البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الأسس العقدية في فكر الإمام الرضا (ع)

الباحث :  أ.د. صاحب محمد حسين نصار
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  7
السنة :  السنة الثالثة - ربيع الثاني 1437هـ / 2016م
تاريخ إضافة البحث :  February / 29 / 2016
عدد زيارات البحث :  998
تحميل  ( 271.773 KB )
مقدمة

الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على اشرف الخلق محمد (ص) وعلى اهل بيته الطيبين الطاهرين..

عاش الامام علي بن موسى الرضا (ع) في القرن الثاني الهجري الذي اتسعت فيه حركة العلم في البحث والتأليف والتدوين والمعارف ونشأت المدارس والتيارات الفلسفية والفكرية.

وبدأت حركة الترجمة من اللغات المختلفة وازدحمت المدارس بحلقات الدرس وبالاساتذة والطلاب الذين تناولوا مختلف العلوم.

وقد عاصر الامام الرضا (ع) من خلفاء بني العباس المهدي والهادي والرشيد والامين والمأمون.

وقد عاش في تلك المدّة مؤسسو المذاهب الفقهية الاخرى امثال الشافعي ومالك ابن انس واحمد ابن حنبل وابي حنيفة وابي يوسف القاضي وسفيان الثوري ويحيى ابن اكثم وغيرهم .

وقد كان للسلطة العباسية أثر في ايجاد التيارات المنحرفة واطلقت العنان للديانات المنحرفة وتيارات الغلو رغبةً في إطفاء نور اهل البيت :.

ومن الامثلة على ذلك الافتاء بالرأي تبعاً لأهواء الحكام ورغباتهم ورواج القياس القائم على الظنون حتى قام احد الفقهاء المعروفين بتحليل وطء هارون لجارية كان قد وطأها(1).

مما دعا الامام (ع) إلى تشكيل مرجعية فكرية ودينية للامة, فقد روى الحاكم أبو عبد الله الحافظ بإسناده ، عن الفضل بن العباس ، عن أبي الصلت عبدالسلام بن صالح الهروي قال: ما رأيت أعلم من علي بن موسى الرضا (ع)، ولا رآه عالم إلا شهد له بمثل شهادتي ، ولقد جمع المأمون في مجالس له ذوات عدد علماء الأديان وفقهاء الشريعة والمتكلمين فغلبهم عن آخرهم حتى ما بقي أحد منهم إلا أقر له بالفضل وأقر على نفسه بالقصور ، ولقد سمعت علي بن موسى الرضا (ع) يقول: «كنت أجلس في الروضة والعلماء بالمدينة متوافرون ، فإذا أعيا الواحد منهم عن مسألة أشاروا إلي بأجمعهم وبعثوا إلي بالمسائل فأجيب عنها»(2).

ولذا جاء هذا البحث ليسلط الضوء على الاسس العقدية للامة في فكر الامام الرضا (ع) في مطلبين ومقدمة وخاتمة:

تناول المطلب الاول مفهوم الامة ومدى ارتباطه بالإمامة, لينتظم على اربعة مقاصد, دار الحديث فيها عن مفهوم الامة في الفكرين الغربي والاسلامي .

ثم خصائص مفهوم الامة في الفكر الاسلامي واثر تجربة الامام الرضا (ع) في بناء الامة الاسلامية فكريا.

وتناول المطلب الثاني اثر الامام (ع) في الاصلاح الفكري لينتظم ايضا على اربعة مقاصد تضمنت التاصيل العقدي في فكر الامام الرضا (ع) وتصدي الامام للتيارات الفكرية المنحرفة ثم دور الامام في اصلاح القضاء وتحديه للفساد .

المطلب الاول

مفهوم الامة ومدى ارتباطه بالامامة

ولبيان حقيقة هذا المفهوم ومدى ارتباطه بالإمامة ينتظم هذا المطلب على اربعة مقاصد كما يأتي:

المقصد الاول: مفهوم الامة في الفكر الغربي:

في طيات هذا المفهوم (الامة) اكثر من غموض وجدل في الافكار الاجتماعية ومن اهم الخصوصيات التي وضعتها الدراسات الغربية في البناء الحضاري للأمم وهو قيام اية امة على ركائز مهمة من جانبين هما:

الجانب الموضوعي: المتمثل بلغة الامة ، لأنه الاداة التواصلية وتاريخهم الذي تربطهم فيه معالم مشتركة من عادات وتقاليد وثقافة في اي بلد .

اما الجانب الذاتي: فهو المتمثل بمجموعة من الروابط لها علاقة بشخصية هذه الامة الحضارية كرابط الهوية والتعايش السلميين مع الاخر .

وبهذا يعطي هذا المفهوم بُعداً تركيبيا تتداخل فيه جملة من المرتكزات وهي: الدولة، الجماعة ، بناء الامة ، او دولة الامة (3).

المقصد الثاني: مفهوم الامة في الفكر الاسلامي:

وسنحاول عرض الرؤية القرآنية للأمة في ضوء الأتي :-

1 ـ الدين الواحد من مصدر واحد قال تعالى: ) إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ ( (4).

2 ـ سمة التكامل الذاتي للأمة في ضوء الوظيفة المنوطة بها. ولقوله تعالى:  (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ )(5) خير دليل على ذلك 0

ومع ملاحظة وظيفة الامر بالمعروف والنهي عن المنكر التي جعلها القران الكريم شرطاً لبلوغ اعلى رتبة بين الامم ، فإنّ القران الكريم يقدم أنموذجه للمجتمع المتكامل بوساطة النقد الذاتي الذي ينطوي على عملية تكاملية للوظيفة المشار اليها في الآية المباركة .

3 ـ الامة الوسط: الذي يتبين من قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ) (6).

وان هذه الآية تشير الى موقع مهم للامة قد  لايمكن تحديد ابعاده في رؤية بسيطة فالتوسط يمكن ان يكون توسطا زمانيا ويمكن ان يكون توسطا حضاريا يمثل بين طرفين.

المقصد الثالث: اثر تجربة الامام الرضا في بناء الامة الاسلامية:

عند سؤال الامام الرضا (ع) عن قبولك ولاية العهد مع إظهارك الزهد في الدنيا .

حدثنا أحمد بن زياد بن جعفر الهمداني - رضي الله عنه - قال: حدثنا على بن إبراهيم بن هاشم، عن أبيه عن الريان بن الصلت، قال: دخلت على علي بن موسى الرضا (ع) فقلت له: يا ابن رسول الله الناس يقولون: إنك قبلت ولاية العهد مع إظهارك الزهد في الدنيا !

فقال (ع): قد علم الله كراهتي لذلك، فلما خيرت بين قبول ذلك وبين القتل اخترت القبول على القتل. ويحهم ! أما علموا أن يوسف كان نبيا ورسولا فلما دفعته الضرورة إلى تولي خزائن العزيز، قال: (قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) (7) ودفعتني الضرورة إلى قبول ذلك على إكراه وإجبار بعد الاشراف على الهلاك، على أني ما دخلت في هذا الأمر إلا دخول خارج منه، فإلى الله المشتكى وهو المستعان) (8).

ويلحظ في جواب الامام (ع) انّه كان واعياً للتجربة النبوية المتناولة في القرآن الكريم فهو (ع) مع ادراكه لضغوط  وملابسات الواقع يسعى الى سلوك أخف الطرق وأيسرها في سبيل مصلحة الامة الاسلامية.

وان القبول على مضض من الامام (ع) مع ان مكانته ارفع من ذلك ما هو الا دليل على تفاني الامام (ع) من اجل الامة وهذا ما لا يفعله الا القائد المخلص لرعيته ، وهو قمة النبل مادام يسير باتجاه اصلاح الامة.

ومن ناحية ثانية تمثل تجربة الامام الرضا (ع) عاملاً من عوامل استمرار وجوده بين ظهراني الامة ومن ثَمَّ استمرار العطاء العلمي والفكري الذي كانت تحتاجه الامة حاجة ماسة في ذلك الوقت اذ يراعي الامام في موقفه السياسي الواقع.

لذلك نجد اختلافاً وتنوّعاً في تجارب الائمة : على الصعيد السياسي على وفق اختلاف الواقع وتغيره  وكما قال السيد الشهيد محمد باقر الصدر بشأن الائمة : تعدد ادوارهم والهدف واحد  وهذا الاختلاف من اهم سمات الامامة والذي عبره تتعاطى  الاِمامة مع التغيرات والواقع بحسب شدة  وطأتها.

المقصد الرابع: ارتباط الامة بالإمامة:

انّ مفهوم (الامة) في سياقه التاريخي مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالإمامة بوصفها قيادة مترامية الابعاد ، اذ يمكن استيحاء ثلاثة ابعاد من مفهوم الامامة:

البعد الاول: هو البعد السياسي، الذي يأخذ على عاتقه بناء وعي الامة على النسق الالهي ، بمعنى ان من جملة اثار وظيفة الامامة هو ارشاد  المجتمع في طريق الاستقامة العامة المتمثل باستقامة الراعي والذي يستدعي استقامة الرعية .

البعد الثاني: وهو البعد الايماني الذي يتجلى في الامامة من جانبها العبادي اذ يؤثّر سلوك الامام على الرعية بوصفه القدوة الامثل وعلى اثر ذلك يندمج دور القائد بدور القدوة .

البعد الثالث: وهو البعد العلمي اذ من النادر ان يكون القائد عالما ومع انه مما ينبغي ان يكون كما هو واضح من الرؤية الاسلامية  إلّا انّ التاريخ السياسي يفتقر الى مثل هذا الانموذج  فضلا عن الجانب العلمي الذي تتسم به وظيفة الامامة فإنّ منابع الحكمة والتسديد من الخصائص الفريدة التي تجلت في هذه الوظيفة في سيرة الأئمّة : .

إنّ ملاحظة هذه الابعاد الثلاثة في شخصية الامام (ع) تمثل مثالا فريداً في تاريخ القيادات السياسية.

ففي الوقت الذي كانت ثورات العلويين تهز الدولة العباسية نرى الامام يحافظ على كيان الامة من خلال الحفاظ على قيمها الرسالية فكانت احاديثه تعبيراً عن نظرته في اهمية ارتباط الامة بفكرها الرسالي حتى وجدنا ابن شهر اشوب يقول: «وروى عبدالله بن جعفر الحميري ، عن محمد بن عيسى اليقطيني قال: لما اختلف الناس في أمر أبي الحسن الرضا (ع) جمعت من مسائله مما سئل عنه وأجاب عنه خمس عشرة ألف مسألة»(9).

المطلب الثاني

أثر الامام الرضا (ع) في الاصلاح الفكري

وللوقوف على أشكال هذا الاصلاح ينتظم هذا المطلب على اربعة مقاصد وكما يأتي:

المقصد الاول: التأصيل العقدي في فكر الامام الرضا (ع):

واحدة من المشكلات التي واجهت النبوات في عصورها واستمرت الى العصر الاسلامي مسألة  التأصيل بحقيقة الخالق والوجود في عصر ظهرت فيه مجموعة من المدارس الفكرية والكلامية التي تبنت مواقف سلبية منذ بدايات القرن الهجري الثاني وما بعده.

فكان الجدال في قضية التوحيد, وقد عاصر الامام الرضا (ع) هذه المدارس وعمد الى حل هذه الاشكاليات بالحقائق العلمية والمعارف العقلية وتثبيت قيم المعرفة وأصالتها.

 ولعل حديث السلسلة الذهبية قد احتل مساحة كبيرة في الموقف التاريخي بوصفه منهجا تأسيسيا يعكس الاتجاهات العلمية عند الامام علي بن موسى الرضا (ع) فكان العلماء والناس يغتنمون فرصة وجوده بينهم فكان لا ينزل بلدا الا قصده الناس فيحدثهم عن ابيه عن آبائه عن علي عن رسول الله  حتى ان الذين استلموا حديث السلسلة الذهبية كانوا اكثر من اربعة وعشرين الفاً من كبار العلماء وغيرهم من طبقات العلماء وعامة الناس(10).

وفي الرواية انه لما دخل نيسابور اذ تقدم له اثنان هما العلمان الحافظان أبو زرعة الرازي (ت في اواسط القرن الثالث الهجري)، ومحمد بن اسلم الطوسي (ت242هـ/856م) (11).

فأحاطوا به وسألوه ان يروي لهم عن آبائه : عن رسول الله (ص) حديثا .

فروى لهم الحديث المشهور بسلسلة الذهب: فقال الإمام الرضا (ع): «حدّثني أبي موسى الكاظم، عن أبيه جعفر الصادق، عن أبيه محمّد الباقر، عن أبيه علي زين العابدين، عن أبيه الحسين شهيد كربلاء عن أبيه علي بن أبي طالب ، أنّه قال: حدّثني حبيبي وقرّة عيني رسول الله (ص)، عن جبرائيل أنّه قال: سمعت ربّ العزّة سبحانه يقول: (كلمة لا إله إلاّ الله حصني ، ومن قالها دخل حصني ، ومن دخل حصني أمن عذابي)». فأخذ العلماء والناس يكتبون حديثه ، فلما مرت الراحلة أخرج رأسه مرة ثانية إليهم وقال: «بشروطها، وأنا من شروطها»(12).

وهنا يطرح الامام علي بن موسى الرضا (ع) منهجاً تأسيسياً في التفسير من جانب وفي التأصيل العقائدي من جانب آخر يكشف عبره معاني التوحيد كحقيقة تتأصل ثوابتها عبر الإقرار بوحدانيته تعالى شأنه  ومن أجل ذلك فهو الحصن الحصين.

ومن جانب آخر فإنّنا نراه (ع) يؤسس لمدرسة فكرية تقول: انّ إدراك كل معرفة لا يتم إلا بشروط وقواعد تحدد سبل الوعي في الوصول إليها، وانّ الامام شرط أساس من شروط كمال المعرفة، فالله قائم بذاته أزلي واجب الوجود، لكن حقيقة معرفته لا تتمّ إلّا من خلال النبوّة والامامة.

المقصد الثاني: التصدي للتيارات الفكرية المنحرفة:

كشف الامام الرضا (ع) الطرق والاساليب التي يستعملها اعداء الاسلام لتشويه الافكار والمفاهيم الاسلامية من خلال تصنيفه الوضاعين للأخبار الى ثلاثة اصناف مما جاء عن الرضا (ع) من الاخبار المتفرقة حديث طويل وفى آخره قال (ع): «ان مخالفينا وضعوا اخبارا في فضائلنا وجعلوها على اقسام ثلاثة: احدها الغلو ، وثانيها التقصير في امرنا ، وثالثها التصريح بمثالب أعدائنا فاذا سمع الناس الغلو كفروا شيعتنا ونسبوهم إلى القول بربوبيتنا ، واذا سمعوا التقصير اعتقدوا فينا ، واذا سمعوا مثالب أعدائنا بأسمائهم سبونا بأسمائنا ،  وقد قال الله تعالى: (وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ)(13) إلى أن قال: يا ابن أبي محمود احفظ ما حدثتك به فقد جمعت لك فيه خير الدنيا والاخرة»(14).

وقام الامام (ع) بالرد على مختلف التيارات الفكرية المنحرفة ففي رده على المشبهة حدثنا محمد بن الحسن بن أحمد بن الوليد رضى الله عنه قال: حدثنا محمد بن الحسن الصفار قال حدثنا أحمد بن محمد بن خالد عن بعض اصحابنا, قال: مر أبو الحسن الرضا (ع) بقبر من قبور أهل بيته فوضع يده عليه ثم قال:

«إلهي بدت قدرتك ولم تبد واهية فجهلوك وقدروك والتقدير على غير ما به وصفوك وانى برئ يا الهى من الذين بالتشبيه طلبوك ليس كمثلك شيء إلهي ولن يدركوك وظاهر ما بهم نعمك دليلهم عليك لو عرفوك وفي خلقك يا إلهي مندوحة ان يتناولوك بل سووك بخلقك فمن ثم لم يعرفوك واتخذوا بعض آياتك ربا فبذلك وصفوك فتعاليت ربى عما به المشبهون نعتوك»(15).

ثم فند الامام الروايات التي يستند اليها المنحرفون من خلال ابطال صدورها عن رسول الله (ص) ، ففي رده على الرواية المفتعلة والمنسوبة الى رسول الله (ص) والتي جاء فيها:

حدثنا محمد بن هارون الصوفي، قال: حدثنا عبيد الله بن موسى بن أيوب الرويانى عن عبد العظيم بن عبد الله الحسني رضي الله عنه عن إبراهيم بن أبي محمود، قال: قلت للرضا (ع): يا ابن رسول الله ما تقول في الحديث الذي يرويه الناس عن رسول الله (ص) أنه قال:

إنّ الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة جمعة إلى السماء الدنيا. فقال: لعن الله المحرفين الكلم عن مواضعه، والله ما قال رسول الله كذلك، إنما قال: إن الله تبارك وتعالى ينزل ملكا إلى السماء الدنيا كل ليلة في الثلث الآخر وليلة الجمعة في أول الليل فيأمره فينادي هل من سائل فأعطيه، هل من تائب فأتوب عليه هل من مستغفر فاغفر له، يا طالب الخير أقبل ويا طالب الشر أقصر، فلا يزال ينادي بهذا حتى يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر عاد إلى محله من ملكوت السماء، حدثني بذلك أبي عن جدي، عن آبائه، عن رسول الله (ص)»(16).

وبذلك استطاع الامام الرضا (ع) من تحجيم اثر هذه التيارات وايقاف حركتها داخل كيان أنصار أهل البيت :، ولم تنتشر افكارها الاّ عند أصحاب المطامع والأهواء.

المقصد الثالث: دور الامام الرضا (ع) في اصلاح القضاء:

عن محمد بن سنان قال: كنت عند مولاي الرضا (ع) بخراسان وكان المأمون يقعده على يمينه، إذا قعد للناس، يوم الاثنين ويوم الخميس، فرفع إلى المأمون أن رجلا من الصوفية سرق فأمر بإحضاره، فلما نظر إليه وجده متقشفا بين عينيه أثر السجود فقال: سوءة لهذه الآثار الجميلة، ولهذا الفعل القبيح ، أتنسب إلى السرقة مع ما أرى من جميل آثارك وظاهرك؟ قال: فعلت ذلك اضطراراً لا اختياراً حين منعتني حقي من الخمس والفيء.

فقال المأمون: وأي حق لك في الخمس والفيء ؟ قال: إن الله عز وجل قسم الخمس سته أقسام  وقال: (وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ للهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللهِ وَما أَنْزَلْنا عَلى عَبْدِنا يَوْمَ الْفُرْقانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ)(17).

وقسم الفيء على ستة أقسام فقال عز وجل: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (18).

قال: بما منعتني  وأنا ابن السبيل منقطع بي ومسكين لا أرجع إلى شيء ومن حملة القرآن.  

فقال له المأمون: عطّل حدّاً من حدود الله وحكماً من أحكامه في السارق من أساطيرك هذه؟

فقال الصوفي: ابدأ بنفسك فطهرها ثم طهر غيرك وأقم حد الله عليها ثم على غيرك، فالتفت المأمون إلى أبي الحسن (ع), فقال: ما تقول ؟

فقال: إنه يقول سرقت فسرق، فغضب المأمون غضبا شديدا ثم قال للصوفي: والله لا قطعنك فقال الصوفي: أتقطعني وأنت عبد لي ؟

فقال المأمون: ويلك ومن أين صرت عبدا لك ؟ قال: لان امك اشتريت من مال المسلمين، فأنت عبد لمن في المشرق والمغرب حتى يعتقوك وأنا لم اعتقك ثم بلغت الخمس بعد ذلك فلا أعطيت آل الرسول حقا، ولا أعطيتني ونظرائي حقنا.

والأخرى أن الخبيث لا يطهر خبيثا مثله، إنما يطهره طاهر، ومن في جنبه الحد لا يقيم الحدود على غيره حتى يبدأ بنفسه أما سمعت الله عز وجل يقول: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ)(19).

فالتفت المأمون إلى الرضا (ع) فقال: ما ترى في أمره ؟

فقال (ع): إن الله جل جلاله قال لمحمد (ص): «فلله الحجة البالغة »(20).

وهي التي تبلغ الجاهل فيعلمها بجهله كما يعلمها العالم بعلمه، والدنيا والآخرة قائمتان بالحجة، وقد احتج الرجل، فأمر المأمون عند ذلك باطلاق الصوفي واحتجب عن الناس 0

وكان الامام يتدخل في مثل هذه القضية دفاعا عن المظلومين والمحرومين, وتطبيق احكام القضاء طبقا للمنهج الاسلامي السليم .

ففي احد الايام ادخل الى المأمون رجل اراد ضرب عنقه والامام حاضر, فقال له المأمون: ما تقول يا ابا الحسن ؟ 

فقال: «اقول ان الله لا يزيدك بحسن العفو الا عزا »

فاتبع المأمون قول الامام (ع) وعفا عنه(21).

المقصد الرابع: الامام الرضا (ع) يتحدى الفساد:

حينما نتدبر في سورة هود أو سائر السور القرآنية التي تقص علينا رسالة الأنبياء السابقين : نجد أنهم يتحدون الفساد بكل ألوانه . وبالذات الفساد الذي كان مستشرياً في قومهم، ويعدون كل فساد سياسي أو اجتماعي أو اقتصادي أو فكري ينتهي إلى الضلالة أو الشرك أو الكفر وكانوا : يذكِّرون الناس بالله ويحذِّرونهم عذابه في الدنيا وعقابه في الآخرة، لأن هذا هو السبيل لإصلاح الإنسان وردعه عن الفساد بكل ألوانه . وسار الأئمة : على طريق الأنبياء، حاربوا كل ألوان الفساد، بالوسيلة ذاتها، والإمام الرضا (ع) كأجداده قاد المخلصين من أبناء الأمة في هذه السبيل وتحمل الأذى في سبيل الله.

لقد رفض الاعتراف بالسلطة الجاهلية التي تبناها العباسيون باسم الإسلام واعتبرها سلطة غاصبة ظالمة فاسدة جملةً وتفصيلاً .وناهض التيارات الفكرية المخالفة لأصول الشريعة، وقاوم الفساد الخلقي في الأمة وذلك بنشر تعاليم الدين الحنيف .  ولم يكن الإمام وحده في مواجهة ذلك الفساد العريض، بل كانت صفوة الأمة وخيرة العلماء والحكماء والقادة المخلصين وهم شيعة أهل البيت: يتبعونه في ذلك .

وقد قرأنا معاً كيف وبأي أسلوب كان الأئمة يقودون الأمة ، ولكن هنا ينبغي أن نتحدث قليلاً عما أثار التساؤل عند المؤرخين، وهي نقطةٌ مضيئةٌ – في رأينا - تلمع في حياة الإمام الرضا، ومنعطف أساسي في حركة الشيعة وهي قبول الإمام بولاية عهد المأمون(22).

الخاتمة ونتائج البحث

تتضمن النتائج التي توصل اليها الباحث :

اتساع الحركة العلمية والفكرية  في العصر الذي عاشه الامام (ع) حتًمت عليه ان يقوم بوظيفتين الاولى تمثلت في مواجهة الافكار الهدامة والتصدي للرد عليها بوصفه يمثل الامتداد الطبيعي لشريعة سيد المرسلين والثانية تمثلت في توجيه الحركة العلمية والفكرية للامة بما يتفق والشريعة الاسلامية.
الدور التأسيسي العقدي الذي سلكه الامام (ع) المتمثل بحديث سلسلة الذهب وغيره للكشف عن حقيقة التآمر الفكري في بلبلة عقول المسلمين.
تقديم الامام (ع) مصلحة الامة على حساب  جميع الاعتبارات الاخرى ناشئة من ادراك الامام للتجربة النبوية المتداولة في القران الكريم الذي اتضح في ثنايا البحث.

*  هوامش البحث  *

(1) تاريخ الخلفاء, جلال الدين السيوطي (911هـ), 231.

(2) اعلام الورى باعلام الهدى, الشيخ الطبرسي, 2/64.

(3) موسوعة العلوم السياسية, مادة 257, 405.

(4) سورة الانبياء, الاية: 92.

(5) سورة ال عمران, الاية  :110.

(6) سورة البقرة, الآية: 143.

(7) سورة يوسف, الاية: 55 .

(8) بحار الأنوار: 49 / 130.

(9) مناقب ال ابي طالب, 4/380.

(10) اعيان الشيعة, محسن الامين, 1/143.

(11) كشف الغمة, علي بن ابي الفتح الاربلي, 3/101.

(12) عيون اخبار الرضا, الشيخ الصدوق )ت381( ,2/145.

(13) الانعام: 109.

(14) عيون اخبار الرضا, 1/304.

(15) عيون اخبار الرضا, 1/117.

(16) عيون اخبار الرضا, 1/116-117.

(17) الانفال: 41.

(18) الحشر: 7.

(19) البقرة: 44.

(20) الانعام: 149.

(21) نثر الدر, 1/362.

(22) ينظر: الامام الرضا قدوة واسوة ، محمد تقي المدرسي: 46.

*  المصادر والمراجع *

خيرما نبدأ به القران الكريم.

1. اعلام الورى باعلام الهدى , الشيخ الطوسي (ت460هـ).

2. اعيان الشيعة , محسن الامين (ت1371هـ).

3. بحار الانوار , العلامة المجلسي (ت1037).

4. الامام الرضا قدوة واسوة , محمد تقي المدرسي (معاصر).

5. تاريخ الخلفاء , جلال الدين السيوطي (ت911هـ).

6. عيون اخبار الرضا , الشيخ الصدوق (ت381هـ).

7. كشف الغمة , علي بن ابي الفتح الاربلي (ت693هـ).

8. موسوعة العلوم السياسية , ( مجموعة مؤلفين) , الكويت.

9. مناقب ال ابي طالب , ابن شهر اشوب (ت588هـ).

10. نثر الدر , منصور بن الحسين الابي (ت421هـ).