البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

أهل البيت (ع) والأنبياء في القرآن الكريم - اصطفاء إلهي واجتباء رسالي - القسم الأول

الباحث :  أ.د. محمد السيد محمود زوين
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  7
السنة :  السنة الثالثة - ربيع الثاني 1437هـ / 2016م
تاريخ إضافة البحث :  February / 29 / 2016
عدد زيارات البحث :  894
تحميل  ( 733.159 KB )
القرآن الكريم خاتمة الكتب السماوية، مثلما الاسلام خاتمة الرسالات الإلهية، وحقيقة تكامل الاديان يجذر أركانها، ويرسخ أصولها دائرة حديث آيات القرآن المجيد عن الرسالات السابقة وأنبيائها وكتبها وأقوامها، بمنهج يجمع تشريعاتها، وحركية الاحداث في المجتمعات التي هي موضع خطاب الكتب الإلهية، والوحي السماوي، وإذا كان القرآن الكريم بمشهد علاقاته مع الرسالات والاديان المتقدمة قد ثبّت مفاهيمها، وقواعدها العقدية الإلهية، فإنه قد أكد دليل تكاملها فيه، وختامه لها، وقدم هذه الصورة وأقامها بمستواها العملي الواقعي التطبيقي من خلال النبي (ص) وآل بيته الاطهار :، فمثلوا بذلك الامتداد الحي للأنبياء والاوصياء، وجسدوا الاديان والرسالات السابقة بأنبيائها وكتبها المقدسة واحداث تأريخها، ومراحل تطورها، وانتقالها من دين إلى آخر في حُلة تكاملها الإسلامي، وعكسوا في تواصلهم مع أهل الكتاب المنظومة القرآنية في تصوراتها ومفاهيمها للآخر، وشيدوا منهجاً إلهياً في التعامل معها، يجلي قاعدة التبليغ الرسالي للناس كافة، فليس الإسلام في بعده التكاملي مع الرسالات السابقة عليه، إلّا إداءً ‌لوحي السماء وإقامة لشرائعها الإلهية التي تناسقت حلقاتها بين الاديان، فكان النبي وأهل بيته (ص) أمناء البلاغ، واوصياء الأداء‌، فقد أعطوا فرائد العلم، ووهبوا معادن المعرفة بأهل الكتاب في دائرتهم الواسعة، بما جعلهم أحق ورثة الأنبياء وكتبهم وعلومهم وكل ما اتصل بهم من صحيح القول والعمل.

وبعبارة أخرى:

يرسم لنا القرآن الكريم شبكة من العلاقات مع الكتب السماوية السابقة، وأنبيائها وشرائعها، وشخصياتها المقدسة واقوامها المختلفة، وحوادثها ومواقفها المتعددة في خطابات وسياقات، وقصص جعل منها جزءاً كبيراً من النص القرآني([1]) هذا من جهة، ومن جهة اخرى ترى القرآن المجيد يصدق بالكتب السابقة، وينقل عنها نصوصاً كانت في التوراة والزبور والانجيل، ويعظم قدر السابقين من الأنبياء ويعلي من مقامهم ومكانتهم ـ على عكس ما تجده اليوم في بعض الكتب التي تنسب لهم ما يسقط من منزلتهم العالية ـ وينقل مواقفهم وحوادثهم مع أقوامهم وردودهم عليهم، ويذكر مفاصل حية من تأريخ رسالاتهم، وما فيها من شخصيات ومعجزات وقصص يعرفها أهل الاديان في كتبهم التي يمتلكونها اليوم، فضلاً على ذلك فإن للقرآن الكريم ـ فيما أحسب ـ منهجاً من كل هذا بإشارة وعبارة ودلالة يوظف فيها كل ما جاء ذكره عن أهل الكتاب، ويرسخ مرجعية الرسالات السماوية الواحدة، وتكاملها الديني التشريعي والعقدي، وتصديق بعضها ببعض أو التصديق بها والايمان بما جاءت به ـ على وجه الخصوص في القرآن الكريم ـ وحكايتها (الرسالات) على سبيل الاعجاز لأنها اصبحت من مراحل التأريخ وحقبه، ومضامين الغيب ومقولاته، وتأكيد الاحتجاج بها على صدق الاسلام ورسوله وكتابه، وأنه خاتم الرسالات والأنبياء والدعوة إلى تواصلها وتلاقيها وتحاورها بدلاً عن تكريس التناحر، والتصادم، والتضاد بين اجناس البشر، واعتقادات الناس قال جل ذكره: )لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقى لاَ انْفِصامَ لَهَا وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيْمٌ( (البقرة: ٢٥٦).

نستيقن من ذلك وغيره ونتبيّن قيمة واثر الدعوة إلى التعايش السلمي والتلاقي الحضاري التقريب الديني بين الناس، ولابد من انسراب هذه القيم الإلهية إلى الانسانية، وبقدر وجودها فعلياً وعملياً بعد مرحلة فاعليتها عقدياً وفكرياً تنتج ثمارها، وتقام قواعدها من هنا يسلك القرآن الكريم بنا شكلين من الابعاد يتكاملان فيما بينهما، ويتجانسان في غاياتهما.

 الأول: الشكل المفهومي النظري للآخر في آيات الكتاب العزيز في طبيعة التعامل معه وكيفياته، والمنهج الواجب اتباعه والالتزام به، وهوما يمكن استنطاقه من ‌آياته الكريمة ودلالتها المعبرة.

والثاني: الشكل التأويلي الواقعي الموضوعي العملي للمفاهيم واعني بها حركية (الفعل العقلي) الاعتقادي بوجود الآخر ومكانته والمتمثل بأمناء السماء على الارض ـ النبي وأهل بيته (ص) ـ المصداق الأتم، والتشخيص الاكمل والتطبيق المثالي الحي المباشر للمفهوم الإلهي النظري وبطريق عملي يومي من خلال سُنّة النبي وأهل بيته (القولية والفعلية والتقريرية) مع أهل الكتاب في مواطن مختلفة حوارية وجدلية ونقاشية وتحديات متعددة في اوقات السلم أو الحرب.

 إنّ وعي المنظومة القرآنية المفهومية بالآخر (نظرية فهم الآخر) وادراكها بشكلها الشمولي من ذكر الأنبياء وتفصيل احداثهم ومواقفهم من اقوامهم واعتقاداتهم ـ ولاسيما مشاهد عقائدهم التي تعرضت لتحديات الاثبات في ظل واقع التغيير والتبديل الذي أصابها نتيجة المراحل التأريخية الصعبة التي سادت على أهل الكتاب في قرون خلت تحت ظل امبراطوريات ودول حكم فيها الشرك والوثنية واستوطن فيها الطغيان، واستوى الظلم على سياستها، والانحراف والهوى على قادتها بما وظفوا الاديان باتجاه مصالحهم وغاياتهم ـ جسدها النبي وأهـل بيته: وحاكوها بفرائد الشواهد والأمثلة بما يعكس عمق الاثر القرآني الرسالي في سنتهم.

ولعل نظرة متأملة في تراثهم تظهر عظمة استيعابهم لمفاصل الرسالات السابقة وتفاصيل تكاملها مع الإسلام، وسعة علمهم بما أوحى الله تعالى لأنبيائه السابقين وأخبارهم بما في صحف ابراهيم ونوح وتوراة موسى وزبور داود وانجيل عيسى (ع)، فضلاً عن مناجاة الله تعالى لهم، ومواقفهم من أقوامهم.

فضلاً عن بشارة الأنبياء : السابقين بالنبي وأهل بيته :، والمقابلة والمناظرة بين مقاماتهم حيث لا يلحق بخاتم الأنبياء واوصيائه لاحق، وإن كان ثمة تقارب وتماثل بين اوصياء الأنبياء واوصياء محمد (ص) من جهة دلالة مرجعية الاديان الواحدة، وتكاملها والتقائها في مقام الأداء والبلاغ، وهو في الوقت ذاته لايلغي صحة التفاضل والتمايز فيما بينهم.

ومهما يكن من أمر فإنّ منعم النظر واللبيب يستنبط من كثرة أحاديث النبي (ص) وأهل بيته : عن أهل الكتاب وتنوعها وحجمها يعي ويستيقن خاتمية الرسالة المستوعبة للأديان السابقة، ومنزلة الأوصياء المؤتمنين عليها فعندهم تجتمع الرسالات، وفيهم تختصر النبوات، وبهم تتفاعل الاديان، ومنهم تستخلص الشرائع. وأخالك تعتقد معي أن ذلك يجري في دائرة يصح أن نسيمها بـ (وراثة الأنبياء) في تلاحم منظوتها وتراتب علاقاتها، وتجانس شبكاتها، الذي ينبئك نظمها المعجز عن مرجعيتها الإلهية، ورعايتها السماوية على أساس واحدية صدورها المتنوع وتكاملية حلقاتها عصراً بعد عصر وحقبة بعد حقبة وسأقف عند أهم ملامح منظومة (وراثة الأنبياء) عند أهل البيت : وانسرابها في البعد الانساني وخلاصتها من معالم منظومة علاقة أهل الكتاب بأهل البيت : ورثة الأنبياء وبحسب الأنساق الآتية:

النسق الأول

أهل البيت : ورثة علم الأنبياء وكتبهم

تتوالى الروايات، وتتواتر الاحاديث في خصوصية أهل البيت : بالنسبة للأنبياء : المتقدمين من جهات مختلفة في وراثة علمهم، وصحفهم، واتصال الوصية بهم في التعاقب بالبشارة من آدم حتى آخرهم الامام المهدي (ع) اكمالاً لحجة الله تعالى على خلقه، وحتى لا تخلوا الارض من حجة (نبي أو وصي نبي) من أول الخلق إلى قيام الساعة([2]).

 فعن «علي بن محمد بن علي برجاله إلى الأصبغ بن نباتة إلى علي (ع) قال: كنت عند النبي (ص) في بيت أم سلمة فدخل سلمان وأبو ذر والمقداد وابن عوف وجماعة فقال سلمان: يا رسول الله إن لكل نبي وصيا، وسبطين فمن وصيك وسبطاك؟ فأطرق. ثم قال: إن الله تعالى بعث أربعة آلاف نبي وكان لهم أربعة آلاف وصي وثمانية آلاف سبط، والذي نفسي بيده لأنا خير الأنبياء، ووصيي خير الأوصياء وسبطاي خير الأسباط. إن آدم أوصى إلى ابنه شيث، وشيث إلى سنان، وسنان إلى مجلث، ومجلث إلى محوق، إلى عثميشا، إلى اخنوخ، إلى ياخور، إلى نوح، إلى سام إلى عتامر، إلى برعيشاشا، إلى يافث، إلى بره، إلى حفيسة إلى عمران، إلى إبراهيم، إلى إسماعيل، إلى إسحاق، إلى يعقوب، إلى يوسف إلى ريثا، إلى شعيب إلى موسى، إلى يوشع، إلى داود، إلى سليمان، إلى آصف، إلى زكريا، إلى عيسى، إلى شمعون، إلى يحيى، إلى منذر، إلى سلمه، إلى برده، ودفعها برده إلي، وأنا أدفعها إليك يا علي، وأنت تدفعها إلى الحسن والحسن إلى الحسين والحسين إلى ابنه علي، وعلي إلى ابنه محمد، ومحمد إلى ابنه جعفر، وجعفر إلى ابنه موسى، وموسى إلى ابنه علي، وعلي إلى ابنه محمد، ومحمد إلى ابنه علي، وعلي إلى ابنه الحسن، والحسن إلى ابنه القائم، ثم يغيب عنهم إمامهم ما شاء الله. ثم رفع صوته وقال: الحذر الحذر إذا؟ فقد الخامس من ولد السابع من ولدي ثم يخرج من اليمن من قرية يقال لها: كرعة ينادي هذا المهدي خليفة الله فاتبعوه. وأسند محمد بن علي القمي برجاله إلى الحسن (ع) أن النبي (ص) خطب قبل وفاته وقال بعدها: اللهم إني أعلم أن العلم يبيد، وأنك لا تخلي أرضك من حجة ظاهرة، ليس بالمطاع أو خائف مغمور. فلما نزل قلت: يا رسول الله ! ألست الحجة على الخلق؟ قال (ص): أنا الحجة المنذر، وعلي الهادي، فهو الإمام والحجة بعدي، وأنت الحجة بعده والحسين الحجة بعدك، والحجة بعده علي ابنه، والحجة بعده محمد ابنه، والحجة بعده جعفر ابنه، والحجة بعده موسى ابنه، والحجة بعده علي ابنه، والحجة بعده محمد ابنه، والحجة بعده علي ابنه والحجة بعده الحسن ابنه والحجة بعده القائم إمام زمانه ومنقذ أوليائه يغيب ثم يظهر، لا تخلو الأرض منكم، أعطاكم الله علمي وفهمي وأسند علي بن الحسين إلى الحسن بن علي قول النبي (ص): لعلي: أنت وارث علمي، ومعدن حكمي، والإمام بعدي، فإذا استشهدت، فابنك الحسن فإذا استشهد فالحسين، فإذا استشهد فعلي ابنه: يتلوه تسعة أئمة أبرار قلت: فما أسماؤهم قال: علي، ومحمد، وجعفر، وموسى، وعلي، ومحمد، وعلي، والحسن والمهدي. »([3])

ويتوكد هذا المعنى على تمامه في حديث الاصبغ بن نباتة « قال: لما قدم علي(ع) الكوفة صلى بالناس أربعين صباحا يقرأ )سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى( فعابه بعض فقال: إني لأعرف ناسخه ومنسوخه، ومحكمه ومتشابهة وما حرف نزل إلا وأنا أعرف فيمن أنزل، وفى أي يوم وأى موضع أنزل، أما تقرؤون )إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسَى( والله هي عندي ورثتها من حبيبي رسول الله (ص) من إبراهيم وموسى، والله أنا الذي أنزل الله فيّ )وَتَعِيْها أُذُنٌ وَاعِيةٌ( فانا كنا عند رسول الله (ص) وسلم فيخبرنا بالوحى فأعيه ويفوتهم، فإذا خرجنا قالوا: )مَاذَا قَالَ آنِفَاً( » ([4]).

وتتأصل صورة وراثة الأنبياء وعلمهم وكتبهم بجلائها عند أهل البيت : بمصاديق كثيرة منها روايتهم عما ورد في كتب الاديان السابقة من نصوص التوراة والزبور والانجيل والتي تشكل ظاهرة في سنة النبي (ص) وأهل بيته : وقد تبدو من أحد معالمها العالية أنها انعكاس لتواصل الرسالات الإلهية وتكاملها، فرواية النبي صحف ابراهيم أو لصحف موسى (التوراة) ورواية أهل البيت : إنما يؤكد علمهم بها، ووراثتهم المتجانسة لها من الأنبياء السابقين بحيثية مرجعية الرسالات الواحدة، والمقاصد والغايات الرسالية المتعاضدة في الاتجاه نفسه فعن النبي (ص) قال «... مكتوب في التوراة: أنا الله قاتل القاتلين، ومفقر الزانين، أيها الناس لاتزنوا فتزني نساؤكم، كما تدين تدان»([5])

وفي رواية طويلة ينص النبي (ص) على ما كان من عدد أنبياء الله تعالى ورسله، وخصوصيات بعض الأنبياء، والصحف المنزلة عليهم، وشيئا مما في صحف ابراهيم وموسى عن أبي ذر (رضوان الله عليه) أنه سأل النبي (ص) : «قال: قلت يا رسول الله، فما كانت صحف إبراهيم (ع)؟ قال: كانت أمثالا كلها وكان فيها: أيها الملك المسلط المبتلى، إني لم أبعثك لتجمع الدنيا بعضها على بعض، ولكن بعثتك لترد عني دعوة المظلوم، فإني لا أردها وإن كانت من كافر أو فاجر فجوره على نفسه. وكان فيها أمثال: وعلى العاقل ما لم يكن مغلوبا على عقله أن يكون له ساعات. ساعة يناجي فيها ربة، وساعة يتفكر في صنع الله تعالى، وساعة يحاسب فيها نفسه فيما قدم وأخر، وساعة يخلو فيها بحاجته من الحلال في المطعم والمشرب، وعلى العاقل أن لا يكون ظاعنا إلا في ثلاث: تزود لمعاد، أو مرمة لمعاش، أو لذة في غير محرم، وعلى العاقل أن يكون بصيرا بزمانه، مقبلا على شأنه، حافظا للسانه، فإن من حسب كلامه من عمله قل كلامه إلا فيما يعنيه. قلت: يا رسول الله، فما كانت صحف موسى (ع)؟ قال: كانت عبرا كلها، وفيها: عجب لمن أيقن بالنار ثم ضحك، عجب لمن أيقن بالموت كيف يفرح، عجب لمن أبصر الدنيا وتقلبها بأهلها حالاً بعد حال ثم هو يطمئن إليها، عجب لمن أيقن بالحساب ثم لم يعمل ! قلت: يا رسول الله، فهل في الدنيا شيء مما كان في صحف إبراهيم وموسى (ع) مما أنزل الله عليك؟ قال: اقرأ يا أبا ذر )قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى * بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا * وَالآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقى * إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الأُولى * صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى( » ([6]).

وفي روايات كثيرة تراه (ص) يخبر عما هو موجود التوراة، في خطابه علي بن أبي طالب (ع) ووصيتهُ له «يا علي في التوراة أربع إلى جنبهن أربع: من أصبح على الدنيا حريصا أصبح وهو على الله ساخط. ومن أصبح يشكو مصيبة نزلت به فإنما يشكو ربّه. ومن أتى غنياً فتضعضع له ذهب ثلثا دينه. ومن دخل النار من هذه الامة فهو ممن اتخذ آيات الله هزوا ولعبا. أربع إلى جنبهن أربع: من ملك استأثر. ومن لم يستشر يندم. كما تدين تدان. والفقر الموت الاكبر، فقيل له: الفقر من الدينار والدرهم؟ فقال: الفقر من الدين»([7]).

 أمّا رواية بعض نصوص الكتب المقدسة عند أهل البيت : فإنها تجلّي ظاهرة امتداد وراثة علم الأنبياء وكتابهم الإلهي وتجسد مزاياها وما فيها من قواعد سماوية للذين آمنوا بالرسالات ومنها على طريق المثال لا الحصر: عن ‌أبي جعفر الباقر (ع) مكتوب في التوراة : «يا موسى: إني خلقتك، واصطفيتك وقويتك، وأمرتك بطاعتي ونهتيك عن معصيتي، فإن اطعتني اعنتك على طاعتي، وإن عصيتني لم اعنك على معصيتي، يا موسى ولي المنة عليك في طاعتك لي، ولي الحجة عليك في معصيتك لي»([8]).

وقد لا يغيب عنك ما في هذه العبارات من المعاني التوحيدية فضلاً عن الدعوة إلى الطاعة الخالصة المنزهة عن الشوائب والدرن، فالطاعة بعين الله تعالى وهو الغني عنها، المعين عليها، والمعصية أبعد ما تكون عن الله تعالى، ولعل اطلاقها هناك دلالة أن المعين عليها، والمحبب لها النفس والشيطان، ومدار هذه الكلمات القدسية الترغيب والترهيب، الترغيب بعون الله تعالى وعزّ طاعته، الترهيب من هجر طاعته وذل معصيته مع قيام الحجة على العاصي، وحلول المنة الإلهية على الطائع مهما بلغ في طاعته حداً فلن يصل لمقام الحمد أو شكر نعمة التوفيق لها، ومالها من عظيم الاجر، ومقام القرب.

وعن أبي عبدالله جعفر الصادق (ع) «قال: مكتوب في التوراة: ابن آدم كن كيف شئت، كما تدين تدان، من رضي من الله بالقليل من الرزق قبل الله منه القليل العمل، ومن رضي باليسير من الحلال خفت مؤنته، وزكت مكسبته وخرج من حدِّ الفجور»([9]).

يبدو ـ والله تعالى العالم ـ بأنّ هذه النصوص والمواعظ التي في التوراة تأتي لتعالج صفات سلبية يتصف بها بنو اسرائيل من جهة خصوصية الخطاب لهم في هذا الشأن كما أن في دلالتها العامة تأكيد لمواطن الاخلاق العالية التي تدعو لها السماء في كل الديانات والرسالات والكتب من ذلك مثلاً قول الصادق (ع) في شكر المنعم نقلاً عمّا في التوراة قال (ع) «مكتوب في التوراة: أشكر من انعم عليك، وأنعم على من شكرك، فإنه لا زوال للنعماء إذا شكرت، ولا بقاء لها إذا كفرت، الشكر زيادة في النعم، وامان من الغير».([10])

ولعل من أوثق مظاهر التلاقي والتلاحم بين الكتب السماوية أنك تجد هذا المعنى ظاهراً في آيات القرآن الكريم من دلالة قوله تبارك شأنه: )وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذابِي لَشَدِيدٌ( (إبراهيم: ٧).

وأخالك تجد المعنى ذاته بين التوراة وبين القرآن الكريم عندما تقرأ قول أبي جعفر الباقر(ع) وإشارته إلى ما هو مكتوب في التوراة التي لم تغيّر «أن موسى (ع) سأل ربّه فقال: يا ربِّ، أقريب انت مني فأناجيك، أم بعيد فأناديك، فأوحي الله عز وجـل إليه: يا موسى، أنا جـليس مـن ذكرني، فقال موسى (ع) : فمن في سترك يـوم لا ستر إلا سترك؟ قال: الذين يذكرونني فأذكرهم، ويتحابون فيَّ فأحبهم، فأُولئك الذين إن أردت أن أُصيب أهل الأرض بسوء ذكرتهم فدفعت عنهم بهم»([11]).

واعتقد أن النص يقارب في دلالته قول الله تبارك شأنه في محكم التنزيل: )وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ( (البقرة: ١٨٦).

إنّ هذا التقابل الدلالي والتقارب المعنوي بين نصوص الكتب الإلهية لدليل على مرجعيتها الواحدة، ومصدرها السماوي وفيضها من عين واحدة، واشراقها من سراج نور الوحدانية.

وأعود لرواية النبي (ص) عن التوراة والزبور وما فيها من دعوة للتوجه إلى الله تبارك شأنه في الدعاء، طلباً للإجابة واظهاراً للفاقة، واعظاماً لمقام الربوبية، واعزازاً لمقام العبودية قال (ص): في التوراة أن الله يقول: «يا موسى، من رجاني ألح في مسألتي، وفي زبور داود يقول الله عز وجل: يا ابن آدم، تسألني وأمنعك لعلمي بما ينفعك، ثم تلح عليّ بالمسألة فأُعطيك ما سألت»([12]).

ولعلّ في إشارته (عليه الصلاة والسلام وعلى آله الطيبين الطاهرين) إلى كليم الله موسى وإلى نبيه داود ما يقدم صورة لمقام الدعاء في العبادة وتوحيد الله تعالى وتنزيه وهوما تؤكده أدعية الأنبياء في القرآن الكريم من جهة مقام الدعاء في العبادة ([13]).

ويؤكد الإمام علي بن الحسين (ع) مفهوم التقاء العلم بالعمل ووجوب تلازمهما وتطابقهما من خلال نقله عما مكتوب في الإنجيل حيث «جاء رجل إلى علي بن الحسين (ع) فسأله عن مسائل فأجاب ثم عاد ليسأل عن مثلها فقال علي بن الحسين (ع): مكتوب في الإنجيل لا تطلبوا علم ما لا تعلمون ولما تعملوا بما علمتم، فإن العلم إذا لم يعمل به لم يزدد صاحبه إلا كفرا ولم يزدد من الله إلا بعدا. » ([14])

فاحتجاج الإمام بنص إنجيلي إنما يريد بذلك توجيه الانظار ـ والله تعالى العالم ـ إلى قضايا عديده منها أنهم أهل وراثة الأنبياء وكتبهم، وقداسة فكرة ارتباط العلم بالعمل وأنها مما ورد في كتب السماء لأهل الارض. وأن مقامهم : في العلم بما في الانجيل أو التوراة أو الزبور يعني أنهم خلاصة الرسالات عندهم، وملتقى الوحي السماوي لديهم وهم أمناؤه وأهله، ومن هذه الحيثية يستغرب بعض أهل الكتاب واحبارهم وعلماؤهم من مقام علم أهل البيت: بكتبهم ودياناتهم فيسألون ويستفهمون باندهاش واعجاب؟ وهو حال بريهة النصراني الجاثليق الذي ناظر هشام بن الحكم ثم قدما على أبي عبدالله الصادق (ع) «... فلقيا موسى بن جعفر (ع)، فحكى له هشام الحكاية، فلما فرغ قال موسى بن جعفر (ع): يابريهة كيف علمك بكتابك؟ قال: أنا به عالم، قال: كيف ثقتك بتأويله؟ قال: ما أوثقني بعلمي فيه، قال: فابتدأ موسى بن جعفر (ع)، بقراءة الانجيل، قال بريهة: والمسيح لقد كان يقرأ هكذا وما قرأ هذه القراءة إلا المسيح، ثم قال بريهة: إياك كنت أطلب منذ خمسين سنة أو مثلك، قال: فآمن وحسن إيمانه وآمنت المرأة وحسن إيمانها. قال: فدخل هشام وبريهة والمرأة على أبي عبد الله (ع)، وحكى هشام الحكاية والكلام الذي جرى بين موسى (ع) وبريهة، فقال أبو عبد الله (ع): )ذُرِّيَّةً بَعْضُها مِنْ بَعْضٍ وَاللهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ(، فقال بريهة: جعلت فداك أنى لكم التوراة والانجيل وكتب الأنبياء؟ قال: هي عندنا وراثة من عندهم نقرؤها كما قرؤوها ونقولها كما قالوها، إن الله لا يجعل حجة في أرضه يسأل عن شيء فيقول: لا أدري فلزم بريهة أبا عبدالله (ع) حتى مات أبو عبد الله (ع)، ثم لزم موسى بن جعفر(ع)، حتى مات في زمانه فغسله بيده وكفنه بيده ولحده بيده، وقال: هذا حواري من حواريي المسيح يعرف حق الله عليه، قال: فتمنى أكثر أصحابه أن يكونوا مثله»([15]) .

ولك أن تتأمل في سؤاله تعجباً يحيط بكل جوانبه «جعلت فداك أنى لكم التوراة والانجيل وكتب الأنبياء؟!» والامر عينه في التفكّر بجواب أبي عبدالله (ع) إنها وراثة الأنبياء وعلمهم وكتبهم؛ لأنهم امتداد الرسالات، وخلاصة النبوات والأوصياء المستودعين المستحفظين لودائع الاديان وعلومها، ولعل الامر لا يقف عند رجل واحد من أهل الكتاب وإنما تبدو في تراث علاقة أهل البيت بالآخر الديني ظاهرة، لها ابعادها وحوادثها ولعل في محاورة الرضا من آل محمد : مع أهل الملل والنحل دليل آخر على اعتراف أهل الكتاب بمعرفة أهل البيت : بكتب الرسالات السابقة ونصهم على تفاصيل دقيقة من معانيها ودلالالتها، فقد كلم الامام (ع) اصحاب الديانات والملل كلُّ واحد منهم بكتابه، فاحتج على أهل التوراة بتوراتهم وعلى أهل الانجيل بإنجيلهم وعلى أهل الزبور بزبورهم وعلى الصابئين بعبرانيتهم، وعلى الهرابذة بفارسيتهم وعلى أهل الروم بروميتهم وعلى اصحاب المقالات الاخرى بلغاتهم.

فقد التفت الإمام بعد مناقشة للجاثليق واقراره للإمام بعدم وجود مثيل له في المسلمين ـ إلى رأس الجالوت لمحاورته فاشترط رأس الجالوت على الامام (ع) ألا يقبل منه حجة إلا من التوراة أومن الانجيل اومن زبور داود أوبما في صحف ابراهيم وموسى، فقبل الإمام منه ذلك، واحتج عليه بما قال حتى اقرَّ له الجميع بالعلم والحجة والبرهان بما في كتبهم وبحسب اعتقادهم([16]).

ولم يكن الإمام الرضا (ع) في منهجه العلمي الحواري مع أهل الاديان والملل بدعاً عن منظومة أهل البيت : في توارث العلم والمعرفة بالكتب السماوية السابقة، ومن الانصاف الإشارة إلى أن حواره هذا وغيره يتطابق تماماً مع فيض قول جدّه علي (ع) وحواراته مع أهل الاديان فهو القائل في اكثر من مناسبة وأكثر من مكان، بسند متصل عن إبي عبدالله عن آبائه «قال: سمعت علياً (صلوات الله عليه) يقول لرأس اليهود: على كم افترقتم؟ فقال: على كذا وكذا فرقة. فقال علي (ع). كذبت يا أخا اليهود: ثم أقبل على الناس فقال: والله لو ثنيت لي الوسادة لقضيت بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الانجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل القرآن بقرآنهم. أيها الناس، افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة، سبعون منها في النار، وواحدة ناجية في الجنة، وهي التي اتبعت يوشع بن نون وصي موسى (ع) ! وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، إحدى وسبعين في النار، وواحدة في الجنة، وهي التي اتبعت شمعون وصي عيسى (ع)، وستفترق هذه الامة على ثلاث وسبعين فرقة، اثنتان وسبعون فرقة في النار، وفرقة في الجنة، وهي التي اتبعت وصي محمد (ص)، وضرب بيده على صدره، ثم قال: ثلاث عشرة فرقة من الثلاث والسبعين كلها تنتحل مودتي وحبي، واحدة منها في الجنة وهم النمط الاوسط، واثنتا عشرة في النار»([17]).

وكلام علي (ع) هذا لم يقله أحد قبله، ولم يتجرأ على قوله أحد بعده، وهو كناية عن العلم الحقيقي والامتداد الرسالي بين الاديان، ولاسيما أنّ أهل الكتاب يجزمون بعدالة علي (ع) وإنسانيته وقوله (لقضيت...) يُنبئ بالعلم والعدل بحسب لوازم كل قضاء على الرغم من تعدد موارده، وتنوع مصادره.

ولا أظنك تغفل عن قوله (ع) باختلاف وافتراق أهل الاديان في دينهم الواحد([18])، وما فيه من مزية العلم بما كان أو سيكون، ولعل معلم أو ظاهرة ذكر العلم بالتوراة والزبور والانجيل عند أهل البيت :، ولاسيما علي (ع) تردف بالعلم في القرآن وهو ما يفهم منه تمثلهم ووراثتهم واستيعابهم خلاصة كتب السماء.

فقد تجلى ـ علي وأهل بيته : ـ بمصداقهم العملي الواقعي عن مفهوم اجتماع الاديان، واختزال علمها، وايجاز سعتها المعرفية بهم وفيهم : ولك أن تنظر فيما نقل عنهم، أو رُوي فيهم من أخبار تدرك مقام علمهم، ومندوحة معارفهم بالآخر على وجه التفصيل الدقيق بما يعجز عنه أهل الاديان انفسهم حتى كان ذلك عنواناً عاماً في محاوراتهم مع أهل البيت :. ولك أن تقرأ قول علي (ع) وهو يجمع ذكر الكتب السماوية على لسانه ويفحم من يدّعي العلم بها، أو يزعم الجمع بينها في مستوى المعرفة يقول (ع): «... سلوني قبل أن تفقدوني([19])، هو الذي فلق الحبة، وبرأ النسمة، إني لأعلم بالتوراة من أهل التوراة، وإني لأعلم بالإنجيل من أهل الإنجيل، وإني لأعلم بالقرآن من أهل القرآن ....»([20])

ولعلك تلمس عظم مقام هذا العلم ودائرته المفتوحة من قَسَم الإمام (ع) (فو الذي) ودلالته المقدسة في الجمع بين القسم بالله تبارك شأنه على المعرفة بكتبه ورسالاته السماوية.

هذا ملمح من مظاهر العلم بالكتاب وأهله عند أئمة آل محمد (ص)، وملمح آخر لا يكاد يقل اثراً، أو يفتر سمواً ـ عن الأول ـ من منزلة العمل ووراثة الكتاب وهو إنباؤهم : البشارة بالنبي وآله :، وأسمائهم في الكتب السماوية السابقة بنصوص متواترة، وعبارات واضحة اقرَّ بها علماء الاديان وكبارهم وسيأتي ان شاء تعالى الحديث عنها مستقلاً بفصل منفرد يكرّس الحديث فيه باتجاهين من البشارة بما في كتبنا الحديثية من جهة وبما في الكتب المقدسة للأديان من جهة ثانية.     

ومن المفترض هاهنا الإشارة الى ظاهرة كبيرة ومهمة في تراث أئمة أهل البيت : تزخر بذكر أنبياء أهل الكتاب :، وهي الأدعية والزيارات، حيث حفلت النصوص الدعائية عند الأمامية، ولاسيما في زيارات المعصومين بذكر الأنبياء والرسل كثيراً، ونادراً ما تجد دعاءً أو زيارة تخلو من ذلك، وهذا من مواطن تربية أهل البيت : لشيعتهم وتعليمهم كيفية مخاطبتهم، فضلاً عن توكيد صلة شيعتهم بأنبياء الله تعالى ورسله، وتوكيد ايمانهم بالغيب الذي يشكل الأنبياء وكتبهم جزءاً مهماً في الايمان به والاعتقاد فيه، ولعله لا يخلو من إشارة جميلة حول إشعار الآخر (المغاير) بروح التعايش والسلام الديني والتقارب في الاعتقادات التي منبعها السماء، وأمناؤها الأنبياء والاوصياء.

وعلى كل حال فإنك تجد في نصوص النبي وأهل بيته : أو الخطابات الموجهة لهم بالدعاء والزيارة ذكر الأنبياء والمرسلين منها على سبيل المثال: الصلاة على النبي وكيفياته التي جاءت على لسان الرسول الاعظم عن: «كعب بن عجزة: خرج علينا رسول الله (ص) فقلنا: يا رسول الله كيف السلام عليك كيف الصلاة عليك؟ قال: قولوا اللهم صلِّ على محمد وآل محمد كما صليت على إبراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد وبارك على محمد وآل محمد كما باركت على ابراهيم وآل ابراهيم انك حميد مجيد»([21]).

وكذا الامر في زيارة الإمام علي (ع) والتي ينص فيها على وراثته لعلم النبيين من الاولين والآخرين: «السلام عليك يا وارث علم النبيين، ومستودع علم الاولين والآخرين»([22]). وترى ذلك مكرراً ومقرراً الأدعية والزيارات التي يخاطب بها أئمة أهل البيت :، ومن اكمل مصاديق ذلك خطاب الوراثة للأنبياء بالعلم والكتب الإلهية وما تعلق بهما من مشابهة الأنبياء والمرسلين في المواقف الرسالية، والتضحية والفداء من أجل ترسيخ دين الله تعالى، وعقائده ومن أمثل مصاديق ذلك الخطاب تلحظه في زيارة سيد الشهداء الإمام أبي عبدالله الحسين (ع) والتي تسـمى بـ (زيـارة وارث) أي وارث الأنبيـاء والمعصومين وفيها : «السـلام عليك يا وارث آدم صفوة الله! السلام عليك يا وارث نوح نبي الله! السلام عليك يا وارث إبراهيم خليل الله! السلام عليك يا وارث موسى كليم الله! السلام عليك يا وارث عيسى روح الله! السلام عليك يا وارث محمد حبيب الله! السلام عليك يا وارث أمير المؤمنين (ع) ولي الله» ([23]).

وهذا الخطاب بالسلام والنداء بالوراثة إنما هو كناية عن تماثل وتشابه مقام الإمام (ع) لمقام الأنبياء :، وتأكيد خاتمية النبوات والرسالات إنما انتهت إليهم، فكانوا هم : ورثة الأنبياء والرسالات والكتب السماوية.

ولا يقتصر خطاب الوراثة على أحد من المعصومين دون الآخر، وإنما تجد ذلك الخطاب موجهاً إليهم : في اغلب زياراتهم، فضلاً عن أدعيتهم التي روتها الإمامية عنهم : .

النسق الثاني

المشابهة والمقاربة بين أهل البيت : والأنبياء وأوصياؤهم

لعل من المناسب التساؤل هاهنا عن فلسفة المشابهة بين أهل البيت :، وأنبياء الأمم السابقة وأوصيائهم من أهل الكتاب، فهذه الظاهرة في أحاديثهم: لا يمكن مغادرتها قبل الاشارة لها، أو البحث عن أسبابها، وآثارها، ومدياتها في تقريب المسافة بين الاديان زمانيا ومكانياً، وقطف ثمار التقاء الأديان والرسالات على خط واحد، وهو مرجعيتها الحقيقة في منبع مشترك وفيض إشراقي من سراج واحد.

فالإيمان بالرسالات الإلهية أفضى إلى انقاذ الناس من براثن الشرك والإلحاد والجهل، ولم تكن طرائق بلاغها وأدائها يسيرة على الأنبياء من غير أن يبذلوا دونها أرواحهم وأنفسهم المقدسة في سبيل اعلاء كلمة الله تعالى في أرضه، والحال ذاته مع الأمناء على الرسالات من الأوصياء الذين استودعوا أمانة الرعاية والحفظ حتى يحكم الله ما يشاء، من هنا اعتقد أن رمزية المشابهة بيت أهل البيت : والأنبياء وأوصيائهم جاءت لتأكيد الاشارة على أن نهج التضحية والفداء في سبيل الرسالات كانت واحدة، وإن اختلفت ظروف الزمان والمكان والاقوام فيما بينها، إلا أنها بمجموعها قد تعرضت لشتى أنواع الانكار والابتلاء والمعارضة من مجتمعاتها في بادئ امرها حتى استقرت وقامت الاديان والرسالات بفعل منهج التضحية من أمناء الاديان (الأنبياء الاوصياء).

ومن نافلة القول الاشارة إلى أن الاعتقاد بمقام الفداء لا يلغي سمة الفوارق بين الأنبياء والاوصياء في الاديان المتعددة، ولاسيما فيما تعرضوا له من الأذى والمعارضة، فضلاً عن أساس تمايزهم وتفاضلهم الملكوتي([24]) هذا أولاً .

وثانياً: من الدلالة الرمزية في المشابهة بين أهل البيت : والأنبياء : والأوصياء الإشارة إلى مرجعيتهم الإلهية الواحدة في الصدور، وغاياتهم ومقاصد هم الرسالية الواحدة.

أما الأمر الثالث : فهو توجيه الانظار إلى قداسة منازل الأنبياء والأوصياء في الاديان كافة على تعددها، وفيه ملمح إلى توحيد نظرة الاحترام والإجلال في أوساط الناس كافة إلى سفراء السماء إلى الارض (الرسل والأنبياء والأوصياء) على اختلاف رسالاتهم، وتربيتهم على روح التعامل مع عقائد الرسالات المغايرة ورموزها؛ لاعتقادهم بنهج اخلاقي ينم عن التسامح، وحب التعايش بين المتعددين دينياً على اختلاف الازمان والأماكن، فلعل ما بين الأنبياء قرون وقرون إلا أن المسافة قصيرة جداً في مشهد التقارب والتشابه بينهما، حتى يكاد بعض المدركين الواعين لمقاصد هذه الرمزية أن يلمسوا الوصف الواحد في مثالين أو شخصين، فيالها من عظمة في بناء الانسان روحياً وخلقياً، وأهم من هذا وذاك اعتقد أن من كمالات مبدأ الإمامة الإلهية، وحجيتها الشاملة العالمية لكل الناس واتصالها من بدء الخليقة حتى ختامها ـ لكي لاتخلو الارض من حجة لله تعالى على خلقه ـ أن تتطابق أو تتقارب أوصاف ومزايا المنتجبين والمُصطَفَين من السماء، وتتجانس أقوالهم وأفعالهم، وترتبط بعضها ببعض بالبشارات، أو التذكير بهم، وتوجيه الأنظار إليهم على الرغم من تباعد أزمانهم، وتخالف حقبهم، وأماكنهم ([25])، إلا أن لقاء الرسالات والاديان واشتراك اهدافها ومقاصدها يطوي كل ذلك، فلا مزيّة للزمان طالما تتوحد الغايات في تواصلها الإلهي، وسأقف عند ملامح من وجوه المشابهة والمقاربة بين الرسول الأعظم (ص) وآله : وأنبياء أهل الكتاب.

أ ـ المشابهة بين النبي الأعظم (ص) والأنبياء السابقين : لأهل الكتاب:

فإنك لا تعدم أن تجد المقاربة بين النبي الاكرام (ص) وأبينا آدم (ع) شاخصة حية فعن جابر بن عبدالله الانصاري قال: قال رسول الله (ص): «أنا أشبه الناس بآدم، وابراهيم أشبه الناس بي خَلقَهُ وخُلقُهُ وسماني الله من فوق عرشه عشرة أسماء، وبين الله وصفي وبشر بي على لسان كل رسول بعثه إلى قومه، وسماني ونشر في التوراة اسمي، وبث ذكري في أهل التوراة والانجيل....» ([26]) ولاريب في أن تشابه الأنبياء وهم المنتجبون باختيار السماء والمصطَفَون على العالمين فلابد من وجود ما يميزهم عن غيرهم ويجعلهم في نظم النبوة والرسالات السماوية، وكذا الامر بالنسبة للأوصياء فهم الامناء بعد الأنبياء (فما من نبي إلّا وله وصي)([27])، وقد عرّف كل نبي منهم بوصيه ومن يأتي بعدهُ، فهذا الرسول الاكرم (ص) يحدد لنا في اكثر من موقف وحديث نقباءَه، ويقارب بينهم في العدد مع نقباء الأنبياء السابقين : «عن الاصبغ عن ابن عباس قال: سمعت رسول الله (ص) يقول: معاشر الناس اعلموا أن لله بابا من دخله أمن من النار، فقام إليه أبو سعيد الخدري فقال: يا رسول الله اهدنا إلى هذا الباب حتى نعرفه، قال: هو علي بن أبي طالب سيد الوصيين وأمير المؤمنين وأخو رسول رب العالمين وخليفته على الناس أجمعين، معاشر الناس من أحب أن يعرف الحجة بعدي فليعرف علي بن أبي طالب، معاشر الناس من سره أن يتولى ولاية الله فليقتد بعلي بن أبي طالب والائمة من ذريتي، فإنهم خزان علمي. فقام جابر بن عبد الله الانصاري رضي الله عنه فقال: يا رسول الله وما عدة الائمة؟ فقال: يا جابر سألتني رحمك الله عن الاسلام بأجمعه، عدتهم عدة الشهور، وهي عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السماوات والارض، وعدتهم عدة العيون التي انفجرت لموسى بن عمران(ع) حين ضرب بعصاه الحجر فانفجرت منه اثنتا عشرة عينا، وعدتهم عدة نقباء بني إسرائيل، قال الله تعالى: " ولقد أخذ الله ميثاق بني إسرائيل وبعثنا منهم اثني عشر نقيبا " فالأئمة يا جابر أولهم علي بن أبي طالب وآخرهم القائم »([28]) .

والمقاربة والمشابهة بين أوصياء محمد (ص) ومن سبقه من الأنبياء واضح جلي، ولعل من سنن الاديان والرسالات أن تتشابه مفاصلها، وتتحد غاياتها فالتقابل بالعدد بين أوصياء الأنبياء يلمح بالضرورة إلى مرجعية واحدة تنتج على منوالها دعوات الرسل، وخطوات الاوصياء والأمناء بعد الأنبياء.

ومهما يكن من أمر فلا أحسب معلماً في التواصل مع الاديان الاخرى، أو التلاقي الرسالي معها مثل مصداق أهل البيت : مطلقاً من حيثيات كثيرة أهمها واقع تجربتهم التي بأثر تراثي انساني كبير، يهيكل لنا بوضوح كيفية التعامل مع التحديات العصرية في علاقتنا مع الآخر، فضلاً عما فيها من حقول معرفية وتصورات فكرية ورؤية استشرافية للقابل من الزمان، لا يخرج عن معالم ستراتيجيات الرسالات، أو ايديولوجياتها الحصارية الدينية التي قامت على أسسها وقواعدها الرسالات .

ب ـ المشابهة بين الإمام علي (ع) والأنبياء والأوصياء :

نصت كثير من الاحاديث النبوية الشريفة على وجوه المقاربة والتشابه بين الإمام علي بن أبي طالب والأنبياء السابقين وأوصيائهم عن ابن عباس قال رسول الله (ص): «من أراد أن ينظر إلى آدم في علمه وإلى نوح في سلمه وإلى ابراهيم في حكمه وإلى موسى في فطانته وإلى داود في زهده، فلينظر إلى هذا. قال: فنظر نا فإذا على بن ابي طالب قد أقبل كأنما ينحدر من صبب»([29]).

ولعل فوائد هذا الحديث من جهة، وتأكيد قوله على لسان النبي (ص) في مختلف الأوقات والاحيان وصفاً لمقامه ومنزلته في اتصاله مع الأنبياء والأوصياء في الأوصاف الرسالية التي محورها التقاء صفات رموز الاديان والرسالات وتعاهدهم أمر الوصاية الإلهية والحجية على الناس جيلاً بعد جيل من بدء الخلق إلى قيام الساعة. فالإمام على ابن ابي طالب (ع) مثّل رأس أهل البيت بعد مقام النبي (ص) فهو أبو الأئمة :، ونفس الرسول (ص) وهو مقام الصلة، والاشتراك ما بينه وبين الأنبياء والاوصياء من جهة، والأئمة من جهة اخرى إنما هو في ميزان التقريب والتمثيل بين أئمة أهل البيت : والأنبياء والاوصياء كذلك.

وعلى أية حال فإنك تجد هذا الحديث في فرادته التماثلية والتقاربية بين رموز السماء إلى الارض قد وحد المسلمين واقلام المحدثين في روايته بألفاظ كثيرة وصفات عديده للأنبياء ([30])، وهو دليل تأكيده من النبي (ص) وروايته اكثر من مرة في مناسبات مختلفة في عدة أزمان وأماكن، ولا يخفى على اللبيب هذا المنهج النبوي في ايراد المعاني المأمور بها، وترسيخ معانيها في اوساط المسلمين بطرائق عديدة ومتنوعة، وهو كذلك اثبات لإمامته الشاملة وأهل بيته : على جميع الديانات بوصفهم : نقطة الالتقاء بين السابقين من الرسالات وختام الاوصياء على الرسالة الخاتمة.

من هنا يقدم لنا الحافظ أحمد بن محمد بن على العاصمي (من اعلام القرن الرابع الهجري) مفاهيم تقاربية تناظرية بين على (ع) وأنبياء الله تعالى السابقين مصاديق من حياتهم الرسالية، ويوضح مديات تطابقها واقعاً حياً في زمان علي(ع)([31]).

ولعل ابن شهر آشوب يؤكد هذا المعنى بسند الحديث عن ابن عباس «عن النبي (ص) قال: من أراد أن ينظر إلى آدم في حلمه، وإلى نوح في فهمه، وإلى موسى في مناجاته، وإلى إدريس في تمامه وكماله وجماله، فلينظر إلى هذا الرجل المقبل، قال: فتطاول الناس فإذا هم بعلي كأنما ينقلب في صبب وينحط من جبل. تابعهما أنس إلا انه قال: وإلى ابراهيم في خلته، وإلى يحيى في زهده، وإلى موسى في بطشه، فلينظر إلى علي بن أبي طالب. وروي انه نظر ذات يوم إلى علي قال: من أحب أن ينظر إلى يوسف في جماله، وإلى ابراهيم في سخائه، وإلى سليمان في بهجته، وإلى داود في قوته، فلينظر إلى هذا. وفي خبر عنه (ص): شبهت لينه بلين لوط، وخلقه بخلق يحيى، وزهده بزهد أيوب، وسخاءه بسخاء ابراهيم، وبهجته ببهجة سليمان، وقوته بقوة داود »([32]).

ومن لطائف الاستدلال على مقام علي (ع) الرسالي من خلال مصداقية الصفات التمثيلة الشبهية في الإمام أنه لا يمكن ان تجمع كلُّ هذه الصفات الرسالية بأحد إلا كان أفضل ممن انفرد بصفة واحدة منها، هذا في مقابل الأنبياء والاوصياء : غير النبي الاكرم (ص)، فهو أفضل الموجودات الإلهية واكمل الأنبياء واتمهم صفة ورفعة ومزية وهو خاتمهم ؛ ولمقام علي (ع) من النبي الاعظم (ص) كانت مزية علي (ع) في ذلك تُقاربُ وتُشابهُ الأنبياء، وتَفوقَهم باجتماع صفاتهم فيه :، وقربه من مقام الرسول الأكرم والرسالة الخاتمة وهو مصداق قول الصادق (ع) :« ....إن عليا (ع) برسول الله شرف، وبه ارتفع، وبه وصل إلى إطفاء نار الشرك وإبطال كل معبود دون الله عزوجل...»([33]) وعلي (ع) القائل أنا من رسول الله (ص) «كالضوء من الضوء»([34]) ولا حاجة لبيان سمة هذا التشبيه بلاغة وعمقاً دلالياً لا ينفلت عن الاعجاز البلاغي في مضامينه الأسلوبية.

وتحفل الرعاية الرسالية النبوية بالإمام علي (ع) بلوحتين في المقاربة الصفاتية بين الإمام والأنبياء والاوصياء :

 إحداهما: خصوصية مشابهته للأنبياء عامة وهوما سلف الحديث عنه.

والثانية: مزية مقاربته واتصافه بالسيد المسيح (ع) وفي ذلك نصوص كثيرة قررها النبي الاعظم (ص) في سنته وعلى لسانه في مناسبات عديدة، وبألفاظ مختلفة على تنوع الزمان والمكان؛ منها ما كان سبباً في نزول آي من القرآن الكريم([35])، روى صاحب الغارات« عن جابر بن عبد الله الانصاري قال: لما قدم علي (ع) على رسول الله (ص) بفتح خيبر قال له رسول الله (ص): لو لا أن تقول فيك طوائف من امتي ما قالت النصارى في عيسى بن مريم لقلت فيك اليوم قولاً لا تمر بملأ إلّا أخذوا من تراب رجليك ومن فضل طهورك فيستشفون به ولكن حسبك أن تكون مني وأنا منك، ترثني وأرثك، وأنت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي، وانك تؤدي عني، وتقاتل على سنتي، وانك في الآخرة غدا أقرب الناس مني، وانك غدا على الحوض خليفتي، وانك أول من يرد علي الحوض غدا، وانك أول من يكسى معي، وانك أول من يدخل الجنة من امتى، وان شيعتك على منابر من نور مبيضة وجوههم حولي، أشفع لهم ويكونون في الجنة جيراني، وان حربك حربي، وان سلمك سلمي، وان سرك سري، وانّ علانيتك علانيتي، وان سريرة صدرك كسريرة صدري، وان ولدك ولدي، وانك منجز عدتي وان الحق معك، وان الحق على لسانك وفي قلبك وبين عينيك، وان الايمان مخالط لحمك ودمك كما خالط لحمي ودمي، وانه لا يرد علي الحوض مبغض لك، ولا يغيب عنه محب لك غدا حتى يرد الحوض معك. فخر علي (ع) ساجداً ثم قال: الحمد لله الذي من علي بالإسلام، وعلمني القرآن، وحبّبني إلى خير البرية خاتم النبيين وسيد المرسلين، احساناً منه إلى وفضلاً منه علي. فقال له النبي (ص) عند ذلك: لو لا أنت يا علي لم يعرف المؤمنون بعدي.»([36])والمقاربة بعيسى المسيح (ع) توضح صفة كنّى عنها النبي (ص) ولم يقلها إلا أنه (ص) أكد هذه الشَبهيّة بالأنبياء ‌لعلي(ع)، ولا سيما السيد المسيح مرة بعد اخرى فقد ورد عنه (ص) أنه قال لعلي (ع): «إنّ فيك شبهاً من عيسى بن مريم، أحبته النصارى حتى أنزلوه بمنزلة ليس بها، وأبغضه اليهود حتى بهتوا أمه»([37])، وقد أكد علي (ع) دلالة الحديث بقوله «هلك فيَّ رجلان: محب مفرط بما ليس فيَّ، ومبغض يحمله شنئآني في على أن يَبهتَني»([38]) .

ولعل مصداق حديث النبي (ص) وعلي (ع) ما وقع فيه بعض محبيه من تجاوز حدِّ فهم مقامه (ع) في عبوديته لله تبارك شأنه، فقالوا فيه ما يخرجهم عن الإسلام تماماً، وفي الطرف المقابل نرى اعداء الامام (ع) من اعدائه حسداً وظلماً وبهتاناً على الله تعالى ورسوله (ص) ووصيه (ع)، وكلا الطرفين وجهان لعملة واحدة جعلت من علي (ع) مقارباً لمعاناة عيسى (ع) من خلال بعض النصارى، ومن اليهود فكلاهما اشتط عن طريق الحق ونهجه، فكانت مُمَاثَلةُ الإمام لمن سبقه دليل على اجتماع مصاديق الأنبياء ‌فيه (ع).

وتتلازم الروايات الشريفة في حق الإمام علي (ع)، وتوصيفه بصفات الأنبياء، وتتعاضد مرويات أئمة البيت : مع أحاديث النبي (ص) في ترسيخ وتعظيم مقام إلتقائهم : مع الأنبياء وأوصيائهم وأنهم : امتداد لما سبق في المثل الصفاتي والعددي كذلك. فهم اثنا عشر، كنقباء بني اسرائيل وأوصياء عيسى(ع)، روي عن صادق آل محمد (ص) «عن أبي جعفر (ع)، قال: إن الله تبارك وتعالى أرسل محمداً (ص) إلى الجن والانس وجعل من بعده الاثني عشر وصيا منهم من مضى ومنهم من بقى، وكل وصي جرت فيه سنة من الاوصياء الذين بعد محمد (ص) على سنة أوصياء عيسى (ع)، وكانوا اثني عشر. وكان أمير المؤمنين (ع) على سنة المسيح »([39]) ومصداق سنة المسيح (ع) متحقّقة فيه بهجره صلوات الله عليه الدنيا وزهده فيها. وإعراضه عنها وقد ذلّت له، ومالت إليه، أو باختلاف الناس فيه، وتفرقهم على ثلاث فرق:

 بين محب له على أصل ما أمر الله تعالى به من مقامه في الولاية والإمامة والوصاية، ومن أخرجه عن ذلك إلى ما يُخرج معتقده عن الاسلام إلى الكفر.

 ومن عاداه حتى قيل في تشبيه معاديه باليهودي المبغض للسيدة مريم أو السيد المسيح (ع) .

هكذا كان مصداق سنة السيد المسيح (ع) منطبقة في وصي محمد (ص) وصفاته الإلهية التي جمعها من كل الأنبياء والرسل.

ومن جميل ما يذكر، وعظيم ما يعتبر به وصف علي (ع) للأنبياء ولاسيما النبي الاعظم (ص) والسيد المسيح (ع) من كلام له (ع) يحث فيه على الاقتداء بالأنبياء مخاطباً من يدعي أنه يرجو الله تعالى : « ولقد كان في رسول الله (ص) كاف لك في الاسوة. ودليل لك على ذم الدنيا وعيبها، وكثرة مخازيها ومساويها، إذ قبضت عنه أطرافها، ووطئت لغيره أكنافها، وفطم عن رضاعها، وزوي عن زخارفها. وإن شئت ثنيت بموسى كليم الله (ع) إذ يقول: )رَبِّ إِنِّي لِما أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ( والله ما سأله إلا خبزا يأكله لأنه كان يأكل بقلة الارض. ولقد كانت خضرة البقل ترى من شفيف صفاق بطنه، لهزاله وتشذب لحمه. وإن شئت ثلثت بداود (ع) صاحب المزامير وقارئ أهل الجنة، فلقد كان يعمل سفائف الخوص بيده، ويقول لجلسائه أيكم يكفيني بيعها. ويأكل قرص الشعير من ثمنها. وإن شئت قلت في عيسى بن مريم (ع)، فلقد كان يتوسد الحجر ويلبس الخشن ويأكل الجشب. وكان إدامه الجوع، وسراجه بالليل القمر. وظلاله في الشتاء مشارق الارض ومغاربها، وفاكهته وريحانه ما تنبت الارض للبهائم. ولم تكن له زوجة تفتنه، ولا ولد يحزنه، ولا مال يلفته، ولا طمع يذله. دابته رجلاه، وخادمه يداه. فتأسّ بنبيك الأطيب الأطهر (ص)، فإن فيه أسوة لمن تأسى، وعزاء لمن تعزى وأحب العباد إلى الله المتأسي بنبيه والمقتص لأثره. قضم الدنيا قضماً، ولم يعرها طرفاً. أهضم أهل الدنيا كشحا، وأخمصهم من الدنيا بطنا. عرضت عليه الدنيا فأبى أن يقبلها. وعلم أن الله سبحانه أبغض شيئا فأبغضه، وحقر شيئا فحقره، وصغر شيئا فصغره. ولو لم يكن فينا إلا حبنا ما أبغض الله ورسوله وتعظيمنا ما صغر الله ورسوله لكفى به شقاقا لله ومحادة عن أمر الله. ولقد كان (ص) يأكل على الارض، ويجلس جلسة العبد، ويخصف بيده نعله، ويرقع بيده ثوبه، ويركب الحمار العاري ويردف خلفه»([40]). ولك ان تتصور من ذلك مقام الأنبياء وصفاتهم عند وصي النبي الاكرم (ص) وهو يجانس بينهم في التمثيل والتشبيه والصفات التي أساسها الزهد في الدنيا والدعوة إلى الله عزوجل، وأخالك معي تجد سبل التواصل والتلاقي الصفاتي التماثلي بين وصف روح الله عيسى (ع) الذي (يتوسد الحجر ويلبس الخشن ويأكل الجشب. وكان إدامه الجوع) وبينه صلوات الله عليه فهو أبو تراب، الموصوف بلبس الخشن وأكل الجشب والصيام والقيام، ولك أن تقرأ كتابه الى عامله على البصرة ([41]) ليتبين لك حقيقة تماثل صفات الأنبياء والأوصياء فيه :.

 ثم يجعل من نفسه في آخر الخطبة مصداقاً للتأسي بهم قائلاً: «فما أعظم منة الله عندنا حين أنعم علينا به سلفاً نتبعه، وقائداً نطأ عقبه، والله لقد رقعت مدرعتي هذه حتى استحييت من راقعها، ولقد قال لي قائل ألا تنبذها؟ فقلت: اغرب عني فعند الصباح يحمد القوم السرى»([42]).

ومن نافلة القول الاشارة إلى أن النبي الاعظم (ص) قد جسد بمطابقة وتمثيل رسالي مقامَ علي (ع) ومنزلته منه (ص) وصياً ومستحفظاً ومؤتمناً أن جعله منه (صلوات الله عليهما) بمنزلة هارون من موسى فقال (ص) مخاطباً له في مقامات ومنازل، ومناسبات كثيرة متواترة بلغت حد ظهور الشمس في رابعة النهار: «انت مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»([43]).

وتذكير النبي (ص) بمنزلة هارون عند موسى (ع) وعِظَم شأنها، ومقامها من رسالة موسى (ع) أمر قد بين بعض مفاصله القرآن الكريم، فالإشارة هنا تتلاحم فيها الدلالات بين التنويه بمقام الوصاية والولاية في الرسالات، وعِظَم مقام علي (ع) في الإمامة، وما جرى في الأمم السابقة سيجري في هذه الأمة، فالمعادلة في منزلة هارون بين موسى وقومه هي معادلة علي (ع) بين النبي (ص) وأمته، وهوما كان، فضلاً عن الإشارة إلى تتابع الوصية فيه وفي ذريته :.

هذا ملمح من ظاهرة توصيف الإمام علي (ع) بالأنبياء ومشابهتهم له(ع)([44])، ولعل الاشارة في هذا المجال تغني عن العبارة .

ج ـ مريم (ع) والصديقة الشهيدة فاطمة الزهراء (ع) (المثل الإلهي للصديقة الطاهرة):

من تجليات العلاقة بين أهل الكتاب وأهل البيت: التقارب والتماثل بين السيدة مريم العذراء أم المسيح (ع) وبين الصديقة الشهيدة فاطمة الزهراء(ع)، ولمقامها الرفيع وأثرهما الرسالي في الأديان (المسيحي والاسلامي) جاءت وجوه التشابه بينهما لتقرر تماسك الرسالات السماوية مع بعضها، ومرجعيتها الواحدة في تجانس غاياتها ومقاصدها، ولعل من أوضح صور التقارب والتعاضد في المزايا والاوصاف الإلهية بينهما ما نص عليه القرآن الكريم من ذكرهما.

فقد حفلت آيات الكتاب المجيد بذكر مريم (ع) اكثر من عشرين مرة بالتصريح باسمها مرة، والكناية عنها ثانية ([45])، ونوهت الآيات الكريمة بمقامها العظيم ومكانتها في الاجتباء الإلهي، وحجيتها وخصوصياتها بالنسبة للنبوة والرسالة، فهي (ع) المحدثة من الملائكة، والمصطفاة والمجتباة منه قوله تعالى: )وَإِذْ قالَتِ الْمَلائِكَةُ يا مَرْيَمُ إِنَّ اللهَ اصْطَفاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ((عمران: ٤٢)، ومن جميل لطائف التعبير في الآية أنها معطوفة على اصطفاء الأنبياء في قوله تعالى: )إِنَّ اللهَ اصْطَفى آدَمَ وَنُوحاً وَآلَ إِبْراهِيمَ وَآلَ عِمْرانَ عَلَى الْعالَمِينَ( (آل عمران: ٣٣)، وفيه إشارة على ان اصطفاءها كان «بمستوى اصطفاء الأنبياء من آدم ونوح وآل ابراهيم اي اصطفاءً نبوياً تختلف ماهيته بحسب حيثيات النبوة والإمامة التي لا تكون إلا في سنخ الرجال بخصوصيات ليس هنا محل بحثها، فاصطفاءها الاول هو قبولها لعبادة الله ومن ثم تطهيرها بعصمة الله ومن ثمَّ اصطفائها لحجيته، فمراحل الاصطفاء تتدرج من نشأتها وتترقى بتطهيرها وتكتمل بحجيتها» ([46]) والمتأمل لذكر مريم (ع) القرآني يلحظ تعريفاً سياقياً مفاده التعظيم والتقديس والحجية الرسالية والعصمة الإلهية التي هي مدار الاعتقاد الاسلامي بها، ولعله يختلف عن تصوراتها عند الاديان الاخرى، ولاسيما تأليهها هي والسيد المسيح (ع) ([47]).

في المقابل الصورة القرآنية للسيدة مريم العذراء (ع) المحاطة بذكر الأنبياء والرسالات، تلحظ تلويح القرآن الكريم، وأشارته لمقام الصديقة الشهيدة (ع) محاطاً بذكر النبي وآله (صلوات الله عليهم)، وهو العنوان الأوفى في التنويه بها قرآنياً، فهي من أركان آية التطهير([48])، )وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ وَلا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ الأُولى وَأَقِمْنَ الصَّلاةَ وَآتِينَ الزَّكاةَ وَأَطِعْنَ اللهَ وَرَسُولَهُ إِنَّما يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً( (الأحزاب: ٣٣)، والعلم بالكتاب في قوله تعالى: )لا يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ( (الواقعة: ٧٩)، والمخصوصة بالذكر في سورة الدهر، وآية المودّة والقربى (الشورى/ 23) فضلاً عن آية المباهلة (آل عمران/61) وغيرها.

والاعتقاد بمقام الصديقة الشهيدة (ع) في هذه الآيات وغيرها من جهة التطهير والعصمة والحجية والعلم، واشتراكها مع آل محمد في المقام الرسالي والإلهي بل هي مصدر نورهم و«واسطة فيض تكوينية لوجودهم وكمالاتهم (صلوات الله عليهم»([49]) يستلزم أنها حجة على من سبقها كون ولاية وحجية النبي وآله (ص) على من سبقهم بالنبوة الخاتمة والرسالة الخاتمة، والوصاية والإمامة الخاتمة الشاملة العالمية على الأديان السماوية السابقة.

فإذا كانت السيدة مريم (ع) سيدة نساء عالمها، فالزهراء (ع) سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين.

وبعبارة أخرى:

يحرر الكتاب المجيد بأعلى درجات التقديس ذكر مقام السيدة مريم (ع) والصديقة الطاهرة فاطمة الزهراء (ع)، ويماثل بينهما في مشهدين يحملان سمة التفكّر والتدبّر والاستنباط، فكلاهما من المُطهّرات المحدّثات المُصطَفيات المنتجَبَات، وهما أسُّ قواعد رسالات السماء وفيضها، وأمهات رجال التضحية والفداء في سبيل كلمة الله تعالى في أرضه.

 فلقد كانت مريم (ع) موضعاً لكلمة الله تعالى وروحه، ومقاماً لفيض رحمته ورسالته، وكان من أمر السيدة مريم (ع) ان تكون قطب الرحى في دعوة السيد المسيح، وقاعدة الاعتقاد الرسالي بسافرته الإلهية، ودعوته المسيحية من خلال مقامها الاصطفائي وحجيتها على أهل زمانها، قال تعالى: )وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً وَآوَيْناهُما إِلى رَبْوَةٍ ذاتِ قَرارٍ وَمَعِينٍ( (المؤمنون: ٥٠(، فجاء اسمها مشفوعاً في آيات كثيرة بذكر السيد المسيح (ع) أو محاطاً بذكر الأنبياء : ورسالاتهم.

في مقابل هذا المشهد القرآني عن قديسة زمانها (مريم بنت عمران) (ع) أم السيد المسيح (ع) ينصّ القرآن الكريم ويشير إلى مقام الصديقة الشهيدة أم أبيها (ع) ولكن بأسلوب آخر وبنهج يعتمد أفقا واسعاً في التفكّر والتدبّر والتبصّر في توكيد المطالب الآتية :

أولاً: بيان منزلتها، وعظم مكانتها في كل مقامات الاصطفاء والاجتباء، فضلاً عن كونها مصدر فيض لمقامات ابنائها (أئمة أهل البيت) ومناط الحجة عليهم (صلوات الله عليهم اجمعين) .

ثانياً: اشتراكها في جميع الآيات النازلة بحقهم من جهة التنويه والتلميح لا النص والتصريح، ولعل في ذلك سرّاً من أسرار المعارف القرآنية التي تعتمد على الدعوة إلى الاستدلال والاستنباط والوصول إلى الايمان العقائدي بالبذل والعناء الفكري، وصولاً للاعتقاد الحقيقي اليقيني بالأشياء. هذا من جهة، ومن جهة اخرى شُفِع هذا المنهج القرآني بتقرير النبي الأكرم (ص) وجعل بيان مكانتها، والتصريح بمقامها العظيم من شأن ومسؤولية النبي (ص) وأبنائها الاطهار :، ومن جهة ثالثة كانت الصديقة الطاهرة (ع) في كل ما تعلق بها وبأبنائها : من الآيات القرآنية إما ركناً من أركان اسباب النزول، أو مصداقاً من المصاديق التفسيرية في وجوهها الكاملة التامة على لسان النبي (ص) وبنصوص أئمة أهل البيت : انفسهم.

وأكاد أجيب ـ وأخالك معي ـ مما سلف على تساؤل يفرض نفسه فكريا وتفسيريا لماذا ذكرت الآيات الكريمة مريم (ع) صراحة، ولم تذكر الصديقة الطاهرة (ع) بصريح النص، وبعبارة واضحة على مالها من مقام وشأن في السماء قبل الارض، ولاسيما أن كتاب الله تعالى يجعل ثمة نظم ترابط بين ذكر مريم (ع) والصديقة الشهيدة (ص)، مثلما هو واقع وواضح في السنة النبوية؟

أقول: فضلاً عما مضى، وتجانساً مع أصل المطلب في وجه التقارب والتماثل بين المطهّرات والمحدّثات والمجتبيات في القرآن الكريم (مريم القديسة، والصديقة الشهيدة) إن أساليب القرآن الكريم التعبيرية، ولاسيما في ذكر الأعلام والمسميات تتبع وتنسجم مع غاياته الدلالية، ومقاصده المصداقية الواقعية التي تجمع بين معاني السياق القرآني من جانب، وأسباب النزول من جانب آخر؛ لذا فإن سبب النزول يكشف عن السياق القرآني ومعانيه التفسيرية (المفهومية والمصداقية)، ويقدم تعليلاً لتعدد أساليب التعبير في آياته المعظمة وتنوّعها، علماً أن الكناية بلوازم تشخيص المصاديق والتصريح بها قرآنياً يكون أبلغ في المقام، وأسمى في الدلالة، ولعله في حكم التصريح والأداء للمسميات نصاً، واعلاناً في تحديد المراد دون غيره، وتشخيص المصداق من دون التباس، ولاريب أنّ السنة النبوية الشريفة(قولاً وفعلاً وتقريراً) المبيـّن والموضح والمفسّر لكل من يشتبه عليه المعنى أو يغفل عن الوصول، أو القرب من دلالات المراد الإلهي بيانا للآيات أو مصداقا للمفاهيم، ولنا في آية المباهلة وهي قوله جل ذكرهُ: )فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ((آل عمران:٦١)، فلفظ (نساءنا) دال على الصديقة الشهيدة (ع) مصداقاً محدداً لا يمكن أن يخفى دلالياً وبيانياً في أسباب النزول أو المصداق الخارجي الموضوعي للمفهوم القرآني أصلاً، ولك أن تنظر في ثلة من كتب التفسير([50]) مثلاً وأنموذجاً لا على سبيل الحصر والقيد .

وفي يقيني أعتقد جازما أنه لايمكن أن يحتج على النصارى بمن لايعرفونهم، وأُريد بذلك أهل البيت الخمسة من المكنى عنهم بـ(أبناءنا ونساءنا وأنفسنا فضلا عن الداعي)، وكذا الامر بالنسبة لآيات التطهير، والمودة وغيرها، بل تجد أن الصديقة الطاهرة (ع) شريكة في كل ما نزل في حق ابنائها أهل البيت : وهذا التشريك إنما هو وجه من وجوه مقامها وأفضليتها على غيرها من المتقدمّات عليها في الانتساب والاصطفاء، وإن كنَّ ممن سبقها زماناً في الرسالات الاخر.

ولاريب في أن إظهار مزايا أهل البيت مجتمعين وفضيلتهم ـ بما فيهم الصديقة الشهيدة ـ في الآيات القرآنية إنما فيه من المقام الرسالي والنظم الإلهي في تكاملهم وتمايزهم وقيام أحدهم مقام الآخر في سلسلة أنبأنا عنها النبي وآله: وهكذا تراهم كلاً مجتمعين في آيات المباهلة والتطهير، والمودة وغيرها...

إذاً تَوهم عدم تشخيص وتسمية ذكر الزهراء (ع) أو أهل البيت : عموماً بأسمائهم (مع وجودهم مصاديق حيّة) في النص القرآني يكاد يكون قديماً، وجديداً حاضراً في كل عصر، ولعله يثار بين الحين والآخر تبعا لمرادات قائليها واعتقاداتهم وتعليل ذلك يخرج عن حدود ما نحن فيه، إلّا أنني استحضر سؤال أبي بصير للإمام الصادق(ع) لمعرفة مدى توهم عدم اغناء المصداق الخارجي الموضوعي عن التسمية، والحق ان المصاديق الفعلية الواضحة الجلية الخارجية أحق بالاعتماد والفهم والاعتقاد من التسميات مع كونها مبينة موضحة مفسرة بقول النبي وآله، وبتعضيد أسباب النزول وعلله وموضوعاته قال: «سألت أباعبدالله(ع) عن قول الله عز وجل: )أَطِيعُوا اللَّه وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ(. قال: «نزلت في علي بن أبي طالب، والحسن والحسين :» .

فقلت له: إنّ الناس يقولون: فما له لم يسمّ عليا وأهل بيته : في كتاب الله عز وجل؟ قال: فقال:

«قولوا لهم: إن رسول الله (ص) نزلت عليه الصلاة ولم يسمّ الله لهم ثلاثا، ولا أربعا، حتى كان رسول الله (ص) هو الذي فسر ذلك لهم، ونزلت عليه الزكاة ولم يسم لهم من كل أربعين درهما درهما، حتى كان رسول الله (ص) هو الذي فسر ذلك لهم، ونزل الحج ولم يقل لهم طوفوا سبعا، حتى كان رسول الله (ص) هو الذي فسر ذلك لهم.

ونزلت )أَطِيعُوا اللَّه وأَطِيعُوا الرَّسُولَ وأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ( ونزلت في علي والحسن والحسين :، فقال رسول الله (ص) في علي : من كنت مولاه فعلي مولاه، وقال (ص): أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، فإني سألت الله عز وجل أن لايفرّق بينهما حتى يوردهما علي الحوض، فأعطاني ذلك. وقال: لا تعلموهم، فهم أعلم منكم. وقال: إنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلالة.

فلو سكت رسول الله (ص) فلم يبين من أهل بيته لادّعاها آل فلان، وآل فلان، ولكن الله عز وجل نزل في كتابه تصديقا لنبيه (ص) : )إِنَّما يُرِيدُ اللَّه لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ ويُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً(، فكان علي والحسن والحسين وفاطمة :، فأدخلهم رسول الله (ص) تحت الكساء، في بيت أم سلمة، ثم قال: اللهم، إن لكل نبي أهلا وثقلا، وهؤلاء أهل بيتي وثقلي. فقالت ام سلمة: ألست من أهلك؟ فقال:

إنك إلى خير، ولكن هؤلاء أهلي وثقلي.

فلما قبض رسول الله (ص) كان علي أولى الناس بالناس، لكثرة ما بلغ فيه رسول الله (ص) ، وأقامه للناس ، وأخذ بيده ، فلما مضى علي لم يكن يستطيع علي ـ ولم يكن ليفعل ـ أن يدخل محمد بن علي، ولا العباس بن علي، ولا واحداً من ولده، إذا لقال الحسن والحسين : إن الله تبارك وتعالى أنزل فينا كما أنزل فيك، وأمر بطاعتنا كما أمر بطاعتك، وبلغ فينا رسول الله (ص) كما بلغ فيك، وأذهب عنا الرجس كما أذهبه عنك .

فلما مضى علي (ع) كان الحسن (ع) أولى بها لكبره، فلما توفي لم يستطع أن يدخل ولده، ولم يكن ليفعل ذلك، والله عز وجل يقول : )وأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أو لى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ( فيجعلها في ولده، إذن لقال الحسين (ع): أمر الله تبارك وتعالى بطاعتي كما أمر بطاعتك وطاعة أبيك، وبلغ في رسول الله (ص) كما بلغ فيك وفي أبيك، وأذهب الله عني الرجس كما أذهب عنك وعن أبيك.

فلما صارت إلى الحسين (ع) لم يكن أحد من أهل بيته يستطيع أن يدعي عليه كما كان هو يدعي على أخيه، وعلى أبيه، لو أرادا أن يصرفا الأمر عنه، ولم يكونا ليفعلا، ثم صارت حين أفضت إلى الحسين (ع)، فجرى تأويل هذه الآية: )وأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أو لى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللهِ(، ثم صارت من بعد الحسين لعلي بن الحسين (ع)، ثم صارت من بعد علي بن الحسين (ع) إلى محمد بن علي(ع)»([51]).

ولنا أن نستنتج أن خصوصية الزهراء الصديقة (ع) قد كشفها النبي (ص) وآله : من خلال هذه الآيات وغيرها، ولاسيما في تصور علاقتها بالسيدة مريم(ع)، ومدى تطابق صفاتهما وتماثلها من لحاظ، وتفاضل الزهراء عليها من لحاظ آخر.

وقد أكدت هذه البيانات الرسالية نقض ودفع التوهم وانصراف الذهن لأفضلية السيدة مريم على الصديقة الكبرى (ع) اعتماداً على مقامها القرآني، والتصريح باسمها، على حين لم يتصور ـ عند الغافلين والواهمين ـ مقام الزهراء الرسالي ومنزلتها الشاملة عند من سبقها بوجودها مصداقاً حياً لمرادات ومفاهيم النصوص القرآنية.

لذا جاء تقرير ووصف النبي (ص) افضلية الصديقة (ع) على مريم (ع) في اكثر من موقف، ملمّحاً في الوقت نفسه الى مقام ومنزلة مريم (ع) وعلو مرتبتها كونهما سيدات النساء، وهذا الامر لا ينفي التفاضل بينهما وهو سنّة إلهية تكون تبعا للاجتباء والاصطفاء الإلهي والمسؤولية الرسالية التي تقترن بصاحبها، وعلى كل حال فقد روي عن ابن عباس قال: «إن رسول الله (ص) كان جالساً ذات يوم وعنده على وفاطمة والحسن والحسين : فقال: اللهم إنك تعلم أن هؤلاء أهل بيتي وأكرم الناس علي فاحبب من أحبهم، وابغض من أبغضهم، ووال من والاهم، وعاد من عاداهم، وأعن من أعانهم، واجعلهم مطهرين من كل رجس معصومين من كل ذنب، وأيّدهم بروح القدس. ثم قال: [يعني فاطمة] ... وإنها لسيدة نساء العالمين. فقيل له: يا رسول الله (ص) أهي سيدة نساء عالمها، فقال النبي (ص): ذاك لمريم بنت عمران، فأمّا ابتني فاطمة فهي سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين...»([52]) .

وتلحظ تأكيد أهل البيت : على منزلة أمهم فاطمة (ع) عند بيانهم لقول النبي الاكرم فعن المفضل بن عمر قال: «قلت لأبي عبدالله (ع) أخبرني عن قول رسول الله (ص) في فاطمة: «إنها سيدة نساء العالمين» أهي سيدة نساء عالمها؟ فقال: ذاك لمريم كانت سيدة نساء عالمها، وفاطمة سيدة نساء العالمين من الأولين والآخرين»([53]).

أخلص إلى أن ثمة تماثل وتقارب بين مقام السيدة مريم العذراء (ع)، والسيدة الصديقة الشهيدة فاطمة الزهراء (ع) فهما ممن كانتا موضع عناية الخالق واجتبائه، ورعايته واصطفائه فهما سيدتا النساء، إلا أن الزهراء (ع) اختصت بسيدة نساء الاولين والآخرين، وكانت مريم (ع) سيدة نساء عالمها، كما أنهما من المحدّثات، مريم بشهادة القرآن، والزهراء (ع) بشهادة أهل بيت([54])، وهما من المطهرات بنص الكتاب المجيد، والمخصوصات بالكرامات والإفاضات الإلهية، وهما قاعدة الدعوة للرسالتين السماويتين مريم أم السيد المسيح (ع) ، وفــاطمة أم أبيها والمدافعة عن الدعوة الإسلامية في حياة النبي والخلافة والولاية بعد شهادته (ص)، وهما شريكتا الخطاب الإلهي في القرآن الكريم بآيات عديدة، أوضحت شبكة روحية قِيَميَّة في تمثـّل مريم (ع) المصرح بها، المنصوص عليها قرآنياً، لفاطمة الزهراء (ع) المكني عنها، المشار إليها هدفاً في التأمل والنظر والتفكر وغاية للاطمئنان، والاعتقاد المستخلص من الاستدلال والاستنباط. عن أبي عبدالله الصادق (ع) قال: «ومريم ابنة عمران التي أحصنت فرجها مثلاً ضرب الله لفاطمة (ع) وقال: إن فاطمة احصنت فرجها فحرّم ذريتها على النار»([55]) هذا غيض من فيض مما ذكر وعرف وما سواه فالله العالم به.



د) التقارب والتشابه بين الامام الحسين (ع) والأنبياء :

ليس بدعاً من القول أن يكون سيدالشهداء(ع) وارث الأنبياء والرسالات، فهو آخر الخمسة من أصحاب الكساء الذين بشّرت بهم الكتب السماوية على لسان أنبيائها([56])، ولعل أجلى التشابه والتماثل لأبي عبدالله الحسين(ع) يظهر مع أنبياء الله الذين قدموا أرواحهم في سبيل رسالاتهم، ولاسيما نبي الله يحيى بن زكريا(ع) الذي تلمحُ له مع الإمام (ع) ملامح التماثل والتقارب، فقد بشر النبي بالحسين قبل ولادته، وكذا الامر ليحيى بشّر به زكريا قبل ولادته، لم يسم باسم الحسين أحد قبله، ويحيى لم يسم باسمه أحد قبله، يحيى قتل مظلوماً وبكت السماء والارض عليه دما، وأُهدي رأسه إلى بغي من بغايا بني اسرائيل ووضع رأسه بين يدي عدوّه، والحسين (ع) قتل مظلوماً، وبكت السموات والارض عليه دما، وجِيء برأسه إلى الطاغية يزيد بن معاوية، ووضع أمامه، إلى غير ذلك من وجوه التشابه([57]) بين الحسين (ع) ويحيى (ع) فليس غريباً بعد ذلك أن تجد أن الحسين (ع) يكثر من ذكر يحيى في أحاديثه([58])، كما كان الحسين (ع) على لسان زكريا (ع) كما في حديث سعد بن عبدالله القمي مع الإمام العسكري (ع) والحجة صاحب الأمر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) وفيها سؤاله عن قوله تعالى: )كهيعص( (مريم: 1)، «قلت: فأخبرني يا ابن رسول الله عن تأويل )كهيعص( قال هذه الحروف من أنباء الغيب، أطلع الله عليها عبده زكريا، ثم قصها على محمد (ص) وذلك أن زكريا سأل ربه أن يعلمه أسماء الخمسة فأهبط عليه جبرئيل فعلمه إياها، فكان زكريا إذا ذكر محمدا وعليا وفاطمة والحسن والحسين سري عنه همه، وانجلى كربه، وإذا ذكر الحسين خنقته العبرة، ووقعت عليه البهرة، فقال ذات يوم: يا إلهي ما بالي إذا ذكرت أربعا منهم تسليت بأسمائهم من همومي، وإذا ذكرت الحسين تدمع عيني وتثور زفرتي؟ فأنبأه الله تعالى عن قصته، وقال: )كهيعص( "فالكاف" اسم كربلاء. و"الهاء" هلاك العترة. و"الياء" يزيد، وهو ظالم الحسين (ع). و"العين" عطشه. و"الصاد" صبره. فلما سمع ذلك زكريا لم يفارق مسجده ثلاثة أيام ومنع فيها الناس من الدخول عليه، وأقبل على البكاء والنحيب وكانت ندبته (إلهي أتفجع خير خلقك بولده إلهي أتنزل بلوى هذه الرزية بفنائه، إلهي أتلبس علياً وفاطمة ثياب هذه المصيبة، إلهي أتحلّ كربة هذه الفجيعة بساحتهما)؟! ثم كان يقول: «اللهم ارزقني ولداً تقرّ به عيني على الكبر، وأجعله وارثاً وصياً، واجعل محله مني محلّ الحسين، فإذا رزقتنيه فافتني بحبه، ثم فجعني به كما تفجع محمداً حبيبك بولده) فرزقه الله يحيى وفجعه به. وكان حمل يحيى ستة أشهر وحمل الحسين (ع) كذلك» ([59]).

وجرى ذكر الحسين (ع) في قلب ابراهيم ولسانه، وذلك من معاني ووجوه تفسير قوله جل ذكره: )وَفَدَيْناهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ( (الصافات: 107)، «عن الفضل بن شاذان، قال : سمعت الرضا (ع) يقول : «لما أمر الله تعالى إبراهيم (ع) أن يذبح مكان ابنه إسماعيل الكبش الذي أنزله عليه، تمنى إبراهيم (ع) أن يكون قد ذبح ابنه إسماعيل (ع) بيده، وأنه لم يؤمر بذبح الكبش مكانه، ليرجع إلى قلبه ما يرجع إلى قلب الوالد الذي يذبح [أعز] ولده بيده، فيستحق بذلك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب.

فأوحى الله عز وجل إليه : يا إبراهيم، من أحب خلقي إليك؟ فقال : يا ربّ، ما خلقت خلقا أحب إلي من حبيبك محمد. فأوحى الله عز وجل إليه : يا إبراهيم، فهو أحب إليك، أو نفسك؟ فقال: بل هو أحب إلي من نفسي.

قال: فولده أحب إليك، أو ولدك؟ قال : بل ولده. قال : فذبح ولده ظلماً على أيدي أعدائه أوجع لقلبك، أو ذبح ولدك بيدك في طاعتي؟ قال : يا رب، بل ذبحه على أيدي أعدائه أوجع لقلبي. قال: يا إبراهيم، إن طائفة تزعم أنها من امة محمد، ستقتل الحسين ابنه من بعده ظلماً وعدواناً، كما يذبح الكبش، فيستوجبون بذلك غضبي. فجزع إبراهيم (ع) لذلك، وتوجع قلبه، وأقبل يبكي، فأوحى الله عز وجل إليه : يا إبراهيم، قد فديت جزعك على ابنك إسماعيل لو ذبحته بيدك بجزعك على الحسين وقتله، وأوجبت لك أرفع درجات أهل الثواب على المصائب. فذلك قول الله عز وجل:)وفَدَيْناه بِذِبْحٍ عَظِيمٍ(»([60])، وقد يتوهم أن فداء الإمام الحسين(ع) لجده إسماعيل (ع) فيه من دلالة الأفضلية، وعلو الرتبة على الإمام (ع)، وهو بخلاف ما نعتقده بمقام أهل البيت :، ولاسيما أنهم خلاصة الأديان بأنبيائها ورسلها وكتبها، ومنتهى وحي السماء وملتقى الرسالات وجوهراها، وقد علّق الشيخ المجلسي 1 على ذلك فقال «قد اورد على هذا الخبر إعضال وهو أنه إذا كان المراد بالذبح العظيم قتل الحسين (ع) لا يكون المفدى عنه أجل رتبة من المفدى به فان أئمتنا صلوات الله عليهم أشرف من اولي العزم : فكيف من غيرهم؟ مع أن الظاهر من استعمال لفظ الفداء، التعويض عن الشيء بما دونه في الخطر والشرف. واجيب بأن الحسين (ع) لما كان من أولاد إسماعيل فلو كان ذبح إسماعيل لم يوجد نبينا وكذا سائر الأئمة وسائر الأنبياء: من ولد إسماعيل(ع) فإذا عوض من ذبح إسماعيل بذبح واحد من أسباطه وأولاده وهو الحسين (ع) فكأنه عوض عن ذبح الكل وعدم وجودهم بالكلية بذبح واحد من الأجزاء بخصوصه ولا شك في أن مرتبة كل السلسة أعظم وأجل من مرتبة الجزء بخصوصه. وأقول: ليس في الخبر أنه فدى إسماعيل بالحسين، بل فيه أنه فدى جزع إبراهيم على إسماعيل، بجزعه على الحسين (ع)، وظاهر أن الفداء على هذا ليس على معناه بل المراد التعويض، ولما كان أسفه على ما فات منه من ثواب الجزع على ابنه، عوضه الله بما هو أجل وأشرف وأكثر ثوابا، وهو الجزع على الحسين (ع). والحاصل أن شهادة الحسين (ع) كان أمراً مقرراً ولم يكن لرفع قتل إسماعيل حتى يرد الاشكال، وعلى ما ذكرنا فالآية تحتمل وجهين: الأول أن يقدر مضاف، أي " فديناه بجزع مذبوح عظيم الشأن " والثاني أن يكون الباء سببية أي "فديناه بسبب مذبوح عظيم بأن جزع عليه" وعلى التقديرين لا بد من تقدير مضاف أو تجوز في إسناد في قوله "فديناه" والله يعلم»([61]).

ومن وجوه علاقة سيد الشهداء (ع) مع الأنبياء صلته بالسيد المسيح (خصائص عديدة منها البشارة بالحسين (ع)، وذكره على لسانه ولاسيما ما يجري عليه في كربلاء، أما البشارة به فهي كلام السيد المسيح (ع) لتلاميذه بذهابه إلى ربّه تعالى الذي وعده بإرسال المؤيِّد له، جاء في إنجيل يوحنا: «إني ذاهب الآن إلى الذي أرسلني وما من أحد منكم يسألني إلى أين تذهب؟ غير أنني أقول لكم الحق: من الخير لكم أن أمضي فإن لم أمض لا يأتكم المؤيِّد، أما إذا مضيت فأرسله إليكم، ومتى جاء أخزى العالم على الخطيئة والبر والحكم».

ويذهب الدكتور المفكر انطون بارا إلى رأي يخالف به تفسير بعض اللاهوتيين للفظ (المؤيِّد) بأنه من معاني (الروح القدس)؛ لكونه جاء مغايراً لاستعمال توصيف (الروح القدس) في الانجيل، ودعّم ذلك بشواهد مختلفة من الانجيل([62])، واختار رأيا استدل عليه بحسب اعتقاده أن المقصود (المؤيِّد) الذي بشر به عيسى (ع) هو الإمام الحسين (ع) يقول انطون بارا بحسب ما يعتقد: «ولو نظرنا لرأينا... أن ليس ثمة من شهادة عظيمة اعقبت شهادة عيسى بعد مماته، سوى شهادة ريحانة الرسول الاعظم، وسليل النبوة وغذيّها، وهي شهادة جرت على لسان شهيد المسيحية عيسى (ع)؛ لما تمثلت له اهوال شهيد الإسلام الحسين (ع) فوق الأرض التي زارها والتي صارت مسرحاً لشهادته ... قد تأثر ولعن قاتليه، وأمر بني اسرائيل بلعنهم، وحث الذين سيدركون أيامه على القتال معه، فما هو الحجم المقياسي لشهادة الحسين في سفر المسلّمات الإلهية والمعادلات البشرية على ضوء ما قدمته من تضحيات عادت على العقيدة بما عادت؟ كشهادة قربت بعظمتها وخطر نتائجها وعظمها إلى حدود النبوة، وقربت شهيدها إلى حدود ما في النبوة من قدسية وخلود، فكانت ظلاً للنبوة، وكان الحسين (ع) شبيها بالرسل. ولا عجب في هذا المقتضي مادام لم يخرج عما اوصى به عيسى (ع) بني اسرائيل وما حثهم عليه من القتال مع الحسين، بوصف الشهادة معه «كالشهادة مع الأنبياء»، مادام لم يخرج عما اعلنه الرسول الكريم من قولته: «حسين مني وأنا من حسين» مبتدئاً إعلانه بالتركيز على كون الحسين منه، قبل أن يكون هو من الحسين»([63]).

أما ارتباط الحسين (ع) وذكره مع ذكر عيسى (ع) فيتجانسان في حدود المكان والموقف الرسالي، فقد نصت كثير من الروايات على أن المكان الذي ولد فيه عيسى (ع) عينه المكان الذي تقدّس بشهادة الامام الحسين (ع) (كربلاء البقعة المباركة)، فقد حددت الآيات القرآنية صفات مكان ولادة السيد المسيح (ع) ولوازمه بقوله تعالى :

)وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا( (مريم: ١٦).

)فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيًّا( (مريم: ٢٢).

وقوله جل ذكره : )وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا( (مريم: ٢٥).

)إِنْ هُوَ إِلّا رَجُلٌ بِهِ جِنَّةٌ فَتَرَبَّصُوا بِهِ حَتَّى حِينٍ( (المؤمنون: ٥٠ ).

وجميع هذه الآيات قد أوضحتها بيانات أهل البيت : التفسيرية لتحدد مكان ولادة السيد المسيح (ع)، وبالمقاربة بين دلالة الآيات الكريمة وألفاظها (مكانا شرقيا، مكانا قصيا، وهزي إليك بجذع النخلة، ربوة ذات قرار ومعين) التي تقتضي أن يكون جهة توجه مريم (ع) إلى الشرق، وإلى مكان بعيد عمّا هي فيه ـ بغضّ النظر عن طريقة الانتقال إليه بصورة خارقة معجزة كحال حملها من غير زواج، أو بصورة اعتيادية كما هو حال ولادتها ـ فضلاً عن المكان يحفل بالنخل، ووجود المرتفعات ـ التلال ـ والماء الظاهر الجاري على وجه الارض، هذه مميزات مكان ولادة السيد المسيح (ع)، فإذا قاربناها مع أحاديث أهل البيت التفسيرية، وقدسية المكان الذي قصد لرأينا أن ذلك لا ينطبق على جهة غير كربلاء البقعة المباركة المقدسة([64])، روي عن علي بن الحسين (ع) في قوله تعالى: )فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكاناً قَصِيّاً((مريم:22)، قال: «خرجت من دمشق حتى أتت كربلاء فوضعته في موضع قبر الحسين (ع)، ثم رجعت من ليلتها»([65]).

أمّا بيان المكان الذي يحفل بالنخل والمعني بقوله تعالى «وهزي إليك بجذع النخلة ...» فقد أوضحهُ الصادق من آل محمد : في حديث يحيى بن عبدالله قال: « قال: كنا بالحيرة. فركبت مع أبي عبد الله (ع) فلما صرنا حيال قريه فوق الماصر * قال: هي هي حين قرب من الشط وصار على شفير الفرات، ثم نزل فصلى ركعتين، ثم قال: اتدرى اين ولد عيسى (ع)؟ قلت: لا، فقال: في هذا الموضع الذي انا جالس فيه، ثم قال: أتدري أين كانت النخلة؟ قلت: لا، فمدّ يده خلفه، فقال: في هذا المكان، ثم قال: أتدري ما القرار؟ وما الماء المعين؟ قلت: لا، قال: هذا هو الفرات. ثم قال: أتدري ما الربوة؟ قلت: لا، فأشار بيده عن يمينه، فقال: هذا هو الجبل إلى النجف... »([66])، ومما يستوقف الباحث هنا تحديد الإمام (ع) موضع ولادة عيسى وموضع النخلة التي ذكرت، فضلاً عن الاشارة إلى مكان الربوة والماء وهو الجبل الممتد إلى النجف، الفرات الذي يتصل بجريانه إلى النجف.

وتتوافر روايات أهل البيت في بيان موضع الربوة والماء الذي ولد عنده السيد المسيح (ع) ومنها ما ورد عن أمير المؤمنين (ع) برواية أبي جعفر الباقر في تفسير الآية قال: «الربوة الكوفة، والقرار المسجد، والمعين الفرات»([67]) وعن الصادق (ع) قال: «الربوة: نجف الكوفة والمعين الفرات»([68])، وفي تفسير على ابراهيم القمي قال: «الربوة: الحيرة، وذات قرار ومعين: الكوفة)([69])وعلق على الرواية صاحب البحار 1 فقال: «لعل المعنى أن القرار هو الكوفة، والمعين ماؤها، اي الفرات، والحيرة اي كربلاء: لقربها منهما أضيفت إليهما»([70]) وقد يتوهم بعضهم بتعارض هذه الروايات وأمثالها التي تنص على معنى الربوة النجف أو الكوفة أو الحيرة أو كربلاء، والمعنى عند التدقيق في نصوص أهل البيت : واحد، فكيف ذاك وأنى؟

أقول: المُطّلع على جغرافية اتصال النجف الأشرف بكربلاء المقدسة يلحظ من خلال الرسم والتصوير الجغرافي سلسلة جبلية تمتد من الحيرة اتصالاً بالنجف (ظهر الكوفة) تمتد باتجاه النجف غرباً وصولاً لكربلاء وهذه هي ما يشير إليها أبو عبدالله الصادق (ع) بقوله (الجبل الممتد إلى النجف)، ويتصل الفرات بها من جهات مختلفة لذا جاء التعبير عن الربوة مرة بالكوفة أو الحيرة أو كربلاء لتواصل هذه الحواضر بعضها مع بعض بسلسلة جبلية يظهرها ويستكشف معالمها الرسم الجغرافي وترى أن هذه المدن تقع عند حافة هذه السلاسل فالنجف تقع في اعلى منطقة لهذه السلسلة وتشكل الحيرة مكانا يشبه لساناً يمتد بينهما (بين النجف والكوفة) لتظهر كلها بصورة مثلث قاعدته من طرف الحيرة ومن الطرف الآخر الكوفة ورأسه هضبة النجف التي تعلوها ثلاثة تلال يتوسطها قبر الإمام علي(ع) وتتصل حافة هذه الهضبة مع امتداد الجبال المسماة بـ(طار النجف) وصولاً والتقاءً بجبال أو (طار كربلاء) ([71]).

إذاً فليس ثمة تباين واختلاف في اشارة أهل البيت : إلى أن موضع ولادة عيسى (ع) كان في كربلاء، التي يعبر عنها في كثير من الروايات بأنها البقعة المباركة ([72])، عن أبي عبدالله الصادق (ع) قال: «شاطئ الوادي الايمن الذي ذكره الله تعالى في القرآن هو الفرات، والبقعة المباركة كربلاء»([73]).

وما من نبي إلّا وزار كربلاء ولعن قتلة أبي عبدالله الحسين بن علي (ع) فقد روي أن «أوَّل من لعن قاتل الحسين بن عليِّ (ع) إبراهيم خليل الرَّحمن، لعنه وأمر ولده بذلك وأخذ عليهم العهد والميثاق، ثمَّ لعنه موسى بن عِمرانَ، وأمر اُمّته بذلك، ثمَّ لعنه داود وأمر بني إسرائيل بذلك، ثمَّ لعنه عيسى، وأكثر أن قال : يا بني إسرائيل العنوا قاتِله، وإن أدركتم أيّامه فلا تجلسوا عنه، فإنَّ الشَّهيد معه كالشَّهيد مع الأنبياء، مقبل غير مُدبر، وكأنّي أنظر إلى بُقعته، وما مِن نبيِّ إلاّ وقد زارَ كربلاء ووقف عليه وقال: إنّك لبقعة كثيرة الخير، فيك يدفن القَمَر الأزهر"»([74])، ولعل من ينكر زيارة عيسى (ع) لأرض الطف، لا يخرج عن انكار احياء الميت وشفاء الأكمه والأبرص، هذا ما يراه المفكر النصراني انطون بارا ويضيف انه ليس من العسير أن المسيح (ع) يمر بكربلاء ويتنبأ بمن يُصرع على أرضها من الشهداء والمصطفين بعد قرون، أوليس الأنبياء اولاد علّات والشهداء والمصطفون إخوان في أسرة واحدة أعدها الله تعالى لتحقيق وعده للبشر، وهل من الإيمان أن يخوض بعضهم في انكار هذه التجليات الإلهية ويفسرها بمنطقهم البشري القاصر، ورؤاهم العاجزة؟ ([75]).

ومن يتأمل بخصوصيات العلاقة بين سيد الشهداء (ع) والسيد المسيح (ع) ومن سار على نهجه من النصارى يلمس ذكراً للإمام (ع) وشهادته ما قبل عاشوراء وكربلاء، ومعها وبعدها، ولا عجب في ذلك ولا غرابة في تمثّل الحسين (ع) ومشابهته للسيد المسيح (ع) في الذبِّ عن حرمة الدين والتضحية دونه، واعلاء جوهر الدين والحفاظ على سرّ خلوده، فالموقف الحسيني مثّل للكتابيين بعداً رسالياً لم يكن بمعزل عن الأنبياء ورسالاتهم، بل هو عينها وفي عمق جوهرها ولبابها.

ولعل في حديث السيد المسيح (ع) والاشارة إلى ما يجري على الامام الحسين(ع)  ([76]( امتداداً رسالياً كشف عنه أهل البيت ليكون مناط تعضيد لوحدة الرسالات وتماثل مواقفها وتشابه أهلها النجباء الذين اختارهم الله على علم على العالمين، وانتخبهم من خلقه أجمعين فعن ابن عباس قال: «كنت مع أميرالمؤمنين (ع) في خروجه إلى صفين، فلما نزل بنينوى وهو شط الفرات، قال بأعلى صوته: يا ابن عباس، أتعرف هذا الموضع؟ فقلت له: ما أعرفه، يا أمير المؤمنين. فقال علي (ع): لو عرفته كمعرفتي لم تكن تجوزه حتى تبكي كبكائي. قال: فبكى طويلا حتى اخضلت لحيته وسالت الدموع على صدره، وبكينا معا، وهو يقول: أوه أوه، مالي ولآل أبي سفيان، مالي ولآل حرب، حزب الشيطان، وأولياء الكفر، صبرا ـ يا أبا عبد الله ـ فقد لقي أبوك مثل الذي تلقى منهم. ثم دعا بماء فتوضأ وضوءه للصلاة وصلى ما شاء الله أن يصلي، ثم ذكر نحو كلامه الاول، إلا أنه نعس عند انقضاء صلاته وكلامه ساعة، ثم انتبه فقال: يا ابن عباس. فقلت: ها أنا ذا. فقال: ألا أحدثك بما رأيت في منامي آنفا عند رقدتي؟ فقلت: نامت عيناك ورأيت خيرا، يا أمير المؤمنين. قال: رأيت كأني برجال قد نزلوا من السماء معهم أعلام بيض، قد تقلدوا سيوفهم، وهي بيض تلمع، وقد خطوا حول هذه الارض خطة، ثم رأيت كأن هذه النخيل قد ضربت بأغصانها الارض تضطرب بدم عبيط، وكأني بالحسين سخلي وفرخي ومضغتي ومخي قد غرق فيه، يستغيث فلا يغاث، وكأن الرجال البيض قد نزلوا من السماء ينادونه ويقولون: صبرا آل الرسول، فإنكم تقتلون على أيدي شرار الناس، وهذه الجنة ـ يا أبا عبد الله ـ إليك مشتاقة. ثم يعزونني ويقولون: يا أبا الحسن، أبشر، فقد أقر الله به عينك يوم القيامة، يوم يقوم الناس لرب العالمين، ثم انتبهت هكذا. والذي نفس علي بيده، لقد حدثني الصادق المصدق أبو القاسم (ص) أني سأراها في خروجي إلى أهل البغي علينا، وهذه أرض كرب وبلاء، يدفن فيها الحسين وسبعة عشر رجلا من ولدي وولد فاطمة، وأنها لفي السماوات معروفة، تذكر أرض كرب وبلاء كما تذكر بقعة الحرمين وبقعة بيت المقدس. ثم قال: يا ابن عباس، اطلب لي حولها بعر الظباء، فواللّه ما كذبت ولا كذبت، وهي مصفرة، لونها لون الزعفران. قال ابن عباس: فطلبتها فوجدتها مجتمعة، فناديته: يا أمير المؤمنين، قد أصبتها على الصفة التي وصفتها لي. فقال علي (ع): صدق الله ورسوله. ثم قام (ع) يهرول إليها، فحملها وشمها، وقال: هي هي بعينها، أتعلم ـ يا بن عباس ـ ما هذه الابعار؟ هذه قد شمها عيسى بن مريم (ع)، وذلك أنه مر بها ومعه الحواريون فرأى ها هنا الضباء مجتمعة وهي تبكي، فجلس عيسى (ع) وجلس الحواريون معه، فبكى وبكى الحواريون وهم لا يدرون لم جلس ولم بكى. فقالوا: يا روح الله وكلمته، ما يبكيك؟ قال: أتعلمون أي أرض هذه؟ قالوا: لا. قال: هذه أرض يقتل فيها فرخ الرسول أحمد، وفرخ الحرة الطاهرة البتول شبيهة أمي، ويلحد فيها، طينة أطيب من المسك لأنها طينة الفرخ المستشهد، وهكذا تكون طينة الأنبياء وأولاد الأنبياء، فهذه الظباء تكلمني وتقول: إنها ترعى في هذه الارض شوقا إلى تربة الفرخ المبارك، وزعمت أنها آمنة في هذه الارض. ثم ضرب بيده إلى هذه الصيران([77]) فشمها، وقال: هذه بعر الظباء على هذا الطيب لمكان حشيشها، اللهم فأبقها أبدا حتى يشمها أبوه فتكون له عزاء وسلوة، قال: فبقيت إلى يوم الناس هذا، وقد اصفرت لطول زمنها، وهذه أرض كرب وبلاء. ثم قال بأعلى صوته: يا رب عيسى بن مريم، لا تبارك في قتلته، والمعين عليه، والخاذل له، ثم بكى بكاء طويلا وبكينا معه حتى سقط لوجهه وغشي عليه طويلا، ثم أفاق، فأخذ البعر فصره في ردائه، وأمرني أن أصرها كذلك، ثم قال: يا بن عباس، إذا رأيتها تنفجر دما عبيطا ويسيل منها دم عبيط، فاعلم أن أبا عبد الله قد قتل بها ودفن. قال ابن عباس: فوالله لقد كنت أحفظها أشد من حفظي لبعض ما افترض الله عزوجل علي، وأنا لا أحلها من طرف كمي، فبينما أنا نائم في البيت إذ انتبهت فإذا هي تسيل دما عبيطا، وكان كمي قد امتلا دما عبيطا، فجلست وأنا باك، وقلت: قد قتل والله الحسين، والله ما كذبني علي قط في حديث حدثني، ولا أخبرني بشيء قط أنه يكون إلا كان كذلك، لأنّ رسول الله (ص) كان يخبره بأشياء لا يخبر بها غيره. ففزعت وخرجت، وذلك عند الفجر، فرأيت والله المدينة كأنها ضباب لا يستبين منها أثر عين، ثم طلعت الشمس فرأيت كأنها منكسفة، ورأيت كأن حيطان المدينة عليها دم عبيط، فجلست وأنا باك، فقلت: قد قتل والله الحسين، وسمعت صوتا من ناحية البيت، وهو يقول:

اصبروا  آل الرسول      قتل الفرخ النحول

نزل  الروح  الامين      ببكــــاء وعـويل

ثم بكى بأعلى صوته وبكيت، فأثبت عندي، تلك الساعة، وكان شهر المحرم يوم عاشوراء لعشر مضين منه، فوجدته قتل يوم ورد علينا خبره وتاريخه كذلك، فحدثت هذا الحديث أولئك الذين كانوا معه، فقالوا: والله لقد سمعنا ما سمعت ونحن في المعركة، ولا ندري ما هو، فكنا نرى أنه الخضر (ع)»([78]) وتجسد الموقف الرسالي في يوم عاشوراء المماثل والمشابه لموقف السيد المسيح ـ وهو اعتقاد باحث نصراني([79]) قارن بين كلام الامام ونبي الله عيسى (ع) في لبّ صراعهما مع الباطل وفداء الرسالة ـ في الدفاع عن الحق والذبِّ عن حقيقة الاسلام والقرآن؛ لذا كان الامام في خطابه العاشورائي يقول: «ألا ترون إلى الحق لا يُعمل به، وأن الباطل لا يُتناهى عنه» وهو صدى قول الله تعالى في عيسى (ع) وقومه: )ذلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ( (مريم: 34)، فالقضية المحورية في فداء عيسى، وشهادة الحسين هي إقامة الحق الذي نبذه اعداء الرسالات طلباً للفساد والظلم، وإبطالاً للصلاح والعدل يقول الامام الحسين (ع) في وصيته لأخيه محمد بن الحنفية: «وإني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي (ص) أُريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي ابن أبي طالب (ع) فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين»([80]) وفي المقابل ترى السيد المسيح (ع) يرد على سؤال اليهود عندما قال لهم: « الحق يحرركم، كيف تقول انت انكم تصيرون احراراً، ولم نستعبد لأحد قطّ؟ فأجابهم: الحق الحق اقول لكم... إن كل من يعمل الخطيئة هو عبد الخطيئة»، وفي الآية(40) من الاصحاح الثامن كذلك يقول السيد المسيح(ع): «ولكنكم الآن تطلبون أن تقتلوني... وانا الانسان قد كلمكم بالحق الذي سمعه من الله هذا لم يعمله إبراهيم... أنتم تعملون أعمال أبيكم... انتم من أبٍ هو ابليس ذاك كان قاتّلا للناس من البدء... ولم يثبت في الحق ... لأنه ليس فيه الحق، وأما أنا فلأني أقول الحق لستم تؤمنون بي ... الذي من الله، يسمع كلام الله ... لذا أنتم لستم تسمعون ... لأنكم لستم من الله» وقال ايضاً مخاطباً اليهود والذين جاؤوا ليعتقلوه: «أعلى لص خرجتم تحملون السيوف والعصي؟، كنت كل يوم بينكم في الهيكل، فلم تبسطوا أيديكم إلى، ولكن تلك ساعتكم وهذا سلطان الظلام»([81]) وقال: «ألم يعطكم موسى الشريعة، وما من أحد منكم يعمل بأحكام الشريعة، لماذا تريدون قتلي»([82]).

ولعل في مضامين هذا الكلام بحسب ما اعتقد شبهاً وتقارباً من قول الإمام الحسين (ع) كذلك في وصف اعداء الرسالة واعوان الظلم « وقد علمتم أن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتولوا عن طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله، وحرّموا حلاله»([83]).

ولذا يخلص الدكتور استانبوليان من خلال المقارنة بين كلام الإمام الحسين(ع) والسيد المسيح (ع) إلى انطباق دلالة الآية القرآنية ورمزيتها بحقّ نبي الله عيسى (ع) على الإمام الحسين (ع) في قوله تعالى: )وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللهِ وَما قَتَلُوهُ وَما صَلَبُوهُ وَلكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ ما لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّباعَ الظَّنِّ وَما قَتَلُوهُ يَقِيناً( (النساء: 157), ليصل إلى عالمية وعظمة الإمام الحسين (ع) وصلة نهضة وعلاقتها بالكتب السماوية السابقة ويختم كلامه بقوله «لوددنا... لوكان لدينا عدة أرواح لنفديك بها جميعاً»([84]).

هذا ملمح من عرصات عاشوراء الذي يتوحد مع الفداء المسيحي, وهوركن أساسي في الرسالة العيسوية وقد تجسدت في شهادة الإمام الحسين (ع) الطريق «الذي لا يقدم عليه إلاّ المبشرون بالأديان السماوية، أو المتصدّون لانحرافها، وكان الحسين (ع) واحداً منهم»([85]) ؛من هنا لنا أن نقيس هذا الفداء والتضحية ليس بمقدار ما قدمت من الأرواح الطاهرة، والنفوس الكريمة المختارة التي هي من نفس روح اكرم الأنبياء فحسب، بل لابد من مقياس آخر هو خلودها بما قدمته وما تزال من عطاء ومواهب تجدد في كل يوم، فإذا كانت تضحيات الأنبياء والرسل السابقين بعيدة المنال عنا، فمشهد الفداء الحسيني بكل ابعاده حاضر يجسد مواقف الأنبياء والرسل كلهم بوصفه الإمام (ع) الوارث للرسالات والأنبياء وهو حي مشخص فيما بيننا نستلهم منه كلّ يوم بشارة السماء([86]).

وإذا كانت كلمات السيد المسيح(ع) وكلماته وبكاؤه على سيد الشهداء(ع) معلماً من معالم تلاقي الرسالات، فإن من اهل الكتاب من سار على نهج السيد المسيح (ع) عندما وعى مظهراً من مقام الإمام (ع)، وإذا كان حق للكتابيين أن يفخروا بشيء تجاه أهل البيت : فلهم أن يُفاخروا بمواقف وهب بن عبدالله الكلبي([87]) الذي نصر الإمام الحسين بلسانه ويده وتجانست دماؤه مع دماء اصحاب الحسين (ع) الميامين في طف عاشوراء، وللكتابيين كذلك أن يفخروا بالراهب الذي احتضن رأس أبي عبدالله (ع) عندما نزلت سبايا آل محمد (ص) في دير من أديرة الشام([88]) وكذا الامر لمن وقف من الكتابيين بمحضر الطاغية يزيد فأخبره بعظم جرمه بقتله سيد الشهداء وأهل الكتاب يقدسون حافر حمار عيسى في جزيرة من جزر الارض إلى وقته ([89]).

ومن الجدير بالذكر أنّ للإمام الحسين (ع) سنة رسالية إلهية أخرى جرت على غرار سنة الله تعالى في النبوة والإمامـة من بعد موسى وهارون (ع)، ولعلك لا تعدم أن تجد التشابه بين المصطَفين للرسالة (موسى وهارون)، والمجتَبين للإمامة (الحسن والحسين) فهم موضع العناية والاختيار الإلهي، روي عن هشام بن سالم قال: قلت للصادق جعفر بن محمد (ع): الحسن أفضل أم الحسين؟ فقال: الحسن أفضل من الحسين. [قال:] قلت: فكيف صارت الامامة من بعد الحسين في عقبه دون ولد الحسن؟ فقال: إن الله تبارك وتعالى أحب أن يجعل سنة موسى وهارون جارية في الحسن والحسين (ع)، ألا ترى أنهما كانا شريكين في النبوة كما كان الحسن والحسين شريكين في الامامة وإن الله عزوجل جعل النبوة في ولد هارون ولم يجعلها في ولد موسى وإن كان موسى أفضل من هارون (ع)، قلت: فهل يكون إمامان في وقت واحد؟ قال: لا، إلا أن يكون أحدهما صامتاً مأموماً لصاحبه، والآخر ناطقاً إماماً لصاحبه، فأما أن يكونا إمامين ناطقين في وقت واحد فلا. قلت: فهل تكون الامامة في أخوين بعد الحسن والحسين (ع)؟ قال: لا إنما هي جارية في عقب الحسين (ع) كما قال الله عزوجل: )وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً في عَقِبِهِ( ثم هي جارية في الاعقاب وأعقاب الاعقاب إلى يوم القيامة»([90])، ولا أحسب تمثيلاً ومقاربةً رساليةً تنبئُك دلالة المشابهة بين أهل البيت :، وأنبياء أهل الكتاب مثل جريان السنة الربانية الواحدة في السابقين اللاحقين من عباده المخلَصَين ليُعلم مقام الأنبياء والأوصياء من السماء، فعلى الرغم من اختلاف الزمان والمكان والعقائد والتشريعات إلا أنها تصدر من عين صافية واحدة .

هـ) الإمام المهدي (عج) وسنن الأنبياء : (الإيمان بالمنقذ في آخر الزمان):

اتفقت الاديان السماوية على وجود المنقذ في آخر الزمان، ولعلها تقاربت في الاصطلاح عليه مرة بالمنقذ، وأخرى بالمصلح العالمي، وعلى الرغم من اتفاق بشارات الاديان على فكرته، إلا أنها اختلفت في مصاديقه، فهو عند المسلمين، ولاسيما الشيعة الإمامية الإمام المهدي المنتظر الموعود الذي سيملأ الارض قسطاً وعدلاً بعد أن يسود فيها الظلم والطغيان لحد تفقد فيه البشرية انسانيتها، وهو عند النصارى السيد المسيح الذي يعود في آخر الزمان ليقود الأمن والسلام في العالم([91]).

وليس من وكد البحث الوقوف عند ذلك طويلاً بقدر اهتمامه بتلاقي مصاديق هذه النظريات للأديان السماوية في اتجاه واحد، فيكون الامام المهدي المنتظر (عجل الله تعالى فرجه الشريف) والسيد المسيح (ع) آمَّاً ومَأمُوماً، يقيمان الصلاة لرب العالمين، وهو قول الباقر (ع) «حتى ينزل عيسى بن مريم من السماء، ويقتل الله الدجال على يده، ويصلي بهم رجل منا أهل البيت. ألا ترى أن عيسى يصلي خلفنا وهونبي، ألا ونحن أفضلُ منه» ([92]).

وفي روايات أخر يطلب الإمام (ع) من النبي عيسى التقدم لإمامة الصلاة فيرفض قائلاً :إن الصلاة أقيمت لأجلك، فيتقدم الامام المهدي (ع) ويصلي خلفه عيسى (ع)؛ ليدل على تكامل الرسالات وخاتمية الرسالة المحمدية، وهي إشارة رسالية انسانية لمن يعتقد بتآلف الأديان ومرجعيتها الواحدة وتوجهها الواحد لله تبارك شانه([93])، ولعل جميع أقوام البشر وأممها وخصوصاً أهل الكتاب يقولون بوجود الامام 7 اليهود والنصارى والمجوس، وغيرهم كثير من اصحاب الملل وقد ورد انه في كتبهم([94]).

وعلى كل حال فمن ملامح مشابهة الإمام المهدي للأنبياء والأوصياء ذكرهم على لسانه (ع) والتذكير بهم في تواصلهم مع الرسالة الخاتمة حتى قيامه (ع)، منها في الخطبة التي يخطبها في الكعبة حيث يسند ظهره المقدس إلى الكعبة الشريفة ويقول من بعض كلامه (ع): «..معاشر الخلائق الا من اراد ان ينظر الى ابراهيم واسماعيل فها انا ابراهيم ومن اراد ان ينظر الى موسى ويوشع فها انا موسى ومن اراد ان ينظر الى عيسى وشمعون فها انا عيسى ومن اراد أن ينظر الى محمد (ص) وأمير المؤمنين اليا فها انا محمد ومن اراد ان ينظر الى الائمة من ولد الحسين فها انا هم واحدا بعد واحد فها انا هم فلينظر إلي ويسالني فاني نبي بما نبؤوا به وما لم ينبؤوا الا من كان يقرأ الصحف والكتب فليسمع الي. ثم يبتدئ بالصحف التي انزلها الله على آدم وشيث فيقرأها فتقول امة آدم هذه والله الصحف حقا ولقد قرأ ما لم نكن نعلمه منها وما اخفي عنا وما كان اسقط وبدل وحرف ويقرأ صحف نوح وصحف ابراهيم والتوراة والانجيل والزبور فتقول امتهم هذه والله كما نزلت والتوراة الجامعة والزبور التام والانجيل الكامل وانها اضعاف ما قرأناه ثم يتلو القرآن فيقول المسلمون هذا والله القرآن حقا الذي انزله الله على محمد فما اسقط ولا بدل ولا حرف ولعن الله من اسقطه وبدله وحرفه...»([95])، فتلازم قيام الإمام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) مع الأنبياء : يؤكد تواصل الوصية والرسالة الإلهية من بدء الخليقة حتى ما شاء الله تعالى، وهذه الحقيقة تعضدها المزايا التقاربية، والصفات التماثلية للإمام (ع) مع الأنبياء السابقين :، وتطابق سننه (ع) مع سننهم وهو ما نص عليه أجداده أئمة أهل البيت : في مواقف متعددة منها قول الإمام علي بن الحسين (ع) «في القائم منا سنن من الأنبياء سنّة من أبينا آدم (ع)، وسنة من نوح، وسنة من إبراهيم، وسنة من موسى، وسنة من عيسى، وسنة من أيوب، وسنة من محمد صلوات الله عليهم، فأما من آدم ونوح فطول العمر وأما من إبراهيم فخفاء الولادة واعتزال الناس، وأما من موسى، فالخوف والغيبة وأما من عيسى فاختلاف الناس فيه، وأما من أيوب فالفرج بعد البلوى، وأما من محمد (ص) فالخروج بالسيف»([96]).

ودلالة التشابه بين الإمام (ع) مع من سبق من الأنبياء إنما هي توجيه للأنظار في تكامل السنن، والصفات الرسالية في خاتم الاوصياء من أمناء آخر الأنبياء (ص)، وتحقق مصداق التماثل تصريح بالمرجعية الواحدة للرسالات وتواصلها من جهة، وترتب مزية الأفضلية لمقام من يجمع صفات الأنبياء : على من يتصف بصفه دون اخرى، وجميعها شاخصة في الاشارة على تحمله اعباء الأمانة العظمى في اختزال معاناة السابقين بكل توصيفاتها وقيامه (ع) بمهمة رسالية تمت لسابقها بأوثق الصلات.

ومن تمام المعنى الاشارة إلى قول الإمام الحسين (ع) في القائم (عجل الله تعالى فرجه الشريف): «في التاسع من ولدي سنّة من يوسف، وسنة من موسى بن عمران (ع)، وهو قائمنا أهل البيت، يصلح الله تعالى أمره في ليلة واحدة» ([97]).

هذا ولم يخلُ تراث الامام المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف) من ذكر الأنبياء والأوصياء على لسانه، فضلاً عن اجابته على رسائل وكتب وأسئلة سفرائه([98])، وأحسب ان تلاقي الامام المهدي (ع) مع الأنبياء في ثنائيات صفاتية يؤدي بنا إلى القول بتواشج العلاقة بين رمزية ثنائيات اخر كالكعبة والقدس أو جلاء صورة الإسلام الاصيل مع المسيحية الصافية النقية والتي سوف يجسدها المهدي (عجل الله تعالى فرجه الشريف)، أو المخلّص العالمي في توحد الاديان الإلهية فيه تجاه الخالق الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ؛وهنا يكشف عن دعوة الأنبياء إلى التوحيد الخالص([99])، فضلاً عن ذلك فقد روت الإمامية أن الإمام المهدي (عجّل الله تعالى فرجه الشريف) وهو مصداق الوراثة الإلهية للأديان على الارض سوف يستخرج التوراة وسائر كتب الله سبحانه وتعالى في زمانه، وأنه (ع) سوف يحكم بحكم آل داوود ولا يسأل عن البينة؛ لما يؤتاه من العلم (ع) ([100])، وفيه إشارة لقضاء جده الإمام علي (ع) وقوله في الحكم بين أهل التوراة والانجيل والزبور.


(*) كلية الفقه / جامعة الكوفة.

* هوامش البحث *

[1]. جاء في بعض كلام اهل البيت :: «عن الاصبغ بن نباتة قال: سمعت أمير المؤمنين (ع) يقول: نزل القرآن أثلاثا: ثلث فينا وفي عدونا، وثلث سنن وأمثال، وثلث فرائض وأحكام» الكافي / 2 / 627 .

[2]. ظ/ علي سبيل المثال: كتاب الحجة وباب ان الارض لا تخلوص حجة/ الكافي/ 128، 136، وباب أن الأئمه ورثوا علم النبي وجمع الأنبياء، والأوصياء الذين من قبلهم/ الكافي/1/174، وظ كذلك باب اتصال الوصية من لدن آدم (ع) وأنّ الارض لا تخلو من حجه لله تعالى على خلقه إلى يوم القيامة / كمال الدين وتمام النعمة/1/203.

[3]. الصراط المستقيم/ 2/ 153.

[4]. ينابيع المودة: القندوزي الحنفي: 1/362، ظ: في هذا المجال: باب علم الكتاب عند علي (ع)، بحارالانوار/35/429. ولك أن تنظر في هذا السبيل بعض/ المصادر الآتية: بصائر الدرجات/155، 489، الكافي/1/225، 231، 293 شرح أصول الكافي/ 6/130، وسائل الشيعة /20/297، الغيبة / النعماني/325، ينابيع المعاجز/39 بحارالانوار/13/225، 17/137، 143، 26/185، 40/ 218، 47/260، 298، 57/241.

[5]. الكافي/1/554، ظ كذلك: المهذب البارع / 5/11، الوسائل / 20 /357.

[6]. الأمالي / الطوسي / 540، معاني الأخبار / 334، عوالي اللئائي / 1/92، الجواهر السينة / 25، المحتضر /160.

[7]. تحف العقول / 8

[8]. التوحيد / الصدوق / 406.

[9]. وسائل الشيعة / 21/ 531.

[10] وسائل الشيعة / 15 / 315.

[11]. وسائل الشيعة / 7 /149.

[12]. وسائل الشيعة /7/60.

[13]. ظ / الدعاء في القرآن الكريم / دعاء الأنبياء.

[14]. الكافي / 1/44، ظ كذلك الرواية: أرشاد الأذهان / 1/16، تحف العقول / 393، عدة الداعي / 65، منية المريد / 146، الجواهر السنية / 110، بحارالانوار 2/ 28.

[15]. التوحيد / الصدوق / 275، وأصل المناظرة التي جرت بينهما رويت عن«يونس بن عبد الرحمن، عن هشام بن الحكم، عن جاثليق من جثالقة النصارى يقال له: بريهة، قد مكث جاثليق النصرانية سبعين سنة، وكان يطلب الاسلام ويطلب من يحتج عليه ممن يقرأ كتبه ويعرف المسيح بصفاته ودلائله وآياته، قال: وعرف بذلك حتى اشتهر في النصارى والمسلمين واليهود والمجوس حتى افتخرت به النصارى وقالت: لو لم يكن في دين النصرانية إلا بريهة لاجزأنا، وكان طالباً للحق والاسلام مع ذلك، وكانت معه امرأة تخدمه، طال مكثها معه، وكان يسر إليها ضعف النصرانية وضعف حجتها، قال: فعرفت ذلك منه، فضرب بريهة الامر ظهرا لبطن وأقبل يسأل فرق المسلمين والمختلفين في الاسلام من أعلمكم؟ وأقبل يسأل عن أئمة المسلمين وعن صلحائهم وعلمائهم، وأهل الحجى منهم، وكان يستقرئ فرقة فرقة لا يجد عند القوم شيئا، وقال: لو كانت أئمتكم أئمة على الحق لكان عندكم بعض الحق، فوصفت له الشيعة، ووصف له هشام بن الحكم. فقال يونس بن عبد الرحمن: فقال لي هشام: بينما أنا على دكاني على باب الكرخ جالس وعندي قوم يقرؤون علي القرآن فإذا أنا بفوج النصاري معه مابين القسيسين إلى غيرهم نحو من مائة رجل عليهم السواد والبرانس، والجاثليق الاكبر فيهم بريهة حتى نزلوا حول دكاني، وجُعل لبريهة كرسي يجلس عليه فقامت الاساقفة والرهابنة على عصيهم، وعلى رؤوسهم برانسهم، فقال بريهة: ما بقي من المسلمين أحد ممن يذكر بالعلم بالكلام إلا وقد ناظرته في النصرانية فما عندهم شيء وقد جئت اناظرك في الاسلام، قال: فضحك هشام فقال: يا بريهة إن كنت تريد مني آيات كآيات المسيح فليس أنا بالمسيح ولا مثله ولا ادانيه، ذاك روح طيبة خميصة مرتفعة، آياته ظاهرة، وعلاماته قائمة، قال بريهة: فأعجبني الكلام والوصف. قال هشام: إن أردت الحجاج فههنا، قال بريهة: نعم فإني أسألك ما نسبة نبيكم هذا من المسيح نسبة الابدان؟ قال هشام: ابن عم جده (لأمّه) لأنّه من ولد إسحاق ومحمد من ولد إسماعيل، قال بريهة، وكيف تنسبه إلى أبيه؟ قال هشام: إن أردت نسبه عندكم أخبرتك، وإن أردت نسبه عندنا أخبرتك، قال بريهة: اريد نسبه عندنا، وظننت أنه إذا نسبه نسبتنا أغلبه، قلت: فانسبه بالنسبة التي ننسبه بها، قال هشام: نعم، تقولون: إنه قديم من قديم، فأيهما الاب وأيهما الابن قال بريهة: الذي نزل إلى الارض الابن، قال هشام: الذي نزل إلى الارض الاب قال بريهة: الابن رسول الاب، قال هشام: إن الاب أحكم من الابن لان الخلق خلق الاب، قال بريهة: إن الخلق خلق الاب وخلق الابن، قال هشام: ما منعهما أن ينزلا جميعا كما خلقا إذا اشتركا؟ ! قال بريهة: كيف يشتركان وهما شيء واحد إنما يفترقان بالاسم، قال هشام: إنما يجتمعان بالاسم، قال بريهة: جهل هذا الكلام، قال هشام: عرف هذا الكلام، قال بريهة: إن الابن متصل بالاب، قال هشام: إن الابن منفصل من الاب، قال بريهة: هذا خلاف ما يعقله الناس، قال هشام: إن كان ما يعقله الناس شاهدا لنا وعلينا فقد غلبتك لان الاب كان ولم يكن الابن فتقول: هكذا يا بريهة؟ قال: ما أقول: هكذا، قال: فلم استشهدت قوما لا تقبل شهادتهم لنفسك، قال بريهة: إن الاب اسم والابن اسم يقدر به القديم قال هشام: الاسمان قديمان كقدم الاب والابن؟ قال بريهة: لا ولكن الاسماء محدثة قال: فقد جعلت الاب ابنا والابن أبا، إن كان الابن أحدث هذه الاسماء دون الاب فهو الاب، وإن كان الاب أحدث هذه الاسماء دون الابن فهو الاب والابن أب وليس ههنا ابن، قال بريهة: إن الابن اسم للروح حين نزلت إلى الارض، قال هشام: فحين لم تنزل إلى الارض فاسمها ما هو؟ قال بريهة: فاسمها ابن نزلت أو لم تنزل: قال هشام: فقبل النزول هذه الروح كلها واحدة واسمها اثنان، قال بريهة: هي كلها واحدة روح واحدة، قال: قد رضيت أن تجعل بعضها ابنا وبعضها أبا، قال بريهة: لا لان اسم الاب واسم الابن واحد، قال هشام: فالابن أبو الأب، والاب أبو الابن، والابن واحد، قالت الاساقفة بلسانها لبريهة: ما مر بك مثل ذا قط تقوم، فتحير بريهة وذهب ليقوم فتعلق به هشام، قال: ما يمنعك من الاسلام؟ أفي قلبك حزازة؟ فقلها وإلا سألتك عن النصرانية مسألة واحدة تبيت عليها ليلك هذا فتصبح وليس لك همة غيري، قالت الاساقفة: لاترد هذه المسألة لعلها تشككك قال بريهة: قلها يا أبا الحكم. قال هشام: أفرأيتك الابن يعلم ما عند الاب؟ قال: نعم، قال: أفرأيتك الاب يعلم كل ما عند الابن؟ قال: نعم، قال: أفرأيتك تخبر عن الابن أيقدر على حمل كل ما يقدر عليه الاب؟ قال: نعم، قال: أفرأيتك تخبر عن الاب أيقدر على كل ما يقدر عليه الابن؟ قال: نعم، قال هشام: فكيف يكون واحد منهما ابن صاحبه وهما متساويان وكيف يظلم كل واحد منهما صاحبه؟ قال بريهة: ليس منهما ظلم، قال هشام: من الحق بينهما أن يكون الابن أب الاب والاب ابن الابن، بت عليها يا بريهة، وافترق النصارى وهم يتمنون أن لا يكونوا رأوا هشاما ولا أصحابه. قال: فرجع بريهه مغتما مهتما حتى صار إلى منزله فقالت امرأته التي تخدمه: مالي أراك مهتما مغتما. فحكى لها الكلام الذي كان بينه وبين هشام، فقالت لبريهة: ويحك أتريد أن تكون على حق أو على باطل؟ ! فقال بريهة: بل على الحق، فقالت له: أينما وجدت الحق فمل إليه، وإياك واللجاجة فان اللجاجة شك والشك شؤم وأهله في النار، قال: فصوب قولها وعزم على الغدو على هشام. قال: فغدا عليه وليس معه أحد من أصحابه، فقال: يا هشام ألك من تصدر عن رأيه وترجع إلى قوله وتدين بطاعته؟ قال هشام: نعم يا بريهة، قال: وما صفته؟ قال هشام: في نسبه أو في دينه؟ قال: فيهما جميعا صفة نسبه وصفة دينه، قال هشام: أما النسب خير الانساب : رأس العرب وصفوة قريش وفاضل بني هاشم كل من نازعه في نسبه وجده أفضل منه لان قريشا أفضل العرب وبني هاشم أفضل قريش، وأفضل بني هاشم خاصهم ودينهم وسيدهم، وكذلك ولد السيد أفضل من ولد غيره وهذا من ولد السيد، قال: فصف دينه، قال هشام: شرائعه أو صفة بدنه وطهارته؟ قال: صفة بدنه وطهارته، قال هشام: معصوم فلا يعصي، وسخي فلا يبخل، شجاع فلا يجبن، وما استودع من العلم فلا يجهل، حافظ للدين قائم بما فرض عليه، من عترة الأنبياء، وجامع علم الأنبياء، يحلم عند الغضب، وينصف عند الظلم، ويعين عند الرضا، وينصف من الولي والعدو، ولا يسأل شططا في عدوه، ولا يمنع إفادة وليه، يعمل بالكتاب ويحدث بالاعجوبات، من أهل الطهارات، يحكي قول الائمة الاصفياء، لم تنقض له حجة، ولم يجهل مسألة، يفتي في كل سنة، ويجلو كل مدلهمة. قال بريهة: وصفت المسيح في صفاته وأثبته بحججه وآياته، إلا إنّ الشخص بائن عن شخصه والوصف قائم بوصفه، فإن يصدق الوصف نؤمن بالشخص، قال هشام: إن تؤمن ترشد وإن تتبع الحق لا تؤنب. ثم قال هشام: يا بريهة ما من حجة أقامها الله على أول خلقه إلا أقامها على وسط خلقه وآخر خلقه فلا تبطل الحجج، ولا تذهب الملل، ولا تذهب السنن. قال بريهة: ما أشبه هذا بالحق وأقربه من الصدق، وهذه صفة الحكماء يقيمون من الحجة ما ينفون به الشبهة، قال هشام: نعم، فارتحلا حتى أتيا المدينة والمراة معهما وهما يريدان أبا عبد الله (ع) فلقيا موسى بن جعفر (ع)، فحكى له هشام...» ، وانظر كذلك: الكافي: 1 /277، مدينة المعاجز : 6/380، بحارالانوار / 48 / 14 وغيرها كثير.

[16]. ظ: عيون أخبار الرضا: 2 /138، الاحتجاج: 2 /201، الصراط المستقيم، الجواهر السنية / 53، التوحيد / 427، التوحيد (ص) وغيرها كثير.

[17]. الأمالي، الطوسي: 524، كذلك الرواية بصيغ وألفاظ ومناسبات متعددة يتأكد أنه (ع) احتج بها اكثر من مرة على اهل زمانه. بياناً لعلمه وصلة ووراثة لعلم الأنبياء ورسالاتهم وكتبهم، ظ / الأمالي / الصدوق / 422، التوحيد / 305، خصائص الائمة / 55، روضة الواعظين / 118، كتاب سليم، 332، نوادر المعجزات / 48، شرح الاخبار / 2/ 311، الفصول المختارة / 77، 222، المسائل العكبرية / 123، عيون المعجزات / 31، الاحتجاج / 1/ 391، مناقب آل أبي طاب / 1/317، العمدة/209. الطرائف /517، الصراط المستقيم / 1/ 217، مدينة المعاجز / 1/477 وغيرها.

[18]. ظ/ في هذا الشأن وإخبار علي (ع) بافتراق الاديان وحيثياتها: الفضائل / 140، الصراط المستقيم / 2/37 وغيرها كثير.

[19]. هذه العبارة المشهورة عن أميرالمومنين (ع) جاءت احتجاجاً على أهل زمانه ـ وقد ضيعوا مقامه واحتلوا مكانه ـ بمقامه الإلهي الرسالي، ويبدوأنها جاءت في اكثر من احتجاج واعيدت على الناس بلسانه اكثر من مرة في اكثر من زمان ومكان، ولك أن تنظر في: نهج البلاغة/ 130، بصائر الدرجات / 32، الكافي /1/399، عيون أخبار الرضا (ع) / 1/73، الأمالي، الصدوق / 96، 422، التوحيد / 92، خصائص الأئمة / 62، روضه الواعظين / 32، وسائل الشيعه /15/128، 20/486، 27/69 وغيرها كثير.

[20]. كتاب سليم بن قيس، 462.

[21]. روضة الواعظين / 323 .

[22]. البحار / 97 / 375

[23]. مصباح المتهجد/720 .

[24]. ورد عن النبي (ص): ما أوذي نبي مثلها أُوذيت وعن تفاضل الأنبياء، ظ/ المحتضر / 157، الجواهر السنية / 68، 248. وانظر حوار علي (ع) مع اليهودي الكتابي برواية الامام موسى بن جعفر (ع) في خصوصية النبي عن الأنبياء الاحتجاج 1/314، وجاء فيه «روي عن موسى بن جعفر عن أبيه عن آبائه : عن الحسين بن علي (ع) قال: ان يهوديا من يهود الشام وأحبارهم كان قد قرأ التوراة والانجيل والزبور وصحف الأنبياء : وعرف دلائلهم، جاء إلى مجلس فيه أصحاب رسول الله (ص) وفيهم علي بن ابي طالب، وابن عباس، وابن مسعود، وابو سعيد الجهني. فقال: يا امة محمد ما تركتم لنبي درجة، ولا لمرسل فضيلة، الا انحلتموها نبيكم، فهل تجيبوني عما أسألكم عنه؟ فكاع القوم عنه، فقال علي بن أبي طالب (ع): نعم ما أعطى الله نبيا درجة، ولا مرسلا فضيلة الا وقد جمعها لمحمد (ص) وزاد محمدا على الأنبياء اضعافا مضاعفة. فقال له اليهودي: فهل أنت مجيبي؟ قال له: نعم سأذكر لك اليوم من فضائل رسول الله (ص) ما يقر الله به عين المؤمنين، ويكون فيه ازالة لشك الشاكين في فضائله (ص)، انه كان إذا ذكر لنفسه فضيلة قال: " ولا فخر " وانا أذكر لك فضائله غير مزر بالأنبياء، ولا منتقص لهم، ولكن شكرا لله على ما اعطى محمدا (ص) مثل ما أعطاهم، وما زاده الله وما فضله عليهم. قال له اليهودي: اني أسألك فأعد له جوابا. قال له علي (ع): هات. قال اليهودي: هذا آدم (ع) أسجد الله له ملائكته، فهل فعل لمحمد شيئا من هذا؟ فقال له علي (ع): لقد كان كذلك، أسجد الله لآدم ملائكته فان سجودهم له لم يكن سجود طاعة، وانهم عبدوا آدم من دون الله عزوجل، ولكن اعترافا بالفضيلة، ورحمة من الله له، ومحمد (ص) اعطي ما هو أفضل من هذا، ان الله عزوجل صلى عليه في جبروته والملائكة بأجمعها، وتعبد المؤمنين بالصلاة عليه فهذه زيادة له يا يهودي. قال له اليهودي: فان آدم (ع) تاب الله عليه بعد خطيئته؟ قاله له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد نزل فيه ما هو أكبر من هذا من غير ذنب أتى، قال الله عزوجل: " ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر " (1) ان محمدا غير مواف يوم القيامة بوزر، ولا مطلوب فيها بذنب. قال اليهودي: فان هذا ادريس رفعه الله عزوجل مكانا عليا، وأطعمه من تحف الجنة بعد وفاته؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) اعطي ما هو افضل من هذا ان الله جل ثناؤه قال فيه: " ورفعنا لك ذكرك " (2) فكفى بهذا من الله رفعة، ولئن أطعم ادريس من تحف الجنة بعد وفاته، فان محمدا اطعم في الدنيا في حياته: بينما يتضور جوعا فأتاه جبرئيل (ع) بجام من الجنة فيه تحفة، فهلل الجام وهللت التحفة في يده، وسبحا، وكبرا، وحمدا، فناولها أهل بيته، ففعلت الجام مثل ذلك، فهم أن يناولها بعض أصحابه فتناولها جبرئيل (ع) وقال له: كلها فانها تحفة من الجنة أتحفك الله بها، وانها لا تصلح الا لنبي أو وصي نبي، فأكل منها (ص) واكلنا معه، واني لأجد حلاوتها ساعتي هذه. قال اليهودي: فهذا نوح (ع) صبر في ذات الله تعالى، واعذر قومه إذ كذب؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) صبر في ذات الله عزوجل فأعذر قومه إذ كُذِّب، وشُرِّد، وحُصب بالحصى، وعلاه أبو لهب بسلا ناقة وشاة، فأوحى الله تبارك وتعالى إلى جابيل ملك الجبال، ان شق الجبال وانته إلى امر محمد فأتاه فقال: اني امرت لك بالطاعة فان أمرت أن اطبق عليهم الجبال فأهلكتهم بها، قال (ص): " انما بعثت رحمة رب اهد امتي فانهم لا يعلمون " ويحك يا يهودي ان نوحا لما شاهد غرق قومه رق عليهم رقة القرابة، واظهر عليهم شفقة، فقال: " رب ان ابني من اهلي" فقال الله تعالى: " انه ليس من أهلك انه عمل غير صالح " أراد جل ذكره أن يسليه بذلك، ومحمد (ص) لما غلبت عليه من قومه المعاندة شهر عليهم سيف النقمة، ولم تدركه فيهم رقة القرابة، ولم ينظر إليهم بعين رحمة. فقال اليهودي: فان نوحا دعا ربه، فهطلت السماء بماء منهمر؟ قال له (ع): لقد كان كذلك، وكانت دعوته دعوة غضب، ومحمد (ص) هطلت له السماء بماء منهمر رحمة، وذلك انه (ص) لما هاجر إلى المدينة أتاه أهلها في يوم جمعة فقالوا له: يارسول الله (ص) احتبس القطر، واصفر العود، وتهافت الورق، فرفع يده المباركة حتى رأي بياض ابطه، وما ترى في السماء سحابة، فما برح حتى سقاهم الله حتى ان الشاب المعجب بشبابه لهمته نفسه في الرجوع إلى منزله فما يقدر على ذلك من شدة السيل، فدام اسبوعا، فأتوه في الجمعة الثانية فقالوا: يارسول الله تهدمت الجدر، واحتبس الركب والسفر، فضحك (ص) وقال: هذه سرعة ملالة ابن آدم، ثم قال: " اللهم حوالينا ولا علينا اللهم في اصول الشيح ومراتع البقع " فرأي حوالي المدينة المطر يقطر قطرا، وما يقع بالمدينة قطرة، لكرامته (ص) عزوجل. قال له اليهودي: فان هذا هود قد انتصر الله من أعدائه بالريح، فهل فعل لمحمد (ص) شيئا من هذا؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) اعطي ما هو أفضل من هذا ان الله عزوجل قد انتصر له من أعدائه بالريح يوم الخندق، إذ أرسل عليهم ريحا تذروا الحصى، وجنودا لم يروها، فزاد الله تعالى محمدا (ص) بثمانية آلاف ملك، وفضله على هود، بان ريح عاد ريح سخط، وريح محمد ريح رحمة، قال الله تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فارسلنا عليهم ريحا وجنودا لم تروها " قال له اليهودي: فهذا صالح أخرج الله له ناقة جعلها لقومه عبرة؟ قال علي (ع) لقد كان كذلك، ومحمد (ص) اعطي ما هو أفضل من ذلك، ان ناقة صالح لم تكلم صالحا، ولم تناطقه ولم تشهد له بالنبوة، ومحمد (ص) بينما نحن معه في بعض غزواته إذا هو ببعير قد دنا، ثم رغا فانطقه الله عز وجل فقال: " يارسول الله فلانٌ استعملني حتى كبرت، ويريد نحري، فانا استعيذ بك منه " فأرسل رسول الله (ص) إلى صاحبه فاستوهبه منه، فوهبه له وخلاه، ولقد كنا معه فإذا نحن بأعرابي معه ناقة له يسوقها، وقد استسلم للقطع لمازور عليه من الشهود فنطقت الناقة فقالت: " يارسول الله ان فلانا مني برئ، وان الشهود يشهدون عليه بالزور، وان سارقي فلان اليهودي ". قال له اليهودي: فان هذا ابراهيم قد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله تعالى وأحاطت دلالته بعلم الايمان؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك واعطى محمدا أفضل منه، وتيقظ ابراهيم وهو ابن خمسة عشر سنة ومحمد ابن سبع سنين، قدم تجار من النصارى فنزلوا بتجارتهم بين الصفا والمروة، فنظر إليه بعضهم فعرفه بصفته ورفعته، وخبر مبعثه وآياته، فقالوا: يا غلام ما اسمك؟ قال: محمد قالوا: ما اسم أبيك؟ قال: عبد الله قالوا: ما اسم هذه؟ واشاروا بأيديهم إلى الأرض قال: الأرض قالوا، وما اسم هذه؟ واشاروا بأيديهم إلى السماء قال: السماء قالوا: فمن ربهما؟ قال: الله. ثم انتهرهم وقال: أتشككوني في الله عزوجل؟ ! ويحك يا يهودي لقد تيقظ بالاعتبار على معرفة الله عزوجل مع كفر قومه إذ هو بينهم: يستقسمون بالازلام، ويعبدون الأوثان، وهو يقول: لا إله إلا الله. قال له اليهودي: فان ابراهيم (ع) حجب عن نمرود بحجب ثلاث؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) حجب عمن أراد قتله بحجب خمس، فثلاثة بثلاثة واثنان فضل، قال الله عزوجل ـ وهو يصف امر محمد (ص) ـ : " وجعلنا من بين أيديهم سدا " فهذا الحجاب الأول "ومن خلفهم سدا " فهذا الحجاب الثاني " فأغشيناهم فهم لا يبصرون " فهذا الحجاب الثالث ثم قال: " إذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا " فهذا الحجاب الرابع ثم قال: " فهي إلى الأذقان فهم مقمحون " فهذه حجب خمس. قال له اليهودي: فان هذا ابراهيم قد بهت الذي كفر ببرهان نبوته؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) أتاه مكذب بالبعث بعد الموت وهو: ابي بن خلف الجمعي معه عظم نخر ففركه ثم قال: يا محمد " من يحيي العظام وهى رميم "؟ فانطق الله محمدا بمحكم آياته، وبهته ببرهان نبوته، فقال: " يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق علي " فانصرف مبهوتا. قال له اليهودي: فهذا ابراهيم جذ أصنام قومه غضبا لله عزوجل؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) قد نكس عن الكعبة ثلثمائة وستين صنما، ونفاها عن جزيرة العرب، واذل من عبدها بالسيف. قال له اليهودي: فان ابراهيم قد اضجع ولده وتله للجبين؟ فقال علي (ع): لقد كان كذلك، ولقد اعطي ابراهيم بعد الاضطجاع الفداء، ومحمد اصيب بافجع منه فجيعة انه وقف على عمه حمزة أسد الله، وأسد رسوله وناصر دينه، وقد فرق بين روحه وجسده، فلم يبن عليه حرقة، ولم يفض عليه عبرة، ولم ينظر إلى موضعه من قلبه وقلوب أهل بيته ليرضي الله عزوجل بصبره ويستسلم لأمره في جميع الفعال، وقال (ص): لولا ان تحزن صفية لتركته حتى يحشر من بطون السباع، وحواصل الطير، ولو لا ان يكون سنة بعدي لفعلت ذلك. قال له اليهودي: فان ابراهيم (ع) قد أسلمه قومه إلى الحريق فصبر فجعل الله عزوجل عليه النار بردا وسلاما فهل فعل بمحمد شيئا من ذلك؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) لما نزل بخيبر سمته الخيبرية فصير الله السم في جوفه بردا وسلاما إلى منتهى أجله، فالسم يحرق إذا استقر في الجوف كما ان النار تحرق، فهذا من قدرته لا تنكره. قال له اليهودي: فان هذا يعقوب (ع) اعظم في الخير نصيبه إذ جعل الأسباط من سلالة صلبه، ومريم بنت عمران من بناته؟ قال علي(ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) اعظم في الخير نصيبا إذ جعل فاطمة سيدة نساء العالمين من بناته، والحسن والحسين من حفدته. قال له اليهودي: فان يعقوب (ع) قد صبر عليه فراق ولده حتى كاد يحرض من الحزن. قال له علي (ع): لقد كان كذلك، حزن يعقوب حزنا بعده تلاق، ومحمد (ص) قبض ولده ابراهيم (ع) قرة عينه في حياته منه، فخصه بالاختيار، ليعظم له الادخار فقال (ص): يحزن النفس، ويجزع القلب، وانا عليك يا ابراهيم لمحزونون، ولا نقول ما يسخط الرب، في كل ذلك يؤثر الرضا عن الله عزوجل، والاستسلام له في جميع الفعال. قال له اليهودي: فان هذا يوسف قاسى مرارة الفرقة، وحبس في السجن توقيا للمعصية، والقي في الجب وحيدا؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) قاسى مرارة الغربة، وفراق الأهل والأولاد والمال، مهاجرا من حرم الله تعالى وأمنه، فلما رأى الله عزوجل كآبته واستشعاره والحزن، أراه تبارك اسمه رؤيا توازي رؤيا يوسف في تأويلها، وأبان للعالمين صدق تحقيقها، فقال: " لقد صدق الله رسوله الرؤيا بالحق لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين محلقين رؤسكم ومقصرين لا تخافون " ولئن كان يوسف (ع) حبس في السجن، فلقد حبس رسول الله نفسه في الشعب ثلاث سنين، وقطع منه أقاربه وذوو الرحم والجأوه إلى اضيق المضيق، ولقد كادهم الله عز ذكره له كيدا مستبينا، إذ بعث اضعف خلقه فاكل عهدهم الذي كتبوه بينهم في قطيعة رحمه، ولئن كان يوسف القي في الجب، فلقد حبس محمد نفسه مخافة عدوه في الغار حتى قال لصاحبه لا تحزن ان الله معنا، ومدحه إليه بذلك في كتابه. فقال له اليهودي: فهذا موسى بن عمران آتاه الله عزوجل التوراة التي فيها حكمه؟ قال له علي (ع): فلقد كان كذلك، ومحمد (ص) اعطي ما هو افضل منه اعطي محمد البقرة وسورة المائدة بالانجيل، وطواسين وطه ونصف المفصل والحواميم بالتوراة، واعطي نصف المفصل والتسابيح بالزبور، واعطي سورة بني اسرائيل وبراءة بصحف ابراهيم وموسى (ع)، وزاد الله عزوجل محمدا السبع الطوال وفاتحة الكتاب وهي السبع المثاني والقرآن العظيم واعطي الكتاب والحكمة. قال له اليهودي: فان موسى ناجاه الله على طور سيناء؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ولقد اوحى الله إلى محمد (ص) عند سدرة المنتهى، فمقامه في السماء محمود، وعند منتهى العرش مذكور. قال اليهودي: فلقد ألقى الله على موسى بن عمران محبة منه؟ قال علي (ع): لقد كان كذلك، وقد اعطي محمد (ص) ما هو أفضل من هذا، لقد القى الله محبة منه فمن هذا الذي يشركه في هذا الاسم إذ تم من الله به الشهادة فلا تتم الشهادة إلا ان يقال: " أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله " ينادى به على المنابر فلا يرفع صوت بذكر الله الا رفع بذكر محمد (ص) معه. قال له اليهودي: فلقد أوحى الله إلى ام موسى لفضل منزلة موسى (ع) عند الله قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ولقد لطف الله جل ثناؤه لأم محمّد (ص) بان أوصل إليها اسمه، حتى قالت: أشهد والعالمون: ان محمدا رسول الله منتظر وشهد الملائكة على الأنبياء انهم اثبتوه في الاسفار، وبلطف من الله ساقه إليها، وأوصل إليها اسمه لفضل منزلته عنده، حتى رأت في المنام انه قيل لها: ان ما في بطنك سيد، فإذا ولدته فسميه محمدا، فاشتق الله له اسما من أسمائه، فالله المحمود وهذا محمد قال له اليهودي: فان هذا موسى بن عمران قد أرسله الله إلى فرعون وأراه الآية الكبرى؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد ارسل إلى فراعنة شتى، مثل أبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة، وابى البخترى، والنضر بن الحرث، وابي بن خلف، ومنبه ونبيه ابني الحجاج، والى الخمسة المستهزئين: الوليد بن المغيرة المخزومي، والعاص بن وائل السهمي، والأسود بن عبد يغوث الزهري، والأسود بن المطلب، والحرث بن أبي الطلالة، فأراهم الآيات في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم انه الحق. قال له اليهودي: لقد انتقم الله عزوجل لموسى من فرعون؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ولقد انتقم الله جل اسمه لمحمد (ص) من الفراعنة، فأمّا المستهزؤن فقال الله: " انا كفيناك المستهزئين " فقتل الله خمستهم كل واحد منهم بغير قتلة صاحبه في يوم واحد، فاما الوليد بن المغيرة: فمر بنبل لرجل من جزاعة قد راشه ووضعه في الطريق فأصابه شظية منه فانقطع اكحله حتى أدماه، فمات وهو يقول: " قتلني رب محمد " وأما العاص بن الوائل السهمي: فانه خرج في حاجة له إلى موضع فتدهده تحته حجر، فسقط فتقطع قطعة قطعة، فمات وهو يقول: (قتلني ربّ محمد) واما الأسود بن عبد يغوث: فانه خرج يستقبل ابنه زمعة، فاستظل بشجرة، فأتاه جبرئيل فأخذ رأسه فنطح به الشجرة، فقال لغلامه: امنع هذا عني فقال: ما أرى أحدا يصنع شيئا الا نفسك، فقتله وهو يقول: " قتلني رب محمد " واما الأسود بن الحرث: فان النبي (ص) دعا عليه ان يعمي الله بصره، وان يثكله ولده، فلما كان في ذلك اليوم خرج حتى صار إلى موضع أتاه جبرئيل بورقة خضراء فضرب بها وجهه فعمي، فبقي حتى أثكله الله ولده، وأما الحرث بن أبي الطلالة: فانه خرج من بيته في السموم فتحول حبشيا، فرجع إلى أهله فقال: انا الحرث، فغضبوا عليه فقتلوه وهو يقول: " قتلني رب محمد ". وروي ان الأسود بن الحرث أكل حوتا مالحا فأصابه غلبة العطش، فلم يزل يشرب الماء حتى انشق بطنه، فمات وهو يقول: " قتلني رب محمد " كل ذلك في ساعة واحدة، وذلك انهم كانوا بين يدي رسول الله (ص) فقالوا له: يا محمد ننتظر بك إلى الظهر فان رجعت عن قولك والا قتلناك، فدخل النبي (ص) منزله فاغلق عليه بابه مغتما لقولهم، فأتاه جبرئيل عن الله من ساعته فقال: يا محمد السلام يقرأ عليك السلام وهو يقول لك: " اصدع بما تؤمر وأعرض عن المشركين " يعني أظهر أمرك لأهل مكة، وادعهم إلى الايمان، قال، يا جبرئيل كيف أصنع بالمستهزئين وما اوعدوني؟ قال له: " انا كفيناك المستهزئين " قال: يا جبرئيل كانوا الساعة بين يدي قال: كفيتهم، وأظهر أمره عند ذلك، واما بقية الفراعنة: قتلوا يوم بدر بالسيف، فهزم الله الجميع وولوا الدبر. قال له اليهودي: فان هذا موسى بن عمران قد اعطي العصا فكان تحول ثعبانا؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) ما هو أفضل من هذا، ان رجلا كان يطالب أبا جهل بدين ثمن جزور قد اشتراه، فاشتغل عنه وجلس يشرب، فطلبه الرجل فلم يقدر عليه، فقال له بعض المستهزئين: من تطلب؟ فقال: عمرو بن هشام ـ يعني أبا جهل ـ لي عليه دين، قال، فأدلك على من يستخرج منه الحقوق؟ قال: نعم. فدله على النبي (ص) وكان أبو جهل يقول: ليت لمحمد الي حاجة فاسخر به وأرده، فأتى الرجل النبي (ص) فقال: يا محمد بلغني ان بينك وبين عمرو بن هشام حسن صداقة، وانا أستشفع بك إليه، فقام معه رسول الله (ص) فأتى بابه، فقال له، قم يا أبا جهل فأد إلى الرجل حقه، وانما كناه بأبي جهل ذلك اليوم، فقام مسرعا حتى أدى إليه حقه، فلما رجع إلى مجلسه قال له بعض اصحابه: فعلت ذلك فرقا من محمد قال: ويحكم اعذروني، انه لما أقبل رأيت عن يمينه رجالا معهم حراب تتلألأ، وعن يساره ثعبانين تصطك أسنانهما، وتلمع النيران من أبصارهما، لو امتنعت لم آمن ان يبعجوا بالحراب بطني وتقضمني الثعبانان، هذا اكبر مما اعطي موسى، وزاد الله محمدا ثعبانا وثمانية املاك معهم الحراب، ولقد كان النبي (ص) يؤذي قريشا بالدعاء، فقام يوما فسفه أحلامهم، وعاب دينهم، وشتم أصنامهم، وضلل آبائهم، فاغتموا من ذلك غما شديدا، فقال أبو جهل: والله للموت خير لنا من الحياة، فليس فيكم معاشر قريش أحد يقتل محمدا فيقتل به، قالوا: لا. قال، فأنا أقتله فإن شاءت بنو عبدالمطلب قتلوني به، والا تركوني، قال: انك ان فعلت ذلك اصطنعت إلى أهل الوادي معروفا لا تزال تذكر به، قال: انه كثير السجود حول الكعبة فإذا جاء وسجد أخذت حجرا فشدخته به فجاء رسول الله (ص) فطاف بالبيت اسبوعا، ثم صلى وأطال السجود، فأخذ أبو جهل حجرا فأتاه من قبل رأسه، فلما ان قرب منه أقبل فحل قبل رسول الله (ص) فاغرا فاه نحوه، فلما أن رآه أبو جهل فزع منه وارتعدت يده، وطرح الحجر فشدخ رجله، فرجع مدمى، متغير اللون، يفيض عرقا، فقال له أصحابه: ما رأيناك كاليوم؟ ! قال: ويحكم اعذروني، فانه أقبل من عنده فحل فاغرا فاه فكاد يبتلعني، فرميت بالحجر فشدخت رجلي، قال اليهودي: فان موسى قد اعطي اليد البيضاء، فهل فعل بمحمد شيئا من ذلك؟ قال له علي (ع)، لقد كان كذلك، ومحمد صلى الله عليه اعطي ما هو أفضل من هذا، ان نورا كان يضئ عن يمينه حيثما جلس، وعن يساره حيثما جلس، وكان يراه الناس كلهم. قال له اليهودي: فان موسى(ع) قد ضرب له طريق في البحر، فهل فعل بمحمد شيء من هذا؟ فقال له علي (ع)، لقد كان كذلك، ومحمد أعطي ما هو أفضل هذا، خرجنا معه إلى حنين فإذا نحن بواد يشخب، فقدرناه فإذا هو أربعة عشر قامة، فقالوا: يارسول الله العدو من ورائنا والوادي امامنا، كما قال أصحاب موسى: " انا لمدركون " فنزل رسول الله ثم قال: " اللهم انك جعلت لكل مرسل دلالة، فأرني قدرتك " وركب صلوات الله عليه، فعبرت الخيل لا تندى حوافرها، والابل لاتندى أخفافها، فرجعنا فكان فتحنا. قال له اليهودي: فان موسى (ع) قد اعطي الحجر فانبجست منه اثنتا عشرة عينا قال علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) لما نزل الحديبية وحاصره أهل مكة، قد أعطي ما هو أفضل من ذلك، وذلك: ان اصحابه شكوا إليه الظمأ وأصابهم ذلك حتى التقت خواصر الخيل، فذكروا له (ص)، فدعا بركوة يمانية ثم نصب يده المباركة فيها، فتفجرت من بين أصابعه عيون الماء، فصدرنا وصدرت الخيل رواء، وملأنا كل مزادة وسقاء، ولقد كنا معه بالحديبية فإذا ثم قليب جافة، فاخرج (ص) سهما من كنانته فناوله البراء بن عازب وقال له ! اذهب بهذا السهم إلى تلك القليب الجافة فاغرسه فيها، ففعل ذلك فتفجرت اثنتا عشرة عينا من تحت السهم، ولقد كان يوم الميضاة عبرة وعلامة للمنكرين لنبوته، كحجر موسى حيث دعا بالميضاة فنصب يده فيها ففاضت الماء وارتفع، حتى توضأ منه ثمانية آلاف رجل فشربوا حاجتهم، وسقوا دوابهم، وحملوا ما أرادوا. قال اليهودي: فان موسى (ع) اعطي المن والسلوى فهل اعطي لمحمد نظير هذا قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) اعطي ما هو افضل من هذا، ان الله عزوجل احل له الغنائم ولامته، ولم تحل الغنائم لأحد غيره قبله، فهذا افضل من المن والسلوى، ثم زاده ان جعل النية له ولامته بلا عمل عملا صالحا ولم يجعل لأحد من الامم ذلك قبله، فإذا هم احدهم بحسنة ولم يعملها كتبت له حسنة فان عملها كتبت له عشر. قال له اليهودي: ان موسى (ع) قد ضلل عليه الغمام؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، وقد فعل ذلك بموسى في التيه، واعطي محمد (ص) افضل من هذا، ان الغمامة كانت تظله من يوم ولد إلى يوم قبض في حضره واسفاره، فهذا افضل مما اعطي موسى. قال له اليهودي: فهذا داود (ع) قد لين الله له الحديد، فعمل منه الدروع؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) قد اعطي ما هو أفضل من هذا، انه لين الله له الصم الصخور الصلاب وجعلها غارا، ولقد غارت الصخرة تحت يده ببيت المقدس لينة حتى صارت كهيئة العجين، وقد رأينا ذلك والتمسناه تحت رايته. قال له اليهودي: هذا داود بكى على خطيئته حتى سارت الجبل معه لخوفه قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) اعطي ما هو أفضل من هذا، انه كان إذا قام إلى الصلاة سمع لصدره وجوفه ازيز كازيز المرجل على الاثافي من شدة البكاء، وقد آمنه الله عز وجل من عقابه، فاراد أن يتخشع لربه ببكائه فيكون اماما لمن اقتدى به، ولقد قام (ص) عشر سنين على اطراف اصابعه حتى تورمت قدماه واصفر وجهه، يقوم الليل اجمع، حتى عوتب في ذلك فقال الله عزوجل: " طه ما أنزلنا عليك القرآن لتشقى " بل لتسعد به، ولقد كان يبكي حتى يغشى عليه، فقيل له: يارسول الله أليس الله غفر لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر؟ قال: بلى أفلا اكون عبدا شكورا؟ ولئن سارت الجبال وسبحت معه لقد عمل بمحمد (ص) ما هو أفضل من هذا: إذ كنا معه على جبل حراء إذ تحرك الجبل فقال له: " قر فانه ليس عليك الا نبي أو صديق شهيد " فقر الجبل مطيعا لأمره ومنتهيا إلى طاعته، ولقد مررنا معه بجبل وإذا الدموع تخرج من بعضه، فقال له النبي (ص): " ما يبكيك يا جبل؟ فقال: يارسول الله كان المسيح مر بي وهو يخوف الناس من نار وقودها الناس والحجارة، وأنا أخاف ان اكون من تلك الحجارة، قال له: " لا تخف تلك الحجارة الكبريت " فقر الجبل وسكن وهدأ واجاب لقوله (ص). قال له اليهودي: فان هذا سليمان اعطي ملكا لا ينبغي لأحد من بعده؟ فقال علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) اعطي ما هو أفضل من هذا انه هبط إليه ملك لم يهبط الى الأرض قبله، وهو: ميكائيل فقال له: يا محمد عش ملكا منعما وهذه مفاتيح خزائن الأرض معك، ويسير معك جبالها ذهبا وفضة، ولا ينقص لك مما ادخر لك في الآخرة شئ، فأومى إلى جبرئيل ـ وكان خليله من الملائكة ـ فأشار عليه، ان تواضع فقال له: بل أعيش نبيا عبدا آكل يوما ولا آكل يومين، والحق باخواني من الأنبياء فزاده الله تبارك وتعالى الكوثر، وأعطاه الشفاعة، وذلك أعظم من ملك الدنيا من اولها إلى آخرها سبعين مرة، ووعده المقام المحمود، فإذا كان يوم القيامة أقعده الله عزوجل على العرش، فهذا أفضل مما اعطي سليمان. قال له اليهودي: فان هذا سليمان قد سخرت له الرياح، فسارت به في بلاده غدوها شهر ورواحها شهر؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) اعطي ما هو أفضل من هذا: انه اسري به من المسجد الحرام إلى المسجد الاقصى مسيرة شهر، وعرج به في ملكوت السماوات مسيرة خمسين الف عام، في اقل من ثلث ليلة، حتى انتهى إلى ساق العرش، فدنى بالعلم فتدلى من الجنة رفرف أخضر، وغشى النور بصره فرأى عظمة ربه عزوجل بفؤاده، ولم يرها بعينه، فكان كقاب قوسين بينه وبينها أو أدنى، فأوحى الله إلى عبده ما اوحى، وكان فيما أوحى إليه: الآية التي في سورة البقرة قوله: " لله ما في السماوات وما في الارض وان تبدوا ما في انفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء والله على كل شيء قدير " وكانت الآية قد عرضت على الأنبياء من لدن آدم (ع) إلى أن بعث الله تبارك وتعالى محمدا، وعرضت على الامم فأبوا أن يقبلوها من ثقلها، وقبلها رسول الله وعرضها على امته فقبلوها، فلما رأى الله تبارك وتعالى منهم القبول علم انهم لا يطيقونها، فلما ان سار إلى ساق العرش كرر عليه الكلام ليفهمه، فقال: " آمن الرسول بما انزل إليه من ربه ـ فأجاب (ص) مجيبا عنه وعن امته ـ والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله " فقال جل ذكره لهم الجنة والمغفرة على ان فعلوا ذلك، فقال النبي (ص): اما إذا فعلت ذلك بنا، فغفرانك ربنا واليك المصير، يعني المرجع في الآخرة، قال: فاجابه الله عزوجل قد فعلت ذلك بك وبامتك، ثم قال عزوجل: اما إذا قبلت الآية بتشديدها وعظم ما فيها وقد عرضتها على الامم فأبوا أن يقبلوها وقبلتها امتك حق علي ان أرفعها عن امتك وقال: " لا يكلف الله نفسا الا وسعها لها ما كسبت ـ من خير ـ وعليها ما اكتسبت " من شر فقال النبي (ص) ـ لما سمع ذلك ـ : اما إذا فعلت ذلك بي وبامتي فزدني قال: سل، قال: " ربنا لا تؤاخذنا ان نسينا أو أخطأنا " قال الله عزوجل لست اؤاخذ امتك بالنسيان والخطأ لكرامتك علي، وكانت الامم السالفة إذا نسوا ما ذكروا به فتحت عليهم أبواب العذاب، وقد دفعت ذلك عن امتك وكانت الامم السالفة إذا اخطأوا اخذوا بالخطأ وعوقبوا عليه، وقد رفعت ذلك عن امتك لكرامتك علي، فقال (ص): " اللهم إذا اعطيتني ذلك فزدني " قال الله تبارك وتعالى له: سل، قال: " ربنا ولا تحمل علينا اصرا كما حملته على الذين من قبلنا " يعني بالاصر: الشدائد التي كانت على من كان من قبلنا، فأجابه الله عزوجل إلى ذلك، وقال تبارك اسمه: قد رفعت عن امتك الآصار التي كانت على الامم السالفة كنت لا اقبل صلاتهم الا في بقاع معلومة من الأرض اخترتها لهم وان بعدت، وقد جعلت الأرض كلها لأمّتك مسجدا وطهورا، فهذه من الآصار التي كانت على الامم قبلك فرفعتها عن امتك، وكانت الامم السالفة إذا أصابهم اذى من نجاسة قرضوه من أجسادهم، وقد جعلت الماء لأمّتك طهورا، فهذا من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك، وكانت الامم السالفة تحمل قرابينها على أعناقها إلى بيت المقدس، فمن قبلت ذلك منه ارسلت عليه نارا فاكلته فرجع مسرورا، ومن لم أقبل منه ذلك رجع مثبورا وقد جعلت قربان امتك في بطون فقرائها ومساكينها فمن قبلت ذلك منه أضعفت ذلك له اضعافا مضاعفة، ومن لم أقبل ذلك منه رفعت عنه عقوبات الدنيا، وقد رفعت ذلك عن امتك وهي من الآصار التي كانت على الامم من كان من قبلك، وكانت الامم السالفة صلواتها مفروضة عليها في ظلم الليل وانصاف النهار، وهي من الشدائد التي كانت عليهم، فرفعتها عن امتك وفرضت صلاتهم في اطراف الليل والنهار، وفي اوقات نشاطهم، وكانت الامم السالفة قد فرضت عليهم خمسين صلاة في خمسين وقتا وهي من الآصار التي كانت عليهم، فرفعتها عن امتك وجعلتها خمسا في خمسة أوقات، وهي احدى وخمسون ركعة، وجعلت لهم أجر خمسين صلاة، وكانت الامم السالفة حسنتهم بحسنة وسيئتهم بسيئة وهي من الآصار التي كانت عليهم، فرفعتها عن امتك وجعلت الحسنة بعشرة والسيئة بواحدة وكانت الامم السالفة إذا نوى أحدهم حسنة فلم يعملها لم تكتب له، وان عملها كتبت له حسنة، وان امتك إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، وان عملها كتبت له عشرة، وهى من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك، وكانت الامم السالفة إذا هم أحدهم بسيئة فلم يعملها لم تكتب عليه، وان عملها كتبت عليه سيئة، وان امتك إذا هم أحدهم بسيئة ثم لم يعملها كتبت له حسنة، وهذه من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك، وكانت الامم السالفة إذا اذنبوا كتبت ذنوبهم على أبوابهم، وجعلت توبتهم من الذنوب: ان حرمت عليهم بعد التوبة أحب الطعام إليهم، وقد رفعت ذلك عن امتك وجعلت ذنوبهم فيما بيني وبينهم وجعلت عليهم ستورا كثيفة، وقبلت توبتهم بلا عقوبة، ولا اعاقبهم بأن احرم عليهم أحب الطعام إليهم، وكانت الامم السالفة يتوب أحدهم إلى الله من الذنب الواحد مائة سنة، أو ثمانين سنة، أو خمسين سنة، ثم لا اقبل توبته دون ان اعاقبه في الدنيا بعقوبة، وهي من الآصار التي كانت عليهم فرفعتها عن امتك، وان الرجل من امتك ليذنب عشرين سنة، أو ثلاثين سنة، أو أربعين سنة، أو مائة سنة (المثبور الخائب) ثم يتوب ويندم طرفة عين فاغفر ذلك كلّه، فقال النبي (ص): إذا اعطيتني ذلك كله فزدني قال: سل، قال: " ربنا ولا تحملنا مالا طاقة لنا به " قال تبارك اسمه: قد فعلت ذلك بامتك، وقد رفعت عنهم عظم بلايا الامم، وذلك حكمي في جميع الامم: ان لااكلف خلقا فوق طاقتهم، فقال النبي (ص): " واعف عنا واغفر لنا وارحمنا انت مولانا " قال الله عزوجل: قد فعلت ذلك بتائبي امتك ثم قال (ص): " فانصرنا على القوم الكافرين " قال الله جل اسمه: ان امتك في الأرض كالشامة البيضاء في الثور الاسود، هم القادرون، وهم القاهرون، يستخدمون ولا يستخدمون، لكرامتك علي، وحق علي أن اظهر دينك على الاديان، حتى لا يبقى في شرق الارض وغربها دين الا دينك، ويؤدون إلى أهل دينك الجزية. قال اليهودي: فان هذا سليمان سخرت له الشياطين، يعملون له ما يشاء: من محاريب، وتماثيل؟ قال له علي(ع): لقد كان كذلك، ولقد اعطي محمد (ص) أفضل من هذا ان الشياطين سخرت لسليمان وهي مقيمة على كفرها، ولقد سخرت لنبوة محمد (ص) الشياطين بالايمان، فاقبل إليه من الجنة التسعة من اشرافهم، واحد من جن نصيبين، والثمان من بني عمرو بن عامر من الا حجة منهم شضاه، ومضاه والهملكان، والمرزبان، والمازمان، ونضاه، وهاضب، وهضب، وعمرو، وهم الذين يقول الله تبارك اسمه فيهم: " واذ صرفنا اليك نفرا من الجن يستمعون القرآن " وهم التسعة، فأقبل إليه الجن والنبي (ص) ببطن النخل فاعتذروا بانهم ظنوا كما ظننتم ان لن يبعث الله احدا، ولقد أقبل إليه واحد وسبعون ألفا منهم فبايعوه على الصوم، والصلاة، والزكاة، والحج، والجهاد، ونصح المسلمين، واعتذروا بأنهم قالوا على الله شططا، وهذا أفضل مما اعطي سليمان، فسبحان من سخرها لنبوة محمد (ص) بعد ان كانت تتمرد، وتزعم ان لله ولداً، ولقد شمل مبعثه من الجن والانس مالا يحصى. قال له اليهودي: هذا يحيى بن زكريا (ع) يقال: انه اوتي الحكم صبيا، والحلم، والفهم، وانه كان يبكي من غير ذنب، وكان يواصل الصوم؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) اعطي ما هو أفضل من هذا: ان يحيى بن زكريا كان في عصر لا أوثان فيه ولا جاهلية، ومحمد (ص) اوتى الحكم والفهم صبيا بين عبدة الأوثان، وحزب الشيطان، فلم يرغب لهم في صنم قط، ولم ينشط لأعيادهم، ولم ير منه كذب قط، وكان أمينا، صدوقا، حليما، وكان يواصل الصوم الاسبوع والأقل والأكثر فيقال له في ذلك فيقول: اني لست كأحدهم، اني اظل عند ربي، فيطعمني، ويسقيني، وكان يبكي (ص) حتى تبتل مصلاه خشية من الله عزوجل من غير جرم. قال له اليهودي فان هذا عيسى بن مريم يزعمون انه: تكلم في المهد صبيا؟ قال له علي(ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) سقط من بطن امه واضعا يده اليسرى على الأرض، ورافعا يده اليمنى إلى السماء، يحرك شفتيه بالتوحيد وبدا من فيه نور رأى أهل مكة منه: قصور بصرى من الشام وما يليها، والقصور الحمر من أرض اليمن وما يليها، والقصور البيض من اسطخر وما يليها، ولقد أضاءت الدنيا ليلة ولد النبي (ص) حتى فزعت الجن والانس والشياطين، وقالوا حدث في الأرض حدث، ولقد رُئي الملائكة ليلة ولد تصعد، وتنزل، وتسبح، وتقدس، وتضطرب النجوم وتتساقط، علامة لميلاده، ولقد هم ابليس بالظعن في السماء لما رأى من الأعاجيب في تلك الليلة، وكان له مقعد في السماء الثالثة، والشياطين يسترقون السمع، فلما رأوا العجائب أرادوا أن يسترقوا السمع، فإذا هم قد حجبوا من السماوات كلها، ورموا بالشهب، دلالة لنبوته (ص). قال له اليهودي: فان عيسى (ع) يزعمون انه قد ابرأ الاكمه والأبرص بإذن الله؟ فقال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) اعطي ما هو افضل من ذلك: ابرأ ذا العاهة من عاهته، بينما هو جالس (ص) إذ سأل عن رجل من أصحابه فقالوا: يارسول الله انه قد صار من البلاء كهيئة الفرخ الذي لا ريش عليه، فأتاه(ص) فإذا هو كهيئة الفرخ من شدة البلاء، فقال له: قد كنت تدعو في صحتك دعاء؟ قال: نعم كنت اقول: " يا رب ايما عقوبة أنت معاقبي بها في الآخرة فعجلها لي في الدنيا " فقال له النبي (ص): ألا قلت: " اللهم آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار " فقالها الرجل فكأنما نشط من عقال، وقام صحيحا وخرج معنا، ولقد أتاه رجل من جهينة اجذم يتقطع من الجذام فشكا إليه (ص)، فأخذ قدحا من ماء فتفل عليه، ثم قال: امسح به جسدك ففعل فبرأ حتى لم يوجد عليه شيء، ولقد اتي النبي بأعرابي أبرص فتفل (ص) من فيه عليه فما قام من عنده الا صحيحاً، ولئن زعمت ان عيسى أبرأ ذا العاهات من عاهاتهم، فإنّ محمداً (ص) بينما هو في أصحابه إذ هو بامرأة فقالت: يارسول الله ان ابني قد اشرف على حياض الموت كلما أتيته بطعام وقع عليه التثاؤب، فقام النبي (ص) وقمنا معه فلما أتيناه قال له: جانب يا عدو الله ولي الله، فأنا رسول الله، فجانبه الشيطان فقام صحيحاً وهو معنا في عسكرنا، ولئن زعمت ان عيسى ابرأ العميان، فان محمداً قد فعل ما هو أكبر من ذلك: ان قتادة بن ربيع كان رجلاً صحيحاً، فلما أن كان يوم احد أصابته طعنة في عينه فبدرت حدقته، فأخذها بيده ثم أتى بها إلى النبي (ص) فقال: يارسول الله ان امرأتي الآن تبغضني، فأخذها رسول الله من يده ثم وضعها مكانها فلم تكن تعرف الا بفضل حسنها وفضل ضوئها على العين الاخرى، ولقد جرح عبدالله بن عبيد وبانت يده يوم حنين، فجاء إلى النبي (ص) فمسح عليه يده فلم تكن تعرف من اليد الاخرى، ولقد أصاب محمد ابن مسلم يوم كعب بن أشرف مثل ذلك في عينه ويده، فمسحه رسول الله (ص) فلم تستبينا، ولقد أصاب عبدالله بن أنيس مثل ذلك في عينه، فمسحها فما عرفت من الاخرى، فهذه كلها دلالة لنبوته (ص). قال له اليهودي: فان عيسى يزعمون: انه أحيى الموتى بإذن الله؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد سبحت في يده تسع حصيات تسمع نغماتها في جمودها، ولا روح فيها لتمام حجة نبوته، ولقد كلمه الموتى من بعد موتهم، واستغاثوه مما خافوا تبعته، ولقد صلى بأصحابه ذات يوم فقال: ما هاهنا من بني النجار أحد وصاحبهم محتبس على باب الجنة بثلاثة دراهم لفلان اليهودي، وكان شهيداً، ولئن زعمت ان عيسى كلم الموتى فلقد كان لمحمد ما هو أعجب من هذا: ان النبي لما نزل بالطائف وحاصر أهلها، بعثوا إليه بشاة مسلوخة مطلية بسم، فنطق الذراع منها فقالت: يارسول الله لا تأكلني فإني مسمومة فلو كلمته البهيمة وهي حية لكانت من أعظم حجج الله على المنكرين لنبوته، فكيف وقد كلمته من بعد ذبح وسلخ وشي! ولقد كان رسول الله (ص) يدعو بالشجرة فتجيبه، وتكلمه البهيمة، وتكلمه السباع، وتشهد له بالنبوة، وتحذرهم عصيانه، فهذا أكثر مما اعطي عيسى(ع). قال له اليهودي: ان عيسى يزعمون انه أنبأ قومه بما يأكلون وما يدخرون في بيوتهم؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد كان له أكثر من هذا: ان عيسى أنبأ قومه بما كان من وراء الحايط ومحمد أنبأ عن مؤتة وهو عنها غائب ووصف حربهم ومن استشهد منهم وبينه وبينهم مسيرة شهر، وكان يأتيه الرجل يريد أن يسئله عن شيء فيقول (ص): تقول أو أقول: فيقول: بل قل يارسول الله فيقول: جئتني في كذا وكذا حتى يفرغ من حاجته، ولقد كان (ص) يخبر أهل مكة بأسرارهم بمكة حتى لا يترك من أسرارهم شيئا، منها: ما كان بين صفوان بن امية وبين عمير بن وهب، إذ اتاه عمير فقال: جئت في فكاك ابني فقال له: كذبت بل قلت لصفوان بن امية وقد اجتمعتم في الحطيم وذكرتم قتلى بدر وقلتم: والله للموت أهون علينا من البقاء مع ما صنع محمد بنا، وهل حياة بعد أهل القليب، فقلت أنت: لو لا عيالي، ودين علي لأرحتك من محمد، فقال صفوان: علي أن اقضي دينك، وأن أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما يصيبهن من خير أو شر، فقلت أنت: فاكتمها علي وجهزني حتى أذهب فأقتله، فجئت لقتلي، فقال: صدقت يارسول الله فانا أشهد: أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، واشباه هذا مما لا يحصى. قال له اليهودي: فان عيسى يزعمون: انه خلق من الطين كهيئة الطير فنفخ فيه فكان طيرا باذن الله؟ فقال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد (ص) قد فعل ما هو شبيه لهذا إذ أخذ يوم حنين حجرا فسمعنا للحجر تسبيحا وتقديسا، ثم قال للحجر: انفلق فانفلق ثلاث فلق، يسمع لكل فلقة منها تسبيحا لا يسمع للاخرى، ولقد بعث إلى شجرة يوم البطحاء فأجابته، ولكل غصن منها تسبيح وتهليل وتقديس، ثم قال لها: انشقي، فانشقت نصفين، ثم قال لها: التزقي، فالتزقت، ثم قال لها: اشهدي لي بالنبوة فشهدت، ثم قال لها ارجعي إلى مكانك بالتسبيح والتهليل والتقديس ففعلت، وكان موضعها حيث الجزارين بمكة. قال له اليهودي: فان عيسى يزعمون انه كان سياحا؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، ومحمد كانت سياحته في الجهاد، واستنفر في عشر سنين ما لا يحصى من حاضر وباد، وافنى فئاما من العرب من منعوت بالسيف لا يدارى بالكلام ولا ينام الا عن دم، ولا يسافر الا وهو متجهز لقتال عدوه. قال له اليهودي: فان عيسى يزعمون: انه كان زاهدا؟ قال له علي (ع): لقد كان كذلك، محمد (ص) أزهد الأنبياء:: كان له ثلاثة عشر زوجة سوى من يطيف به من الأماء، ما رفعت له مائدة قط وعليها طعام، ولا أكل خبز برقط، ولا شبع من خبز شعير ثلاث ليال متواليات قط، توفي رسول الله (ص) ودرعه مرهونة عند يهودي بأربعة دراهم، ما ترك صفراء ولا بيضاء مع ما وطئ له من البلاد، ومكن له من غنائم العباد، ولقد كان يقسم في اليوم الواحد الثلثمائة ألف وأربعمائة ألف ويأتيه السائل بالعشي فيقول: والذي بعث محمدا بالحق ما أمسى في آل محمد صاع من شعير، ولا صاع من بر، ولا درهم، ولا دينار. قال له اليهودي: فاني أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وأشهد أنه ما أعطى الله نبيا درجة ولا مرسلا فضيلة الا وقد جمعها لمحمد (ص)، وزاد محمدا على الأنبياء أضعاف درجات. فقال ابن عباس لعلي بن أبي طالب (ع): أشهد يا ابا الحسن انك من الراسخين في العلم. فقال ويحك ومالي لا أقول ما قلت في نفس من استعظمه الله عزوجل في عظمته فقال: "وانك لعلى خلق عظيم"».

[25]. ظ:حديث عيسى (ع) عن علي والحسين في قصة كربلاء/كمال الدين وتمام النعمة/ 533، الأمالي/ الصدوق/ 478، بحارالأنوار/ 44/ 252

[26]. معاني / الاخبار / 51.

[27]. ظ: معجم أحاديث الإمام المهدي (ع): 5 /222 +320 وانظر مصادره، يقول الشيخ الصدوق «... فكل وصي قام بوصية حجة تقدمه من وقت وفاة آدم (ع) إلى عصر نبينا (ص) كان نبيا، وذلك مثل وصي آدم كان شيث ابنه، وهو هبة الله في علم آل محمد (ص) وكان نبيا، ومثل وصي نوح (ع) كان سام ابنه وكان نبيا، ومثل إبراهيم (ع) كان وصيه إسماعيل ابنه وكان نبيا، ومثل موسى (ع) كان وصيه يوشع بن نون وكان نبيا، ومثل عيسى (ع) كان وصيه شمعون الصفا وكان نبيا، ومثل داود (ع) كان وصيه سليمان (ع) ابنه وكان نبيا. وأوصياء نبينا (ص) لم يكونوا أنبياء، لان الله عزوجل جعل محمدا خاتما لهذه الامم كرامة له وتفضيلا، فقد تشاكلت الائمة والأنبياء بالوصية كما تشاكلوا فيما قدمنا ذكره من تشاكلهم فالنبي وصي والامام وصي، والوصي إمام والنبي إمام، والنبي حجة والامام حجة، فليس في الاشكال أشبه من تشاكل الائمة والأنبياء. وكذلك أخبرنا رسول الله (ص) بتشاكل أفعال الاوصياء فيمن تقدم وتأخر من قصة يوشع بن نون وصي موسى (ع) مع صفراء بنت شعيب زوجة موسى وقصة أمير المؤمنين (ع) وصى رسول الله (ص) مع عائشة بنت أبى بكر، وإيجاب غسل الأنبياء أوصيائهم بعد وفاتهم... عن عبدالله بن مسعود قال: قلت للنبى(ص): يا رسول الله من يغسلك إذا مت؟ قال: يغسل كل نبي وصيه، قلت: فمن وصيك يارسول الله؟ قال: على بن أبى طالب قلت: كم يعيش بعدك يا رسول الله؟ قال: ثلاثين سنة، فان يوشع بن نون وصى موسى عاش بعد موسى ثلاثين سنة، وخرجت عليه صفراء بنت شعيب زوجة موسى (ع) فقالت: أنا أحق منك بالامر فقاتلها فقتل مقاتليها وأسرها فأحسن أسرها، وأن ابنة أبى بكر ستخرج على علي في كذا وكذا ألفا من امتى فتقاتلها فيقتل مقاتليها ويأسرها فيحسن أسرها، وفيها أنزل الله عزوجل: " وقرن في بيوتكن ولا تبرجن تبرج الجاهلية الاولى "، فهذا الشكل قد ثبت بين الائمة والأنبياء بالاسم والصفة والنعت والفعل، وكل ما كان جائزا في الأنبياء فهو جائز يجري في الائمة حذو النعل بالنعل والقذة بالقذة..» كمال الدين /26 ـ 27 .

[28]. بحارالأنوار / 36 /263، وجاء « عن أبي عبد الله (ع) قال: قال رسول الله (ص): أنا سيد النبيين ووصيي سيد الوصيين وأوصياؤه سادة الاوصياء إن آدم (ع) سأل الله عز وجل أن يجعل له وصيا صالحا فأوحى الله عزوجل إليه أني أكرمت الأنبياء بالنبوة ثم اخترت خلفي فجعلت خيارهم الاوصياء، فقال آدم (ع): يا رب فاجعل وصيي خير الاوصياء، فأوحى الله عزوجل إليه: يا آدم أوص إلى شيث وهو هبة الله بن آدم، فأوصى آدم إلى شيث وأوصى شيث إلى ابنه شبان وهو ابن نزلة الحوراء التي أنزلها الله عزوجل على آدم من الجنة فزوجها شيثا، وأوصى شبان إلى ابنه مجلث، وأوصى مجلث إلى محوق، وأوصى محوق إلى غثميشا، وأوصى غثميشا إلى أخنوخ وهو إدريس النبي (ع)، وأوصى إدريس إلى ناخور ودفعها ناخور إلى نوح(ع)، وأوصى نوح إلى سام، وأوصى سام إلى عثامر وأوصى عثامر إلى برعيثاشا، وأوصى برعيثاشا إلى يافث، وأوصى يافث إلى برة، وأوصى برة إلى جفيسة وأوصى جفيسة، إلى عمران، ودفعها عمران إلى إبراهيم الخليل (ع)، وأوصى إبراهيم إلى ابنه إسماعيل، وأوصى إسماعيل إلى إسحاق، وأوصى إسحاق إلى يعقوب، وأوصى يعقوب إلى يوسف، وأوصى يوسف إلى بثرياء، وأوصى بثرياء إلى شعيب، وأوصى شعيب إلى موسى بن عمران، وأوصى موسى إلى يوشع بن نون وأوصى يوشع إلى داود وأوصى داود إلى سليمان، وأوصى سليمان إلى آصف بن برخيا، وأوصى أصحاب آصف بن برخيا إلى زكريا، ودفعها زكريا إلى عيسى بن مريم (ع) وأوصى عيسى إلى شمعون ابن حمون الصفا، وأوصى شمعون إلى يحيى بن زكريا، وأوصى يحيى بن زكريا إلى منذر، وأوصى منذر إلى سليمة، وأوصى سليمة إلى بردة، ثم قال رسول الله(ص): ودفعها إلي بردة وأنا أدفعها إليك يا علي وأنت تدفعها إلى وصيك ويدفعها وصيك إلى أوصيائك من ولدك، واحدا بعد واحد حتى تدفع إلى خير أهل الارض بعدك، ولتكفرن بك الامة ولتختلفن عليك اختلافا شديدا، الثابت عليك كالمقيم معي والشاذ عنك في النار، والنار مثوى للكافرين. »، كمال الدين وتمام النعمة / 211 .

[29]. ظ/ كمال الدين وتمام النعمة / 26.

[30]. ظ الحديث في كتب المسلمين عامة بألفاظ مختلفه منها علي سبيل المثال: روضة الواعظين/128، المسترشد/278، الأمالي/ المفيد/14، بحارالانوار/39/36، تأريخ مدينة دمشق/42/313 الموضوعات /1/17، 37، لسان الميزان/6/24، البداية والنهاية، /7/393، المناقب/ الخوارزمي/83، 311، ينابيع المودة/1/363، 2/183، 486. وغيرها كثير ولولا الايجاز لأفردت لمناسبات هذا الحديث باباً كاملاً.

[31]. زين الفتي/ العاصمي/1/129 وما بعدها والكتاب في مجلدين.

[32]. مناقب آل أبي طالب/3/57، وظ كذلك: كتاب الاربعين/393 وما بعدها الصوارم المهرقة/276.

 [33]. معاني الأخبار / 351، علل الشرائع /174 .

[34]. البحار /33 / 480، وغيره .

[35]. ظ/ الكافي/ 8/57، التبيان/9920، ينابيع المودة1/292 وغير ها كثير

[36]. الغارات/1/63، وظ/ الحديث كذلك في: الخصال/557، 575، الأمالي الصدوق/156، 709، خاتمة المستدرك/4/330، كتاب سليم/412، مناقب أميرالمومنين/ محمدبن سليمان الكوفي/1/249، المسترشد/621، 634، الأرشاد/1/117، 160، كنز الفوائد/281، الصراط المستقيم/2/60، 3/80، بحارالانوار/35/323، مجمع الزوائد/9/131، المعجم الكبير/1/320، المناقب الخوارزمي/129، ينابيع المودة/1/200، 390 وغيرها كثير.

[37]. الأمالي/ الشيخ الطوسي/ 256، ظ/ كذلك زين الفتي/ 1/ 126 وانظر مصادره/ظ: بحارالانوار/14/219، تأريخ مدينة دمشق/42/296، العمدة/211، مسند أحمد 1/160، المستدرك/3/133، مجمع الزوائد/9/133. كتاب سنة/463، 470 السنن الكبري/5/137، خصائص أميرالمومنين/106، مسند أبي بعلي/1/407، كنزل العمال/13/125، شواهد التنزيل/2/238، الدر المنثور/2/138، التاريخ الكبير/3/282، ينابيع المودة/1/328، 2/396 وغير ها كثير

[38]. الصراط المستقيم/2/61، عوالي اللئلالي/4/87، زين الفتي/1/126 وغيرها اكثر وروي بلفظ (إن فيك مثلاً من عيسى ...)

[39]. الإمامة والتبصرة: 134، ظ: كذلك: الكافي: 1/532، عيون أخبار الرضا (ع): 2/59، الخصال/478 كمال الدين وتمام النعمة/220، روضة الواعظين/77، الارشاد/2/345، الاستنصار/17، كتاب الغيبة/ الطوسي/141، بحارالانوار/11/52، 36/392، تفسير أبي حمزة الثمالي/132/إعلام الوري باعلام الهدي/2/167.

[40]. نهج البلاغة /2/ 57 ــ 58 .

[41]. «ومن كتاب له (ع) إلى عثمان بن حنيف الانصاري وهو عامله على البصرة وقد بلغه أنه دعي إلى وليمة قوم من أهلها فمضى إليها:

 أما بعد يا ابن حنيف فقد بلغني أن رجلا من فتية أهل البصرة دعاك إلى مأدبة، فأسرعت إليها تستطاب لك الالوان، وتنقل إليك الجفان، وما ظننت أنك تجيب إلى طعام قوم عائلهم مجفو. وغنيهم مدعو. فانظر إلى ما تقضمه من هذا المقضم، فما اشتبه عليك علمه فالفظه، وما أيقنت بطيب وجوهه فنل منه ألا وإن لكل مأموم إماما يقتدى به ويستضئ بنور علمه، ألا وإن إمامكم قد اكتفى من دنياه بطمريه، ومن طعمه بقرصيه. ألا وإنكم لا تقدرون على ذلك ولكن أعينوني بورع واجتهاد، وعفة وسداد. فوالله ما كنزت من دنياكم تبرا، ولا أدخرت من غنائمها وفرا، ولا أعددت لبالي ثوبي طمرا. بلى كانت في أيدينا فدك من كل ما أظلته السماء، فشحت عليها نفوس قوم وسخت عنها نفوس آخرين. ونعم الحكم الله. وما أصنع بفدك وغير فدك والنفس مظانها في غد جدث تنقطع في ظلمته آثارها، وتغيب أخبارها، وحفرة لو زيد في فسحتها وأوسعت يدا حافرها لاضغطها الحجر والمدر، وسد فرجها التراب المتراكم، وإنما هي نفسي أروضها بالتقوى لتأتي آمنة يوم الخوف الاكبر، وتثبت على جوانب المزلق. ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أن يغلبني هواي ويقودني جشعي إلى تخير الاطعمة. ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع، أو أبيت مبطانا وحولي بطون غرثى وأكباد حرى؟ أو أكون كما قال القائل :

وحسبك داء أن تبيت ببطنة * وحولك أكباد تحن إلى القد

أأقنع من نفسي بأن يقال أمير المؤمنين ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش. فما خلقت ليشغلني أكل الطيبات كالبهيمة المربوطة همها علفها، أو المرسلة شغلها تقمم، تكترش من أعلافها وتلهو عما يراد بها. أو أترك سدى أو أهمل عابثا، أو أجر حبل الضلالة، أو أعتسف طريق المتاهة. وكأني بقائلكم يقول إذا كان هذا قوت ابن أبي طالب فقد قعد به الضعف عن قتال الاقران ومنازلة الشجعان. ألا وإن الشجرة البرية أصلب عودا، والروائع الخضرة أرق جلودا، والنباتات البدوية أقوى وقودا وأبطأ خمودا، وأنا من رسول الله كالصنو من الصنو والذراع من العضد» نهج البلاغة /3/70.

[42]. نهج البلاغة /2 ./61

[43]. المحاسن/1/159. والحديث أشهر أن يوثق.

[44]. ظ/مناقب آل أبي طالب/ابن شهر آشوب//39، بحارالانوار/39/47 ومابعدها، كذلك ظ/ مشابهة علي لأوصياء الأنبياء/الهداية الكبرى/123

[45]. ظ/ لفظ (مريم)/ المعجم المفهرس لألفاظ القرآن الكريم، وظ كذلك الآيات الآتية التي كنى فيها القرآن عن مريم (ع) منها مثلاً: آل عمران/36، 47 المائدة/75، مريم/19، 20، 22، 23، 25، 26، 27، 28، 32، الأنبياء/91 وغيرها.

[46]. مقامات فاطمة الزهراء/60

[47]. ظ في ذلك مقامات فاطمة الزهراء/42 ومابعدها

[48]. «عن أم سلمة رضى الله عنها ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضى الله عنها ائتنى بزوجك وابنيه فجاءت بهم فالقى رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم كساء فدكيا ثم وضع يده عليهم ثم قال اللهم ان هؤلاء أهل محمد وفي لفظ آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على آل محمد كما جعلتها على آل ابراهيم انك حميد مجيد قالت أم سلمة رضى الله عنها فرفعت الكساء لادخل معهم فجذبه من يدى وقال انك على خير» الدر المنثور: 5 / 198.

[49]. مقامات فاطمة الزهراء/20، 33، ، وفي هذا الباب الحديث المشهور عن « الإمام العسكري (ع) : نحن حجج اللّه على خلقه، وجدّتنا فاطمة (ع) حجّة اللّه علينا» موسوعة الإمام العسكري /2/265 .

[50]. ظ على سبيل المثال / جامع البيان /3 /407، تفسير القرآن العظيم /ابن ابي حاتم الرازي(327هـ) /3/24، تفسير القرطبي/4/104، الكشاف/1/282، وغيرها كثير.

[51]. البرهان في تفسير القرآن/3/309 وظ كذلك/ تفسير العياشي /1 / 249، الكافي /1 /287، بحار انوار /35 /210، وغيرها .

[52]. الأمالي/الصدوق/575، ظ كذلك/ روضة الواعظين/149، شرح الاخبار/3/56، 520، مناقب علي بن أبي طالب/ابن المغازي/292 والمختصر/197، سير اعلام النبلاء/2/126، الإصابة/ابن حجر/8/102، المستدرك/3/157.

[53]. معاني الاخبار/107، ظ كذلك دلائل الإمامة/149، شرح الاخبار/3/520

[54]. ويبدو أن اهل البيت : غالباً ما يوضحون ويظهرون مقام الزهراء في اوساط الناس هدفاً في ترسيخ معرفتها وتجسيد مكانتها الإلهية التي يغفل عنها فعن الصادق (ع) قال: «سميت فاطمة محدثة لان الملائكة كانت تهبط من السماء فتناديها كما كانت تنادي مريم بنت عمران، فتقول: يا فاطمة، إن الله اصطفاك وطهرك واصطفاك على نساء العالمين. يا فاطمة، اقنتي لربك، الآية، وتحدثهم ويحدثونها. فقالت لهم ذات ليلة: أليست المفضلة على نساء العالمين مريم بنت عمران؟ فقالوا: إن مريم كانت سيدة نساء عالمها، وإن الله جعلك سيدة عالمك، وسيدة نساء الاولين والآخرين » دلائل الامامة/ 81، 152، علل الشرائع /1/182، بحارالانوار 14/206، 43/78، تفسير نورالثقلين /1/337، الدرالنظيم/456

[55] .البرهان في تفسير القرآن/3/245، ظ كذلك مقامات فاطمة الزهراء (ع): 41، مانزل من القرآن في شأن فاطمة (ع) : 104.

[56]. ظ/الثاقب في المناقب/190، ظ كذلك الفضائل/119، دلائل الإمامة/180، اهل البيت في الكتاب المقدس/117، البحار/44

[57]. ظ/شجرة طوبى/2/404، معجم أحاديث الامام المهدي (ع): 4/260، موسوعة أحاديث اهل البيت : : 7/59. وكل ذلك لايعني أن قصة شهادة نبي الله يحيي (ع) تطابق قصة شهادة الحسين (ع) فذلك مما لاسبيل إليه، بشهادة الامام الحسن (ع) وقوله للحسين (ع): «لا يوم كيومك أباعبدالله» أمالي الصدوق/17، فلم تسبى ليحيى نساء ولم تقتل ذريته واصحابه كالحسين (ع).

[58]. ظ/الارشاد/2/132، مثير الاحزان/29، عوالي اللآلي 4/81، بحارالانوار/45/90، وجاء فيه: «عن علي بن الحسين (ع) قال: خرجنا مع الحسين فما نزل منزلا وما ارتحل منه إلا ذكر يحيى بن زكريا وقتله، وقال يوما: ومن هوان الدنيا على الله عزوجل أن رأس يحيى بن زكريا اهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل».

[59]. كمال الدين وتمام النعمة/461، دلائل الإمامة/514، الاحتجاج/2/273، مناقب آل أبي طالب/ابن شهر آشوب/3/237 مدينة المعاجز/8/57، بحارالانوار/14/178، تفسير نورالثقلين/3/320 وغيرها كثير.

[60]. البرهان في تفسير القرآن 1/4/619، ظ كذلك/تفسير نورالثقلين/4/430، تفسير كنزالدقائق/11/171، تأويل الآيات الظاهرة في فضائل العترة الطاهرة/498، الخصال/59، عيون أخبار الرضا (ع): 1/187.

[61]. بحارالانوار/44/227

[62]. ظ/ مسيحيون وشيعة، عيسي زار أرض الطف/414، الحسين في الفكر المسيحي المعاصر.

[63]. مسيحيون وشيعة / عيسى زار ارض الطف/417 ـ 416.الحسين في الفكر المسيحي المعاصر/ أقول: هذا اجتهاد جميل في تحليل النص الانجيلي للمفكر النصراني بارا، علماً بأنً كثيراً من المسلمين يعتقدون بأنّ هذا النص يشير لإكرام النبي محمد (ص)؛ لأن لفظ (المؤيِّد) في الاصل اليوناني للإنجيل جاء بلفظ (باركلتس) أي المعزّي والمؤيد، ظ/المثال نفسه/417. وحيث لايمكن الفصل بين محمدية الحسين ورساليته التي احيا بها رسالة جدّه فهو امتداد كذلك لرسالة عيسى (ع)، ظ/مسيحيون وشيعة/ 425 .

[64]. ظ/كربلاء القدس الشريف/428

[65]. تهذيب الاحكام/6/73، وسائل الشيعة/14/517، تفسير إبي حمزة الثمالي/242، وغيرها.

* ومعنى المآصر: الحاجز، فاعل من (المصر) وأصل (أصر)، والإصارُ: الطنب، وجمعه (أُصُر) علي فُعُل، والآصرة الحبل الصغير الذي يُشدّ به أسفل الخباء، وأصرني الشيء ياصرني اي حبسني، ويبدو انه حبل يمدُّ علي طريق أو نهر يؤصَرُ به السُّفُن والسابلة: اي يحبس، ليؤخذ منهم العشور/ظ/لسان العرب/سادة (أصر)، تاج العروس (أصر)

[66]. قصص الأنبياء/الراوندي/264، بحارالانوار/14/216.

[67]. معاني الاخبار/373

[68]. تهذيب الاحكام/6/38، وسائل الشيعة/14/405، المزار/الشيخ المفيد/16و غيرها

[69]. بحارالانوار/14/239

[70]. بحارالانوار/14/239

[71]. لزيادة التوضيح بالصورة الجغرافية والتواصل الحضاري بين هذه الحواضر القديمة ظ/ مجلة تراث النجف/ 29، ولعل آثار ذلك ماتزال في الحرم الحسيني الي الآن ظ/أضواء علي ذاكرة المكان (نخلة مريم)/319

[72]. ظ/ مختصر بصائر الدراجات/186، الهداية الكبري/121، 97، كامل الزيارات/110. يقول القرطبي : «و قالوا: لو كان شيئ من الأرض خيراً من المشرق لوضعت مريم(ع) عيسى(ع) فيه». الجامع لأحكام القرآن/11/90.

[73]. تهذيب الاحاكم/6/38. ظ كذلك/وسائل الشيعة/14/405.

[74]. كامل الزيارات/143، بحارالانوار/44/301

[75]. ظ/عيسي زار أرض الطف/418، الحسين في الفكر المسيحي المعاصر.

[76]. لايخفى على اللبيب أن التذكير بما يجري على الامام الحسين إنما جاء على ألسنة الأنبياء بما يشكل في ذلك مقاماً رسالياً اشترك في توكيده الأنبياء، ودليل على أنهم ينبعون من فيض واحد. وكان خاتمهم اكثرهم اخباراً وتوجعاً وحزنا لشأنه لقربه الرسالي منه فضلاً عن كونه ابن النبيّ الأعظم (ص) من الصدّيقة الطاهرة.

[77]. الصيران: جمع صوار ـ كغراب وكتاب ـ ومن معانيها وعاء المسك، كأنه أراد تشبيه البعر بنافجة المسك لطيبها، ويحتمل أن تكون جمع صور ـ بالفتح ـ وأراد به الحشيش الملتف النابت في تلك الارض.

[78]. الأمالي/الصدوق/696، ظ كذلك/كمال الدين وتمام النعمة/533، مدينة المعاجز/2/167، مسند الامام اعلي/8/392، الفتوح/2/552، موسوعة عبدالله بن عباس/5/234

[79]. هو الدكتور أوأديس استانبوليان المسيحي الأرمني

[80]. بحارالانوار 44/329، مناقب آل أبي طالب/ابن شهر آشوب/3/41، موسوعة كلمات الإمام الحسين (ع): 345، الفتوح /5/21، وغيرها كثير.

[81]. يوحنا/7/19

[82]. يوحنا/7/20

[83]. البحار /44/ 382 .

[84]. ظ/ القرآن والمسيح في وجدان الإمام الحسين (ع): 696، ظ كذلك/ الإمام علي مسيح الإسلام/64.

[85]. الإمام علي مسيح الإسلام: 63.

[86]. ظ/ المصدر نفسه/69

[87]. ظ/ مناقب آل أبي طالب/ ابن شهر آشوب/3/250، انصار الحسين/محمد مهدي شمس الدين/110

[88]. ظ/ مدينة المعاجز/4/103

[89]. ظ/ ينابيع المودة/3/29، فضائل الخمسة من الصحاح الستة/3/298، الصواعق المحرقة/ /199

[90]. كمال الدين / 416 .

[91]. ظ/اعلام الهداية/14/25، ظ/كذلك الإمام المهدي عند أهل السنة/15

[92]. معجم احاديث الإمام المهدي/ج7/154

[93]. ظ/ اعلام الهداية/14/220، الامام المهدي من المهد الي الظهور/552. وانظر مصادرهما عند المسلمين. تفسير القمي: 1/158، التبيان، الطوسي: 3/386، روى ابو حمزة الثمالي «عن شهر بن حوشب قال : قال الحجّاج بن يوسف : آية من كتاب اللَّه قد أعيتني قوله: )وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً( (النساء: 159) واللَّه إنّي لأمرّ باليهوديّ والنصرانيّ فيضرب عنقه ثمّ أرمقه بعيني فما أراه يحرّك شفتيه حتّى يحمل، فقلت : أصلح اللَّه الأمير ليس على ما أوّلت! قال : فكيف هو؟ قلت : إنّ عيسى بن مريم ينزل قبل يوم القيامة إلى الدنيا ولا يبقى أهل ملَّة يهوديّ أو نصراني أو غيره إلَّا وآمن به قبل موت عيسى ويصلَّي خلف المهديّ (ع)، قال: ويحك أنّى لك هذا ومن أين جئت به؟ قال قلت: حدّثني به الباقر محمّد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب : قال : جئت والله بها من عين صافية. فقيل لشهر: ما أردت بذلك؟ قال : أردت أن أغيظه»، مقتنيات الدرر: 3 /22، ظ: بحار الانوار: 9/195، 14/350، معجم أحاديث الامام المهدي، الكوراني: 5/83، وغيرها.

[94]. ظ: تذكرة الأئمة، المجلسي، الجزيرة الخضراء: 17.

[95]. الهداية الكبرى: 397 ـ 398.

[96]. كمال الدين وتمام النعمة/557، 322، ظ كذلك/بحارالانوار/51/217، معجم احاديث الإمام المهدي/ الكوراني/3/192 وانظر مصادره

[97]. كمال الدين وتمام النعمة/317، ظ كذلك الصراط المستقيم/2/129، بحارالانوار/51/133.

معجم أحاديث الامام المهدي/الكوراني/3/179

[98]. ظ علي سبيل المثال/ الغيبة/الطوسي/288، الاحتجاج/ الطبرسي/280، بحارالانوار/25/181 ـ 53/194، معجم احاديث الإمام المهدي للكوراني/381، اعلام الهداية/14/235

[99]. ظ /شيعة ومسيحيون /42، 424 .

[100]. «عن جابر الجعفي، عن أبي جعفر محمد بن علي بن الحسين :، أنه قال: إذا قام قائمنا أهل البيت قسم بالسوية، وعدل في خلق الرحمان، البر منهم، والفاجر منهم، من أطاعه أطاع الله، ومن عصاه عصى الله، ويستخرج التوراة والانجيل وسائر كتب الله من غار بأنطاكية، فيحكم بين أهل التوراة بتوراتهم، وبين أهل الانجيل بإنجيلهم، وبين أهل الزبور بزبورهم، وبين أهل القرآن بقرآنهم. وتخرج الارض كنوزها من الذهب والفضة، فيقول: أيها الناس هلموا، فخذوا ما سفكتم فيه الدماء، وقطعتم فيه الارحام، ويعطي ما لم يعطه أحد قبله، ولا يعطه أحد بعده». شرح الأخبار /3/386، 397، 402، 566، ظ/علل الشرائع /1/161، دلائل الإمامة /466 / الغيبة /النعماني /237، الجرائح والخرائج /2/ 860، البحار /9/ 126 .