البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

رؤية الله سبحانه وتعالى في المنام

الباحث :  الشيخ لؤي المنصوري
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  6
السنة :  السنة الثانية - ذو الحجة 1436هـ / 2015م
تاريخ إضافة البحث :  October / 11 / 2015
عدد زيارات البحث :  6051
تحميل  ( 314.189 KB )
رؤية الله سبحانه وتعالى في المنام

الشيخ لؤي المنصوري

تمهيد
من العقائد المسلّمة بين علماء السلفيّة هي إمكان رؤية الله سبحانه وتعالى, وقد عمموا إمكان هذه للمؤمنين وغيرهم, وقد ذهب إلى ذلك أيضاً علماء الأشاعرة, دون الشيعة والمعتزلة وبعض الفرق الأخرى, إذ ذهبوا إلى استحالة رؤية الله سبحانه وتعالى وعدم إمكان ذلك.

وقد قسّم السلفية رؤية الله إلى أقسام عدّة:

1ـ رؤية الله تعالى في الآخرة: وقد أجمعوا عليها جميعاً ولم يختلفوا فيها.

2ـ رؤية الله تعالى في الدنيا: فقد ذهب جمهورهم إلى امتناعها النقلي دون العقلي, وذهب بعضهم إلى إمكانها.

3ـ رؤية الله تعالى في المنام: وقد ذهب جمهورهم إلى إمكانها بل ووقوعها, بل جعلوا رؤية الله في المنام دليلاً على إيمان الرائي وتقواه.

وممّا يؤيد ما ذكرناه في الجملة, ما صرّح به الإمام النووي, حيث قال: (اعلم أنّ مذهب أهل السنّة بأجمعهم أنّ رؤية الله تعالى ممكنة غير مستحيلة عقلا وأجمعوا أيضا على وقوعها في الآخرة وأنّ المؤمنين يرون الله تعالى دون الكافرين وزعمت طائفة من أهل البدع المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة أنّ الله تعالى لا يراه أحد من خلقه وأن رؤيته مستحيلة عقلاً وهذا الذي قالوه خطأ صريح وجهل قبيح)([1]).

ففي كلمات النووي تصريح بيّن بإمكانيّة رؤية الله سبحانه وتعالى, بل وبإجماعهم على وقوع ذلك في الآخرة.

أمّا ما يتعلّق برؤيته في المنام فهو ما سنتناوله في هذه المقالة, ونترك تفاصيل رؤيته في الآخرة إلى موطن آخر.

منشأ الاعتقاد برؤية الله سبحانه وتعالى في المنام:

يظهر عند التتبع أنّ منشأ هذا الاعتقاد هو بعض النصوص التي نسبوها إلى النبي (ص) والدالة على رؤيته لربّه في المنام, منها ما رواه الترمذي في سننه, إذ أورد روايات عدّة حول الموضوع نقتصر منها على ما رواه الصحابي معاذ بن جبل.

قال الترمذي: (حدّثنا محمّد بن بشار, حدثنا معاذ بن هانئ أبو هانئ السكري, حدثنا جهضم بن عبد الله عن يحيى بن أبي كثير, عن زيد بن سلام, عن أبي سلام, عن عبد الرحمن بن عائش الخضرمي أنّه حدثه عن مالك بن يخامر السكسكي, عن معاذ بن جبل قال: احتبس عنّا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ذات غداة من صلاة الصبح حتّى كدنا نتراءى عين الشمس, فخرج سريعاً فثوّب بالصلاة, فصلّى رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتجوّز في صلاته، فلمّا سلّم دعا بصوته فقال لنا: على مصافكم كما أنتم, ثم انفتل إلينا فقال: أما إنّي سأحدثّكم ما حبسني عنكم الغداة: أنّى قمت من الليل فتوضأت فصليت ما قدر لي فنعست في صلاتي فاستثقلت, فإذا أنا بربي تبارك وتعالى في أحسن صورة فقال: يا محمّد، قلت: ربّ لبيك، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت: لا أدرى ربّ, قالها ثلاثاً ، قال: فرأيته وضع كفّه بين كتفيّ, قد وجدت برد أنامله بين ثدييّ, فتجلّى لي كلّ شئ وعرفت فقال: يا محمد . قلت: لبيك ربّ، قال: فيم يختصم الملأ الأعلى ؟ قلت: في الكفّارات، قال: ما هنّ؟ قلت: مشي الأقدام إلى الجماعات، والجلوس في المساجد بعد الصلاة، وإسباغ الوضوء في المكروهات، قال: ثم فيم؟ قلت: إطعام الطعام، ولين الكلام، والصلاة بالليل والناس نيام. قال: سل، قلت: اللهم إنّي أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات، وحبّ المساكين، وأن تغفر لي وترحمني، وإذا أردت فتنة في قوم فتوفني غير مفتون، وأسألك حبك وحب من يحبك وحب عمل يقرب إلى حبك. قال رسول الله (ص) إنّها حقّ فادرسوها ثمّ تعلّموها).

وعلّق عليه الترمذي فقال: (هذا حديث حسن صحيح, سألت محمد بن إسماعيل عن هذا الحديث فقال: هذا صحيح)([2]).

وفي الموضوع ذاته يقول الإمام الذهبي: (ولم يأتنا نص جلي بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم رأى الله تعالى بعينيه. وهذه المسألة مما يسع المرء المسلم في دينه السكوت عنها، فأمّا رؤية المنام، فجاءت من وجوه متعدّدة مستفيضة، وأما رؤية الله عياناً في الآخرة، فأمر متيقن تواترت به النصوص)([3]).

وقد رتّبوا على ذلك بحثهم العقدي, وعنونوا له عنواناً مستقلاً، وهو أنّ الله سبحانه وتعالى يُرى في المنام, وكتب بعضهم في ذلك رسائل وأبحاث منفصلة, ككتاب الرؤية لابن أبي الدنيا, وكرسالة (اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى) لابن رجب الحنبلي, وكذلك صرّحوا في كلماتهم برؤيته في المنام, بل نسبوا إلى مجموعة من علمائهم ومحدثيهم بأنّهم قد رأوا الله في المنام, وسنذكر الآن جملة من أقوال علمائهم في ذلك ونتبعها بذكر مناماتهم التي رأوها في رب العالمين.


تصريح علمائهم بإمكان رؤية الله في المنام:

عرفنا ممّا سبق أنّ رؤية الله في المنام ممكنة عند القوم, بل صرّح بعضهم بأنّها من علامات الإيمان, نورد مجموعة من أقوالهم في ذلك:

1ـ محمد بن سيرين (ت: 110هـ) حيث قال: (من رأى ربّه في المنام دخل الجنّة)([4]).

2ـ الإمام أبو محمد الدينوري, ابن قتيبة (ت: 276هـ):

قال في كتابه تعبير الرؤيا: باب معرفة الأصول: تأويل رؤية الله تعالى في المنام، قال المفسـرون: من رأى الله ـ عز وجل ـ بمكان شمل العدل ذلك الموضع، وأتي أهله الخصب والفرح والخير؛ لأنّ الله هو الحقّ المبين، له الدنيا والآخرة، وعنده مفاتح الرزق, وقال المفسرون في قول الله عز وجل: ) لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْـحُسْنى وَزِيادَةٌ ( يونس : 26, (النظر إلى الله).

وإن رآه ينظر إليه فهي رحمته له, وإن رآه معرضاً عنه فهو تحذير للذنوب, يقول الله عز وجل في قوم لا تنالهم رحمته: ) أُولئِكَ لا خَلاقَ لَـهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ ( آل عمران: 77.

ويقول الداعون في الدعاء: (اللهم انظر إليّ برحمتك)

وإن أعطاه شيئاً من متاع الدنيا: (فإنّ ذلك عِزٌّ وابتلاء من مصايب وأسقام تؤديه إلى رحمته,وكذلك إن رآه معه على فراش, أو في بيت, أو رآه يعظه, أو يعاتبه, أو يمرضه, أو يكتنفه: فذلك كله بِرَّه به, وعطفه عليه مع تمحيص واختبار منه؛ لأنّ الله ووعظه وإقباله: هو نظره لعبده بما يبقى له عنده, لا بما يزول عنه وليس يتغير هذا إلا أن يراه بغير ما هو أهله, أو على خلاف ما يوصف به جل جلاله؛ فيكون ذلك دليلاً على هوى في الدين من بغي وكذب عليه أو بدعة في الإسلام)([5]).

3ـ الإمام عثمان بن سعيد الدارمي (ت: 280هـ):

إذ قال: (وفي المنام يمكن رؤية الله تعالى على كلّ حال وفي كلّ صورة)([6]).

4ـ القاضي أبو يعلى الفراء , محمد بن الحسين(ت: 458هـ):

إذ قال: (جواز رؤيته سبحانه في المنام وهذا غير ممتنع في حقه (ص) أو في حق غيره من المؤمنين)([7]).

5ـ أبو القاسم القشيري (ت: 465هـ):

إذ قال ما حاصله: «إنّ رؤياه على غير صفته لا تستلزم إلا أن يكون هو، فإنّه لو رأى الله على وصف يتعالى عنه وهو يعتقد أنّه منزه عن ذلك لا يقدح في رؤيته بل يكون لتلك الرؤيا ضرب من التأويل»([8]).

6ـ الإمام البغوي, الحسين بن مسعود (ت: 510 هـ):

قال: (رؤية الله في المنام جائزة، قال معاذ عن النبي (ص): (إني نعست فرأيت ربي)، وتكون رؤيته جلت قدرته ظهور العدل ، والفرج والخصب والخير لأهل ذلك الموضع ، فإن رآه فوعد له جنة أو مغفرة ، أو نجاة من النار ، فقوله حق ووعده صدق ، وإن رآه ينظر إليه، فهو رحمته ، وإن رآه معرضاً عنه ، فهو تحذير من الذنوب ، لقوله سبحانه وتعالى: ) أُولئِكَ لا خَلاقَ لَـهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ(([9]) وإن أعطاه شيئاً من متاع الدنيا فأخذه ، فهو بلاء ومحن وأسقام تصيب بدنه، يعظم بها أجره لايزال يضطرب فيها حتى يؤديه إلى الرحمة، وحسن العاقبة)([10]).

7ـ القاضي عياض (ت: 544هـ):

قال: (إنّه لا نزاع في وقوعها وصحّتها فإنّ الشيطان لا يتمثل به تعالى كالأنبياء عليهم الصلاة والسلام)([11]).

وفي شرح مسلم للنووي أنّه قال: (واتفق العلماء على جواز رؤية الله تعالى في المنام وصحتها وإن رآه الانسان على صفة لا تليق بحاله من صفات الأجسام؛ لأن ذلك المرئي غير ذات الله تعالى إذ لا يجوز عليه سبحانه وتعالى التجسم ولا اختلاف الأحوال)([12]).

وتعقّبه بعضهم قائلاً: (إنّ الشيطان يتمثّل به تعالى دون النبي (ص) والفرق أنّ النبي بشر فيلزم من التمثل به اللبس بخلاف المولى فأمره معلوم)([13]).

8ـ القرافي, أحمد بن إدريس(ت: 684هـ)

قال: (فإذا رأى الرائي أنّه بالمشـرق وهو بالمغرب أو نحوه فهي أمثلة جعله الله تعالى دليلاً على تلك المعاني كما جعلت الحروف والأصوات والرقوم الكتابية دليلاً على المعاني، فإذا رأى الله تعالى أو النبي فهي أمثلة تضرب له بقدر حاله فإن كان موحداً رآه حسناً أو ملحداً رآه قبيحا وهو أحد التأويلين في قوله رأيت ربي في أحسن صورة)([14]).

9ـ ابن تيمية الحراني, أحمد بن عبد الحليم (ت: 728هـ):

قال: (وقد يرى المؤمن ربه في المنام في صور متنوعة على قدر إيمانه ويقينه، فإذا كان إيمانه صحيحاً لم يره إلا في صورة حسنة، وإذا كان في إيمانه نقص رأى ما يشبه إيمانه...)([15]).

وقال في موضع آخر: (ومن رأى الله عز وجل في المنام فانه يراه في صورة من الصور بحسب حال الرائى إن كان صالحاً رآه في صورة حسنة، ولهذا رآه النبى في أحسن صورة)([16]).

وقد صرّح بأنّ هذه العقيدة محل اتفاق بين المسلمين باستثناء الجهمية([17]).

10ـ شمس الدين الذهبي (ت: 748هـ):

حيث قال: (ولم يأتنا نص جلي بأنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلم رأى الله تعالى بعينيه. وهذه المسألة مما يسع المرء المسلم في دينه السكوت عنها، فأما رؤية المنام، فجاءت من وجوه متعدّدة مستفيضة، وأما رؤية الله عياناً في الآخرة ، فأمر متيقن تواترت به النصوص، جمع أحاديثها الدارقطني والبيهقي وغيرهما)([18]).

11ـ ابن كثير الدمشقي (ت: 774هـ):

في تفسير قوله تعالى: )ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْـمَلَإِ الأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ(([19]), حيث قال: (أي لولا الوحي من أين كنت أدري باختلاف الملا الأعلى؟ يعنى في شأن آدم عليه الصلاة والسلام وامتناع إبليس من السجود له ومحاجته ربّه في تفضيله عليه (ثمّ ساق حديث معاذ وقال بعده: ) فهو حديث المنام المشهور ومن جعله يقظة فقد غلط)([20]).

12ـ ابن حجر العسقلاني(ت: 852هـ) حيث قال:

(جوز أهل التعبير رؤية الباري عز وجل في المنام مطلقاً ولم يجروا فيها الخلاف في رؤيا النبي صلّى الله عليه وسلم، وأجاب بعضهم عن ذلك بأمور قابلة للتأويل في جميع وجوهها، فتارة يعبر بالسلطان وتارة بالوالد وتارة بالسيد وتارة بالرئيس في أي فن كان، فلما كان الوقوف على حقيقة ذاته ممتنعا وجميع من يعبر به يجوز عليهم الصدق والكذب كانت رؤياه تحتاج إلى تعبير دائما بخلاف النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا رؤي على صفته المتفق عليها وهو لا يجوز عليه الكذب كانت في هذه الحالة حقاً محضاً لا يحتاج إلى تعبير)([21]).

13ـ الملا علي القاري (ت: 1014هـ) :

قال في المرقاة بعد أن ذكر رؤيا النبي لرب العالمين في المنام:(وعلى هذا لم يكن فيه إشكال إذ الرائي قد يرى غير المتشكل متشكلاً ، والمتشكل بغير شكله. ثم لم يعد ذلك بخلل في الرؤيا ولا في خلد الرائي ، بل له أسباب أخر تذكر في علم المنام ، أي التعبير. ولولا تلك الأسباب لما افتقرت رؤيا الأنبياء : إلى تعبير)([22]).

14ـ العلامة الآلوسي (ت: 1270هـ):

قال: (فأنا ولله تعالى الحمد قد رأيت ربي مناماً ثلاث مرات وكانت المرة الثالثة في السنة السادسة والأربعين والمائتين والألف بعد الهجرة ، رأيته جل شأنه وله من النور ما له متوجهاً جهة المشرق فكلمني بكلمات أنسيتها حين استيقظت ، ورأيت مرة في منام طويل كأني في الجنة بين يديه تعالى وبيني وبينه ستر حبيك بلؤلؤ مختلف ألوانه، فأمر سبحانه أن يذهب بي إلى مقام عيسى (ع) ثم إلى مقام محمد صلى الله عليه وسلم فذهب بي إليهما فرأيت ما رأيت ولله تعالى الفضل والمنة)([23]).

15ـ محمد بن العربي التباني (ت: 1390هـ):

قال: (رؤية الله تعالى في المنام جائزة باتفاق العلماء)([24]).

16ـ عبد العزيز بن باز (ت: 1420هـ):

إذ أجاب على سؤال جاء فيه: ما حكم من يدعي أنه قد رأى رب العزة في المنام؟ وهل كما يزعم البعض أن الإمام أحمد بن حنبل قد رأى رب العزة والجلال في المنام أكثر من مائة مرة؟

فقال: (ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله وآخرون أنه يمكن أن يرى الإنسان ربه في المنام، ولكن يكون ما رآه ليس هو الحقيقة؛ لأنّ الله لا يشبهه شيء سبحانه وتعالى، قال تعالى : سورة الشورى الآية 11 ) لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ( فليس يشبهه شيء من مخلوقاته، لكن قد يرى في النوم أنه يكلمه ربه، ومهما رأى من الصور فليست هي الله جل وعلا؛ لأن الله لا يشبهه شيء سبحانه وتعالى، فلا شبيه له ولا كفو له.

وذكر الشيخ تقي الدين رحمه الله في هذا أنّ الأحوال تختلف بحسب حال العبد الرائي، وكل ما كان الرائي من أصلح الناس وأقربهم إلى الخير كانت رؤيته أقرب إلى الصواب والصحة، لكن على غير الكيفية التي يراها، أو الصفة التي يراها؛ لأن الأصل الأصيل أن الله لا يشبهه شيء سبحانه وتعالى.

ويمكن أن يسمع صوتاً ويقال له كذا وافعل كذا، ولكن ليس هناك صورة مشخصة يراها تشبه شيئاً من المخلوقات؛ لأنه سبحانه ليس له شبيه ولا مثيل سبحانه وتعالى ، وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى ربه في المنام، من حديث معاذ رضي الله عنه، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه رأى ربه، وجاء في عدة طرق أنه رأى ربه، وأنه سبحانه وتعالى وضع يده بين كتفيه حتى وجد بردها بين ثدييه، وقد ألف في ذلك الحافظ ابن رجب رسالة سماها: «اختيار الأولى في شرح حديث اختصام الملأ الأعلى» وهذا يدل على أن الأنبياء قد يرون ربهم في النوم، فأما رؤية الرب في الدنيا بالعيان فلا...

وأمّـا الـرؤيا في النوم التي يدعيها الكثير من الناس فهي تختلف بحسب الرائي ـ كما قال شيخ الإسلام رحمه الله ـ بحسب صلاحهم وتقواهم؛ وقد يخيل لبعض الناس أنه رأى ربه وليس كذلك، فإن الشيطان قد يخيل لهم ويوهمهم أنه ربهم، كما روي أنه تخيل لعبد القادر الجيلاني على عرش فوق الماء، وقال: أنا ربك وقد وضعت عنك التكاليف، فقال الشيخ عبد القادر: إخسأ يا عدو الله لست بربي ؛ لأن أوامر ربي لا تسقط عن المكلفين، أو كما قال رحمه الله، والمقصود أن رؤية الله عز وجل يقظة لا تحصل في الدنيا لكن قد تحصل الرؤية في المنام للأنبياء وبعض الصالحين على وجه لا يشبه فيها سبحانه الخلق، كما تقدم في حديث معاذ رضي الله عنه، وإذا أمره بشيء يخالف الشرع فهذا علامة أنه لم ير ربه وإنما رأى شيطاناً، فلو رآه وقال له: لا تصل قد أسقطت عنك التكاليف، أو قال: ما عليك زكاة أو ما عليك صوم رمضان أو ما عليك بر والديك أو قال لا حرج عليك في أن تأكل الربا... فهذه كلها وأشباهها علامات على أنه رأى شيطاناً وليس ربه.

أمّا عن رؤية الإمام أحمد لربه فلا أعرف صحتها، وقد قيل: إنّه رأى ربه، ولكنّي لا أعلم صحة ذلك)([25]).

وسيجيئ منّا ذكر رؤية أحمد لاحقاً فانتظر.

17ـ الشيخ محمد صالح العثيمين (ت: 1421هـ):

سئل في اللقاء المفتوح حول رؤية الله في المنام: السؤال: فضيلة الشيخ: بالنسبة لرؤية الله عز وجل في المنام، هل يصح القول بأن الرؤية يمكن أن تقع لأي مؤمن من المؤمنين؟

فأجاب: «رؤية الله تعالى في المنام في الدنيا -أما في الآخرة فليس هناك نوم- هذه جاءت في حديث اختصام الملأ الأعلى الذي أخرجه أهل السنن (أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه في المنام) ورؤية الله لغير النبي صلى الله عليه وسلم لا أعلم أنها ثابتة ولا أدري هل تقع أم لا؟ لكنه قد ذكر أن الإمام أحمد رحمه الله رأى ربه في المنام، وذكر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أن الإنسان قد يرى ربه في المنام، وذلك بأن الله سبحانه وتعالى يضرب له مثلاً بحسب تمسكه بالدين، يراه رؤية حسنة يكون في ذلك مساعدة له على التمسك بالدين والاستمرار على ما هو عليه، فالله أعلم. أنا أتوقف في أن الإنسان يرى ربه في المنام رؤيةً حقيقة، أما إذا كان الله تعالى يضرب له مثلاً يبين له تمسكه بدينه فهذا شيءٌ ليس بغريب»([26]).

فهو إذن يتبنى رؤية النبي لربه في المنام ويتوقف في رؤية الناس ولا يرى ذلك ممتنعاً.

18ـ الشيخ مقبل الوادعي (ت: 1422هـ):

إذ وُجّه له سؤال ما نصّه: هل يرى المؤمن ربه في المنام مع الدليل؟ وهل ثبت عن بعض السلف أنّهم رأوا ربّهم في المنام أم لا؟

فأجاب: (ليس هناك ما يمنع، وقد جاء في حديث معاذ وحديث عبد الرحمن بن عائش وابن عباس، وبعضهم يقول: إنّها ترتقي إلى الحجية، جاء فيها أنّ النبي صلى الله عليه وسلم رأى ربه... لكن لو رأى الإنسان ربه وأتى بشيء يخالف التشريع الإسلامي الموجود فلا يقبل؛ لأنّ الذي رآه يحتمل أن يكون رآه حقيقةً، وأن تكون وساوس نفس، كما جاء أن الرؤيا تنقسم إلى ثلاثة أقسام: رؤيا من الله، وحلم من الشيطان، وحديث نفس، وزيادة على هذا أن النائم ليس بوعيه حتى يقبل ما رآه في منامه)([27]).

19ـ الشيخ ابن جبرين (ت:1430هـ):

سئل في شرح كتاب اعتقاد أهل السنة: هل من الممكن رؤية الله في المنام؟ وهل ثبت أن أحداً من السلف رأى الله؟

فأجاب: (الرؤية في المنام واقعة، والنبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر بقوله: ((رأيت ربي في أحسن صورة)) وذكر أنه وضع يده على صدره، وقال: ((حتى وجدت برد أنامله بين صدري)) وهذا تمثيل، والرؤيا المنامية إنما هي خيال، ولا يلزم منها أن يكون ذلك الذي رئي مشابهاً لله تعالى، فالإنسان يتخيل أنه رأى في المنام ربه، وأنه تهيأ له بكذا وكذا، ولكن لا يلزم أن يكون الرب مماثلاً لتلك الرؤيا، أو لذلك الشيء الذي تمثّل أمام ذلك الرائي) ([28]).

20ـ الشيخ محمد الحسن الددو الشنقيطي:

قال في سلسلة الأسماء والصفات: (اختلف في رؤية الله في النوم، فقالت طائفة من السلف: لا يمنع نص من رؤيته في النوم؛ لأن الرؤية في النوم إنما هي بالأرواح لا بالأشباح فليست راجعة للبصر، والنفي إنما جاء معلقاً بالأبصار بقوله: ) لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْـخَبِيرُ ( [الأنعام:103]، وعلى هذا فالرؤيا غير الرؤية، فيمكن أن يرى من الرؤيا لا من الرؤية في الدنيا.

وروي عن الإمام أحمد أنه رآه في النوم مرات كثيرة...)([29]).

إلى غير ذلك من الكلمات المبثوثة في كتب العقيدة والحديث والتي تتحدث عن إمكان رؤية الله في المنام.

فيمن رأى الله من الرواة والمحدثين والعلماء:

ذكرت كتبهم بأنّ هناك مجموعة من العلماء والرواة قد رأوا الله في المنام منهم:

1ـ أبو مرثد:

قال ابن تيمية في كلامه عن معنى النفس: (ويراد بالنفس عند كثير من المتأخرين صفاتها المذمومة فيقال فلان له نفس ويقال اترك نفسك ومنه قول أبي مرثد: رأيت رب العزة في المنام فقلت أي رب كيف الطريق اليك فقال: اترك نفسك، ومعلوم أنه لا يترك ذاته وإنّما يترك هواها وأفعالها المذمومة)([30]).

وأبو مرثد هذا إن كان الصحابي فهو كناز بن الحصين الغنوي توفي سنة 12 هـ, وإن كان غيره فلم نقف عليه إلى الآن, والمهم هو استدلال ابن تيمية بهذه الرؤية، الأمر الذي يعكس عقيدته في ذلك.

2ـ رقبة بن مسقلة العبدي (ت: 129هـ):

قال العجلي: (وكان ثقة مفوهاً يعد من رجالات العرب, ويروى عن جرير عن رقبة أنّه قال: رأيت ربّ العزة في النوم فقال: وعزتي وجلالي لأكرمنّ مثوى سليمان التيمي, وكان صديقاً لسليمان مؤاخيا له)([31]).

3ـ الإمام الأوزاعي, عبد الرحمن بن عمرو (ت: 157هـ):

أخرج ابن عساكر بسنده إلى عبد الله بن عروة قال: (سمعت يوسف بن موسى القطان يحدث أنّ الأوزاعي قال: رأيت ربّ العزة في المنام، فقال لي: يا عبد الرحمن أنت الذي تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، فقلت: بفضلك يا رب، فقلت: يا رب أمتني على الاسلام، فقال: وعلى السنّة)([32]).

4ـ يزيد بن هارون (ت: 206هـ):

روى الخطيب بسنده عن أحمد بن سنان، قال: (سمعت يزيد بن هارون يقول: رأيت رب العزة في المنام فقال لي: يا يزيد تكتب من حريز بن عثمان ؟ فقلت: يا رب ما علمت منه إلا خيراً، فقال لي: يا يزيد لا تكتب منه فإنّه يسب علياً)([33]).

ويزيد هذا, قال عنه ابن حجر: (ثقة متقن عابد)([34]).

5ـ سريج بن يونس (ت: 235هـ):

قال الذهبي: (قال عبد الله بن أحمد : سمعت سريج بن يونس ، يقول : رأيت رب العزة في المنام، فقال: سل حاجتك، فقلت: رحمان سر بسر، يعني: رأسا برأس (وعلّق الذهبي قائلاً:) قلت: كان سريج من الأئمة العابدين، له أحوال ، وكان رأساً في السنة)([35]).

وقال في تاريخه بعد نقل القصّة: (وكان سريج من الزهاد والعباد ببغداد ، له حكايات شبه الكرامات رحمه الله . وكان إماماً في السنة)([36]).

تنويه: قال ابن خلّكان: (ابن سريج أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج الفقيه الشافعي قال الشيخ أبو إسحاق الشيرازي في حقه ... كان من عظماء الشافعيين وأئمة المسلمين وكان يقال له الباز ...

وكان جده سريج رجلاً مشهوراً بالصلاح الوافر ...ورأيت في بعض الأجزاء أنه كان أعجمياً لا يعرف بالعربية شيئا وأنه رأى الباري سبحانه وتعالى في النوم وحادثه وقال له في الآخر: يا سريج طلب كن، فقال: يا خذا سر بسر قالها ثلاثاً، وهذا لفظ عجمي معناه بالعربية يا سريج اطلب فقال: يا رب رأس برأس كما يقال رضيت أن أخلص رأسا برأس، ثم وجدت في تاريخ بغداد أن صاحب المنام المذكور هو سريج بن يونس بن إبراهيم بن الحارث المروزي الزاهد العابد صاحب الكرامات، وكانت وفاته في شهر ربيع الأول سنة خمس وثلاثين ومائتين ببغداد رحمه الله تعالى ورأيت بالمنام جزءاً منفرداً متصل السماع بالإسناد إلى سريج المذكور، والقول الأول كنت سمعته من بعض المشايخ والله أعلم)([37]).

6ـ أحمد بن حنبل (ت: 241هـ):

نقل الإمام الذهبي بسنده إلى عبد الله بن أحمد بن حنبل قال: (سمعت أبي، يقول: رأيت رب العزة في المنام، فقلت : يا رب، ما أفضل ما تقرب به إليك المتقربون؟ قال: بكلامي يا أحمد . قلت: يا رب، بفهم، أو بغير فهم؟ قال: بفهم وبغير فهم)([38]).

وفي حاشية ابن عابدين, وهو يتحدث عن مناقب الإمام أحمد بن حنبل, قال: (رؤيته ربه تعالى في المنام قصة مشهورة ذكرها الحافظ النجم الغيظي. وهي أنّ الامام رضي الله عنه قال: رأيت رب العزة في المنام تسعاً وتسعين مرة فقلت في نفسي: إن رأيته تمام المائة لأسألنه: بم ينجو الخلائق من عذابه يوم القيامة . قال : فرأيته سبحانه وتعالى فقلت: يا رب عز جارك وجل ثناؤك وتقدست أسماءك ، بم ينجو عبادك يوم القيامة من عذابك؟ فقال سبحانه وتعالى: من قال بعد الغداة والعشـي ( سبحان الأبدي الأبد، سبحان الواحد الأحد، وسبحان الفرد الصمد، سبحان رافع السماء بلا عمد، سبحان من بسط الأرض على ماء جمد، سبحان من خلق الخلق فأحصاهم عدد ، سبحان من قسم الرزق ولم ينس أحد، سبحان الذي لم يتخذ صاحبة ولا ولد، سبحان الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفواً أحد ) نجا من عذابي اه‍ )([39]).

7 ـ أحمد بن خضرويه, أبو حامد البلخي (ت: 241هـ):

فقد روى ابن الجوزي عن جعفر بن علي الترمذي قال: (أحمد بن خضرويه قال: رأيت رب العزة في منامي فقال لي: يا أحمد كل الناس يطلبون منّي إلا أبا يزيد فإنّه يطلبني)([40]).

وأحمد هذا قال عنه الذهبي: (الزاهد الكبير الرباني الشهير، أبو حامد البلخي ، من أصحاب حاتم الأصم . قال السلمي: هو من جلة مشايخ خراسان...)([41]).

8ـ أبو يزيد البسطامي (261هـ):

قال ابن تيمية: (وقال الشيخ عبد القادر: ...

والحكاية المشهورة عن أبى يزيد البسطامى رحمه الله تعالى لما رأى ربَّ العزة في المنام فقال له كيف الطريق إليك، فقال: أترك نفسك وتعال، قال أبو يزيد: فانسلخت من نفسى كما تنسلخ الحية من جلدها)([42]).

9ـ الفتح بن شخرف(ت: 273هـ):

قال الخطيب: (أخبرنا إبراهيم بن عمر البرمكي، أخبرنا أبو الفضل الزهري عبيد الله بن عبد الرحمن قال: سمعت أبا الطيب المعلم يقول: سمعت البربهاري يقول: سمعت فتح بن شخرف يقول: رأيت رب العزة تعالى في النوم فقال: يا فتح إحذر لا آخذك على غرة, قال: فتهت في الجبال سبع سنين)([43]).

والفتح هذا كان رجلاً صالحاً عابداً زاهداً وفيه يقول أحمد بن حنبل: (ما أخرجت خراسان مثل فتح بن شخرف)([44]).

10ـ أبو بكر المقرئ البغدادي ابن مجاهد (ت: 324هـ):

قال عنه الصفدي: (شيخ القراء في عصره ومصنف السبعة, سمع جماعة وحدث عنه آخرون وكان ثقة مأموناً ... وقال أبو سعد السمعاني في اختيار تاريخ يحيى ابن منده: سمعت الإمام أبا المظفر عبد الله بن شبيب المقرئ يقول: سمعت أحمد بن منصور المذكر يقول: سمعت أبا بكر ابن مجاهد المقرئ يقول: سمعت الحسن بن سالم البصري يقول وهو صاحب سهل بن عبد الله التستري قال سمعت أبا بكر بن مجاهد المقرئ يقول: رأيت رب العزة في المنام فختمت عليه ختمتين فلحنت في موضعين فاغتممت لذلك، فقال لي: يا ابن مجاهد الكمال لي الكمال لي)([45]).

11ـ عبد الله بن إبراهيم بن واضح : أبو بكر الإصبهاني (ت: 345هـ):

قال الذهبي: (أحد العبّاد المذكورين, يقال إنّه رأى الحقّ تعالى في النوم مرتين, جاء ذلك عنه من وجهين)([46]).

12ـ عبد الله بن عبدان (ت: 433هـ):

قال عنه الذهبي: (شيخ همذان ، وعالمها ... وكان ثقة فقيهاً ، ورعاً جليل القدر ممن يشار إليه .

قال شيرويه : رأيت بخط ابن عبدان: رأيت رب العزة في المنام ، فقلت له: أنت خلقت الأرض و خلقت الخلق ثم أهلكتهم, ثم خلقت خلقاً بعدهم, وكأني أرى أنّه يرتضي كلامي ومدحي له، فقال لي كلاماً يدل على أنّه يخاف علي الافتخار بما أولانيه، فقلت له: أنا في نفسي أخس, ووقع في ضميري: أخس من الروث, ثم قال لي: أفضل ما يدعى به: ألا له الخلق والأمر)([47]).

13ـ أبو القاسم القشيري (ت: 465هـ):

قال ابن خلّكان: (قال أبو القاسم القشيري: رأيت رب العزة عز وجل في المنام وهو يخاطبني وأخاطبه، فكان في أثناء ذلك أن قال الربّ تعالى إسمه، أقبلَ الرجل الصالح، فالتفتُّ فإذا أحمد الثعالبي مقبل)([48]).

14ـ أبو المظفر السمعاني, منصور بن محمد (ت: 489هـ):

ترجمه الذهبي وقال: (الامام العلامة، مفتي خراسان، شيخ الشافعية، أبو المظفر منصور بن محمد بن عبد الجبار بن أحمد التميمي، السمعاني، المروزي، الحنفي كان، ثم الشافعي... قال عبد الغافر في ( تاريخه ): هو وحيد عصره في وقته فضلاً وطريقة، وزهداً وورعاً، من بيت العلم والزهد، تفقه بأبيه، وصار من فحول أهل النظر، وأخذ يطالع كتب الحديث، وحج ورجع، وترك طريقته التي ناظر عليها ثلاثين سنة، وتحول شافعياً، وأظهر ذلك في سنة ثمان وستين، فاضطرب أهل مرو، وتشوش العوام، حتى وردت الكتب من الأمير ببلخ، في شأنه والتشديد عليه، فخرج من مرو، ورافقه ذو المجدين أبو القاسم الموسوي، وطائفة من الأصحاب، وفي خدمته عدة من الفقهاء، فصار إلى طوس...

وسمعت شهردار بن شيرويه، سمعت منصور بن أحمد، وسأله أبي، فقال: سمعت أبا المظفر السمعاني يقول: كنت حنفياً، فبدا لي، وحججت، فلما بلغت سميراء، رأيت رب العزة في المنام، فقال لي: عد إلينا يا أبا المظفر، فانتبهت، وعلمت أنه يريد مذهب الشافعي ، فرجعت إليه)([49]).

15ـ ابن راجح, أحمد بن محمّد بن خلف (ت: 638هـ):

ترجمه الذهبي بقوله: (الشيخ الامام العلامة البارع الحافظ نجم الدين أقضى القضاة أبو العباس أحمد بن الإمام شهاب الدين محمد بن خلف بن راجح بن بلال المقدسي ثم الصالحي الحنبلي ثم الشافعي ... ومن محفوظاته كتاب «الجمع بين الصحيحين». اشتغل وتخرج به العلماء ، وكان ذا تهجد وتأله وتعبد وذكاء مفرط . قال الشيخ الضياء: سمعت عمر بن صومع يذكر أنّه رأى الحق تعالى في النوم فسأله عن النجم بن خلف فقال: هو من المقربين.

قلت: وذكر النجم أنه رأى البارئ عز وجل في النوم إحدى عشرة مرة ، قال له في بعضها : أنا عنك راض)([50]).

ولكن الذهبي قال عنه في تاريخه: (وذُكر أنّه رأى الحق تعالى عشـرة مرات ورأى النبي صلى الله عليه وسلم بضعاً وأربعين مرة. وقد ساق ذلك كله الضياء في ترجمته فمنها: قال: رأيت كأني أسمع كلامه سبحانه يقول: إنّ سهامنا ستصيب من أرادك بسوء. قال: ورأيت كأنّه تعالى يقول: أدن مني مرحباً بالحاكم الفاضل، أوصيك بالقاضي الخويي . ورأيت في سنة ثمان وعشرين كأني أسمع من الحق تعالى : أنا عنك راض، فهل أنت عنّي راض)([51]).

تنويه:

ما تناولناه في البحث لا يمثل إلا نماذج تعكس واقع العقيدة التي يتبنونها, لذلك بيّنا مقدّماً منشأ اعتقادهم واقتصرنا على ذكر روايـة واحدة فقط, ثم انتقلنا لذكر نماذج من كلماتهم المصـرّحّة بجواز الرؤية, ثم أتبعناها بما دل على وقوع الرؤية عند علمائهم وثقاتهم من الرواة, فكان المجموع على اختصاره يمثل واقع عقيدة الرؤية عند السلفية بل وجماعة من غيرهم, ولو أردنا أن نبسط الكلام في ذلك لطال بنا المقام, لذا سنذكر فيما يلي خلاصة ما يستفاد من الكلام المتقدم لنتبعه بأسئلة تبين وهن ما ذكروه.

نظر وتحليل في خلاصة عقيدتهم بالرؤية المنامية:

انتهينا من جميع ذلك إلى أمور عدّة لا بدّ من بيانها:

الأمر الأول: إنّ رؤية الله في المنام عند السلفيّة بل وعند جماعة من غيرهم أمر جائز لا إشكال فيه, لورود الأخبار الصحيحة والمستفيضة على ذلك, والتي تبيّن أنّ الرسول رأى ربّه على أحسن صورة بل وجرت بينهما محادثة, وأنّ الرب وضع أصابعه بين كتفي النبي محمّد (ص), ويظهر أنّها كانت باردة, لذا قال النبي (ص): قد وجدت برد أنامله بين ثديي, وتفيد الرواية بأن وضع الرب أصابعه بين كتفي النبي كانت سبباً لتجلّي الأمور وانكشافها عند النبيّ, واستطاع الإجابة على سؤال الله له: فيمَ يختصم الملأ الأعلى, إذ إنّ النبيّ (ص) كان لا يعـرف ذلك, وبعـد وضـع اليـد تجلّى له كلّ شيء فأجاب على سؤال الربّ!! إذ جاء في الرواية أنّه قال: فتجلّى لي كلّ شيء وعرفت...

الأمر الثاني: إنّ النقل عند السلفيّة يمثّل أقصى غايات المعرفة, وإن كان فيه إساءة إلى ربّ العالمين, ورسوله الأمين, لذلك سلّموا بصدور الرواية معتبرينها دليلاً على جواز رؤية الرسول لربّ العالمين في المنام, من دون الأخذ بنظر الاعتبار الأحكام العقلية القطعيّة الرافضة لتجسيم الله سبحانه وتعالى بأي نحو اتّفق.

الأمر الثالث: إنّ الروايات وإن وردت في خصوص الرسول الأكرم, إلاّ أنّ كثيراً منهم عدّاها إلى غيره, فصـرّحوا بجواز وإمكانية رؤية ربّ العالمين في المنام من دون أن يقصروه على النبي (ص).

الأمر الرابع: لم يكتفوا بتعدية حكم الرؤية إلى غير الرسول (ص) بل صرّحوا بأنّ ذلك دليل على إيمان الرائي وتقواه, وفسروا الرؤية بأنّها تمثل الخير والبركة في ذلك المكان وأن الرائي يدخل الجنّة...

الأمر الخامس: تعدّوا من مرحلة الرؤية وجوازها إلى مرحلة الحجية, وإنّ ما يقوله الربّ في المنام حجّة يجب الانقياد لها, لذلك فإنّ النبي (ص)، بعد أن أخبر أصحابه بما رأى وجرى قال لهم: إنّها حقّ فادرسوها ثمّ تعلّموها.

ولعله من هنا وجدنا البغوي يقول: فإن رآه فوعد له جنة أو مغفرة، أو نجاة من النار ، فقوله حق ووعده صدق.

ومن هنا وجدنا أنّ السمعاني ترك مذهب الحنفية وتحول إلى مذهب الشافعية نتيجة رؤياه لربّ العالمين, حيث قال له في المنام: عد إلينا يا أبا المظفر، يقول السمعاني: فانتبهت، وعلمت أنّه يريد مذهب الشافعي، فرجعت إليه.

الأمر السادس: صرّح بعضهم بأنّ الرؤية تكون متناسبة مع عقيدة الرائي فإن كان مؤمناً رأى الربّ بصورة حسنة, وإن كان ملحداً رآه بهيئة قبيحة, وإن كان في إيمانه نقص رآه بما يشابه إيمانه!!.

الأمر السابع: يرى بعضهم أنّ الشيطان يمكن أن يتمثل برب العالمين, فيكون الرائي رأى شيطاناً ويتخيّل أنّه رب العالمين, وجعلوا من علامات ذلك نوع الأوامر التي يوجهها الرب إلى الرائي, فإذا أمره بترك التكليف من رأس أو ترك بعض الواجبات أو أمره بشيء يخالف التشريع, دلّ ذلك على كون المرئي شيطاناً.

الأمر الثامن: حاول بعضهم التفصي من مشكلة التجسيم التي تلازم الرؤية, بدعوى أنّ الصورة القلبية تختلف عن الصورة العينية, وأنّ الرؤية في المنام هي بالأرواح لا بالاشباح, فليست راجعة للبصر, أو بعدم التلازم بوجود التشابه بين ما يرى في المنام وبين الواقع, فيكون ما رآه في المنام ليس هو الحقيقة.. وسيأتي التعليق على ذلك وبيان الحال في هذا التفصي لاحقاً.

أسئلة نقديّة:

من خلال ما تقدّم تبيّن أنّه يمكن رؤية الله في المنام, وأنّه قد وقع فعلاً لمجموعة من علمائهم وصلحائهم, وعدّوا ذلك علامة على حسن حال صاحب المنام, بل قد أعطيت هذه الرؤية الحجيّة الشـرعيّة وتم العمل على طبقها كما عرفنا.

وإذ إنّ هذه العقيدة توجب نحواً من الريب لمساسها بالذات القدسية وتأثيرها على أساس العقيدة وهو التوحيد, لذا نورد مجموعة من الأسئلة والاستفهامات يتبيّن من خلالها الخلل الكبير الملازم لهذه النظرية.

1ـ إن رؤيته تعالى كيف ما كانت تعني أنّ له جسماً يرى وهذا معناه التجسيم, فهل ربهم الذي يعبدونه جسم؟

2ـ ثم نسأل إذا كان الله تعالى جسماً فهذا يعني أنه محدود بحدود معينة كما هي طبيعة كل جسم له حدود واضحة ومعينة, واذا كان كذلك فهو بحاجة إلى تلك الحدود وبحاجة إلى مكان وجهة, وإذا ثبت أنه محتاج يعني أنّه ليس بغني مطلق بل بحاجة إلى من يسد ذلك الاحتياج, وينتج من ذلك انّ هناك من هو أغنى منه, فهل يلتزمون بهذه اللوازم؟

3ـ بناءً على إمكان الرؤيـة في المنام أنّـه يمكـن أن يـدرك وإذا أمكـن إدراكه دل ذلك على محدوديته, فيرد عليه ما تقدم من الإشكال , فهل يمكنهم الالتزام بذلك؟

4ـ بناءً على ما تقدم من رأي ابن تيمية وغيره من أنّ صورة الرب تكون بحسب إيمان صاحب المنام وعقيدته, فنسأل هل أنّ هذه الصور المتعددة هي جميعها ربّ العالمين أي إنّ كل صورة منها تعني الرب بحيث يصح لمن رأى هذه الصورة أن يقول رأيت الله أو إنّ أحدها هي رب العالمين؟

5ـ فإذا كـانت كل صورة هي الـرب فنسأل أن هذه الصورة متعـددة ومتغـايرة حسب تصريح ابن تيمية وغيره, فهـل الرب متعدد, وألا يعني هذا الشرك الاكبر؟

6 ـ وإن كان واحداً فكيف تعددت صوره وكل واحدة منها هو نفسه.

7 ـ ثم نسال إنّ هذه الصور حادثة أو قديمة, فاذا كانت حادثة مخلوقة فكيف قلتم هي الله مع ان الله ليس بحادث, وإن قلتم أنّها قديمة مع الله فيلزم من ذلك تعدد القدماء وهذه العقيدة فيها ما فيها من اللوازم الباطلة.

8 ـ وإذا كانت صورة واحدة هي الرب فنسأل: كيف عرفتم صورة الرب من غير صورته؟

9 ـ فإن أجبتم بأن صورة الرب هي الصورة الأحسن حسب درجات الايمان, فستكون هذه الصورة مختصة بالرسول الاعظم (ص) فكيف تدعون صحّة المنامات الاخرى وان اصحابها رأوا الله؟

10 ـ ونسأل مرة أخرى إذا كانت صورة واحدة هي صورة الرب فكيف تدعون أن الله له صور متعددة بحسب عقيدة الرائي وتصفون من يرى أي صورة من تلك الصور بأنّه رأى الله.

11 ـ ذكر ابن تيمية وغيره بأن صورة الرب تكون حسب عقيدة الشخص بالحسن والقبح فصورة الرب قد تكون حسنة وقد تكون قبيحة فنسأل: هل لكم رب صورته قبيحة ورب آخر صورته حسنة؟ أوليس هذا من الشرك الأكبر ومن أوهام البشر وما يمليه عليه الشيطان؟

12ـ تقدم أنّهم يعتقدون أنّه من الممكن أن يتمثل الشيطان برؤية الرب, وذكروا أنّ التمييز بين الاثنين يكون من خلال الأوامر والنواهي فان أمر بخلاف التشريع فهو الشيطان, وحينئذٍ نسأل: كيف لو تمثّل الشيطان بصورة الرب لشخصً عامي بسيط لا يميز بين بعض المحرمات والواجبات فكيف يعمل وقد جوزتم له رؤية ربه في المنام؟

13ـ ثم نسأل كيف لو أجاب الشيطان المتقمص صورة الرحمان عن المسائل الخلافية ولم يتدخل في الحلال والحرام البين فهل يجب أن يطاع؟

14ـ ثم كيف لو مدح لنا هذا الشيطان المتقمص شخصاً مشكوكاً في صدقه وعدالته فما هو العمل؟

15ـ فإن قيل: إنّنا لا نأخذ بكل كلام الرب في المنام سألناكم: كيف يكون هو الرب ولا تاخذون بكل كلامه؟ أليس هذا مخالفة صريحة لرب العالمين؟

16ـ وإن قلتم: نأخذ بجميع أوامره ونواهيه ونطبق إرشاداته، فنسألكم: كيف يمكن ذلك ومن المحتمل أن يكون هذا هو الشيطان؟

17ـ ثم نسأل كيف جعلتم رؤية الرب علامة على الصلاح بل ودخول الجنة مع أنّكم جوزتم أن يراه ضعيف الايمان بصورة ليست حسنة، وجوزتم أيضاً أن يتمثل به الشيطان؟

ولعل هذا هو الذي دعا القاضي عياض وغيره إلى ادعاء أنّ الشيطان لا يتمثل بالرب كما تقـدم, وهـذا يعكس التضاد في كلماتهم وعـدم وضوح هذه الفكرة والعقيدة.

18ـ إذ إنّ الرب أمر ونهى في المنام فنسأل: إذا لم يكن هو الله فقد بطلت عقيدتكم برؤية الله في المنام, وإذا كان هو الله فما الفرق بين هذه الرؤية وبين الوحي من جهة عملية ؟ بل هنا الإطاعة أشد وأكد لأن الأمر هنا صادر بالمباشرة من الرب, فهل يلتزم مسلم بذلك؟

19ـ ثم نسأل ما هي وظيفة من يعتقد ويطمئن بكلام صاحب المنام؟

20ـ ثم نسال لماذا نجد انتقائية في إطاعة هذا الرب الذي يرى في المنام حيث نجد أنّه من جهة يطاع بشكل تام بحيث يغير صاحب المنام مذهبه من حنفي إلى شافعي, بينما نجد أنّ من أمر الرب بعدم الرواية عنه لأنّه يسب علياً أنّهم يوثقونه ويروون عنه, وهو حريز بن عثمان كما تقدم.

21ـ ثم نأتي إلى كلام بعض متأخّري الوهابية كابن باز وأمثاله الذين وقعوا في حيرة بين الآيات القرآنية وبين الموروث الفكري من أشياخهم وأسلافهم، فصرّح ابن باز وغيره بأنّه يمكن رؤية الله في المنام ولكن بصورة ليست هي الرب معتقداً بذلك توجيه هذا المعتقد الباطل, فنسأل: إنّ هذا الشخص الذي رأى صورة الرب هل رأى ربه أم لا, فإن كانت الصورة ليست هي الرب بطلت هذه العقيدة من الأساس, وإن كانت هي الرب عادت جميع الإشكالات, فابن باز بدلاً من ان يدفع الاشكالات وقع في التناقضات.

والكلام نفسه يأتي على من ادّعى أن الصورة ليست هي الله فلازمه إما إبطال هذه العقيدة أو عودة الإشكالات.

22ـ ادّعى ابنُ تيمية ومن تبعه أنّ رؤية الله في المنام مما اتفقت عليه طوائف المسلمين إلا الجهمية, فنسأل كيف يدعي ذلك مع مخالفة الشيعة الامامية والزيدية والمعتزلة وغيرهم, بل هل خفي عليه تشدد بعض الحنفية في ذلك وحكمهم بكفر صاحب هذه العقيدة([52])؟

ألا يعني هذا كذب واضح من قبل شيخ الإسلام السلفي؟

23ـ وأخيراً نقول: أليس هذا المعتقد يفتح الباب لكل من هبّ ودبّ ليدّعي أنّه رأى الله في منامه وأمره بكذا وكذا؟
----------------------------------------
([1]) شرح مسلم للنووي: ج4 ص15

([2]) سنن الترمذي: ج5 ص47, ح3288.

([3]) سير أعلام النبلاء: ج2 ص167.

([4]) انظر: سنن الدارمي: ج2 ص126.

([5]) تعبير الرؤيا: ص90ـ 91.

([6]) نقض الدارمي على المريسي: ج2 ص738.

([7]) إبطال التأويلات لأخبار الصفات: ج1 ص127.

([8]) فتح الباري: ج12 ص342.

([9]) آل عمران: 77.

([10]) شرح السنة للبغوي: ج12 ص227ـ 228.

([11]) مقدمة تحقيق كتاب الرؤية للدارقطني, الشيخ العلي والرفاعي: ص78.

([12]) انظر شرح مسلم للنووي: ج15 ص25.

([13]) شرح جوهرة التوحيد: ص118.

([14]) الذخيرة: ج13 ص271ـ 272.

([15]) مجموع الفتاوى: ج3 ص390.

([16]) مجموع الفتاوى: ج5 ص251 ونحوه في ص492.

([17]) تلبيس إبليس: ج1 ص66.

([18]) سير أعلام النبلاء: ج2 ص167.

([19]) ص: 69.

([20]) تفسير ابن كثير: ج4 ص47.

([21]) فتح الباري: ج12 ص342.

([22]) مرقاة المفاتيج شرح مشكاة المصابيح: د2 ص399.

([23]) تفسير الآلوسي المعروف بروح المعاني: ج9 ص52.

([24]) تحذير العبقري من محاضرات الخضري: ج1 ص139.

([25]) مجموع فتاوى ابن باز: ج7 ص121ـ 123.

([26]) من اللقاء المفتوح, وهي سلسلة لقاءات كان يعقدها الشيخ في بيته, وقد فرغت الكاسيتات الصوتية على ملفات وورد.

([27]) تحفة المجيب: سؤال رقم 68.

([28]) شرح كتاب اعتقاد أهل السنة: ج8 ص11.

([29]) سلسلة الأسماء والصفات, الدرس الصوتي الخامس.

([30]) مجموع الفتاوى: ج9 ص293.

([31]) معرفة الثقات: ج1 ص363, وانظر ايضاً: الثقات لابن حبان: ج4 ص301, سير أعلام النبلاء: ج6 ص179.

([32]) تاريخ دمشق: ج35 ص193.

([33]) تاريخ بغداد: ج8 ص261.

([34]) تقريب التهذيب: ج2 ص333.

([35]) سير أعلام النبلاء: ج11 ص146ـ 147.

([36]) تاريخ الإسلام: ج17 ص170.

([37]) وفيات الأعيان: ج1 ص66ـ 67.

([38]) سير أعلام النبلاء: ج11 ص347.

([39]) حاشية رد المختار: ج1 ص55.

([40]) صفة الصفوة: ج4 ص113.

([41]) سير أعلام النبلاء: ج11 ص487ـ 488.

([42]) مجموع الفتاوى: ج10 ض518, وانظر مدارج السالكين لابن القيم: ج2 ص7.

([43]) تاريخ بغداد: ج12 ص382.

([44]) تاريخ بغداد: ج12 ص383.

([45]) الوافي بالوفيات: ج8 ص130.

([46]) تاريخ الإسلام: ج25 ص350.

([47]) تاريخ الإسلام: ج29 ص382.

([48]) وفيات الأعيان: ج1 ص80.

([49]) سير أعلام النبلاء: ج19 ص116ـ 117.

([50]) سير أعلام النبلاء: ج23 ص75ـ 76.

([51]) تاريخ الإسلام: ج46 ص362.

([52]) انظر: شذرات الذهب: ج5 ص160.