البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

ردود علماء تونس على آراء محمد بن عبد الوهاب

الباحث :  محمد حسين الرفيعي - تعريب : هاشم مرتضى
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  6
السنة :  السنة الثانية - ذو الحجة 1436هـ / 2015م
تاريخ إضافة البحث :  October / 11 / 2015
عدد زيارات البحث :  3442
تحميل  ( 321.958 KB )
ردود علماء تونس
على آراء محمد بن عبد الوهاب(*)

محمد حسين الرفيعي
تعريب: هاشم مرتضى

تمهيد:
يُعدّ المغرب الإسلامي بالنظر إلى خصائصه، وموقعيته الجغرافية الخاصّة، وما يلعبه من دور في المعادلات السياسية للعالم الإسلامي في القرن 12 و13، من أهم أهداف الوهابية لنشر دعوتهم.
كانت دول شمال أفريقيا ـ المعروفة بالمغرب الإسلامي في التاريخ الإسلامي ـ مورداً لتنافس الإمبراطورية العثمانية لإعمال نفوذها وتوسيع الفتوحات ورقعة الممتلكات، ومن جهة اُخرى وبالنظر إلى الموقعية الاستراتيجية لتونس والمغرب، حاول الوهابيون استغلال ضعف الحضور العثماني هناك وتوسيع رقعة الدعوة والنفوذ فيها، وعليه كثرت ردود علماء تونس والمغرب على الوهابية بالقياس إلى سائر دول المغرب العربي، وتم تأليف بعضها بدواع شخصية، وبعضها الآخر بطلب من الأمراء والحكام.
كان التواصل بين علماء تونس والمغرب ـ بمركزية مدينة فاس ـ عن طريق الحجّاج، إذ كانوا يقفون على الآراء العلمية وتتبادل الرسائل والكتب بين الفريقين، ولكن العامل الأهم في انعكاس الآراء والأخبار العلمية من هذين المنطقتين إلينا، إنّما هو سفر الشيخ إبراهيم الرياحي إلى فاس حيث تم بأمر حمودة باشا عام 1803م. فهذا التاريخ يتطابق تماماً مع وصول أوّل رسائل الوهابية الدعوية إلى فاس، وتنعكس ردة فعل علماء المغرب بشكل جلّي في كتاب «شجرة النور الزكية في طبقات المالكية» لمحمد بن محمد مخلوف([1]).
والأمر الملفت للنظر والجدير بالبحث، هو وجود الخلافات المتعدّدة والمتأثّرة بالحالات الدينية والسياسية بين هاتين المنطقتين رغم التشابه والتقارب الفقهي الموجود بينهما، وذلك أنّ تونس كانت تابعة للباب العالي المنصوب من قبل السلطان العثماني، وكان حمودة باشا ـ حاكم تونس ـ يُعدّ من رجال الدولة العثمانية، والحال أنّ المغرب لم تخضع بتاتاً للحكم العثماني، وقد جمع السلطان سليمان ـ بالاستعانة من سمعة أبيه ـ العلم والقدرة في مكان واحد وأصبح ذا فضل وكمال. هذه الفروقات الظاهرية أثّرت على المنهج والاتجاه العام في الرد على الوهابية، وهو أمرٌ سنفصّل القول فيه لاحقاً.
لقد تم تدوين هذا البحث (من حيث الفترة الزمنية) ابتداء من تداعيات وصول رسالـة محمد بن عبدالوهاب الدعويـة إلى تـونس والإجابـة عنهـا، ونحـاول ـ ضمن الإشارة إلى المطالب المندرجة فيهما ـ إيضاح بعض الحقائق المستورة عن دعوة الوهابية في غرب العالم الإسلامي ونوع تداعياتها.
المصدر المعتمد في هذا البحث للعثور على الرسالتين، ما ذكره المؤرّخ التونسي في القرن 13هـ أحمد بن أبي الضياف (1219ـ1291) المعروف بابن الضياف في كتابه «إتحاف أهل الزمان بأخبار ملوك تونس وعهد الأمان»([2]).
يحتوي هذا الكتاب على تاريخ شمال أفريقيا سيما تونس منذ الفتح وحتى عصر المؤلّف، ويشتمل على مقدمة في عقدين، وثمانية أبواب وخاتمة. يتحدث العقد الأوّل من المقدمة عن الحكومة وأنواعها في العالم، والعقد الثاني يذكر أمراء أفريقيا في زمن الصحابة والتابعين وتابعي التابعين. أمّا الأبواب الثمانية فيذكر فيها تسلسل الحكام بالترتيب أي دولة حمودة باشا، عثمان باي، محمود باي، حسين باي، مصطفى باي، مشير أحمد باي، مشير محمد باي، ومشير صادق باي. وتتضمّن الخاتمة شرح أحوال بعض الأعيان من العلماء والوزراء والمؤلّفين المتأخّرين.
ينتسب ابن الضياف إلى عشيرة عربية شهيرة تُعرف بأولاد عون، وقد هاجر أجداده إلى تونس من مكان مجهول (ربما يكون اليمن)([3]). وقد تربى في شبابه على يد أبيه، وكان أبوه كاتب الوزير يوسف مهردار (صاحب الطابع) في بلاط حكّام تونس الحسينيين هذا الأمر هو الذي فتح الطريق أمامه لتسلّم المناصب الحكومية مستقبلاً، حيث نصبه حسين باي عام 1237 هـ وهو في شبابه على قضاء خطة العدالة ـ وهو من المناصب الرفيعة آنذاك ـ وارتقى عام 1242 هـ إلى مقام خطة الكتابة، وأصبح كاتب السر لحسين باي والوزير أبي محمد شاكر مهردار.
كان ابن أبي الضياف أوّل من راسل الدولة العثمانية باللغة العربية، وكان المشير باشا أحمد باي معترفاً بكمالاته ويعتمد عليه في مهام الأمور، حيث أرسله عام 1246 هـ و 1285 هـ سفيراً عنه إلى إسطنبول، ولما سافر إلى باريس عام 1262هـ اصطحبه معه([4]) وفي عام 1257 هـ أعطاه وسام الافتخار، وفي 1258هـ نال رتبة الأمين، وفي 1259هـ أصبح قائم مقام وأمير اللواء، وترقّى حاله في حكم مشير باشا صادق باي، وفي فترة المشير الثالث عام 1277هـ 1861م أصبح عضواً في مجلس الشورى الخاص، كما لقّبه المشير الثالث بلقب أمير الأمراء ووزير القلم، وكلّفه شرح الدستور المتبع آنذاك.
يُعدّ كتاب ابن أبي ضياف ـ من دون شك ـ من آثاره المهمة والمصدر الأصيل لتاريخ تونس وشمال أفريقيا وفيما يخص العالم الإسلامي في القرن الثالث عشر. حيث كان معاشراً لجميع التقلبات السياسية في الفترة التاريخية التي عاشها ورواها في كتابه مباشرة ومن دون أيّ واسطة، حاله حال سائر المؤرخين الكبار في العالم الإسلامي. وكان له دور بارز كمؤرّخ في تأسيس الدولة الحديثة في تونس، حيث لعب دوراً بارزاً في خضم معترك التيار القومي العربي التونسي الذي حاول التأكيد على الدولة العربية أمام الإمبراطورية العثمانية التركية...
التقرير الذي ذكره ابن أبي الضياف في كتابه عن الوهابية، أخذ حيّزاً كبيراً، حيث أورد الحوادث الواقعة في زمن حمودة باشا مع متن رسالتين تتعلّقان بالوهابية نسخهما بنفسه عن نسخة الأصل. المتن الأوّل شرح حادثة تسلّم حمودة باشا رسالة من مبلّغ وهابي في الجزيرة العربية حيث ذكر متن الرسالة. أما المتن الثاني فهو ردّ مفصّل تقريباً لأحد علماء تونس المعروفين على هذه الرسالة، مع شرح مختصر لأسباب ظهور الوهابية في الجزيرة العربية وذكر أحوالهم، حيث يُعدّ تاريخاً للوهابية من منظار مؤرّخ شهير في غرب العالم الإسلامي، ولكن قبل الخوض في الرسائل لابد من ذكر نبذة مختصرة عن تاريخ الدعوة الوهابية في غرب العالم الإسلامي.
لقد اُرسلت ثلاث رسائل من قبل محمد عبد الوهاب إلى المغرب الإسلامي: كشف الشبهات، ورقة الوهابي الواردة من دمشق والرسالة القاهرة. وهذه الرسائل المحفوظة في مختلف مكتبات شمال أفريقيا والغرب الإسلامي تكون متحدة في واقع الأمر، وبعبارة اُخرى فانّ الرسالة القاهرة هي نفس الورقة الوهابية بتغيير طفيف في بداية الرسالة مع اتحاد المحتوى، فهذان الرسالتان نسختان من رسالة مشتركة باسم رسالة إلى أهل المغرب. وقد انتشرت هذه الرسائل عن طريق الحجاج الراجعين إلى مصر أو تونس، وتم انتخاب عنوان (الرسالة القاهرة) فيما بعد لتمييزها عن الرسالتين الاخرتين وإلاّ فالرسالة لا تحمل أيّ عنوان في طياتها، وتشبه كثيراً من حيث الشاكلة كتاب القواعد الأربعة لمحمد عبد الوهاب.
هذه الرسالة ـ التي لا يُطلق عليها عنوان الكتاب ـ لا تتجاوز ثلاث ورقات، ركّزت بدلاً عن الاستدلالات الفقهية والعقلانية على شرح الفتوحات والحوادث العظيمة التي زعمها ابن عبد الوهاب لحركته. أمّا كشف الشبهات والورقة الوهابية، فيمتازان بأهمية أكثر لأنّ علماء تونس والمغرب الرادين على الفكر الوهابي اهتموا بالرد عليهما بعنوان أنّهما الميثاق الرسمي لعقائد ابن عبد الوهاب.
تمتاز رسالة كشف الشبهات بمحتوى أطول من غيرها، وقد انتخب اسمها ابن عبد الوهاب نفسه، ولكن لا يتطابق العنوان مع المحتوى إذ يحتوي على مجموعة استدلالات لأفكار الوهابية. وقد وصفها ابن غنام (1224/1810) في بداية كتابه تاريخ نجد بكونها رسالة عامة في الإجابة عن (أسئلة) المسلمين والمسائل التي أوردوا الشبه حولها([5]). وهذه الرسالة تعد الأثر الثاني بعد كتاب التوحيد لابن عبد الوهاب ألّفها بين سني (1152 ـ 1157/ 1740 ـ 1745). وامتازت رسالة كشف الشبهات بالقسط الأكثر من الردود، رغم تأليف رسالة التوحيد قبلها، وقد يكون سبب ذلك اعتبار رسالة كشف الشبهات المحور الرئيسي لعقائد الوهابية حيث أجاب فيها ابن عبد الوهاب عن عقائد المشركين وكفّر فيها جميع من يعتقد بالتوحيد ولكن لا يعمل به([6]).
وتوجد رسالة أخرى بعنوان «الورقة الوهابية الواردة من المشرق» في صفحتين وتُعرف أيضاً بالرسالة القصيرة، حيث كتبها سعود بن عبد العزيز وأرسلها إلى جميع أقطار العالم الإسلامي، وأعلن فيها وفاة محمد بن عبد الوهاب عام 1206/1792. ولكن ربما نسبت هذه الرسالة في المغرب الإسلامي إلى نفس ابن عبد الوهاب وباسم رسالة إلى أهل المغرب، إذ إنّ الناس ما كانوا يعلمون بزمن موته، وكانوا يظنون بأنّه الذي كتب هذه الرسالة؛ حالها حال الرسائل الأخرى.
وتبدو هذه الرسائل قليلة بالنظر إلى ما عدّه ابن غنام من رسائل ابن عبد الوهاب البالغة (51) رسالة والمطبوعة عام 1397/1977 تحت عنوان «تاريخ نجد» مع حذف ردّ ابن عبد الوهاب على عقائد أخيه. ولم يهتم ابن عبد الوهاب بجمع رسائله وترتيبها، بل كان يكتبها تحت عناوين مختلفة من قبيل: خطاب إلى من يهمّه أمر المسلمين أو أيّها المسلمون في العالم، ويرسلها، وهذا يدلّ على أنّه ـ رغم عقائده وأفكاره الطموحة ـ لم يكن يتصوّر أن تصبح ذات أهمية فيما بعد.
ولمعرفة مجموعة رسائل ابن عبد الوهاب لا يمكن الاطمئنان على ما كتبه ابن غنام، بل بإمكاننا الاطمئنان إلى ما دوّنه عبد الرحمن بن قاسم عام 1901 ـ 1952 تحت عنوان: «الدرر السنية في الأجوبة النجدية».

الوهابية عند ابن أبي الضياف:
يقول ابن أبي الضياف في مقدمة الفصل الذي دوّنه عن الوهابية تحت عنوان: استرجاع الحرمين الشريفين من الوهابيين: «وفي الرابع والعشرين من جمادى الثانية سنة 1229 تسع وعشرين ومائتين وألف، ورد البشير من الدولة العلية العثمانية بأخذ الحرمين الشريفين من يد الوهابي، وأعلنت مدافع الحاضرة سروراً بذلك»([7]).
ثم بعد هذه المقدمة يشرح ابن أبي الضياف تاريخ الدعوة الوهابية ويقول: «وهو أنّ رجلاً يقال له محمد بن عبد الوهاب من تلاميذ الشيخ ابن تيمية الحنبلي، منع زيارة القبور حتى قبور الأنبياء، ومنع التوسّل بهم إلى الله تعالى، والبناء على قبورهم، وصرّح بكفر من يفعل ذلك وسمّاه مشركاً، زاعماً أنّ الزيارة والتوسل عبادة، وهي لاتكون إلاّ لله تعالى.
وترامت بهذا الرجل الأسفار إلى أن استقرّ بالدرعية من أرض نجد، فصادف بها آذاناً واعية وقلوباً من العلم خاوية، وألقى لكبيرهم سعود هذا المذهب، واستدل له بظواهر آيات وأحاديث اغتر بها عامتهم حتى استباحوا قتال المسلمين. ولم يزل هذا المذهب ينمو إلى أن أفضى الأمر لسعود بن عبد العزيز بن سعود القائم الأوّل، فعظم الأمر في زمنه، ونصب حرباً للمسلمين عموماً، ولأهل الحجاز خصوصاً، وصدّهم عن بيت الله الحرام، وزيارة قبر سيد الأنام، وعاث في أهل الحجاز، وأطلق يد القتل والنهب فيهم، واستحكم هذا المذهب في قلوب أتباعه، والتحموا به التحام النسب، واشتدت عصبيتهم وقويت، فطلبوا غايتها وهي الملك والسلطان، وأقاموا دعاة يدعون الناس إلى مذهبهم مع رسائل وجّهوها لآفاق المسلمين، فوصلت منها رسالة للقطر التونسي»([8]).
ربما تكون هذه الرسالة التي يشير إليها ابن أبي الضياف، هي إحدى الرسائل الثلاثة الواصلة إلى المغرب من قبل الوهابيين.

موقف حمودة باشا من الدعوة الوهابية:
بعد ذكر ما أبداه ابن أبي الضياف في كتابه، تجدر الإشارة إلى أوضاع تلك الفترة وأحوالها. لقد حكم حمودة باشا ـ الباي الحسيني الخامس ـ تونس بين أعوام 1196 ـ 1229، ولُقّب بصاحب الحضرة العالية. وبعدما وصلت الرسالة الوهابية إلى تونس، طلب من العلماء الإجابة عنها والرد على بدع ابن عبد الوهاب، فاستجاب له اثنان وقاما بالرد عليها.
فقد كتب أبو الفداء إسماعيل التميمي رسالة مطوّلة تحكي عن توغّله العلمي وأسماها: «المنح الإلهية في طمس الوهابية». قال ابن أبي الضياف في المجلد الثامن من كتابه إتحاف الزمان في ترجمة التميمي: ولد بمنزل تميم وبيته من أشرافها وكان بدء تحصيله الدراسي من مدرسة الزيتونة إلى أن وصل فيها إلى مقام الأستاذية، وقدّمه الباي حمودة باشا للشهادة على بناء داره بالقصبة، ثم قدّمه لخطة القضاء بالحاضرة سنة 1221هـ 1806م، ثم نُقل لخطة الفتوى عام 1231/1816. ثم امتحن عام 1235هـ بالعزل والنفي وسجن بعض أتباعه لنبأ فاسق بأنّه يترقب زوال الدولة ويخبر بشرح الجفر، وبعد أربعة وثلاثين يوماً تسرح من النفي، ثم رجع لخطة الفتوى سنة 1239 هـ ، ولما توفي الشيخ قاسم محجوب سنة 1243هـ صار رئيس الفتوى عوضه وبقي فيه إلى حين وفاته عام 1248هـ([9]).
ومن جهة أخرى فقد كتب أبو حفص عمر بن المفتي العلامة فخر المذهب المالكي أبو الفضل قاسم المحجوب رداً آخر على الرسالة الوهابية، وأصبحت من أهم ردود فقهاء المالكية على أفكار الوهابية وما زالت مشهورة لحدّ الآن، وقد أدرجها ابن أبي الضياف في كتابه.
ويظهر ممّا ذكره ابن أبي الضياف في ترجمة إسماعيل التميمي، أنّه كان أقلّ رتبة وسناً من قاسم المحجوب، ولذا خلفه بعد موته. وعلى كلّ حال فهما يعدان من أقطاب الفقه المالكي بتونس في زمن حمودة باشا. ولكن مع هذا فقد حاز كتاب المنح الإلهية للتميمي شهرة في الوسط المناهض للفكر الوهابي أكثر من رسالة المحجوب، وذلك لانسجامه وحجمه الكبير، ولذا توجد منه نسخ متعدّدة في مكتبات العالم الإسلامي سيما الخزائن الخطية في الغرب الإسلامي، بينما لم تحز رسالة المحجوب ـ المسماة «بالرسالة في الردّ على الوهابية» مع تقدّمه علماً وسنّاً على التميمي ـ شهرة كتاب المنح الإلهية.
ومن حسن الحظ أنّ ابن أبي الضياف قد أدرج هذه الرسالة في كتابه، وإن لم يُعلم أنّه هل أراد التبليغ عن هذه الرسالة كي لا تُغفل أو تُهمل، أو أوردها لأهميتها بالنسبة إلى سائر الردود الأخرى بحسب رأيه.
لقد ذهب اندرو جرين المستشرق؛ في سبب إدراج ابن أبي الضياف رسالة المحجوب في كتابه، ـ وبالنظر إلى تقدّم رسالة المحجوب على كتاب التميمي ـ إلى أنّه كان يرى اعتماد التميمي في كتابه المنح الإلهية على رسالة المحجوب والاقتباس منها والتوسّع فيها (ولذا اكتفى بذكر الرسالة والإشارة إليها في كتابه).
وقد ولد الشيخ عمر بن القاسم المحجوب في إحدى الأسر العلمية المعروفة بتونس ومن أشرافها، حيث كانت أسرتهم من أهل العلم، ويمكن العثور على ترجمة أكثر من اثني عشر عالماً من علمائهم في ثنايا كتاب إتحاف الزمان. كان أبوه من كبار فقهاء المالكية بتونس، وكان قاضياً في البداية وترقى إلى رتبة كبير المفتين في المحكمة الحكومية، درس عمر المحجوب في الجامعة الزيتونية وبعد اكتمال درسه بدأ فيها بالتدريس، وفي هذه الفترة تعرّف إسماعيل التميمي على عمر بن القاسم المحجوب وتتلمذ عنده.
كان يعرف عمر بن قاسم بعدئذٍ بالشيخ المحجوب، وسرعان ما أصبح من الوجوه البارزة في الجامعة الزيتونية، وأجمع أرباب التراجم على أنّه فاتح منبر الوعظ وخطيباً مفوّها، ولكن لسانه اللاذع في مقام الوعظ والإرشاد سبّب انعزاله وعكوفه في البيت، ممّا أدّى إلى تركيز اهتمامه على التدريس وتأليف الكتب العلمية في الجامعة الزيتونة إلى أن وافاه الأجل عام 1222هـ.
كان الشيخ محجوب شاعراً وكاتباً قديراً، لا يأمن أحد من لسانه السليط، وهذا ما يظهر من الأدبيات المستخدمة في رسالته، والتي أصبحت نموذجاً يقتدى في سائر الرسائل الرديّة، كان يستخدم عبارات «يا هذا» و «يا أخا العرب» للإشارة إلى ابن عبد الوهاب، حيث تستبطن التشويق والتحقير معاً، مضافاً إلى كنايته لكاتب الرسالة الوهابية بعدم معرفة معنى الروايات بشكل صحيح.
وتبقى نقطة اُخرى خفيت علينا ولم تظهر من تاريخ ابن أبي الضياف وكذلك من سائر المصادر، وهي التاريخ الدقيق لتأليف رسالة الرد على الوهابية، وإن أمكننا العثور على زمانها تقديراً، إذ إنّ حمودة باشا حكم منذ 1196 إلى 1229، وتوفي الشيخ محجوب عام 1222هـ، وبما أنّ ابن عبد الوهاب مات سنة 1206هـ، وصرّح ابن أبي الضياف بأنّ ابن عبد الوهاب هو الذي كتب الرسائل، وأنّه كان المخاطب في الردود، أمكن تحديد الفترة بين (1196ـ 1206هـ) ولكن هذه التواريخ غير دقيقة بلا شك، إذ أنّ علاقة ابن عبد الوهاب مع الناس في غرب العالم الإسلامي كانت أضعف بكثير من علاقته بأهل العراق أو اليمن، وزد على ذلك، في مقام أسباب ضعف العُلقة والتواصل؛ بُعد المسافة بينه وبين دول شمال أفريقيا، وعدم وجود توافق فقهي بينهم وبينه حيث كان حنبلياً، والدليل على ذلك وجود ثلاث رسائل فقط لأهل الغرب الإسلامي أمام (51) رسالة اُرسلت من قبل ابن عبد الوهاب إلى سائر نقاط العالم الإسلامي([10]).
ونظراً لقلة معلومات الناس عن أوضاع الجزيرة العربية وضعف وسائل الارتباط معهم، كانت تنسب أحياناً بعض الرسائل الدعوية التي كتبها أتباع ابن عبد الوهاب والمرسلة إلى تلك المناطق؛ إلى ابن عبد الوهاب، ومن هنا يمكن أن نظنّ ـ ظناً مقارباً للقطع ـ بتأليف الرسالة الوهابية بعد موت ابن عبد الوهاب وبعد توسيع رقعة الحكومة السعودية، لأنّ الدولة السعودية أرسلت آنذاك كثيراً من الرسائل الدعوية إلى مختلف أقطار العالم الإسلامي لتعدّ نوع إعلام ودعاية لظهور الدولة السعودية الوهابية([11]).
ومن جهة اُخرى فقد ورد في كتاب ابن أبي الضياف، وكذلك في رد الشيخ محجوب، إشارات صريحة إلى فتح الحجاز وتخريب الحرمين الشريفين، فانّ هذه الحوادث ـ وكما هو واضح من التواريخ ـ حدثت بعد موت ابن عبد الوهاب وبداية توسيع رقعة نفوذ السعودية، وهذا دليل آخر على أنّ هذه الرسالة لم تكن من تأليف ابن عبد الوهاب، وبالنظر إلى ما ذكره ابن أبي الضياف من أنّ هذه الرسالة وصلت ابتداء إلى يد حمودة باشا ـ الأمير الحسيني التونسي ـ ثم أعطاها للعلماء، يمكن الوصول إلى تحديد آخر لفترة تأليف الرسالة وعدّها ـ كسائر الرسائل المرسلة إلى البلاد الإسلامية ـ بين سنيّ (1210ـ 1220هـ)([12]). وعلى آية حال وبالنظر إلى المصادر الموجودة، لا يمكن تحديد الزمن الدقيق لإرسال هذه الرسالة وزمن كتابة الردود عليها.
قال ابن أبي الضياف بعد ما أورد رسالة الشيخ محجوب بتمامها: « وبعث حمودة باشا بهذه الرسالة إلى القائم الوهابي فلم يجب عنها». حيث يُفهم منها اكتفاء حمودة باشا في مقام الرد على الوهابيين بهذه الرسالة، من دون أن ترد الإشارة إلى ردّ إسماعيل التميمي ـ المنح الإلهية ـ في هذه العبارة. ويقصد ابن أبي الضياف من القائم الوهابي ابن عبد الوهاب نفسه لأنّه المؤسس والمبتدع للمذهب الوهابي، هذا والحال وجود احتمال وفاة ابن عبد الوهاب آنذاك، وأن إرسال الرسالة والرد عليها كان في اُواخر الدولة السعودية الأولى، بدليل ما ذكره ابن أبي الضياف من قوله: «وبعث حمودة باشا بهذه الرسالة إلى القائم الوهابي فلم يجب عنها، ولجّ في حروبه وقتاله إلى أن كانت الهزيمة آخر حاله على يد رجل الدنيا وواحدها الطائر الصيت في جهات المعمور وهو أبو عبد الله محمد علي باشا عزيز مصر»([13]).
ومن الطبيعي عدم وجود أيّ معلومات في المصادر السعودية عن هذا الرد، لعدم وجود أيّ توثيق وأرشفة للحفظ والتدوين عندهم، نعم انعكس عدد قليل من هذه الردود في المصادر الوهابية، وذلك بدليل ردّ ابن عبد الوهاب أو غيره على تلك الأجوبة، وإلاّ فبحسب معلوماتنا الناقصة نفترض وجود ردود على أفكار ابن عبدالوهاب وعقائده أكثر مما ذكره ابن غنام في كتابه أو التي دوّنت في الرسائل والمسائل النجدية. فهذه الرسائل المبسوطة لا تنعكس في المصادر الوهابية عادة ولا يوجد أيّ ردّ عليها من قبلهم.
وهناك نقطة مبهمة اُخرى حول هذه الرسالة، أنّ ابن أبي الضياف لم يشر إلى أسماء العلماء الذين ردّوا على الوهابية، نعم ورد في كتاب مسامرات الظريف اعتراض الشيخ إبراهيم الرياحي حيث شوق تلامذته والشيخ محجوب لكتابة ردّ على الدعوة الوهابية([14]). وقد ذكر حسن الحسني عبد الوهاب في كتاب العُمر نقلاً عن كتاب اليواقيت الثمينة([15]) أنّ الشيخ الرياحي قد ردّ أيضاً على الوهابية برسالة ولا نعلم سبب عدم إشارة ابن أبي الضياف إلى هذه الرسالة في ترجمة الشيخ الرياحي، مع ما كانت تربطهما من أواصر الودّ والمحبة سيما بالنسبة إلى الطريقة الصوفية التيجانية، وربما يقال إنّه كان بصدد ذكر الرسائل التي كُتبت بأمر حمودة باشا، وهذا يدعونا إلى افتراض أنّ إدراج تلك الرسالة في كتاب إتحاف الزمان من قبل ابن أبي الضياف كان بدواع سياسية، وللتأكيد على نفوذ أوامر حمودة باشا في تونس وإبراز قوّته واقتداره.

متن رسالة عمر بن قاسم المحجوب في الرد على الوهابية:
«ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين، ربنا لا تجعلنا فتنة للقوم الظالمين ونجّنا برحمتك من القوم الكافرين، ) يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنفُسَكُمْ لاَ يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى الله مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ( )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تُحِلُّوا شَعَائِرَ الله وَلاَ الشَّهْرَ الْـحَرَامَ وَلاَ الْهَدْيَ وَلاَ الْقَلاَئِدَ وَلاَ آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْـمَسْجِدِ الْـحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ(.
أما بعد هذه الفاتحة التي طلعت في سماء المفاتحة، فإنك راسلتنا تزعمُ أنك القائم بنصرة الدين، وأنك تدعو على بصيرة لما دعا إليه سيد الأولين والآخرين، وتحثُّ على الاقتفاء والإتباع، وتنهى عن الفرقة والابتداع، وأشرت في كتابك إلى النهي عن الفرقة واختلاف العباد، فأصبحت كما قال الله تعالى: )وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ الله عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ * وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْـحَرْثَ وَالنَّسْل وَالله لاَ يُحِبُّ الْفَسَادَ(.
وقد زعمت أن الناس قد ابتدعوا في الإسلام أموراً، وأشركوا بالله من الأموات جمهوراً في توسلهم بمشاهد الأولياء عند الأزمات، وتشفعهم بهم في قضاء الحاجات، ونذر النذور إليهم والقربات، وغير ذلك من أنواع العبادات، وأن ذلك كله إشراك برب الأرضين والسموات، وكفر قد استحللتم به القتال وانتهاك الحرمات، ولعمر الله إنك قد ضللت وأضللت، وركبت مراكب الطغيان بما استحللت، وشنّعت وهوّلت، وعلى تكفير السلف والخلف عوَّلت، وها نحن نحاكمك إلى كتاب الله المحكم، وإلى السنن الثابتة عن النبي (ص).
أما ما أقدمت عليه من قتال أهل الإسلام، وإخافة أهل البلد الحرام، والتسلط على المعتصمين بكلمتي الشهادة، وأدمتم إضرام الحرب بين المسلمين وإيقاده، فقد اشتريتم في ذلك حُطام الدنيا بالآخرة، ووقعتم بذلك في الكبائر المتكاثرة، وفرقتم كلمة المسلمين، وخلعتم من أعناقكم ربقة الطاعة والدين، وقد قال الله تعالى: )يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ الله فَتَبَيَّنُوا وَلاَ تَقُولُوا لِـمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمْ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْـحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ الله مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ(، وقال عليه الصلاة والسلام: «اُمرت أنا أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله ـ أي ومحمد رسول الله ـ فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم، إلا بحقها، وحسابهم على الله».
وحيث كنت لكتاب الله معتمداً، ولعماد سنته مستنداً، فكيف بعد هذا ـ ويحك ـ تستحلُّ دماء أقوام بهذه الكلمة ناطقون، وبرسالة النبي (ص) مصدقون، ولدعائم الإسلام يُقيمون، ولحوزة الإسلام يحمون، ولعبدة الأصنام يقاتلون، وعلى التوحيد يناضلون، وكيف قذفتم أنفسكم في مهواة الإلحاد، ووقعتم في شق العصا والسعي في الأرض بالفساد؟
وأما ما تأوَّلته من تكفيرهم بزيارة الأولياء والصالحين، وجعلهم وسائط بينهم وبين رب العالمين، وزعمت أن ذلك شنشنةُ الجاهلية الماضين، فنقول لكم في جوابه: معاذ الله أن يعبد مسلم تلك المشاهد، وأن يأتي إليها معظماً تعظيماً العابد، وأن يخضع لها خضوع الجاهلية للأصنام، وأن يعبدها بسجود أو ركوع أو صيام، ولو وقع ذلك من جاهل لانتهض إليه ولاة الأمر العظماء، وأنكره العارفون والعلماء، وأوضحوا للجاهل المنهج القويم، وهدوه الصراط المستقيم.
وأما ما جنحت إليه وعوَّلت في التفكير عليه، من التوجه إلى الموتى وسؤالهم النصر على العدى، وقضاء الحاجات، وتفريج الكربات، التي لا يقدر عليها إلا رب الأرضين والسموات، إلى آخر ما ذكرتم، موقداً به نيران الفرقة والشتات، فقد أخطأت فيه خطأ مبيناً، وابتغيت فيه غير الإسلام ديناً، فإن التوسل بالمخلوق مشروع، ووارد في السنة القويمة ليس بمحظور ولا ممنوع، ومشارع الحديث الشريف بذلك مفعمة، وأدلته كثيرة محكمة، تضيق المهارق عن استقصائها، ويكلّ اليراع إذا كُلف بإحصائها، ويكفي منها توسل الصحابة والتابعين، في خلافة عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، واستسقاؤهم عام الرمادة بالعباس، واستدفاعهم به الجدب والبأس، وذلك أن الأرض أجدبت في زمن عمر، وكانت الريح تذرو تراباً كالرماد لشدة الجدب، فسميت عام الرمادة لذلك، فخرج عمر بن الخطاب بالعباس بن عبد المطلب يستسقي للناس، فأخذ بضبعيه وأشخصه قائماً بين يديه وقال: «اللهم إنّا نتقرب إليك بعم نبيك، فإنك تقول وقولك الحق: ) وَأَمَّا الْـجِدَارُ فَكَانَ لِغُلاَمَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْـمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَـهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا(، فحفظتهما لصلاح أبيهما، فاحفظ اللهم نبيك في عمه فقد دنونا به إليك مستغفرين، ثم أقبل على الناس وقال: استغفروا ربكم إنه كان غفاراً، والعباس عيناه تنضحان يقول: اللهم أنت الراعي لا تُهمل الضالة ولا تدع الكسير بدار مضيعة، فقد ضرع الصغير ورق الكبير وارتفعت الشكوى، وأنت تعلم السر وأخفى، اللهم فأغثهم بغياثك قبل أن يقنطوا فيهلكوا، إنه لا ييأس من روحك إلا القوم الكافرون، اللهم فأغثهم بغياثك فقد تقرَّب القومُ إليك بمكانتي من نبيك عليه السلام، فنشأت سحابة ثم تراكمت، وماسَت فيها ريح هزّت، ودرَّت بغيثٍ واكفٍ، وعاد الناس يتمسحون بردائه ويقولون له: هنيئاً لك ساقي الحرمين.
أخبرني ـ يا أخا العرب ـ هل تكفّر بهذا التوسل عمر بن الخطاب أمير المؤمنين، وتكفر معه سائر من حضر من الصحابة والتابعين، لكونهم جعلوا بينهم وبين الله واسطة من الناس، وتشفّعوا إليه بالعباس، وهل أشركوا بهذا الصنيع مع الله غيره، وما منهم إلا من أنهضته للدين القويم غيرة. كلا والله، وأقسم بالله وتالله، بل مكفّرهم هو الكافر، والحائد عن سبيلهم هو المنافق الفاجر، وهم أهدى سبيلاً، وأقوم قيلاً، وقد قال عليه الصلاة والسلام: «اقتدوا بمن بعدي: أبي بكر وعمر» وإذا قدحت في هذا الجمع من الصحابة الذين منهم عثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وغيرهما فمن أين وصل لك هذا الدين، ومن رواه لك مبلغاً عن سيد المرسلين؟
ثم ما تصنع يا هذا في الحديث الآخر الذي رواه مسلم في صحيحه مرفوعاً للنبي (ص) في أويس، وأنه أخبر به عليه الصلاة والسلام وهو من أعلام النبوة، وأمر عمر بطلب الاستغفار منه، وأنه طلب منه ذلك واستغفر له، وقد قال الله تعالى عن أخوة يوسف عليه السلام: ) يَا أَبَانَا اسْتَغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا إِنَّا كُنَّا خَاطِئِينَ(فالزائر للأولياء والصالحين إما أن يدعو الله لحاجته، ويتوسل بسرّ ذلك الولي في إنجاح بُغيته، كفعل عمر في الاستسقاء، أو يستمدَّ من المزور الشفاعة له وإمداده بالدعاء كما في حديث أويس القرني، إذ الأولياء والعلماء كالشهداء أحياء في قبورهم، إنما انتقلوا من دار الفناء إلى دار البقاء.
فأيُّ حرج بعد هذا يا أيها القائم للدين، في زيارة الأولياء والصالحين؟ وأي منكر تقوم بتغييره، وتقتحم شقّ العصا وإضرام سعيره؟ ولعلك من المبتدعة الذين ينكرون أنواعاً من الشفاعة، ولا يثبتونها إلا لأهل الطاعة، كما أنه يلوح من كتابك إنكار كرامات الأولياء، وعدم نفع الدعاء، وكلها عقائد عن السنة زائغة، وعن الطريق المستقيم رائغة وقولكم إن ما قلتموه لا يخالف فيه أحد من المسلمين، افتراء ومين، وإلحاد في الدين، لأن أهل السنة والجماعة يثبتون لغير الأنبياء الشفاعة، كالعلماء والصلحاء وآحاد المؤمنين، فمنهم من يشفع للقبيلة ومنهم من يشفع للفئام من الناس كما ورد أيضاً أن أويساً القرني يشفع في مثل ربيعة ومضر.
وأما المعتزلة فإنهم منعوا شفاعة غير النبي (ص) وأثبتوا الشفاعة العظمى من هول الموقف، والشفاعة للمؤمنين المطيعين أو التائبين في رفع الدرجات، ولم يثبتوا الشفاعة لأهل الكبائر الذين لم يتوبوا في النجاة من النار بناء على مذهبهم الفاسد من التكفير بالذنوب، وأنه يجب عليهم التعذيب.
وأما ما جنحت إليه من هدم ما بُني على مشاهد الأولياء من القباب، من غير تفرقة بين العامر والخراب، فهي الداهية الدهياء والعظيمة العظمى من الظلم التي أضلّك الله فيها على علم: ) وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ الله أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَـهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَائِفِينَ لَـهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَـهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(. وكأنك سمعت في بعض المحاضر بعض الأحاديث الواردة في النهي عن البناء على المقابر، فتلقَّفته مجملاً من غير بيان، وأخذته جُزافاً من غير مكيال ولا ميزان، وجعلت ذلك وليجةً إلى ما تقلدته من العسف والطغيان، في هدم ما على قبور الأولياء والعلماء من البنيان. ولو فاوضت الأئمة، واستهديت هداة الأمة، الذين خاضوا من الشريعة لُججها، واقتحموا ثَبَجها، وعالجوا غمارها، وركبوا تيارها، لأخبروك أن محلّ ذلك الزجر، ومطلع ذلك الفجر، في البناء في مقابر المسلمين المعدّة لدفن عامّتهم لا على التعيين لما فيه من التحجير على بقية المستحقين، ونبش عظام المسلمين.
وأما ما يبنيه المسلمون في أملاكهم المملوكة لهم، ليصلوا بمن يُدفن هناك حبلهم، فلا حرج يلحقهم، ولا حرمة ترهقهم. فكما لا تحجير عليهم في بناء أملاكهم دُوراً أو حوانيت أو مساجد، كذلك لا حرج عليهم في جعلها قباباً أو مقامات أو مشاهد. ثم ليتك إذ تلقفت ذلك منهم، ووعيته عنهم، أن تعيد عليهم السؤال، وتشرح لهم نازلة الحال، وهل يجوز بعد النزول والوقوع، هدم ما بُني على الوجه الممنوع، وهل هذا التخريب محظور أو مشروع. فإذا أجابوك أنه من معارك الأنظار، ومحل اختلاف العلماء والنُّظار، وأن منهم من يقول بإبقائه على حاله، رعياً للحائز في إتلاف ماله، وأن له شبهة في الجملة تحميه، وفي ذلك البناء منفعة للزائر تقيه. ومنهم من شدد النكير، وأبى إلا الهدم والتغيير.
فإذا تحقق عندك هذا، فكيف تقدم هذا الإقدام وتخوض مزالق الأقدام، وتطلق العنان في هدم كل مقام، من غير مراعاة في الدين ولا ذمام. فإذا انفتحت لك هذه الأبواب، نظرت بنظر آخر ليس فيه ارتياب، وهو أن المنكر الذي اقتضى نظرك تغييره، ليس متفقاً عليه عند أهل البصيرة، وأنه من مدارك الاجتهاد، وقد سقط عنك القيام فيه والانتقاد.
ثم بعد الوصول إلى هذا المقام، أعد نظراً في إيقاد نار الحرب بين أهل الإسلام، واستباحة المسجد الحرام، وإخافة أهل الحرمين الشريفين، والاستهوان لإصابة لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، فسيتضح لك أنك غيَّرت المنكر في زعمك، وبحسب اعتقادك وفهمك، وأتيت بجمل كثيرة من المناكر، وطائفة عديدة من الكبائر، آذيت بها نفسك والمسلمين، وابتغيت بها غير سبيل المؤمنين، وتعرضت بها لإذاية الأولياء والصالحين، وقد قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث رواه البخاري والإمام، قال: «قال رسول الله (ص): إن الله عز وجل قال: من عادى لي وليّاً فقد آذنني بحرب»، فكفى بالتعرض لحرب الله خطراً، وقذفاً في العطب وضرراً.
وأمّا إنكار زيارة القبور، فأي حرج فيها أو محظور، وأي ذميمة تطرقها أو تعروها، مع ثبوت حديث: «كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها»، فإن هذا الحديث ناسخ لما ورد من النهي عن زيارتها، وماح لما في أول الإسلام من حماية الأمة من أسباب ضلالتها، لقرب عهدها بجاهليتها، وعبادة أصنامها وآلهتها. وكيف تمنع من زيارتها والنبي (ص) قد شرعها، وسامَ رياضها وأربعها، فقد ثبت في حديث عائشة أم المؤمنين أنه (ص) زار بقيع الغرقد واستغفر فيه لموتى المسلمين، وثبت أيضاً أنه زار قبر آمنة بنت وهب واستغفر لها. وأخذ بذلك الصحابة والتابعون، ودرج عليه العلماء والسلف الماضون، فقد ثبت في الأحاديث المروية عن أئمة الهدى ونجوم الاقتداء، أن فاطمة سيدة نساء العالمين زارت عمها سيد الشهداء، وذهبت من المدينة إلى جبل أحد، ولم ينكر من الصحابة أحد، وهم إذ ذاك بالمدينة متآمرون، وعلى إقامة الدين متناصرون. أفنجعل هؤلاء أيضاً مبتدعين، وأنهم سكتوا عن الابتداع في الدين؟ كلا والله، بل يجب علينا إتباعهم، ومن أدلة الشريعة إجماعهم. وقد مضت على ذلك العلماء في جميع الأقطار، وانتدبوا بأنفسهم للاستمداد من قبور الصلحاء وقضاء الأوطار، ودونوا ذلك في كتبهم ومؤلفاتهم، وسطروه في دواوينهم وتعليقاتهم، وقسموا الزيارة إلى أقسام، وأوضحوا ما تلخص لديهم بالأدلة الشرعية من الأحكام. وذلك أن الزيارة إن كانت للاتعاظ والاعتبار، فلا فرق في جوازها بين قبور المسلمين والكفار، وإن كانت للترحم والاستغفار من الزائر، فلا منع فيها إلا في حق الكافر، فإن الشريعة أخبرت بعدم غفران كفره وعليه حملوا قوله تعالى: ) وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ(.
وإن كانت الزيارة لاستمداد الزائر من المزور، وتوخي المكان الذي فضله مشهور، والدعاء عند قبره لأمر من الأمور، فلا حرج فيها ولا محظور، بل هو مندوب إليه ومرغّب فيه، وإنه مما تشد المطى إليه، ومن خالف في هذا الحكم سبيل جمهورهم، واتبع من الشبهات مخالف منشورهم، فقد شدد العلماء في النكير عليه، وسددوا سهام النقد إليه، وأشرعوا نحوه رماح التضليل، وأرهفوا له سيوف التجهيل، واتفقت كلمتهم على بدعته في الاعتقاد، وثنوا إليه عنان الانتقاد، ومن يُضلل الله فما له من هاد. وأما النهي الوارد في شد المطي لغير المساجد الثلاثة فإنما هو بالنسبة لنذر الصلاة فيها، فإنه لا يختلف ثواب الصلاة لديها.
وأما المزارات فتختلف في التصريف مقاماتها، وتتفاوت في ذلك كراماتها، وذلك لسرّ في الاستمداد والإمداد لا تلطع عليه، وضُرب بسور له باب بينك وبين الوصول إليه، وقد أوضح ذلك حجة الإسلام، ومن شهد له بالصديقية العلماء والأولياء العظام. وأما إدماجكم لقبور الأنبياء في أثناء النكير، والتضليل لزائرها والتكفير، فهو الذي أحفظ عليكم الصدور، وأترع حياض الكراهة والنفور، وسدد إليكم سهام الاعتراض، وأوقد شُواظ البغض والارتماض.
فقل لي ـ يا أخا العرب ـ هل قمت لنصرة الدين أم لنقض عراه، وهل أنت مصدق بالوحي لنبيه أو قائل: إن هو إلا أفك افتراه؟ وما تصنع بعد اللتيَّا والتي، في حديث «من زار قبري وجبت له شفاعتي»؟ وأخبرني هل تضلل سليمان بن داود في بنائه على قبر الخليل ومن معه من أنبياء بني إسرائيل؟ وما تقول ـ ويحك ـ في الحديث الذي رواه جهابذة الرواة، وصححه المحدثون الثقات، وهو أنه (ص) قال: «لما أسري بي إلى بيت المقدس، مرّ بي جبريل على قبر إبراهيم عليه السلام، فقال لي: انزل فصلّ هنا ركعتين، فإن ههنا قبر أبيك إبراهيم عليه السلام». وعنه صلى الله عليه وسلم في الحديث الآخر أنه قال: «من لم تُمكنه زيارتي فليزر قبر إبراهيم الخليل عليه السلام». فأين تذهب بعد هذا يا هذا؟ وهل تجد لنفسك مدخلاً أو معاذاً؟ وهل أبقيت بعد تضليل جميع الأنبياء ملاذاً؟ ) رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ(.
وأما تلميحكم للأحاديث التي تتلقفونها، ولا تحسنونها ولا تعرفونها، فهمتم بسبب ذلك أودية الضلالة، ولم تشيموا بها إلا بُرُوق الجهالة، وسلكتم شعابها من غير خبير، ونحوتم أبوابها بلا تدبر ولا تدبير، فإن حديث: «لا تتخذوا قبري مسجداً»، محمله عند البخاري على جعله للصلاة متعبداً، حفظاً للتوحيد، وحماية للجاهل من العبيد، لأن المصلي للقبلة يصير كأنه مصلٍ إليه، فحمى (ص) ذلك من الوقوع فيه. وأما قصده للزيارة والاستشفاع والاستمداد ببركته والانتفاع، وقصد المسلمين إياه من سائر البقاع، فما يسعنا إلا الإتباع. وكذلك ما لوَّحتَ به إلى شدّ الرحال، فإنك أخطأت في الاستشهاد به في نازلة الحال، وذلك أن الحصر في المساجد، دون سائر المشاهد، وكذلك ما لمحت إليه من حديث تعظيم القبر بإسراجه، فإنك أخطأت فيه واضح منهاجه، مع بهرجة نقده في رواجه، ومحمله ـ على فرض صحته ـ على فعل ذلك للتعظيم المجرد عن الانتفاع للزائرين، أما إذا كان القصد به انتفاع اللائذين والمقيمين، فهو جائز بلا مين. وأما ما تدّعونه من ذبح الذبائح والنذور، وتبالغون في شأنها التغيير والتنكير، وتصف ألسنتكم الكذب، وتثيرون في شأنها الهرج والشغب، فكون الذبائح المذكورة مما أهلّ به لغير الله مكابرةً للعيان، وقذفٌ بالإفك والبهتان، فإنا بلونا أحوال أولئك الناذرين، فلم نر أحداً منهم يسمي عند ذبحها اسم ولي من الصالحين، ولا يلطخ الضرائح بدم تلك الذبائح، ولا يأتون بفعل من الأفعال الحاكمة على تحريم الذبيحة والإهلال.
أما نذرها لتلكم المزارات فليس على أنها من باب الديانات، ولا أن من لم يفعل ذلك يكون ناقص الدين في العادات، وإنما يقصدون بذلك مقاصد الرُّقي والنشر، والانتفاع في الدنيا بسر في التصدق بها استتر، ولم يدر منها إلا ما اشتهر، والواجب علينا وعليكم الرجوع في حكم نذرها إلى العلماء الأعلام، المتضلعين من دراية الأحكام، المقيمين لقسطاسها، المسرجين لنبراسها، الناقبين على أساسها، ومن لديهم محك عسجدها ونحاسها. فإن كنتم للحق تقيمون، ومن مخالفة الشريعة تتجرمون )فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ(، ) وَلاَ تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ(، فإنهم يهدونكم السبيل، ويفتونكم في هذه المسألة بالتفصيل، وأن هذا الناذر إن نذر تلك الذبائح للولي المعيّن بلفظ الهدي والبدنة، فقد جاء بالسيئة مكان الحسنة، ولكن ما رأينا من خلعَ في هذا المحظور رسَنَه، ولا من اهتصرَ فَتَنه، وإن نذر تلك الذبائح لمحل الزيارة، بغير هاته العبارة، وكان من الذبائح التي تقبل أن تكون هدياً، فهل يلزم أن يسعى به لذلك المزار سعياً، أو لا يلزمه إلا التصدق به في موضعه رعياً، خلاف في مذهب مالك شهير، قرره النحارير. وإن كان ذلك النذر مما لا يصح إهداؤه، فالقاصد للفقراء الملازمين بمحل الشيخ يلزمه بعثه وإنهاؤه، والقاصد للولي في نذره وتشرعه، لا يلزمه إلا التصدق به في موضعه.
وإذا اتضح لديك الحال، فأي داعية للحرب والقتال؟ وهل يتميز المشروع من هذه الصور بالمحظور، إلا بالنيات التي لا يعلمها إلا العالم بما في الصدور؟ والله إنما كلفنا بالظاهر، ووكل إليه أمر السرائر. ولم يقيّض بالخواطر نقيباً، ولا جعل عليها مهيمناً من الولاة ولا رقيباً. وإذا التزمت سدَّ الذريعة بالمنع من المشروع، خوفاً من الوقوع في الممنوع، فالتزم هذا الالتزام في سائر العبادات الواقعة في الإسلام، التي لا تفرقة فيها بين المسلم والكافر، إلا بما انطوت عليه الضمائر. فإن المصلي في المسجد يحتمل أن يقصد عبادة الحجارة، بمثل ما احتمل صاحب الذبائح والزيارة، والصائم يحتمل أن يقصد بصومه تصحيح المزاج، أو المداواة والعلاج، والمزكي يحتمل أن يقصد مقصداً دنيوياً، أو معبوداً جاهلياً، والمُحرم بحج أو عمرة، يحتمل أن ينوي ما يوجب كفره. وإذا وصلت إلى هذا الالتزام، نقضت سائر دعائم الإسلام، والتبس أهل الكفر بأهل الإيمان، وأفضى الحال إلى هدم جميع الأركان، واستبيحت دماء جميع المسلمين، وهدمت صلواتهم ومساجدهم وصوامعهم أجمعين.
فانظر أيها الإنسان، ما هذا الهذيان، وكيف لعب بك الشيطان، وماذا أوقعك فيه من الخسران. فارجع عن هذا الضلال المبين، وقل: ) رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنْ الْـخَاسِرِينَ(. وأما ما جلبتم من الأحاديث الواردة في تغيير النبي (ص) للقبور، وأنه أمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه بطمسها وتسويتها، فقد أخطأتم الطريق في فهمها، ولم يأتكم نبأ علمها، ولو سألتم عن ذلك ذويه، لأخبروكم بأن محمله طمس ما كانت الجاهلية عليه، وكانت عادتهم إذا مات عظيم من عظمائهم، بنوا على قبره بناء كأطم آطامهم، مباهاة وفخراً، وتعاظماً وكبراً، فبعث (ص) من يمحو من الجاهلية آثارها، ويطمس مباهاتها وفخرها، وإلا فلو كان كما ذكرتم ، لكان حكم التسنيم كحكم ما أنكرتم وإذا استبان لكم واتضح لديكم، انقلبت الحجة التي أتيتم بها عليكم، وكيف تجعلون تلك الأحاديث حجة قاضية على وجوب كون القبور ضاحية، والفرق ظاهر بين البناء على القبور، وحفر القبور تحت البناء، فالأول من فعل الجاهلية الوارد فيه ما ورد، والثاني هو الذي يعوزكم في المستند، ولا يوافقكم على تعميم النهي أحد.
وأما ما نزعتم إليـه من التهديـد، وقـرعتم فيه بآيات الحديد، وذكرتم «أن من لم يُجب بالحجة والبيان، دعوناه بالسيف والسنان»، فاعلم يا هذا أننا لسنا ممن يعبد الله على حرف، ولا ممن يفرُّ عن نصرة دينه من الزحف، ولا ممن يظن بربه الظنون، أو يتزحزح عن الوثوق بقوله تعالى: )فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ(، ولا ممن يميل عن الاعتصام بالله سراً وعلناً، أو يشك في قوله تعالى: )قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلاَّ مَا كَتَبَ الله لَنَا(، وما بنا من وهن ولا فشل، ولا ضعف في النكاية ولا كسل، ننتصر للدين ونحمي حماه، وما النصر إلا من عند الله. وأما ما جال في نفوسكم، ودار في رؤوسكم، وامتدت إليه يد الطمع، وسوّلته الأماني والخدع، من أنكم من الفئة الذين هم ومن حالفهم، لا يضرهم من خالفهم، وأنكم من الطائفة الظاهرين على الحق، وأن هذه المناقب تساق إليكم وتَحقّ، فكلا وحاشا أن يكون لكم في هذه المناقب من نصيب، أو يصير لكم إرثها بفرض أو تعصيب، فإن هذا الحديث وإن كان وارداً صحيحاً، إلا أنكم لم تُوفّوا طريقه تنقيحاً، فإن في بعض رواياته وهي تحجبكم عن هذه المناقب، وتبعدكم عنها بعد المشارق من المغارب. فانفض يديك مما ليس إليك، ولا تمدَّنَّ عينيك إلى ما حرّمت عليك، فإنكاح الثريا من سهيل، أمكن من هذا المستحيل. أما أهل هذه الأصقاع والذين بأيديهم مقاليد هذه البقاع، فهم أجدر أن يكونوا من إخواننا، وتمتدُّ أيديهم إلى خواننا، لصحة عقائدهم السنية، وإتباعهم سبيل الشريعة المحمدية، ونبذهم للابتداع في الدين، وانقيادهم للإجماع وسبيل المؤمنين. وقد أنبأتنا في هذا الكتاب، وأعربت في طيّ الخطاب، عن عقائد المبتدعة، الزائغين عن السنة المتبعة، الراكبين مراكب الاعتساف، الراغبين عن جمع الكلمة والائتلاف، فالنصيحة أن تنزع لباس العقائد الفاسدة وتتسربل العقائد الصحيحة، وترجع إلى الله وتؤمن بلقاه، ولا تكفّر أحداً بذنب اجتناه، فإن تبتم فهو خير لكم، وإن توليتم فاعلموا أنكم غير معجزي الله. وزبدة الجواب وفذلكة الحساب، أنك إن قفوت يا أخا العرب نصحك، وأسَوت بالتوبة جرحك، وأدملت بالإنابة قرحك، فمرحباً بأخي الصَّلاح، وحيهلا بالمؤازر على الطاعة والنجاح، وجمع الكلمة والسماح، وإن أطلت في لُجّة الغواية سبحَك، وشيدت في الفتنة صرحك، واختلتَ عارضاً رُمحك، فإن بني عمك فيهم رماح، وما منهم إلا من يتقلد الصفاح، ويجيل في الحرب فائز القِداح.
-----------------------------------------------
(*)طبع هذا البحث باللغة الفارسية في مجلة «بيام بهارستان» السنة الثالثة العدد 11 عام 1390ش.
([1]) طبع من قبل دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع.
([2]) طبع في دار التونسية للنشر، بتحقيق الدكتور أحمد الطويلي.
([3]) ورد في مقدمة الكتاب شجرة نسبه صنعها بعض أحفاده، حيث يرجعه إلى اليمن.
([4]) مخلوف محمد، شجرة النور الزكية في طبقات المالكية، بيروت 1349هـ، ص: 394، محمد آصف فكرت، دائرة المعارف الإسلامية الكبرى ج 2 مدخل: ابن أبي الضياف.
([5]) حسين بن غنام، تاريخ نجد، ط الأولى 1961، القسم الرابع الرسالة الثانية: 233 ـ 252.
([6]) م ن، الرسالة الثانية: 250 ـ 251.
([7]) اتحاف الزمان3: 60.
([8]) م ن 3: 86.
([9]) إتحاف أهل الزمان8: 11، والنقل بالمعنى.
([10]) للاطلاع على رسائل ابن عبد الوهاب انظر: عمر رضا كحالة، معجم المؤلفين، دمشق 1960 ج 5 ص 269 ـ 270، الزركلي خير الدين، الأعلام، القاهرة ج 7 ص 137.
([11]) أفضل من كتب عن ذلك جوزيف شاخت في كتابه:
(Zur Wahhabitischen Literatur inzeitschrift fur semitistik and verwandte gebiete v.6 (1928) pp.200-212
([12]) انظر للتفضيل: أحمد زيني دحلان، الدرر السنية في الرد على الوهابية، القاهرة، 1928.
([13]) إتحاف أهل الزمان 3: 97.
([14]) مسامرات الظريف: 189.
([15]) حسن الحسني عبد الوهاب، كتاب العمر في المصنفات التونسية 1: 873، دار الغرب الإسلامي، 1990، بشير ظافر الأزهري، اليواقيت الثمينة في أعيان مذهب عالم المدينة، القاهرة، 1324.