البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

السلوك السلفي مرجعيات الفضاء والاجتماع

الباحث :  د. عادل بالكحلة
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  6
السنة :  السنة الثانية - ذو الحجة 1436هـ / 2015م
تاريخ إضافة البحث :  October / 11 / 2015
عدد زيارات البحث :  814
تحميل  ( 277.845 KB )
إشكالية المدعين للفكر الديني
في العالم المعاصر

أ.م.د عباس علي الفحام

مشكلة البحث
تعالج الدراسة قضية خطف الظاهرة الدينية ومصادرة صورها الحقيقية وتقديمها بشكل مغاير لما هي عليه بسبب الفهم السيء لمدعي الفكر الديني، وتطرح ضرورة التفريق بين ما هو أصيل ومبتذل وعميق وساذج للفصل بين صورة أصالة المبدأ وتشويه صورة مدعيه، ويمكن تحديد أوجه المشكلة بما يأتي:

قضية الفكر الديني والفصل بين الظاهرة ومستعملها.
إشكالية المدعين وأشكالهم.
البحث في الفكر الأصيل والحقيقي.

المدخل

«الدين والإنسان»

هل الدين أم الإنسان هو الغاية؟ كيف تتحدد علاقة الإنسان بالدين؟ ماذا يريد الإنسان من الدين والدين من الإنسان؟

إن محاولات الإجـابة على هـذه التساؤلات يتطلب المزيـد مـن الدراسـة لأنها ـ لا شك ـ شغلت الفكر الإنساني منذ فجر تاريخ الإنسان، فالدين يمكن تعريفه بأبسط مفهوم على أنه علاقة تنظم الإنسان (المخلوق) بخالقه من جهة وبالإنسان مع أخيه الإنسان من جهة ثانية. ومن هنا فإن الدين يستهدف الإنسان لأنه غايته التي يتكامل به، يبث الطمأنينة في النفس من عناء رحلة البحث عن الإجابة عن كثير مما يجهل فهمه كطبيعة مهمته في رحلة الحياة ومآل هذه الرحلة وفلسفتها بعد الموت، فضلا عن الهدف الرئيس الذي يبحث عنه الإنسان دائما في فطرته وهو إيجاد المتكامل الذي يلجأ إليه من أشكال الضيق النفسي الذي يفهم بعضه، وكثير منه مما لا يفهمه، هذا المتكامل الذي يخطئ الإنسان تفسيره على مر تاريخه فيصوره بهيأة صنم أو جرم سماوي أو شيء فيتخذه إلها يعبده ليؤمن له المجهول في رحلة الحياة وما بعد الحياة. وهنا تأتي رحلة الأنبياء ورسل السماء لهداية البشر الضال عن طريق الله تعالى فتقدم الرسالة المقدسة للناس وجوهرها توحيد عبادة الواحد الأحد وهو الله تعالى وتطهير النفس من الأدران والرذائل ليكون العباد بالمستوى اللائق لهذا المعبود العظيم، وهكذا كانت العبادة قوامها الحقيقي في قيم الفضيلة وإعلاء شأن بني الإنسان، وارتبط التوحيد بمعانيها النبيلة فلا عبادة مع سفك للدماء أو طغيان وتجبر في الأرض، ولا عبادة مع عصيان وعقوق للوالدين واعتداء على الحرمات وإضاعة للحقوق. ومن هنا جاء قوله تعالى على لسان قوم شعيب:

)قالُوا يا شُعَيْبُ أَ صَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ ما يَعْبُدُ آباؤُنا أَوْ أَنْ نَفْعَلَ فِي أَمْوالِنا ما نَشؤُا إِنَّكَ لأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ(([1]).

وقوله تعالى: )اتْلُ ما أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتابِ وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْـمُنْكَرِ وَلَذِكْرُ اللهِ أَكْبَرُ وَاللهُ يَعْلَمُ ما تَصْنَعُونَ(([2])؛ لأن الصلاة ليست مجرد طقوس غيبية، إنها منهج عملي يجب أن ينعكس شعوره على السلوك القويم والعمل اليومي النافع للفرد، وهكذا الأمر في شأن العبادات كلها التي تبدو في حقيقتها تخدم الفرد نفسه وتضمن له السعادة في الدارين الدنيا والآخرة .

الدين ـ إذن ـ وضح الحقوق والواجبات وفصل فيهما بموازين دقيقة، واتباعها وتنفيذها يضمن إقامة العدل الإلهي في الأرض وتجاهلها يسبب الكوارث والمآسي التي لا يمكن تصورها.

ولا ريب في أن ثمة كثيراً مما يتعسر على التوضيح المادي، ولا يستوعبه عقل الإنسان من قبيل ما بعد الموت أو الموت نفسه وقضية الروح، فهذه مسائل تحلها السماء ورسل السماء إلى بني البشر لأن فلسفات الأرض غير قادرة على تلبية الحاجة الطبيعية التي تهدئ فوران فضول النفس في معرفة مثل هذه القضايا الغيبية الجوهرية.

سمات الادعاءات والمدعين:

يشهد العالم اليوم تطرفا شديدا في الترويج للأيدلوجيات الدينية ومحاولات تعميمها على أيدي المتمسحين بلبوسها بعضها ظاهر واضح يتمثل بمدعي الفكر الديني الإسلامي، وبعضه الآخر يظهر بين حين وآخر من مدعي الأديان الأخرى كالمسيحية واليهودية، إن الإشكالية اليوم ليست في الظاهرة الدينية في حد ذاتها، بل في المستغلين لها، الذين يسيئون فهمها لغايات ضيقة، أو لقصور في الفهم فيوظفونها توظيفا سلبيا يشوه صورتها.

وبشكل عام يمكن تلمس أشكال هذه الادعاءات وتحديد سمات للمدعين بالصور الآتية:

أولا: التطرف:

يعدّ التطرف آفة أي فكر وعنصر هدم لأية أيدلوجية، وترادف التطرف دائما صفات سيئة كالعصبية والقسوة والعنف لأنه نتاج طبيعي لكل مدع لحقيقة لا يستطيع تمثيلها بحواره أو بسلوكه ،وما يشهده عالم اليوم مثال حي اتهمت به النظريات الدينية أبشع اتهام، لاسيما الفكر الإسلامي، إذ من الظلم أن يختزل فكر عظيم مبني على أساس التسامح واحتضان الآخر وحواره من مجموعة أفراد أساءت فهمه، وابتكرت نظريات فاسدة وساذجة بعيدة كل البعد عن روح الإسلام وأهله، ذلك الفكر الممتدة لأكثر من أربعة عشر قرنا ما عرف التطرف بها من قبل كما عرف اليوم، ومنشأ ذلك هو الفهم السطحي للشريعة الإسلامية، وابتعاد هؤلاء عن المنبع الحقيقي للفكر الإسلامي، إذ تركوا العمل بسنة النبي وأهل بيته صلوات الله عليهم أجمعين، وحتى بعض أصحابه إلى العمل بالفهم الملتوي والسطحي لشيوخهم في عالم اليوم.

وهنا ينبغي التأكيد على أن الفكر الإسلامي الحق ينبذ التطرف والعصبيات بأشكالها المقيتة كلها ويدعو إلى الحوار دائما، وقد عاشت تحت ظله الأديان كلها آمنة مطمئنة تمارس طقوسها كيفما تشاء، لم يكفرها أحد أو يفجر أماكن العبادة فيها. وليس التطرف اليوم شأنا وحيدا لمدعي الفكر الديني الإسلامي، بل نجد ثمة متطرفين في العالم يتبنون السلوك ذاته من الإقصاء ونبذ الآخر والعنف كما في نيجيريا أو ما يقوم به بعض المدعين كالقس الأميركي تيري جونز من حرق للقرآن أو الإساءة لشخص النبي محمد (ص)، أو ما جرى من مجزرة شباب الكشافة في النرويج التي راح ضحيتها العشرات من الشباب المسلمين وغيرهم، أليس ذلك أسوأ أنواع العنف؟ .

ولاشك في أن التطرف والعصبية في تبني الأفكار يولدان العنف دائما، ومن هنا ينبغي لفت أنظار العالم إلى ضرورة التفريق بين الفكر الأصيل وبين المدعي الساذج الذي يحاول اختطاف الصورة المشرقة لأي فكر ـ وليس الفكر الديني فقط ـ وتشويهها واستبدالها بأخرى قاتمة تحمل سماته ورائحة عفونته، ولعل الطائفة المسلمة الشيعية في العراق اكتوت قبل غيرها بنار المتطرفين المدعين. على أية حال يمكن تحديد أوجه الفكر الحر من الشواهد والأمثلة التي تقدمها بعض المواقف الإسلامية في عالمنا المعاصر ومنها:

مرجعية النجف الأشرف:

وقد قدمت أمثلة إنسانية حية تنظر إلى أبعاد المصلحة العامة من نواحيها كافة مرتبطة بطبيعة التشريع القائم على تنظيم علاقات الإنسان مع خالقه ومع نفسه، فهي تمثل أغلبية للشيعة إلا أنها تقدم نفسها مرجعا لكل المسلمين وليس لطائفة محددة، ويمكن التبيان ببعض الأمثلة:

سقوط البعثيين (1968-2003م):

مثّل حكم البعثيين للعراق أسوأ أنظمة الحكم التي قادت هذا البلد قديما وحديثا، لأن فكرهم كان قائما على التطرف وآلة القتل والتصفيات الجسدية للخصوم، وشهدت عقود نظام صدام حروبا عبثية أكلت الأخضر واليابس وأطلقت له اليد في القتل الجماعي، ولاسيما الشيعة والكرد، بحجة الحرب، وعلى مرآى ومسمع من العالم الذي زوده بالسلاح طوال عقد ثمانينيات القرن الماضي في الحرب العراقية الإيرانية، فكان أسلوبه باستعمال أسلحة الدمار الشامل كالكيماوي وقنابل النابالم أسلوباً شائعاً ومعروفاً، استعمل في الأهوار جنوب العراق وفي مأساة حلبجة شماله. وعند سقوط هذا النظام كانت وصايا المرجعية وفتاواها قائمة على عدم الخروج على القانون ومتابعة الأُمور من مجاريها القانونية، فكانوا بذلك العنوان الحقيقي للفكر الإسلامي الملتزم المستلهم تعاليمه من مبادئ أهل بيت النبي محمد (ص).

حرب الإبادة (2005-2008):

على الرغم مما لحق بطائفة الشيعة المسلمين في العراق بعد سقوط نظام صدام عام 2003م، من حرب إبادة شملت مختلف أصناف آلة القتل والدمار كالعجلات المفخخة والانتحارات الجماعية في أوقات الانقطاع إلى الله وزيارة أوليائه في بيوت العبادة والأماكن الدينية المقدسة عند المسلمين، تبنتها مجموعات متطرفة تدعي الدين، أقول على الرغم من ذلك كله لم نشهد فتوى لأي مرجع ديني في النجف يدعو إلى الرد بالمثل أو تبني عمليات انتقامية بل على العكس تماما كانت الإشارات دائما بضرورة الصبر والحفاظ على وحدة الصف.

الأقليات الدينية :

وفي العراق أقليات دينية تعرضت لهجمات وحشية من نفس المجموعات الإرهابية المدعية للفكر الديني- والإسلام منهم براء - مثل المسيحيين (الآشوريين والكلدانيين )، والصابئة، وقد كان للمرجعية الدينية موقف مشرف مع هؤلاء، إذ أدانت التعرض لهم وحرمت سفك دمائهم، ودعت إلى احتضانهم في المدن الآمنة ومنها النجف وكربلاء([3]). وهم في ذلك منطلقون من الاقتداء بالهدي القرآني الذي يقول:

)يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ(([4]) ، وبالسيرة النبوية ومن بعدها العلوية التي ترفض المسميات التمييزية كمصطلح الأقليات مثل قول الرسول (ص): «الناس سواء كأسنان المشط» ([5]) و«المسلم من سلم الناس من لسانه ويده»([6])، ووصايا الإمام علي (ع) مثل: «الناس صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق» ([7]) الذي كان لا يقبل أن يرى كتابيا يبيع ماء وجهه من أجل لقمة العيش في بلاد الإسلام، فقد روي «أنه مر بشيخ مكفوف كبير يسأل، فقال أمير المؤمنين: ما هذا؟ فقيل له: يا أمير المؤمنين انه نصراني. فقال الإمام: استعملتموه حتى إذا كبر وعجز منعتموه !! أنفقوا عليه من بيت المال»([8]) .

ثانيا: الانعزالية :

يجد المتدبر في شخوص المدعين نوعا خفيا من العقد النفسية القائمة على عدم الاختلاط بالآخر واتخاذ زوايا مظلمة من الحياة والانزواء فيها، ولا أعني بها مجرد الانعزالية المكانية، بل أقصد بها إقصاء العقل وعزله بعيداً عما يحيط به من أفكار. والتفاعل مع ما يتفق معه ويطابق ضيق أفقه فقط، وهو أمرٌ يغذي حالة العداء لكل ما هو جديد على فكره وجنسه مما يؤمن به، فهو لا يتقبل أية فكرة تعارضه ولا يجد في الاختلاف العلمي أي مصدر للغنى والثراء، وهو بعد أصلا لا يمتلك أدوات الحوار القائمة على احترام الآخر وتقبل معارضته، بل ولا يملك الدليل العلمي القاطع الذي يستند إليه في أطروحاته، إذ يناقضه التاريخ دائما وتتقاطع معه الشريعة والسنة في كل الأحوال، لذلك لا يجد بدا من اتخاذ قرار الانغلاق على نفسه والاكتفاء بها والانكفاء السلبي عليها.

وهؤلاء في الحقيقة مرضى خطيرون على المجتمع، لأنهم يشعرون بغربة قاتلة لا يستطيعون القضاء عليها إلا بتحطيم الجسد وتدمير ما حوله، لذلك ينبغي على العالم معالجة هذه الظاهرة ودراسة جذورها ومكافحة أسبابها مكافحة علمية، لدمج هذه الفئة في عالم اليوم الذي يطلق على نفسه بأنه قرية صغيرة واحدة بينما فيه مجموعات تعيش في عالم آخر من المجهول.

والعزلة من نتاج الفكر الضيق الذي يولد النفاق في التعامل مع الأشياء، إذ كيف يتم التعامل مع الحداثة في عالمنا المعاصر، فيشاهد التلفاز وتركب السيارات والطائرات، وتستعمل آلات تكنولوجيا الاتصال الحديثة كالانترنت ووسائل المعلومات من دون التأثر بها إيجابا والتفاعل معها، بل يجري العكس فنجد هؤلاء المدعين يشككون بهذه الحضارة ولا يبحثون إلا عن سلبياتها، لأنهم ببساطة ليسوا من صناعها، يستعملونها، ولكن لأغراضهم الفاسدة والمدمرة.

والغريب في أن هذه السمة أصلا تتناقض مع المأثورات الدينية التي ترى الإنسان عماد الحياة، وعمارة الأرض والسعي في مناكبها من أساسيات مبادئ الثواب والعقاب فيها، وكلها تعني الحركة الدؤوبة والعمل الجاد، وعلى صعيد الفكر الإسلامي ارتبط الإيمان بالعمل، فكثيرا ما يخاطب القرآن المؤمنين بقوله تعالى: )الّذِيْنَ آمَنُوا وَعَمِلُوا(، وفي المأثور النبوي «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً»، المسألة –إذن ـ موازنة دقيقة بين الواقعية وبين الغيب، لا واقعية حد الإفراط الذي ينسي علاقة الإنسان بخالقه، ولا غيب يغيب الإنسان عما يحيط به من أسرة ولذائذ مشروعة، وهنا استحضر شاهدا للإمام علي بن أبي طالب (ت40هـ) (ع) وقد عاد أحد أصحابه في البصرة وكان يملك دارا كبيرة([9]) فقال له الإمام: «ما كنت تصنع بسعة هذه الدار في الدنيا. أما أنت إليها في الآخرة كنت أحوج، وبلى إن شئت بلغت بها الآخرة تقري فيها الضيف وتصل فيها الرحم، وتطلع منها الحقوق مطالعها، فإذا أنت قد بلغت بها الآخرة. فقال له العلاء: يا أمير المؤمنين أشكو إليك أخي عاصم بن زياد. قال: وما له؟ قال: لبس العباءة وتخلى عن الدنيا. قال: عليَّ به. فلما جاء قال: يا عديّ نفسه لقد استهام بك الخبيث، أما رحمت أهلك وولدك. أترى الله أحل لك الطيبات وهو يكره أن تأخذها؟ أنت أهون على الله من ذلك. قال: يا أمير المؤمنين هذا أنت في خشونة ملبسك وجشوبة مأكلك. قال: ويحك إني لست كأنت، إن الله فرض على أئمة العدل أن يقدروا أنفسهم بضعفة الناس كيلا يتبيغ بالفقير فقره» ([10]).

وفي هذه الحوارية مضامين في غاية الأهمية، تتعلق بفلسفة الإمام (ع) إزاء الحياة الدنيا، أهي كما يشاع التخلي الواضح عما أنعم الله على الناس من حق التنعم بالحياة وعمارتها كما فعل عاصم بن زياد؟ من إجابة الإمام (ع) واستنكاره لهذا العزوف عن الدنيا عزوفا غير بناء نستطيع تبيان الفلسفة الإسلامية الحقة لطبيعة التعاطي مع قصة الحياة، تلك الطبيعة التي شوهت بشكل أعمى إلى هذا اليوم الذي يعد كثير من المسلمين مثل فعل عاصم هو التقرب الحقيقي إلى الله تعالى. ولذلك مثل هذا الفهم المغلوط التبس على عاصم فظن أن فعل الإمام (ع) في زهده هو نتاج الإعراض السلبي عن الحياة. والإمام (ع)، في الوقت الذي أشار فيه إلى الترف في سعة دار العلاء في الدنيا - التي ينبغي أن تكون في الحياة الأبدية وهنا يعني بسعة الدار المعنى المجازي أو الذي يسبق هذا الاستحقاق من العمل الصالح والفوز برضوان الله تعالى - أقول في الوقت، ذاته استدرك (ع) ولم ينكر مثل امتلاك دار واسعة، بل جعلها سبيلا للنجاة والفوز بدار الآخرة الأبدي بشروط هي: إقراء الضيف وصلة الرحم وإخراج الحقوق في خلالها، وهو معنى عام يمكن تخيله لقيم الفضيلة كلها كحل معضلات الناس بجمعهم في الدار بروح الأسرة الواحدة.

ثالثا: امتلاك الحقيقة المطلقة :

في جوهر الفكر الديني الأصيل لا أحد يدعي الإحاطة الكاملة بالحقيقة سواء كانت تلك الحقائق مجردة موضوعية أو تتعلق بالحقيقة المطلقة من جانب الخالق والسماء والغيب، بل يبقى العارفون الباحثون عن المعرفة الإلهية في حالة من البحث الدائم يستلذون بها ويجدون أنفسهم فيها. ولذلك نجد في البحث العلمي الديني الفقهي أو الأصولي أو الإخباري حالة من الاختلاف المبني على تعدد اجتهادات الباحثين المجتهدين استنادا لطبيعة الدليل الذي أوصله إلى تلك الحقيقة، وقد شاع عند العلماء قولهم:

نحن أتباع الدليل كيفما مال نميل:

ولا أحد يسفه رأي الآخر طالما كانت الابتناءات علمية قائمة على الاستنتاج والبرهان، وذلك شأن العلماء المسلمين الحقيقيين منذ فجر الإسلام حتى هذا اليوم. ولذلك يعد باب الاجتهاد المفتوح في الفكر الشيعي أحد أهم منافذ البحث العلمي ووسائل المعرفة ونشدان الحقيقة، أغنى العقل وأثراه كثيرا، بل وأعلى من شأنه أيضا، لما له من فضل في محاورة الآخر ومواكبة التطور الحاصل في عالم اليوم. ومن هنا أضطر مرة أخرى لضرب المثال في العقل الانفتاحي للباحث الحامل لفكر أهل البيت : الذي يضع الخيارات العلمية نصب عينيه ويحكم على وفق ما توصل إليه من دليل، إذ لن تجد فتاوى لدى مراجع الشيعة تتناقض مع العقل وتتخلف عن الركب العالمي فيما تبيحه الفطرة السليمة والأدلة الشرعية، كما نجدها عند غيرهم مما يضحك من قبيل تحريم الميكي ماوس أو حرمة جلوس الإناث على الكراسي أو رضاعة الكبير ومما هو كثير غيره أصبح موضع تندر وسخرية على سفاهة المدعين.

ما الذي جرى اليوم ـ إذن - حتى تبدلت الأفكار بهذا الشكل ووصل الأمر بالتكفير الذي لم يسلم منه حتى المسلم؟ الجواب: بسبب ادعاء فئة متطرفة مدعومة امتلاك الحقيقة، وأن غيرهم قاصر عن إدراكها، لذلك يوزعون ألفاظ الكفر والشرك على طوائف عديدة من المسلمين في كل مناسبة يمكن أن يظهروا فيها كالحج أو في مواقعهم الالكترونية على شبكات الاتصال الالكترونية. وهذه الظاهرة السلبية واضحة للعيان وتقليدية في المجتمع السعودي ولا سيما في المناسبات الدينية، إذ لا يتورع أي سادن في الكعبة الشريفة وفي الحرم النبوي وحتى في الشارع من اتهام غيرهم ولاسيما مخالفوهم من الشيعة والصوفية من إلصاق تهم الشرك بهم لمجرد أنهم يزورون النبي أو قبور أهله وأولاده في البقيع، دون أن يسألوا أنفسهم ولو لمرة واحدة: من أعطاكم الحق في هذا الادعاء وكيف توصلتم إلى امتلاك حقيقة الايمان والكفر بهذه الطريقة الغريبة عن روح الفكر الإسلامي الذي يخاطب العقل والقلب معا في الدعوة إلى الحوار واحترام معتقدات الآخر كقوله تعالى:

)وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ فَيَسُبُّوا اللهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ(([11]).

في تاريخ المسلمين صفحات مشرقة من الحوار المستند إلى القيم الإنسانية الرفيعة التي نعتز بها ونتخذها قدوة لنا في مخاطبة العالم في كل دور مثل مناظرات الإمام علي (ع) لعلماء اليهود والنصارى حول مختلف القضايا التاريخية وما يتعلق بالأنبياء والأمم السابقة وقضايا التوحيد والمعاد، وكمحاورة الإمام الباقر (ت114هـ) للعالم النصراني في الشام في ديره وأدب الإمام في جوابه حين سأله النصراني مبتدئا: « يا شيخ أمنّا أنت أم من الأمة المرحومة ؟ فقال الباقر: بل من الأمة المرحومة، فقال: أفمن علمائهم أنت أم من جهالهم؟ فقال: لست من جهالهم» وبدأت المسائل فيما بينهم حتى إذا تبينت سعة علم الإمام الباقر قال له العالم النصراني: ألم تقل ما أنا من علمائهم ؟ فرد الإمام: إنما قلت لك ما أنا من جهالهم»([12]).

بهذه العقلية المنفتحة على الآخر نحن نقتدي اليوم، ولا نؤمن بغير الحوار الإنساني في طرح ما نعتقد ونرى، وفي ذلك حقيقة وجودنا الإنساني وما نشأنا عليه.

رابعاً: السطحية :

هي النظر بعين واحدة إلى الظاهرة العلمية من دون إعمال العقل، وترادفها دائما مفردات السذاجة والبلادة في الطرح وهما أيضا نقيضا العمق والروية والغوص في الفكرة. وتسطيح الأيدلوجيات الدينية من ابتلاءات العصر الراهن، ابتليت بها جميع الأديان السماوية كاليهود والنصرانية والإسلامية بسبب المدعي لهذا الفكر أو ذاك. في اليهودية اعتقادات باطلة تبيح لمدعيها الاستئثار بالأرض وتشريد شعب بأكمله بحجج واهية. وفي النصرانية اعتقادات متناقضة كالادعاء بأن المسيح ابن الله، بل ويمكن القول إن ردات الفعل والدعوات إلى الإساءة إلى نبي الإسلام وحرق القرآن تسطيح آخر للأفكار وسذاجة في التعاطي مع الآخر، لأن النظريات لا تهاجم بسبب الفهم الخاطئ لمطبقيها..

وفي الإسلام اليوم الذي يعد الدين المغذي للعقل الإنساني لأنه دائما يربط النظرية بالتطبيق ويريد الانتقال بالمسلم المؤمن من الواقع إلى الغيب من قبيل السؤال المتكرر لعالم المسلمين وأميرهم علي بن أبي طالب: «فقال: هل رأيت ربك يا أمير المؤمنين ؟ فقال (ع): أفأعبد ما لا أرى؟ فقال: وكيف تراه؟ فقال: لا تراه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان. قريب من الأشياء غير ملامس. بعيد منها غير مباين. متكلم لا بروية، مريد لا بهمّة. صانع لا بجارحة. لطيف لا يوصف بالخفاء. كبير لا يوصف بالجفاء بصير لا يوصف بالحاسة. رحيم لا يوصف بالرقة. تعنو الوجوه لعظمته، وتجب القلوب من مخافته»([13]).

أقول: حتى هذا الفكر اليوم لم يسلم من محاولات تشويه صورته من المتمسحين بلبوسه المدعين له، ولعل ما نشهده اليوم من إلصاق الجرائم الإرهابية التي ملأت بلاد الإسلام قبل غيرهم من بلدان العالم هو أخطر تسطيح لفكرة الدين الإسلامي وأبشع محاولات تشويه صورته المشرقة على مر تاريخه. نعم نحن المسلمين نعترف بأن علينا اليوم تقع مهمة تشذيب الأفكار الدخيلة على الإسلام وتمييز الشاذ منها للخروج بلغة واحدة نخاطب بها العالم طالما نحن ننادي بالطبيعة الأممية للرسالة الإسلامية، وذلك جهد ليس باليسير ولاسيما إذا عرفنا أن هذه الصور السلبية التي تتطلع إلى مصادرة الإسلام الحقيقي تمتلك اليوم أدوات الثراء وجرأة التعدي على سفك الدماء من داخل البيت الإسلامي أي محاربة الإسلام بالإسلام. ولذلك ليس أمام العلماء المسلمين والمثقفين سوى طريق توحيد الخطاب وإخراج الوجه القاتم من الجسد الإسلامي المشرق.


خلاصة البحث

خلص البحث إلى جملة من الحقائق أهمها:

أولا: الدين يستهدف الإنسان لضمان سعادته في الدارين.

ثانيا: إساءة تطبيق الرسائل السماوية يعني فساد المطبقين لا فساد النظرية.

ثالثا: حدد البحث أشكال المدعين بالتطرف والانعزالية وادعاء امتلاك الحقيقة والسطحية .

رابعا: ينبغي أخذ الفكر الديني الإسلامي الصحيح من أهله الذي أثبت الواقع والتاريخ صحة انتسابه لهم وهم أهل بيت النبوة من الأئمة الطاهرين : .
--------------------------------------------
([1]) هود: 87.

([2]) العنكبوت: 45.

([3]) ينظر فتاوى السيد السيستاني .

( ([4]الحجرات: 13.

([5]) كنز العمال، المتقي الهندي: 9/38.

([6]) مسند أحمد، أحمد بن حنبل: 2/224 .

([7]) نهج البلاغة، الإمام علي (ع): 3/ 84.

([8]) تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي: 6/ 293، وسائل الشيعة (آل البيت)،الحر العاملي: 15/ 66.

( ([9]اسمه العلاء بن زياد الحارثي، نهج البلاغة: 2 / 187 – 188.

( ([10]نهج البلاغة: 2 / 187 – 188.

( ([11]الأنعام: 108.

( ([12]الكافي، الشيخ الكليني: 8 / 122 – 123.

( ([13]نهج البلاغة: 2 / 99 ـ 100.


* المصادر والمراجع *

القرآن الكريم.

تهذيب الأحكام، الشيخ الطوسي(ت 460هـ)، تحقيق وتعليق: السيد حسن الموسوي الخرسان، الطبعة: الثالثة، 1364 هـ، مطبعة خورشيد.
فتاوى آية الله العظمى السيد علي السيستاني دام ظله بعد عام 2003.
الكافي، الشيخ الكليني(ت329هـ)، تصحيح وتعليق: علي أكبرالغفاري، الطبعة: الخامسة- 1363 هـ، مطبعة الحيدري ـ طهران.
كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، المتقي الهندي، علاء الدين بن حسام الدين (ت 975هـ)، ضبطه وفسر غريبه: الشيخ بكري حياني، مؤسسة الرسالة، بيروت _ لبنان 1989م.
مسند أحمد، أحمد بن حنبل(ت241هـ)، دار صادر، بيروت .
نهج البلاغة، محمد عبده، مطبعة بابل ـ بغداد 1984م .
وسائل الشيعة (آل البيت :)، الحر العاملي (ت 1104هـ)، تحقيق: مؤسسة آل البيت: لإحياء التراث، الطبعة الثانية، 1414هـ، مطبعة مهر – قم.