الفقهية الأساسية في مسقط رأسه (جبع) على يد والده الكريم الذي شرح له كتاب المحقّق الحلّي (شرائع الإسلام) ثمّ بدأ بدراسة أهمّ تأليفٍ للشهيد الأوّل، ألا وهو كتاب (اللمعة الدمشقية)، بعد ذلك سافر إلى مدينة (ميس) لطلب العلم فتتلمذ على يد الشيخ عليّ بن عبد العالي حتّى بلغ الثانية والعشرين من عمره الشريف.

فضل مدرسة الحلّة على الشهيد الثاني ليس محدوداً بما اكتسبه من أساتذته الذين تتلمذوا فيها، بل إنّ آباءه الكـرام مدينون أيضاً لهذه المدرسة العريقـة، حيث نقل أنّ جدّه الشيخ صالح بن مشرف الطلوسي كان من تلامـذة العـلامة الحلّي([58]).

يبدو أنّه حتّى ذلك الوقت لم ينصرف إلى دراسة علم الكلام بشكلٍ دقيقٍ حيث لم يشر في سيرته الذاتية إلى أيّ أستاذٍ أو كتابٍ لهذا العلم خلال تلك الفترة من حياته، لكنّه قال إنّه خلال هذه المرحلة من حياته شدّ الرحال إلى (كرك نوح) وتتلمذ على يد السيّد حسن بن جعفر فدرس عنده علوم الفقه والأصول والنحو فضلاً عن علم الكلام، كما درس عنده واحداً من أهمّ الآثار الكلامية التي أنتجتها مدرسة الحلّة، ألا وهو كتاب (قواعد المرام) لابن ميثم البحراني([59]). بعد ذلك قفل عائداً إلى موطنه جبع ليقيم هناك ثلاث سنواتٍ، وفي سنة 937ه اتّجه نحو دمشق ليواصل دروسه في العلوم العقلية بجدّيةٍ أكثر، فضلاً عن ذلك فقد انخرط في دراسة علمي الطبّ والهيئة إذ أبدع فيهما مستفيداً من أستاذه شمس الدين محمّد بن مكّي العاملي الذي قال عنه: "الشيخ الفاضل المحقّق الفيلسوف شمس الدين"، وفي الحين ذاته استهوته العلوم الفلسفية فقرأ عنده بعض مواضيع (حكمة الإشراق) للسهروردي([60]).

في سنة 942هـ ترك دمشق متوجّهاً نحو مصر ليواصل طلب العلم هذه المرّة لدى كبار علماء أهل السنّة، وقد ذكر له تلميذه بهاء الدين ابن العودي كراماتٍ وألطافاً إلهيةً طوال مسيرته من الشام إلى مصر. يُذكر أنّ ابن العودي يعد أحد أبرز تلامذة الشهيد السعيد وأخصّهم لديه بحيث لازمه إلى دمشق ومكث معه هناك، وهو الذي نقل لنا السيرة الذاتية التي دوّنها الشهيد بقلمه.

عند إقامته في مصر أبدى شوقاً شديداً للخوض في علم الكلام وسائر العلوم العقلية، حيث قال إنّه حضر عند الشيخ شهاب الدين أحمد الرملي الشافعي لدراسة فقه المذهب الشافعي وأصوله فضلاً عن كثير من الكتب في مختلف العلوم والفنون اللغوية والعقلية وغيرها، بما فيها كتاب (شرح تجريد الاعتقاد) للملا عليّ القوشجي مع حواشي الملا جلال الدين الدواني، ودرس كتباً في الهندسة وعلم الهيئة عند الملا حسين الجرجاني، وحضر عند الملا محمّد الجيلاني لدراسة مواضيع في علم المعاني. كما قال إنّه قرأ عند ناصر الدين اللقاني المالكي ووصفه بالقول: "لم أرَ بالديار المصرية أفضل منه في العلوم العقلية والعربية".

ومن اللافت للنظر أنّ الشهيد السعيد واصل دراسة علوم الرياضيات لدى إقامته في مصر، فدرس عدداً من الكتب التخصّصية على هذا الصعيد من قبيل علم الحساب والجبر والمقابلة،([61]) ناهيك عن أنّ نشاطاته العلمية الكلامية في هذه الفترة لم تقتصر على المباحث النظرية فحسب، بل شارك في المناظرات والاحتجاجات التي شهدتها الساحة في مجال الكلام والعقائد، فقد قال ابن العودي إنّه حينما سافر إلى (غزّة) التقى بالشيخ محي الدين عبد القادر بن أبي الخير الغزّي وجرت بينهما حجاجاتٌ ومباحثاتٌ، وبعد ذلك أجازه الشيخ محي الدين إجازةً عامّةً وصارت بينهما مودّةٌ شهد لها الجميع وأدخله إلى خزانة كتبه، فلمّا أراد الخروج قال له: "اختر لنفسك كتاباً من هذه الكتب"، فوضع يده على كتابٍ من غير تأمّلٍ ولا تعيينٍ فشاءت الصدفة أن يكون ذلك الكتاب للعلامة الحلّي.

يقول الشهيد إنّه رافق أستاذه الشيخ أبي الحسن البكري([62]) من مصر إلى البقاع المقدّسة في مكّة والمدينة لأداء فريضة الحجّ، وذلك كي يستثمر الفرصة في الطريق للبحث والنقاش، وبالفعل فقد حدثت بينهما مناظرةٌ تمحورت حول أهمّ المواضيع الكلامية في تلك الآونة، وقد نقلها بكلّ تفاصيلها([63]). تمحورت هذه المناظرة حول مسألة وجوب النظر في العقائد، فبعض علماء الكلام يعتقدون بأنّ كلّ إنسانٍ مكلّفٌ بالتفكّر والاستدلال في مجال أصول العقائد، لكنّ الشهيد الثاني أشكل على هذا المدّعى بأنّ عوامّ الناس وعلماءهم لا ينتمون إلى مذهبٍ واحدٍ، فكل فئةٍ وطائفةٍ بعلمائها وعوامّها تتبنّى آراءها الدينية ومعتقداتها الخاصّة من دون أن تتحرّى وتدقّق في معتقدات المذاهب الأخرى؛ لذا ما هو حكم هذه الفئات والطوائف عند الله عزّ وجلّ؟ فهل هو راضٍ عنها جميعاً؟ فأجابه الشيخ أبو الحسن البكري بإجابةٍ ذات دلالةٍ عميقةٍ قائلاً: "يا شيخ ليست هذه أوّل قارورةٍ كُسرت في الإسلام"، ومن ثمّ اختتمت المناظرة بهذه العبارة. ولعلّ هذا الجواب الذي يدلّ بوضوحٍ على الصعوبة البالغة لمباحث علم الكلام قد كان الشرارة الأولى لنشأة أفكارٍ جديدةٍ حول أهمّية هذا العلم لدى الشهيد الثاني.

ذكرنا آنفاً أنّ نقطة الاختلاف الكلامي في مدرسة الحلّة تدور في فلك مسلكين فكريين أساسيّين للأساليب والمصادر التي تأخذ بيد الإنسان نحو كسب معارفه الدينية والعقائدية، أحدهما المسلك الذي سار عليه السيّد ابن طاووس ومن حذا حذوه، والآخر المسلك الذي انتهجه سائر كبار علماء الكلام في هذه المدرسة من أمثال الشيخ سديد الدين محمود الحمصي والخواجة نصير الدين الطوسي وابن ميثم البحراني؛ وسنلاحظ في طيات البحث أنّ نقطة انتقال الشهيد من نطاق النهج الكلامي لمدرسة الحلّة إلى نطاقٍ معرفيٍّ انتقاديٍّ، قد بدأ من مناظراته التي دارت حول مسألة وجوب النظر.

بالنسبة إلى تدريس علم الكلام من قبل الشهيد الثاني، هناك شواهد تأريخية تثبت أنّه إلى جانب تدريسه علم الفقه قام أيضاً بتدريس العلوم الكلامية، وقد ذكر حفيده الشيخ علي صاحب كتاب (الدرّ المنثور) اثنين من تلامذته الذين حضروا بين يديه في مباحث دروسه العقلية.([64]) كما أنّه في سنة 941ه منح إجازةً للشيخ عبد الصمد والد الشيخ البهائي أكّد فيها على أنّ الشيخ قد درس عنده كثيراً من كتبه في الفقه والمنطق والأصولَين - علم أصول الفقه وعلم أصول الدين (علم الكلام) - وهذه الإجازة بنفسها تتضمّن معلوماتٍ مفيدةً تحكي عن سعة نطاق علوم الشهيد السعيد واطّلاعه الواسع على مبادئ علم الكلام([65]).

في مقارنةٍ موجزةٍ بين الشخصيتين الكلاميتين للشهيدين الأوّل والثاني، نقول بضرسٍ قاطعٍ إنّ علم الكلام وإن كان بالنسبة إليهما مجرّد تخصّصٍ جانبيٍّ إلى جانب علم الفقه، لكنّ الشهيد الثاني أبدى رغبةً أكثر من الشهيد الأوّل بالعلوم العقلية التي تشمل الكلام والفلسفة والرياضيات والهيئة والنجوم، كما أنّه خاض في المباحث الكلامية بتفصيلٍ أكثر. وما تجدر إليه الإشارة في هذه المقارنة أنّ حياة الشهيد الأوّل شهدت ثبوتاً واستقراراً فكرياً نسبياً وبقي حتّى آخر أيّام عمره وفياً للفكر الكلامي المتبنّى في مدرسة الحلّة، إلا أنّ الشهيد الثاني الذي بدأ مسيرته الكلامية في هذه المدرسة ومن ثمّ رسّخ فكره الكلامي بواسطة العلوم الفلسفية والمنطقية التي تعلّمها فيما بعد، شيئاً فشيئاً انضمّ إلى التيّار المناهض لعلم الكلام.

رؤية الشهيد الثاني حول علم الكلام والفلسفة :

إنّ أفضل سبيلٍ لمعرفة وجهة نظر الشهيد الثاني بالنسبة إلى علم الكلام ونشاطاته العلمية في مجال علم الفلسفة، هو الرجوع إلى آثاره المدوّنة التي تعكس آراءه بشكلٍ واضحٍ وصريحٍ، لذا سوف نتّبع هذه الطريقة بغية تحقيق المراد من البحـث؛ ولكن قبل أن نبدأ بتسليط الضوء على النصوص المرتبطـة بالموضوع لانرى بأساً في ذكر بعض مؤلّفاته لأنّ هذا الأمر من شأنه بيان مسيرته الفكرية والتغييرات التي طرأت عليها في التعاطي مع مبادئ علم الكلام التي كانت سائدةً في كلّ آنٍ من حياته ومكانٍ شهد حضوره.

بإمكاننا تتبّع المسيرة الفكرية والثقافية لهذا العلم الفذّ بفضل الدقّة المتناهية التي بذلها في بيان بعض خصائص مؤلّفاته ضمن المقدّمات التي دوّنها عليها وكذلك بفضل السيرة الذاتية التي أعدّها ودوّنها الشيخ بهاء الدين بن العودي.

يمكن القول باختصارٍ إنّ الشهيد السعيد أنهى دراساته العليا بمختلف الفروع العلمية وهو في سنّ الثلاثة والثلاثين، أي في سنة 944ه بالتحديد وذلك بعد أن تتلمذ على أيدي أساطين علماء الفريقين شيعةً وسنّةً في جبل عامل والشام ومصر؛ ومن ثمّ تطرّق إلى البحث والتحليل في عددٍ من العلوم، وقد قام بتدوين آرائه ومتبنّياته الفكرية خلال مختلف مراحل حياته، فقد فعل ذلك حين إقامته بلبنان وقيامه بالتدريس في مدينة بعلبك وأثناء أسفاره العبادية لزيارة العتبات المقدّسة في العراق وحجّ بيت الله الحرام في بلاد الحجاز وأسفاره العلمية والتبليغية إلى عددٍ من المدن بما فيها حلب والقسطنطينية؛ وعلى هذا الأساس فمن المحتمل أنّه قام بتأليف جميع آثاره بعد سنة 944هـ، وقد أكّد ابن العودي أيضاً على هذا الأمر وأضاف بأنّ الشهيد في بداية هذه المرحلة حتّى سنة 948هـ حينما أصبح علماً بارزاً معروفاً لدى القاصي والداني، لم يكن يرغب بطرح مؤلّفاته بين الأوساط العلمية([66]). ومن الجدير بالذكر أنّ الشهيد الثاني في سيرته الذاتية التي دوّنها سنة 955هـ  لم يشر إلى أيّ واحدٍ من مؤلّفاته في حين نجده غالباً ما يقوم في خاتمة كلّ كتابٍ يؤلّفه بتدوين التأريخ الدقيق لتأليفه.

رسالته المعروفة (عدم جواز تقليد الميّت) تعدّ أوّل مصدرٍ تطرّق فيه إلى موضوع بحثنا بشكلٍ صريحٍ، حيث ألّفها في شهر شوّال سنة 949ه وشجّع طلاب العلم فيها على دراسة علم الفقه والسعي للاجتهاد. كما أشار فيها إلى أنّ كثيراً من الطلاب العجم يمضون عمرهم في طلب علوم الحكمة كالفلسفة والمنطق وما شاكلهما، وقال: إنّ هذا العمل إمّا أن يكون حراماً بذاته أو أنّ حرمته تعود إلى تعارضه مع أحد الواجبات الدينية، أي: إنّه يتعارض مع تحصيل الاجتهاد؛ واعتبره من أعظم المحن وأشدّ المصائب، حيث قال: "وأعظم من هذا محنةً وأكبر مصيبةً وأوجب على مرتكبه إثماً، ما يتداوله كثيرٌ من المتّسمين بالعلم من أهل بلاد العجم وما ناسبها من غيرهم في هذا الزمان، حيث يصرفون عمرهم ويقضون دهرهم على تحصيل علوم الحكمة كعلم المنطق والفلسفة وغيرهما ممّا يحرم لذاته أو لمنافاته للواجب"([67]).

وفي كتاب (منية المريد في أدب المفيد والمستفيد) الذي انتهى من تأليفه سنة 954ه أشار بشكلٍ صريحٍ إلى حرمة (بعض الفلسفة) وعدّهــا نظيرةً للسحر والشعوذة ومثيرةً للشبهات والشكوك بين الناس، فقال: "وأمّا السنّة فكتعلّم نقل العبادات والآداب الدينية ومكارم الأخلاق وشبه ذلك، وهو كثيرٌ ومنه تعلّم الهيئة للاطّلاع على عظمة الله تعالى وما يترتّب عليه من الهندسة وغيرها. وبقي علومٌ أُخر بعضها محرّمٌ مطلقاً، كالسحر والشعبذة وبعض الفلسفة وكلّ ما يترتّب عليه إثارة الشكوك ..."([68]). نلحظ من هذا الكلام أنّه يتّخذ موقفاً حازماً تجاه الفلسفة ولا يمكن التشكيك في دلالته الصريحة، إلا أنّ موقفه في هذا الكتاب نفسه تجاه علم الكلام مشوبٌ بالترديد الحذر، فعلى سبيل المثال لدى بيانه أقسام العلوم الشرعية الأصلية([69]) قيّدها في أربعة موارد وأوّل موردٍ ذكره هو علم الكلام الذي أشار إلى أنّه يسمّى ايضاً (أصول الدين) وعدّه أساساً للعلوم الشرعية، حيث قال: "فأمّا علم الكلام - ويعبّر عنه بأصول الدين - فهو أساس العلوم الشرعية وقاعدتها لأن به يعرف الله تعالى ورسوله وخليفته، وغيرها ممّا يشتمل عليه؛ وبه يعرف صحيح الآراء من فاسدها وحقّها من باطلها، وقد جاء في الحضّ على تعلّمه وفضله كثيرٌ من الكتاب والسنّة. قال الله تعالى: )فَٱعۡلَمۡ أَنَّهُۥ لَآ إِلَٰهَ إِلَّا ٱللَّهُ (، وقال تعالى: )أَوَ لَمۡ يَتَفَكَّرُواْ فِيٓ أَنفُسِهِمۗ مَّا خَلَقَ ٱللَّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَآ إِلَّا بِٱلۡحَقِّ...("، وبعد أن ذكر آياتٍ تدلّ على أهمّية المعارف التوحيدية وترغّب بطلب العلم والمعرفة، نقل رواياتٍ من توحيد الكليني وتوحيد الصدوق([70]). في هذا الفصل نفسه، حينما تطرّق إلى الحديث عن بعض العلوم الفرعية التي تعدّ أساساً لمعرفة العلوم الشرعية الأصلية، نجده لا يشير بشكلٍ صريحٍ إلى تلك العلوم الفرعية التي يتوقّف علم الكلام عليها، بل إنّه يذكر بصراحةٍ عدم حاجة معرفة الله تبارك وتعالى والإلمام بسائر المعتقدات الدينية إلى أيّ علمٍ من العلوم المتداولة لأنّ ذلك يتوقّف على النظر والتفكّر فحسب، فقال: "العلوم الفرعية: وهي التي تتوقّف معرفة العلوم الشرعية عليها، أمّا المعرفة بالله تعالى وما يتبعه فلا يتوقّف أصل تحقّقه على شيءٍ من العلوم، بل يكفي فيه مجرّد النظر، وهو أمرٌ عقليٌّ يجب على كلّ مكلّفٍ، وهو أوّل الواجبات بالذات، وإن كان الخوض في مباحثه وتحقيق مطالبه ودفع شبه المبطلين فيه يتوقّف على بعض العلوم العقلية كالمنطق وغيره"([71]). ومن الطريف أنّ الشهيد الثاني عدّ وجوب النظر هنا بأنّه (أوّل الواجبات) وقد ذكرنا هذا الأمر آنفاً في ضمن إشارتنا إلى نقاشه مع أبي الحسن البصري، وسنذكره لاحقاً أيضاً.

وبهذا يتّضح أنّ الشهيد الثاني يعتقد بوجود اختلافٍ بين عامّة الناس والعلماء على صعيد التكليف في علم الكلام، وهو في هذه الرؤية يخالف ما ذهب إليه بعض علماء الكلام من حيث اعتبارهم ضرورة هذا العلم لعوامّ الناس لكونه وازعٌ لتصحيح معتقداتهم؛ إلا أنّه لا يرى فائدته تكمن في الردّ على شبهات المعاندين فقط، لذا ليس من الغريب أنّه في خاتمة كتاب منية المريد ضمن تنظيمه للعلوم في رتبٍ متدرّجةٍ حسب مدى الفائدة من التعلّم، قال: إنّ علم الكلام مقدّمٌ على سائر العلوم لكنّه يأتي بعد تعلّم القرآن الكريم وعلوم العربية، حيث قال في ترتيبه لهذا: "... ثمّ ينتقل منه إلى علم الكلام ويتدرّج فيه كذلك ويطّلع على طبيعياته ليحصل له بذلك ملكة البحث والاطّلاع على مزايا العوالم وخواصّها، ثمّ ينتقل منه إلى أصول الفقه ..."([72]). نستنتج من هذه العبارة أنّه لا يقيّد علم الكلام في إطار تحصيل العقائد الدينية، بل يراه ضرورياً على صعيد البحث والنقاش مع المعارضين والتعرّف على شتّى شؤون الكون وخصائص مختلف العوالم. إذن، على أساس هذا الترتيب فإنّ عدم الانسجام الموجود في المواضيع المطروحة في بادئ كتاب منية المريد يزول.

وبكلّ تأكيدٍ فلا بدّ من الالتفات إلى أنّ هدف الشهيد الثاني من تأليف هذا الكتاب هو إرشاد طلاب العلوم الدينية لكونه أشبه بالدراسة المقارنة بين العلوم الإسلامية، لذا نوّه الشهيد فيه على الرسالة الملقاة على عاتق علماء الدين.

إلى جانب رسالة (عدم جواز تقليد الميّت) وكتاب (منية المريد في أدب المفيد والمستفيد)، قام بتأليف آثارٍ أخرى وأجاب عن أسئلةٍ طرحها العلماء الذين عاصروه، حيث نستشفّ منها أنّه أعار أهميةً كبيرةً لبيان المنهج الصائب لاكتساب المعارف الدينية والتعريف بمكانة علم الكلام، كما نستنتج منها مدى أهمّية هذا الأمر وفائدته العملية بالنسبة إلى كثير من العلماء والمحقّقين الذين عاصروه؛ وهذه الأهمية تبدو جليّةً في تلك الأسئلة التي تكرّرت بصيغٍ عديدةٍ من قبل عدّة أشخاصٍ. ومن الجدير بالذكر هنا أنّ مضامين هذه المواضيع تنسجم بالكامل مع ما ورد في الكتاب والرسالة المشار إليهما أعلاه، وسنكتفي هنا بتسليط الضوء على جانبٍ ممّا ورد في كتاب (المقاصد العلّية في شرح الرسالة الألفية) وبعض إجاباته عن الأسئلة التي وجّهت له.

وقد قام بتأليف (المقاصد العلّية) في سنة 950ه وهو شرحٌ لـ(الرسالة الألفية) للشهيد الأوّل والتي هي عبارةٌ عن شرحٍ لبعض أحكام الصلاة.

كتب الشهيد الأوّل حول شروط صحّة الصلاة ما يأتي: "ويشترط في صحّتها - الإسلامُ - لا في وجوبها، ويجب أمام فعلها معرفة الله تعالى وما يصحّ عليه ويمتنع وعدله وحكمته و ... كلّ ذلك بالدليل لا بالتقليد، والعلم المتكفّل بذلك علم الكلام".([73]) كما هو واضحٌ من هذا الكلام فالشهيد الأوّل يعتبر الإسلام شرطاً في صحّة الصلاة ويرى أنّ معرفة الله تعالى وأوصافه وأفعاله من الأمور الضرورية، ويؤكّد على كون ذلك يتحقّق عن طريق البرهان السليم وعلم الكلام. وقد ذكر الشهيد الثاني بعض المسائل وقام بشرحها وتحليلها لدى شرحه هذه العبارة، وما ورد في شرحه هذا يؤيّد ما ذكرناه في طيّات البحث سابقاً.

إنّ أهمّية مواضيع هذا الكتاب تحظى بأهمّيةٍ بالغةٍ لأنّها تتيح المجال للمقارنة بين مختلف آراء الشهيد الأوّل، فعند بيان عبارة "بالدليل لا بالتقليد" عرّف الشهيد الثاني الدليل كما يأتي: "ترتيب ما تطمئنّ به النفس من الأمور الموجبة لإثبات المعارف والجزم بها بأيّ ترتيبٍ اتّفق"، وعرّف التقليد المحض كالآتي: "الأخذ بقول الغير من غير حجّةٍ". هذا التعريفان يدلان على ما يأتي:

أوّلاً: الشهيد الثاني لا يعرّف الدليل بالمعنى المتعارف في علم الكلام ولا يتقيّد بما عرّفه علماء الكلام، وهو في هذا المجال يخالف سلفه الأوّل وسائر متكلّمي مدرسة الحلّة لأنّه لا يقيّد الدليل بالاستدلال العقلي والكلامي؛ فهو يعتبر الجزم بالمعارف حجّةً كيفما تمّ تحصيله.

ثانياً: قام الشهيد الثاني بتقييد أحد المصطلحات الهامّة المتدوالة في المجال المعرفي بين علماء الكلام، ألا وهو التقليد الذي رفضه الشهيد الأوّل في مجال المتبنّيات العقائدية؛ حيث قيّد هذا النمط المرفوض بكونه محضاً ليصبح المصطلح (التقليد المحض) من منطلق اعتقاده بأنّ التقليد ليس مذموماً بذاته، بل يكون مذموماً عندما لا يستند إلى أمرٍ يجعله حجّةً، أي التشبّث بأحد الآراء بلا برهانٍ أو حجّةٍ تامّةٍ. حسب هذا الرأي فليس من القبيح بمكانٍ تقليد متبنّيات الآخرين الفكرية وآرائهم شريطة أن تكون مقبولةً وحجّةً عقلاً وشرعاً([74]).

وبعد هذا المبحث بقليل يؤكّد على أنّ الاستدلال المطروح في علمي الفلسفة والكلام لا يعدّ ضرورياً لأنّ الاطمئنان يمكن أن يتحقّق بدونه، حيث قال: "ولا ينحصر الدليل على هذه المعارف فيما ذكره العلماء، بل لا يشترط ترتيب مقدّماته على الوجه المعتبر في الانتاج عند أهل الحدّ والبرهان، وإنّما الواجب علينا من ذلك إقامة ما تطمئنّ به النفس بحسب استعدادها ويسكن إليه القلب بحيث يمنع من تطرّق الشبهة عن عقيدة المكلّف ويخرج عن التقليد البحت والعمى الصرف كدليل العجوز وغيرها"([75]). من هنا نلاحظ أنّه ابتدأ يبتعد عن بعض آراء الشهيد الأوّل شيئاً فشيئاً لأنّه عدَّ الدليل بأنّه كلّ ما يحقّق الطمأنينة في النفس ناهيك عن رفضه لنمط الاستدلال الشائع بين علماء الكلام بحيث لا يرى له ضرورةً، فهو يعتقد أنّ إقامة الدليل يعدّ أمراً نسبياً، أي: إنّه يختلف بحسب الأفراد ومدى قابلياتهم الفكرية لدرجة أنّ العجوز التي تستدلّ على وجود الله تعالى بواسطة غزلها، يكون استدلالها حجّةً معتبرةً بالنسبة إليها. وعلى هذا الأساس نجده يؤكّد هنا على أنّ علم الكلام مجرّد واجبٍ كفائيٍّ يمكن الاعتماد عليه لردّ شبهات الخصوم والحفاظ على المذهب من نفوذهم، لذا يكفي أن يتواجد في كلّ منطقةٍ عالمٌ واحدٌ بارعٌ في فنون علم الكلام كي يرجع الآخرون إليه؛ لكنّه في الحين ذاته ينوّه على ضرورة اطّلاع الإنسان على الأدلّة التفصيلية عند مواجهته شبهاتٍ حول معتقداته الدينية.

المسألة الأخرى الجديرة بالذكر حول تفسير الشهيد الثاني لمعنى الدليل ومفهومه هي تأكيده على سهولة تحصيل المعتقدات لكلّ إنسانٍ في زمانٍ يسيرٍ([76])، فهو يقول بصريح العبارة إنّ أساس معرفة الله تعالى ونبوّة نبيّنا الكريم (ص) ليس بحاجةٍ إلى تفاصيل وتفريعات أضافية، أي: إنّه عارض ما ورد في مقدّمات بعض الكتب العقائدية والكلامية التي عدّت من ينكر جميع المعتقدات التي لم تُذكر في هذه الكتب بأنّه كافرٌ([77]).

ومن الجدير بالذكر هنا أنّ الشهيد الثاني في كتاب (المقاصد العلّية) يعتقد بوجوب النظر على جميع المكلّفين ويؤكّد على أنّه أوّل الواجبات([78])، ولكن طبقاً لما ذكرنا فإنّ مفهوم النظر برأيه يختلف تماماً عمّا تبنّاه الشهيد الأوّل وسائر علماء الكلام الذين سبقوه.

ذكرنا آنفاً أنّ ابن العودي أشار إلى أنّ الشهيد الثاني عُرف بالفضل والعلم بين الأوساط العامّة والعلمية بعد سنة 948هـ لدرجة أنّ العلماء بمختلف مشاربهم رجعوا إليه في قضاياهم العلمية وطرحوا عليه كثيراً من الأسئلة، بما فيها أسئلةٌ ترتبط بموضوع بحثنا وقد طرحت عليه مراراً وتكراراً. على سبيل المثال فالأسئلة التي طرحها شكر بن حمدان بن صالح الغروي في سنة 952هـ  والتي جمعت تحت عنوان (أجوبة مسائل شكر بن حمدان) فيها سؤال حول تحديد المعيار المناسب لمعرفة المعتقدات والأسلوب اللازم اتّباعه في ذلك كي يتحقّق الإيمان على أساسه وينال العبد النجاة في ظلّه. لدى إجابة الشهيد السعيد عن هذا السؤال نجده يذكر التعابير التي ذكرناها أعلاه، ويضيف عبارةً في غاية الأهمّية، وهي قوله: "والأغلب في عامّة الناس أنّ معارفهم مستندةٌ إلى دليلٍ، لكن لا يمكنهم التعبير، والعبارة غير شرطٍ"([79]). كما نلحظ في هذه العبارة فهو يرى أنّ الغالبية من عامّة الناس يتبنّون معتقداتهم على أساس الدليل من دون أن يتمكّنوا من بيانه والتعبير عنه، وفي ختام كلامه أكّد على عدم اشتراط الصيغ الكلامية في الاستدلال على العقيدة.

هناك سؤالٌ آخر طرحه شكر بن حمدان على الشهيد الثاني وهو يحظى بأهمّيةٍ أكبر من السؤال السابق من بعض النواحي، ويلخّص بما يأتي: إن قام شخصٌ بتقليد الآخرين في أصول الدين وأصبح اعتقاده جازماً بحيث لا يرجع عنه، لكن في الحين ذاته ليس باستطاعته إقامة دليلٍ عليه أو أنّه لا يعرف دليلاً يستند إليه مع كونه قادراً على النظر والتفكّر؛ فهل هو من زمرة المؤمنين وينال أجراً على ذلك أو لا؟

أجاب الشهيد عن هذا السؤال بالقول: "إقامة الدليل اللفظي غير شرطٍ في الإيمان، بل يكفي انقداحه في النفس بحيث تطمئنّ إلى مدلوله بأيّ وجهٍ اتّفق كدليل العجوز وغيره، وأمّا التقليد المحض فغير مجزٍ ولا موجبٍ للإيمان"([80]). هذه الإجابة تدلّ على أنّ الشهيد يؤكّد بصراحةٍ على عدم ضرورة النظر وتحصيل الأدلّة التفصيلية لمن هو عاجز عن ذلك، بمعنى عدم ضرورة السعي لدراسة مباحث علم الكلام بوصفها ليست شرطاً في الإيمان أو كسب الثواب.

إذن، نستنتج ممّا ذكر أنّ الشهيد الثاني وإن أوجب النظر في العقائد، لكنّ تعريفه يختلف لهذا الأمر عمّا تبنّاه علماء الكلام اختلافاً تامّاً لأنّه يرى أنّ عامّة الناس لديهم أدلّةٌ على معتقداتهم رغم عدم قدرتهم على إقامتها وبيانها للآخرين بشكلٍ منطقيٍّ. فهو يصرّح بأنّ الدليل الحقيقي هو أمرٌ كامنٌ في قرارة الإنسان ويوجد الطمأنينة في نفسه بمضمونه، وفي هذا المضمار لا يحتاج المكلّف إلى أيّ صيغٍ وتراتيب خاصّة، أي: إنّ الطمأنينة إن تحقّقت في نفسه فهي حجّةٌ مهما كان طريقها.

ومن ضمن الأسئلة التي طرحت عليه، ما ذكره السيّد ابن طراد الحسيني، لكنّها ذكرت في أجواء مختلفة عمّا طرح سابقاً، ويلاحظ فيها أنّ الشهيد الثاني لم يتشدّد في مسألة وجوب الدليل بالمستوى السابق. من جملة تلك الأسئلة سؤالٌ عن أقلّ مراتب المعرفة، فلو أنّ شخصاً لا يتقن الاستدلال على العلوم والمعارف ويترك بلاده مسافراً، هل أنّ سفره هذا يدرج ضمن موضوع (سفر المعصية) أو لا؟

في الإجابة عن هذا السؤال، وضّح الشهيد معنى معرفة الله تعالى وصفاته معتبراً ذلك أدنى مراتب المعرفة، ثمّ قال: "وإن لم يقم على كلّ مسألةٍ دليلاً، لعسر ذلك على أكثر الناس وما كان النبيّ (ص) يكلّف الناس غير ذلك ... وهذا أمرٌ سهلٌ يمكن حصوله في ساعةٍ واحدةٍ"([81]).

كما هو واضحٌ في هذا الجواب فإنّ رؤية الشهيد الثاني تختلف نوعاً ما عمّا جاء في الأجوبة السابقة، حيث عدل عن ضرورة إقامة الدليل حتّى ضمن الأحوال التي تكون المعرفة فيها واجبةً؛ وعبر تأكيده على أنّ معرفة الدليل تعدّ أمراً صعباً على معظم الناس عدّ إقامته على جميع المعتقدات ليس ضرورياً لأنّ النبيّ الأكرم (ص) والمؤمنين الأوائل لم يطلبوا من المسلمين أكثر من الإيمان بالمعتقدات التي جاءت بها التعاليم الإسلامية، وأشار إلى أنّ هذا الأمر يمكن تحصيله بشكلٍ سريعٍ ويسيرٍ.

وفي إجابته عن سؤالٍ آخر أكّد أيضاً على هذا المبنى وعدَّ إقامة الدليل واجباً كفائياً، وقال: "وأمّا إقامة الدليل على ذلك فهو فرضٌ كفايةً على أهل القطر لتقوية الضعفاء وإزاحة الشبهة العارضة ومقاومة الخصم بالحجّة إن اتّفق"([82]). نلمس في هذه العبارة أنّ الشهيد لم يشر إلى مسألة (وجوب النظر) ولم يذكر ماهية التكليف بالنسبة إلى هذا الواجب الأوّلي؛ لكن من الواضح بمكانٍ أنّه في هذه المرحلة لا يدافع عن هذا المبدأ الكلامي بنفس الأسلوب السابق.

من المحتمل أن يكون آخر وأهمّ نتاجٍ علميٍّ للشهيد الثاني على هذا الصعيد رسالته الموجزة (الاقتصاد والإرشاد إلى طريق الاجتهاد في المبدأ والمعاد وأحكام أفعال العباد) والتي صرّح فيها بأنّه وضّح رؤيته في مجال المنهجية السائدة حول علم الكلام في إطار تحليلٍ نقديٍّ، ولأوّل مرّةٍ في آثاره نجده يتحدّث عن السيّد ابن طاووس الذي كان نـدّاً بارزاً لعلماء الكلام في مدرسة الحلّة ويشير إلى ما قاله حول النهج الكلامي السائد آنذاك والنقد الذي وجّهه له ويتطرّق إلى ما ذهب إليه من صحّة النهج الذي اتّبعه الأنبياء والرسل.

تتضمّن هذه الرسالة مواضيع لم تطرح في سائر آثاره العلمية بحيث ذكرها بصراحة العبارة وتمسّك بها بشكلٍ غير مسبوقٍ؛ فعلى سبيل المثال حينما تحدّث عن الفلسفة قال: "وإنّما تنشأ هذه الحالة للإنسان من الأُنس بترّهات الملاحدة والأُلف بمزخرفات الفلاسفة".([83]) ومن الميزات الأخرى التي اتّصفت بها هذه الرسالة، التأكيد على عدم الحاجة إلى علمي المنطق والأصول، حيث ذكر أدلّةً فريدةً من نوعها على عدم نجاعة هذين العلمين([84])، إلا أنّ الأهمّ من كلّ ما ذكر بالنسبة إلى موضوع بحثنا، هو ذكره أدلّةً تثبت عدم الحاجة إلى النهج الذي سار عليه علماء الكلام وأدلّةٍ تثبت عدم صوابه.

حسب ما لدينا من معلوماتٍ فلم يشكّك أحدٌ بكون رسالة (الاقتصاد والإرشاد إلى طريق الاجتهاد في المبدأ والمعاد وأحكام أفعال العباد) من تأليف الشهيد الثاني، ولكنّها لم تُذكر في الفهرس الذي دوّنه ابن العودي والذي أتمّه صاحب (الدرّ المنثور)، إلا أنّ الأخير نقل عن بعض مشايخه قولهم إنّ مؤلّفات الشهيد الثاني بلغت ستّين أثراً.([85]) وقد ذكر له الشيخ الحرّ العاملي رسالةً في الاجتهاد عدّها صاحب روضات الجنّات بأنّها رسالة الاقتصاد والإرشاد نفسها إذ كانت لديه نسخةٌ منها، وأشار إلى أنّ السيّد صدر الدين القمّي أيضاً قد نسب هذه الرسالة إليه([86]).

لو تأمّلنا في عنوان هذه الرسالة، نستشفّ من كلمة (الاجتهاد) أنّ المؤلّف يعدّ هذا الأمر وسيلةً مشتركةً لمعرفة أصول الدين وفروعه على حدٍّ سواء. في بادئ الأمر كان الشهيد يعدّ الفطرة أساساً للتفكّر والاستدلال مستنداً إلى آية الفطرة والحديث النبوي: "كلّ مولودٍ يولد على الفطرة"، وأكّد على أنّ كلّ عاقلٍ يستدلّ على معتقداته حسب فطرته، حيث قال: "فثبت أنّ كلّ عاقلٍ مستدلٌّ بالطبع، مكتسبٌ للمجهولات بحسب الفطرة، ليس لها مُعلّم في بدء الأمر وأوّل الانتقال"([87]).

إذن، نستنتج ممّا ذكر أنّ الشهيد الثاني لا يعارض الاستدلال بتاتاً، بل يعدّه طريقاً هامّاً وآمناً لمعرفة الحقيقة، وهذه الرؤية تختلف عمّا نحا إليه علماء الكلام من جهتين أساسيتين، كما يأتي:

أوّلاً: يعتقد بكون مسألة (الجزم والإذعان) أمراً ضرورياً في الإيمان، لكنّها غير مشروطةٍ بالاستدلال، حيث قال: "والحاصل أنّ المعتبر في الإيمان الشرعي هو الجزم والإذعان، وله أسبابٌ مختلفةٌ من الإلهام والكشف والتعلّم والاستدلال، والضابط هو حصول الجزم بأيّ طريقٍ اتّفق، والطرق إلى الله بعدد أنفاس الخلائق"([88]).

بناءً على ما ذكر، فهو يعتقد بوجود طرقٍ أخرى للإيمان تنوب عن الاستدلال، من قبيل الإلهام والكشف والتعلّم من الآخرين، إلا أنّها مشروطةٌ بتحقّق الجزم والإذعان.

ثانياً: يؤكّد على عدم حاجة المكلّف إلى أيّ علمٍ مدوّنٍ لتحصيل الإيمان والاستدلال على المعتقدات، فهو في غنىً عن المنطق وعلم الكلام وسائر العلوم العقلية، لكونه قادراً على نيل المعرفة اللازمة عبر الإشارات والتنبيهات الشرعية والفطرة السليمة؛ حيث قال: "فظهر أنّ تحصيل الإيمان لا يتوقّف على تعلّم علم الكلام ولا المنطق ولا غيرها من العلوم المدوّنة، بل يكفي مجرّد الفطرة الإنسانية على اختلاف مراتبها والتنبيهات الشرعية من الكتاب والسنّة المتواترة أو الشائعة المشهورة بحيث يحصل من العلم بها بالمسائل المذكورة"([89]).

بعد هذا الكلام ذكر ثلاثة أدلّةٍ لإثبات عدم حاجة المكلّف إلى علم الكلام، حيث نلمس منها أنّه تأثّر بآراء السيّد ابن طاووس([90]).

وضمن فصلٍ مستقلٍّ، تطرّق الشهيد إلى المخاطر الناجمة من علم الكلام عادّاً إيّاه علماً إسلامياً ابتكره علماء الكلام بغية معرفة الصانع وصفاته الجليلة وعدّوه الطريق الوحيد لهذا الأمر أو أنّه أقصر الطرق المتاحة؛ لكنّه اعترض على هذا الافتراض قائلاً: "والحقّ إنّه أبعدها وأصعبها وأكثرها خوفاً وخطراً"([91]). ولأجل إثبات رأيه هذا، رأى أنّ أفضل دليلٍ هو اللجوء إلى الأحاديث التي تنهى عن علم الكلام، لذلك ساق أحدها في ضمن مقارنته بين ما كان متداولاً حول علم الكلام في عهد الأئمّة المعصومين : وفي عصره، كما نوّه على خطورة هذا العلم، قائلاً: "هذا حال الكلام الذي كان في أوّل الإسلام، ولا شكّ في أنّه ما كان بهذه المثابة من البحث والخصومة؛ فما ظنّك بهذه المباحثات والخصومات الشائعة في زماننا"؟! طبعاً يقصد اعتراض الأئمّة : على علماء الكلام الذين طرحوا مباحث كلامية في تلك الآونة، لذا فالأمر أكثر وضوحاً برأيه بعد عهد الأئمّة، أي: إنّه يعترض على النقاشات والمناظرات التي حدثت فيما بعد([92]).

في المباحث المشار إليها أعلاه، نلاحظ أنّ كتاب الاقتصاد والإرشاد تطغى عليه أقوال وأفكار السيّد ابن طاووس بشكلٍ جليٍّ، والشهيد الثاني بدوره عدّه مصدراً موثّقاً لما طرحه من آراء.

خلاصة الكلام أنّ الشهيد الثاني نحا منحىً مخالفاً لسلفه الشهيد الأوّل، حيث تغيّرت رؤيته في المرحلة المتأخّرة من حياته لابتعاده شيئاً فشيئاً عن النهج الكلامي الذي تبنّته مدرسة الحلّة ومن ثمّ مال إلى الفكر المعرفي الحديثي في هذه المدرسة والذي برز فيه السيّد ابن طاووس.

حاولنا في هذا البحث إثبات أنّ ما ذكره الشهيد الثاني في رسالته (الاقتصاد والإرشاد إلى طريق الاجتهاد في المبدأ والمعاد وأحكام أفعال العباد) وإن كان صريحاً وبيّناً بشكلٍ غير مألوفٍ بالنسبة إلى سائر آثاره، إلا أنّ أساس رؤيته لعلم الكلام وسائر العلوم العقلية العقائدية قد نشأت وتكاملت في إطار حركةٍ طبيعيةٍ مرّت بعدّة مراحل زمنية؛ ومن ثمَّ فإنّ هذا الأمر أوجد تبايناً فكرياً بينه وبين سلفه الأوّل على صعيد العلوم العقلية رغم تقاربهما الفكري المشهود في المباحث الفقهية.

ومن الجدير بالذكر أنّ اهتمام الشهيد الثاني بالمباحث العقلية كان أكثر من سلفه الشهيد الأوّل، والحقيقة أنّ الأمر لم يقتصر على هذا الحدّ فحسب، بل فاقه أيضاً على صعيد الاهتمام بالمعارف العقائدية، وهناك كثير من الشواهد التي تدلّ بوضوحٍ على نزعته الفكرية التي كان لها أثر كبير على أحفاده الكرام الذين حملوا راية العلوم الدينية في منطقة جبل عامل لمدّةٍ تجاوزت قرناً من الزمن، وقد حذوا حذو جدّهم الكريم؛ وبكلّ تأكيدٍ فإنّ هذه الحركة العلمية حريّةٌ بالبحث والتحليل في إطار دراسةٍ مبسوطةٍ مستقلّةٍ.


*   هوامش  البحث  *

(*)[email protected]

[1] - محمّد بن مكّي بن محمّد بن حامد العاملي النبطي الجزيني، شمس الدين الملقب بالشهيد الأول 786هـ - 734هـ (1384م - 1333م) فقيه إمامي أصله من النبطية (في بلاد عامل)، سكن (جزين) بلبنان ورحل إلى العراق والحجاز ومصر ودمشق وفلسطين. اتّهم في أيام السلطان (برقوق) بالانحلال في العقيدة، فسجن في قلعة دمشق سنةً، ثمّ ضربت عنقه.

[2] - زين الدين بن عليّ بن أحمد العاملي الجبعي 911هـ - 966هـ  (1505م - 1559م ) عالمٌ بالحديث باحثٌ إماميٌّ، ولد في (جبع) بلبنان ورحل إلى ميس، ومنها الى كرك نوح، ثمّ قصد مصر فالحجاز فالعراق فبلاد الروم، وأقام أشهراً في الآستانة وعيّن مدرساً في المدرسة النورية ببعلبك، فوشي به واشٍ إلى السلطان، فطلبه، فعاد إلى الآستانة محفوظاً، فقتله المحافظ عليه وأتى السلطان برأسه، فقتل السلطان قاتله.

[3] - آثار الشهيدين تمّ جمعها في ضمن موسوعتين مستقلّتين من قبل مركز إحياء التراث الإسلامي تحت عنوان (موسوعة الشهيد الأوّل وموسوعة الشهيد الثاني).

[4] - سديدالدين محمود الحمصي الرازي، المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد، ج 1، ص17 - 18.

[5] - الشيخ ميثم البحراني المولود سنة 636هـ والمتوفّى سنة 699هـ.

[6] - المحقّق محمّد بن الحسن الجهرودي الطوسي المولود سنة 597هـ والمتوفّى سنة 672هـ.

[7] - الشيخ السعيد أبو عبد الله محمّد بن محمّد بن النعمان (المعروف بالشيخ المفيد) المولود سنة 336هـ والمتوفّى سنة 413هـ.

[8] - الشريف أبو القاسم علي بن أبي أحمد الحسين المرتضى (المعروف بعلم الهدى) المولود سنة 355هـ والمتوفّى سنة 436هـ.

[9] - أبو جعفر محمّد بن الحسن بن عليّ الطوسي (المعروف بشيخ الطائفة) المولود سنة 385هـ والمتوفّى سنة 460هـ.

[10] - للاطّلاع أكثر، راجع: محمّد تقي سبحاني، عقل گرائی و نص گرائی در كلام شيعه (باللغة الفارسية)، مقالة نشرت في مجلة (نقد ونظر)، العددان 3 و 4.

[11] - علي أصغر فقيهي، آل بويه نخستين سلسله قدرتمند شيعي (باللغة الفارسية)، ص 325.

[12] - دوّن القطب الراوندي رسالةً تطرّق فيها إلى الحديث عن الخلاف الكلامي الذي نشب بين الشيخ المفيد وتلميذه السيّد المرتضى، حيث عدّ ذلك شاهداً على عدم نجاعة منهجية علم الكلام. (نقلاً عن: كشف المحجّة لثمرة المهجة، ص 61).

للاطّلاع أكثر على أحوال ابن القطب الراوندي وآثاره العلمية، راجع: محمّد بن سعيد بن هبة الله الراوندي (ظهير الدين)، عجالة المعرفة في أصول الدين، قم، مؤسّسة آل البيت لإحياء التراث، 1998م.

[13] - سديدالدين محمود الحمصي الرازي، المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد، ج 1، ص 17 -18.

[14] - نجم الدين محفوظ بن وشّاح الحلّي المولود سنة 602هـ والمتوفّى سنة 676هـ.

[15] - رضيّ الدين عليّ بن موسى بن طاووس الحلّي المتوفّى سنة 664هـ.

للاطّلاع أكثر، راجع: الميرزا عبد الله الأفندي، رياض العلماء وحياض الفضلاء، ج 2، ص412؛ آغا بزرك الطهراني، طبقات أعلام الشيعة، ج 3، ص 71.

[16] - الشيخ الفقيه مفيد الدين محمّد بن عليّ بن محمّد بن جهم الأسدي المتوفّى سنة 680هـ.

[17] - محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 107، ص 60؛ محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، أمل الآمل، ج 2، ص 254.

[18] - المحقّق الحلّي يعدّ واحداً من تلامذة هذه المدرسة الكلامية، وقد انعكست تعاليمها في متبنّياته الفكرية بشكلٍ واضحٍ، حيث قال في كتاب (المسلك في أصول الدين): "ولـّمّا كانت الطرق إلى ذلك مختلفة والوسائل إليه منكرة ومعرفة، وجب أن نسلك أتمّها تحقيقاً وأوضحها مسلكاً وطريقاً، وهو المنهج الذي سلكه متأخّرو المعتزلة؛ رأيت أن أملي مختصراً يقصر عن هجنة التطويل ...". المصدر السابق، ص 33 – 34.

تجدر الإشارة هنا إلى أنّ مصحّح كتاب (المسلك في أصول الدين) قال: ادّعى بعضهم أنّ المقصود من المعتزلة المتأخّرين القاضي عبد الجبار وأتباعه ومعاصروه، لكنّ هذا الكلام واضح البطلان لأنّ القاضي عبد الجبار هو من أواخر معتزلة البصرة لكنّ منهج الاعتزال المتأخّر قد بدأ في الحقيقة بتلميذه أبي الحسين الذي تمرّد على أستاذه.

للاطّلاع أكثر، راجع: أحمد بن يحيى بن المرتضى، طبقات المعتزلة، ص 112 – 118.

[19] - محمّد كاظم رحمتي، فرقه هاي اسلامي در ايران (باللغة الفارسية)، ص 13 وما بعدها.

[20] - للاطّلاع أكثر، راجع: إيتان كوهلبيرغ، كتابخانه ابن طاووس واحوال او (باللغة الفارسية).

[21] - الشيخ أبو الحسين ورام بن أبي فراس المالكي الأشتري المتوفّى سنة 605هـ.

[22] - ورام بن أبي فراس، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر (مجموعة ورام)، بيروت، دار صعب ودار التعارف.

[23] - رغم أنّ السيّد صرّح في هذه العبارة أنّه تحدّث في مقدّمة كشف المحجّة عن نشاطاته في علم الكلام والأساتذة الذين اكتسب علومه الكلامية منهم، لكنّ النسخ المتوفّرة من هذا الكتاب لا تتضمّن هذا الأمر.

للاطّلاع أكثر، راجع: رضي الدين عليّ بن طاووس الحلّي، كشف المحجّة لثمرة المهجة،ص59.

[24] - المصدر السابق، ص 54.

[25] - المصدر السابق، ص 70.

[26] - مثالٌ على ما ذكر: بعد أن أثبت حدوث الأجسام عن طريق مبدأ (زيادات الأجسام)، أكّد مباشرةً على أنّ هذا الدليل لا يتمّ إلا باعتبار ثبوت تماثل الأجسام، وعلى هذا الأساس لا بدّ من الاعتماد على خصوصية كون الجسم مؤلّفاً كي تثبت مقدّمة الاستدلال.

للاطّلاع أكثر، راجع: المصدر السابق، ص 65 – 66.

[27] - لقد أكّد السيّد ابن طاووس في مواطن عديدة من كتابه على هذه الكيفية، واستخدم مصطلح (الطريق) مراراً للإشارة إلى هذا الأمر.

للاطّلاع أكثر، راجع: المصدر السابق، ص 52 و 54.

[28] - المصدر السابق، ص 48.

[29] - المصدر السابق، ص 51 و 68.

[30] - المصدر السابق، ص 51.

[31] - المصدر السابق، ص 64.

[32] - المصدر السابق، ص 55.

[33] - المصدر السابق، ص 48 – 49.

[34] - المصدر السابق، ص 48 و 50.

[35] - المصدر السابق، ص 52.

[36] - المصدر السابق، ص 49 وما بعدها.

[37] - المصدر السابق، ص 60 وما بعدها.

[38] - تطرّق السيّد ابن طاووس في هذا المجال إلى شرح وتحليل آية (الفطرة) لإثبات صحّة ما تبنّاه.

للاطّلاع أكثر، راجع: المصدر السابق، ص 52 و 54.

[39] - المصدر السابق، ص 54 و 55.

[40] - المصدر السابق، ص 55.

[41] - المصدر السابق، ص 65.

[42] - فخر الدين محمّد بن الحسن بن يوسف بن المطهّر الحلّي المولود سنة 682هـ والمتوفّى سنة 771هـ.

[43] - محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 107، ص 177 – 178.

[44] - المصدر السابق، ص 188.

[45] - الميرزا حسين النوري (المحدّث النوري)، خاتمة مستدرك الوسائل، ج 29، ص 354.

[46] - محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 109، ص 70.

[47] - رضا مختاري، الشهيد الأوّل حياته وآثاره، ص 43 وما بعدها.

[48] - تمّ جمع هذه المؤلّفات الأربعة ضمن كتابٍ واحدٍ محقّقٍ ومدقّقٍ تحت عنوان: (رسائل الشهيد الأوّل) وتمّت طباعته سنة  2002م من قبل منشورات بوستان كتاب في مدينة قم.

[49] - للاطّلاع أكثر، راجع: رضا مختاري، الشهيد الأوّل حياته وآثاره، ص 12 – 15.

[50] - الشيخ جمال الدين المقداد بن عبد الله بن محمّد بن الحسين بن محمّد السيوري الحلّي الأسدي المتوفّى سنة 826هـ.

[51] - دوّن الفاضل المقداد شروحاً على آثار العلامة الحلّي، وبما فيها كتاب (نهج المسترشدين) و(الباب الحادي عشر) و(واجب الاعتقاد)، كما قام بشرح رسالة (الفصول) وتفسيرها للخواجة نصير الدين الطوسي.

[52] - النسخة المخطوطة لكتاب (أنوار الملكوت)، العتبة الرضوية المقدّسة، رقم النسخة 32.

[53] - رضا مختاري، الشهيد الأوّل حياته وآثاره، ص 40.

[54] - للاطّلاع أكثر، راجع: محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 107، ص 194.

[55] - المصدر السابق، ص 198.

[56] - محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 107، ص 188.

[57] - جعفر المهاجر، الهجرة العاملية إلى إيران في العصر الصفوي، ص 105 وما بعدها.

[58] - محمّد باقر الموسوي الخوانساري، روضات الجنّات، ج 3، ص 352.

[59] - عليّ بن محمّد بن الحسن بن زين الدين العاملي، الدرّ المنثور، ج 2، ص 159.

[60] - المصدر السابق، ص 159.

[61] - المصدر السابق.

[62] - الشيخ أبو الحسن البكري صاحب كتاب (الأنوار في مولد النبيّ (ص))، وهو سنّي المذهب.

[63] - المصدر السابق، ص 164 – 165.

[64] - جاء في الدرّ المنثور: السيّد عليّ بن السيد الجليل النبيل حسين الصائغ العاملي (أدام الله توفيقه)، قرأ عليه وسمع جملةً نافعةً من العلوم في المعقول والمنقول والأدب، وغير ذلك.

للاطّلاع أكثر، راجع: عليّ بن محمّد بن الحسن بن زين الدين العاملي، الدرّ المنثور، ج 2، ص 193.

[65] - من جملة ما قاله الشهيد الثاني في هذه الإجازة: "بل أجزت له رواية جميع ما صنّفه ورواه وألّفه علماؤنا الماضون وسلفنا الصالحون من جميع العلوم النقلية والعقلية والأدبية والعربية بالطرق التي لي إليهم".

للاطّلاع أكثر، راجع: محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، ج 108، ص 149.

[66] - عليّ بن محمّد بن الحسن بن زين الدين العاملي، الدرّ المنثور، ج 2، ص 183.

[67]  - زين الدين بن عليّ العاملي (الشهيد الثاني)، رسائل الشهيد الثاني، ج 1، ص 55.

[68] - زين الدين بن عليّ العاملي (الشهيد الثاني)، منية المريد في أدب المفيد والمستفيد، ص 381.

[69] - تجدر الإشارة هنا إلى أنّ الشهيد الثاني اعتبر اطلاق مصطلح (العلوم الشرعية) على علم الكلام ناشئٌ من استعمال بعض العلماء له، وإلا فالعلوم الشرعية برأي بعضهم تقتصر على ثلاثة موارد، هي: علم الكتاب - علم الحديث - علم الفقه، لكنّه لا يعير أهميّةً كبيرةً لهذا التقسيم.

للاطّلاع أكثر، راجع: المصدر السابق، ص 383.

[70] - المصدر السابق، ص 365 وما بعدها.

[71] - المصدر السابق، ص 377.

[72] - المصدر السابق، ص 386.

[73] - المصدر السابق، ص 92 – 93.

[74] - المصدر السابق، ص 95.

[75] - المصدر السابق، ص 102.

[76] - المصدر السابق، ص 96 – 97.

[77] - المصدر السابق، ص 101.

[78] - المصدر السابق، ص 97.

[79] - زين الدين بن عليّ العاملي (الشهيد الثاني)، رسائل الشهيد الثاني، ج 1، ص 558 – 559.

[80] - المصدر السابق، ص 563.

[81] - المصدر السابق، ص 587 – 588.

[82] - المصدر السابق، ص 589.

[83] - زين الدين بن عليّ العاملي (الشهيد الثاني)، رسائل الشهيد الثاني، ج 2، ص 756.

[84] - المصدر السابق، ص 762 – 767.

[85] - عليّ بن محمّد بن الحسن بن زين الدين العاملي، الدرّ المنثور، ج 2، ص 189.

[86] - محمّد باقر الموسوي الخوانساري، روضات الجنّات، ج 3، ص 379.

[87] - زين الدين بن عليّ العاملي (الشهيد الثاني)، رسائل الشهيد الثاني، ج 2، ص 753.

[88] - المصدر السابق، ص 757.

[89] - المصدر السابق، ص 758.

[90] - المصدر السابق، ص 753 – 754.

[91] - المصدر السابق، ص 759.

[92] - المصدر السابق، ص 761.


*  مصادر البحث  *

1) الميرزا عبد الله الأفندي، رياض العلماء وحياض الفضلاء، قم، 1401هـ.

2) محمّد بن الحسن الحرّ العاملي، أمل الآمل، قم، دار الكتاب الإسلامي، 1981م.

3) سديد الدين محمود الحمصي الرازي، المنقذ من التقليد والمرشد إلى التوحيد، قم، منشورات مؤسّسة النشر الإسلامي، 1412هـ.

4) محمّد كاظم رحمتي، فرقه هاي اسلامي در ايران (باللغة الفارسية)، طهران، منشورات بصيرت، 1997م.

5) رضي الدين عليّ بن طاووس الحلّي، كشف المحجّة لثمرة المهجة، قم، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي، 1417هـ.

6) محمّد بن مكّي العاملي (الشهيد الأوّل)، رسائل الشهيد الأوّل، قم، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي، 1423هـ.

7) محمّد بن مكّي العاملي (الشهيد الأوّل)، أربع رسائل كلامية، قم، منشورات بوستان كتاب، 1999م.

8) زين الدين بن عليّ العاملي (الشهيد الثاني)، منية المريد في أدب المفيد والمستفيد، قم، منشورات بوستان كتاب، 2006م.

9) زين الدين بن عليّ العاملي (الشهيد الثاني)، رسائل الشهيد الثاني، الجزءان الأوّل والثاني، قم، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي، 1421هـ.

10) زين الدين بن عليّ العاملي (الشهيد الثاني)، المصنّفات الأربعة، قم، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي، 1422هـ.

11) آغا بزرك الطهراني، طبقات أعلام الشيعة، الجزءان الثاني الثالث، قم، منشورات إسماعيليان، بلا تأريخ طباعة.

12) عليّ بن محمّد بن الحسن بن زين الدين العاملي، الدرّ المنثور، قم، 1398هـ. (دار النشر غير معروفة).

13) المقداد بن عبد الله السيوري الحلّي (الفاضل المقداد)، اللوامع الإلهية، قم، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي، 1422هـ.

14) علي أصغر فقيهي، آل بويه نخستين سلسله قدرتمند شيعي (باللغة الفارسية)، طهران، منشورات صبا، 1985م.

15) إيتان كوهلبيرغ، كتابخانه ابن طاووس واحوال او (باللغة الفارسية)، قم، منشورات مكتبة آية الله المرعشي النجفي، 1990م.

16) محمّد باقر المجلسي، بحار الأنوار، الجزءان 107 و 208، طهران، منشورات المكتبة الإسلامية، 1406هـ.

17) الميرزا حسين النوري (المحدّث النوري)، خاتمة مستدرك الوسائل، قم، تحقيق مؤسّسة آل البيت : لإحياء التراث، 1415هـ.

18) المحقّق الحلّي، المسلك في أصول الدين، مشهد، منشورات مركز الدراسات الإسلامية، 1414هـ.

19) رضا مختاري، الشهيد الأوّل حياته وآثاره، قم، منشورات مكتب الإعلام الإسلامي، 1426هـ.

20) محمّد باقر الموسوي الخوانساري، روضات الجنّات، قم، منشورات إسماعيليان، 1391هـ.

21) جعفر المهاجر، الهجرة العاملية إلى إيران في العصر الصفوي، بيروت، دار الروضة، 1410هـ - 1989م.

22) أحمد بن يحيى بن المرتضى، طبقات المعتزلة.

23) النسخة المخطوطة لكتاب (أنوار الملكوت)، العتبة الرضوية المقدّسة، رقم النسخة 32.