البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

غدير خم في البحوث الغربية، المدونة باللغة الانجليزية

الباحث :  تدوين : محمد مقداد أميري / ترجمة : أسعد مندي الكعبي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  2
السنة :  السنة الاولى - ذو الحجة 1435هـ / 2014م
تاريخ إضافة البحث :  April / 10 / 2017
عدد زيارات البحث :  512
تحميل  ( 716.506 KB )
مقدمة البحث:
واقعة غدير خُم تعدّ واحدة من أهمّ الأحداث المصيرية في تأريخ الإسلام، فالشيعة يعتقدون بأنّ رسول الله (ص) عيّن فيها مصير العالم الإسلامي وأخذ البيعة من الأمّة الإسلامية لما صدع به في ذلك اليوم؛ لذا يمكن اعتبار هذا الحدث التأريخي العظيم بأنّه الأبرز من بين سائر أحداث على عهد الرسالة وهو المنشأ الأساسي للتشيّع، وأيضاً حسب اعتقاد الشيعة فإنّ الأمّة الإسلامية منذ يوم الغدير انقسمت إلى فئتين، إحداهما موالية لأهل البيت والأخرى غير مواليةٍ، حيث التزمت الفئة الموالية بالعهد الذي قطعته مع رسول الله (ص) وتنصّلت الأخرى عنه. وبناءً على هذا فإنّ واقعة غدير خُم أصبحت على مرّ العصور حدثاً يميّز الشيعة عن غيرهم( ).
أمّا بالنسبة إلى الدراسات التي قام بها الباحثون الغربيون حول التشيّع والإمامة، فإنّها تتمحور حول واقعة الغدير وما تحظى به من مكانةٍ بين المسلمين، لذلك عند دراسة وتحليل ما دوّنه الباحثون الغربيون بشأن التشيّع فلا بدّ من معرفة آرائهم واستنتاجاتهم حول هذه الواقعة.
ولو ألقينا نظرةً شاملةً على البحوث العلمية التي دوّنها المفكّرون الغربيون حول المعتقدات الإسلامية بشكلٍ عامٍّ ومعتقدات الشيعة بشكلٍ خاصٍّ، بكلّ تأكيدٍ سنجدها متأثّرةً بالأصول المعرفية المتجذّرة في أفكارهم وبالتالي فإنّهم عجزوا عن بيان الكثير من البحوث المتعلّقة بمعتقدات الشيعة من قبيل الإمامة وحقيقة الأئمّة الذين هم حجج الله على خلقه والنصّ الذي تمّ على أساسه تنصيبهم أئمّةً للمسلمين ومسائل أخرى كثيرة تتفرّع على هذه المعتقدات كواقعة الغدير، وذلك لأنّهم لم يفهموها فهماً صحيحاً.
المنهجية التي يتّبعها الباحثون الغربيون في دراساتهم حول الإسلام أو التشيّع عادةً ما ترتكز على أسلوبٍ تأريخيٍّ( ) أو ظاهري (فينولوجي)،( ) فالباحثون الذين يتّبعون الأسلوب الأوّل في دراساتهم ـ التأريخي ـ يتطرّقون إلى دراسة الأُسس الاعتقادية على ضوء مختلف العوامل التأريخية التي لها دورٌ في ظهور المعتقدات، وهؤلاء على خلاف أتباع الأسلوب الثاني، حيث لا يكترثون بمعرفة واقع المعتقدات والأُسس الفكرية ويرتكز موضوع بحثهم على أنّ كلّ ظاهرةٍ قد حدثت في رحاب أحداثٍ ووقائع تأريخيةٍ، ومن هذا المنطلق يعتقدون بعدم إمكانية دراسة أيّة ظاهرةٍ بعيداً عن تلك الأحداث والوقائع. وبما أنّ هذا الأسلوب يعتمد في أساسه على معايير مادّيةٍ وتجريبيةٍ تأريخيةٍ نوعاً ما ونظراً لكون أتباعه لا يؤمنون بأيّ دورٍ لعوامل ما وراء الطبيعة، نلاحظ أنّ النتائج التي يتوصّلون إليها في دراساتهم تؤكّد على أنّ الظواهر الناجمة عن الأحداث التأريخية إمّا أن تكون مزيّفةً أو لا تتطابق مع الواقع أو أنّها مبالغٌ فيها.
أمّا الباحثون الذين يتبنون في دراساتهم الأسلوب الثاني - الفينولوجي - فإنّهم يقيّمون موضوع البحث ويوضّحون المعتقدات ويبيّنون وظائفها في المنظومة العقائدية لأيّ دينٍ أو مذهبٍ على أساس آراء أتباعه، لذلك يمكن القول إنّ الرؤية المطروحة أكثر إيجابيةً من غيرها.
وحسب رأي الدكتور حسين نصر الذي يعدّ أحد المتأثّرين بالفكر الغربي،( ) فإنّ الكثير من الباحثين الغربيين لدى دراستهم المسائل الاعتقادية اتّبعوا الأسلوب التأريخي، وهناك عددٌ قليلٌ جدّاً منهم اتبع الأسلوب الفينولوجي؛ وعلى هذا الأساس فإنّ رؤية الأكثرية من الباحثين الغربيين قد ألقت بظلالها على قضية الغدير ممّا دعاهم لأن يصدروا أحكاماً مسبقةً ويرجّحون التصوّرات الذهنية على الحقائق الموجودة على أرض الواقع.
وتجدر الإشارة هنا إلى وجود بعض الدراسات التي قام بها باحثون غربيون حول الإسلام لكنّها لا تتطرّق إلى موضوع الغدير من قريبٍ ولا من بعيدٍ، في حين أنّ الأمانة العلمية وأسلوب البحث العلمي الصحيح يقتضيان ذكر هذه الواقعة المصيرية في تأريخ الأمّة الإسلامية، أو على أقلّ تقدير ذكر رأي الشيعة حولها. على سبيل المثال فإنّ كارل بروكلمان( ) ألّف كتاباً موسّعاً تناول فيه مختلف الأحداث التي طرأت على الأمّة الإسلامية في حياة رسول الله (ص) بالتفصيل وعنونه (تأريخ الشعوب الإسلامية)( )، لكنّه عندما وصل إلى الحديث عن حجّة الوداع لم يتطرّق إلى واقعة الغدير وتجاهل كلّ ما يرتبط بها بالكامل( )، في حين أنّه ضمن كلامه عن الخلفاء الراشدين ذكر النزاعات التي نشبت بعد رحيل رسول الله (ص) للاستئثار بمنصب الخلافة وزعم أنّ الإمام عليّ (ع) قد طمع فيها دون أن يلمّح إلى واقعة الغدير، حيث قال: «ثمّ إنّ علياً ابن عمّ النبيّ وزوج بنته، ادّعى لنفسه الحقّ في خلافته كرئيسٍ للدولة بوصفه أقرب الناس رحماً إليه، ولكنّه كان كسعد بن عبادة سيّد الأنصار الذي طمع في الخلافة أيضاً، لايملك من القوّة أو من النفوذ ما يساعده على تحقيق طلبته»( ).
أمّا الآثار العلمية التي ألّفها الباحثون الغربيون باللغة الإنجليزية والتي جعلناها محوراً للنقد والتحليل في هذا البحث، فهي مصادرٌ تناولت ما حدث في غدير خُم بالشرح والتحليل أو أنّها على أقلّ تقديرٍ أشارت إليه، كالمصادر التي طرحت فيها دراساتٌ حول حياة النبيّ الأكرم (ص) والتشيّع في باكورة الإسلام ونشأة التشيّع والإمامة لدى الشيعة ودور النصّ في تعيين الإمام، وما ماثل هذه المواضيع. وبالطبع فإنّ بحوثاً كهذه لم تدوّن باللغة الإنجليزية فحسب، بل إنّها دوّنت في مختلف اللغات الأوروبية كالفرنسية والألمانية، ومنها كتاب (محمّد)( ) لمكسيم رودنسون( ) و(محمّد والقرآن)( ) لرودي بارت( ) و(تأريخ الشعوب الإسلامية)( ) لكارل بروكلمان،( ) حيث تمحورت هذه الآثار على سيرة النبيّ الأكرم (ص) وسائر المواضيع المتعلّقة بالإسلام الحنيف، لكنّ البحث هنا مختصّ بما دوّنه الباحثون الغربيون باللغة الإنجليزية.
وضمن هذه الآثار، هناك مؤلّفاتٌ لم تدوّن وفق منهجٍ علميٍّ صحيحٍ وافتقدت الأمانة العلمية التي هي شرطٌ أساسيٌّ لكلّ بحثٍ علميٍّ، إذ لم تتطرّق إلى واقعة الغدير مطلقاً، ونذكر منها ما يلي:
1) مدخل كلمة (محمّد)( ) في موسوعة القرآن( ) ـ تدوين يوري روبن( ).
2) مدخل كلمة (محمّد)( ) في الطبعة الثانية من موسوعة الدين( ) ـ تدوين كارين آرمسترونغ( ).
3 ) كتاب (محمّد في المدينة)( ) ـ تأليف وليام مونتغمري واط( ).
4 ) كتاب (محمّد نبيّ وسياسي)( ) ـ تأليف وليام مونتغمري واط( ).
5 ) مدخل كلمة (محمّد)( ) ـ موسوعة الأديان العالمية( ).
6 ) كتاب (محمّد) السيرة الذاتية لرسول الله (ص)( ) ـ تأليف كارين آرمسترونغ( ).
7 ) مدخل عبارة (عليّ بن أبي طالب)( ) في الطبعة الثانية من موسوعة الإسلام( ) ـ تدوين لورا فيشيا فاغليري( ).
8 ) مدخل عبارة (عليّ بن أبي طالب)( ) في موسوعة القرآن( ) ـ تدوين علي آساني( ).
9 ) مدخل عبارة (حجّة الوداع)( ) في الموسوعة القرآنية( ) ـ تدوين ديفين جَي. ستيوارت( ).
10 ) كتاب (التأريخ الإسلامي الموجز)( ) ـ تأليف كارين آرمسترونغ( ).
11 ) مدخل عبارة (الإسلام الشيعي)( ) في موسوعة أوكسفورد للعالم الإسلامي( ) ـ تدوين جوزيف أي. كشيشيان،( ) السيّد حسين أم. جيفري،( ) حميد دباشي،( ) أحمد موسالي( ).
12 ) مقالة تحت عنوان (كيف تحوّل التشيّع الأوّل إلى فرقةٍ)( ) نشرت في مجلّة اتحاد مشرق أمريكا( ) ـ تأليف مارشال هوجسن( ).
13 ) مدخل كلمة (شيعة)( ) في موسوعة الأديان العالمية( ).
ومن الجدير بالذكر أنّ أصحاب هذه الآثار اعتمدوا بالكامل على المصادر التي تحظى بأولويةٍ لدى أهل السنّة فقط، أو أنّهم جعلوا بعض المصادر الفرعية الغربية مرتكزاً لدراساتهم؛ وهذا المنحى في البحث العلمي بكلّ تأكيدٍ يدلّ على ضعف الأسلوب، وبالتالي فإنّ النتيجة المتحصّلة منه باطلةٌ لكونه لا ينسجم مع ما تقتضيه المعايير العلمية الثابتة، وذلك لسببين:
الأوّل: الأسلوب العلمي الذي يجب اتّباعه في دراسة وتحليل أيّ موضوعٍ دينيٍّ يلزم الكاتب بأن يتطرّق إلى آراء ومعتقدات جميع المذاهب المنضوية تحت راية ذلك الدين والتي لها صلة بموضوع البحث.
الثاني: مصادر أهل السنّة التي اعتمد عليها هؤلاء الباحثون ترد عليها الكثير من الاشكالات والمؤاخذات، وبما في ذلك نقصان المعلومات الموجودة فيها والأسلوب الانتقائي الذي اتّبعه مؤلّفوها وعدم صحّة كلّ ما ذكر فيها.
وأمّا أهمّ المصادر التي اعتمد عليها الباحثون في الآثار المذكورة أعلاه، فهي عبارةٌ عن: صحيح البخاري، صحيح مسلم، سنن أبي داود، سنن الترمذي، سنن النسائي، سنن ابن ماجه، فتح الباري لابن حجر، سيرة ابن إسحاق، سيرة ابن هشام، طبقات ابن سعد، أُسد الغابة لابن الأثير، تأريخ الطبري، أنساب الأشراف للبلاذري، وقعة صفّين لنصر بن مزاحم الكوفي، تفسير ابن كثير، تفسير الطبري، تفسير (الكشّاف) للزمخشري، تفسير مجمع البيان للطبرسي.
والمثير للدهشة أنّ بعض هؤلاء الباحثين قد اعتمدوا على مصادر سنّية ذكرت فيها واقعة الغدير، لكنّهم مع ذلك لم يتطرّقوا إليها في مؤلّفاتهم. على سبيل المثال فإنّ يوري روبن الذي دوّن مدخل كلمة (محمّد) في موسوعة القرآن، ذكر مختلف الأحداث التي واكبت حياة النبيّ الأكرم (ص) وما جرى إبّان رسالته المباركة، لكنّه لم يذكر شيئاً حول ما جرى في غدير خُم رغم أنّه اعتمد مصادر تضمّنت أخباراً حول واقعة الغدير وبما فيها أنساب الأشراف للبلاذري وتفسير ابن كثير( ). وكذلك فإنّ وليام مونتغمري واط قد تناول مختلف جوانب حياة نبيّنا الأكرم (ص) بالشرح والتحليل في كتابه (محمّد في المدينة) ولا سيّما في أحد فصوله الذي عنونه بـ (وحدة العرب) ( )، حيث ذكر فيها أهمّ الأحداث التي طرأت في السنتين الأخيرتين من حياته المباركة، لكنّه لم يشر إلى ما حدث في يوم الغدير رغم أنّه اعتمد على كتاب ابن الأثير (أُسد الغابة) الذي ذكر أحداث الغدير في عدّة مواضع ونقل قول رسول الله(ص): «مَن كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ» عدّة مرّاتٍ( ).
أمّا لورا فيشيا فاغليري فقد دوّنت مدخل عبارة (عليّ بن أبي طالب) في الطبعة الثانية لموسوعة الإسلام وتطرّقت إلى الحديث عن مختلف جوانب حياة الإمام عليّ(ع)، لكن عند حديثها عن الخلافة اكتفت بالحديث عن امتناع الإمام عن بيعة أبي بكر في موضوعٍ عنونته (اختلاف عليّ مع أبي بكر) دون أن تشير إلى غدير خُم، وقالت: «ابتدع الشيعة كلاماً حول عليّ نسبوه إلى محمّد أو أنّهم فسّروا بعض كلامه بما يتناسب مع معتقداتهم لأنّهم يعتقدون أنّ النبيّ أراد تنصيب صهره وابن عمّه خليفةً له، ولكن كما هو معلومٌ فإنّه لم يذكر هذا الأمر في مرضه الذي توفّي على إثره». هذه الباحثة الغربية لم تذكر واقعة الغدير رغم أنّ أحد المصادر التي اعتمدت عليها هو كتاب (واقعة صفّين) الذي ذكر المؤلّف فيه قول رسول الله (ص) في تلك الواقعة: «مَن كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ» عندما تحدّث عن احتجاج عمّار بن ياسر على عمرو بن العاص( ).
وأمّا ديفين جَي. ستيوارت الذين دوّن مدخل عبارة (حجّة الوداع) في موسوعة القرآن، فهو أيضاً لم يتطرّق مطلقاً إلى واقعة الغدير التي تلت حجّة الوداع مباشرةً حيث اكتفى بالقول إنّ رسول الله (ص) ألقى خطبةً بعد انتهاء مناسك الحجّ وذكر بعض مضامينها، لكنّه لم يذكر تفاصيل هذه الخطبة وتجاهل الأمر الأهمّ من كلّ شيءٍ فيها، ألا وهو تنصيب الإمام عليّ (ع) خليفةً للمسلمين. فهذا الباحث الغربي تناسى موضوع الولاية واكتفى بذكر بعض ما ورد في الخطبة، كبيان حكم النسيء الذي اعتبره من المضامين الهامّة في هذه الخطبة واستند إلى (مجمع البيان) للعلامة الطبرسي في أنّ الاسم الآخر لسورة (النصر) هو (التوديع) ومن ثمّ ساق بحثاً حول زمان نزول هذه السورة التي قال البعض إنّها نزلت في حجّة الوداع وذكر آخرون بأنّها نزلت بمناسبة فتح مكّة، في حين أنّه لم يتحدّث أبداً عن الآية المباركة: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ...» التي يعتقد الشيعة بأنّها نزلت بمناسبة يوم الغدير، ورغم أنّ هذا الباحث الغربي استند إلى تفسير العلامة الطبرسي (مجمع البيان) الذي أكّد فيه على أنّها نزلت بمناسبة هذا اليوم المصيري واعتبره الرأي الصحيح من بين سائر الآراء التي طرحت، لكنّه لم يشر إلى هذا الرأي الهامّ في المدخل الذي دوّنه!( )
ومن المصادر الأخرى التي اعتمد عليها ستيوارت، كتاب (سنن النسائي) الذي ذكرت فيه واقعة الغدير وما قاله رسول الله (ص) حينها في مواضع عديدة وبعباراتٍ متشابهةٍ، منها: «من كنتُ وليّه فهذا وليّه، اللّهم والِ من والاه وعادِ من عاداه» و «من كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ، اللّهم والِ من والاهُ وعادِ من عاداه» وعبارات أخرى بنفس هذا المضمون( ). كما أنّ ابن ماجه في سننه والترمذي أيضاً في سننه وابن حجر في كتاب (فتح الباري)، نقلوا قول رسول الله (ص): «من كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ» دون أن يذكروا أنّه قاله في يوم الغدير( ).
وهناك بعض البحوث التي دوّنت في اللغة الإنجليزية تضمّنت إشاراتٍ مقتضبةً لواقعة الغدير وفي إطارٍ كلّيٍّ، نذكر منها ما يلي:
1 ) مدخل كلمة (محمّد)( ) في الطبعة الثانية من موسوعة الإسلام( ) ـ تدوين ترود إيلريت( ).
2 ) فصل (مهمّة محمّد)( ) في كتاب (تأريخ الفكر السياسي الإسلامي منذ عصر النبيّ إلى العصر الحاضر)( ) ـ تأليف أنطوني بلاك( ).
3 ) كتاب (خلفاء الرسول في الخلافة الراشدة)( ) ـ تأليف ويلفرد ماديلونغ( ).
4 ) مدخل عبارة (عليّ بن أبي طالب)( ) في الطبعة الثالثة من موسوعة الإسلام( ) ـ تدوين روبرت غليف( ).
5 ) مدخل عبارة (عليّ بن أبي طالب)( ) ـ موسوعة أوكسفورد للعالم الإسلامي( ) ـ تدوين عبد العزيز ساشدينا( ).
6 ) مقالة تحت عنوان (بعض آراء الشيعة الإمامية حول الصحابة)( ) ـ تدوين إيتان كولبيرغ( ).
7 ) مدخل كلمة (عليّ)( ) ـ موسوعة الأديان العالمية( ).
8 ) مدخل عبارة (أهل البيت)( ) في موسوعة أوكسفورد للعالم الإسلامي( ) ـ تدوين ميري إيلاين هيغلاند( ).
9 ) كتاب (مغامرة الإسلام، قيَم وتأريخ في الحضارة العالمية)( ) ـ تأليف مارشال هودجسون( ).
10 ) مقالة تحت عنوان (تكامل الشيعة)( ) ـ تدوين إيتان كولبيرغ( ).
11 ) مقالة تحت عنوان (التشيّع الأوّل في التأريخ والبحوث العلمية)( ) طبعت في مقدّمة سلسلة بحوث التشيّع( ) ـ تدوين إيتان كولبيرغ( ).
12 ) كتاب (التشيّع)( ) ـ تأليف هاينز هالم( ).
13 ) مدخل كلمة (تشيّع)( ) في الطبعة الثانية من موسوعة الدين( ) ـ تدوين ويلفرد ماديلونغ( ).
14 ) مدخل كلمة (شيعة)( ) في الطبعة الثانية من موسوعة الإسلام( ) - تدوين ويلفرد ماديلونغ( ).
15 ) مدخل كلمة (إمامة)( ) في الطبعة الثانية من موسوعة الإسلام( ) - تدوين ويلفرد ماديلونغ( ).
16 ) مدخل كلمة (إمامة)( ) في الطبعة الثانية من موسوعة الدين( ) ـ تدوين ويلفرد ماديلونغ( ).
17 ) مدخل كلمة (شيعة)( ) في موسوعة الإسلام وعالم المسلمين( ) ـ تدوين روبرت غليف( ).
18 ) مدخل كلمة (إمامة)( ) في موسوعة أوكسفورد للعالم الإسلامي( ) - تدوين عبد العزيز ساشدينا( ).
وهناك صنفٌ ثالثٌ من البحوث الإنجليزية تطرّق الباحثون فيها إلى واقعة الغدير التأريخية ومسألة خلافة النبيّ الأكرم (ص) بدقّةٍ وتفصيلٍ أكثر من الصنف الثاني، نذكر منها ما يلي:
1 ) مدخل عبارة (عليّ بن أبي طالب)( ) في موسوعة إيرانيكا( ) ـ تدوين إيتان كولبيرغ( ) وآي. كي. بوناوالا( ).
2 ) مدخل عبارة (عليّ بن أبي طالب)( ) في الطبعة الثانية من موسوعة الدين( ) ـ تدوين رضا شاه كاظمي( ).
3 ) فصل تحت عنوان (بحثٌ حول الخلافة)( ) الفصل الأوّل من كتاب (مذهب الشيعة)( ) ـ تأليف دونالدسون( ).
4 ) مدخل كلمة (شيعة)( ) في موسوعة (القرآن موسوعةٌ)( ) ـ تدوين أرزينا آر. لالاني( ).
5 ) مقالة تحت عنوان (آخر البحوث حول تأريخ التشيّع الأوّل)( ) في موسوعة الإسلام والعالم المسلم( ) ـ تدوين روبرت غليف( ).
6 ) كتاب (مقدمه اي بر تشيّع، تاريخچه وعقیده شیعه دوازده امامی)( ) باللغة الفارسية ـ تأليف موجان مومن( ).
7 ) مدخل كلمة (ولاية)( ) في موسوعة (القرآن موسوعةٌ)( ) ـ تدوين هيرمان لاندولت( ).
8 ) كتاب (الفكر الشيعي المبكر، تعاليم الإمام الباقر)( ) ـ تأليف أرزينا آر. لالاني( ).
9 ) مدخل عبارة (غدير خُم)( ) في موسوعة إيرانيكا( ) ـ تدوين ماريا ماسي دقاق( ).
10 ) مدخل عبارة (غدير خُم)( ) في موسوعة إيرانيكا( ) ـ تدوين أحمد كاظمي موسوي( ).
11 ) مقالة تحت عنوان (مطالبةٌ بحقٍّ في الماضي، غدير خُم وظهور تدوين التأريخ بواسطة الحافظية في أواخر عهد الفاطميين في مصر)( ) ـ تدوين بولا ساندرز( ).
12 ) مدخل عبارة (غدير خُم)( ) في موسوعة (القرآن موسوعةٌ)( ) ـ تدوين أسماء أفسر الدين( ).
13 ) مدخل عبارة (غدير خُم)( ) في الطبعة الثانية من موسوعة الإسلام( ) ـ تدوين لورا فيشيا فاغليري( ).
14 ) فصل تحت عنوان (حديث غدير خُم، ولاية عليّ بن أبي طالب وأفضليته المعنوية)( ) الفصل الثاني من كتاب (مجتمع الكاريزماتية، هوية الشيعة في باكورة الإسلام)( ) ـ تأليف ماريا ماسي دقاق( ).
ومن بين البحوث الإنجليزية التي دوّنها الباحثون الغربيون حول واقعة غدير خُم، فإنّ الفصل الثاني من كتاب السيدة ماريا ماسي دقاق( ) (مجتمع الكاريزماتية، هوية الشيعة في باكورة الإسلام)( ) والذي دوّنته تحت عنوان (حديث غدير خُم، ولاية عليّ بن أبي طالب وأفضليته المعنوية)،( ) يمكن اعتباره أكثر الآثار تفصيلاً حيث تطرّقت فيه إلى دراسة مختلف جوانب هذا الحدث التأريخي الهام، وكما نلاحظ فإنّها أفردت له فصلاً خاصّاً من بين الفصول الاثني عشر للكتاب، ولا نبالغ لو قلنا إنّ هذا الفصل تضمّن معظم المواضيع التي طرحت في سائر البحوث وبتفصيلٍ أكثر.

■ خلافة النبيّ محمّد (ص) في الدراسات الغربية :
الباحث الغربي روبرت غليف( ) دوّن مقالةً تحت عنوان (آخر البحوث حول تأريخ التشيّع الأوّل)( ) وتضمّنت موضوعاً عنونه (خلافة النبيّ محمّد)( ) تطرّق فيه إلى المسيرة التأريخية للدراسات التي قام بها الباحثون الغربيون حول خلافة النبيّ محمّد (ص) ونوّه فيه على أنّ آخر الدراسات الغربية التي نسبت تأريخ نشأة هوية التشيّع إلى ادّعاء أحقية الإمام عليّ (ع) بالخلافة بعد وفاة النبيّ والذي أثار جدلاً واسعاً. وتجدر الإشارة إلى أنّ هذه المقالة بشكلٍ عامٍّ متأثّرةٌ بكتاب السيّد ويلفرد ماديلونغ( ) (خلفاء الرسول في الخلافة الراشدة)( ). وقال غليف إنّه قبل تأليف هذا الكتاب لم يكن الباحثون الغربيون يعرفون ما إن كان النبيّ محمّد (ص) قد نصّب عليّاً (ع) خليفةً له أو أنّه ادّعى ذلك بنفسه.
وبالطبع فإنّ هذا التبرير ليس بعيداً عن الواقع فحسب، بل يعتبر تافهاً في ظلّ سعة نطاق معلومات الباحثين الغربيين واطّلاعهم على مختلف النصوص الإسلامية القديمة؛ لذا فإنّ غاية ما يمكن أن يدّعى من غموضٍ حول المسألة هو طرح السؤال التالي على سبيل المثال: هل أنّ قضية تنصيب الإمام عليّ (ع) من قبل رسول الله (ص) في يوم الغدير قد ذكرت تفاصيلها في المصادر التأريخية بالكامل أو أنّها ذكرت بشكلٍ مقتضبٍ؟ وبما أنّ النقد الأدبي يتولّى مهمّة تشخيص واقع الأخبار المذكورة في النصوص الإسلامية القديمة وبيان ما إن كانت مشوبةً بألفاظٍ إضافيةٍ أو أنّها صحيحةٌ أو مبتدعةٌ. فهذا السؤال الذي يطرح وفق القواعد التي تتبنّاها الأوساط العلمية والأكاديمية يبقى بلا جوابٍ، وبالتالي ينتفي من أساسه( ).
ومن جانبٍ آخر، هناك سؤالٌ يحظى باهتمامٍ بالغٍ بين الباحثين، وهو كيف أصبح هذا الموضوع المثير للجدل سبباً لسرد حكاياتٍ وقصصٍ من قبل الشيعة ومخالفيهم في النصوص الإسلامية القديمة؟ وهذا الأمر قد أرغم الباحثين على الإذعان بحتمية واقعة الغدير التي يرجع تأريخها إلى صدر الإسلام، لذلك لم يتطرّقوا في بحوثهم إلى بيان ما إن كانت حدثت حقّاً أو لا، بل انصبّ اهتمامهم على بيان مفهومها ومضمونها لدى الشيعة ومخالفيهم( ).
ويرى الباحث روبرت غليف أنّ ويلفرد ماديلونغ لا يتّفق مع بعض محلّلي النصوص الذين يرون عدم إمكانية استخراج الحقائق التأريخية من النصوص، إذ من خلال شرحه للأخبار التي وردت حول وصول الخلفاء الأربعة الأوائل إلى سدّة الخلافة والأخبار التي وردت حول نهاية خلافتهم، أثبت أنّ النصوص فيها قابليةٌ كامنةٌ لمعرفة الوقائع التأريخية. فهو يعتقد أنّ النصوص الموروثة من القرون الهجرية الأولى من شأنها أن تكون مستنداً يُعتمد عليه لاستخراج الوقائع التأريخية، كما أنّه يرفض فكرة رفض جميع المصادر بدعوى أنّها أساطير دوّنت بعد وقوع الأحداث التأريخية، ويرى أنّه من الممكن طرح صورةٍ أكثر دقةً وصواباً حول واقع الأحداث التأريخية من خلال الرجوع إلى تلك المصادر بشرط مراعاة جانب الاحتياط.
وتجدر الإشارة إلى أنّ هذا الباحث قد أجرى دراساته حول تأريخ الخلافة الإسلامية وفق منهج بحثٍ محوره الجواب عن السؤال التالي: كيف تولّى الخلفاء زعامة الأمّة الإسلامية بعد النبيّ (ص)؟ والنتيجة الهامّة التي توصّل إليها لدى دراسته التشيّع هي أنّ الإمام عليّ (ع) كان يعتبر نفسه منصّباً من قبل النبيّ (ص)، وأكّد على أنّ هذا الأمر كان مقبولاً لدى المسلمين ومتعارفاً في الجزيرة العربية في تلك الآونة وحتّى إنّه ينسجم مع السيرة النبوية،( ) ولكنّ هذا المنصب القيادي قد سُلب منه إثر المؤامرات التي حاكها بعض صحابة النبيّ (ص)( ).
ويضيف غليف أنّه لم يطرح حتّى الآن جوابٌ محدّدٌ حول النتائج التي توصّل إليها ماديلونغ في كتابه المذكور باستثناء ما قاله موروني( ) وغراهام( ) ودانييل( ) وماتسون( ) وكرون( ).
بعد نشر هذا الكتاب في عام 1997م لم يدوّن الباحثون الغربيون أيّة دراسةٍ على صعيد الخلافة الإسلامية في عهدها الأوّل، ورغم أنّ السيّد ماديلونغ دعا المؤرّخين إلى التعامل مع المصادر بطريقةٍ علميةٍ صائبةٍ لأجل أن يتمكّنوا من تدوين آثارٍ تأريخيةٍ معتمدةٍ حول العهد الأوّل للخلافة، لكنّ دعوته هذه لم تحظَ بإقبالٍ يذكر. أمّا بالنسبة إلى النتائج التي توصّل إليها، فقد دلّت على قابلياته العلمية المشهودة ورغبته الحقيقية في إجراء البحوث العلمية وفق أُسسٍ صحيحةٍ، لذلك قلّما يجرؤ أحدٌ على معارضتها رغم وجود بعض المؤاخذات عليها.
الإنجازات العلمية التي قام بها هذا الباحث يمكن اعتبارها ردّاً على ما طرحه كايتاني( ) ومن بعده وليام مونتغمري( ) اللذان زعما صحّة أخبار أهل السنّة التي وردت حول مسألة الخلافة وما يتعلّق بها( ).
وتجدر الإشارة إلى ما قاله روبرت غليف، حيث أكّد على أنّ البروفسور ماديلونغ قد أثّر على منهج البحث العلمي حول خلافة النبيّ (ص) بين العلماء الغربيين وغيّر تصوّرهم بحيث جعلهم يعتقدون بأنّه صلوات الله عليه قد نصّب عليّاً (ع) خليفةً له، واعتبر غليف أنّ هذا الأمر هو أحد محاسن إنجاز البروفسور ماديلونغ ومن آثاره الإيجابية.
رغم النقاط الإيجابية التي تطرّق إليها روبرت غليف في إنجاز البروفسور ماديلونغ، لكن يؤاخذ على الأخير في منهجيته ودقّة استنتاجاته التي توصّل إليها على أساس اعتقاده بكون النصوص الموروثة من القرون الهجرية الأولى مصدراً مناسباً لاستكشاف الحقائق التأريخية وعدم قبوله مبدأ رفض جميع المصادر بذريعة كونها أساطير دوّنت فيما بعد؛ لأنّ هذه المنهجية تتعارض مع ما يراه بعض الباحثين( ) الذين يطرحون إشكالاتٍ عليها، من قبيل قصور دلالة أهمّ مصادر السيرة على المطلوب وكون المعلومات المذكورة فيها انتقائية وغير قطعية، وما شاكل ذلك من مؤاخذاتٍ يذكرونها حول ما دوّنه الواقدي وابن سعد وابن هشام والطبري. فمصادر السيرة هذه قد دوّنت على أساس مصادر خاصّة تتضمّن كمّاً هائلاً من الأحاديث حول السيرة النبوية ويعود تأريخها إلى القرن الثالث الهجري، كما أنّ المعلومات الموجودة في المصادر التي ألّفت بعد ذلك التأريخ هي الأخرى لم تدوّن حسب منهجٍ منظّمٍ ولم تقارن مضامينها مع المعلومات السابقة.
ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ البروفسور ماديلونغ وإن أثبت كون الخلافة بعد النبيّ(ص) حقّاً للإمام عليّ (ع) ورغم أنّه ذكر أدلّةً عديدةً على ذلك، لكنّه لم يتقيّد بمحور البحث - أي موضوع الخلافة - في كتابه ولم يطرح جميع القضايا المتعلّقة بها بشكلٍ شاملٍ لدرجة أنّه لم يتطرّق إلى قضية تنصيب الإمام من وجهة نظر الشيعة، وبالتالي نلاحظ أنّ واقعة الغدير أصبحت مهمّشةً تقريباً وكأنّها موضوعٌ ثانويٌّ لا أهمية له. ومقدّمة الكتاب فهي الأخرى تتضمّن تفاصيل واسعة حول قضية الخلافة وما أراده رسول الله (ص)، ولكن رغم كلّ التفاصيل المذكورة نلاحظ أنّه لم يشر إلى غدير خُم. ومن المواضيع التي تناولها في المقدّمة، مسألة خلافة الأنبياء السابقين وكذلك طرح سؤالاً دون أن يجيب عليه، وهو: لماذا قصّر النبيّ (ص) في وضع برنامجٍ مناسبٍ لتعيين من يخلفه بعد وفاته؟( ) وضمن نقله لبعض الروايات والأخبار عن عائشة وابن عباس في هذه المقدّمة، قال: «منذ أن تولّى الإمام عليّ خلافة النبيّ فإنّ شيعة الكوفة يعتقدون بأنّه جعله وصياً له»( ). ودون أن يذكر واقعة غدير خُم، قال أيضاً في هذه المقدّمة: «أرسل محمّد علياً إلى اليمن كنائبٍ عنه في السنة العاشرة للهجرة، ولكنّ بعض تصرّفاته أثارت حفيظة عددٍ ممّن كانوا معه فشكوه إلى النبيّ. قبل وفاة محمّدٍ بثلاثة أشهرٍ ارتأى أن يدافع عن ابن عمّه في خطابٍ له بين جمعٍ عظيمٍ من الناس، ولكنّ الوقت لم يكن مناسباً آنذاك لتنصيب عليٍّ خليفةً له ويحتمل أنّه كان يرجو أن يعمّر بما فيه الكفاية حتّى يتمكّن فيما بعد من تنصيب أحد حفيديه؛ لذلك أخّر الإعلان عن خليفته»( ).
ومن الجدير بالذكر أنّ كتاب البروفسور ماديلونغ رغم اشتماله على تفاصيل ومباحث واسعة إلا أنّه أشار فقط إلى بيعة المسلمين للإمام عليّ (ع) مرّةً أخرى عندما تصدّى لتمرّد الخوارج في حرب النهروان التي يرجع تأريخها إلى أواخر أيام خلافته، لكنّه تجاهل جميع المسائل المتعلّقة بتنصيبه خليفةً للمسلمين،( ) في حين أنّه ذكر واقعة الغدير في مكانها غير المناسب من حيث منهجية البحث وأقحمها في موضوعٍ هامشيٍّ رغم أنّها أجلى دليلٍ على خلافة الإمام عليّ (ع) برأي الشيعة.
■ القيمة المعرفية لمصادر السيرة من وجهة نظر الباحثين الغربيين وأسلوب البحث الذي اعتمدوه :
لا يجد أيّ باحثٍ سبيلاً لدراسة رسالة النبيّ الأكرم (ص) وتأريخ صدر الإسلام إلا في رحاب مصادر السيرة المعتبرة، ولكن هناك مؤاخذاتٌ تطرح حول هذه المصادر وبما فيها اختلافها من حيث طرحها للحقائق بدقّةٍ وحياديةٍ وكذلك انتقاء مؤلّفيها للمعلومات بما يتناسب مع مشاربهم ومعتقداتهم. على سبيل المثال فإنّ الباحثة لورا فيشيا فاغليري( ) في مدخل عبارة (غدير خُم)( ) في الطبعة الثانية لموسوعة الإسلام، دوّنت حول مصادر السيرة ما يلي: «الكثير من المصادر التي اعتمدنا عليها لدراسة حياة النبيّ، كمؤلّفات ابن هشام والطبري وابن سعد، التزمت جانب الصمت حيال توقّف النبيّ في غدير خُم وحتّى بعض المصادر التي ذكرت هذا الأمر نجد أنّها لم تنقل شيئاً عن خطبة النبيّ في ذلك اليوم، ومن الواضح أنّ أصحاب هذه الكتب كانوا يخشون من أنّ نقل خطبة النبيّ يفسح المجال لمتكلّمي الشيعة بأن يدعموا آراءهم حول حقّ عليٍّ بالخلافة وبالتالي تقوى استدلالاتهم في نقاشاتهم مع أهل السنّة. ونتيجة الكلام أنّ المفكّرين الغربيين الذين اعتمدوا على هذه المصادر لدراسة حياة النبيّ محمّد لم يتطرّقوا في مدوّناتهم إلى ما حدث في غدير خُم بشكلٍ متّسقٍ»( ).
وأمّا السيدة ماريا ماسي دقاق( ) فقد تحدّثت عن حديث الغدير في مصادر السيرة النبوية قائلةً: «عندما ندقّق في أهمّ مصادر السيرة والتأريخ لأهل السنّة مثل سيرة ابن هشام ـ التي تعدّ أثراً منقّحاً لسيرة ابن إسحاق ـ أو تأريخ الطبري أو طبقات ابن سعد، فلا عجب في خلوّ غالبيتها من حديث الغدير. ومهما يكن الأمر، فلو تتبّعنا الموضوع نجد أنّ هذا الحديث موجودٌ في سائر مصادر أهل السنّة المعتبرة التي تناظر هذه المصادر، فعلى سبيل المثال نقل مؤرّخ القرن الثالث الهجري البلاذري صاحب كتاب (أنساب الأشراف) هذا الحديث بالكامل وذكر بعض روايات خطبة الرسول في يوم الغدير، وكذلك فإنّ محدّث أهل السنّة ابن حنبل قام بتغطية واقعة الغدير في مسنده بشموليةٍ أكثر من غيره، ومن ثمّ تلاهما مؤرّخون آخرون في ذلك كابن عساكر في (تأريخ مدينة دمشق) وابن كثير في (البداية والنهاية)، وهؤلاء المحدّثون والمؤرّخون هم من المتعصّبين لمذهب أهل السنّة. والملفت للنظر أنّ الكتابين الأخيرين يتضمّنان تفاصيل وشروح موسّعة لمختلف الآراء حول حديث الغدير كما نجد فيهما العديد من طرق هذا الحديث، وهذا ينطبق مع الكثير من مدوّنات الشيعة حتّى العهود المتأخّرة»( ).
وقد ذكرت السيّدة دقّاق كلاماً للباحث جاكوب لانسر( ) في كتاب (نشأة حكومة العباسيين)( ) أكّد فيه على عدم وجود معلوماتٍ كافيةٍ في مصادر السيرة حول موضوع الغدير، وذلك لأنّ الكثير من محدّثي أهل السنة ومؤرّخيهم، كالطبري وابن سعد والمسعودي واليعقوبي، إمّا أنّهم لم يتطرّقوا إلى حديث الغدير أو أنّهم قصّروا في ذكر تفاصيله لأنّهم كانوا يدوّنون مصادرهم تحت رعاية بني العباس ويعملون وفق مرامهم، لذا يمكن القول إنّ اختلاف النزعات من حيث الولاء لمذهب أهل السنة أو التشيّع كان سبباً لذلك، لكن يحتمل أن تكون الضغوط السياسية التي فرضت عليهم لادّعاء حقّانية بني العباس بالخلافة قد ألقت بظلالها على هذا التوجّه في تعاطي أحداث تلك الواقعة، لأنّ حديث الغدير يثبت أحقّية الإمام عليٍّ (ع) بالخلافة دون سواه، أي أنّه لا يثبت هذا الحقّ لجميع بني هاشم.
فالمؤرّخون الأوائل في عهد بني العباس نقلوا أنّ بني العباس بذلوا جهوداً حثيثةً لإثبات أحقّيتهم بالخلافة قبل أن يروّجوا لأحقّية منافسيهم العلويين بها، وهذه المساعي قد تزامنت مع تدوين أقدم مصادر التأريخ والحديث، لذلك كان لها تأثيرٌ جذريٌّ على تدوين التأريخ الإسلامي( ).
وفضلاً عن المؤاخذات الموجودة حول مصادر السيرة، فإنّ منهج البحث في الدراسات التي قام بها الباحثون الغربيون اعتماداً على هذه المصادر هي الأخرى جديرةٌ بالتأمّل، فالباحث هارالد موتزكي( ) وصف منهج البحث الذي يتّبعه الغربيون حول سيرة النبيّ (ص) في كتابه (سيرة النبيّ محمّد، مشكلة المصادر)( ) كما يلي: «ليست هناك دراساتٌ منهجيةٌ ونقديةٌ وافيةٌ حول مصادر سيرة النبيّ محمّد، فكتّاب السيَر دوّنوا في مؤلّفاتهم معلوماتٍ اقتبسوها من المصادر التي تعجبهم فحسب؛ لذا من الضروري إجراء دراساتٍ نقديةٍ حول ما تضمّنته كتب السيرة من أحاديث وأخبار بصفتها مصادر تأريخية، ولا بدّ لهذه الدراسة أن تكون تطبيقيةً كي يقارن الباحث فيها كلّ ما تصمّنته من أخبارٍ ويحدّد تأريخها»( ). ويضيف قائلاً: «لحدّ الآن لم تجر سوى بحوثٍ مقتضبةٍ للغاية حول تعيين مدى إمكانية الاعتماد على أحاديث السيرة النبوية، ويمكن القول إنّه لا يوجد معيارٌ لتقييم النصوص الحديثية، وأمّا منهج دراسة الوثائق فقد شهد تطوّراً في العصر الراهن ولم يتطرّق الباحثون على أساسه إلى تقييم المعلومات المتوفّرة حول السيرة إلا بندرةٍ»( ).
وحسب رأي هذا الباحث الغربي فإنّ كتب السيرة النبوية التي دوّنت حتّى اليوم قد اعتمدت على مصادر محدودة، ويمكن تقييدها في الحقيقة بسلسلةٍ واسعةٍ من الأحاديث التي يرجع تأريخ روايتها إلى القرن الثالث الهجري كما فعل الواقدي وابن سعد وابن هشام والطبري. وأكّد أيضاً على أنّ المعلومات الموجودة في المصادر التي دوّنت في القرن الثالث الهجري لم تكن على المحكّ ولم يتناولها الباحثون بالتحليل والمقارنة مع المعلومات السالفة وفق منهج بحثٍ معتبرٍ( ).

■ شهرة واقعة غدير خُم في المجتمع الإسلامي الأوّل :
تقول الباحثة ماريا ماسي دقاق حول ذياع صيت حديث الغدير بين المسلمين في العصر الإسلامي الأوّل: «إنّ المراجع التأريخية والأحاديث التفسيرية قد أشارت إلى حديث غدير خُم الذي كان شهيراً على نطاقٍ واسعٍ في العصور الإسلامية الأولى وكان منتشراً في كلّ بقعةٍ من بلاد المسلمين، لذلك هناك دليلٌ معتبرٌ وصحيحٌ يثبت وجود ارتباطٍ وثيقٍ وفريدٍ من نوعه بين مفهوم الولاية وشخصية عليّ بن أبي طالب... والواقع أنّ الذهن الإسلامي الواعي كان يدرك هذه الحقيقة منذ الأيام الأولى للإسلام»( ).
ونلاحظ في الفصل أيضاً من هذا الكتاب أنّ مقصود الباحثة من شهرة حديث الغدير وانتشاره هو شهرته بين فئةٍ معيّنةٍ في المجتمع الإسلامي الأوّل، لأنّها بعد أن نقلت بعض الأخبار من المصادر التي ذكرت ما جرى في يوم الغدير، أكّدت على أنّ إحدى النقاط المشتركة بين هذه الأخبار هي القبول بصحّة حديث الغدير من قبل المسلمين الأوائل الذين كانوا مقيمين في المدينة، لذلك استنتجت أنّ هذا الأمر يثبت عدم شهرته على نطاقٍ واسعٍ بين عامّة الناس واقتصاره على مؤلّفي هذه المصادر حتّى اندلاع أوّل حربٍ داخليةٍ( ) أو أنّه لم يروّج بين عامّة المسلمين( ).
وترى الباحثة أنّ الإمام عليّ (ع) كان يستند إلى ما قاله النبيّ (ص) في غدير خُم كلّما أراد أن يدافع عن حقّه، وقد كان يوجّه خطابه آنذاك إلى مسلمي المدينة سواء في خطبه التي ألقاها بين كبار المهاجرين من أصحاب الشورى أم في كلامه الذي وجّهه بالتحديد إلى طلحة بن عبيد الله الذي انتفض ضدّه. وأكّدت على أنّ الآخرين عندما يؤيّدون صحّة حديث الغدير دفاعاً عن حقّ الإمام عليّ (ع) فما يرجى من الصحابة المقيمين في المدينة هو علمهم به، لذلك كان يجدر بهم إخبار كلّ من كان لا يعلم به، سواءٌ في ذلك الموالين للإمام من أمثال أبي أيّوب الأنصاري أم غير الموالين له كسعد بن أبي وقّاص. ونوّهت على أنّ الاعتقاد بكون أهل المدينة فقط أو بعض النخبة منهم كانوا على علمٍ بحديث الغدير، ينسجم مع الظروف الزمانية التي حفّت بخطبة رسول الله (ص) ويتناسب مع مضمونها، لأنّ جميع الأخبار في هذا الصدد تدلّ على أنّه ألقاها في طريق العودة من مكّة إلى المدينة بعد حجّة الوداع، وقالت: «هذا يعني أنّ المسلمين المقيمين في مكّة والكثير من مسلمي القبائل الذين كانوا يقطنون خارج المدينة لم يكونوا حاضرين في ذلك اليوم ليشهدوا الإعلان الرسمي لخلافة الإمام عليّ (ع)، لذلك فإنّ معاوية بن أبي سفيان الذي كان من أهل مكّة ادّعى عدم علمه بذلك»( ).
وأكّدت السيّدة دقّاق على أنّ الكثير من المصادر الإسلامية التي دوّنت في العصور الإسلامية الأولى تتضمّن أخباراً صريحةً وإشاراتٍ إلى ما قاله النبيّ (ص) في هذه المناسبة رغم عدم اشتمالها على خبرٍ يتناول ما حدث في الغدير بشكلٍ شاملٍ ومن جميع جوانبه، لذلك نلاحظ أنّ المصادر الروائية والتأريخية التي دوّنت فيما بعد تتضمّن في طيّاتها أخباراً متفرّقةً حول هذه الواقعة حتّى وإن لم يخصّص لها بابٌ بالتحديد.
ذكرت هذه الباحثة الغربية الأمثلة التالية من المصادر التي اعتمدت عليها في استنتاج آرائها( ) :
1 ) خبر أبي الطفيل عامر بن واثلة حول استدلال الإمام عليّ (ع) في حقّه بالخلافة وعدم استحقاق سائر أعضاء الشورى الذين عيّنهم عمر بن الخطاب لينتخبوا من بينهم خليفةً بعد موته، حيث حاججهم صلوات الله عليه قائلاً: «نشدتُكم بالله، هل فيكم أحدٌ قال له رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلم) كما قال لي: إنّ الله أمرني بولاية عليٍّ، فولايته ولايتي، وولايتي ولاية ربّي، عهدٌ عهده إليَّ ربّي، وأمرني أن اُبلِّغكموه، فهل سمعتم؟» قالوا: نعم قد سمعناه، ثمّ قال: «نشدتكم بالله، هل فيكم أحدٌ قال له رسول الله (ص): أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلا أنّه لا نبيّ بعدي؟»، قالوا : اللّهم لا( ).
2 ) ما جرى في يوم (الرحبة) وذلك عندما اجتمع الكثير من المسلمين إبّان خلافة الإمام عليّ (ع) في الرحبة. ففي ذلك اليوم طلب الإمام ممّن كان حاضراً في يوم الغدير وسمع قول رسول الله (ص): «مَن كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ» أن يشهد بذلك( ).
3 ) موقف أبي أيّوب الأنصاري وبعض الصحابة من الأنصار في يوم (الرحبة) عندما خاطبوا الإمام عليّ (ع) واصفين إيّاه بـأنّه مولاهم ودهشته من ذلك، حيث سألهم كيف يكون مولاهم وهم عربٌ أحرارٌ؟! لكنّهم استشهدوا بحديث الغدير كشاهدٍ على استخدام هذه الكلمة بحقّه، حيث قال رسول الله (ص): «من كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ»( ).
4 ) كلام سعد بن أبي وقّاص( ) مع معاوية بن أبي سفيان الذي استولى على الخلافة بعد شهادة الإمام عليّ (ع)، حيث أنّبه واعتبره ليس أهلاً للخلافة فقال له: «قاتلت علياً وقد علمت أنّه أحقّ بالأمر منك»، فقال معاوية: «ولـِـمَ ذاك؟» فأجابه سعد: «لأنّ رسول الله (صلّى الله عليه وسلم) يقول: (من كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ، اللّهم والِ من والاهُ وعادِ من عاداهُ)، ولفضله في نفسه وسابقته»، فقال معاوية: «فما كنتَ قطُّ أصغر في عيني منك الآن»، أجابه سعد: «ولـِـمَ؟» قال: «لتركك نصرته وقعودك عنه، وقد علمت هذا من أمره»( ).
5 ) الحوار الذي دار بين الإمام عليّ (ع) وطلحة بن عبيد الله قبيل اندلاع حرب الجمل، حيث استشهد الإمام بقول رسول الله (ص): «اللّهم والِ من والاهُ وعادِ من عاداهُ» وحذّر طلحة من العاقبة السيّئة إثر نكثه العهد ونقضه البيعة بقيامه على الخليفة الشرعي( ).
رغم أنّ السيّدة دقاق دعمت استنتاجاتها بشواهد عديدة، لكنّها تجاهلت بعض الاشكالات التي ترد على هذه الاستنتاجات، على سبيل المثال كلّما تتطرّق إلى دفاع أمير المؤمنين (ع) عن حقّه في الخلافة فهي تذكر أنّه استدلّ بما قاله رسول الله (ص) يوم الغدير وتؤكّد على أنّ مخاطبيه في ذلك اليوم كانوا من أهل المدينة معتمدةً على حدثين تأريخيين، أحدهما احتجاجه على أعضاء الشورى التي عيّنها عمر والذين يعتبرون من رموز المهاجرين، والآخر احتجاجه على طلحة بن عبيد الله الذي كان من أهل المدينة وشارك في حرب الجمل إلى جانب عائشة.
ومن المؤاخذات الأخرى التي تطرح على استنتاجاتها هو أنّها تؤيّد صحّة ادّعاء معاوية بن أبي سفيان في عدم علمه بحديث الغدير، ولكن جميع الشواهد التي ذكرتها على هذا الصعيد لا يمكن أن تكون مستنداً يثبت جهل معاوية بهذا الأمر الذي كان شائعاً على نطاقٍ واسعٍ آنذاك. وأمّا بالنسبة إلى الشورى التي عيّنها الخليفة الثاني فإنّ أعضاءها مكثوا في مكانٍ واحدٍ مدّة ثلاثة أيّامٍ كي يعيّنوا أحدهم خليفةً، وبالطبع فإنّ الحاضرين في هذه الشورى فقط كانوا منافسين للإمام عليّ (ع) على منصب الخلافة، لذا فإنّها لم تكن أمام الملأ العام حتّى نعتبر مخاطبيها آنذاك جميع المسلمين، كما أنّها تشكّلت في المدينة ومن الطبيعي أنّ أهل المدينة هم مخاطبو الإمام عليّ (ع) حينها.
ومن أعضائها طلحة والزبير اللذان كانا من رؤوس الخارجين على الإمام عليّ (ع) أيام خلافته في حرب الجمل بعد أن حرّضا عائشة على المشاركة في هذه الحركة المتمرّدة على القانون، ومن البديهي أنّ الأوضاع كانت تقتضي بأن يتمّ الإمام عليّ (ع) الحجّة على رموز هذه الفتنة لصيانة المجتمع الإسلامي من شرّهم ومكائدهم، وقد كانت حجّته بالغةً لدرجة أنّ الزبير الذي يعدّ المحرّك الأساسي لهذه الفتنة، انسحب من الحرب بعد أن وبّخه الإمام، إلا أنّ طلحة مع اعترافه بحقّ الإمام بالخلافة وإذعانه بصحّة ما قاله رسول الله (ص) يوم الغدير لكنّه أصرّ على مواصلة القتال طمعاً بحطام الدنيا( ).
ويمكن نقض استدلال هذه الباحثة في أنّ معاوية بن أبي سفيان لم يكن على علمٍ بحديث غدير خُم في النقاط التالية:
1 ) لا يختلف اثنان في أنّ معاوية كان من ألدّ الخصام للإمام عليّ (ع)، لذا فإنّ عدم اعترافه بصحّة حديث الغدير هو أمرٌ متوقّعٌ لكونه لم يتوانى عن أيّة ذريعةٍ لبلوغ مآربه الشيطانية.
2 ) المؤرّخون والمحدّثون من أهلّ السنّة أشاروا إلى أنّ الطليقين معاوية وأباسفيان بعد أن تظاهرا باعتناق الإسلام في أحداث فتح مكّة، شاركا في غزوتي حنين والطائف مع رسول الله(ص)، كما أنّهم اعتبروا معاوية كاتباً للوحي( )؛ لذلك لو استندنا إلى ما نقله هؤلاء في هذا الصدد ينبغي لنا أيضاً الاستناد إلى أقوالهم الأخرى، إذ إنّهم نقلوا أنّ معاوية كان بعيداً عن رسول الله (ص) في آخر أيام حياته ولم يكن يعلم بما يحدث آنذاك؛ ناهيك عن أنّ جهل شخصٍ مثل معاوية بواقعة الغدير المصيرية يعدّ أمراً مستحيلاً تقريباً لأنّ الحقيقة الدامغة التي لا مناصّ منها هي أنّ زعماء النفاق والمعارضة لدين الله من أمثال معاوية وأبي سفيان كانوا حريصين على متابعة جميع أخبار النبيّ (ص) ومعرفة كلّ ما يقوله لكي يحوكوا مؤامراتهم ضدّه بنجاحٍ. وتجدر الإشارة أيضاً إلى أنّ رسول الله (ص) كانت له صلة قرابة معهما لأنّ زوجته أمّ حبيبة هي بنت أبي سفيان.
3 ) هناك ملاحظة هامّة جدّاً تجدر الإشارة إليها هنا، وهي أنّ واقعة الغدير قد اكتنفتها ظروفٌ خاصّةٌ جعلتها تنتشر كخبرٍ هامٍّ في جميع بقاع العالم الإسلامي.
غدير خُم يقع في الطريق الواقع بين مكّة والمدينة على مسافة ثلاثة أميالٍ من الجحفة التي هي مفرق طرقٍ يفترق فيه مسير القوافل المتجّهة نحو المدينة ومصر والعراق،( ) لذا فإنّ حجّاج بيت الله الحرام العائدون إلى ديارهم بعد حجّة الوداع لم يكونوا قد افترقوا في غدير خُم لأنّهم لم يصلوا إلى الجحفة بعد، وهذا يعني بكلّ تأكيدٍ أنّ الذين استمعوا إلى خطبة رسول الله (ص) في يوم الغدير لم يكونوا من أهل المدينة فحسب. فضلاً عن ذلك، ليس هناك أيّ دليلٍ قطعيٍّ يثبت عدم حضور أشخاصٍ من أهل مكّة في هذا الحدث المصيري بصفتهم ممثّلين عن قومهم. أمّا السيّدة ماريا ماسي دقاق فقد أكّدت على أنّ الظروف التي اكتنفت واقعة الغدير تقتضي انتشار خطبة رسول الله (ص) في كلّ مكانٍ، وقالت: «من المحتمل أنّ المسلمين المقيمين في مكّة والكثير من مسلمي القبائل الذين كانوا يقطنون خارج المدينة لم يكونوا حاضرين في ذلك اليوم ليشهدوا الإعلان الرسمي لخلافة الإمام عليّ، لكنّنا لو تتبّعنا ما حدث في ذلك اليوم ولاحظنا الطريقة التي ألقيت الخطبة فيها والظروف التي اكتنفتها والتمهيدات التي اتّخذت لها في حضور كبار الصحابة الذين بايعوا الإمام عليّ بإمرة المؤمنين، سوف يثبت لنا بشكلٍ لا يشوبه أدنى شكٍّ بأنّ خبراً بهذه الأهمية قد انتشر بسرعةٍ في كلّ مكانٍ وأنّ المسلمين قد تناقلوه بينهم أينما حلّوا ونزلوا».
وتجدر الإشارة إلى أنّ العلامة الأميني (رض) صاحب كتاب (الغدير في الكتاب والسنّة والادب) ذكر أسماء 110 صحابي رووا هذه الواقعة التأريخية الهامّة وذكر أسماءهم والطرق التي روي منها الحديث، حيث قال: «هؤلاء مائة وعشرة من أعاظم الصحابة الذين وجدنا روايتهم لحديث الغدير، ولعلّ فيما ذهب علينا أكثر من ذلك بكثيرٍ، وطبع الحال يستدعي أن تكون رواة الحديث أضعاف المذكورين لأنّ السامعين الوعاة له كانوا مائة ألفٍ أو يزيدون، وبقضاء الطبيعة إنّهم حدّثوا به عند مرتجعهم إلى أوطانهم شأن كلّ مسافرٍ ينبئ عن الأحداث الغريبة التي شاهدها في سفره. نعم، فعلوا ذلك إلا أشذاذٌ منهم صدّتهم الضغائن عن نقله، والمحدّثون منهم وهم الأكثرون فمنهم هؤلاء المذكورون، ومنهم من طوت حديثه أجواز الفلى بموت السامعين في البراري والفلوات قبل أن ينهوه إلى غيرهم، ومنهم من أرهبته الظروف والأحوال عن الإشادة بذلك الذكر الكريم وقد مرّ تلويحٌ إلى ذلك في رواية زيد بن أرقم، وجملة من الحضور كانوا من أعراب البوادي لم يتلق منهم حديثٌ ولا انتهى إليهم الإسناد؛ ومع ذلك كلّه ففي من ذكرناه غنىً لإثبات التواتر»( ).
وأمّا بالنسبة إلى رواية عامر بن واثلة التي تضمّنت احتجاجاً للإمام عليّ (ع) بحديث الغدير على أصحاب الشورى، فقد شكّكت السيدة دقاق في صحّتها لأنّ الراوي من الموالين للإمام. ومن البديهي أنّ هذه المؤاخذة على الرواية لا مورد لها لأنّ الأخبار التأريخية بشكلٍ عامٍّ هي أخبار آحادٍ، والأمر الهامّ على هذا الصعيد هو وجود قرائن تفيد الاطمئنان بصحّة هذه الأخبار ولا يوجد ما يناقضها؛ وإحدى القرائن الواضحة التي تؤيّد صحّة ما رواه عامر بن واثلة هي أنّ الإمام في هكذا ظروف كان ملزماً بإتمام الحجّة على من هو ليس بأهلٍ للخلافة، وذلك بالطبع إنّما يكون بالتذكير بأوامر رسول الله (ص) التي ألزم المسلمين باتّباعها، ومنها ما قاله في يوم الغدير. وبكلّ تأكيدٍ فإنّ هذه الحقائق والأخبار لا تنسجم مع مشارب وتوجّهات الفئة الحاكمة آنذاك، لذلك لا يتمّ تناقلها إلا عن طريق الموالين للإمام عليّ (ع) فحسب، لأنّ مؤيّدي النظام الحاكم وغيرهم من الجبناء كانت لهم دواعيهم الخاصّة التي جعلتهم ينكرونها أو يعتّمون عليها، بل ويقبلونها في بعض الأحيان؛ وعلى هذا الأساس نجد أنّها قد همّشت بمرور الزمان ومن ثمّ تلاشى الكثير منها بالتدريج.
ومن الجدير بالذكر أنّ السيّدة دقاق التي شكّكت في هذه الرواية، قالت: « تذكير الإمام عليّ الناس بخطبة غدير خُم دون أن يذكر تفاصيل أخرى - كما تتناقلت مصادر الفريقين شيعةً وسنّةً - دليلٌ على قبول هذه الخطبة بصفتها فضيلة معنوية له، وهذا ما كان مشهوراً على نطاقٍ واسعٍ بين مختلف مؤلّفي المصادر الإسلامية في العصور الأولى»( ).

■ مستوى تغطية مصادر التأريخ والحديث لحديث الغدير :
أحد الأبحاث النظرية التي تطرح حول حديث غدير خُم هو موضوع سعة نطاق انتشاره في عهد حكومات بني أمية وتأثّره بالظروف التي كانت سائدةً آنذاك والسكوت عنه بشكلٍ مؤقّتٍ بعد ظهور فرق وفئات سياسية - دينية إبّان حكومات بني العباس.
السيّدة ماريا ماسي دقاق بدورها تناولت هذا الموضوع في الفصل الثاني من كتابها الذي أشرنا إليه وذكرت العديد من الشواهد لبيان ما اكتنف جوانب واقعة الغدير في تلك الآونة، ومن الجدير بالذكر أنّ بعض مصادر أهلّ السنّة لم تذكر حديث الغدير وبما فيها سيرة ابن هشام التي تعدّ تنقيحاً لسيرة ابن إسحاق وكذلك تأريخ الطبري وطبقات ابن سعد، بينما هناك مصادر أخرى تضمّنت حديث الغدير مثل كتاب أنساب الأشراف للبلاذري الذي يرجع تأريخه إلى القرن الثالث الهجري، كما هناك مصادر فيها تفاصيل واسعة حول واقعة الغدير كمسند أحمد بن حنبل وكتب التأريخ التي أُلّفت بعده كتأريخ مدينة دمشق لابن عساكر والبداية والنهاية لابن كثير. وتجدر الإشارة إلى أنّ جميع هذه المصادر دوّنت وفق مشارب مذهب أهل السنّة فحسب( ).
وتقول دقاق إنّ مصادر ومؤلّفات الشيعة التي يرجع تأريخها إلى العصر الأموي قد ذكرت أحداث الغدير، كالهاشميات وأشعار الكميت بن زيد الأسدي وكتاب سُليم بن قيس المثير للجدل، كما أنّ الغالبية العظمى من مصادر الحديث الشيعية التي دوّنت في أواخر القرن الثالث الهجري قد تضمّنت حديث الغدير، من قبيل أصول الكافي للعلامة الكليني؛ ولكنّها لم تخصّص أبواباً ومباحث مستقلّة للغدير، بل ذكرته لإثبات صحّة عقيدة الشيعة الإمامية حول النصّ على الخلافة. ولعلّ سبب هذا الأمر يرجع إلى أنّ الذين دوّنوا كتب الحديث فيما بعد كانوا يتصورّون أنّ مخاطبيهم الشيعة لهم اطّلاعٌ واسعٌ حول ما جرى في واقعة الغدير ويعرفون جميع تفاصيل الخطبة التي أُلقيت فيه، لذلك لا نلاحظ إلا اليسير من المؤلّفات التي تمحورت حول هذا الموضوع في تلك الآونة. كما أنّ بعض المصادر التأريخية المعروفة التي لم يكن مؤلّفوها مناهضون للشيعة لم تغطِّ هذه الواقعة تغطيةً شاملةً، فعلى سبيل المثال لم يذكر المسعودي في كتابه مروج الذهب شيئاً عنها واليعقوبي ذكر لمحةً موجزةً دون أن يذكر تفاصيل( ).
وترى هذه الباحثة أنّ ذكر حديث الغدير في بعض مصادر أهل السنّة وعدم ذكره في بعض مصادر الشيعة هو أمرٌ مثيرٌ للدهشة لكنّه لم يحدث عن طريق الصدفة، فحسب رأيها لو أنّنا راجعنا تأريخ جميع المصادر التي تضمّنت معلوماتٍ وأخباراً حول الغدير لوجدناها إمّا أن تكون قد دوّنت في العصر الأموي أو أنّها دوّنت بعد ذلك، وفي كلا الحالتين فإنّها أعارت اهتماماً كبيراً بالأحاديث والأخبار التي كانت سائدةً في أوائل هذا العصر، لذلك حفظتها في طياتها( ).
العلماء في أوائل العصر العباسي أكّدوا على أنّ بني العباس كانوا يروّجون بين الناس أنّهم أحقّ بالخلافة أكثر ممّا كان يروّج العلويون لأحقّيتهم بها، وهذه المساعي بالطبع قد تواكبت مع أحداثٍ حسّاسةٍ شهدها المجتمع الإسلامي آنذاك وبالتالي ألقت بظلالها على تدوين التأريخ والحديث فبقيت آثارها ملموسةً على عملية تدوين التأريخ الإسلامي.
إضافةً إلى ذلك فإنّ العباسيين وبعض متكلّمي الشيعة الإمامية في أوائل عهد بني العباس قد نأوا بأنفسهم عن الحركات الأصولية الشيعية التي ظهرات في رحاب الأجواء الطائفية التي شاعت في أواخر العصر الأموي. تقول السيّدة دقاق حول ذلك: «كما ذكرنا آنفاً فإنّ هذا الأمر يدل بشكلٍ قطعيٍّ على أنّ تأريخ حديث الغدير يضرب بجذوره في زمانٍ سبق العصر الأموي بكثيرٍ وقد حظي باهتمامٍ بالغٍ في الأجواء السياسية والطائفية التي سادت في أواخر هذا العصر، ولكنّه سرعان ما آل إلى الأفول بين الأوساط الفكرية في باكورة العصر العباسي، وكأنّما خفي حتّى على بني العباس الذين كانوا يزعمون أنّهم أكثر تعصّباً من العلويين في الدفاع عن حقوق جميع بني هاشم!»( ) .
ولكن استدلال الباحثة في هذا المضمار ليس تامّاً، إذ هناك مصادر مؤلّفة في العصر العباسي قد تطرّقت إلى ذكر أحداث الغدير، مثل كتاب أنساب الأشراف للبلاذري ومسند أحمد بن حنبل. وتبرّر ذكر الحديث في هذين المصدرين بالقول: «لا شكّ في أنّ المؤرّخ السنّي البلاذري في كتابه (أنساب الأشراف) الذي صنّفه كمصدرٍ للأنساب قد انحاز إلى بني أمية نوعاً ما، حيث جمع الكثير من معلوماته عندما كان مقيماً في دمشق لمدّةٍ طويلةٍ، ويحتمل أنّه وجـد هنـاك أحاديثاً كثيرةً يرجـع تأريخهـا إلى ما قبل العهد العباسي وبقيت مكتومةً في صدور رواة الشام فأضافها إلى كتابه ممّا زاد من أهميّته ليصبح أحد المصادر القيّمة من مصادر العصور الإسلامية الأولى. وتغطيته الملحوظة لواقعة الغدير مقارنةً مع المصادر التأريخية التي دوّنت قبله في عصر بني العباس والتي لم تتضمّن تفاصيل واسعة حول الأحداث التأريخية التي سبقت العهد الأموي، تدلّ على أنّه قد اقتبس أخبار الغدير من مصادر أقدم من المصارد التي ذكرناها.
أمّا ابن عساكر فهو المحقّق الدمشقي الآخر الذي دوّن أوسّع البحوث وأجزلها حول واقعة الغدير في مصادر أهل السنّة وقد اعتمد إلى حدٍّ كبيرٍ على ما رواه مؤرّخو الشام الذين كانت لديهم أخبارٌ يعود تأريخها إلى ما قبل العهد الأموي، كما أنّ مؤرّخ أهل السنّة المعروف ابن كثير هو الآخر قد تحدّث عن الغدير بالتفصيل معتمداً على ابن عساكر بشكلٍ أساسيٍّ»( ).
كما أنّ السيّدة ماريا ماسي دقاق قد برّرت وجود حديث الغدير في مسند أحمد ابن حنبل الذي دوّن في العصر العباسي رغم أنّ مؤلّفه لم يكن مؤرّخاً ولم يكن متأثّراً بما روي في العهد الأموي، كما يلي: «هذه المسألة متأثّرةٌ بعوامل عديدة لها صلةٌ بالرؤى العقلية والكلامية التي كانت مطروحةً في العصرين الأموي والعباسي، فابن حنبل أوّلاً هو أحد المحدّثين المتعصّبين لأهل السنة وكان ينتمي إلى مدرسةٍ فكريةٍ ترتكز مبادؤها على المصادر الروائية ولا تعير أهميةً للتوجّه العقلي والكلامي، لذا فإنّ مسنده تضمّن مجموعةً من الأحاديث التي حصل عليها، وحينما كان يجد سلسلةً سنديةً صحيحةً أو مصدراً معتبراً لأحد الأحاديث فإنّه كان يضيفهما إلى كتابه مثلما فعل بالنسبة إلى حديث الغدير وبعض الأحاديث الأخرى التي تنصبّ لصالح العلويين. ثانياً إنّ أحمد بن حنبل قد وضع حجر الأساس للمصالحة السنّية، فالإمام عليّ آنذاك لم يكن مقبولاً لدى الأوساط غير الشيعية وكان يتعرّض للسبّ، لكنّ ابن حنبل جعله من الخلفاء الراشدين إلى جانب أبي بكر وعمر وعثمان، وبالطبع فإنّ ذكره للعديد من الأحاديث التي تتضمّن فضيلةً لعليّ تدعم موقفه هذا.
فضلاً عن ذلك، فإنّ ابن حنبل كان معروفاً بمعارضة معظم الأطروحات العقلية والكلامية التي سادت في أوائل العهد العباسي معارضةً شديدةً لدرجة أنّه تعرّض للتعذيب وتحمّل معاناةً كبيرةً دفاعاً عن موقفه هذا. وعلى هذا الأساس يبدو أنّه لم يتأثّر بأفكار معاصريه ولم تفرض عليه آراء سياسية وكلامية من قبل حكومة بني العباس، في حين أنّ الكثير من أصحاب القلم البارزين الذين تجاهلوا حديث الغدير أو أولئك الذين لم يؤدّوا واجبهم في بيان تفاصيله، كالطبري وابن سعد والمسعودي واليعقوبي، يعتبرون ممثّلين رسميين لبني العباس في نقل الأخبار والأحاديث. إنّ التوجّهات الفكرية الشيعية والسنّية التي كانت سائدةً آنذاك قد تكون متأثّرةً بالضغوط الفكرية التي تفرض على العلماء الترويج لأحقية بني العباس، وحديث الغدير قد لا يفي بهذا الغرض لأنّه يدلّ فقط على أحقّية الإمام عليّ بالخلافة ولا يدلّ على أحقّية جميع بني هاشم بها»( ).
يبدو أنّ السيّدة دقاق قد غفلت عن مسألتين في تحليلها هذا أو أنّها تركتهما دون جوابٍ، وهما:
أوّلاً: أشارت إلى عدم الاهتمام بحديث الغدير في العهد العباسي لكنّها لم تذكر سبب الاهتمام به في العهد الأموي! من المؤكّد أنّها تقصد من ذلك أواخر العهد الأموي لكنّها لم تشر إلى أنّ الاهتمام بحديث الغدير وانتشاره على نطاقٍ واسعٍ قد كان بطلبٍ من عمر بن عبد العزيز الذي ألغى منع تدوين الحديث بعد وفاة النبيّ الأكرم(ص) أو أنّه ناشئٌ من الأجواء السياسية المفتوحة في تلك الآونة إثر ضعف نظام بني أمية والحركات المناهضة لهم في مختلف البلاد الإسلامية.
ثانياً: ذكرت دور خلفاء بني العباس في تهميش حديث الغدير لكنّها تجاهلت دور الخلفاء الأوائل الذين تصدّوا للخلافة قبل العهد الأموي وكذلك دور خلفاء بني أمية الأوائل. وبالطبع فإنّ إحدى النقاط الهامّة التي لا يمكن التغاضي عنها هي أنّ الأجواء السياسية التي أصبحت أكثر انفتاحاً بعد ضعف الحكم الأموي في أيامه الأخيرة وانطلاق بعض الحركات الشيعية حينذاك، هما أمران جديدان على الساحة ولم يشهدهما المجتمع الإسلامي إبّان عهد الخلفاء الأوائل، لذلك فإنّ بيان فضائل أهل البيت (ص) وبعض القضايا الهامّة من قبيل واقعة الغدير قد كان أمراً في غاية الصعوبة إثر الضغوط التي مارستها أنظمة الحكم.
لا ريب في أنّ النزاعات التي حدثت على الخلافة والصراعات السياسية ونجاح الخلفاء في قمع مناهضيهم، سواءٌ في المجتمع الإسلامي أو في أيّ مجتمعٍ آخر، هي أمورٌ ينجم عنها منع تدوين أو نشر أيّة حقيقةٍ أو خبرٍ يتعارض مع مصالح الطبقة الحاكمة، وعلى هذا الأساس فإنّ الحقائق والأخبار إمّا أن تنكر من أساسها وإمّا أن يتمّ التعتيم عليها أو أنّها تُقلب رأساً على عقبٍ بواسطة أصحاب المصالح والجبناء الذين لا يجد الإيمان مكاناً في نفوسهم، أو أنّها تبقى مهمّشةً إلى أن تتلاشى بالتدريج. ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ الأخبار التي تخدم مصالح النظام الحاكم أو تلك التي لا تتعارض مع هذه المصالح، تجمع في مصادر ويتمّ الترويج لها دون مضايقاتٍ تذكر.
وبطبيعة الحال فإنّ نطاق التعتيم على الحقائق التي تتعارض مع مصالح النظام الحاكم والحيلولة دون نشر الأخبار التي تتضمّن كلّ ما يمتّ بصلةٍ لهذه الحقائق، يشمل جميع التفاصيل العامّة والجزئية دون استثناءٍ، ناهيك عن أنّه يشمل حتّى المسائل الأساسية التي لا يمكن التغاضي عنها، لذلك نلاحظ في هذه الحالة أنّه يتمّ نشر جانبٍ يسيرٍ من تلك المسائل الأساسية في بطون الكتب على شكل خبرٍ هامشيٍّ أو حديثٍ مقتضبٍ دون التأكيد على المضمون وإن كان هامّاً للغاية.
يشار إلى أنّ البحث الذي تطرّقت إليه السيّدة لورا فيشيا فاغليري في مدخل عبارة (غدير خُم) في الطبعة الثانية من موسوعة الإسلام، يشابه ما ذكرناه نوعاً ما، حيث قالت: «معظم المؤلّفات التي نعتمد عليها كمصادر لحياة النبيّ، كسيرة ابن هشام وتأريخ الطبري وطبقات ابن سعد... قد تجاهل بعضها توقّف النبيّ في غدير خُم والبعض الآخر أشار إليه لكن دون ذكر ما قاله في خطبته الشهيرة، وذلك لأنّ مؤلّفي هذه المصادر كانوا يخشون من أن يستغلّ متكلّموا الشيعة هذا الكلام لإثبات صحّة استدلالهم في أحقّية الإمام عليّ بالخلافة، كما أنّ أصحاب هذه المصادر كانوا يخشون من سطوة السنّة الذين كانوا على رأس السلطة. وهذا التوجّه في نقل الأخبار أثّر بالتالي على كتّاب السيرة الغربيين لكونهم اعتمدوا على تلك المصادر في دراسة سيرة النبيّ ممّا جعلهم يغضّون النظر عمّا حدث في يوم الغدير.
وعلى أيّ حالٍ، فما لا يمكن إنكاره بوجهٍ هو أنّ النبيّ قد ألقى خطبةً في غدير خُم ومن المتيقن أنّه قال: (مَن كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ) لأنّ خبر هذه الواقعة قد نقل بشكلٍ مقتضبٍ أو مبسوطٍ ليس فقط بواسطة مؤرّخين من أمثال اليعقوبي الذي كان يؤيّد العلويين، بل نجده في سلسلةٍ من الروايات التي تعدّ معياراً أساسياً، ولا سيّما تلك التي رويت في مسند أحمد بن حنبل، حيث نُقل هذا الحديث بطرقٍ وأسانيد عديدةٍ لدرجةٍ لا يمكن معها التشكيك في صحّته مطلقاً»( ).

■ تفسير الشيعة والسنّة لحديث الغدير :
يبدو أنّ النتائج التي توصّل إليها الكثير من الباحثين الغربيين فيما يتعلّق بمسألة تنصيب الإمام عليّ (ع) خليفةً للمسلمين في واقعة الغدير كانت متأثّرةً بتفسير أهل السنّة لحديث الغدير حيث أنكروا دلالته على هذا التنصيب. فالكثير من الباحثين الغربيين ذكروا ما حدث يوم غدير خُم، لكنّهم لم يتّخذوا جانباً محايداً متأثّرين بآراء أهل السنّة، لكنّ بعضهم لم ينحازوا إلى طرفٍ معيّنٍ والتزموا جانب الحياد، من أمثال ساندرز وفاغليري ولالاني.
على سبيل المثال فإنّ الباحثة باولا ساندرز( ) وصفت موقف أهل السنّة بالنسبة إلى غدير خُم كما يلي: «معظم الكتّاب الذين يعتمد عليهم أهل السنّة تجاهلوا واقعة غدير خُم وتجاهلوا ما حدث فيها، وأمّا الذين أقرّوا بها فقد نقلوها كحدثٍ تأريخيٍّ إلا أنّهم بطبيعة الحال لم يقبلوا بتفسير الشيعة لها»( ). كما أنّ الباحثة لورا فيشيا فاغليري هي الأخرى اتّخذت موقفاً محايداً أيضاً عندما دوّنت مدخل عبارة (غدير خُم) في الطبعة الثانية من موسوعة الإسلام، حيث وصفت تفسير أهل السنّة لواقعة الغدير كالتالي: «أهل السنّة لا ينكرون واقعة الغدير ويقبلون ما قاله محمّد فيها، إلا أنّهم يرون أنّه طلب ممّن كان حاضراً في ذلك اليوم أن يكنّوا غاية المحبّة والاحترام لابن عمّه وصهره عليّ، فابن كثير الدمشقي ربط هذه الواقعة بحدثٍ فرعيٍّ وقع في اليمن، وذلك عندما رجع عليٌّ إلى مكّة والتقى بالنبيّ في حجّة الوداع بعد أن كان في اليمن على رأس عددٍ من المسلمين في السنة العاشرة للهجرة»( ).
أمّا الباحثة أرزينا آر. لالاني بعد أن نقلت آراء الطبري والبيضاوي ووضّحت أراء مفسّري أهل السنّة الذين زعموا بأنّ قوله تعالى: «يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ» لا يرتبط بما جرى في غدير خُم في كتابها (الفكر الشيعي المبكر، تعاليم الإمام الباقر)،( ) تحدّثت عمّا طرحه الطبري قائلةً: «الطبري لا يكتفي بتجاهل الأخبار التي تؤيّد آراء الشيعة فحسب، بل إنّه يتقصّد ذكر أحاديث معيّنةً لنقض آرائهم». وذكرت حديثاً للإمام محمّد الباقر (ع) حول هذه الآية ذمّ فيه رأي الحسن البصري وأقسم بأنّه على يقينٍ بمعنى الآية لكنّه كتمه عمداً.
وفي تفسير قوله عزّ وجلّ: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا»، قالت السيدة لالاني: «رأي الإمام محمّد الباقر في تفسير قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ...» واضحٌ تماماً في مختلف مصادر الشيعة، حيث يقول إنّ هذه الآية نزلت بشأن غدير خُم عندما نصّب النبيُّ علياً إماماً»، ونوّهت بعد ذلك على أنّ أهل السنّة يعارضون الشيعة ولا يعتقدون بكون الآية نزلت في تلك المناسبة، ومن ثمّ انتقدت موقف الطبري الذي يتعمّد المساس بالشيعة عن طريق نقل الحديث وأضافت قائلةً: «ومن الواضح غاية الوضوح أنّه قد تكلّف كثيراً لإنكار آراء الشيعة»( ).
ومن الباحثن الغربيين الذين أنكروا أنّ النبيّ (ص) قد عيّن خليفةً له في غدير خُم، هاينز هالم الذي أشار إلى واقعة الغدير بشكلٍ عابرٍ ومقتضبٍ، حيث قال: «مشكلة خلافة النبيّ كان من الممكن أن تحلّ بشكلٍ سليمٍّ من قبل صحابته المقرّبين حينما توفّي في السنة الحادية عشرة للهجرة على الرغم من أنّه لم يصدر أيّ أمرٍ بشأن قيادة الأمّة الإسلامية بعده»( ). وأضاف: «حسب روايات الشيعة فإنّ النبيّ عيّن ابن عمّه وصهره عليّ بن أبي طالب خليفةً له في عدّة مناسباتٍ»( ). كما قال: «رُوي أنّ النبيّ عندما كان عائداً من حجّة الوداع يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجّة في السنة العاشرة للهجرة (آذار / مارس سنة 632م) توقّف في الطريق بين مكّة والمدينة وخطب بالحجّاج العائدين ووضع يده على رأس عليّ وقال: (مَن كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ)، والشيعة اعتبروا هذا الكلام نصّاً على تنصيبه خليفةً للنبيّ، وتنقل مصادر الشيعة أنّ الصحابة الذين كانوا حاضرين هناك، وبمن فيهم عمر الذي تولّى الخلافة فيما بعد، باركوا لعليٍّ بعد هذه الخطبة وخاطبوه بإمرة المؤمنين. هذا الحديث نقل أيضاً في مصادر أهل السنّة، لكنّهم فسّروه بشكلٍ آخر وادّعوا أنّ النبيّ أراد من هذا الكلام إعادة هيبة واحترام عليّ الذي تعرّض لنقدٍ بسبب عدم مجاملته في القضايا الدينية وتمسّكه الشديد بها... ومهما كان قصد النبيّ من هذا الكلام لكن من المحتمل أنّه لم يقصد تعيين الخليفة بعده»( ).
وكما ذكرنا في مبحث (خلافة النبيّ محمّد (ص) في الدراسات الغربية) فإنّ الباحث الغربي ويلفرد ماديلونغ في مقدّمة كتابه (خلفاء الرسول في الخلافة الراشدة)( ) قد تطرّق إلى الحديث عن خلافة النبيّ (ص) بالتفصيل، وبعد أن ذكر مقدّماتٍ مفصّلةً حول خلافة الأنبياء السابقين ومباحث أخرى، طرح سؤالاً لم يجب عليه، وهو: لماذا قصّر النبيّ (ص) في وضع برنامجٍ مناسبٍ لتعيين من يخلفه بعد وفاته؟( ) كما أنّه نقل رواياتٍ وأخباراً من عائشة وابن عباس، وقال: «عندما أصبح عليٌّ خليفةً ادّعى شيعة الكوفة أنّ النبيّ جعله وصيّاً له»( ). وفي نفس هذه المقدّمة ذكر الخبر التالي دون أن يشير إلى اسم الغدير: «في السنة العاشرة للهجرة أرسل النبيّ محمّدٌ علياً إلى اليمن نيابةً عنه، ولكنّه اتّخذ موقفاً أثار حفيظة البعض الأمر الذي دفعهم لأن يشكوه إلى النبيّ. وبعد عودته، فإنّ محمّداً رأى من الضروري أن يدافع عنه - وهو ابن عمّه - في اجتماع عددٍ كبيرٍ من الناس قبل وفاته بثلاثة أشهرٍ، وكما يبدو فإنّ الوقت لم يكن مناسباً حينذاك لينصّبه خليفةً بعده لأنّه كان يتوقّع أنّه سيعمّر بما فيه الكفاية لكي يعيّن حفيديه في هذا المنصب، وهذا ما دعاه لأن يؤخّر هذا القرار»( ).
وبالنسبة إلى رأي السيّدة ماريا ماسي دقاق حول تفاسير الشيعة والسنّة لواقعة غدير خُم، ففي الوهلة الأولى يبدو محايدٌ. فهي في بادئ الأمر ذكرت رأي أهل السنّة الذين اعتبروا أنّ النبيّ (ص) خطب في يوم الغدير ردّاً على من شكا الإمام عليّ (ع) إليه وذلك حينما أوفده إلى اليمن على رأس جيشٍ من المسلمين قبل حجّة الوداع، لذلك استنتجت أنّ دلالة حديث الغدير يجب أن تتمحور حول هذه الأجواء، وعلى هذا الأساس رجّحت أنّ الولاية في قوله صلوات الله عليه: «مَن كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ» تعني المحبّة أو النصرة وليست فيها دلالة سياسية. وبعد ذلك تطرّقت إلى أدلّة الشيعة، ولا سيّما ما ذكره العلامة الأميني (رض) في كتابه (الغدير في الكتاب والسنّة والأدب) وما قاله الشيخ المفيد (رض) في رسالته الموجزة حول معنى المولى، إذ أكّدا على أنّ غدير خُم هو حدثٌ دينيٌّ سياسيٌّ بالكامل والولاية المذكورة فيه لا يمكن مطلقاً أن تدلّ على النصرة أو المحبّة كما يزعم أهل السنّة( ).
رغم أنّ السيّدة دقاق نحت منحىً حيادياً في بادئ بحثها، لكنّنا نلاحظ أنّ تفسير أهل السنّة للأحداث وآراءهم قد انعكست بالكامل في استنتاجاتها النهائية. فهي ضمن نقلها لخبرين حول يوم (الرحبة) الذي ذكرناه في مبحث (شهرة واقعة غدير خُم في المجتمع الإسلامي الأوّل)، قالت: «...على أيّ حالٍ، فما يثير الدهشة أكثر هو أنّ الخبرين حول الرحبة؛ أي الرواية التي تضمّنت طلب الإمام عليّ من جموع المسلمين الغفيرة في الرحبة أن يشهدوا بما قاله النبيّ يوم غدير خُم وعدم استجابة البراء بن عازب وبعض الصحابة لهذا الطلب، والرواية التي جاء فيها أنّ أبا أيوب الأنصاري وفد على عليٍّ في الرحبة مع بعض الصحابة من الأنصار ووصفهم إيّاه بأنّه مولاهم استجابةً للحديث «مَن كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ» وتعجّبه من كلامهم؛ كلاهما يشيران إلى أنّ حديث الغدير كان معروفاً بين أبرز الصحابة من أهل المدينة إلا أنّ علياً وبعض أصحابه المقرّبين كانوا متردّدين في دلالاته المعنوية والسياسية. ومن المحتمل أن يتردّد البراء بن عازب وسائر الصحابة من أهل المدينة في الشهادة علناً بما قاله النبيّ يوم الغدير عن عليٍّ لأنّهم وإن أيّدوه في التصدّي للخلافة في الحرب الداخلية الأولى، لكنّهم لم يكونوا يرغبون بأن يصبح هذا التأييد ذريعةً علنيةً لتأييد أحقّيته السياسية فيما حدث من نزاعاتٍ، ويبدو أنّ عليّاً بنفسه قد تعجّب من أصحابه الذين خاطبوه بصفته مولى لهم»( ). طبيعة هذا الموقف الذي اتّخذته السيّدة دقاق تتّضح أكثر عند نقلها الأخبار المتعلّقة بغدير خُم والتي أشرنا إليها في مبحث (شهرة واقعة غدير خُم في المجتمع الإسلامي الأوّل)، حيث قالت حول انسجام هذه الأخبار: «...الأمر الثاني الذي يدلّ بقطعٍ على انسجام هذه الأخبار هو أنّ جميع المصادر التي ذكرت خبر غدير خُم لا بدّ وأن تشير إلى مسألةٍ هامّةٍ... ولا شكّ في أنّ دفاع النبيّ عن عليٍّ في هذه المناسبة يعدّ فضيلةً معنويةً له، لذلك يمكن الاستناد إليه كدليلٍ يحتجّ به بغية التصدّي لأعدائه من أمثال طلحة ومعاوية. ومن الطبيعي فإنّ جميع نصوص الغدير لا تتضمّن ما يدلّ بشكلٍ صريحٍ على أنّ علياً أو أيّ شخصٍ آخر يمكنه الاعتماد عليها كشاهدٍ سياسيٍّ مباشرٍ لإثبات أنّ النبيّ عيّن فيه الخليفة من بعده. وكما يبدو فإنّ الإمام عليّ بنفسه عندما كان أحد المرشّحين للخلافة بعد الخليفة الثاني استدلّ لإثبات حقّه بما قاله النبيّ يوم غدير خُم بصفته فضيلةً من فضائله الكثيرة، وبالتأكيد لو كان هو ومن يناصره آنذاك كأبي الطفيل يعتقدون بأنّ النبيّ في هذه الواقعة قد عيّنه خليفةً للمسلمين بشكلٍ صريحٍ لاستندوا إليه بأسلوبٍ آخر ولم يكونوا بحاجةٍ إلى ذكر فضائله. فضلاً عن ذلك فإنّ عليّاً عندما أصبح خليفةً غالباً ما كان يدافع عن منصبه بأنّه انتخب بشكلٍ قانونيٍّ، ولم يستدلّ بحديث الغدير إلا عندما كان يحتجّ على بعض أهل المدينة ليدافع عن نفسه وييثبت ضلال من يعاديه، لكنّه لم يتمسّك به لإثبات حقّه في القيادة السياسية. لذلك يبدو أنّ مصادر أهل السنّة رغم ذكرها لحديث الغدير لكنّ آراء مؤلّفيها لا تنسجم مع رأي الشيعة بكون المشهور بين صحابة النبيّ آنذاك دلالته على التنصيب السياسي والمعنوي للإمام عليّ. وهذا الفهم في الحقيقة غير صائبٍ ويشير إلى تأثّر الشيعة بما قاله النبيّ في غدير خُم وهو السبب في انحراف العلويين في القرون الأولى»( ). وكما ذكرنا في هذا المبحث أيضاً، فإنّ السيّدة دقاق وصفت عدم رغبة البراء بن عازب للشهادة بصحّة حديث الغدير في يوم الرحبة، كما يلي: «أخبار الشيعة حول هذه الواقعة غامضةٌ بعض الشيء... فالبراء بن عازب امتنع عن تأييده مع أنّه واحدٌ من أصحاب الإمام عليّ الأوفياء منذ وفاة النبيّ».
ولكنّ الأمر على خلاف تصوّر هذه الباحثة الغربية التي زعمت بأنّ مواقف الصحابة كانت معقّدة وعجيبة ممّا اضطّر مؤلّفي المصادر الشيعية لتوضيحها، فهذه المواقف كانت مألوفةً ولا غرابة فيها نظراً للظروف والأجواء التي كانت سائدةً آنذاك، إذ من الممكن أن يؤيّده بعض الصحابة ومن ثمّ يتراجعون عن ذلك لأسبابٍ عديدةٍ ومنها أنّ الأوضاع كانت مشحونةً ضدّه رغم كونه الخليفة الشرعي للمسلمين( ). وكما تناقل المؤرّخون فإنّ فترة حكمه شهدت أحداثاً مريرةً إثر مكائد أعدائه ومواقفهم الماكرة لدرجة أنّ هذه الباحثة نفسها وصفت خلافته بعبارة (الخلافة الحافلة بالاضطرابات) ووصفت موقف بعض الصحابة المتخاذل بالقول: «كانوا يستاؤون من استشهاد الإمام عليّ بحديث الغدير كدليلٍ على إثبات حقّه الشرعي في الخلافة».
وعلى خلاف تفسير السيّدة دقاق، فإنّ السؤال الذي وجّهه الإمام عليّ (ع) للصحابة من الأنصار في الرحبة عن معنى أنّه مولاهم، لم يكن سببه أنّه تعجّب من وصفهم إيّاه بـ(المولى)، فلو تأمّلنا في الرواية التي ساقها أحمد بن حنبل في مسنده نجد أنّ هذا الموقف يعدّ برهاناً ساطعاً يثبت كون حديث الغدير يدلّ على إمامته وذلك لأنّ المقصود من كلمة (مولى) في هذه الرواية هو من كان (أولى في التصرّف بالأمور) وليس سوى هذا المعنى؛ وبالتالي لا يمكن تخصيص معنى الكلمة بالمحبّ والناصر، وكذلك يتّضح الجواب عمّن يقول: لماذا سأل الإمام عليّ (ع) أبا أيوب الأنصاري وسائر الصحابة بأنّه كيف يكون مولاهم وهم عربٌ أحرار؟ استناداً إلى ما ذكر، فالسبب من وراء هذا السؤال هو استشهادهم بحديث الغدير، أي أنّه أرادهم أي يخبروا الناس عن سبب استشهادهم بهذا الحديث وأن يذكّروا من كان حاضراً منهم في واقعة الغدير لكي يعرفوا أنّه نصّب للخلافة في ذلك اليوم. كما أنّ هذا الأمر بذاته يعتبر دليلاً على شهادة هؤلاء الصحابة بصحّة الحديث، حيث أجابوا عن سؤاله مستشهدين بما قاله رسول الله (ص) يوم الغدير: «مَن كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ»( ).
وتقول السيّدة دقاق: «لا يوجد أيّ مصدرٍ يدلّ على أنّ الإمام عليّ أو أيّ شخصٍ آخر اعتبر حديث الغدير دليلاً مباشراً على تعيينه في منصبٍ سياسيٍّ وهو خلافة للنبيّ. فلو كان عليّاً وأصحابه الأوائل كأبي الطفيل، يعتبرون واقعة الغدير حدثاً نصّب فيه النبيّ الخليفة من بعده، لم تكن هناك حاجةٌ لبيان سائر فضائله».
هناك أمثلة وشواهد تأريخية كثيرة تثبت أنّ الأمّة الإسلامية قد تنصّلت من أوامر رسول الله (ص) ولم تذعن لها، ولا سيّما الاحتجاجات العديدة من قبل أهل البيت (ص) ومواليهم حول سلب الخلافة من أمير المؤمنين (ع)، ومنها: احتجاج السيّدة فاطمة الزهراء  في المسجد النبوي بواقعة الغدير عندما غُصبت الخلافة من الإمام عليّ (ع)،( ) شهادة طلحة بن عبيد الله بتنصيب الإمام خليفةً للمسلمين في يوم الغدير،( ) احتجاج عمّار بن ياسر بحديث الغدير على عمرو بن العاص في حرب صفّين،( ) احتجاج الإمام الحسن (ع) بواقعة الغدير عند صلحه مع معاوية،( ) احتجاج عمرو بن العاص بخطبة الغدير على معاوية( ).
إضافةً إلى ذلك فإنّ هذه الباحثة قد أخطأت في ادّعائها بأنّ ذكر سائر فضائل الإمام عليّ (ع) إلى جانب حديث الغدير في الاحتجاجات على المخالفين يشير إلى عدم دلالته على تعيينه خليفةً للنبيّ (ص)، فهذا التوجّه في الاحتجاج إنّما يهدف إلى إتمام الحجّة على المعارض، إذ لو تصوّر أحدٌ صحّة ما فعله المسلمون بعد وفاة النبيّ (ص) بتعيين غير الإمام عليّ (ع) خليفةً لهم رغم تنصيبه له في يوم غدير خُم، عليه أن يعلم بأنّ تصوّره هذا خاطئٌ لأنّ هذا العمل فضلاً عن تعارضه مع النصّ الصريح، فهو يخالف حكم العقل، إذ كيف يُقرن الإمام عليّ (ع) مع من هم ليسوا عدلاً له وهو صاحب المواقف المشهودة والفضائل الفريدة والشخصية العظيمة التي بني الإسلام على أكتافها؟!
وعلى أساس هذا الاستنتاج، طرحت السيّدة دقاق موضوعاً للبحث تحت عنوان (الرؤية الأخرى للشيعة الإمامية حول الإمامة وعدم انسجامها مع حديث الغدير)، وقالت: «رغم أنّ حديث الغدير يعدّ برهاناً قوياً يستند إليه الشيعة في إثبات المكانة الفريدة للإمام عليّ لدى النبيّ، إلا أنّه لا ينسجم مع عقيدة الشيعة الإمامية التي ظهرت في القرنين الثاني والثالث للهجرة والتي تؤكّد على أنّه حديثٌ متعارفٌ وواضحٌ حول إمامة أولاد عليٍّ، وذلك أوّلاً لأنّ هذا الحديث لم يتضمّن كلمة (إمام) بالتحديد وإنّما تضمّن كلمة (مولى) وفي بعض الروايات (ولي) إشارةً إلى الإمام عليّ (ع)، وثانياً لم يتطرّق الحديث إلى قرابته من النبيّ كامتيازٍ معنويٍّ له ولم يشر مطلقاً إلى أحقّيته. كما أنّ الحديث ليس فيه ما يدلّ على استحقاق أولاده للخلافة أو أفضليّتهم»( ). وتواصل كلامها على هذا الأساس، وتقول: «الشيعة لم يكتفوا بالاستدلال على أنّ كلام النبيّ في غدير خُم كان بأمرٍ من الله، بل حاولوا إثبات أنّ كلمة (مولى) التي وردت في الحديث تترادف مع كلمة (إمام)»( ).
كما نلاحظ فإنّ السيّدة دقاق تقول إنّ كلمتي (مولى) و(ولي) لا يمكن أن يستفاد منهما القيادة السياسية، لذلك لو استخدم النبيّ (ص) كلمة (إمام) في حديث الغدير لصحّ احتجاج الشيعة به لإثبات الخلافة السياسية للإمام عليّ (ع) والأئمّة من ولده. إنّ هذا الادّعاء بكلّ تأكيدٍ ليس صائباً، فالشيعة يعتقدون بأنّ الإمامة في الأساس قد ثبتت بالنصّ من الله تعالى على لسان نبيّه (ص)، إذ قام في غدير خُم بتعيين الإمام عليّ (ع) خليفةً وإماماً بأمرٍ من الله تعالى وعيّن بعده أحد عشر إماماً من ولده، بحيث إنّ كلّ إمامٍ يخبر الناس بالإمام الذي يليه استناداً إلى هذا التنصيب.
وقد تناول الباحث الغربي ويلفرد ماديلونغ هذا الموضوع بالبحث والتحليل في مدخل كلمة (إمامة) في موسوعة الإسلام وأشار إلى أنّ الإمامية الاثنا عشرية يعتقدون أنّ كلّ إمامٍ يحدّد من ينوبه في الإمامة، وقال: «كلّ إمامٍ يجب أن يعيّن بواسطة الله تعالى على لسان النبيّ أو الإمام الذي يسبقه، أو بواسطة نصٍّ صريحٍ (نصّ جلي) من قبل النبيّ»( ). كما أنّ السيّدة دقاق بنفسها قالت: «على النقيض من أهل السنّة، فالأدلّة التي يستدلّ بها الشيعة تفيد بأنّ كلمة (مولى) أو (ولي) في حديث الغدير تعني القائد والسيّد الذي له الأولوية في التصرّف بالأمور، وعلى هذا الأساس فإنّ الإمام عليّ قد نصّب خليفةً للمسلمين في يوم الغدير». إذن، لا جدوى من ادّعاء أنّ دلالة حديث الغدير على تنصيب الخليفة بعد النبيّ (ص) غير تامّةٍ في لفظي (مولى) و(ولي) وكذلك لا ضرورة لاستخدام كلمة (إمام) بدلهما كي يصحّ استدلال الشيعة كما تقول السيّد دقاق.
أمّا الباحثة الغربية أسماء أفسر الدين( ) فقد قالت في مدخل عبارة (غدير خُم) في موسوعة (القرآن موسوعةٌ)( ): «مصادر الشيعة تتّفق على أنّ كلمة (مولى) تعني الحاكم ووليّ النعمة، ومن هذا المنطلق ترى أنّ حديث الغدير يدلّ على كون الإمام عليّ أوّل خليفةٍ يقود الأمّة بعد النبيّ. وأمّا مصادر أهل السنّة التي نقلت هذا الحديث فقد ذكرت أنّ هذه الكلمة لها عدّة معانٍ، لذلك ذهبت إلى معانٍ أخرى غير وليّ النعمة والحاكم، وبالتالي ادّعت دلالتها على المحبوب للتقليل من أهمية الحديث ومعارضة الشيعة والتشكيك في استنباطهم منها بكون حديث الغدير نصّاً ودليلاً لا شائبة عليه في تعيين عليّاً خليفةً بعد النبيّ»( ). إضافةً إلى ذلك، فالمصادر الروائية الشيعية قد تضمّنت رواياتٍ تفيد بأنّ رسول الله (ص) في غدير خُم لم يعيّن الإمام عليّ (ع) فقط إماماً للمسلمين بعده، بل قام بتعيين أولاده الحسن والحسين وتسعةً من أولاد الحسين (ص) أئمّةً من بعده( ).
المؤاخذة الأخرى على قالته السيّدة دقاق هي زعمها أنّ العلاقة الأسرية بين النبيّ (ص) والإمام عليّ (ع) هي إحدى أسباب أفضلية الإمام أو حقّانيته واعتبارها أنّ هذا الأمر بمثابة قاعدةٍ اعتمد عليها الشيعة. هذا المدّعى بطبيعة الحال عرضة للنقد والإنكار، إذ لا أحد يعلم من أين جاءت السيّدة دقاق بهذه القاعدة التي لا تنسجم مع مشارب الفريقين شيعةً وسنّةً! فحسب رأي أهل السنّة لا دخل للقرابة بالنبيّ (ص) في تعيين الخليفة مطلقاً، كما أنّ الشيعة يعتقدون بأنّ قرابة الإمام عليّ (ع) به صلوات الله عليه ليست لها أيّ دورٍ في تعيينه خليفةً للمسلمين. وكما هو معلومٌ، فأتباع مذهب أهل البيت يعتقدون بأنّ إمام المسلمين يجب أن ينصّب بأمرٍ من الله تبارك وتعالى، لذا فالإمام هو الذي أمر الله باتّباعه وليست القرابة هي السبب في ذلك، حيث نلاحظ أنّه من بين جميع شخصيات بني هاشم وسائر أقرباء رسول الله (ص) الكثيرين لم يتم اختيار غير عليٍّ (ع) وأولاده.
■ تحريف حديث الغدير :
الباحثة الغربية لورا فيشيا فاغليري( ) التي دوّنت مدخل عبارة (غدير خُم) في الطبعة الثانية لموسوعة الإسلام، نقلت أحداث الغدير التي شهدها المجتمع الإسلامي يوم الثامن عشر من شهر ذي الحجّة في السنة العاشرة للهجرة (الموافق آذار / مارس سنة 632م) وذكرت قول النبيّ (ص): «ألستُ أولى بكم من أنفسكم؟»، ثمّ قالت: «... بعد ذلك قال: «مَن كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ» ولم يستتبع بعد هذه العبارة كلامٌ آخر يوضّح معناها العميق، كقوله: «اللّهم والِ من والاهُ وعادِ من عاداهُ» الذي ورد في أحاديث عديدة، كما ليست هناك إضافات غير ذلك كما يُدّعى، وأبرزها استبدال كملة (مولى) بــ (ولي) وهذا يثبت على أقّلّ تقديرٍ أنّ ما استنبطه - الشيعة - من معنى كلمة (مولى) غير دقيقٍ»( ). المسألة التي تجدر بالملاحظة في كلام السيّدة فاغليري هي أنّها لم تأتِ بأيّ دليلٍ يفصح عن سبب عدم وجود أيّة إضافةٍ لقول رسول الله (ص): «مَن كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ» كقوله: «اللّهم والِ من والاهُ وعادِ من عاداهُ» كي يتّضح معناه العميق، وكلامها هذا غير صائبٍ لأنّ العبارة الثانية لم تردِ في مصادر الشيعة فحسب، بل إنّها منقولةٌ أيضاً في مصادر أهل السنّة( ).
يبدو أن كلام هذه الباحثة يعكس آراء ذوي الأفكار المناهضة لأهل البيت(ص) من أمثال ابن تيمية الذي يكذّب قول رسول الله (ص): «اللّهم والِ من والاهُ وعادِ من عاداهُ وانصر من نصره واخذل من خذله»، حيث قال: «كذبٌ باتّفاق أهل المعرفة بالحديث»( ).
كما نلاحظ من كلام السيّدة ماريا ماسي دقاق أنّها قسّمت التغييرات التي طرأت على حديث الغدير إلى مرحلتين زمنيتين من التأريخ الإسلامي، ونفهم من كلامها أنّ أوّل تغييراتٍ حدثت في عهد الخلفاء الأوائل، حيث ادّعت أنّ بعض المفاهيم المذهبية أو السياسية قد أضيفت إلى الحديث بواسطة الإمام عليّ (ع) ومواليه أو معارضيه في عهد الخلفاء الراشدين ولكن مع ذلك فإنّ الشواهد والبحوث العلمية تؤكّد على أنّه كان شائعاً بين مسلمي المدينة في تلك الآونة( ). أمّا التغييرات الأخرى التي زعمتها فهي منسوبةٌ إلى بني العباس الذين حاولوا طمس حقائق الغدير والتقليل من أهميته، والدليل على تصرّفهم هذا هو النصوص الكثيرة التي دوّنت في عهدهم دون أن تتضمّن حديث الغدير بعد تعمّد مؤلّفيها تجاهله، لكنّه رغم ذلك كان مشهوراً آنذاك ممّا دعا العباسيين لفبركته وتحريفه بشكلٍ يخدم مصالحهم السياسية( ). واستدلّت على كلامها هذا بشواهد عديدة من مختلف مصادر أهل السنّة، منها ما ذكره الطبري في كتابه المعروف، حيث قالت: «في التأريخ الذي دوّنه هذا المؤلّف السنّي المعروف - الطبري - فإنّ حديث غدير خُم رُوي نقلاً عن عدّة مصادر أخرى لكنّه لم يشر إليها، لذلك نقل أخباراً عديدةً ومتنوّعةً حول فضائل عليٍّ المذكورة في حجّة الوداع.
وحسب هذه الأخبار فإنّ بعض الذين كانوا تحت إمرة عليٍّ في اليمن شكوه إلى النبيّ الذي قام بفضّ النزاع لصالحه، وهكذا برّر أهل السنّة فحوى حديث الغدير في مصادرهم. وضمن بيانه لأحداث غدير خُم، نقل الطبري حديثاً للنبيّ في يوم الغدير دافع فيه عن عليّ، ولكنّ ألفاظه لا تنطبق مع حديث غدير خُم المتعارف حيث نقله عن أبي سعيد الخدري الذي يعتبر أحد رواة حديث الغدير، والحديث هو: (يا أيّها الناس لا تشكوا عليّاً، فو الله إنّه لأخشن في ذات الله) أو (في سبيل الله). هذا الحديث هو أحد الأحاديث في فضائل عليٍّ وقد نقله أبرز مؤرّخٍ ذكر حديث الغدير، وكان من الحريّ به أن ينقل واقعة غدير خُم في كتابه، وكما نلاحظ فإنّ الحديث المذكور ليست فيه أيّة دلالةٍ من حيث المعنى على الحقّانية الموجودة في حديث الغدير. ولكنّ مصادر التأريخ الشيعية والسنّية تؤكّد على أنّ الطبري دوّن في كتابه باباً خاصّاً حول واقعة الغدير وساق جميع الروايات والنقاشات التي تمحورت حول كلام النبيّ في هذه الواقعة، لذلك من المحتمل أنّ هذه المواضيع قد استقطعت من النصّ وحذفت وأضيفت مكانها مواضيع أخرى؛ إذ إنّ القرائن والشواهد تدلّ على وجود مواضيع عديدة قد حذفت عمداً من هذا الكتاب. وحسب بعض الأخبار فإنّ ما تمّ حذفه من كتاب الطبري كان عنوانه (كتاب الغدير) أو (كتاب الولاية)، لذا فإنّ الحذف الذي طال تأريخ الطبري كان متعمّداً ولم يكن سهواً»( ).
وأمّا بالنسبة إلى (صحيح مسلم)، تقول السيّد دقاق: «الحديث الذي روي في صحيح مسلم بن الحجّاج ربّما يوضّح الموضوع أكثر، فحسب هذا الحديث ألقى النبيّ خطبةً عامّةً في غدير خُم، لكنّ مسلم اعتبره فضيلةً لجميع بني هاشم. فقد روى أنّ يزيد بن حيّان وحصين بن سبره وعمر بن مسلم ذهبوا إلى زيد بن أرقم الذي يعتبر أحد رواة حديث الغدير المتعارف وطلبوا منه أن يحدّثهم عمّا سمع من النبيّ، لكنّه رفض ذلك وقال إنّه نسي بعض ما سمعه وأن يقبلوا منه ما يقوله لهم ويعذروه عمّا لا يذكره سهواً، ثمّ قال لهم: «قَامَ رَسُولُ اللهِ (ص) يَوْمًا فِينَا خَطِيبًا بِمَاءٍ يُدْعَى خُمًّا بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَوَعَظَ وَذَكَّرَ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، أَلاَ أَيُّهَا النَّاسُ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ يُوشِكُ أَنْ يَأْتِيَ رَسُولُ رَبِّي فَأُجِيبَ، وَأَنَا تَارِكٌ فِيكُمْ ثَقَلَيْنِ أَوَّلُـهُمَا كِتَابُ اللهِ فِيهِ الْـهُدَى وَالنُّورُ، فَخُذُوا بِكِتَابِ اللهِ وَاسْتَمْسِكُوا بِهِ»، فَحَثَّ عَلَى كِتَابِ اللهِ وَرَغَّبَ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «وَأَهْلُ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي، أُذَكِّرُكُمُ اللهَ فِي أَهْلِ بَيْتِي». فَقَالَ لَهُ حُصَيْنٌ: وَمَنْ أَهْلُ بَيْتِهِ يَا زَيْدُ؟ أَلَيْسَ نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ؟ قَالَ: نِسَاؤُهُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ، وَلَكِنْ أَهْلُ بَيْتِهِ مَنْ حُرِمَ الصَّدَقَةَ بَعْدَهُ. قَالَ: وَمَنْ هُمْ؟ قَالَ: هُمْ آلُ عَلِيٍّ وَآلُ عَقِيلٍ وَآلُ جَعْفَرٍ وَآلُ عَبَّاسٍ. قَالَ: كُلُّ هَؤُلاَءِ حُرِمَ الصَّدَقَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ). ونجد هنا أمراً مشابهاً لما ذكر في تأريخ الطبري، إذ ذكرت مؤشرات أساسية كقرائن على غدير خُم، ومنها المكان والزمان والعودة من حجّة الوداع ورواية الخبر عن أحد أبرز رواة حديث الغدير؛ إلا أنّ مسلم بدل أن يذكر الحديث المتعارف الذي ينصبّ بمصلحة عليٍّ، نراه استبدله بحديث الثقلين الذي ينصبّ بمصلحة جميع بني هاشم. هناك عدّة ملاحظاتٍ هامّةٍ حول هذا الحديث الذي نقله مسلم عن زيد بن أرقم، منها ادّعاء زيد بأنّه أصبح طاعناً في السنّ ونسيانه بعض ما سمعه عن النبيّ. فمن الممكن أنّ مؤلّف الكتاب جعل كهولة سنّ زيد بن أرقم ذريعةً للتشكيك بحقيقة حديث الغدير المتعارف والذي رواه بنفسه سابقاً... ومنها إنّ نصّ حديث الثقلين المعروف الذي روي هنا يشابه إلى حدٍّ كبيرٍ النصّ الذي روي في مصادر الشيعة لأنّ عبارة (أهل البيت) قريبةٌ جداً من معنى (العترة) التي كُلّف المسلمون بالتمسّك بها بعد القرآن. وما يثير الدهشة حول هذا الحديث هو مضمونه الضعيف الذي تمّ التركيز فيه على معرفة من هم أهل البيت»( ).
نظراً للأجواء السياسية التي كانت سائدةً في عهد الخلفاء الراشدين، يمكن القول إنّ تفسير السيّدة دقاق لحديث الغدير اعتماداً على بعض المفاهيم الهامشية المذهبية أو السياسية ينطبق مع تفسير معارضي الإمام عليّ (ع) لكنّه لا ينسجم مع تفسيره وتفسير شيعته. إنّ مجريات الأحداث في واقعة غدير خُم وخطبة رسول الله (ص) واضحةٌ للجميع، لكنّ المشكلة الأساسية كانت تكمن في توجّهات الأنظمة الحاكمة آنذاك والتي اغتصبت الخلافة من أهلها، لذا اقتضت الضرورة طمس الحقائق وحذف بعض الروايات وترويج أخبارٍ كاذبةٍ ومحرّفةٍ تنصبّ في مصلحة السلطة، وعلى هذا الأساس فإنّ الموالين للإمام عليّ (ع) سواءٌ في عهد الخلفاء الراشدين أم في العهدين الأموي والعباسي لم يغيّروا الحقائق مطلقاً، بل النظام الغاصب للخلافة هو من فعل ذلك حفاظاً على هيمنته.
وتضيف السيّدة دقاق قائلةً: «بغضّ النظر عن أهميّة خطبة الغدير دينياً وارتباطها بالقرائن والتفاسير العديدة التي طرحت حولها، فالحقيقة الثابتة هي كلام النبيّ الذي أثار جدلاً: «مَن كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ»؛ لأنّه الإطار العامّ لجميع الآراء والتعديلات التي طرحت حول الغدير بين الشيعة والسنّة، والتغيير الوحيد الذي طرأ على هذه الحديث هو أن بعض المصادر استبدلت كلمة (مولى) بـ (ولي) وهما من جذرٍ واحدٍ. فهذه الحقيقة ثابتةٌ ومصونةٌ عن التحريف رغم كلّ الشروح والتفاسير المطروحة بين مختلف الفرق والمذاهب الشيعية والسنّية، وذلك يدلّ على حتمية صدور هذا الحديث في تلك الواقعة التأريخية ويثبت وجود الكثير من الوقائع والأحاديث الواقعية المرتبطة بها، لكنّ الشيعة والسنّة بدل أن يذكروها بالكامل قاموا بتعديلها وتحويرها لكي تنسجم مع مشاربهم العقائدية والسياسية، ففي القرنين الثاني والثالث شهدت الساحة نقاشاً محتدماً على هذا الصعيد»( ) .

■ نتيجة البحث :
هناك مؤاخذاتٌ يطرحها الباحثون الغربيون حول مصادر السيرة التي يضطرّ كلّ باحثٍ للرجوع إليها إن أراد دراسة موضوع الغدير، نذكر منها ما يلي على سبيل المثال لا الحصر:
1 ) اختلافها في ذكر الوقائع.
2 ) عدم حياديتها.
3 ) عدم وجود دراساتٍ منهجيةٍ ذات أسلوبٍ نقديٍّ حولها.
4 ) نقلها معلوماتٍ انتقائيةً.
5 ) عدم دقّتها في نقل أحاديث السيرة.
6 ) عدم وجود معيارٍ مناسبٍ فيها يتم من خلاله المقارنة بين نصوص أحاديث السيرة.
7 ) اقتصارها على مصادر محدودة.
بعض الباحثين الغربيين استدلّوا على شهرة حديث الغدير وشيوعه في المجتمع الإسلامي الأوّل بشواهد تأريخية وأحاديث مروية، وأشكلوا على بعض الفئات الاجتماعية التي تجاهلته لأغراض معيّنة، وهناك نظريةٌ يطرحها عددٌ من هؤلاء الباحثين حول مدى تغطية مصادر التأريخ والحديث لواقعة الغدير فحواها أنّ أخبار هذه الواقعة تأثّرت بالأجواء السياسية والمذهبية التي سادت في نهاية العهد الأموي وبداية العهد العباسي، حيث قلّل الأمويون من شأنها وتجاهلها خلفهم العباسيون، وذلك لأجل إثبات أحقّيتهم بالخلافة مقابل منافسيهم العلويين. إضافةً إلى ما ذكر، هناك أمرٌ آخر لا يمكن تجاهله على هذا الصعيد وقد طرحه باحثون غربيون أيضاً، وهو تأثّر أوساط أهل السنّة بالتوجّهات التي كانت سائدةً طوال تلك الفترة، حيث كان يتمّ التعتيم على كلّ حقيقةٍ لا تتناسب مع آرائهم ومعتقداتهم.
رغم أنّ بعض الباحثين الغربيين في ظاهر الحال التزموا جانب الحياد في دراساتهم التي قاموا بها حول تفسير حديث الغدير من قبل الشيعة والسنّة، إلا أنّنا نرى بعض تلك الدراسات متأثّرةً بآراء أهل السنّة بالتحديد والتي يراد منها نفي صلة واقعة غدير خُم بتنصيب الإمام عليّ (ع) خليفةً للمسلمين، وحتّى الذين اعترفوا بوجود صلةٍ بين الأمرين، نجد أنّهم لم يتّخذوا مواقفاً حياديةً بالكامل.
قضية تحريف حديث الغدير والتغييرات التي طرأت عليه هي من المسائل الأخرى التي طرحها هؤلاء الباحثون على هذا الصعيد، وأكّدوا على أنّ الأغراض السياسية لبني العباس هي إحدى العوامل التي أدّت إلى ذلك، حيث حاولوا استبدال نصّ الحديث بعباراتٍ ومضامين تخدم مصالحهم وتتناسب مع مشاربهم، ولكنّ القول بأنّ عبارة: «اللّهم والِ من والاه وعادِ من عاداه» ليست من الحديث وقد أضيفت إلى قول رسول الله (ص): «مَن كنتُ مولاهُ فعليٌّ مولاهُ» هو ادّعاءٌ باطلٌ، إذ لا توجد شواهد أو أدلّة تثبت صحّة هذا الادّعاء، وهو رأيٌ شاذٌّ طرحه المتعصّبون الذين كذّبوا نسبة هذه العبارة إلى الحديث.