البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

رؤية الإمام علي (ع) إلى نظام الحكم في الإسلام

الباحث :  أ.د. دلال عباس
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  7
السنة :  السنة الثالثة - ربيع الثاني 1437هـ / 2016م
تاريخ إضافة البحث :  February / 29 / 2016
عدد زيارات البحث :  817
تحميل  ( 305.625 KB )
تمهيد:

يهدف هذا البحث إلى توضيح النظريّة التي وضعها الإمام عليّ (ع)، لما يجب أنْ يكونَ عليه نظامُ الحكمِ في الإسلام، من خلال كتابه (ع) إلى مالكٍ بنِ الحارثِ الأشترِ النخعيِّ في عهده إليه حين ولّاه مصرَ، جبايةَ خَرَاجِها وجهادَ عدوّها، واستصلاحَ أهلِها، وعِمارةَ بلادِها.

سندرس هذا النصّ [العهد]، الذي يحدّد فيه الإمامُ (ع) للوالي [الحاكم] مهامَّه وعَلاقته بالرعيّة، بالإضاءة على بنيته للوصول إلى دلالاته، وتبيان التداخل بين عناصره الداخليّة والخارجيّة، وبينها وبين النصّ القرآني والسنّة النبويّة. انطلاقا من حديث الثقلين ومن الآيات القرآنيّةِ والأحاديثِ النبويّة التي تؤكّد على الترابط الذي لا ولم تنفصم عراهُ بين القرآن وأهلِ البيت عليهم السلام، الذين جاءت سيرتهم ترجمةً لأحكام القرآن وتجسيداً لمبادئه، وانطلاقاً من كون الإمام عليٍّ (ع)، هو الأذنُ الواعيةُ لكتاب اللّه عزّ وجلّ فهماً وتطبيقاً واجتهاداً. وسنقرأ تالياً النصَّ قراءةً سياسيّةً وقراءةً نفسيّة وقراءةً تاريخيّةً، فضلاً عن قراءته قراءة دينيّة، تؤكّدُ تطبيق الإمام عمليّاً ونظريّاً لمبدأ العدل كما أمر به اللّه عزّ وجلّ، من منطلق التقوى، كما ورد وصفها في القرآن والسنّة الشريفة، معياراً لكرامة الإنسان، وما ينبثق عنها من تسامحٍ وتآخٍ وتراحم.

من السّطر الأوّل يحدّد الإمام دورَ الوالي [الحاكم] بأنّه اقتصاديٌّ، عسكريٌّ، رعائيٌّ، عمرانيٌّ [جباية خراجها، وجهاد عدوّها، واستصلاح أهلها، وعِمارة بلادها]، ثمّ يلجأ إلى التفصيل متدرّجاً: فيحدّد مواصفات الحاكم وصفات معاونيه ومستشاريه ووزرائه، وعلاقته بهم، كما يحدّد طبقات المجتمع وفئاته، ودورِ كلِّ طبقة أو فئة من الناس، وواجباتها وحقوقها، وعلاقتها ببقيّة الفئات، وتثبيت مفهوم الحقّ وبيان وجوهه : حقّ اللّه على الحاكم، وحقّ الرعيّة على الحاكم، بحيث يربط الإمام بين الجانبين الدينيّ والدنيويّ ترابط تلازم وحتميّة.

النصّ دعوةٌ من عليّ (ع): إلى ممارسة الحكم كما يجب أن يكون، لا كما هو في الواقع، أو كما كان من قبل.

وسنبيّن أنّ زمان النص على الرَّغم من أنّه زمانٌ تاريخيّ، إلّا أنّه زمانٌ عامٌّ مطلقٌ، متحرّكٌ على مدى الدهر، يكفي أن نستبدل بألفاظ الخليفة والوالي والخراج والعِمارة، وغيرها، ما يقابلها من مصطلحات حديثة، لنقعَ على نصٍّ سياسيٍّ معاصر، سابـقٍ لعصره، ولظروف عصره، نصٍّ مطلق لا يحـدّه زمان ولا مكان.

مقدّمة عامّة
حين سُئل المتنبي لمَ لم تمدح عليّاً (ع) أجاب:
وتركتُ مدحي للوصيِّ تعمُّداً
إذ كان نوراً مستطيلاً شامخاً
وإذا استطــال الشــيءُ قام بنفســه
وصفاتُ ضوءِ الشمسِ تذهبُ باطلاً

لكنَّ شمس عليّ لا تزال منذ أربعةَ عَشَرَ قرناً ونيِّفٍ تسطعُ كلماتٍ يُنتَفعُ بها، ما بقيَ الليلُ والنهار، متوهِّجةً على الرَّغمِ من الغيومِ المصطنعةِ والمُفتعلةِ التي حجبتها في بعضِ الأحايين؛ فعليٌّ واحدٌ من قلَّةٍ من البشر الربّانيّين الذين اختارهم المولى عزَّ وجلّ ليرسموا بسيرتهم وبدمائهم، وبما سطّرته أيديهم من كلماتٍ الطريقَ إلى حياةٍ حرّةٍ كريمةٍ على الأرض، حياةٍ غيرِ منبَتَّةِ الصلةِ بالحياة الأخرويّة.

حسبُ عليٍّ فخراً أنّه ما قال في حياته كلمةَ باطلٍ، وما قال إلّا صدقاً، وما قال ما لا يفعل؛ وما استطاع أحدٌ على الرَّغم من شدّةِ الكيدِ الذي كيدَ له، والشنآنِ الذي قوبل به، أنْ ينسبَ إليه أنَّه أعلنَ غيرَ ما أضمرَ، أو أنّ أفعاله كانت مناقضةً لأقواله. وهو منذ نعومة أظافره تلميذ خير البريّة، وتلميذ القرآن مذْ نزلت أولى آياته. عاش كتابَ الله بكلِّ كيانه وبما حباه الله من فهم، يتلوه نهاراً وآناءَ الليلِ، يُجلي غوامضه، ويسبُرُ أحكامَه، ويتأمل أبعادَه وأعماقه. فهو “الأُذُنُ" الواعيةُ([1])، كما وصفه الله عزَّ وجلّ، وهو القرآن الناطق، باقٍ ما بقي الدهر، فهو القائل: " يا كُميل، هلك خزَّانُ الأموالِ وهم أحياء، والعلماءُ باقون ما بقيَ الدهر: أعيانهم مفقودة، وأمثالهم في القلوب موجودة"([2])، من يستطيعُ إحصاءَ ما كُتِب عن عليّ وفي حقِّ عليّ، وما سيُكتب في القابل من الأيّام؟

هذه الورقة تبغي الإجابَة عن السؤال الذي يتكرّر طرحه عندما يريد أحدٌ أن يتحدّث عن عليّ؛ أصحيح أنّ عليّاً أرادها خلافةً دينيَّةً؟([3]) وهل يمكن لنظام حكم دينيّ طوباويٍّ أن يُناسب الأرضيين؟

الإجابة المفترضة المستمدّة من سيرة عليٍّ ومن نهج البلاغة، هي أنَّ عليّاً أراد أن تكون الدولة الدنيويّة المدنيَّةُ مستمدةً جذورها وعناصرَ كَيانها ووجودَها من كتابِ اللهِ وسنّةِ رسولِه، وأنْ تسير في معالجتها الشؤونَ العامّة والخاصّة، على الصراط الذي رسمه كتابُ الله، وحدّده وبيّنه ووضّحَهُ رسول الله في سنّته. أي إنّه أرادها دولةً دنيويّةً غيرَ مقطوعةِ الصلةِ بالآخرة، وشاءها دنيا مرتبطةَ المصير بإرادة الله عزّ وجلّ...

والدولة الدنيويّة، المرتكزة على أُسس الدين والإيمان، المتمثّلَةُ برجال يخافون الله عزّ وجلّ، لا يداهنون في الدين، ولا يُساومون على حقّ، ولا تعمي أبصارَهم الأموالُ الصفراءُ والبيضاءُ والسوداءُ المشبعةُ برائحة النفط، يستوحون تدابيرهم وأحكامهم من المبادئ الخُلقيّة، النابعةِ من القيم التي من دونها لا يقوم مجتمع، ولا يسودُ في البشرِ حقٌّ ونظام.

منذ اللحظة التي بويع فيها الإمام بالخلافة، عزل الولاةَ الذين استباحوا الغنائمَ المحظورة وتمرّغوا بالدنيا، وطمعوا وأطعموا حاشيتهم ببيت مال المسلمين، وأثاروا على عثمان سخط أهل السواد (حين جعلوه بستان قريش)، وسُخْطَ الفقهاءِ والحفّاظِ الغيورين على فضائل الدين، كما ردّ القطائعَ التي صُرفت عن وُجوهها التي جُعلَت لها، من إصلاح المرافقِ وإغاثة المفتقرين إليها على شرعة الإنصاف والعدلِ التي أمر بها الدين... وحين وجّهَ الولاة الجددَ إلى الأمصار زوّد كلَّ واحدٍ منهم بكتاب يحدّد له فيه مهامَّه، وإن استجدَّ أمرٌ طارئٌ آخر، يبعث إليه كتاباً يهديه فيه إلى سبيل النجاة..

في كتبه كلّها [دساتير الدول] يحدّد الإمامُ للوالي [الحاكم] صفاتٍ يجب أن تتوافر فيه، وفي جميع الذين يختارهم لمساعدته من كبار الموظّفين، صفاتٍ متفرّعة من قاعدتين أساسيّتين هما التقوى والعدل.

لم يطلب إلى عمّاله، أمراً لم يقم هو نفسه به، فقد كان تعليمه لهم بسيرته، قبل تعليمه بلسانه: مارس السياسة وشؤون الحكم في حياة النبيّ، لا سيّما حين كان والياً على اليمن، وفي عهد الخلفاء الثلاثة الأوائل، في مراقبة أعمالهم، وتقديم النصيحة لهم حين تقتضي الضرورة ذلك. ومن المشهور أنّه حين كان والياً على اليمن أبى على بعض الصحابة أن يركبوا إبلَ الصدقةِ، وأقالَ العامل الذي أذِن لهم أن يركبوها في غيبته، وهو منصرفٌ إلى الحجّ. وشاعت هذه القصّةُ لأنّ أناساً شكوه إلى رسول الله (ص)، فأنكر شكواهم وقال «لقد علمتُ أنّه جيشٌ في سبيل الله»([4]).

أمّا الكتاب الموجّه إلى مالك الأشتر([5])، أطول عهود عليٍّ وأجمعها([6])، فيمثّل التطبيق العمليّ للمفاهيم الدينيّة الكلّيّة (القرآنيّة والحديثيّة) على أرض الواقع، بعد اتساع رقعة الدولة، وخروجها من نطاقِ الحجازِ إلى الأمصار البعيدةِ، التي أسلمَ أهلُها على أملِ الشعورِ بإنسانيّتهم التي وعدهم بها الدين، وانتهكها ولاة الجَوْر، لا سيّما في مصر، التي شهدت في تاريخها الممتدّ إلى غابر الأزمان أنظمة سياسيّة واقتصاديّة ورعائيّة مختلفة، ومنها خرج معظم الثوّار المطالبين الخليفة الثالث بإقالة ولاة الجور ، والمتطلّعين إلى نظامٍ عادلٍ كالذي وعدهم الدينُ به .

لكنّ خلافة عليٍّ لم تستمرَّ أكثر من أربع سنواتٍ ونصف السنة، أي إلى حين استشهاده في 17 رمضان سنة 41 ه [24 ك 2 661م]، أمّا الأشتر فاستُشهد قبل أن يؤدي مهمّته، لذلك فاِنَّ ما دعا إليه الإمام بقيَ أنموذجاً معياريّاً للحكم المرتجى المطلوبِ، والبعيدِ المنال، بعد الانقلاب الأمويّ على نظام الخلافة، في ظلِّ الخلفاء الأباطرة، والسلاطين الذين جعلوا الدين إيديولوجيا للحكم، يُسوّغون به ظُلمَهم وتحكُّمَهم برقاب الناس، منذ اللحظة التي أعلن فيها معاوية في مسجد المدينة([7])، في عام الجماعة سنة 41 هـ / 663 م أمام الناس أنَّه وليِّ الخلافة (الملكَ) ليس بمحبّة علمها من القوم، وإنّما لأنّه جالدهم بسيفه مجالدةً. معلناً صراحةً القطعَ مع مؤسّسةِ الخلافة، من دون أن يتطرّق إلى الكتاب والسنّة، محدّداً الطريق الذي سيسلكه: طريقٌ لهم وله فيه منفعةٌ متبادلة: مؤاكلة حسنة ومشاربةٌ جميلة: المِكيافيليّة بأوضح مظاهرها وتجليّاتها...

وإذا كان التاريخ الإسلاميّ لم يَعدَمْ طيلة ما يقارب خمسة عشر قرناً بعضَ الحكّام الصالحين، هنا وهنالك في أنحاء العالم الإسلاميّ شرقاً وغرباً، إلّا أنّ الدولة الإسلاميّةَ المرتجاة، كما وصفها عليٌّ (ع)، ظلَّت حلماً مرتجى، لنشاهدَ تجليّاتها في العصر الحديث في بعض الأنظمة الاجتماعية العالميّة، أو محاولة تطبيقها منذ العقد الثامن من القرن العشرين عمليّاً في الجمهوريّة الإسلاميّة الإيرانيّة...

بدأ الكتاب بتحديد دورِ الدولةِ الإسلاميّةِ ووظائفها وسماتها:

الدولة الإسلاميّة، رأسُها الخليفة: المرجِع الدينيّ والزمنيُّ الذي عليه أن يراقبَ سيرَ الأمور في الولايات، والوالي هو الذي يتولّى حكمَ أحد الأمصار [هو اليوم رئيس الجمهوريّة أو رئيس الوزراء]، وصف الخليفة نفسه بأنّه عبدُ الله، مع ما يعنيه ذلك من تأكيدٍ على السير على هَدْيِ كتابِ الله، وليس إمبراطوراً يملك الأرضَ ومن عليها.

 الوالي: يُعيّنه الخليفة، ويحدّد له دوره ومهامّه، هو عبدٌ لله كذلك، هو الحاكم لكنّ الخليفة الذي ولّاه يراقب عمله، والله فوق من ولّاه، وأَمَرَه أن يردّ إلى الله ورسوله ما يضلعه من الخطوب، والردُّ إلى الله معناه الأخذُ بمحكم كتابه، والردُّ إلى الرسول معناه الأخذ بسنَّتِهِ الجامعة غير المفرّقة.

في المقدّمة أجمل كذلك الكلامَ على مهامّ الحكومة:

هذا ما أمر به عبدُ الله عليٌّ أميرُ المؤمنين مالِكَ بنَ الحارثِ الأشترَ في عهده إليه، حين ولّاه مصرَ: جِبايةَ خَراجِها، وجهادَ عدوِّها، واستصلاحَ أهلِها، وعِمارةَ بِلادِها.

جباية الخراج (استيفاء الضرائب لتأمين ميزانيّة الدولة)
جهادُ العدوّ.
إصلاح أهل البلاد: أي: النظر في أمورهم المعاشيَّة والحياتيّة، وإصلاح نفوسهم.
4-عِمارة البلاد.

صفات الوالي [الحاكم أو الرئيس]:

يجب أن يكون تقيّاً مطيعاً لله متّبعاً ما أمر به في كتابه من فرائضه وسننه، وأن ينصر الله بقلبه ويده ولسانه، وأن يكسر نفسه من الشهوات ويزعُها عند الجمحات، لأنّ النفس أمّارة بالسوء الّا ما رَحمَ الله. عليه أن يلبّي طموحات الناس وتوقّعاتهم: هؤلاء الذين جرت عليهم (كما هو حال أهل مصر) دولٌ من عدلٍ وجور، سينظرون في أموره مثل ما كان هو ينظر إلى الولاة من قبله، وسيقولون فيه ما كان يقوله فيهم:

هذا كلامٌ موجّه إلى الحكّام في كلّ زمان ومكان، لا سيّما أولئك الذين يتولّون حكم البلاد بعد ثورة شعبيّة تطيح الحكّامَ الفاسدين. سيقارن الناس بينه وبين من سبقه، لذلك يجب أن يكون عند حسن ظنّ الناس به، وإنّما يُستدلُّ على الصالحين بما يُجري الله على ألسُن عباده. أن يكونَ العملُ الصالحُ أحبّ الذخائر لديه، وأن يملك هواه ويعفَّ عمّا لا يحلّ له، ولا يجب أن يتبجّح بعقوبةٍ([8])، وأن ينتبه إلى ما يبدر عنه من الحدّة عند الغضب، وألا يقول إنّي مؤمَّرٌ آمرُ فأُطاع.

ويجب على الحاكم أن يتواضَع ويتذكّرَ عِظَمَ ملكِ اللهِ فوقَه وقدرته منه، وأنْ لا يُسامي الله في عظمته ويتشبّهَ به في جبروته.

 ويجب أن يكون الحاكم منصِفاً: وذلك بأنْ يُنصِفَ الله ويُنصِفَ الناسَ من نفسه ومن خاصّةِ أهله وبِطانته.

وألا يكون ظالماً، ويجتهد في إرضاء عامّة الشعب، من دون الخاصَّة المقرّبين، لأنّ هؤلاء أي الخاصّة [البطانة]، يُثقلون عليه بالحاجات والمسائل والشفاعات.

ومن صفات الحاكم أو المسؤول العادلِ المنصفِ أن لا يتفرّد في الحكم، وأنْ يكونَ له مستشارون، وأن يُحسِنَ اختيار مستشاريه:

والمُستشارُ، لا يجب أن يكون نمّاماً مُظهراً لمعايب الناس، ولا بخيلاً يعدل بالحاكم عن الفضل ويعِدُه بالفقر، ولا جباناً يُضعفه عن الأمور، ويُحبطُ عزائمَه، ولا حريصاً يُزَيِّنُ له الشّرَهُ بالجَوْر، لأنَّ الجبنَ والحِرصَ غرائزُ شتّى يجمعها سوءُ الظنِّ بالله.

وعلى الحاكم العادلِ المنصفِ أن يُحسنَ اختيار وزرائه: ولا يجب أن يكون الوزير المختارُ، قد خدمَ الأشرار السابقين، لأنّ الظلمَ وتحسينه يكون قد تملَّك من نفسه، والله عزّ وجلّ قد نهى عن اتّخاذ المُضلّين عضُداً، ويمكنه أن يختارَ من له مثلُ آرائهم ونفاذِهم، وليس عليه مثلُ آصارهم وأوزارهم وآثامهم.

- على الحاكم أن يؤثِرَ ويُقرّب من مستشاريه ووزرائه أقولَهُم بمُرِّ الحقِّ له.

- على الحاكم أن يَلصَقَ بأهل الورع والصدق، وعليه أنْ يعوّدَهم أنْ لا يمدحوه في وجهه، ولا يبجّحوه بباطلٍ لم يفعلْه، كما هي عادة بِطانةِ الحكّام، وكان عليٌّ (ع) القدوةَ حين قالَ للرجلِ الذي أثنى عليه في وجهه ثناءً أوسعَ فيه، وكان عنده متّهماً: أنا دون ما تقول وفوق ما في نفسك.

- وعلى الحاكم أو المسؤول أن لا يكون المحسنُ والمسيءُ عنده بمنزلة سَواء، فإن في ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان، وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة:

إنّه قانونُ الثواب والعقاب، الذي يجب أن تسير عليه الدول في مختلفِ مؤسَّساتها ليستقيم أمرُها.

- وعليه أن لا ينقضَ السنن الصالحة التي عملَ بها من كان قبله وكان فيها صلاحٌ للرعيّة.

- وعليه أن يكثر من مُدارسة العلماء ومنافثة الحكماء في تثبيت ما صلُح عليه أمرُ البلاد، ولا يكون متفرّداً برأيه.

- ويجب عليه أن يحسم مادّة المتطاولين من خاصّته وبطانته، بأن لا يُقطعهم قطيعة، ويعقِدَ لهم عُقدةً تضرُّ بمن يليها من الناس في شرب أو عمل مشترك [تلزيمات الطرق والمباني ونظائرها في عصرنا الحالي]، يحملون مؤونته على غيرِهم، فيكونَ لهم غنمُه وعليه غُرمُه وعيبُه في الدنيا والآخرة.

- يجب على الحاكم أو المسؤول أن يُخصّص قسماً من وقته لذوي الحاجات، ويجلس لهم مجلساً عامّاً يتواضع فيه لله الذي خلقه، وأنْ يُقعِدَ عنهم جُندَه وأعوانه من حرسٍ وشرطة كي يكلّمه متكلّمهم من دون خوف أو وجل، فقد قال رسول الله: «لن تُقدّس أمّهٌ لا يؤخَذُ للضعيف فيها حقّه من القويّ غير مُتَتَعتِع».

صفات الحاكم النفسيّة:

- يحذّره من الإعجاب بنفسه، والثّقةِ بما يعجبه فيها، وحبِّ الإطراء.

- يحذّره من المنّ على الرعيّة بإحسانه، لأنّ المنّ يُبطل الإحسان.

- أو التزيّد في ما كان من فعله لأنّ التزيّدَ يذهبُ بنورِ الحقّ.

- أو أن يَعِدَ الناس بأمرٍ فيُخلِفَ الوعدَ، لأنّ الخُلفَ يوجبَ المقت عند الله والناس، وقد قال تعالى )كَبُر مَقْتَاً عِنْدَ اللهِ أَنْ تَقُوْلُوا مَا لَا تَفْعَلُوْنَ(.

- يحذّره من أن يتعجّل الأمورَ قبل أوانها، أو التساهل فيها عند إمكانها: أي أن يضع كلَّ أمرٍ موضِعَه.

- أن لا يستأثر بما الناسُ فيه أسوة.

- عليه أن يكون منصفاً، فيتذكَّرَ ما مضى لمن تقدّمه من حكومة عادلة، أو سنّة فاضلة، أو أثرٍ عن النبيّ أو فريضة في كتاب الله.

الرّعيّة (الشعب):

- يجب أن يكون الحاكم رحيماً ومحبّاً للرعيّة، ولطيفاً بهم. وأن لا يكون سبعاً ضارياً يغتنمُ أكلَهم [ ديكتاتوراً]، فإنّهم صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، وإمّا نظيرٌ لك في الخلق، وأن لا يميّز بين الناس على أساس الدين أو المذهب أو العرق، فالناس كلّهم نظراء في الخلق: أعلى قمم الإنسانيّة، في عصر كان فيه بعض العرب الفاتحين إن لم نقل جلَّهم، يعاملون سكّان البلاد المفتوحةِ معاملةً عنصريَّة مناقضة لتعاليم الإسلام، جملةً وتفصيلاً، ولقوله عزّ وجلّ " إنّ الذين آمنوا، والذين هادوا، والصابئين والنصارى من آمن بالله واليومِ الآخِرِ وعَمِلَ صالحاً فلا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون" ([9])

ومع قوله عزّ وجلّ: " إنّ الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا، إنَّ اللهَ يفصِل بينهم يومَ القيامةِ، إنَّ اللهَ على كلِّ شيءٍ شهيد"([10])

يقول له: أعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحبّ أنْ يعطيكَ الله من عفوه وصفحه فإنّك فوقهم ووالي الأمر عليك فوقَك والله فوقَ من ولّاك.

هذه هي الحكومة الدنيويّة - الدينيّة: الله هو الحاكم من خلال كتابه، والخليفة (وليّ الأمر) يعمل بما أمر الله به، ويراقب مدى التزام الحكّام الذين يعيّنهم بالنظام المستمدّ من القواعد العامة التي وردت في كتاب الله:

إنّ أيّ مخالفة يقوم بها الحاكم، وأيّ إجحاف بحقّ الرعيّة، إنّما هو تحدٍّ لله عزّ وجلّ:

ولا تنصبنّ نفسك لحربِ الله، فإنّه لا يَدَيْ لك بنقمته.

والرعيّة: الشعب، طبقات أو فئات، لا يصلح بعضُها إلّا ببعض ولا غنى لبعضها عن بعض: الجند، والكتاب والقضاة، والعمال (الموظفون)، ومؤدّو الجزية والخراج [الضرائب] من التجّار وذوي الصناعات، ثم الطبقة السفلى من أهل الحاجة والمسكنة المحتاجين إلى الرفد والمعونة.

واعلم أنّه ليس شيءٌ بأدعى من حسن ظنِّ راعٍ برعيّته من إحسانه إليهم وتخفيف المؤونات عليهم، لأنّ إحسانه إليهم يجعلهم يُحسنون الظنَّ به، ولا ينتهزون الفرصة لعصيانه.

الجيش: الجنود حصن الرعيّة وسُبُل الأمن، وليس تقوم الرعيّة إلّا بهم، لذلك يجب أن يُخَصّص جزء من الخراج (من ميزانيّة الدولة) للجنود يتقوّون به على جهاد عدوّهم، ويكون ملبّياً لجميع حاجاتهم دافعاً لها. أما أمراء الجيش من الجنود، فلا يجب أن يُوَلّى منهم، إلّا من كان أنصحَهم لله في ظنّه وأطهرَهم جيباً، أي: عفيفاً أميناً، كي لا تبدرَ منهم خيانة، أو يطمعوا بالغنائم، الرحماء الذين يكثُرُ ذكرُ أفعالهم لتهزَّ الشجاعَ وتحرِّضَ الناكل.

ويجب على رؤساء الجند أن يتفقدوا أحوال جنودهم كما يتفقد الوالدان ولدهما. ولا ينقصوهم شيئاً مما فُرضَ لهم، كما يجب أن يشمل العطاء أهل الجنود وعوائلهم.

القضاة :

يجب أن يكون القاضي من أفضل الرعيّة، لا تضيق به الأمور، ولا تمحِّكه الخصوم، ولا يتمادى في الزلَّة ولا تُشرف نفسه على طمع، لا يكتفي بأدنى فهمٍ دون أقصاه، ولا يقف عند الشبهات، وإنّما يأخذ بالحجج، ولا يتبرَّم بمراجعة الخصم، ويصبر إلى أن تتكشَّف له الأمور، ويكون صارماً عند اتضاح الحكم، لا يزدهيه إطراءٌ، ولا يستميله إغراءٌ، ومثل هؤلاء القضاة برأي الإمام قليلٌ عددُهم.

النقطة اللافتة، التي تسيرُ عليها الدول الحديثة، هي أن تكون رواتب القضاة مرتفعة، ومكانتهم كذلك، كي لا يتعرّضوا للإغراءات الماديّة، فتنحطّ منزلتهم، وتخضع أحكامهم لأهواء الراشين يقول الإمام... وافسح له [للقاضي] في البذل ما يُزيل علَّتَه وتقلُّ معه حاجته إلى الناس، واعطه من المنزلةِ لديك ما لا يطمع فيه غيرُه من خاصّتك، ليأمنَ بذلك اغتيال الرِّجالِ له عندك. فانظر في هذا نظراً بليغاً، فإنَّ هذا الدين قد كان أسيراً في أيدي الأشرار، يُعمل فيه بالهوى، وتُطلَبُ به الدنيا.

العمّال [الموظّفون]:

يجب أن يتمّ اختيار العمّال [الموظفين] اختباراً [كأنّه يقول من خلال المباراة التي تُجريها مجالس الخدمة المدنيّة في العصر الحديث] ، وأن لا يولّيهم محاباةً وأَثَرَةً [بالواسطة]، ويجب أن يكونوا الأكرمَ أخلاقاً والأصحَّ أعراضاً [من ذوي السجلّ العدليّ النظيف]، والأقلَّ طمعاً، وأن تكون رواتبهم كافية لمعيشتهم:

ثمَّ أسبغ عليهم الأرزاق، فإنَّ ذلك قوّةٌ لهم على استصلاح أنفسهم وغنًى لهم عن تناول ما تحت أيديهم، وحُجَّةٌ عليهم إن خالفوا أَمرَك أو ثَلَموا أمانَتَك.

التفتيش والمراقبة:

وليستقيمَ عمل الموظَّفين، لا بدّ من تفقُّدِ أعمالهم، وسلوكهم، بأنْ يبعث من يراقبهم [المفتشون والمراقبون]، شرط أن يكون هؤلاء من أهل الصدق والوفاء.

الخراج: [الضرائب - الخزانة العامّة]:

يجب اصلاح النظام الضريبي، واصلاح أهله، لأنّ الناس كلَّهم عيالٌ على الخَراج وأهله، لذلك يجب أن ينصبَّ اهتمامُ الحاكم على عِمارة الأرض أكثر من اهتمامه باستجلاب الخراج، وتحصيل الضرائب لأنّ من طَلَبَ الخَراج بغير عِمارة أخرب البلاد وأهلك العِباد...

أمّا إنْ حدثت كوارث طبيعيّة كانقطاع المياه وجفاف الأرض، أو أغرقت السيول المزارع، فيجب أن تُخفّف الضريبة عن كواهل الناس، كي لا تخرب الأرض، لأن خراب الأرض يؤتى من إعواز أهلها، وإنّما يُعوِزُ أهلُها لإشراف أنفس الولاة على الجمع، وسوء ظنّهم بالبقاء، وقلّة انتفاعِهم بالعِبَر.

الكتّاب [الأمناء على الأسرار]:

يجب أن يُولّي الحاكمُ من الكتّابِ خيرَهم، وأن يوكل أمرَ الرسائل السرّيّة إلى من يجمع صالح الأخلاق ولا تُبطِرُه الكرامة... كما يجب عليه أن يختبر الكتّابَ الذين وُلُّوا للصالحين قبله [من ذوي التجربة]، وأن يختار أحسنَهم في العامَّة أثراً، وأعرَفَهم بالأمانةِ وجهاً، فإن ذلك دليلٌ على نصيحته لله، ولِمَن وُلِّيَ أمرَه...

التجّار وذوو الصناعات:

يوصيه بالتجّار وذوي الصناعات القيمين وغير المقيمين، لأنّهم موادُّ المنافع وأسبابُ المرافق، وعليه أن يمنع الاحتكار، لأنّ ذلك بابُ مضرّةٍ للعامّة، وعيبٌ على الولاة... وليكن البيع بيعاً سمْحاً بموازين عدلٍ وأسعارٍ لا تجحف بالفريقين البائع والمُبتاع.

الرعاية الاجتماعيّة

يؤكّد الإمام على حقوق المساكين والمرضى والعَجَزَة والأيتام، بأن يُخصَّص لهم قسمٌ من بيت المال [أي: أنّ ميزانيّة الدولة يجب أن تلحظ باباً خاصّاً للمحتاجين إلى الرعاية]، وأنْ يُفرَّغ لهم أشخاصٌ من أهل الثقة والخَشية والتواضع لتفقّد أمورِهم...

وفي آخر العهد يقول (ع) :

وأنا أسأل اللهَ بسِعة رحمتِه وعظيم قدرته على إعطاءِ كلِّ رغبةٍ، أن يوفِّقَني وإيّاك لما فيه رضاه، من الإقامة على العذرِ الواضح إليه وإلى خَلْقِه، من حسنِ الثناء في العباد، وجميل الأثرِ في البلاد، وتمامِ النعمةِ، وتضعيفِ الكرامة، وأنْ يَختِم لي ولك بالسعادة والشهادة، إنّا إلى الله راغبون، والسلام على رسول الله صلّى الله عليه وآله الطيّبين الطاهرين.

كلمة في بنية النصّ:

النصّ سياسيّ مرتبط ارتباطاً وثيقاً بالواقع: أي: إنّه ملتصق بالمرجع: التاريخ، والدافع، والواقع السياسي في عصر الإمام.

للنصّ عنوان عام (العهد) وبما أنّه كذلك فمعنى ذلك أنّه قولٌ واحدٌ متماثل:

فالعهد هنا هو كتاب التعيين: يرسم فيه الخليفة الخطوط العامّة الواجب عليه اتباعُها، ويُحدّد له من السطر الأول دورَه الذي يتلخّص في أنّه اقتصاديّ عسكري، رعائي عمرانيّ، ويتدرج النص من هذا العنوان العام، إلى وحدات تركيبيّة متوازية ومتداخلة في الوقت عينه، تعتمد التدرج من العام إلى الخاص، ومن الخاص إلى العام من بداية النص إلى نهايته، وكلُّها لها غاية محدّدة: تثبيت مفهوم الحقّ وتبيان وجوهه: حقّ الله على الحاكم، وحقّ الرعيّة على الوالي، والإمام في المنطلق وفي التفاصيل يربط بين الجانبين الديني والدنيوي ترابط تلازم وحتميّة، ولهذا الموقف بعدان:

بعد دينيٌّ صادر من مؤمنٍ مؤتَمَنٍ على أمور الدين.

وبعدٌ شخصيّ: يعبّر عن إنسانيّة الخليفة وأسلوب تعاطيه مع الحكم.

البعد الأوّل أي: التوجّه الدينيّ، لا يُلغي دور العقل، يُشهد على ذلك ما رأيناه في النص من تفصيل وبعد نظر في الكلام على علاقة الوالي (الحاكم المثالي) بالرعيّة:

هي دعوة من عليّ .. إلى ممارسة الحكم كما يجب أن يكون لا كما هو في الواقع، أو كما كان قائماً من قبل. أي: علاقة الحاكم بالرعيّة كما هو محدّد في الشرع. وقد تجلّى كلّ ذلك بأسلوبٍ سلسٍ بارعٍ، متدرّجٍ تدرّجاً منطقيّاً بعبارات وجمل توسّعت من الداخل، وتفرّعت لتحتضن الجدليّة المنطقيّة التي تميَّزَ بها أسلوب الإمام، وقد صيغت تلك الجمل بأسلوب منطقيّ اعتمد التداخل بين الإنشاء في العبارات الموجَّهة إلى الوالي (الخاص)، والخبر في العبارات الحكميّة ذات البعد الديني العام، وكأننا في كلّ تركيب أمام معادلة دقيقة التركيب في مقدّماتها والنماذج:

كقوله على سبيل المثال متدرّجاً من الخاصّ إلى العام:

- أمره أن يكسر نفسه من الشهوات ويَزعَها عند الجمحات:

فإنّ النفس أمّارة بالسوء إلا ما رَحِمَ الله

- إن الناس ينظرون من أمورك في مثل ما كنت تنظر فيه من أمورِ الولاة قبلك ويقولون فيك ما كنت تقول فيهم:

وإنّما يُستدلّ على الصالحين بما يُجري الله على ألسُن عباده.

- فليكن أحبَّ الذخائر إليك ذخيرةً العملُ الصالح، فاملكْ هواك وشحَّ بنفسك عمّا لا يحلّ لك:

فإنّ الشحَّ بالنفس الإنصافُ منها في ما أحبّت أو كرهت.

- أشعر قلبك الرحمةَ للرعيّة والمحبّة لهم واللطف بهم:

فإنّهم صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين أو نظيرٌ لك في الخلق.

- أنصف الله وأنصفِ الناس من نفسك ومن خاصَّة أهلك، فإنّك إلا تفعلْ تظلِم:

ومن ظَلَمَ عباد الله، كان الله خصمَه دون عباده، ومن خاصمه الله أدحض حجّته.

- لا تدخِلَنَّ في مشورتك بخيلاً ولا جباناً ولا حريصاً:

فإنّ البُخل والجُبنَ والحِرصَ غرائز شتى يجمعها سوءُ الظنّ بالله.

- ولا يكوننّ المحسن والمسيء لديك بمنزلةٍ سَوَاء:

فإنَّ ذلك تزهيداً لأهل الإحسان في الإحسان وتدريباً لأهل الإساءة على الإساءة.

أمّا الزّمان في النصّ فهو الحاضر والمستقبل:

صحيح أنّه زمان تاريخيٌّ محدّد، ولكنّه زمان عامٌّ مطلقٌ أيضاً، لأنّ الصفات، أو الأوامر الموجَّهة من الخليفة إلى الوالي، لا تتعلَّق بشخص الخليفة وحده أو بشخص الأشتر وحده، وإنّما ترتبط برؤية الدين إلى صفات الحاكم، أكان الأشتر أم كان زيداً من الناس: لذلك فإنّ حضور المرسِل (عليّ) والمُرسَل إليه (الأشتر)، لا يربط النص بالزمن التاريخيّ، وإنّما يظلُّ له حضوره الفاعل، المتحرّك، المتغيّر على مدى الدهر:

إنّها العلاقة المثلى بين الحاكم وأبناء شعبه، فإذا استعملنا مصطلحات حديثة: بدل الخليفة والوالي والخراج والعمارة مثلاً، فإنّنا نقع على نصٍّ سياسيّ معاصر ومستقبلي يصلح لكلّ زمان ولكلّ مكان...

هذا النص في السياق الفكري والثقافي لعصر صاحبه، وللعرب في حِينه [وفي كلّ حينٍ ربّما] يندرج في خانة (الرؤية المثاليّة) لأنّه سابق لعصره، ولظروف عصره، ولناسِ عصره، ملائم لزماننا وللمستقبل.


(*) الجامعة اللبنانيّة - الدراسات العليا.

* هوامش البحث *

([1]) ورد في أسباب النزول للنيسابوريّ (المتوفّى سنة 468هـ)، في ذكر أسباب نزول الآية 12 من سورة الحاقَّة "وتعيها أذنٌ واعية": قال رسول الله لعليّ "إنَّ الله أَمَرَني أن أُدنيك ولا أُقصيك، وأن أُعلِّمَكَ وتعي، وحقٌّ على اللهِ أن تعي"، "وأنت الأذن الواعية": أسباب النزول للإمام أبي الحسن عليّ بن أحمد الواحدي النيسابوريّ، مطبوعاً في ذيل تفسير كلمات القرآن الكريم بهامش القرآن الكريم للشيخ حسنين محمّد مخلوف. لاط. لاتا، ص 359.

وجاء في التفسير الكاشف للشيخ محمّد جواد مغنيّة، المجلّد السابع، ط. دار العلم للملايين بيروت 1980م. في تفسير الآية نفسها: "جاء في أكثر التفاسير القديمة والحديثة، ومنها تفسير الرازي والشيخ المراغي: أنّ رسول الله (ص) قال لعليّ بن أبي طالب:" إنّي دعوتُ الله أن يجعلَها أذنك يا عليّ" قال الإمام: فما سمعت شيئاً فنسيته، وما كان لي أن أنسى".

([2] ) نهج البلاغة: من وصيّته (ع) إلى كُميل بنِ زياد.

([3]) في كلامه على مسألةِ الخلاف بين عليٍّ ومعاوية يقول عبّاس محمود العقّاد: " إنّها كانت خلافاً بين نظامين متقابلَين وعالَمين متنافسين... أوهي كانت صراعاً بين الخلافة الدينيَّة كما تمثَّلت في عليٍّ بن أبي طالب، والدولة الدنيويّة التي تمثّلَت في معاوية بن أبي سفيان": العقاد، "عبقريّة عليّ" ضمن كتاب إسلاميّات، الهيئة العامّة للكتاب، القاهرة-بيروت، لاتا. ص61.

([4]) العقّاد، عبقريّة عليّ، ص 45.

([5]) هو مالك بن الحارث بن عبد يغوث بن سلمة بن ربيعة بن الحارث بن جُذيمة بن مالك بن النَّخَع النخَعِيّ، المعروف بالأشتر، وسمّي الأشتر لفقدانه إحدى عينيه بضربة أصابته يوم اليرموك... شهد معركتي اليرموك والقادسيّة، ومعركتي صفّين والجمل، كان الأشتر رجلاً شديد المراس في الحرب عنيداً عدوّاً لأعدائه. لذلك سعوا إلى قتله بالسمّ (سنة 37هـ) قبل أن يؤدّي مهمّته.

([6]) ورد نصّ الرسالة كاملاً في نهج البلاغة شرح الشيخ محمّد عبده، ص 604-630.

وفي نهج البلاغة شرح ابن أبي الحديد، مج 4، دار الأندلس، لاتا من ص 119-130.

([7]) راجع المقارنة بين خطبة معاوية في عام الجماعة وخطبة أبي بكر الأولى في كتاب القرآن والشعر، للكاتبة، ط3، دار المواسم 2010 .

([8]) كما فعل ويفعل الحكّام السائرون على خطى الحجّاج وزياد بن أبيه وأمثالهم: في كلّ الأمكنة وعلى مدى الأزمنة.

([9]) المائدة، 69.

([10]) الحج، 17.