البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

خلافة محمد (ص) ، بحث حول الخلافة في وقت مبكر - الحلقة الثانية

الباحث :  البروفسور ولفرد مادلونج / عرض ونقد : السيد هاشم الميلاني
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  2
السنة :  السنة الاولى - ذو الحجة 1435هـ / 2014م
تاريخ إضافة البحث :  April / 10 / 2017
عدد زيارات البحث :  657
تحميل  ( 572.147 KB )
انتهينا في الحلقة السابقة من عرض ونقد مقدمة المؤلّف ولفرد مادلونج لكتابه (خلافة محمد (ص)) حيث قدّم دراسة عن جذور مسألة الخلافة الإسلامية، وذكر أنّها من أعمق الخلافات في الصف الإسلامي، والتي قسّمت المسلمين إلى سنة وشيعة، وهو رغم ما يذهب إليه من عدم وجود نص صريح على مسألة الخلافة، يعتقد ـ وبالاستناد إلى الآيات الدالة على لزوم الاهتمام بالقربى وابتناء سنة النبوة على استخلاف القربى في جميع المجالات الفردية والجمعية ـ بأنّ رسول الله (ص) ما كان راضياً باستخلاف أبي بكر، وما كان يبحث عن الخليفة إلاّ في أهل بيته ولكن وافاه الأجل دون تحقق ذلك.
وفي هذه الحلقة يبدأ المؤلّف بذكر خلافة الخلفاء الثلاثة وما جرى فيها، وإليك بيانه:
أبو بكر: خليفة رسول الله (ص)والخلافة القرشية :
قال المؤلّف في هذا الفصل:
»ترجع الرواية الرئيسية لتبيين اجتماع سقيفة بين ساعدة، والتي تمّ فيها استخلاف أبي بكر لمحمد[(ص)]، إلى عبد الله بن عباس. وجميع الروايات الأخرى قد استقت من هذه الرواية أو نشأت منها، وهذه الروايات قد وردت ـ مع بعض التغيير في سلسلة الرواة ـ عند ابن هشام، الطبري، عبد الرزاق بن همام، البخاري وابن حنبل، حيث يصل السند إلى الزهري، وهو روى رواية ابن عباس نقلاً عن عبيد الله بن عبد الله بن مسعود، وهذه الرواية تطرح بوضوح رأي ابن عباس الخاصّ، ولا دليل لنا للشك في وثاقة رواتها»(1).
ثمّ يذكر المؤلّف رواية ابن عباس ـ والتي رواها البخاري ـ عن آخر حجة حجّها عمر بن الخطاب، وما قيل له عندما كان في منى من قول القائل: «لو قد مات عمر لقد بايعت فلاناً، فوالله ما كانت بيعة أبي بكر إلاّ فلتة فتمّت» فغضب عمر وأراد أن يخطب في منى ليحذّر الناس من هؤلاء، فنهاه عبدالرحمن عن ذلك وأشار عليه أن يُظهر ما في ضميره في المدينة عند مرجعه، فقبل عمر ذلك، ولما رجع إلى المدينة خطب الناس وشرح لهم واقعة السقيفة وذكر لهم أنّها كيف تمّت، كما ذكر مقولة الأنصار، وخطبة أبي بكر وأنّ الخلافة لابد وأن تكون في قريش، ثمّ مبايعته لأبي بكر، وإقراره بأنها كانت فلتة بالفعل ولكن وقى الله شرّها(2).
ثم يقول المؤلّف بعد سرد هذه الرواية الطويلة:
«إنّ هذه الرواية بمختلف جوانبها تحتاج إلى دراسة أعمق. إنّ عمر اتهم الأنصار بالمؤامرة لغصب الحكم بعنوان خلافة محمد [(ص)]، وحرمان المهاجرين من حقهم. وهذا أيضاً ما توصّل إليه المؤرّخون الجدد في دراساتهم، ولكن لابد من التحقيق في هذا التفسير، فانّ نظرية الخلافة ـ أي خلافة محمد [(ص)] ـ لم تكن مطروحة آنذاك في فترة رسالته، ومن الصعب جداً أن نتصوّر طلب الأنصار لها في ذلك الاجتماع المنفرد الذي عقدوه، فإنّ الأنصار ـ كسائر القبائل العربيّة التي واجهت الردّة ـ وإن كانوا راسخين في عقائدهم الإسلامية، وكانوا يتصوّرون ـ من دون شك ـ أنّ بيعتهم لمحمد [(ص)] قد انتهت بعد رحيله، فهم لاحتمالهم انهيار المجتمع السياسي الذي أسّسه محمد [(ص)]، أرادوا باجتماعهم ذاك أخذ قيادة مدينتهم بأيديهم، ولذا اجتمعوا من دون مشورة مع المهاجرين.
إنّهم زعموا أنّ المهاجرين سيرجعون إلى مدينتهم مكة، إذ لا مبرّر بعدُ لبقائهم في المدينة، ومن أراد منهم البقاء في المدينة سوف يرضى بإمارة الأنصار فيما يبدو، ويظهر بوضوح أنّ نظريّة «منّا أمير ومنكم أمير» كانت حلّا ًوسطاً وعادلاً، لا مؤامرة ضالّة لإلقاء الخلاف في مجتمع المسلمين كما يُشاهد في الروايات التالية (للحدث).
وكان أبو بكر وعمر فقط هما اللذان ذهبا إلى انتخاب خليفة لمحمد [(ص)] يحكم جميع قبائل العرب، وقد استدلّ أبو بكر بأنّ هكذا خلافة لا تكون إلاّ لقريش، إذ أنّ قبائل العرب لا تستسلم لغيرها»(3).
أقول: إنّ ادعاءه بأنّ نظرية الخلافة لم تكن مطروحة في فترة رسالة النبي (ص)، غير تام بشهادة الروايات الصحيحة عند الفريقين، منها حديث الدار الذي كان في بداية الدعوة حيث أمر رسول الله(ص) بعد نزول قوله تعالى: وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الأَقْرَبِينَبدعوة عشيرته لتناول الطعام عنده، فدعا علي(ع) القوم وكانوا بحدود الأربعين ـ إلى أن يقول النبي (ص): ـ «فأيّكم يؤازرني على أمري هذا ويكون أخي ووصيّي وخليفتي فيكم»(4) فقام علي (ع) وقبل ذلك. هذا عدا ما ورد في مصادر الشيعة من ألفاظ الخلافة والوصاية وما شاكل.
أمّا ادعاؤه الآخر بأنّ الأنصار زعموا أنّ بيعته قد رفعت عن أعناقهم بعد رحيله (ص)، فهو غير تام أيضاً، إذ أنّهم بايعوه على غير هذا ليلة العقبة، يقول عبادة بن الصامت شارحاً مفاد البيعة في تلك الليلة: «بايعنا رسول الله (ص) على السمع والطاعة في المنشط والمكره، وأن لا ننازع الأمر أهله»(5). وقال ابن حجر في تفسير «لا ننازع الأمر أهله»: أي الملك والإمارة(6).
فهذه البيعة تضمّنت قبول الأنصار كون أمر النبوة وامتدادها بعد شخص النبي شيئاً آخر يختلف عن الحكم الدنيوي، بل انّها أمر إلهي ولذا بايعوا على أن لا ينازعوا الأمر أهله.
وقبل هذه البيعة، كان رسول الله (ص) يعرض نفسه على قبائل العرب، منها قبيلة بني عامر حيث لمّا عرض عليهم الإسلام قال له رجل منهم: «أرأيت إن نحن بايعناك على أمرك، ثم أظهرك الله على من خالفك، أيكون لنا الأمر من بعدك؟ قال: الأمر إلى الله يضعه حيث يشاء»(7).
إذاً مسألة الخلافة كانت مطروحة في بدايات الدعوة، واستمرّت إلى نهاية الدعوة قبيل وفاة رسول الله (ص) في حديث الدواة والكتف.
أمّا ما ذهب إليه أخيراً من أنّ أبا بكر وعمر هما اللذان طرحا فكرة الخلافة النبويّة العامّة، فمردود أيضاً بشهادة ما مرّ من أنّ مسألة الخلافة كانت مطروحة منذ البداية، مضافاً إلى ما رواه أهل السنة ـ وهو محلّ توقّف ومناقشة عندنا ـ من أنّ العباس طلب من علي (ع) قبيل وفاة النبي (ص) أن يدخلا عليه ويأخذا منه تصريحاً بأنّ الأمر لهم أو لغيرهم، فان كان لغيرهم أوصى بهم، ونص الحديث هكذا: «قال العباس: اذهب بنا إلى رسول الله فإن كان هذا الأمر فينا وإلاّ أوصى بنا الناس»(8).
فهذا النص إن صحّ يدلّ بوضوح على أنّ مسألة الخلافة العامّة لم تكن ممّا تفرّد بطرحها أبو بكر وعمر.
ثم إنّ المؤلّف يتطرّق في بحثه إلى الأسباب التي أدّت إلى مقولة عمر بأنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة حيث يقول: ـ ونوجزها فيما يلي ـ
1ـ «لأنّ المهاجرين الكبار أمثال أُسرة النبي[(ص)] وقبيلته لم يحضروا تلك الشورى. إنّه (أي عمر) كان يرى أنّ مشاركة أولئك في أيّ شورى أمراً حياتياً، ولذا حذّر المجتمع آنذاك عن تكرار هذا العمل في المستقبل»(9).
ولا يخفى ما في هذا الكلام من مسامحة واضحة، إذ لم يجر على لسان عمر هذا الكلام إطلاقاً، مضافاً إلى أنّ أفعاله وطريقة معاملته مع العترة آل النبي (ص) تخالف كلام المؤلّف، ويكفينا للتدليل على المقاطعة الحاصلة آنذاك بين العترة وبين جهاز الخلافة ما روي عن عائشة في أمر فدك من قولها: «فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت ... فلمّا توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر، وصلّى عليها، وكانت لعليّ من الناس وجه حياة فاطمة، فلمّا توفّيت استنكر عليّ وجوه الناس»(10).
فأين المؤلّف المحترم عن هذه النصوص؟! ليته راجعها أو أشار إليها لئلاّ يقع في خطأ التحليل.
2 ـ قال المؤلّف:
«الدليل الآخر لانتقاد عمر لأمر السقيفة ووصفها بكونها فلتة، هو ـ بلا شك ـ ما آلت إليه من فوضى، لأنّ عمر وأصحابه نزوا على سعد ابن عبادة سيّد الخزرج الذي كان مريضاً آنذاك ليعاقبوه، لأنّه تجرّأ واعترض على حق قريش الثابت في مسألة الحكم»(11).
وهذا أيضاً ممّا لا دليل عليه، نعم حصل هناك تعدّ على سعد بن عبادة وكادوا أن يقتلوه، ولكن ليس هذا هو السبب عند عمر في عدّ بيعة أبي بكر فلتة، لأنّه كان يقول ويصيح في احتدام تلك المعركة: «اقتلوه قتله الله»(12) فعمر لم يكترث بقتل سعد بن عبادة إطلاقاً بل كان من الدعاة إليه، وعليه فهذا الدليل ساقط أيضاً عن محلّ الاعتبار.
ثم إنّ المؤلّف يشير ـ بحقّ ـ إلى الخلاف القائم آنذاك في السقيفة، وأنّه لم يحصل هناك إجماع على خلافة أبي بكر، وإلاّ فأيّ معنى للهجوم على سعد والتعرّض له، ويستنتج ويقول: «من المحتمل أنّ عدداً معتداً به من الأنصار ـ وتبعاً للخزرج ـ أنكروا طاعة قيادة المهاجرين»(13). ويضيف قائلاً:
«والآن لابد وأن نعرف جليّاً المدافعين عن أبي بكر وعمر، الأشخاص الذين سبّبوا فرض إرادتهما بالقوّة على مجتمع السقيفة، بالرغم من أنّ عدداً من مهاجري مكة كان حاضراً في واقعة أخذ البيعة، ومن المحتمل أنّ الخزرج كانوا أغلبية الأنصار»(14).
ويستنتج المؤلّف أنّ التنافس الحاصل آنذاك بين الأوس والخزرج من جهة، وبين الخزرج أنفسهم ـ خلاف بشير بن سعد مع سعد بن عبادة ـ أدّى إلى غلبة كفّة المهاجرين وانتخاب أبي بكر.
ثم يشير إلى عامل آخر قد ذكره كايتاني، أدّى إلى صعود أبي بكر لدفّة الحكم، ألا وهو مجيء قبيلة أسلم إلى السقيفة، فقد روى الطبري عن أبي مخنف قال: حدّثني أبوبكر بن محمد الخزاعي أنّ أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم السكك فبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول: ما هو إلاّ أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر(15).
ثم إنّ المؤلف يضيف شاهداً آخر لتأييد الخلاف القائم آنذاك، وأنّ كثيراً من الأنصار لم يبايعوا أبابكر ويقول: «ويؤيّد كون كثير من الأنصار الحاضرين في السقيفة لم يبايعوا أبابكر، ما ورد في ذيل رواية رويت عن إبراهيم النخعي الكوفي (ت96هـ). فإنّه يقول بعد ذكر بيعة الناس لأبي بكر تبعاً لعمر: «فقالت الأنصار أو بعض الأنصار: لا نبايع إلاّ عليّاً»(16).
إنّ كايتاني يردّ هذه الرواية لصبغتها الشيعيّة، ولكن مع هذا فإنّ إبراهيم النخعي لم يعرف بميول شيعيّة، بل لهذه الرواية صبغة سنّية واضحة. ثم إنّ من غير المعلوم أنّ الأنصار في السقيفة هل هتفوا باسم عليّ(ع) أمام سعي أبي بكر للخلافة أم لا، ولكن لا يُستبعد هذا. ولكنهم مع هذا فعلوا ذلك فور استخلاف أبي بكر، وهذا ما يلوح ويؤيّد من أشعار حسّان بن ثابت الأنصاري الخزرجي التي أنشدها بعد رحيل النبي (ص)، وأوردها ابن اسحاق»(17).
ويشير المؤلّف إلى بعض تلك الأبيات منها قوله:
واقتسم الفيء دون الناس كلهم وبدّدوه جهــاراً بينهم هـــدرا
ويقول:
«هذا البيت الأخير يشير إلى حرمان بني هاشم من إرث النبي (ص) وسهم الفيء القرآني من قبل أبي بكر»(18).
«كما أنّ بني هاشم لم تسكت عن حقّها، فقد نقل ابن إسحاق عن أحد أعقاب أبي لهب أشعاراً في قبال ما كانت تذكره جزافاً قبيلة أبي بكر: تيم بن مُرة، حيث يذكر مآثر قومه قائلاً:
ما كنت أحسب أنّ هذا الأمر منصرف
أليس أوّل من صلّى لقبلتكم
وأقرب الناس عهداً بالنبي ومن
ما فيه ما فيهم لا يمترون به
ماذا الذي ردّهم عنه فنعلمه
عن هاشم ثم منها عن أبي حسن
وأعلم الناس بالقرآن والسننِ
جبريل عون له في الغسل والكفن
وليس في القوم ما فيه من الحسن
ها إنّ ذا غبناً من أعظم الغبن

يحتمل أن تكون هذه الأبيات للعباس بن عتبة بن أبي لهب الذي تزوّج بآمنة بنت العباس بن عبد المطلب، وقد يكون شاعراً صالحاً، ولكن نسجت على أكثر أشعاره عناكب النسيان لنسبته القريبة من عمّ محمد [(ص)] الملعون في القرآن، وما تبقّى منها نُسب إلى غيره سيما إلى ابنه الفضل. وقد منعه علي [(ع)] عن إنشاء هكذا أشعار، وذكر له أنّ مصلحة الدين أعزّ إليه من كلّ شيء»(19).
3ـ بعد هذا الكرّ والفرّ ، يقـول المؤلّف:
«إنّ تبرير عمر لانتخاب أبي بكر المفاجئ الذي كان فلتة (أدّى إلى خطأ كبير) هو ما أحسّ من خطر الأنصار، حيث كان من الممكن بيعتهم لشخص آخر لم يرتضه المهاجرون. هذه المسألة تطرح سؤالاً آخر.
كان من الممكن أن ينتخب أهل المدينة من بينهم شخصاً أو أن يُقدّموا علياً [(ع)]، وهذا ما أدّى إلى تخوّف المهاجرين الحاضرين في السقيفة، وكان سبب إقدامهما (أي أبو بكر وعمر) لحسم الأمر من دون تشكيل شورى واسعة تلمّ جميع الأطراف. فإذا اعتمدنا على شرح عمر المختصر لتلك الواقعة فلا يظهر بوضوح أنّ أبا بكر بذل كلّ جهده في كلامه آنذاك كي لا يُذكر اسم علي [(ع)] في ذلك المحفل. إنّه استند لتقديم حق قريش في الحكم على غيرهم على أنّ العرب لا تذعن إلاّ لقريش، لا لكونهم قربى محمد[(ص)]. ولكن ورد في روايات أُخرى لواقعة السقيفة، أنّ أبا بكر ـ وخلافاً لمعتقده السابق ـ جعل سبب أولوية قريش للحكم قرباها لمحمد[(ص)]. وعلى كل حال فهذا الاستدلال نوع دعوةٍ لإثبات حقّ لبني هاشم لكونهم أقرب الناس إلى محمد[(ص)]، وهذا ما سار عليه متكلّمو الشيعة دوماً أمام أهل السنة بأنّ الخليفة لابد وأن يكون من قريش أي من قربى النبي[(ص)]، ولذا يُحتمل أن أبا بكر كان يتحاشى التطرّق إلى مسألة القربى لهذا السبب»(20).
ثم إنّ المؤلّف يتساءل عن حضور أبي بكر وعمر وأبي عبيدة الجرّاح في السقيفة، بأنّه هل كان اعتباطاً، أم أنّهم اتفقوا على ذلك قبل رحيل النبي(ص)، وأن يكون أبوبكر هو الخليفة بعده، كما تشير إليه نظرية لامنس في مثلّث القوّة، ثم يحاول المؤلّف ردّ فرضيّة المؤامرة قائلاً:
«الدليل الصريح لردّ هذه الفرضيّة إقدام عمر على إنكار وفاة محمد[(ص)] بشدّة، وقد حذّر المسلمين بكلام خشن من قبول دعايات المنافقين الكاذبة، وعلى ما ورى أبو هريرة أنّ عمر أكّد بأنّ محمد[(ص)] ذهب إلى ربه كموسى، وسيعود بعد أربعين يوماً، وهدّد أن سيقطع أيدي وأرجل أولئك الذين يعتقدون بوفاة محمد[(ص)]. فلو كان هذا توافقاً مسبقاً بينهم لابد وأن نفترض بأنّ عمل عمر هذا كان مخططاً له من قبل كي يوفّر فرصة لنفسه، ولكن رفض أبي بكر السريع لما قاله عمر، يدلّ على أنّ الأمر لم يكن كذلك.
بل يظهر أنّ عمر كان صادقاً نوعاً ما في اعتذاره من المسلمين في اليوم الثاني عندما اجتمعوا للبيعة العامّة، بأنّه كان يعتقد ويقول بأنّ النبي(ص) سيدبّر أمرنا حتى يكون آخرنا»(21).
أقول: إنّ السيناريو التي رسمها عمر لم تكن لتحصل من دون تخطيط مسبق، وعليه فنحن لا نتفق مع المؤلف فيما ذهب إليه من عفويّة الموقف، وقبل البدء بالتعليق نورد نصّ الرواية بحسب ما رواها ابن هشام حيث روى عن ابن اسحاق أنّه قال: «قال الزهري، وحدّثني سعيد بن المسيّب، عن أبي هريرة قال: لما توفّي رسول الله (ص) قام عمر بن الخطاب فقال: إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أن رسول الله (ص) قد توفّي، وانّ رسول الله(ص) ما مات ولكنّه ذهب إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، فقد غاب عن قومه أربعين ليلة، ثم رجع إليهم بعد أن قيل قد مات، ووالله ليرجعنّ رسول الله(ص) كما رجع موسى فليقطعنّ أيدي رجال وأرجلهم زعموا أنّ رسول الله(ص) مات.
قال: وأقبل أبو بكر حتى نزل على باب المسجد حين بلغه الخبر وعمر يكلّم الناس، فلم يلتفت إلى شيء حتى دخل على رسول الله(ص) في بيت عائشة ورسول الله(ص) مسجّى في ناحية البيت عليه بُرد حبرة، فأقبل حتى كشف عن وجه رسول الله(ص)، قال: ثم أقبل عليه فقبّله ثم قال: بأبي أنت وأُمّي أمّا الموتة التي كتب الله عليك فقد ذقتها ثم لن تصيبك بعدها موتة أبداً، قال: ثم ردّ البرد على وجه رسول الله(ص)، ثم خرج وعمر يكلّم الناس. فقال: على رسلك يا عمر أنصت، فأبى إلاّ أن يكلّم، فلمّا رآه أبو بكر لا يُنصت أقبل على الناس، فلمّا سمع الناس كلامه أقبلوا عليه وتركوا عمر. فحمد الله وأثنى عليه ثم قال:
أيها الناس إنّه من كان يعبد محمداً فإنّ محمداً قد مات، ومن كان يعبد الله فإنّ الله حيّ لا يموت، قال: ثم تلا هذه الآية: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِيْن مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ.
قال: فوالله لكأنّ الناس لم يعلموا أنّ هذه الآية نزلت حتى تلاها أبو بكر يومئذٍ... قال عمر: والله ما هو إلاّ أن سمعت أبا بكر تلاها فعقرت حتى وقعت إلى الأرض ما تحملني رجلاي، وعرفت أنّ رسول الله(ص) قدم مات»(22).
ولنا على هذه المسرحيّة ملاحظات:
1ـ نتساءل ونقول: كيف عرف عمر وسائر المسلمين بوفاة رسول الله(ص)، ومن أين انتشر هذا الخبر؟!
روت أُم سلمة (رضي الله عنها) وقالت: والذي أحلف به إن كان عليّ لأقرب الناس عهداً برسول الله(ص)، عدنا رسول الله غداة وهو يقول: جاء علي جاء علي؟ مراراً، فقالت فاطمة: كأنّك بعثته في حاجة، قالت: فجاء بعد، قالت اُمّ سلمة: فظننت أنّ له إليه حاجة، فخرجنا من البيت، فقعدنا عند الباب، وكنت أدناهم إلى الباب، فأكبّ عليه رسول الله(ص) وجعل يسارّه ويناجيه، ثم قبض رسول الله من يومه ذلك، فكان عليّ أقرب الناس عهداً به»(23).
وفي رواية أُخرى قال علي(ع): «ولقد قُبض رسول الله(ص) وانّ رأسه لعلى صدري، ولقد سالت نفسه في كفّي فأمررتها على وجهي»(24).
هذه النصوص تدل ّعلى أنّ أوّل من علم برحيل الرسول(ص) عترته ونساؤه ومنهم انتشر الخبر إلى خارج الدار، فمن يقصد يا ترى عمر بقوله: «إنّ رجالاً من المنافقين يزعمون أنّ رسول الله(ص) قد توفّي»؟! فهل يصف علياً والعباس والفضل وغيرهم من الصحابة ممّن كان آنذاك محدقاً بالنبي(ص) وبداره بالمنافقين؟! ثم أيّ علاقة بين النفاق وبين الاعتقاد بوفاة النبي(ص)؟!
2ـ مفاد الرواية أنّ عمر كان واقفاً بفناء البيت النبوي حاله حال سائر الصحابة الذين كانوا يترقبون أخبار النبي(ص)، فعن عبد الله بن عباس قال: خرج يومئذٍ علي ابن أبي طالب من عند رسول الله(ص)، فقال له الناس: يا أبا الحسن كيف أصبح رسول الله(ص)...(25). وعندما خرج خبر الوفاة من البيت كان على عمر أن يتثبت ويدخل بنفسه الدار ليتأكّد من الخبر، كما صنع أبو بكر حيث دخل ورأى النبي(ص) وأعلن الخبر من جديد وأكّده.
3ـ إنّ ادعاءه ذهاب رسول الله (ص) إلى ربه كما ذهب موسى بن عمران، محلّ تأمّل فماذا كان يقصد بكلامه هذا؟! هل يقصد أنّ رسول الله (ص) خرج من الدار وذهب إلى مناجاة ربّه في مكان لا يعلم أين هو؟! وهذا خلاف الفرض إذ الكلّ كان محدقاً بالدار وبالمسجد النبوي ولم يروا خروجه(ص). أم كان يقصد أنّ رسول الله(ص) عرج به من فراشه إلى لقاء ربّه، فهذا أيضاً لا معنى له، إذ أنّ الرسول مسجى في فراشه بجسده، وكان بإمكان عمر أن يدخل الدار ليرى ويتحقق من الأمر، والخلاصة أنّ ادعاء عمر هذا لا معنى محصّل له سوى تأخير الأمر انتظاراً لمجيء أبي بكر.
4ـ الآية التي تلاها أبو بكر لا تدلّ على أنّ رسول الله(ص) توفّي الآن بالفعل، كما أنّها لا تدفع شبهة عمر بذهاب رسول الله(ص) إلى ربّه، فإنّها كانت في واقعة سبقت الحدث بسنين عدّة حيث نزلت في واقعة أحد، والخلاصة أنّ الآية المستشهد بها لا تدفع شبهة عمر إذ بإمكانه أن يقول لأبي بكر: نعم هذه الآية صحيحة ولكن إنّ رسول الله(ص) لم يمت الآن فانّه سيبقى ليدبّر أمرنا و...
ولكن لماذا اقتنع عمر فور سماع هذه الآية، ولماذا لم يسلّ سيفه عندما أعلن أبو بكر خبر الوفاة؟! ولماذا لم يتّهمه بالنفاق كما اتّهم غيره؟!
5ـ إنّ عمر كان يعلم علماً يقيناً بدنوّ أجل رسول الله(ص)، إذ أنّ الرسول أخبر بذلك مراراً وتكراراً منه في خبر الغدير حيث أعلن بدنو أجله: «يوشك أن اُدعى فاُجيب» وما شاكل، وعند اشتداد المرض وعندما كان جمع من الصحابة عنده، حيث طلب إحضار دواة وكتف ليكتب للأُمّة ما يعصمها من الضلال، ولكن منعه المانع بأنّ القرآن حسبنا، وهذا يعني أنّ الرسول(ص) كان في أخريات ساعات حياته حيث بدأ بالعهد والوصية، فخبر الوفاة لم يكن مفاجأة فكيف يُدّعى أنّ عمر اندهش بعد سماع الخبر، وادعى انّ الرسول لم يمت بل ذهب إلى ربّه، والناس كلهم وعمر نفسه سمعوا وعلموا أنّه سيرحل وشيكاً؟!
وأخيراً نقول للمؤلّف المحترم أنّ تبرئة ساحة عمر من المؤامرة، واتّهام أبي بكر بها ـ كما سيأتي لاحقاً ـ لا وجه له، إذ هما شريكان في الأمر دوماً.
يقول المؤلّف بعدما يبرّأ ساحة عمر من المؤامرة:
«ولكن أمر أبي بكر يختلف عن هذا تماماً، فإنّه وإن كان آنذاك لم يتوقّع وفاة محمد[(ص)] بدليل بقائه في منزله بالسُنح، ولكن مع هذا ما كان يشك بأنّ محمداً سيموت يوماً ما. وبما أنّه كان تاجراً وسائساً خبيراً من أهل مكة، كان يشارك عن قرب في إدارة وتخطيط أُمور المجتمع الإسلامي كمستشار أمين للنبي[(ص)]، ولذا قد درس بشكل دقيق تداعيات وفاة محمد[(ص)] من ذي قبل، ولأجل اهتمامه العميق بالمنافع المشتركة للمجتمع الذي أسّسه محمد[(ص)] باسم الإسلام، كان شائقاً تماماً لتوسيع رقعة اقتداره وبسطها على جميع العرب بل ما وراء ذلك، فإذا كان البناء عدم تفسّخ هذا المجتمع، يلزم وجود خليفة سياسي للنبي[(ص)] ولكن من سيكون هذا الخليفة؟! فأبو بكر ـ ومن دون شك ـ كان قد عزم قبل وفاة محمد[(ص)] أن يكون هو ذلك الخليفة، فكان لزاماً عليه ـ والحال أنّه لم يرشّح من قبل النبي[(ص)] لذلك ـ أن يقضي على منافسيه الأقوياء للوصول إلى هذه الأُمنية، وكان على رأسها الممانعة من حضور أهل بيت محمد[(ص)] الذين أعطاهم القرآن رتبة وميزة أعلى من بين سائر المسلمين، كي لايذكروا ادعاءهم.
لذا كانت مبادرة الأنصار فرصة ذهبية لأبي بكر، حيث طرح من خلال هذه الفلتة تقديم المرشحين (أبي عبيدة وعمر) للانتخاب، وأراد من خلال هذه المسرحيّة أن يُعرّض بنفسه للانتخاب، ويظهر عدم جدّيّة أبي بكر في هذا الاقتراح ما حصل من التشاجر بين القوم بعده. إنّ أبا بكر كان يعلم بأنّ أيّ واحد من هذين الاثنين ليس له حظ في الفوز.
إنّ أبا عبيدة وإن كان من أوائل الصحابة لكن لا يرقى إلى تلك المرتبة والموقعيّة حتى يصبح محطّ الأنظار، وكان سبب حضوره هناك صداقته لعمر. وكذلك عمر وإن كان من أقرب معاشري النبي[(ص)] ومن الأشخاص الأقوياء في المجتمع، لكنّه فَقَدَ سمعته عند الناس بسبب تكذيبه خبر وفاة محمد[(ص)]. وقد استيقن أبو بكر أن وفاة النبي[(ص)] تركت أثراً عميقاً على نفسيّة عمر، وأنّه سوف لا يخالفه بعد ما أذعن له مرّتان وسيستسلم له، وقد فهم عمر ذلك أيضاً وبايع أبا بكر، ولم يتردّد أبو بكر في قبول البيعة ولا لحظة لأنّه حصل على ما يريد»(26).
أقول: ليست لنا مناقشة خاصّة مع المؤلّف سوى ما ادعاه من نفوذ كلمة أبي بكر وأنّه المستشار المقرّب للنبي(ص)، حيث أنّه أخذ هذا عمّا يردّده أهل السنة دوماً ولكن يكذبه الواقع والحقائق التاريخية، فإنّ أبا بكر كان حاله حال سائر الصحابة ولكنه لوجود ابنته عند النبي(ص) كان يحاول أن يتقرّب إليه نوعاً مّا ليلقي في الأذهان وجود خصوصيّة له، وإلاّ يكفينا لردّ هذه المزاعم عدم تكليفه بأمر مهمّ طيلة حياة النبي(ص)، وعندما كان يُكلّف بأمر كان يفشل فيه كما في ترأّسه للجيش في واقعة خيبر وهزيمته، أو يُعزل لا من قبل النبي(ص) بل بالأمر الإلهي كما في واقعة تبليغ سورة براءة.
ثم يشرح المؤلّف كيفية استغلال أبي بكر لهذه الفرصة التي أتاحها له اجتماع الأنصار، لأنّ أبا بكر كان يعلم أنّ الشورى لا تكون بصالحه لأنّ تحالف قريش والأنصار سوف لا ينتج انتخابه بل ربما يؤدّي إلى انتخاب عليّ(ع)، لأنّ أكثر الأنصار سيدافعون عنه لقربه من النبي(ص)، كما أنّ قبيلة عبد شمس ـ إحدى قبائل قريش القويّة ـ سوف تنحاز إلى علي (ع) بحكم القوانين القبلية السائدة آنذاك، رغم الخلاف الموجود بينها وبين بني هاشم، وتوجد شواهد جيّدة تدلّ على اقتراح أبي سفيان لعلي(ع) في مناهضة القوم والانقلاب عليهم، ولكن رفض علي(ع) هذا الاقتراح، فتحالف الأنصار وبني عبد شمس كان ينتج استقطاب طوائف وقبائل أُخرى للالتحاق بهم، وحينئذٍ كان يصعب على بني مخزوم ـ الطائفة القرشية القويّة الأُخرى والمخالفة لبني هاشم ـ أن توحّد الصفوف خلف مرشح مختلف فيه، وعليه كان يغلب في تلك الشورى العامّة القانون القبلي الذي يعتمد على أصل الوارثة في انتقال السلطة(27).
ثم إنّ المؤلّف بعدما يذكر شيخوخة أبي بكر وتقدّمه في العمر وعدم احتمال بقائه في الحكم طويلاً، وعدم وجود مؤهّل في أُسرته للحكم كي يخلفه، يتساءل عن سبب عدم تنحّيه عن الحكم لصالح علي(ع) ليكون علياً الحاكم وأبو بكر المستشار، لكنّه يجيب أنّ العلاقات المتوتّرة بينه وبين علي(ع) بسبب موقفه من عائشة حالت دون ذلك، مضافاً إلى أنّ أبا بكر كان يزعم بأنّ علياً يحسده، ويحاول دوماً التقليل من موقعه أمام النبي(ص)، لذا كان ينظر إليه نظر المنافس ويرى أن لا خير له ولا لابنته عائشة في استخلاف علي(ع)، يقول المؤلّف: «ومن هذا اللحاظ مضافاً إلى حب الجاه الكامن في نفسه، كان دليلاً قاطعاً في الممانعة من استخلاف علي(ع)»(28).
«على رغم ادعاء عمر من أنّ رأي المسلمين كان متوجّهاً صوب أبي بكر، كان وضعه متزلزلاً جدّاً في الوهلة الأولى بقطع النظر عن مسألة ردّة القبائل المختلفة، كانت مسؤوليّة عمر في المدينة أخذ البيعة من جميع سكّانها. إنّه سيطر على أزقّة المدينة بفضل مساعدة بني أسلم وبعدها بني عبد الأشهل من قبيلة أوس، والتي سرعان ما أصبحت من المدافعين عن السلطة الجديدة خلافاً لأكثر الخزرج.
تذكر المصادر أنّ القوّة استعملت ضد الزبير فقط، فإنّه مع جمعٍ آخر من المهاجرين تجمّعوا في بيت فاطمة[(ع)]، فهدّدهم عمر إن لم يخرجوا للبيعة بحرق البيت، فخرج الزبير مصلتاً سيفه لكنّه عثر ووقع السيف من يده فقيّده أصحاب عمر. وتوجد شواهد على أنّ بيت فاطمة[(ع)] قد كُشف، ونُقل عن عليّ فيما بعد أنّه كان يشير مراراً بمناهضته القوم لو كان له أربعون شخصاً. ولا يُعلم باستخدام القوّة في غير هذا المورد، إذ يُحتمل عموماً أنّ التهديد الأوّل كان كافياً لتسليم المعارضة.
وقد رُويت روايات مستقلّة أُخرى بالنسبة إلى استخدام القوّة ضدّ عليّ[(ع)] وبني هاشم حيث امتنعوا جميعاً من البيعة لستة أشهر على ما رواه الزهري، ولكن يحتمل عدم وجود اتفاق لقبول هذه الروايات. كان أبو بكر يقظاً من دون تردّد بحيث يمنع عمر من إعمال القوّة عليهم، لأنّه كان يعرف جليّاً بأنّ إعمال القوّة يسبب اتحاد أغلبيّة بني عبد مناف، والحال أنّه كان يريد رضاهم وودّهم. كانت سياسته انزواء بني هاشم إلى أبعد ما يمكن، ويلزم الالتفات إلى ما قالته عائشة بأنّ وجهاء القوم تركوا الكلام مع علي(ع) إلى أن أقرّ بخطئه وتعهّد بالبيعة لأبي بكر. رأى بنو هاشم أنفسهم في وضعٍ ذكّرهم بذكرى تحريم كفّار مكة إيّاهم للضغط عليهم بترك محمد[(ص)]، بيد أنّ الوضع الآن تغيّر حيث أصبح المسلمون اليوم يشدّدون عليهم كي يتركوا نصرة علي(ع)، لكن علياً خلافاً للنبي[(ص)] ترك دعواه بعد رحيل فاطمة [(ع)]»(29).
يلاحظ على ما ذكره من عدم وجود اتفاق لقبول رواية الزهري عن عائشة في تخلّف عليّ(ع) ومن معه عن البيعة لستة أشهر، أنّ هذا الاتفاق موجود؛ إذ أنّ هذه الرواية وردت في صحيحي البخاري ومسلم، وهما من أصحّ الكتب عند أهل السنة بعد كتاب الله، فما ورد فيهما لا يقبل النقاش ويؤخذ به عندهم، فهذه الرواية متفق على قبولها عندهم، أمّا عند الشيعة فالأمر واضح إذ أنّهم يعتقدون بأكثر ممّا ورد في هذه الرواية من إقصاء وهجوم وضرب، فالنتيجة أنّ مضمون الرواية متفق عليها عند الفريقين، ولا دليل للتشكيك فيها.
أمّا ادعاؤه بممانعة أبي بكر من إعمال القوّة على بني هاشم خشية اتحاد بني عبد مناف، فمحلّ كلام إذ أنّه سيطر على المدينة بحكم مساعدة بني أسلم وبني عبد الأشهل، كما نفعه مسألة الردّة وقمع المرتدين ممّا كان يعطيه ذريعة لكبح أيّ صوت معارض بحجّة الارتداد، وأخيراً ما دلّ على الهجوم وتهديد الإحراق للبيت النبوي ـ أقدس البيوت وأشرفهاـ يكفي لتفكيك أي معارضة، مضافاً إلى أنّ المعارضة طوّقت واجتمعت في مكان واحد وهو بيت علي وفاطمة ممّا يعني عدم وجود صوت معارض آخر في غير هذا المكان.
وأخيراً فإنّ علياً(ع) صالح القوم، ولكن لا كما قال المؤلّف من أنّه أقرّ بخطئه وما شاكل، بل لأجل الحفاظ على بيضة الإسلام، كما قال(ع): «حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام يدعون إلى محق دين محمد(ص)، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله أن أرى فيه ثلماً أو هدماً تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم التي إنّما هي متاع أيّام قلائل، يزول منها ما كان كما يزول السراب، أو كما يتقشّع السحاب، فنهضت في تلك الأحداث حتى زاح الباطل وزهق، واطمأنّ الدين وتنهنه»(30).
ثم يشير المؤلّف إلى أنّ:
«أبا بكر أعلن بأنّه سيتابع سياسات وسنن محمد[(ص)] تماماً، ولذا اختار لنفسه لقب خليفة رسول الله[(ص)]»(31).
ولإثبات مصداقيّة كلامه يذكر المؤلّف عدّة أُمور قام بها أبو بكر، منها إرسال جيش أُسامة إلى حدود الشام، على رغم من أنّ عدم وجود جيش مستحكم ربما يواجه المدينة للخطر. كما أصرّ على أخذ الزكاة من جميع القبائل لكونه الخليفة، ولم يلتفت إلى مخالفة عمر وأبي عبيدة وسالم حيث طلبوا منه تأجيل ذلك إلى العام القادم، لكن أبا بكر أصرّ على موقفه، حتى أنّه تعدّى ما كان رسمه محمد(ص)، فحكم بارتداد من لم يدفع الزكاة، الأمر الذي لم يستعمله النبي(ص) ضد من لم يدفع الزكاة.
ولذا وقع الفقهاء القدامى في حيرة لتبرير موقف أبي بكر، حتى أنّ عمر سأله عن المبرّر الشرعي لقتال مانعي الزكاة، إذ أنّ النبي(ص) كان يكفّ عمّن تشهّد الشهادتين. أمّا الآخرون أمثال الشافعي أطلقوا لقب الباغي عليهم، وبه أحلّوا إراقة دمائهم شرعاً، الأمر الذي يفقد أيّ مبنى قرآني وروائي نبوي، بل كان أمراً لمصلحة جهاز الخلافة طرأ على ذهن أبي بكر فقط.
إنّ القرآن رغم أمره بإطاعة الله والرسول وأُولي الأمر، وتهديده العصاة بالعقاب، لكنّه لم يأمر بإراقة واستباحة دم مسلم أو تعذيبه، وهذا يبدو جلياً من تعامل القرآن مع المنافقين حيث اكتفى بالعتاب والوعيد، فكان أبو بكر في سعة من متابعة نهج القرآن والتعامل معهم معاملة المنافقين، ولم يكن له أن يحاربهم كمرتدين أو بغاة. ولذا يستنتج المؤلّف ويقول: «إنّ أبا بكر أجرى تغييرات أساسية في مسار الإسلام بحجّة أداء الواجب المفروض عليه كخليفة»(32).
رغم هذه المحاولات التي أجراها أبو بكر لبسط سلطته على القبائل وإعمال نفوذه، يلفت المؤلّف المحترم الأنظار إلى التناقض البيّن في أعماله، حيث أنّه رغم مدعاه بخلافة النبي(ص) وإجراء جميع أوامره وسننه، لكنّه وقع في تناقض عند تعامله مع أهل البيت، يقول المؤلّف:
«كان الاتباع الدقيق لسنن النبي[(ص)] وأعماله في جميع الموارد سيّما في التعامل مع قرباه القدامى أي بنو هاشم، صعباً لأبي بكر للغاية، إذ كان من الواضح أنّ تأسيس خلافة مستحكمة يتقاطع مع أداء حق أهل بيت محمد[(ص)] الخاص، لأنّه يلزم عليه ـ بحكم القرآن ـ إعطاء الإرث والخمس والفيء إلى من وصفهم القرآن بأهل البيت. وكان في موقف أبي بكر لعلاج هذا الموقف نوع إفراط وإبداع.
وطبقاً لما روته عائشة، أنّ فاطمة[(ع)] والعباس لمّا جاءا لطلب إرث النبي[(ص)]، وأرض فدك وسهمه من خيبر، قال لهما أبو بكر: «أما انّي سمعت رسول الله يقول: لا نورث ما تركنا فهو صدقة، إنّما يأكل آل محمد في هذا المال، وانّي والله لا أدع أمراً رأيت رسول الله يصنعه إلاّ صنعته»(33).
«فتخلّص أبو بكر بهذه الطريقة من مشكلة أهل البيت، وحلّها من دون أن يطعن بسمعته. وطبقاً لهذا الجواب، فإنّ محمداً [(ص)] لم يكتف بمنع أهل بيته من الإرث، بل وافق على أخذهم الصدقات عند الحاجة، والحال أنّه بنفسه حرّم عليهم في حياته أخذ الصدقة لطهارتهم. ولكن أهل البيت عند أبي بكر لابد وأن يأخذوا سهمهم من الصدقة كسائر الناس، من دون أن يُفسح لهم أخذ حقّهم القرآني من الخمس والفيء.
فقد ادعى أبو بكر أنّ النبي[(ص)] أخبره بذلك سرّاً من دون أن يطّلع عليه أحد، وكان غرضه من هذا العمل إثبات كونه الخليفة المخوّل لإجراء أوامر النبي[(ص)]. وقد تحيّرت وتعجّبت فاطمة[(ع)] بنت النبي من ادعاء أبي بكر هذا، فانّها لم تتمكّن من اتخاذ موقف صريح اعتراضاً على هذا الحكم، ولكن على ما روت عائشة: «فهجرته فاطمة فلم تكلّمه في ذلك حتى ماتت، فدفنها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر»(34).
ثم يقول المؤلّف بعدما يشير إلى الاهتمام الخاص بنساء النبي[(ص)] من قبل جهاز السلطة:
«كان من دون شك مصادرة أموال النبي الكثيرة ـ التي غطّت بعض نفقات الجيش الإسلامي ـ ضرورة سياسية، توصّل إليها أبو بكر بكلّ لباقة بدعوى أنّ النبي[(ص)] أرجع جميع أمواله إلى بيت المال، وكان هذا نظير التمهيد السياسي الذي عمله في السقيفة تماماً. إنّ اعتراض حسان بن ثابت على غصب الفيء سرعان ما كُبت وتمّ نسيانه، وبدأ كبار الصحابة بالمنافسة لادعاء سماعهم من النبي[(ص)] أنّ الأنبياء لا يورثون، وما يتركوه فهو صدقة.
وقد نجح أبو بكر في خطته لاقصاء بني هاشم من دون إعمال القوّة، وكاد أن يتمّ نجاحه هذا بعد ستة أشهر عندما توفيت فاطمة[(ع)]، ولكن خبر وفاتها وأنّها دُفنت سرّاً في الليل كي لا يحضر الخليفة أمرها، كان ضربة قاضية لهذا النجاح فيما يبدو»(35).
ثم إنّ المؤلّف يشرح كيفيّة مجيء عليّ(ع) إلى البيعة كما ورد عن عائشة، وأنّ هذه البيعة أخرجت بني هاشم من العزلة، وأنّ الناس أقبلوا على عليّ(ع) بعدها، ثم يقول:
«إنّ استسلام عليّ[(ع)] أمام الناس أنهى عزلة بني هاشم، وأحكم ظاهراً صفوف المسلمين في تأييد أبي بكر، ولكن مع هذا لم تحدث مصالحة حقيقية بينهما إطلاقاً، فانّ كلّاً منهما كان يعرف خبايا ونوايا الآخر. ولم يعتمدا على المصانعة والإطراء الظاهري أيضاً. في تلك الظروف لم يحمل عليّ[(ع)] دموع أبي بكر وادعاءه حب أهل البيت سوى على الرياء والتصنّع، لأنّه كان يعلم تماماً بأنّ الخليفة سيسعى جهد ما يتمكن من إقصاء بني هاشم عن السلطة، فضلاً عن سعيه لصد علي[(ع)] عن الوصول إلى الخلافة. وفي المقابل كان أبو بكر يعلم بأنّ هذا الشاب لم يكن جادّاً في إذعانه له بخلافة محمد[(ص)]، وكان يعلم بأنّ الفرصة لو سنحت له لأنكر شرعيّة خلافة قريش وحاول اثبات حقّه المبتني على حقوق أهل بيت محمد[(ص)]. وعليه كانت بينهما أزمة ثقة»(36).
وفي ختام هذا الفصل ينهي المؤلّف كلامه حول أبي بكر بمسألة استخلافه لعمر، رغم مخالفة بعض الصحابة، ورغم ما كان في عمر من غلظة وجفاء، وكان هذا الانتخاب مفروضاً على أبي بكر، إذ أنّ عمر هو الذي شيّد أركان خلافته، وأعانه على نوائبه، وكان أقرب الناس إليه(37).

عمر: الكفاءات الإسلامية، الشورى والإمبراطورية العربية:
«إنّ مقام الحكم على الأُمّة الإسلامية الممتاز الذي منحه أبو بكر لقريش، لم يبتن على أيّ أساس قرآني. ففي إحدى السور المكية الأوائل (سورة قريش) يُطلب من قريش أن يعبدوا رب هذا البيت الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف. وفي فترة معتدّ بها من البعثة النبوية كانت قريش في مكة من ألدّ أعداء محمد[(ص)]، وكان القرآن يتهجّم صريحاً على الكفّار والمشركين.
إنّ الله تعالى يُثني كثيراً على المهاجرين في القرآن، وقد وعدهم الرحمة وخير الجزاء في الدنيا والآخرة.
ولكن لم يقصد القرآن من المهاجرين من هاجر من قريش مكة فقط، بل هذا الاصطلاح يشمل حتى أولئك الأعراب والقبائل البدوية الذين هاجروا إلى النبي[(ص)] من جميع أنحاء الجزيرة العربية، وفي القرآن وإن قُدّم اسم المهاجرين على الأنصار، ولكن منزلتهم تتساوى مع الأنصار تماماً (الأنفال: 72ـ 74، التوبة: 100ـ 117) ولم يميّزوا في أيّ مكان على حساب الأنصار، إلاّ ما يُعطى لفقراء المهاجرين من سهم (الغنائم) وذلك لهجرتهم عن مدينتهم وتركهم أموالهم هناك، من دون أن يراد تفضيلهم على الأنصار (الحشر: 8 ـ 9). ولكن القرآن يفضّل صريحاً إيمان من سبق إلى الإسلام على غيره، وهذا الأصل عموماً ينفع الصحابة الأوائل من بين قريش مكة. ويأتي بعدهم في الرتبة المسلمون الذين أسلموا بعد المهاجرين وبعد الأنصار الذين آووا المهاجرين (الأنفال: 74 ـ 75، الحشر: 8 ـ 10).
 وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ *أُوْلَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ *فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ (الواقعة 10ـ 12).
ثم إنّ القرآن يصرّح للذين أسلموا بعد فتح مكة، أن لا يقيسوا أنفسهم بالذين أنفقوا وجاهدوا قبل الفتح  أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً (الحديد: 10). وكان الاعتقاد السائد آنذاك أنّ الهجرة قد تمّت بفتح مكة، حتى أنّ المسلمين الذين كانوا يسلمون ويأتون إلى المدينة بعد الفتح، لم ينالوا عنوان المهاجرين»(38).
بعد هذه المقدّمة الموجزة للمؤلّف في نقد سياسة أبي بكر لتفضيل قريش؛ بأنّها لم تستند إلى أيّ دليل قرآني، يلقي المؤلّف نظرة موجزة إلى سيرة عمر بن الخطاب وسياسته في حكومته ويقول:
«كان عمر بن الخطاب منشغلاً دوماً بالدفاع والدعم الجاد لترسيخ أصول ومبادئ الإسلام. إنّه في زمن النبي[(ص)] سعى مراراً ـ وإن لم يوفّق ـ وأبدى مخالفته لتحسين العلاقات السياسية مع أعداء المسلمين من أهل مكة. وعليه كان رأيه في واقعة بدر قتل الأسرى بدل إطلاق سراحهم في قبال أخذ الفدية، إنّه خالف انعقاد المصالحة في صلح الحديبية، وكما اعترض في فتح مكة على عفو أبي سفيان رأس الأُمويّين، وطلب قتله لدوره الهام في عداء الإسلام.
وفي زمن أبي بكر خالفه في مسألة قتال مانعي الزكاة، وكان مخالفاً أيضاً لتسليم بعض المناصب الهامّة إلى بعض أشراف مكة كخالد بن الوليد وخالد بن سعيد، لاعتقاده أنّ سلوك خالد بن الوليد لا يتلاءم مع الخلق الإسلامي، مع تشكيكه لإخلاص خالد بن سعيد لأبي بكر.
ثم إنّ عمر بعدما أصبح خليفة، وإن لم يسع إلى تخطئة أبي بكر في إعطاء حق الحكم لقريش حصراً، ولكن سعى إلى تقوية الوجهة الإسلامية للحكومة من خلال إجراء أُصول الإسلام والحد من قوّة أشراف مكة الجاهليين ونفوذهم. إنّه ركّز على أصلين قرآنيين وهما: السابقة ـ وعلى فرض إثباتها حقّاً لقريش لكنّها تشمل أوائل أصحاب النبي من قريش ـ والشورى»(39).
أقول: ما ذهب إليه المؤلّف، وما استنتجه من أفعال عمر بن الخطاب في زمن النبي(ص) وبعده، وقبل تسلّمه منصب الخلافة وبعده من كونه صلباً متحمّساً في الدفاع عن مبادئ الإسلام واصوله؛ محلّ إشكال. إذ كيف يكون الاعتراض على النبي(ص)، ومحاولة تغيير الأمور على خلاف ما يقوله ويفعله ويأمر به(ص) كما حصل في صلح الحديبية ـ وقد قال عمر بنفسه: «فعملت في ذلك أعمالاً. يعني في نقض الصحيفة»(40)ـ والمنع من إحضار الدواة والكتف ليكتب الرسول(ص) كتاباً يعصم الأُمة من الزلل والضلال، أو ما صنعه من إبداع صلاة التراويح، والمنع من المتعتين، ومحاولة التعدّي والهجوم على دار الوحي والرسالة، وغيرها ممّا دوّنته الصحاح والمسانيد، كيف يكون كلّ هذا دليلاً على التحمّس للدين، فلو صح هذا وكانت مخالفة النبي(ص) دليلاً على الصلابة في الدين لكان المنافـقون أقـوى صلابة في الدين من عمر.
وكذلك سائر ما صنعه عمر بن الخطاب في سيرته الحكومية من شدّة وخشونة، إنّما كان ناتجاً من طبيعته أوّلاً، وما تمليه عليه الظروف والمصالح الوقتيّة ثانياً، وإلاّ فضرب هذا، ونفي ذلك، وجلد آخر، ورفع الحد عن البعض وتعطيل بعض الأحكام والتلوّن فيها، كلها لا تمت إلى الشرع بصلة، بل هي اجتهادات أحسن ما يقال فيها أنّها خاطئة.
ثم إنّ المؤلّف يشرح ما توصّل إليه في تحليله من اعتماد عمر على أصلين قرآنيين هما السابقة والشورى، ويذكر بالنسبة إلى الأصل الأوّل ـ أي السابقة ـ كيفيّة تقسيم عمر للغنائم على خلاف ما كان في عهد أبي بكر من التسوية في العطاء، حيث كان يرى عمر عدم إمكان التسوية بين من حارب مع النبي(ص) وبين من حارب ضدّه لفترة، وعليه كان يُعطي لمن قاتل في غزوة بدر أكثر من غيرهم، وكان يُعطي لنساء النبي(ص) ضعفي مجاهدي بدر وكذلك العباس عم النبي(ص)، أمّا بالنسبة إلى أسباط النبي الحسن والحسينفكان يعطيهم بقدر سهم أبيهم علي(ع) سهم مجاهدي غزوة بدر.
أمّا بالنسبة إلى الأصل الثاني وهو الشورى، فيظهر ممّا رواه ابن عباس حين خرج عمر غازياًومعه المهاجرون والأنصار في السنة الثامنة عشرة، فلمّا وصل إلى سرغ أبلغه أُمراء الجيش بأنّ الأرض سقيمة(فيها وباء)، فأمر عمر أن يجمع إليه المهاجرون الأوّلون فاستشارهم فاختلفوا، فصرفهم وأمر بحضور مهاجرة الأنصار فاستشارهم فاختلفوا أيضاً فصرفهم كذلك، ثم أمر باحضار مهاجرة الفتح من قريش فاستشارهم فلم يختلفوا وقالوا: «ارجع بالناس فإنّه بلاء... قال: أيّها الناس إنّي راجع فارجعوا»(41).
وبعد هذا يقول المؤلّف:
«كان عمر غالباً ما يستشير كبار الصحابة المكييّن فقط. توجد روايات كثيرة بالنسبة إلى استفساره منهم في مختلف المسائل السياسيّة والفقهيّة. ويظهر صحّة ما ذهب إليه كايتاني من أنّ عمر أبقى كبار الصحابة في المدينة للاستشارة والاستئناس برأيهم، وأرسل الباقين ـ الذين لم يكونوا بمنزلتهم في السبق إلى الإسلام ـ إلى خارج المدينة وأمّرهم على العساكر»(42)(43).
أقول: ما ذهب إليه المؤلّف من كثرة استفسار عمر عن كثير من المسائل السياسيّة والفقهيّة أمر صحيح وثابت، وهذا بكونه مثلبة أولى من كونه منقبة، إذ الناس تنتظر من قيادتها الحكمة والحنكة والخبرة واللياقة، لا أن يكون الحاكم عيالاً عليها في كثير من المسائل الصغيرة والكبيرة، فالاستشارة بحدّ ذاتها أمر مطلوب ولكن كل شيء جاوز حدّه انقلب ضدّه.
أمّا بالنسبة إلى ما ذهب إليه كايتاني، فيكفينا في الرد عليه، ما ذكره المؤلّف في الهامش من تناقض أقوال كايتاني في تفسير وتحليل حبس عمر لكبار الصحابة في المدينة، حيث ذكر في موضع آخر من موسوعته في تاريخ الإسلام أنّ عمر حبسهم لأنّه كان يخاف منهم الخيانة، لذا أوقفهم عنده ليكونوا تحت النظر، كما أنّه حرمهم من أيّ مشاركة في الحكم وتعامل معهم كأعداء(44).
ثم إنّ المؤلّف يستند على روايات مختلفة ويستنتج أنّ عمر بادر بعد استخلافه إلى الحدّ من نفوذ أشراف مكة، كما حاول تصحيح بعض الأخطاء السابقة، وعليه فأوّل ما صنعه بهذا الصدد عزل خالد بن الوليد عن إمارة الجيش في الشام ونصب أبا عبيدة مكانه. كما أمر بإطلاق سراح أُسراء حروب الردة، وألغى قانون منع حضور المشركين في حروب الردة في الجيش الإسلامي. كما أنّ عمر نصب ولاته في الأمصار من الطبقة الثانية ومن غير قريش، وعليه خلت الساحة السياسية من أشراف قريش الذين لعبوا دوراً بارزاً زمن أبي بكر.
ثم يشير المؤلّف إلى أنّ عمر نصب يزيد بن أبي سفيان على دمشق والأردن وفلسطين بعد موت أبي عبيدة، وعندما مات يزيد بمرض الطاعون ولّى أخاه معاوية ابن أبي سفيان مكانه، الأمر الذي يُعنى عند كايتاني علوّ منزلة بني أُمية عند الخليفة، ولكن المؤلّف لا يرتضي هذا التحليل لزعمه أنّ عمر كان يكره أشراف مكة وأعداء محمد(ص) القدامى، ويحتمل أنّ سبب اهتمامه بهم ربما يكون لإيجاد تعادل وموازنة سياسية بينهم ـ وقد حكموا دمشق لفترة ممتدة وأرسوا قواعدهم فيها ـ وبين بني حمير اليمنيين، حيث كان لهم دور بارز في الفتوح، وكانوا لا يخفون رغبتهم بإقامة دولة حمير بزعامة قائدهم سميفع بن ناكور ذي الكلاع، فعمر أدرك هذا وقوّى جانب بني أُمية ليقفوا أمام هؤلاء الذين كان يرى فيهم تهديداً لما رسمه هو وأبو بكر بالنسبة إلى الخلافة(45).
أقول: إنّ محاربته لسادة قريش كانت لمصالح شخصية لا تمت إلى الإسلام بصلة، والشاهد على ذلك حسن تعامله مع بني أُمية كما ذكره المؤلّف، وإن زعم أنّ ذلك كان لصد خطر بني كلاع، ولكن المهم هو انّ سياساته ما كانت تبتني على رؤى إسلامية واضحة، بل على مصالح سياسية مؤقته كما أنّ المؤلّف يناقض نفسه حيث يذكر بعد أسطر انّ عمر كان ينوي إيصال كبار الصحابة إلى دفة الحكم، كما سيأتيك، فكيف يمكن الجمع بين هذا وبين ذاك.
ثم يقول المؤلّف:
«إنّ ما كان ضرورياً وحيويّاً لخطة عمر في تحكيم كبار الصحابة الأوائل، إشراك علي[(ع)] ولو ظاهريّاً. إنّ عمر ـ من دون أن يتنازل عن حق قريش في الخلافة ـ بذل غاية جهده لمصالحة بني هاشم، فتعامل مع علي[(ع)] كسائر الصحابة الأوائل، وأظهر اهتمامه بقربى النبي[(ص)] من خلال احتفائه بالعباس الذي أصبح بعد وفاة فاطمة[(ع)] أقرب الناس إلى رسول الله[(ص)]، ولم يكن من قبله أي إحساس وشعور بتهديد سياسي، لأنّه لم يكن من الصحابة الأوائل، ولم تكن له طموح شخصية (نحو الحكم). كما قرّب عمر إلى نفسه أيضاً عبد الله بن عباس الشاب الذي لم يُعّد تهديداً سياسياً أيضاً. كانت لعبد الله بن عباس علاقة وطيدة بعمر منذ خلافته إلى وفاته، وخلّف أكثر الروايات الكاشفة عن أفكار الخليفة الخاصّة. ولكون بني هاشم ورثة محمد[(ص)]، أعطاهم عمر وبكل حيطة بعض المخصّصات، وعلى ما قالت عائشة فإنّه أعطى ولاية ما ترك محمد[(ص)] في المدينة إلى العباس وعلي(ع)، ولكن حبس عنهما سهمه من خيبر وفدك، لزعمه أنّها ـ بخلاف الأُولى ـ كانت لرفع حوائجه واحتياجات النبي[(ص)] الشخصية وسائر ما ينوبه، وبعده تصل إلى يد الحاكم، وقد ذكرت عائشة أنّ علياً [(ع)] استولى بعد فترة على التركة وأخذ حق العباس من تركة محمد[(ص)](46).
أقول: إنّ طريقة تعامل عمر مع العترة في زمن خلافته كانت تتبع سياسته الحذرة لتطويق المعارضة، مضافاً إلى أنّ العترة الطاهرة آنذاك ما كانت بصدد إظهار الخلاف على جهاز الحكم، ولكن مع هذا ما انمحت عن أذهانهم ما صنعه عمر بن الخطاب أيام السقيفة وما تلتها من أحداث محزنة أليمة، وكانوا يعلمون أنّ محاولات عمر هذه لم تكن عن نوايا حسنة إنّما هي سياسة أملتها الظروف عليه، والدليل على ذلك أنّ في أخريات حياته لما سمع البعض هتف باسم علي(ع) للخلافة بعد عمر، ثارت حميّته وهدّد بالقتل وخطب الناس خطبة ذكر فيها أحداث السقيفة وانّ بيعة أبي بكر كانت فلتة يجب أن لا تعود ـ كما مرّ ـ.
ثم يذكر المؤلّف رواية مجيء علي(ع) والعباس إلى عمر، وشكوى كل واحد منهما عن الآخر بشأن حق الولاية على التركة، وتهديد عمر بسحب القرار وإرجاع التركة، ثم يقول:
«هذه الرواية التي تعطي صورة سلبية عن العباس وعلي[(ع)]، تبلور تماماً شعور الأمويين ضد الهاشميين وربما لا يمكن الاعتماد على تفاصيلها الجزئية، لكنّها تعكس وجهة نظر عمر بوضوح. إنّ الخليفة كان يعلم الخطر الكامن من وراء مخالفته ولو جزئياً لقرار أبي بكر بشأن تركة محمد[(ص)]، وقد اطمأنّ أنّ الجميع يعرفون حديث النبي[(ص)] (بشأن عدم التوريث).
إنّ قراره بشأن أموال محمد(ص) المدنيّة لم يكن بمعنى تمليكها للعباس وعلي[(ع)]، بل كان عليهما صرفها لنفع المجتمع الإسلامي كما كان يفعل محمد[(ص)]. إنّ عمر تلا لتأييد رأيه الآية السادسة من سورة الحشر الدالّة على أنّ النبي[(ص)] استلم فيء بني النضير فقط، لكنه لم يقرأ الآية التي تليها الدالّة على تخصيص سهم من غنائم أهل القرى لقربى النبي[(ص)]، وذلك لاعتقاده أنّ هذا المقطع يشمل أموال فيء خيبر وفدك فقط، والحال أنّها أصبحت ضمن الأموال الديوانية بعد وفاة النبي[(ص)].
بالنسبة إلى فيء خيبر روى جبير بن مطعم أنّ محمداً[(ص)] قسّم بعضه بين بني هاشم وبني عبد المطلب، ولم يعط لبني عبد شمس وبني نوفل ـ وكان جبير منهم ـ شيئاً. وبعده سار أبو بكر بالنسبة للفيء بطريقة النبي[(ص)] إلاّ أنّه حرم قربى النبي[(ص)] منها. لكن عمر ومن تلاه خصّصوا سهماً لهم»(47).
ثم يشرح كيفيّة تقسيم الأموال والغنائم، وتفضيل عمر لنساء النبي(ص) وقرباه أي العباس والحسنان وأُسامة في العطاء، مع تسويته عطاء علي(ع) وسائر بني هاشم مع غيرهم من أصحاب بدر، ممّا أدّى إلى تذمّرهم منه لحرمانهم ممّا كان النبي(ص) يعطيهم.
«كما أنّه منع منهم خمس غنائم الحروب، وعندما أراد أن يصرف لهم منها فيما يخصّ نفقات الزواج وأداء الدين ونفقات العبيد، أبوا إلاّ أن يأخذوا كلّها من دون تمييز لكنّه أبى ولم يوافق.
يظهر أنّ عمر كان يأمل من خلال هذه المقترحات أن يحظى بمصالحة بني هاشم من دون أن يقوّي العامل الاقتصادي والسياسي عندهم، لذا حاول الاقتراب من العباس وابنه حيث لم يشكّلا خطراً تجاه الحكم، وهذا ما يفسّر تسوية العباس مع نساء النبي[(ص)] في العطاء، وتقديمه لصلاة الاستسقاء في السنة الثامنة عشرة، وعدم التعرّض له عند ما امتنع عن هدم داره لتوسعة الحرم المكي.
أمّا بالنسبة إلى عليّ[(ع)] فقد كان عمر يتوجّس منه كثيراً، يقول المؤلّف: «إنّ علاقة عمر مع علي كانت أكثر صعوبة وتعقيداً. روى ابن أبي طاهر الطيفور في كتابه تاريخ بغداد عن ابن عباس رواية تكلّم عمر مع ابن عباس في أوائل خلافته، حيث سأل عمر هل بقي في نفسه شيء من أمر الخلافة؟ قلت: نعم، قال: أيزعم أنّ رسول الله[(ص)] نصّ عليه؟ قلت: نعم، وأزيدك سألت أبي عمّا يدّعيه فقال: صدق. فقال عمر: لقد كان من رسول الله[(ص)] في أمره ذرو من قول لا يثبت حجة ولا يقطع عذراً، ولقد كان يربع في أمره وقتاً ما، ولقد أراد في مرضه أن يصرّح باسمه فمنعت من ذلك اشفاقاً وحيطة على الإسلام، لا ورب هذه البنية لا تجتمع عليه قريش أبداً، ولو وليها لانتقضت عليه العرب من أقطارها، فعلم رسول الله أنّي علمت ما في نفسه، فأمسك وأبى الله إلاّ إمضاء ما حتم»(48).
إنّ عمر وإن كان يعلم أنّ علياً كرئيسٍ لآل النبي[(ص)] لم يغضّ طرفه عن طلبه للوصول إلى الحكم بمعنى تهديده لخلافة قريش، لكنّه مع هذا كان يسعى أن يدني علياً إلى نفسه ضمن مجموعة كبار الصحابة الأوائل. إنّه كثيراً ما شاور علياً وسائر الصحابة الأوائل، وكان مصرّاً على أن يتزوج أم كلثوم بنت علي وحفيدة النبي[(ص)]. إنّ علياً طلب من عمر قطعة أرض في ينبع قرب جبل رضوى، فاستجاب له عمر وأعطاه تلك الأرض، وكانت فيما بعد بيد أولاد الحسين بن علي [(ص)].
وعلى الرغم من محاولات عمر السلمية، لكن بقيت بينهما مسافة فارقة. يروي عبد الله بن عبـاس أنّ عمر سأله وقـال : يا بن عباس ما منع علياً من الخروج معنا؟ قلت: لا أدري، قال: يابن عباس أبوك عم رسول الله[(ص)] وأنت ابن عمّه، فما منع قومكم منكم؟ قلت: لا أدري، قال: لكنّي أدري، يكرهون ولايتكم لهم، قلت: لم ونحن لهم كالخير؟ قال: اللهم غفراً، يكرهون أن تجتمع فيكم النبوة والخلافة فيكون بجحاً بجحاً، لعلكم تقولون إنّ أبا بكر قفل ذلك، لا والله ولكن أبا بكر أتى أحزم ما حضره، ولو جعلها لكم ما نفعكم مع قربكم(49).
من الواضح أنّ قصد عمر من هذا الكلام إيصال رسالة إلى علي[(ع)] وإلى العباس. إنّ علياً لابد أن لا يأمل في الوصول إلى الخلافة، لأنّه من آل النبي[(ص)]، وقريش تأبى أن تجتمع النبوة والخلافة فيهم، هذه الحقيقة لم تكن مؤامرة أبي بكر وعمر في السقيفة، بل إنّ الحسد الدفين لقريش هو الذي منع علياً [(ع)] من الوصول إلى الخلافة. الفرصة الوحيدة المتاحة لعلي[(ع)] للوصول إلى حكومة المجتمع الإسلامي، هي المشاركة الكاملة في الشورى التي عيّنها عمر بمشاركة الصحابة الأوائل من قريش.
وقد روى ابن عباس في مناسبة أُخرى عن عمر أنّه قال له: يابن عباس أما والله أن كان صاحبكم هذا أولى الناس بالأمر بعد وفاة رسول الله[(ص)] إلاّ أنّا خفناه على اثنتين. قال ابن عباس: ... ما هما؟ قال: خشيناه على حداثة سنّه وحبّه بني عبد المطلب(50).
إنّ أُمنيات عمر لتذليل وسيطرة تطلّعات علي[(ع)] وأصحابه، ذهبت أدراج الرياح في أُخريات حياته، لأنّه ـ كما روى ابن عباس ـ حدثت واقعة أجبرت الخليفة على أن يتكلّم عن أحداث سقيفة بني ساعدة. إنّه أكّد في خطبته على اعتقاده بابتناء الخلافة على أصل الشورى، وأدان كلّ المساعي والمحاولات لتعيين الخليفة من دون استشارة المسلمين. وذكر أنّ الخلافة تتعلّق بجميع قريش، ولا يمكن حصرها في قبيلة واحدة»(51).
ثم يشرح المؤلّف مقتل عمر بن الخطاب، وتعيين الشورى السداسية لانتخاب الخليفة، وما صنعه عبيد الله بن عمر من قتل الأبرياء، ويعرّج على رأي كايتاني وينتقده لخلوّه من إثباتات مرجعية، حيث ذهب كايتاني إلى أنّ قتل عمر كان بمؤامرة من قبل علي والزبير وطلحة، ويستند إلى وقوع الاغتيال مباشرة بعد خطبة عمر وإنذاره بأنّ جمعاً يريدون أن يغصبوا الخلافة، كما يستند إلى ما صنعه عبيد الله في قتل الهرمزان وغيره.
لكن المؤلّف يردّ كايتاني لعدم توفّر الأدلّة، وأنّ أعمال عبيد الله كانت جنونية، ولم تكن عن تدبر وتعقّل لذا لا تدلّ على شيء، كما أنّه لا يوجد أيّ دليل لعلاقة أبي لؤلؤة مع الذين ذكرهم كايتاني، ولو كان هناك احتمال لوجود مؤامرة من قبل علي(ع) لقتل عمر، لاستفاد منها بنو أُمية فيما بعد للتنقيص من عليّ(ع) كما صنعوا في مسألة قتل عثمان.
ثم يذكر المؤلّف تفاصيل الشورى والمفاوضات التي جرت، وحصر الأمر في علي(ع) وعثمان، ثم غلبة عثمان وإجبار علي(ع) على البيعة ويقول:
«إنّ عمر وإن كان قلقلاً فيما يبدو من صعود علي[(ع)]إلى الخلافة، ولكن لا يوجد أيّ مستند يدلّ على تأثيره المباشر في مسألة انتخابه، ومع هذا فإنّ تحذيراته في أواخر عمره عند عبد الرحمن بن عوف من طموحات بني هاشم لحصر الخلافة فيهم، كان لها دور بارز في فشل علي[(ع)] . إنّ عمر وإن لم يذكر هذا الأمر أمام الملأ، ولكن قد اطلع عليها الجميع من دون تردّد»(52).
ثم يذكر المؤلّف قدح عمر لكل واحد من أصحاب الشورى، ويشير إلى سياسة عمر القومية وعدم سماحه لغير العرب بالبقاء في الحجاز، وهذا ما أدّى إلى تذمّر الكثير منه سيما أبو لؤلؤة حيث حفّزه على القيام باغتياله.
وفي ختام هذا الفصل يشير إلى تعظيم المؤرخين الجدد من المسلمين وغير المسلمين وثنائهم على عمر لما بذله من تأسيس الخلافة الإسلامية على قاعدة الشورى وبحضور القرشيين، وإن انحرف مسار الخلافة على يد معاوية وبني أُمية.
أقول: إنّ سياسة الشورى التي اتخذها عمر لم تكن إلاّ للصدّ عن صعود علي(ع)إلى دفّة الحكم والخلافة، ونحن إن سلّمنا أنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة ومن دون مشورة، ولكن لِـمَ لـمْ يعترض عمر على كيفية انتخابه للخلافة ولِـمَ لـمْ يطالب بالشورى؟!
إنّه في خطبته تعرّض لكيفية خلافة أبي بكر، ولم يتعرّض لكيفيّة خلافته إذ كانت من دون مشورة أيضاً بل مع كره بعض كبار الصحابة أمثال طلحة، فهذه المفارقات تجعلنا في شك من صدق نوايا عمر بشأن الشورى.
وقد فهم أميرالمؤمنين(ع) هذه اللعبة حيث قال لعمّه العباس: عدلت عنّا؟ فقال: وما علمك؟ قال: قرن بي عثمان، وقال: كونوا مع الأكثر فإن رضي رجلان رجلاً ورجلان رجلاً، فكونوا مع الذين فيهم عبدالرحمن بن عوف. فسعد لا يخالف ابن عمّه عبدالرحمن، وعبدالرحمن صهر عثمان لا يختلفون فيوليها عبدالرحمن عثمان أو يوليها عثمان عبدالرحمن، فلو كان الآخران معي لم ينفعاني...(53).
إذاً تعظيم المؤرخين للشورى التي وضعها عمر في غير محله، ويبقى عليّ(ع) هو الانتخاب الحرّ والانموذجي للمسلمين دون غيره من الخلفاء سابقاً ولاحقاً.


عثمان: بداية حكم بني عبد شمس:
«إنّ خلافة عثمان قد انتهت بعد اثنتي عشرة عاماً بالثورة عليه وقتله الفجيع، وكانت الاعتراضات على أعماله الجائرة كثيرة وواسعة بحسب ملاكات تلك الفترة، وقد ذكرت المصادر التاريخية الأحداث التي اتهم بها بالتفصيل. إنّ عدم الرضى والخلاف عليه شاع بين الكثيرين في أُخريات فترة حكومته، ولم يبرئه من تلك التهم ـ عند أهل السنة ـ إلاّ موته الدامي حيث أصبح سلاحاً سياسياً، ووسمه بالشهيد وثالث الخلفاء الراشدين»(54).
بعد هذه المقدّمة يبدأ المؤلّف بذكر بعض فضائل عثمان، من قبيل أنّ رسول الله(ص) كان يستر ركبته عندما يدخل عثمان، وأنّه زوّجه ابنته رقية ثم أُم كلثوم الأمر الذي حُرم منه أبو بكر وعمر، وأنّ عثمان بذل كثيراً من أمواله لنصرة الإسلام، وكان سفير النبي(ص) لمشركي مكة قبل صلح الحديبية.
أقول: أمّا حديث ستر الركبة، فهو ما رواه الطبراني بسنده عن عبد الله بن عمر قال: بينما رسول الله(ص) جالس وعائشة وراءه إذ استأذن أبو بكر فدخل، ثم استأذن عمر فدخل، ثم استأذن سعد بن مالك فدخل، ثم استأذن عثمان بن عفان فدخل ورسول الله(ص) يحدّث كاشفاً عن ركبته، فردّ ثوبه على ركبته حين استأذن عثمان وقال لامرأته: تأخّري...(55).
فهذا الحديث موضوع بلا إشكال إذ أنّ كشف الركبة إما مباح أو مكروه أو حـرام ، فإن كان مكروهاً أو حراماً فالنبي (ص) لا يفعله ، وإن كان مبـاحاً لا فـرق بين عثمان وبين غيره في الكشف وعدم الكشف، والأنكى من ذلك أمر رسول الله(ص)زوجته بالتأخّر والاستتار من عثمان، هب أنّ أبا بكر كان أباها، فما بالها لم تستتر من عمر وسعد، ولماذا لم يأمرها النبي(ص) بذلك؟! أُمور يندى الجبين لها وتخالف خلق النبي المعظّم(ص) وتشوّه صورته.
هذا بالإضافة إلى تضعيف ابن كثير لهذه الرواية(56)، وقدح غيره في سلسلة السند.
أمّا قضية الزواج والمصاهرة فهي لا تدلّ على فضل، لأنّ رقية وأم كلثوم لا تصلان إلى مرتبة الزهراء(ع) وكانتا كسائر النساء، بخلاف الزهراء(ع) وما امتازت به من مناقب وفضائل فاقت بها جميع النساء، ناهيك عمّا ورد في مصادر الشيعة من كيفية سلوك عثمان مع زوجاته ممّا هو للطعن أقرب. وكذلك سائر الأوصاف التي ذكرها المؤلّف، لم تكن من الفضائل المطلقة التي لا تقبل المناقشة.
وقد أشار المؤلّف بحق إلى عدم أهلية عثمان لتولي الخلافة، حتى أنّ الرسول (ص) لم يأمّره على جيش، ولذا يستنتج المؤلّف أنّ سبب جعله في الشورى وانتخابه للحكم كان لمنافسة علي(ع) ويقول:
«إنّ عثمان القريب من النبي[(ص)] وصهره على ابنتيه، كان الأقدر على منافسة علقة علي(ع) بالنبي[(ص)] الوطيدة، والأهمّ من هذا كان يمتاز بمساندة جميع أشراف مكة. فلو لم يكن عثمان عضواً في الشورى، ما كانت قبيلة عبد شمس تدافع إلاّ عن عليّ لأنّه من بني عبد مناف بحسب النظام القبلي السائد آنذاك... وكان عثمان مطلعاً على هذا الأمر، ومطمئناً من دعم قريش الواسع له، لذا لم ينطق ببنت شفة في الدفاع عن نفسه.
إنّ لطف النبي[(ص)] الخاص بعثمان، ودعم قريش الكامل له، ولّد في نفسه الإحساس برفعة مرتبته في خلافة محمد[(ص)] على الخليفتين من قبله، وقد قوّى في نفسه وصوله إلى دفة الحكم من دون أن يسعى لها بأنّه مؤيّد من قبل الله. انّه بعد ما خلّص نفسه من تلك السُّنة المقيّدة التي سمّت عمر خليفة خليفة رسول الله[(ص)]، أطلق على نفسه عنوان خليفة الله، وهذا اللقب الجديد تم تثبيته فيما بعد في فترة حكم بني أُمية، فالخليفة إذاً أصبح يحكم باللطف الإلهي وفي مقام نائبه على الأرض، لا بعنوان خليفة رسول الله. لذا عندما فقد دعم الذين ساندوه في انتخابه، ما كان بالامكان طرح مسألة استقالته نهائياً»(57).
ومن هنا يستنتج المؤلّف أنّ أعمال وأحداث ومخالفات عثمان السياسية والمالية، كانت تنشأ من هذه النظرة الفوقية، حيث كان يرى لنفسه الحق في التصرّف والبذل كيف ما شاء. حتى أنّه خالف ما اشترط عليه أوّلاً من متابعة سيرة الشيخين، فبدأ بإعطاء المخصصات المالية والسياسية لأقربائه ومن يخصّه، حتى وصل به الأمر إلى الاعتقاد بكون بني أُمية هي القبيلة المختارة للحكم الإسلامي.
وقد قام لتعبئة الطريق بتأويل النصوص والمحكمات لصالحه، فقد ذكر الزهري أنّ عثمان كتب لمروان بخمس مصر، وأعطى أقرباءه المال، وتأوّل في ذلك الصلة التي أمر الله بها، واتخذ الأموال واستسلف من بيت المال وقال: إنّ أبا بكر وعمر تركا من ذلك ما هو لهما، وإنّي أخذته فقسمته في أقربائي(58).
«هذه الرواية تدلّ على أنّ عثمان كان يبني بذله وسخاءه لأقربائه على عبائر من القرآن خصّصت سهماً من الخمس والغنائم والفيء لقربى النبي[(ص)]. إنّ أبا بكر وعمر رغم منعهما سهم بني هاشم بعد وفاة رسول الله[(ص)] الوارد في القرآن، لكنّهما لم يستغلّاه لصالح قرباهما، بل وضعاه في بيت المال. أما عثمان فكان يرى نفسه الخليفة الشرعي للنبي[(ص)] ووارث جميع حقوقه، لذا اعتقد بأحقيته ولزوم صرف الأسهم القرآنية على أقربائه، كما أنّه أقطع فدك ووادي مهزور ملك النبي[(ص)] في المدينة إلى مروان بن الحكم وأخيه الحارث، الشيء الذي تعامل معه أبو بكر وعمر معاملة الصدقة»(59).
ثم يذكر المؤلّف ما صنعه عثمان ببيت المال وتوزيعه على أقربائه، وكذلك تقسيم الولايات بينهم وعزل الولاة السابقين، وينتقد من قسّم حكومة عثمان إلى قسمين حيث كان في القسم الأوّل ـ أي السنوات الستة الأولى ـ مستقيم الطريقة يعمل بسيرة الشيخين، بخلاف النصف الثاني، ويقول:
«بعد خمس سنوات من استخلاف عثمان، كانت جميع الولايات والمدن المهمة في قبضة أقربائه حصراً. وفي السنة الثلاثين عندما اضطرّ لعزل وليد بن عُقبة لسوء أعماله، ولّى مكانه أُموياً آخر أي سعيد بن العاص بن أبي أُحيحة. إنّه وضمن خطة دقيقة زوج بناته لمن يهواه كي يُحكم علقته معهم.
وعليه لا يوجد أيّ شاهد يدلّ على تغيير أساسي في سلوك عثمان وسياساته في منتصف حكومته، بل ميله إلى أقربائه كان لائحاً منذ البداية، ولكن في النصف الأول من خلافته لم توجد مخالفة معتد بها، لأنّه حاول تهدئة كبار الصحابة وقريش من خلال البذل والعطاء المفرط، مضافاً إلى وداعته المباينة لفضاضة عمر وغلظته. كما سمح بتردد قريش على الولايات المفتوحة والحال أنّ عمر منعهم من ترك الحجاز إلاّ بإذن خاص»(60).
يشير المؤلّف إلى أنّ ظهور الخلاف كان بعد عام ثلاثين من الهجرة، لاستأثار عثمان أقرباءه واختصاصهم بالعطاء على غيرهم، مضافاً إلى سوء صنيعه مع بعض الصحابة أمثال أبي ذر، وابن مسعود، وعمار، أمّا في المدينة فكان عمرو بن العاص أوّل من رفع علم الخلاف ضد الخليفة لمّا عزله عن ولاية مصر، وحاول تأجيج الموقف ضدّه وإلقاء الخلاف.
كما أنّ انسحاب عبدالرحمن بن عوف عن دعم الخليفة، كان له أثر بالغ في زعزعة الموقف، وقد ازدادت رقعة الخلاف ضدّه شيئاً فشيئاً من هنا وهناك حتى شملت معظم البلدان الإسلامية وبقيادة أبرز الصحابة وبعض أمهات المؤمنين: أي طلحة وعائشة، حيث كان لهما الدور البارز في تأجيج الناس ضد الخليفة من خلال الخطب وإرسال الرسائل إلى القبائل والمدن.
ثم إنّ المؤلّف يناقش كايتاني فيما ذهب إليه من اتهام علي(ع) بالمؤامرة ضد عثمان، وأنّه كان وراء هذه المؤامرة حيث كان المنتفع الوحيد آنذاك، ويقول:
«قد ابتنى استدلال كايتاني على مقدمات خاطئة، إذ أنّ انتخاب عثمان كشف أنّ قريشاً ـ كما قال عمر لابن عباس ـ لا توافق على خلافة ابن عم رسول الله[(ص)]. إنّ علياً [(ع)] قد دافع عن نفسه قويّاً ولكن رُفض أشدّ الرفض. إنّه وكذلك أعداءه ما كانوا يتصوّرون أن لو حصل انتخاب آخر سوف تكون النتيجة غير هذه، لذا بدأت عائشة وكذلك طلحة بالاعتراض على عثمان لاطمئنانهما بأنّ علياً [(ع)] لم يكن مرشّحاً معتداً به، فلو كان علي هو المحرك الرئيسي للثورة ضد عثمان أو كان له نفع فيه، لما شاركت عائشة ركب المعارضة، لأنّها رغم كرهها لتكبر عثمان الأموي، كانت لعلي[(ع)] أكره»(61).
ثم يشرح المؤلّف مواقف علي(ع) من عثمان سواء في مقام الاعتراض عليه لمخالفاته أصول الإسلام وظلمه لكبار الصحابة، أو الدفاع والتوسّط بينه وبين الثوار ومحاولة تهدئة الأمور، ويستنتج أنّ رأي كايتاني مجانب للصواب جملة وتفصيلاً.
وبعد هذا يبدأ المؤلّف بسرد أحداث الثورة ضد عثمان ومكاتبات الصحابة في الحث على القيام ضدّه، واندلاع الخلافات في الكوفة والمدينة ومصر وغيرها، وازدياد عددهم شيئاً فشيئاً لعدم استجابة الخليفة أو استجابته المؤقتة ورجوعه عنها، إلى أن انتهى الأمر بقضية الرسالة التي كتبها لواليه في محاسبة ومعاقبة بعض الثوار، والحصار الأخير لداره ومنعه من جميع الأمور ثم قتله.
وفي الختام يُلقي اللوم على عثمان حيث كان هو الذي أسّس هذه البلايا وجرّها لنفسه بسبب إيثار خاصته على الناس، وهذا الأساس الذي أسّسه أودى بحياته، كما حرف مسار الخلافة الإسلامية إلى الملوكية الجائرة.

* هوامش البحث *

(1) خلافة محمد (ص): 63.
(2) صحيح البخاري8: 25، باب رجم الحبلى.
(3) خلافة محمد (ص): 65ـ66.
(4) انظر معالم التنزيل للبغوي 3: 400، تاريخ دمشق لابن عساكر 42: 49، تاريخ الطبري 2: 63، وغيرها من المصادر وقد تنبه الاسكافي إلى عظمة هذا الحديث حيث قال في معرض ردّ كلام الجاحظ: «فهل يكلّف عمل طعام ودعاء القوم صغير مميّز وغرّ غير عاقل، وهل يؤتمن على سرّ النبوّة طفل ابن خمس سنين أو سبع، وهل يدعى في جملة الشيوخ والكهول إلاّ عاقل لبيب، وهل يضع رسول الله (ص) يده في يده ويعطيه صفقة يمينه بالاخوة والوصية والخلافة إلاّ وهو أهل لذلك...». (شرح النهج لابن أبي الحديد 3: 245).
(5) انظر: صحيح البخاري8: 122، صحيح مسلم 6: 16.
(6) فتح الباري لابن حجر 13:6.
(7) السيرة النبوية لابن هشام 2: 40، البداية والنهاية لابن كثير3: 171.
(8) الطبقات الكبرى لابن سعد4: 28، الإمامة والسياسة لابن قتيبة 1: 12.
(9) خلافة محمد (ص): 67.
(10) صحيح البخاري5: 82، صحيح مسلم 5: 154.
(11) خلافة محمد (ص): 67.
(12) تاريخ الطبري 2: 459.
(13) خلافة محمد(ص): 68.
(14) م ن.
(15) تاريخ الطبري2: 458. ويتساءل المؤلّف في الهامش أنّ بني أسلم هل جاءت وظهرت آنذاك اعتباطاً أم أنّ أبا بكر وعمر أخبراهم بفعل الأنصار؟! ويتوقف عن الجواب لعدم وجود الأدلّة. (خلافة محمد (ص): 69).
(16) تاريخ الطبري2: 443، الكامل لابن الأثير2: 325.
(17) خلافة محمد (ص): 70ـ71.
(18) خلافة محمد (ص): 72.
(19) م ن: 72ـ 74.
(20) خلافة محمد (ص): 74.
(21) خلافة محمد(ص): 75.
(22) السيرة النبوية لابن هشام 4: 199 ـ 200.
(23) المستدرك للحاكم 3: 139 وصحّحه.
(24) نهج البلاغة، الخطبة رقم: 197.
(25) السيرة النبوية لابن هشام 4: 198.
(26) خلافة محمد (ص): 76ـ77.
(27) خلافة محمد(ص): 78ـ 79.
(28) م ن: 81.
(29) خلافة محمد(ص): 81 ـ 82.
(30) نهج البلاغ، الكتاب رقم: 62.
(31) خلافة محمد (ص): 85.
(32) خلافة محمد(ص): 88.
(33) تاريخ الطبري 2: 448.
(34) م ن2: 445، خلافة محمد(ص): 90ـ 91.
(35) خلافة محمد(ص): 91ـ 92.
(36) خلافة محمد(ص): 94.
(37) م ن: 96 ـ 98.
(38) خلافة محمد(ص): 99ـ 100.
(39) خلافة محمد (ص): 100.
(40) صحيح ابن حبان 11: 225.
(41) تاريخ الطبري 3: 158.
(42) تاريخ الإسلام لكايتاني4: 140، 5: 43 ـ 44.
(43) خلافة محمد (ص): 100ـ 102.
(44) تاريخ الإسلام 4: 453، 5: 42ـ 45.
(45) خلافة محمد (ص): 102 ـ 105.
(46) خلافة محمد(ص): 105 ـ 106.
(47) خلافة محمد(ص): 107 ـ 108.
(48) شرح النهج لابن أبي الحديد 12: 20.
(49) تاريخ الطبري 3: 288.
(50) شرح النهج لابن أبي الحديد 2: 57.
(51) خلافة محمد(ص): 111 ـ 113.
(52) خلافة محمد(ص): 117ـ 118.
(53) تاريخ الطبري 3: 394، تاريخ المدينة لابن شبه 3: 925.
(54) خلافة محمد(ص): 127.
(55) المعجم الكبير للطبراني12: 252.
(56) تاريخ ابن كثير7: 203.
(57) خلافة محمد(ص): 129ـ130.
(58) خلافة محمد(ص): 131، الطبقات الكبرى لابن سعد 3:64.
(59) خلافة محمد(ص): 132.
(60) خلافة محمد(ص): 139.
(61) خلافة محمد(ص): 164ـ 165.