البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

دراسة نقدية لآراء شبستري في الهرمنوطيقا - الحلقة الأولى

الباحث :  الشيخ علي رباني گلپايگاني / تعريب : حيدر نجف
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  2
السنة :  السنة الاولى - ذو الحجة 1435هـ / 2014م
تاريخ إضافة البحث :  April / 10 / 2017
عدد زيارات البحث :  778
تحميل  ( 628.052 KB )
مقدمة :
يخبّرنا مؤرّخو الفلسفة أنه منذ أقدم العصور وإلى عصرنا الراهن هذا، استمر النقاش والجدل والنفي والإثبات بين المفكرين حول الحقيقة وثباتها أو تحوّلها، وحول شمولية أو نسبية الفهم والمعرفة البشريين. وفي غمرة هذه النزاعات الفكرية ظهرت مدارس وتيارات متنوعة. وكان من أشهر المدارس والاتجاهات الفلسفية التي برزت في هذا النطاق الواقعيون أو أنصار أصالة الواقع، والسفسطائيون أو منكرو الواقع على نحو الإطلاق، و«السپتيسيون» أو المشكّكون الذين يعترفون بالواقع لكنهم يقولون بتعذّر معرفته معرفة صحيحة، والمثاليون الذين يلخّصون الواقع في الإنسان وتصوراته الذهنية، والنسبيون الذين يعتبرون الحقيقة أمراً متحولاً نسبياً.
ولا تتسع هذه الدراسة أو الرسالة لبيان وتحليل الآراء المطروحة في هذه المدارس، إنما يستدعي ذلك تحرير عمل بحثي مستقل وتفصيلي. وما يلوح أن من الضروري الإشارة إليه هو أن النزعة النسبية تُطرح أحياناً حول أصل الحقيقة، وتقرَّر في أحيان أخرى بشأن فهم الإنسان للحقيقة وانطباعاته عنها. وفي بعض الأحيان يُطرح هذان الرأيان على نحو الإطلاق ودون تخصيص لحيّز أو مجال معين، وفي أحيان أخرى ضمن حيّز معين خاص قد يكون حيّز الطبيعة أو الشريعة. معنى ذلك أن البعض ذهبوا إلى القول بالنسبية في حيّز الطبيعة والشريعة، أو قالوا بنسبية الحقائق الدينية فقط، وهناك من أذعنوا بوجود حقائق ثابتة في الطبيعة والشريعة لكنهم أكدوا نسبية فهم البشر لحقائق الطبيعة أو الحقائق الدينية.
فريق من العلماء الجدد اعتبروا الحقيقة نسبية، فمن عقيدتهم أن ماهية الأشياء، وهي متعلق علم الإنسان، لا تدخل إلى القوى الإدراكية للإنسان بشكلها الأصيل الأوّلي غير المعبوث به، إنما تتأثر من ناحية بالأجهزة الإدراكية للإنسان، ومن ناحية أخرى بالظروف الزمانية والمكانية. وبهذا تتكوّن للأفراد المتعددين وفي الظروف الزمانية والمكانية المتباينة إدراكات متفاوتة لشيء واحد. وحتى الفرد الواحد قد يدرك الشيء الواحد بأشكال متنوعة ومختلفة في ظروف مختلفة. وبالتالي ستختلف الحقيقة بالنسبة للأفراد المختلفين المتعددين، أو بالنسبة لفرد واحد في ظروف متعددة متنوعة. وعليه، ليست الحقيقة أمراً ثابتاً كلياً، بل هي أمر متحول ونسبي.
غير أن نظرية نسبية الحقيقة أو الحقيقة النسبية نظرية متناقضة، إذ حسب الرؤية الشائعة بين الفلاسفة فإن ملاك كون الإدراك حقيقياً صحيحاً أو خاطئاً هو تطابقه أو عدم تطابقه مع الواقع. متى ما أدرك شخصان في زمن واحد جسماً واحداً بكيفيتين مختلفتين فإن لذلك الجسم في الواقع ونفس الأمر إما إحدى تلكم الكيفيتين، أو ليس له أيّ واحدة من تلكم الكيفيتين، بل له كيفية ثالثة أخرى. في الفرض الأول سيكون إدراك أحد الشخصين خاطئاً، وفي الفرض الثاني سيكون إدراكاهما كلاهما خاطئاً، ومن المستحيل أن يكون كلا الإدراكين صحيحاً.
طبعاً، ذكرت معايير ومقاييس أخرى في باب الحقيقة والخطأ، من قبيل الاتفاق العام، والمصلحة أو المنفعة العامة، أو التأييد التجريبي، أو السهولة في البيان والميل للانسجام. طبقاً لهذه الآراء تصطبغ الحقیقة بصبغة النسبية. بيد أن هذه الآراء مرفوضة من الناحية المعرفية(1).
ما قيل حول النزعة النسبية في الحقيقة و المعرفة يندرج ضمن إطار علم المعرفة أو الإبستيمولوجيا. والحيّز الآخر الذي تطرح فيه النزعة النسبية هو الهرمنوطيقا أو التفسير، وأبرز جانب في الهرمنوطيقا هو فهم النصوص وتفسيرها، وخصوصاً النصوص الدينية. وفي هذا النطاق أيضاً ظهرت العديد من الآراء والتصورات.ثمة من يؤمنون بحقائق دينية ثابتة ويقررون إمكانية الفهم الصائب والتام لتلك الحقائق على نحو الإجمال، وهذه هي الرؤية الشائعة في الهرمنوطيقا التقليدية الكلاسيكية.
فريق آخر لا يرى للقضايا والعبارات الدينية معانٍ ثابتة، وينحاز إلى نظرية التحول والنسبية في معاني النصوص الدينية. وهذا هو ما تذهب إليه الهرمنوطيقا الفلسفية أو الحديثة التي يعدّ هايدغر وغادامر من أبرز من يمثلها(2). وقد اختار فريق آخر حداً وسطاً بين هاتين الرؤيتين، فهم يعتقدون بوجود معنى مركزي ثابت للنص، لكن فهمه منوط بالظروف التاريخية والثقافية التي تختلف وتتغير، فيتغير بذلك الفهم، وسيكون بالتالي نسبياً، والدكتورمحمد مجتهد شبستري من أنصار هذا الاتجاه الثالث.
لقد انحاز شبستري إلى نظرية نسبية وتاريخانية فهم النصوص، وقرّر أنه لايمكن عرض تفسير نهائي لأيّ نص. فالنص يتحمل على مدى الأطوار والمراحل التاريخية المختلفة تفاسير متعددة متنوعة، وما عدا الرسالة المحورية والأصلية للنص، و هي ثابتة على الدوام، تعمل سائر عبارات النص و قضاياه على خدمة المعنى المركزي و الرسالة الأصلية للنص، وليست لها معان ثابتة، وعلى مفسّر النص أن يترجمها ترجمة ثقافية، أيْ يفسرها بما يتناسب وأفقه التاريخي.
ولم يميّز شبستري في هذه القاعدة التي يطرحها بين النصوص الدينية وغير الدينية، والعبارات الوحيانية وغير الوحيانية، فهو يعتقد أن الأوامر والنواهي الشرعية الواردة في كلام الله والرسول الأكرم (ص) ليست فوق تاريخية، بل تختص بعصر نزولها وصدورها. وبالنتيجة فإن النص الديني نص تاريخاني ومتزمن، وفهمه أيضاً فهم نسبي وعصري.
هذه النظرية وكما هو واضح ـ ومثلما يعترف الدكتور شبستري نفسه ـ تتعارض مع الرؤية الرسمية الشائعة للفقهاء والمفسرين والمتكلمين والمحدثين الإسلاميين من مختلف المذاهب. ومع ذلك فهو يصرّ عليها ويعتقد أن نظريته تتناغم مع أصول الهرمنوطيقا وقواعد علم اللغة، وتنسجم كذلك مع جوهر الدين والفلسفة النهائية للشريعة، كما أن الشواهد التاريخية والدينية تعضّدها وتؤيّدها، مضافاً إلى أنها النظرية الوحيدة أو أفضل النظريات التي تضمن حركية الاجتهاد الديني بصورة عصرية كفوءة.
على أساس هذه النظرية فإن التحديات والنزاعات التي برزت بين نظريات الفلاسفة والعلماء الجدد في مجالات القضايا الأخلاقية والاقتصادية والسياسية والثقافية، وكذلك حقوق الإنسان الغربية من جهة، وبين التعاليم والأحكام الإسلامية من جهة ثانية، سوف تزول، إذ طبقاً لهذه النظرية لم يقترح الإسلام لهذه المجالات المذكورة صيغة أو شكلاً خاصاً، وبالمقدور تجسيد وتحقيق رسالته المحورية بقوالب وأشكال متباينة تنسجم مع الثقافة العلمية والاجتماعية والسياسية لكل عصر من العصور.
طبعاً يجب لتحقيق هذا الغرض تسديد تكلفة باهضة تدفع كلها من حسابات توفير الإسلام وبالتالي لن يبقى للإسلام من شيء يقوله سوى رسائل كلية حول التوحيد والعدالة والكرامة الإنسانية وما إلى ذلك. وانطلاقاً من ذلك سوف يوقّع الإسلام على بياض يعطيه للبشر ليملؤوه وينتفعوا منه في كل زمان ومكان طبقاً لميولهم وفهومهم؛ بمعنى أن ما يوجِّه المجتمع البشري هو العقل والفهم البشريان وليس الوحي الإلهي! طبقاً لهذه النظرية ستكون مكانة الوحي في هداية البشر كمكانة الملك في بعض النظم السياسية، حيث لا دور له سوى الإمضاء التشريفي والصوري لقرارات رئيس الوزراء، دون أن يكون له أيّ دور آخر في قيادة المجتمع. زمام أمور المجتمع وتدبير شؤونه بيد رئيس الوزراء، فهو الذي يقود المجتمع حسب فهمه وإرادته وسائر الملاحظات والاعتبارات القانونية والسياسية، ولا يفعل الملك غير إمضاء قراراته؛ هذا ليس إلّا!
من هنا يمكن التفطن إلى أهمية وضرورة تقييم ونقد نظرية النسبية في فهم النصوص والتعاليم الدينية، إذ إن النتيجة الطبيعية لهذه الرؤية هي تعذر اختيار رؤية صحيحة من الناحية النظرية والمعرفية بين الرؤى والتصورات المختلفة، بل والمتعارضة، التي تتحدث عن المعارف والأحكام الدينية، إنما ستكون هذه الرؤى كلها بشكل نسبي جديرة بالدفاع عنها وتبنّيها، ولن تمثل أيّ منها النصاب التام للحقيقة. نظرية تعدد القراءات التي يطرحها ويتبناها في الوقت الحاضر عدد من الكتاب والمنظرين في ميدان المعرفة الدينية هي ثمرة هذا المنحى. يعتقد كاتب السطور أن البحوث الهرمنوطيقية في عصرنا هي من أهم البحوث وأكثر إلحاحاً وضرورةً في نطاق البحث الديني، لأنها تترك بصماتها على كل بحوث علم الدين من تفسير وفقه وكلام، وبذلك تعتبر البنية الأساسية لكل هذه العلوم. لقد أولى كاتب السطور، وفي حدود قدراته العلمية، اهتماماً بليغاً لهذه الإشكالية، وقام ببحوث كثيرة في شأنها على شكل تدريس وتأليف، وقد نشرت بعض هذه البحوث(3)، وسينشر بعضها الآخر في المستقبل إن شاء الله.
يتكوّن البحث الذي بين يدي القارئ الكريم من قسمين، يتناول القسم الأول بالتبيين والنقد آراء الدكتور محمد مجتهد شبستري حول ماهية الفهم والتفسير ومبادئهما، وقد استقيت غالب آرائه هذه من كتابه الرئیسي في الهرمنوطيقا. ويشتمل هذا القسم على الفصول التالية:
ماهية التفسير ورسالته.
قبليات المفسر.
الميول والتوقعات المُوجِّهة للمفسر.
استفهام التاريخ.
اكتشاف المعنى المركزي للنص.
الترجمة الثقافية للنص.
أما فصول القسم الثاني الذي تطرقنا فيه لدراسة ونقد أسس النزعة النسبية في فهم الدين، فهي:
نظريات المعنى وتعدد القراءات.
الفينومينولوجيا التاريخية للدين.
قابلية التحول في الركائز الفلسفية للدين.
التعددية والنسبية المعرفية ونسبية فهم الدين.
قابلية الموضوعات للتغيير والتحديات التي تواجه الفقه السياسي.
التاريخانية في تبيين الكلام الإلهي.
منهجية البحوث المطروحة هنا هي البدء أولاً بنقل آراء الدكتور شبستري حول الموضوعات المذكورة عبر مراجعة أعماله وآثاره(4)، ومن ثم تقييم هذه الآراء ونقدها ارتكازاً على الأصول والقواعد المنطقية والفلسفية واللغوية.يتمنى الكاتب أن يكون قد قطع بعمله هذا خطوة، وإن كانت بسيطة،على سبيل تنوير العقول والأذهان والدفاع عن الفكر الإسلامي الأصيل، وهو يشكر القرّاء الواعين مقدّماً على ما يبدونه من نقود واقتراحات بناءة حول هذا النتاج.
***
القسم الأول
ماهية التفسير ومبادئه

الفصل الأول
ماهية التفسير ورسالته

التفسير عملية خاصة تحصل للنص أو الكلام، وتقع في مقابل عملية البيان (أو التبيين). يمكن التعامل مع نص أو كلام بأسلوبين: الأسلوب الأول هو التبيين، والأسلوب الثاني هو التفسير. في أسلوب التبيين يعتبر النص كظاهرة ويُعنى بكيفية تحققه التي تحصل عن طريق بيان الأسباب والظروف والعلاقات التي أدّت إلى ظهوره. أما في أسلوب التفسير فالغاية هي فهم النص واستشفاف معناه. «يقوم التفسير على قبلية فحواها أن قراءة أو استماع نص أو كلام (قول) مع أن مدلول كلماته وجملاته معلوم، إلّا أن هذه الكلمات والجمل لا تفصح عمّا تكنّه في داخلها، ولا يمكن الإفصاح والإعلان عن هذا الشيء المكنون الخفي إلّا بالتفسير. إذن، فهم معنى نص من النصوص منوط بتفسير ذلك النص»(5)، لأن معنى أيّ نص واقع خفيّ يجب الإفصاح عنه بواسطة التفسير. والواقع أن النص إنما يتحدث ويكشف عمّا في داخله بواسطة التفسير:«دلالة النص على المعنى تحصل في ظل عملية التفسير. صحيح أن دلالة النص على المعنى لها صلتها بآلية قواعد الدلالة والعامل الذي يثمِّر عمل جهاز الدلالة هو عملية التفسير الناتجة عن المفسر، و قواعد الدلالة تتعلق باللغة والكلام، لكن التفسير هو العملية التي يقوم بها فاهم النص، وعن طريقها يجعل الدلالة مؤثرة. إذا لم يحصل التفسير فلن يكشف أيّ نص عن معناه تلقائياً»(6).
«ما من أحد يفهم أيّ معنى من دون تفسير، وإننا لا من أجل فهم أي نص وحسب، بل حتى من أجل فهم الكلام والسلوكيات اليومية العادية للآخرين إنما نقوم بشكل من الأشكال بتفسيرها. إننا في سياق فهم كلام الآخرين نضع ـ في الحقيقة ـ كل كلام في موضع من الحياة يرتبط به ذلك الكلام، وبهذا نقوم بتفسيره.
وهكذا فإن فهم كلام الآخرين هو فهم حياتهم، وتفسير كلامهم هو تفسير حياتهم.
حيثما لا يكون هناك ـ على سبيل الافتراض ـ أيّ اختلاف في فهم معنى نص من النصوص، فإن ذلك لا يعود إلى دلالة النص تلقائياً على المعنى وعدم حاجته للتفسير، بل لأن الجميع فسّروه بشكل واحد.
على هذا الأساس، يقوم تفسير النص بهدف فهمه على الأمور التالية:
1ـ للنص معنىً خاص.
2ـ المعنى الخاص للنص ليس بديهياً وبيّناً.
3ـ فهم المعنى الخاص للنص غير متاح إلّا بالتفسير.
4ـ لكلّ نصٍّ وجوه متعدّدة وتُحتمل فيه معان متنوعة ومتعددة (للنص عدة وجوه).
5ـ وظيفة المفسر هي تشخيص المعنى الصحيح للنص واختياره وتسويغه، واستبعاد التفاسير غير المناسبة والمعاني غير الصائبة»(7).
1ـ الفرق بين التبيين والتفسير:
من المسائل المطروحة في فلسفة العلم دراسة الفارق ووجه التمييز بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية(8).(9) هذان الصنفان من العلوم يشتركان في خصوصية الحالة التجريبية، بمعنى أن كلاهما يتبع منهجية الفرضية والاختبار. وثمة آراء تطرح حول وجه التمايز بينهما(10)، منها أن العلوم الطبيعية تتعامل مع التبيين(11)، والعلوم الإنسانية ترتبط بالتفسير(12). جدير بالذكر أن التبيين يستخدم في حالتين، الأولى قبل المعرفة والفهم، والثانية بعد المعرفة والفهم.
في الاستخدام الأول يقصد بالتبيين أسلوب يأخذ بيد الإنسان إلى فهم معنى النص. وفي الاستخدام الثاني يقصد بالتبيين منهج شرح وإيضاح معنى النص للآخرين. والمقصود هنا هو المعنى الأول.
دلتاي (1833ـ 1911م) من أنصار التمييز بين التفسير والتبيين، ويذهب إلى أن التبيين يختص بالعلوم الطبيعية، والتفسير يرتبط بالعلوم الإنسانية. الفرق بين هذين الحقلين من العلوم هو ببيان مبسّط أن العلوم الطبيعية توضّح واقعيات ليس فيها قصد أو شعور أو إرادة، وحتى لو واجهت هذه العلوم واقعيات تمتاز بخصوصيات القصد والشعور والإرادة فإن هذه الخصوصيات لا تؤخذ بنظر الاعتبار في البحث العلمي، ومثال ذلك الأمور المتعلقة بالإنسان من حيث هي ظواهر طبيعية لا من حيث هي ظواهر واعية وإرادية ولها علاقتها بالمشاعر والعواطف الإنسانية. من هنا إذا أخذت أعمال الإنسان دون النظر لعناصر الوعي والإرادة والشعور فهي تتعامل مع الإيضاح والتبيين، وليس مع الفهم والتفسير.
بعبارة أخرى تُعنى العلوم الإنسانية بالتجربة الداخلية لحياة الإنسان. غياب التوكّؤ على التجربة الإنسانية هو الصفة البارزة للعلوم الطبيعية، وحضور التوكّؤ على الحياة الداخلية للإنسان هو الخصوصية التي تمتاز بها العلوم الإنسانية. يمكن تبيين موضوع من الموضوعات على أساس المقولات العلية الصرفة، ويمكن كذلك دراسته وإيضاحه في ضوء ما يقوله لنا هذا الموضوع بشأن الحياة الداخلية للإنسان، أو حول العالم الذي يمثل تبلور التجربة الداخلية للإنسان (الحياة الاجتماعية والتاريخية). في العلوم الإنسانية يمكن الاستفادة من الأمور الواقعية الفيزياوية، ولكن بخصوص العالم الخارجي لا يجري البحث والنقاش إلّا في ضوء مشاعر الأفراد وإراداتهم، والأمور الواقعية لا يكون لها معنى إلّا من حيث أن لها تأثيراتها في سلوك الأفراد، وتساعدهم على مقاصدهم أو تصدّهم عن مقاصدهم.
كان دلتاي يعتقد أن الكلمة المفتاحية بالنسبة للعلوم الإنسانية هي الفهم، والإيضاح يختص بالعلوم الطبيعية. العلوم الطبيعية توضّح الطبيعة، والعلوم الإنسانية تفهم بيانات الحياة وتجلياتها(13).
تحركات الحياة الداخلية للإنسان تركيبة من المعرفة والشعور والإرادة، ولهذا لايمكن ردّها إلى معايير العلية، ودقة التفكير الكمية وشبه الميكانيكية. إيكال مهمة فهم الإنسان إلى مقولات فكرية مستنبطة من النقد العقلي المحض هو في الواقع تحليل مجموعة من المقولات الانتزاعية من خارج الحياة، والتي لم تقتبس منها إطلاقاً. هذه المقولات واقفة وعديمة الزمان وانتزاعية، وبالتالي فهي على الضدّ من الحياة. موضوع العلوم الإنسانية ليس فهم الحياة على أساس مقولات من خارج الحياة، بل فهم الحياة على أساس مقولات من داخل الحياة؛ مقولات مستمدة من الحياة. الحياة يجب أن تفهم من تجربة الحياة ذاتها. من هذه الزاوية ينظر للحياة بحسب المعنى، وتُعرف من خلال تجربة الإنسان لداخله(14).
نظريات دلتاي وغيره من العلماء والفلاسفة الذين شدّدوا على تمايز العلوم الإنسانية عن العلوم الطبيعية كانت ردة فعل حيال نظريات الوضعيين الذين اعتبروا العلوم الطبيعية نموذجاً كاملاً للعلم العملي أو المعرفة العلمية، وعدّوها مثالاً وقدوة متكاملة لسائر العلوم. بمعنى أن أي فرع علمي إذا كان متناسقاً مع نموذج العلوم الطبيعية فهو يتمتع بالاعتبار العلمي، وأي حقل علمي إذا لم يكن متناغماً مع نموذج العلوم الطبيعية فلا يحظى بالاعتبار العلمي. بتعبير آخر، لم يكن الوضعيون يرون للعلوم الإنسانية استقلالاً منهجياً، وكانو يقيمونها على أساس العلوم الطبيعية، ولأنهم لم يجدوا العلوم الإنسانية منطبقة على معايير العلوم الطبيعية، لذلك لم يروا للعلوم الإنسانية قيمة علمية تذكر.
لكن دلتاي وسواه شددوا على استقلال العلوم الإنسانية(15)؛ وقد ذهبوا إلى أن التبيين مما يتعلق بالعلوم الطبيعية، والتفسير مما يختص بالعلوم الإنسانية. منهج التفسير في العلوم الإنسانية يحلّ محل منهج التبيين في العلوم الطبيعية، وباستخدام هذا المنهج تتكافأ العلوم الإنسانية من حيث الاعتبار العلمي مع العلوم الطبيعية(16).
في هذا الخضم، كان هناك أيضاً مفكرون عارضوا كلا الرؤيتين السابقتين، وأكدوا على تعذّر مدّ خط فاصل حاسم بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية، وتخصيص كلٍّ من التبيين والتفسير لواحد من هذين الصنفين من العلوم. كل علم هو بموجب أصول موضوعه الخاص، علم مستقل، وما من علم بوسعه أن يكون نموذجاً لغيره من العلوم. يعتقد هؤلاء أنه لا مساعي العلماء الذين حاولوا تعميم المنهج الرياضي على كل العلوم مقبولة، ولا رؤية الذين حاولوا فصل العلوم الإنسانية عن المنهج العلّي والكمّي وتشييدها على أساس الشهود أو التناغم العاطفي والمشاعري أو إحياء التجارب المعاشة، بالرؤية المقبولة. التجربة المعاشة باعتبارها تجربة شخصية ليست بمعرفة علمية، ولا تعتبر معرفة علمية إلّا بشرط تموضعها في دائرة المفاهيم ودراستها بمناهج الاختبار.
من وجهة نظر ماكس فيبر (1864 - 1920 م)(17) كل منهج كفوء هو جيد بمعنى دفعه لعجلة البحث والتحقيق إلى الأمام. وعليه، لا مانع أبداً من استخدام منهج القياس الكمي في علم الاجتماع. من صلاحية أي عالم أن يختار المفاهيم المفيدة لمراحل عمله العلمي واستخدامها للوصول إلى أهداف بحثه. الادعاء القائل بأن الدقة المفهومية لا تتأتى إلّا عن طريق الدقة العددية ليس ادعاءً صحيحاً، إذ من الممكن أن تتأتى نفس هذه الدقة عن طريق التعقل المنطقي وصحة المشاهدات أو الحذاقة الشهودية(18).
يقول اسپينوزا (1632 - 1677م) في كتابه «رسالة في الكلام والسياسة»: أُسلوب تفسير الكتاب المقدس لا يختلف كثيراً عن أسلوب معرفة الطبيعة، إذ كما أن تفسير الطبيعة يتكون من دراسة تاريخ الطبيعة ومن ثم استنتاج تعاريف للظواهر الطبيعية على أساس قواعد كلية ثابتة ومعينة، كذلك تفسير الكتاب المقدس يتحقق بدراسة نص الكتاب المقدس واستنباط نوايا كتّابه باعتبارها نتيجة مشروعة للأصول الأساسية(19).
و البراغماتيون كذلك لا يوافقون التمييز المنهجي بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. يؤكّد البراغماتيون على أن عملية البحث والتحقيق والاستنباط ثابتة بالقياس إلى موضوع البحث. في الثقافة الهرمنوطيقية، يتحرك مفهوم التفسير عادة للتفكيك بين مطالعة الأشخاص وتعابيرهم الثقافیة وبين مطالعة الطبيعة، وإثبات ثنائية الأساليب ومتعلق المعرفة. بينما في الثقافة البراغماتية يتحرّك مفهوم التفسير للتأكيد على وحدة الفكر والنسيج المتلاحم للعقيدة. الثقافة الهرمنوطيقية ناتجة عن التفسير الأدبي والعلوم الإنسانية ومرتبطة بها دوماً، بينما الثقافة البراغماتية ناجمة عن التأمل في تفسير المعطيات التجريبية(20).
النقطة الجديرة بالملاحظة في هذا الصدد هي أن بالمستطاع دراسة الظواهر الطبيعية من زاويتين، إحداهما الزاوية الأفقية، أي الترابط بين هذه الظواهر على مدى عالم الطبيعة، وهذه الزاوية هي المتداولة في العلوم الطبيعية. والزاوية الثانية هي الزاوية الطولية وبالقياس إلى خالق العالم. السؤال الذي ينبثق من الزاوية الأولى يتعلق بكيفية تكوّن الظواهر والحوادث الطبيعية وظهورها. والسؤال الذي يطرح في الزاوية الثانية يرتبط بسبب أو فلسفة نظام الطبيعة وغايته. العلم الطبيعي من الزاوية الأولى ينظر إلى العالم ويجيب عن الأسئلة حول كيفية الأحداث الطبيعية، والفلسفة الميتافيزيقية من الزاوية الثانية تنظر إلى عالم الطبيعة. والرؤية الكونية الوحيانية تنظر لكلا الزاويتين إلى جانب بعضهما وترى أن كلاهما لازم وضروري. إذن، طبقاً للرؤية الكونية الوحيانية لا مانع من اجتماع المنهج التبييني والتفسيري في النظر للعالم، فظواهر العالم مع أن لها أسباباً وعوامل طبيعية، لها كذلك سبب فاعلي وغائي ميتافيزيقي، والخلقة هي تجلٍّ لعلم وإرادة وحكمة الخالق العالم القدير الحكيم.

2ـ المدلول والمعنى:
القصد والهدف الذي يروم الإنسان إفهامه بأقواله أو سلوكياته وتصرفاته للآخر، يعتبر معنى تلك الأقوال أو التصرفات. وقد تستطيع تلك الأقوال أو التصرفات إفهام المعنى المقصود، وقد تقصر عن إفهامه. والدلالة عبارة عن حكاية شيء لشيء آخر، سواء كان قولاً أو تصرفاً إنسانياً أو شيئاً آخر. على سبيل المثال، الأثر المتبقي عن أقدام إنسان يدل على مرور إنسان من ذلك المكان. هنا توجد دلالة ولكن لا توجد إفادة شيء لشيء آخر.
و عليه يتسنّى القول إن العلاقة بين المدلول والمعنى علاقة عموم وخصوص من وجه، ففي القول الواعي للإنسان والذي يدل على قصده، يوجد مدلول ويوجد أيضاً معنى، وفي القول الواعي الذي لا يعبّر عن قصد القائل ولا يبلّغه، يوجد معنى ولا يوجد مدلول، وفي دلالة آثار الأقدام على الشخص الماشي من هناك يوجد مدلول ولا يوجد معنى.
النقطة الأخرى هي أنه يوجد نوعان من المدلول بشأن الدلالات اللفظية، أحدهما المدلول التصوري والثاني المدلول التصديقي. المدلول التصوري هو الذي يتأتى من تصور اللفظ وبدون أخذ قصد المتكلم بنظر الاعتبار. مثل هذه الدلالة تابعة لوضع الألفاظ لمعانيها، وليست تابعة لقصد المتكلم، والمدلول التصديقي هو أن يستخدم المتكلم اللفظ بالمعنى الموضوع له، وهذا ما يسمّونه إرادة استعمالية. هنا توجد حالتان: الأولى هي أن المتكلم أراد المعنى الذي استخدم اللفظ له إرادة جدية، والحالة الثانية هي أنه لم يرد المعنى إرادة جدية.
والحصيلة هي: في العلاقة بين النص ومدلوله ومعناه تتحقق العملية التالية:
1ـ معاني المفردات والتراكيب الكلامية تحصل على أساس القواعد اللغوية والعقلائية. في هذه المرحلة يكتشف قارئ النص أو مفسّره مدلول الكلام وليس معناه.
2ـ بالتوكّؤ على القاعدة العقلائية القائلة إن المتكلم استخدم الألفاظ بمعانيهااللغوية والعرفية، يتضح مدلول الكلام ومراده الاستعمالي.
3ـ بالاستناد إلى القاعدة العقلائية القائلة إن المتكلم أراد من كلامه نفس المعنى الذي استعمل الكلام فيه، ينتج تطابق مراده الجدّيّ مع المراد والمدلول الاستعمالي لكلامه.
في المرحلتين الأخيرتين حيث نتعامل مع قصد المتكلم وإرادته، ما يحصل من الكلام يعتبر معنى الكلام، أحدهما المعنى الاستعمالي والثاني المعنى الجدّي. الغاية الرئيسية هي تفسير فهم المراد والمعنى الجدي للكلام، والمدلول الوضعي والمراد الاستعمالي للنص مقدمة لفهم معناه الواقعي(21).
طبعاً في الاستخدام الشائع تطلق مفردة المعنى على المرحلة الأولى أيضاً، فيقال المعنى الوضعي أو اللغوي أو التصوري للفظ، لأن وضع الألفاظ للمعاني عملية واعية والغاية منها هي أن يُفهِم الأفرادُ بواسطتها مقاصدهم لغيرهم.
على كل حال، المراد من تفسير الكلام الاطلاع على المعنى ذي الصلة بإرادة المتكلم وقصده(22).
3 ـ مديات التفسير:
يمكن دراسة مديات التفسير ومساحاته وحدوده من جهتين: الجهة الأولى هي هل التفسير يختص بالنص والكلام المكتوب، أم أنه يشمل الكلام الشفهي أيضاً؟ وهل تراه يشمل أيضاً أفعال الإنسان وسلوكه أم يقتصر على الكلام (المكتوب والمقول شفهياً)، وهل يشمل أموراً غير أفعال الإنسان أم لا؟ والجهة الثانية هي: هل كل نص أو كلام بحاجة إلى تفسير أم أن النصوص والأقوال التي تحتاج دلالتها على المدلول ومعنى الكلام إلى تدبّر وتفكير، هي وحدها التي تحتاج إلى تفسير؟ وبكلمة ثانية النصوص والأقوال التي تحتاج إلى تفسير هي التي يكون مدلولها ومعناها غير واضحين.
بخصوص الحالة الأولى يجب القول إن مقتضى الملاك التفسيري هو: أين ما كان هناك معنى وقصد فإنه يقبل التفسير، لأن التفسير يتعامل مع اكتشاف المعنى وفهمه، سواء كان ذلك المعنى نابعاً من الكلام أم ناجماً عن فعل قصدي وإرادي غير الكلام. من هنا طرح دلتاي علم الهرمنوطيقا في مديات العلوم الإنسانية، وتوسّع بمدياته لتخرج عن نطاق النصوص، سواء النصوص الدينية أو غير الدينية؛ ومن قبله كان علم الهرمنوطيقا يختص بالنصوص. يقول أنطوني كورباي في هذا الشأن:
اكتسبت الهرمنوطيقا بواسطة ويلهلم دلتاي مكانة فلسفية واسعة. فمن وجهة نظره أن جميع العلوم الإنسانية ترتبط على مستوى أساسي بقضية الهرمنوطيقا وتأويل الكلام الإنساني. فهم الإنسان يعني فهم كلامه الثقافي، وهذه القضية لا تشمل النصوص فقط، بل تستغرق مختلف الصنوف الفنية والجاذبيات الثقافية(23).
و بنظرة أعمق يمكن القول إن الهرمنوطيقا لا تختص بمديات الكلام والأفعال الواعية للأنسان، بل تشمل كل واقعيات العالم وأشيائه، لأنها كلها كلام تكويني لله تعالى، وبالتالي فهي أشياء هادفة وذات معنى، وبذلك سيكون فهمها هرمنوطيقياً. وكما سبق أن أوضحنا فإن التبيين والتفسير ليسا مقولتين ممتنعتي الاجتماع تختص إحداهما بالعلوم الإنسانية والثانية بالعلوم الطبيعية.
ولكن في الإجابة عن الجهة الثانية قال المفكرون المسلمون:
1ـ كل نص بحاجة إلى تفسير، حتى لو كان مدلول كلماته وجملاته معلوماً، فالمعنى حقيقة خافية في النص ولا تتجلى من دون تفسير. وهذا ما يستشف من عبارات الشيخ شبستري، ومنها:
يقوم التفسير على قبلية أن قراءة نص أو قول والاستماع إليه، حتى لو كانت مدلولات كلماته وجملاته معلومة، لا يُجلي ما يضمره النص أو القول في داخله، ولا يمكن الإفصاح والإعلان عن هذا الشيء الخفي إلّا بالتفسير(24).
و يقول في موضع آخر:
يمكن عرض تفاسير متعددة لكل نص، ولكل نص وجوه عديدة، وفهم معنى النص ليس بالقضية البديهية(25).
2ـ أين ما كانت دلالة الكلام على المعنى من قبيل «النص»، بحيث لا سبيل لأن يكون له معنيان أو أكثر، فهو غنيّ عن التفسير، وبغير هذه الحالة سيكون للتفسير دوره وفائدته. تستفاد هذه الفكرة من العبارة التي رواها الزركشي عن الراغب الإصفهاني، حيث قال:
إنّ التفسير في عرف العلماء كشف معاني القرآن وبيان المراد، أعمّ من أن يكون بحسب اللفظ المشكل وغيره، وبحسب المعنى الظاهر وغيره(26).
في هذه العبارة، نجد أن بيان المعنى الظاهري للكلام يعدّ هو الآخر تفسيراً. وينوّه بعد ذلك إلى أن التفسير يتعلق أحياناً ببيان معنى المفردات الغريبة مثل بحيرة، وسائبة، ووصيلة(27)، ويأتي أحياناً لشرح وبيان الكلام الموجز، مثل الآية:«اقيموا الصلاة وآتو الزكاة»(28).
3ـ يلزم التفسير في المواطن التي لا تكون دلالة الكلام على المعنى من قبيل «النص»، ولا يكون له ظاهر، وبالتالي يلزم الفحص والتأمل الفكري من أجل اكتشاف معنى النص. بعبارة ثانية يلزمنا التفسير عندما يكون معنى الكلام خافياً، فيكشف لنا التفسير عن ذلك المعنى الخفي. إذن، متى ما تحصّل المعنى عن طريق الكلام فإن بيان هذا المعنى الظاهر لن يكون تفسيراً، لأن التفسير هو إجلاء معنى الكلام. ومتى ما كان معنى الكلام ظاهراً جلياً لم يعد بحاجة إلى تفسير. إذن، يصحّ التفسير عندما:
أ ـ عندما يكون ثمة احتمالان أو أكثر لمعنى الكلام، ولا أرجحية لاحتمال على غيره من الاحتمالات. رسالة التفسير حسب هذا الافتراض هي انتقاء أحد الاحتمالات باعتباره المعنى المراد من الكلام، وإثبات ذلك(29).
ب ـ عندما يكون هنالك احتمالان أو أكثر لمعنى الكلام، ويستفاد أحد الاحتمالات من ظاهر الكلام، لكن المراد احتمال آخر لا يستفاد من ظاهر الكلام(30).
أما في الحالة التي يُنتقى فيها المعنى المُستفاد من ظاهر الكلام، فإن الكلام لن يعود بحاجة إلى تفسير. وهذه النظرية مشهورة شائعة بين علماء أصول الفقه(31).
4ـ الظهور على نوعين: ظهور بسيط وظهور مركب. الظهور البسيط مثل جملة: اذهب إلى البحر في كل يوم. والظهور المركب مثل جملة: اذهبْ إلى البحر في كل يوم واستمع إلى كلامه.
في الجملة الأولى، من المتحمل أن يكون المراد بكلمة «البحر» شخصاً عالماً، بيد أن هذا الاحتمال مرجوح، لأنه يمثل المعنى المجازي لكلمة البحر، ولا توجد قرينة مذكورة على هذا المعنى.
أما في الجملة الثانية فهنالك ظهوران: أحدهما ظهور كلمة البحر في بحر الماء، والثاني ظهور لفظة الكلام في القول والتكلّم. وفي كلا الحالتين يحتمل الخلاف أيضاً، ففي الجملة الأولى يحتمل أن يكون المقصود من البحر شخصاً عالماً، وفي الجملة الثانية يحتمل أن يكون المقصود من الكلام أصوات أمواج البحر ومياهه. في مثل هذه الحالات يستدعي تشخيص المقصود من الكلام وأيّ الظهورين المذكورين مرحّج على الآخر حتى يكون قرينة على المعنى المقصود في الجملة الأخرى، يستدعي بحثاً وتأملاً فكرياً، وهذه هي عملية التفسير(32).
5 ـ الرأي المختار هو أنه متى ما كانت دلالة الكلام على المعنى المراد من قبيل النص، أي متى ما لم يكن بالإمكان تصور أكثر من وجه واحد للكلام، عندئذٍ لن تكون هناك ضرورة للتفسير، ومتى ما كانت دلالته من قبيل الظهور، ومن ناحية كانت منهجية المتكلم أن يذكر مراده على شكل تدريجي وباستخدام أساليب العام والخاص، والمطلق والمقيد، والقرائن المتفرقة وغير المترابطة، سيكون ذلك الظهور ظهوراً بدوياً ولا يكشف عن معنى مراد المتكلم. في هذه الحالة ومن أجل فهم مراد النص ينبغي أخذ مجموع الكلام بنظر الاعتبار. ولا ريب في أن هذه العملية بحاجة إلى بحث وتأمل فكري، وهي من مصاديق التفسير. لقد استخدم القرآن الكريم المنهجية المذكورة لبيان مقاصده، بمعنى أن فيه عاماً وخاصاً ومطلقاً ومقيداً وحقيقة ومجازاً و... الخ، وقد ذكر هذه الأمور بصورة تدريجية. فهم مقاصد الآيات القرآنية حول موضوع معين منوط بدراسة مجموع الآيات ذات الصلة. وهذه العملية مصداق واضح للتفسير(33).
إشكال: كون الكلام نصاً لا يتنافى مع حاجته إلى تفسير، لأن كونه نصاً يتعلق بمدلول الكلام ودلالته التصويرية، والتفسير يتعلق بمعنى الكلام ودلالته التصديقية.
الإجابة: بالنسبة للمتكلم الواعي والحكيم لا يمكن التفكيك بين مدلول الكلام ومعناه، لأن مثل هذا المتكلم يستخدم الكلام بمعناه اللغوي أو العرفي المعروف بالنسبة للمخاطب (المتلقي). حيثما كان للفظ معنى لغوي أو عرفي واحد، ولا يوجد احتمال معنى آخر فيه، كان معنى الكلام جلياً ولا يحتاج إلى أيّ تدبّر وبحث فكري. نعم، في مثل هذه الحالات قد يكون مصداق اللفظ ـ وليس معناه ـ متعدداً، ولأجل فهم أي المصاديق هو المراد لابدّ من اللجوء إلى التدبر والتفسير. والمثال على ذلك الآية القرآنية:« إلهكم إلهٌ واحدٌ»(34)، فكلمة واحد مشترك معنوي، وفي مقابل الكثرة. ولا يرد احتمال أن يكون المراد من الوحدة الكثرة والتعدد، وإذن فدلالة الآية على أن الله واحد دلالة صريحة ونصية. على أن الوحدة من حيث المصداق لها أقسام من قبيل الوحدة العددیة والوحدة النوعية والوحدة الجنسية والوحدة الحقة(35). ومن بين هذه الأقسام المذكورة لا تصدق على الله إلّا الوحدة الحقة. وإثبات هذه الفكرة بحاجة إلى تحقيق وتفسير.
نعم، إذا كانت كلمة واحد ظاهرة في وحدتين عدديتين، فلن تكون الآية مثالاً للنص، بل ستكون من مصاديق الآيات التي يقصد منها معنى بخلاف ظاهرها (آيات متشابهة).
***
الفصل الثاني
قبليات المفسِّر
يتناول الشيخ محمد مجتهد شبستري في القسم الأول بالبحث و التحليل دورقبليات المفسرين ومعارفهم المسبقة واستعاراتهم وتأثيراتها في تفسير الوحي، فيقول: علماء الهرمنوطيقا، بدراساتهم الدقيقة حول التفسير وفهم النصوص، طرحوا بحوثاً وموضوعات مهمة.
ويختار شبستري خمس قضايا أساسية تتعلق بمقدمات ومقولات التفسير وفهم النصوص، ويعرضها باختصار. وهذه القضايا الخمس هي:
1ـ قبليات المفسر.
2ـ الميول والتوقعات والتطلعات الموجِّهة للمفسّر.
3ـ أسئلة المفسر من التاريخ.
4ـ تشخيص المعنى المركزي للنص، وتفسير النص حول محوره.
5ـ ترجمة النص في الأفق التاريخي للمفسر.
القضية الأولى التي يثيرها شبستري كإحدى مقدمات التفسير ومقوماته هي قبليات المفسر. لا عند تفسير النصوص وحسب، بل حتى قبل أي جهد علمي آخر، يحمل الباحث قبليات أو معلومات مسبقة. ما من عالم أو مفسر أو كاتب بمستطاعه خلق أفكاره ومعارفه من العدم وصياغتها وإعطاءها شكلها. كل شخص يحمل حول أي شيء يريد معرفته أكثر، معارف إجمالية أو إجمالية جداً. إذا لم تكن هناك أية معلومات مسبقة حول موضوع فلن تكون هناك أية إرادة أو رغبة لفهم ذلك الموضوع أو تبيينه كعمل إرادي، ولن يحصل أي فهم أو تبيين(36).
النقطة الأخرى هي أن من يريد فهم نص من النصوص إنما يبحث ـ في الحقيقة ـ عن شيء، والشخص الذي يبحث عن شيء، يقوم في الواقع بطرح سؤال. إذن، الفهم يبدأ بطرح سؤال، وطرح السؤال مسبوق بعدة معلومات قبلية:
1 ـ معلومات مسبقة حول السؤال نفسه.
2 ـ معلومات مسبقة حول الشخص أو النص الذي يُسأل عنه.
3 ـ معلومات مسبقة حول لغة السؤال. فعلى السائل أن يعتبر سؤاله ذا معنى، وهذا غير ممكن من دون تبنّي نظرية لغوية.
4 ـ معلومات مسبقة حول منبت وأساس العلم الذي يُطرح السؤال في ضوئه.
بهذه المعلومات المسبقة يعلم السائل ما الشيء الذي يمكن سؤاله، وما الشيء الذي لا يمكن سؤاله. ما يكون خارج نطاق العلم الذي يمثل منبت السؤال، ينبغي أن لا يُسأل عنه.
بعد ذكره لهذه القبليات، يلفت الدكتور شبستري إلى نقطة مهمة وهي: مع أن الفهم لا يحصل بدون قبليات وفهوم مسبقة، بيد أن المفسر يجب أن لا يعتبر قبلياته التي تقوّم الفهم مركزاً لمعنى النص أو معنى مركزياً للنص، لأنه في هذه الحالة سيتوقف عند مستوى النص ويحرّف معناه(37).
1 ـ القبليات العامة والخاصة للفهم:
يمكن تصنيف قبليات الفهم والتفسير إلى فئتين كليتين: القبليات العامة والقبليات الخاصة.
المراد من القبليات العامة المعارف التي لا تختص بفهم نص معين أو علم خاص. والقبليات الخاصة هي تلك المرتبطة بعلوم خاصة كالمعارف الفلسفية أو الميتافيزيقية أو السايكولوجية أو السياسية أو... .
أ ـ القبليات العامة للفهم :
1 ـ المعرفة الإجمالية بموضوع البحث والتفسير، فالفهم والمعرفة عملية واعية وإرادية، ولا يمكن الفهم والمعرفة من دون وجود أي فهم أو معلومات مسبقة حول الموضوع. الشيء الذي يروم الإنسان أن يكتسب معرفة به ليس مجهولاً مطلقاً ولا معلوماً مطلقاً؛ أي إنه ليس بحيث لا يمتلك الإنسان أي تصور أو إدراك حوله، ولا أن هذا الإنسان يعرف كل شيء عنه. وعليه فالفهم الإجمالي لموضوع البحث والتفسير من قبليات الباحث والمفسر.
2 ـ يرتبط موضوع البحث والتفسير من حيث التصنيف أو التبويب العلمي بعلم خاص، ولأجل معرفته ينبغي الاغتراف من معطيات ذلك العلم. الموضوع الفلسفي يجب معرفته عن طريق الدراسات الفلسفية، والموضوع التاريخي يجب معرفته والبحث فيه عن طريق علم التاريخ، ولأجل فهم مسألة فقهية يتعيّن مراجعة علم الفقه و... إذن، الاطلاع على المبنى والمكانة العلمية لموضوع البحث هو أيضاً من قبليات الفهم والمعرفة. أحياناً يمكن البحث في موضوع معين من جهات وزوايا متعددة. على سبيل المثال، الماء يمكن دراسته من حيث خواصه وتركيباته الكيمياوية، وتتسنى دراسته من حيث الحدوث والقدم. على كل حال، على الباحث أو المفسر أن يحدد مسبقاً المكانة والمنحى العلمي لموضوع البحث والتفسير.
3 ـ من القبليات الأخرى للفهم والتفسير الاطلاع على اللغة والقواعد اللغوية، فمع أن الفهم في ذاته وحقيقته ليس ظاهرة لغوية، إلّا أنه لا يتأتّى من دون أصول وقواعد لغوية.
فأولاً: في فهم وتفسير نص أو كلام (كتابات أو أقوال شفهية) يعد النص ذاته لغةً، وفهم المعنى يحصل عن طريق فهم لغة النص.
وثانياً: حتى في غير فهم النص ونتيجة كثرة الاستخدام والأنس الذهني يرتبط اللفظ والمعنى مع بعضهما بشكل من الأشكال، بحيث تدرك الأجهزة الإدراكية للإنسان والتي تفكر في النص، المعنى في إطار اللغة(38).
على كل حال، في عملية فهم النصوص وتفسيرها، تعد معرفة معنى المفردات حسب القواعد الأدبية والقواعد العقلائية التي تسود لغة التفاهم والحوار، تعدّ من قبليات المفسر.
4 ـ الفهم لا يحصل من دون تفكير، والتفكير رهن بمراعاة القواعد المنطقية للتفكير. إذن الاطلاع على القواعد المنطقية للتفكير هو الآخر من قبليات التفسير.
5 ـ قبل كل هذه المقدمات المذكورة، يجب أن يؤمن المفسر والباحث بالفهم، ولا يكون سفسطائياً أو مشككاً، إذ بدون مثل هذه المعرفة والاعتقاد سوف لن يبادر أبداً لفهم النص أو معرفة الواقع.
تستخلص من الإيضاحات المذكورة ثلاث نقاط:
أ ـ من أجل تبيين أن الفهم والتفسير يتوقفان على قبليات، لا حاجة لأن نعتبر الفهم بحثاً، ثم نعتبر البحث سؤالاً واستفهاماً، ثم نعتبر السؤال متوقفاً على المعارف الأربع الواردة في آراء الدكتور شبستري.
ب ـ القبليات العامة للتفسير أكثر من تلك التي وردت في آرائه.
ج ـ تطرح أيضاً في التفسير قبليات خاصة، هي المعارف الفلسفية أو الكلامية أو العلمية أو الفقهية في مجالات معينة، لأن للإنسان معارف ومعلومات في المجالات المذكورة. والنقاش المطروح هنا هو: هل هذه المعارف والمعلومات أيضاً تؤثر في فهمه لتفسير النص، أم لا؟ وعلى افتراض أنها تؤثر فهل تأثر الفهم بالمعارف القبلية مما لا مناص منه أم يمكن التملص منه؟
ب ـ القبليات الخاصة للفهم :
استرعت القبليات الخاصة اهتمام علماء الهرمنوطيقا أكثر من القبليات العامة، وكانت مثار نقاش وجدل في الهرمنوطيقا، وخصوصاً في فهم النصوص الدينية وتفسيرها. هل من المسموح للمفسر أن يشرك قبلياته الفلسفية أو العلمية في تفسير الوحي الإلهي؟ وتطبيق الكلام الإلهي عليها، أم أنه غير مسموح له بمثل ذلك؟
تحذير شبستري من أن قبليات المفسر يجب أن لا تحول دون فهمه لمعنى النص، تحذير في محله، وخطورة هذا الموضوع في ما يتعلق بالقبليات الخاصة أكبر منها بخصوص القبليات العامة(39).
***
الفصل الثالث
الميول والتوقعات الـمُوجِّهة للمفسِّر
ميول المفسر نفسه وتلطعاته وتوقعاته، والتي تحضّه على طرح الأسئلة على النص وفهمه، هي من مقدمات فهم النص ومقوّماته. يطرح الإنسان جميع أسئلته بدافع من رغبة وميل وتوقع معين، ولا جدال في أن ميوله وتوقعاته هذه تتناسب وقبلياته التي صاغت سؤاله وقوّمته. السؤال مسبوق دوماً بميول وتوقعات. إذا لم يكن الإنسان راغباً في فهم نص فلن يبذل جهد لتفسيره. تفسير النص مثل أي عمل إرادي آخر ينجم عن الميل والاندفاع وبغية الوصول لهدف معين. هدف الشخص الذي يروم تفسير نص فلسفي يختلف عن هدف شخص يبغي فهم نص تاريخي.
النقطة المهمة هي أن هذه التوقعات ليست مجرد حالة نفسية، بل هي من مقدمات ومقومات عملية التفسير والفهم، وبهذا المعنى فإن المفسر يستطيع أن يتلقى من النص الإجابات التي يتوقع تلقيها من النص. هذا التوقع يساعد المفسر ويرسم له طريق طرح الأسئلة، ويجعله لا يطلب من النص الفلسفي إجابة تاريخية، ومن النص التاريخي إجابة فلسفية. كثيرون هم أولئك الذين بحثوا في النصوص الدينية عن إجابات تتعلق بالعلوم التجريبية وكتبوا تفاسير كبيرة بهذا الطريقة. ومن النماذج على ذلك تفسير الطنطاوي للقرآن الكريم المسمى بالجواهر، والذي لم يلق استحساناً في العالم الإسلامي.
أهمية تنقيح القبليات والأسئلة والميول والتوقعات من أجل تفسير النصوص الدينية تفسيراً صحيحاً تفوق أهميته من أجل تفسير النصوص الأخرى. تتحدث النصوص الدينية حول معنى الوجود ومصير الإنسان، وتنقيح القبليات والمعلومات المسبقة والأسئلة والتوقعات والميول ذات الصلة بتفسير هذه الأسرار المتداخلة المعقدة عملية جد صعبة ومجهدة وتتطلب موهبة خاصة.
المعضلة في هذا الخصوص (دور ميول المفسر وتوقعاته في عملية التفسير) هي كيف يمكن الوثوق بأن ميول المفسر وتوقعاته متطابقة مع ميول مؤلف النص وتوقعاته؟ كيف يمكن الاستنتاج بأن الأسئلة التي يطرحها المفسر حيال النص متطابقة مع الأسئلة التي أراد مؤلف النص الإجابة عنها؟ التطابق الإجمالي بین هاتين المجموعتين ضروري لحصول الفهم. ويزداد هذا الموضوع صعوبة عندما يكون النص قد وضع في زمن بعيد جداً. كيف يمكن تشخيص الميول والتوقعات والأسئلة التي خالجت أناساً كتبوا نصوصاً قبل آلاف السنين تشخيصاً واضحاً صحيحاً؟
بالإضافة إلى كل هذا،كيف يمكن للمفسر أن يتفطن لكل ميوله وتوقعاته الظاهرة والخافية والتي تصوغ أسئلته؟
على كل حال، المفسر هو الذي يجب عليه أن يثبت درجة انتصاره - بفنونه التفسيرية - على هذه المشكلات(40).
1- الميول والتطلعات الصحيحة وغير الصحيحة:
لا يمكن الشك في أن فهم الإنسان يتأثر برغباته وميوله وتوقعاته وتطلعاته، بيد أن درجة وكيفية تأثير الميول والتوقعات على الفهم قضية تحتاج إلى دراسة وتحقيق. كما أنه من الواضح أن الميول الإنسان وتوقعاته بشأن شيء معيّن تتناسب مع وعي الإنسان ومعتقداته حول ذلك الشيء. توقعات الإنسان من نص يعتبر كاتبه شخصاً عالماً مفكراً ذا نظرة شاملة دقيقة وقدرات فكرية وتجربة علمية عالية ستختلف طبعاً عن توقعاته من نص يعتبر كاتبه مفتقراً لهذه الخصوصيات. التوقعات التي یتوقعها من الدین شخص يعتقد أن مديات الهداية الدينية واسعة وشاملة تختلف عن توقعات فرد من الدين يعتقد بأن مديات الهداية الدينية تقتصر على الأبعاد العقيدية والمعنوية. الإنسان يتوقع من الشخص الذي يعتبره فيلسوفاً أن يجيب عن أسئلته الفلسفية، ويتوقع من الشخص الذي يعتبره عالماً في التاريخ أن يجيب عن أسئلته التاريخية.
2- الميول والتوقعات الصحيحة وغير الصحيحة:
النقطة المهمة في هذا البحث هي أن ميول الإنسان وتوقعاته والتي تؤثر على فهمه تنبع هي الأخرى من معلوماته وميوله واحتیاجاته، وقد تكون معلومات الإنسان صحيحة أو غير صحيحة، وقد تكون ميوله منطقية أو غير منطقية، وقد تكون احتياجاته أصيلة أو كاذبة. وبهذا فإن فهم الإنسان المتأثر بهذه العوامل النفسية قد يكون صحيحاً أو غير صحيح. إذن، متى ما نبعت ميول المفسر وتوقعاته من معرفة صحيحة وميول منطقية واحتياجات أصيلة فسيكون تأثيرها على الفهم منطقياً وإيجابياً، ومتى ما كانت ميول المفسر وتوقعاته ناتجة عن معرفة غير صحيحة وميول غير منطقية واحتياجات كاذبة كان تأثيرها على الفهم تأثيراً سلبياً وغير منطقي.
3- طريقة تمييز الميول والتوقعات الصحيحة من غير الصحيحة:
و الآن ينبغي النظر: هل ثمة معيار لمعرفة الميول والتوقعات الصحيحة وتمييزها عن غير الصحيحة أم لا؟ في الافتراض الأول لن يعاني الفهم والتفسير من مشكلات النزعة النسبية والتشكيكية، ولكن في الافتراض الثاني سوف تعمّ النسبية والتشكيكية أجواء الفهم والتفسير.
الإجابة الصائبة هي أنه يمكن معرفة الميول والتوقعات الصحيحة وتمييزها عن الميول والتوقعات غير الصحيحة، وذلك بثلاثة أشياء:
أ- يجب نقد وتقييم العوامل المعرفية والشعورية المؤثرة في الميول والتوقعات. على سبيل المثال متى ما تصور الفرد نصاً وحيانياً بأنه نص غير وحياني، أو نصاً غير وحياني بأنه نص وحياني، وبذلك تكونت لديه ميول وتوقعات غير صائبة تجاه النص، من اللازم و الحال هذه نقد معرفته واعتقاده لإصلاح توقعاته وميوله تجاه النص.
ب- ينبغي أن يكون الفهم والتفسير منهجياً تراعى فيه القواعد المنطقية والعقلائية واللغوية. متى ما خرج المفسّر عن الإطار العقلاني والعقلائي للتفسير من أجل الوصول إلى توقعاته وميوله الخاصة، سيخرج تفسيره غير صحيح وغير مقبول.
طبعاً، قد تكون عدم مراعاة قواعد التفسير وضوابطه ناجمة عن غفلة المفسر، وليست واعية عمدية، بيد أن الغفلة بدورها قد تكون ناتجة عن ميوله وتوقعاته غير الصحيحة.
ج- المعرفة الصحيحة لمؤلف النص والاطلاع على قصده ونيته يمكنه أيضاً أن يكون سبيلاً آخر لتقييم صحة أو عدم صحة ميول المفسر وتطلعاته. متى ما كانت ميول المفسر وتوقعاته غير منسجمة مع ميول المؤلّف وتطلعاته، فإنها لن تكون مقبولة. أما كيف يمكن الاطلاع على ميول المؤلف وتوقعاته ومقاصده ونواياه فهذه قضية سندرسها في الفصل اللاحق.
4 - أهمية التفسير وصعوباته:
الرأي الذي يتبناه الدكتور شبستري والقائل بأن اكتشاف رسالة الدين من النصوص الدينية يحتاج إلى جهد تفسيرى عظيم وذكاء وموهبة خاصة، وأن يكون المرء مفسراً للنصوص الدينية أصعب من أن يكون فيلسوفاً أو متألهاً، وأن غالبية المتدينين يتلقون رسالة الدين عن طریق مفسري الدين، هذا الرأي يبدو رأياً صائباً وقويماً. إنه إجابةٌ وردٌّ على الذين يتوهمون أن فهم الحقائق والمعارف الدينية لا يستلزم موهبة ومهارة ووعياً خاصاً، ويخالون أن فهم الدين حالة عامة منتشرة في كل المستويات والدرجات، وذلك بذريعة أن الدين شيء عام وهو للناس كافة. والحال أن القرآن الكريم له مستويات ودرجات من المعارف والمفاهيم، إدراك بعضها غير متاح من دون التوفر على المعرفة اللازمة لمناهج التفسير وقواعده. ومن جهة ثانية فإن التعرف على مناهج التفسير وقواعده عملية تخصصية تستدعي قدرات وجهوداً خاصة. روي عن الإمام علي بن أبي طالب (ع) أنه قال إن كلام الله قسّم نفسه إلى ثلاثة أقسام:
أ- ما فهمه عام شامل (النصوص والظواهر القرآنية البديهية).
ب- ما يفهمه الذين يتمتعون بقوة إدراكية سليمة والذين هذّبوا وشذّبوا أذهانهم (المعرفة النظرية للقرآن).
ج- ما لا يفهمه إلّا الله والملائكة والراسخون في العلم (حقائق القرآن الباطنية) (41).
و قد رويت هذه الفكرة عن ابن عباس أيضاً بشكل آخر، حيث قال:
تفسير القرآن على أربعة أنحاء:
أ- ما يفهمه كل من يفهم لغة العرب.
ب- ما يجب على الجميع معرفته، ولا يعذر أحد في عدم معرفته.
ج- ما لا يعلمه إلّا العلماء (المفسرون والمجتهدون).
د- ما لا يعلمه إلّا الله(42).
وقال بدر الدين الزركشي إيضاحاً لذلك:الصنف الأول هو ما يعلمه العارفون بلغة العرب، وهو ما يتعلق بعلم اللغة والإعراب. من دون معرفة لغة العرب وقواعدها لا يمكن تفسير القرآن. والصنف الثاني هو المعارف والأحكام المستحصلة بوضوح من نصوص القرآن، نظير الآية:«فاعلم أنه لا إله إلا الله»(43)، الدالة على وحدة الله، حتى لو لم يعلم الإنسان أن البنية الكلامية لـ «لا» و«إلّا» (النفي والاستثناء) هي من أجل الحصر. ونظير الآية: «أقيموا الصلاة وآتوا الزكاة»(44) الدالة على طلب القيام بعمل والأمر بشيء، حتى لو لم يعلم الإنسان هل أن مقتضى صيغة «افعَل» الترجيح الوجوبي أم الاستحبابي. إذن، لا يعذر أحد في عدم معرفة مثل هذه الأمور التي يعد فهمها بديهياً واضحاً. وما لا يعرفه إلّا العلماء والمجتهدون فهو الأمور التي تحتاج إلى استنباط وتأويل، مثل تبيين المجمل وتخصيص العام. والذي لايعرفه إلّا الله هو الآيات التي تحتوي الحقائق الغیبية مثل موعد القيامة أو حقيقة الروح أو الحروف المقطعة.
ثم يقول عن المتشابهات:لا يمكن فهمها عن طريق الاجتهاد العلمي، وفهمها غير ممكن إلّا عن طريق البيان القرآني أو الروائي أو إجماع الأمة، وفي غير هذه الحالات يجب التوقف عندها والسكوت عنها(45).
و النتيجة هي: بمعرفة لغة العرب يمكن فهم معاني المفردات القرآنية، ولا حاجة هنا إلى بحوث تفسيرية واجتهادية. كل من كان على معرفة بالمحاورة العربية سيفهم مدلول الآيات القرآنية، كما أنه سيعرف مقاصدها في الحالات الجلية الواضحة، ولكن المعرفة التفصيلية لمقاصد القرآن تحتاج إلى بحوث تفسيرية، وهذه رهن بكسب معارف ومهارات خاصة.
5- رأي غير صحيح ومتناقض:
المدهش هو أن الدكتور شبستري يغفل في موضع آخر عن هذه الفكرة الرصينة ويقول:
فكرة أن علماء الدين هم فقط من يحق لهم إبداء آرائهم بخصوص الدين فكرة غير مقبولة أساساً. الدين الذي يدعو إلى عقلانية المعتقدات بالإضافة إلى التجربة المعنوية، لا يمكنه حصر إبداء الآراء الدينية بالعلماء والمختصين. إذا كان الجميع مطالبين بالدين والتدين المعقول فسيكون من حق الجميع البحث وإبداء الآراء حول الشؤون الدينية. التقليد في المعارف الدينية يتلاءم مع الدين الذي يرفض عقلانية المعتقدات، ويعلن عن شخصية مقدسة معصومة منصوبة من قبل الغيب كواسطة بين الله والناس، هي التي تتولى تفسير الدين، ولا يسمح لأحد بالاستفسار والسؤال والبحث والتفكير. وليس الإسلام مثل هذا الدين، والقرآن الكريم وسنة الرسول الأکرم (ص) والمعصومين (ع)، وآراء الفلاسفة والعرفاء والمتكلمين المسلمين لم تطرح الإسلام على هذا النحو(46).
هذا الكلام فضلاً عن أنه يتناقض مع كلامه السابق، فهو مرفوض ومدخول من عدة جوانب:
أ- عقلانية الدين والتدين لا تستلزم أن يستطيع كل شخص إبداء آرائه حول الدين، وأن لا تحتاج هذه العملية إلى مهارات وتخصص. عقلانية التدين وأية قضية أخرى هي أن يعمل الإنسان وفقاً للمعايير العقلانية، ولا يتماهى مع المشاعر والعواطف وسائر العوامل غير العقلانية. من الأصول العقلانية أن يتخذ الإنسان قراراته في أية قضية نظرية أو عملية بنحو واع ومدروس، ومتى ما كان بوسعه هو نفسه أن يكتسب الوعي والمعرفة اللازمة حول تلك القضية ويدرس جوانبها، فعليه القيام بذلك، وإذا لم یکن بوسعه التوفر على مثل هذا الوعي والمعرفة بسبب عدم توفر أسباب ذلك وظروفه، فعليه الاستعانة بأصحاب الخبرة والاختصاص. وعليه فالرجوع إلى المجتهدين وخبراء الدين وعلمائه من قبل من يفتقرون إلى القدرة الفعلية على التخصص والاجتهاد، هو مقتضى عقلانية الدين والتدين، كما أن مقتضى التمتع بالسلامة الجسمية المعقولة هو أن يعمل المرء على أساس نتائج البحوث الطبية، فإذا لم يكن الإنسان نفسه طبيباً وجب عليه العمل برأي الطبيب المختص. وهذا مبدأ يسود كل شؤون الحياة.
ب- تنصيب المعصوم كواسطة بين الله وعباده والمسؤول عن تفسير الدين لايتعارض مع حق الاستفسار والبحث والتفكير الذي يتمتع به الآخرون. بمقدور غير المعصومين الاستفهام والبحث والتفكير حول الدين، وإبداء آرائهم بشأن الدين باستخدام أصول الاجتهاد ومنهجيته، لكنهم يجب أن يتحاشوا معارضة رأي المعصوم، فرأي المعصوم كعلامات المرور التي يجب على السواق مراعاتها ليبقوا بمنأى عن الأخطار. القرآن الكريم يدعو من جهة إلى التفقّه في الدين(47)، ومن جهةٍ أُخرى يشدّد على ضرورة اتّباع الرسول الأكرم (ص) وعدم الانحراف عنه(48).
ج- أعلن الله عزّ وجلّ رسوله الأعظم (ص) مفسراً رسمياً للقرآن الكريم فقال:«وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ ما نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ»(49).
وقد أعلن الرسول الأكرم (ص) بأمر من الخالق العظيم عترته الطاهرة عِدْلاً للقرآن وأكد على أن هذين العِدْلين لا يفترقان، والهداية الحقيقة رهن بالاعتصام بكلیهما(50). فكرة أن الرسول الأكرم (ص) هو المفسر المعصوم للدين من ضروريات الإسلام وقضية متفق عليها من قبل كل المذاهب الإسلامية، كما أن الاعتقاد بأن عترة الرسول الطاهرة (ع) مفسرون معصومون للوحي من بعد الرسول الأكرم (ص) من ضروريات المذهب الشيعي. ولكن كما سبق أن ذكرنا فإنّ هذه الفكرة لا تتنافى أبداً مع حرية البحث والتفكير وحقّ السؤال والاستفهام.
***
الفصل الرابع
استفهام التاريخ
يطرح الدكتور شبستري من منطلق القبلية القائلة بأن للنص معنى وأن ذلك المعنى ممكن الدراسة والمعرفة بالنظر لقصد المؤلف ونيّته، يطرح أربع قضايا يجب من أجل إيضاحها الاستعانة بمنهج التحليل التاريخي. وهذه القضايا الأربع هي:
أ ـ أية ميول وتوقعات دفعت المؤلف إلى إنتاج النص؟
ب ـ ما هي الوضعية والظروف التاريخية التي أنتج المؤلف نصه في إطارها؟
ج ـ كيف كانت الوضعية والظروف التاريخية لجمهوره ومتلقّيه؟
د ـ ما هي معطياته وإمكانياته اللغوية لإنتاج النص كتابةً ومشفاهةً؟
مثل هذه الأسئلة لا يمكن الإجابة عنها بصورة صحيحة إلّا بمنهج التحليل التاريخي. استخدام قواعد اللغة والمحاورة وقوانينها، والتي سمّاها القدماء «قواعد التفسير»، وكل مباحث الألفاظ في علم الأصول تتعلق بهذه القضية، وقد فتحت البحوث والدراسات الجديدة المتعلقة بمنهج النقد التاريخي بدورها أبواباً واسعة فيما يتعلق بهذا الموضوع.
القضية المهمة في هذا الخصوص هي أن مفسر النص من أجل دراسة الموضوعات المذكورة والتحقيق فيها يعمل وفقاً لميوله وتوقعاته وظروفه التاريخية الخاصة. وفي هذه الحالة هل يستطيع الإصغاء للتاريخ بشكل واقعي، وإفساح المجال للنص للتعبير بصورة عينية وواقعية عمّا أراد منتج النص التعبير عنه؟ ألا تمثل ميول المفسر وتوقعاته ضمن أفقه التاريخي عقبة في هذا الطریق؟ مع وجود مثل هذه الأسئلة الأساسية ينبغي على المفسر بذل كل جهوده لتنقيح الموضوعات الأربع المذكورة، وإلّا فإنه بدلاً عن تفسير النص سيفرض معلوماته ومعارفه وآراءه على النص بشكل من الأشكال(51).
1- أسلوب معرفة قصد المؤلف ونيّته:
كما سبق أن مرّ بنا فإن قبلية هذا البحث هي أن رسالة التفسير تتمثل في التوصّل إلى معنى النص بما يتطابق وقصد المؤلف ونيّته. ومن جهة أخرى فإن قصد المؤلف ونيّته تتأثر بميوله وتوقعاته وظروفه التاريخية، كما أن وضعية المتلقين وظروفهم التاريخية تؤثر في قصد المؤلف ونيته. أضف إلى ذلك أن المعطيات والإمكانيات اللغوية للمؤلف تؤثر في كيفية عرض قصده. وإذن، ففهم النص وتفسيره يقوم على الأصول والركائز أدناه:
1- يتضمن النص المعنى الذي أراد المؤلف التعبير عنه وإفادته.
2- قصد المؤلف يتأثر بمعارفه وميوله وتوقعاته.
3- الوضعية والظروف التاريخية للمؤلف تؤثر في معنى النص.
4- الوضعية والظروف التاريخية لمتلقي النص وجمهوره تؤثر هي الأخرى في قصد المؤلف ونيّته.
5- المعنى الذي قصده المؤلف من النص يتأثر بمعطياته ومعارفه وإمكانياته اللغوية.
وعليه، فالمفسر يستطيع فهم معنى النص عندما يفهم قصد المؤلف ونيته، ومن أجل فهم قصد المؤلف ونيته يجب عليه معرفة الشخصية العلمية والنفسية للمؤلف (معارفه وميوله وتوقعاته) ومعرفة الأوضاع والظروف التاريخية للمؤلف وجمهور المؤلف، والاطلاع على المعطيات والإمكانيات اللغوية التي يتمتع بها المؤلف. وهنا يُطرح السؤال: عن أيّ طریق وعلى أساس أيّ قواعد يستطيع المفسر التوفر على مثل هذه المعارف والمعلومات؟
يرى الشيخ شبستري أن منهج التحقيق والتحليل التاريخي أهم طريق لتوفر المفسّر على المعارف المنظورة. أضف إلى ذلك أن قوانين وقواعد لغة التحاور التي سمّيت «قواعد التفسير» ومباحث علم أصول الفقه ستعمل هي الأخرى كدليلٍ ومرشدٍ للمفسر في هذا الطريق.
تتكون أفكار شبستري من أربعة أجزاء:
1- الأساس الهرمنوطيقي لفهم النص وتفسيره، وهو عبارة عن محورية قصد المؤلف ونيّته في اكتشاف معنى النص.
2- العوامل المؤثرة في تكوين معنى النص، وهي ميول المؤلف وتوقعاته، ووضعية المتلقين وظروفهم، والمعطيات والإمكانيات اللغوية للمؤلف.
3- أدوات المؤلف وآلياته في معرفة الأمور المذكورة، وهي منهج البحث والتحليل التاريخي واستخدام القواعد التي تسود اللغة والتحاور البشري.
4- التحذير من فرض المفسر رغباته وميوله وتوقعاته ومعارفه السابقة على النص مما يحول دون التوصل إلى المعنى الحقيقي للنص.
الأفكار المذكورة أعلاه مقبولة ورصينة على العموم، ولكن ثمة في هذا الصدد نقاطاً جديرة بالتأمل والتفطن من الضروري الإشارة إليها.
2- علاقة النص بالمؤلف:
علاقة النص بالمؤلف علاقة الفعل الواعي والاختياري بفاعله. المؤلف هو الذي أنتج النص، والنص يتكوّن من مفردات ربط بينها المؤلف ضمن نظام خاص، وكان قصده إفهام المتلقي (قارئ النص أو المستمع إلیه) أفكاراً معينة بواسطتها. وبهذا، للنص طابعه الذرائعي فهو في خدمة قصد المؤلف ونيّته. من جهة أخرى تنبع الأفكار التي يتغيّا المؤلف إفهامها للمتلقي من معارفه وعلومه بخصوص الإنسان والعالم، ومن كماله الوجودي الذاتي. ولذلك ينبغي لمعرفة محتوى النص ومضمونه الداخلي معرفة شخصية المؤلف ورؤيته الكونية. غير أن هذا لايمثل الواقع برمّته، فإمكانيات المتلقي وقدراته أيضاً تتدخل في معرفة معنى النص والقصد المودع فيه. ومردّ هذا التدخّل والدور هو إلى أن المؤلف ومن أجل تفهيم قصده للمخاطب يضطرّ إلى أخذ مستوى إدراك المتلقي وقدراته الذاتية الواقعية بنظر الاعتبار.
و على حد تعبير الشاعر:
كلّ ما أقوله إنما هو على قدر فهمك قتلتني حسرة الفهم الصحيح(52).
إذن، ينبغي لفهم النص وتفسيره أخذ ثلاثة عناصر بنظر الاعتبار:
1- عنصر النص.
2- عنصر منتج النص.
3- عنصر متلقي النص.
وللعنصر الأول جانبان: الجانب الظاهري والشكلي والجانب الباطني والمضموني. الجانب الظاهري للنص یتعلق بالقواعد الأدبیة و اللغویة، و الجانب الباطني و المضموني (معنى النص) يعود إلى قصد المنتج ونيته.
ما قصده منتج النص ينقسم إلى نوعين كليين:
1- من سنخ الإخبار.
2- من سنخ الإنشاء (الأمر والنهي، والاستفهام، والتمنّي، والترجّي، و...).
من البديهي أن منتج النص، ومن أجل إفهام أحد هذين القصدين للمتلقي، يأخذ بنظر الاعتبار الإمكانيات والطاقات الطبيعية والقدرات الإدراكية واللغوية للمتلقي، ومن هنا يمكن أن يكون لخصوصيات المتلقي تأثيرها في فهم معنى النص.
3- العوامل المؤثرة في فهم معنى النص:
تبيّن من الإيضاحات المارّة الذكر أن هناك ثلاثة عوامل لها دورها الحاسم في فهم معنى النص:
أ- معرفة شخصية منتج النص ورؤيته الكونية، فمعنى النص ينبع قبل كل شيء من شخصية المؤلف ورؤيته الكونية.
ب- معرفة قدرات المتلقي وخصوصياته، لأن منتج النص يعبر عن قصده ومراده في ضوء ظروف المتلقي وأوضاعه.
ج- معرفة القواعد الأدبية واللغوية، لأنها تشكل البعد الصوري والظاهري للنص، والمؤلف ينقل المعنى الذي يقصده إلى المتلقي بواسطة هذه القواعد.
لكن معرفة وضعية المؤلف أو المتلقي وظروفه التاريخية ليست موضوعاً غائياً بحد ذاتها، إنما تمثل وسيلة لمعرفة شخصيتيْ المؤلف والمتلقي ورؤيتیهما الكونيتین، ولا ينبغي في كل الأحوال الغفلة عن دورها في فهم معنى النص.
النقطة التي من المهم الإشارة لها هنا هي أن العنصرين الآخرين من بين العناصر الثلاثة المذكورة (منتج النص، ومتلقي النص، والقواعد الأدبية واللغوية للنص) متساويان بخصوص النصوص الوحيانية والبشرية، إذ إن خصوصية منتج النص المتمثلة في أن المعنى يجب أن ينقل إلى المتلقي عن طريق القواعد اللغوية، وينبغي أن يتناسب مع مستوى إدراك المتلقي وقدراته الطبيعية، لن تختلف في شيء ولن تبعث على أيّ فارق في الأمر، وقد قال الله تبارك وتعالى:«وما أرسلنا من نبيّ إلّا بلسان قومه ليبيّن لهم»(53). وهكذا، فقد نزل القرآن الكريم بلغة عربية بيّنة ليفهم المتلقون الذين بعث النبي الأکرم (ص) بينهم معاني القرآن. «إنا أنزلناه قرآناً عربياً لعلكم تعقلون»(54). وقد أمر الأنبياء الإلهيون بتفهيم الحقائق الوحيانية للمتلقين في حدود فهم المتلقين وإدراكاتهم. «إنا معاشر الأنبياء أمرنا أن نكلّم الناس على قدر عقولهم»(55). طبعاً حيث إن جمهور الشرائع والرسالات الإلهية ومتلقيها هم عموم الناس والأفراد، والأمر لا يختص بفئة منهم دون أخرى، لذا ينبغي أخذ مستوياتهم المعرفية والمعنائية بنظر الاعتبار، فهنالك إلى جانب المستويات المعنائیة العامة، مستويات معنائية خاصة تتناسب مع المواهب والقدرات الذاتية للخواص، وقد ورد في الأحاديث حول القرآن الكريم أن له بطوناً بالإضافة إلى ظاهره(56).
4- الفرق بين النصوص الوحيانية والبشرية:
1- فاعل النص الوحياني وهو الله سبحانه وتعالى لا يخضع أبداً لتأثير العوامل التاريخية؛ لذلك لا يمكن عن طريق التحليل التاريخي اكتشاف شخصيته الوجودية ورؤيته الكونية. هنا لن يكون استفهام التاريخ والسؤال منه نافعاً للمفسر، إذ لو كان للتاريخ بُعداً قيمياً سلبياً فسوف يتعارض ذلك مع منتج النص الوحياني، ولا يمكن أن يعبّر عن مقامه ومنزلته وحقيقته، وإذا كان للتاريخ بُعده القيمي الإيجابي فذلك معلولٌ لشخصية منتج النص وليس علةً أو سبباً أو صانعاً لشخصيته، وهذا بخلاف الحال في النصوص البشرية حيث تتأثر شخصية منتجها بالعوامل والظروف التاريخية(57).
2- الفارق الآخر بين منتج النص الوحياني والإلهي ومنتج النصوص البشرية، هو أنه بخصوص النصوص الوحيانية والإلهية وبمقدار ما يتعلق الأمر بالله سبحانه وتعالى فإن حالة الاحتياج منتفية بالكامل، وفيما يخص الأنبياء والأئمة المعصومين (ع) مع أن هناك حاجة إلّا أن احتياجهم أصيل وعلمي وحكمي، أما بخصوص مؤلفي النصوص من البشر غير المعصومين فقد تؤثر فيهم الاحتياجات غير الأصيلة ويكون لها دورها فيما ينتجونه من نصوص. وفي هذه الحالة ستكون معرفة احتياجات المؤلف جانباً من معرفة شخصيته، وسيكون بمستطاع استفهام التاريخ والسؤال منه أن يعين المفسر في مهمته.
على هذا الأساس، في ما يتعلق بالنصوص الوحيانية يمكن للتحقيق والبحث والتحليل التاريخي أن ينفع المفسر في خصوص الإبلاغ الوحياني للمتلقين ليس إلّا. وما يطرح في إطار تفسير القرآن الكريم تحت عناوين أسباب النزول أو شأن النزول يعود إلى هذه الفكرة. وفي بعض الحالات يكون الاطلاع على شأن نزول الآية نافعاً للمفسر في فهم معناها، ففي خصوص الآية الكريمة: «إن الصفا والمروة من شعائر الله فمن حجّ البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوّف بهما»(58)، لا يستفاد من ظاهر الآية وجوب السعي بين الصفا والمروة، إنما يظهر منها جواز ذلك، ولكن في ضوء شأن النزول يتبيّن أن المراد من كلمة «جناح» هوأن المشركين كانوا في العصر الجاهلي قد نصبوا على كل واحد من جبلي الصفا والمروة صنماً يتمسّحون به عند السعي بين الصفا والمروة، لذلك كان المسلمون غير راغبين في السعي بين الصفا والمروة. والمراد من عبارة «لا جناح عليه» هو عدم وجود مانع أو نهي عن السعي على الرغم من وجود ذلكم الصنمين وما يفعله المشركون عند السعي.بعبارة أخرى فإن «جناح» هنا لا تختص بأصل السعي بين الصفا والمروة وهو عمل واجب، بل تتعلق بعملية السعي في حالة خاصة(59).
والنموذج الآخر على ذلك هو الآية «ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا..» (60). وقد تصور البعض أن هذه الآية تدل على إباحة الخمر، والحال أنها ليست كذلك، لأن كلمة «جناح» تتعلق بالمؤمنين الذين كانوا يشربون الخمر ووافتهم المنيّة قبل نزول حكم تحريم الخمر(61).
والنتيجة هي أن تأثر منتج النص بالأوضاع والظروف التاريخية على نحوين: النحو الأول هو أن تؤثر الأوضاع والظروف التاريخية في تكوين شخصيته وصياغة رؤيته الكونية، والنحو الثاني أن تكون مؤثرة في تجلي شخصيته وتبلور رؤيته الكونية. النحو الأول لا يتحقق في النصوص الوحيانية، بينما النحو الثاني يصدق عليها.
تجلّى مما ذكرنا أن المحور الرئيس في فهم معنى النص هو قصد المؤلف ونيته، والذي يمكن اكتشافه عن طريق معرفة رؤيته الكونية وظروف جمهوره ومتلقيه والقواعد اللغوية والعقلائية التي تسود لغة المحاورة. ومن هنا يتعين على المفسر أن يتجنب فرض ميوله وتوقعاته وقبلياته على النص، وبدل أن يجعل ميوله وتوقعاته ورأيه الشخصي مقياساً لفهم معنى النص واكتشاف ميول المؤلف وتوقعاته ومقاصده، يجب أن يعمد إلى تقييم ميوله وتوقعاته وآرائه حسب معايير ميول المؤلف وتوقعاته ومقاصده.
***
الفصل الخامس
اكتشاف المعنى المرکزي للنص
يطرح الشيخ شبستري تحت هذا العنوان عدة قضايا ومسائل ويناقشها بإجمال. والقضايا هي:
أ- ما هو مركز المعنى أو المعنى المركزي، وما هو تأثيره في فهم النص؟
ب- ما هو السبيل إلى اكتشاف المعنى المركزي للنص؟
ج- ما هي عقبات اكتشاف المعنى المركزي للنص، وهل يمكن رفع هذه العقبات أم لا؟
يقول في معرض الإجابة عن السؤال الأول: المراد بمركز معنى النص هو الرؤية الأصلية التي تنتظم كل أفكار النص حول محورها. ومركز المعنى هذا يسبغ الحياة والمعنى على كل أجزاء النص بحيث تفهم تلك الأجزاء في إطار علاقتها به. قد يكون المعنى المركزي لنص من النصوص وحسب وجهة نظر أحد المفسرين مهماً أو غير مهم، ومقبولاً أو غير مقبول، لكن فهم معنى النص غير ممكن من دون أخذ هذا المعنى المركزي بنظر اعتبار.
و يقول شبستري حول القضية الثانية: أسلوب اكتشاف المعنى المرکزي للنص هو طرح الأسئلة على التاريخ أو الإصغاء للتاريخ، وهو ما تمّ تبيينه في المبحث السابق.
و يقول حول المسألة الثالثة: ألا يتأثر مركز معنى النص بالظروف والأوضاع التاريخية للمفسر والأسئلة التي يعتبرها مهمة وحيوية؟
إذا لم يستطع المفسر أن ينأى بنفسه تماماً عن التأثر بالعوامل المذكورة، فقد يفهم كل واحد من المفسرين بتأثير من تجاربه وأسئلته المعنى المرکزي للنص بشکل مختلف نسبیاً عن المعنى الذي یصل إلیه مفسر آخر، و بالتالي ستظهر فهوم متباینة لكلّ النص. ما الذي يمكن فعله من أجل أن يتحدث النص نفسه بمركز معناه بعيداً عن هذه التأثيرات والتأثرات، ويفصح عمّا يخفيه دون زيادة أو نقصان؟ هل مثل هذه العملية ممكنة؟
لا شك في أن هذا السؤال هو السؤال الأهم في عملية فهم النصوص، والذي لا يزال أمام علماء الهرمنوطيقا طريق طويل قبل الإجابة الواضحة عنه.تتضاعف أهمية هذا السؤال فيما يتصل بالنصوص الدينية، لأن النصوص الدينية تتعامل مع قضايا محفوفة بالأسرار والتعقيدات، ومع أمور سهلة ممتنعة، واكتشاف المعنى المركزي لمثل هذه النصوص تعتوره صعوبات خاصة ويتطلب موهبة خاصة وفناً تفسيریاً مختلفاً تماماً(62).
1- قصد المؤلف والمعنى المركزي للنص:
بالنظر لما مرّ بنا في الفصل السابق يتعيّن معنى النص وفق معيار قصد المؤلف ونيّته. لا مراء في أن للمؤلف هدفه من كتابة النص، وله نظريته المركزية والمحورية من بحوثه وطروحاته، وأجزاء النص تدور حول ذلك المحور وتنتظم حول ذلك المركز. على سبيل المثال، نظرية أصالة الوجود في المنظومة الفلسفية لصدر المتألهين هي المعنى المركزي والفكرة المحورية عنده، وتكتسب كل أفكاره الفلسفية معانيها الخاصة في ضوء تلك الفكرة. أصالة الرياضيات وبداهتها في المنظومة الفلسفية لديكارت هي المعنى المركزي والفكرة المحورية عنده، والتي تكتسب سائر أرائه وأفكاره الفلسفية معانيها الخاصة بالنظر إليها وفي ظلها. مبدأ الحسن والقبح العقليين يعدّ الفكرة والمعنى المركزي في النظام الكلامي للعدلية (الشيعة والمعتزلة) وكل البحوث ذات الصلة بالعدل الإلهي تُفسّر بواسطة هذا المبدأ.
على هذا الأساس، إذا أراد شخص تفسير الأفكار الفلسفية لصدر المتألهين فعليه التركيز على رؤيته بخصوص أصالة الوجود، وأيّ تفسير لأفكاره لا ينسجم مع هذا المبدأ سيكون مرفوضاً. وهكذا الحال بالنسبة لتفسير الأفكار الفلسفية لديكارت والآراء الكلامية للعدلية في القضايا المتعلقة بالأفعال الإلهية.
وعلى ذلك، يبدو رأي الدكتور شبستري حول المعنى المركزي للنص ومحوريته في فهم النص وتفسيره رأياً قويماً مقبولاً، بيد أن كلامه حول طريقة وأسلوب اكتشاف المعنى المركزي للنص لا يبدو ناهضاً ومنيعاً. أفضل طريق وأسلوب لمعرفة المعنى المركزي للنص هو الإصغاء للمؤلف بدل الإصغاء للتاريخ. يجب الاستفسار عن المعنى المركزي والرؤية الأساسية لمؤلف النص من المؤلف نفسه، لأن مؤلف النص هو أفضل عارف بمعناه المركزي. ومن جهة أخرى يبدو أن المنهج المألوف بين عقلاء البشر هو أن يفصح منتج النص نفسه عن قصده الأصلي ومعناه المركزي، وهذا هو الحال في ما يتعلق بالأمثلة الثلاثة التي ذكرناها.
2- أسلوب معرفة قصد المؤلف:
إذا لم يكن منتج النص قد بيّن بشكل واضح قصده الأصلي والمعنى المركزي لنصه، فيمكن عن طريق التدقيق في النص والنظر في القرائن والشواهد الداخلية والخارجية للنص معرفة ذلك القصد، ومثال ذلك أن يكون المؤلف قد أكّد على هذا المعنى المركزي في مواضع متكررة من النص، أو أرجع بعض التفريعات إليه، أو جعله نقطة انطلاق النص ونهايته، وما إلى ذلك. على سبيل المثال يظهر من التدبّر والتأمّل في القرآن الكريم أن التوحيد في العقيدة والعمل هو النواة المركزية للهداية القرآنية:«إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم»(63). لا شكّ في أن التوحيد في العقيدة والعمل أقوم طرق الحياة الدينية. وقال سبحانه في موضع آخر: «ومن أحسن قولاً ممن دعا إلى الله وعمل صالحاً وقال إنني من المسلمين»(64).
و الحصيلة هي أنه من أجل اكتشاف المعنى المركزي للنص ينبغي مراجعة النص أكثر من أيّ شيء آخر. متى ما أفصح المؤلف بشكل واضح عن هدفه الأصلي ورؤيته الأساسية فستكون هذه الرؤية المعنى المركزي للنص، ومتى ما لم يفصح عن هدفه ورؤيته الأصلية بوضوح فينبغي اكتشافها عن طريق التدقيق في النص وأخذ القرائن والشواهد الداخلية والخارجية بنظر الاعتبار. نعم، معرفة شخصية المؤلف ورؤيته الكونية بوسعها هي أيضاً مساعدة المفسّر في اكتشاف المعنى المركزي للنص، ويمكن عند محاولة التعرّف على شخصية المؤلف ورؤيته الكونية الاستفادة من منهج التحليل التاريخي.
3- الفينومينولوجيا التاريخية للدين:
يذكر الدكتور شبستري في كتاب آخر من كتبه «فينومينولوجيا الدين»كمنهج لاكتشاف المعنى المركزي للنص. إنه يعتقد أن بالإمكان بفضل هذا المنهج الفصل بين الذاتي والعرضي في الدين(65)، والاستنتاج مثلاً أن أحكام العائلة في الإسلام هي من عرضيات الدين الإسلامي ولا تقبل التعميم على العصر الحاضر(66). بهذا المنهج سيتمّ إثبات أن الأحكام الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للإسلام أحكام تاريخية ولا تقبل الإطلاق على كافة الأزمنة(67).
بعبارة أخرى، إنها قضايا خارجية وليست قضايا حقيقية(68). بهذا المنهج سيتضح أن المعنى المركزي للدين الإسلامي هو ضرورة السلوك المعنوي للإنسان نحو الله، ويجب قياس العقائد والشعائر الدينية بهذا المعنى المركزي(69). باستخدام هذا المنهج سوف لن تعود الأوامر والنواهي الإسلامية في ميادين السياسة والمعاملات ثابتة، وليس هذا وحسب بل ينبغي تحليل حتى الأحكام العبادية في الإسلام على أساس تأثيرها في تربية الإنسان وتهذيبه النفسي(70).
نقـد :
المنهج الفينومينولوجي التاريخي في التعامل مع الدين - بالشكل الذي يعرضه شبستري - يجعل العقائد والأحكام والأخلاق الدينية حالة تاريخية، ويشكك في قيمتها واعتبارها للعصر الحاضر وما بعده. على هذا الأساس، ما يمتاز بالطابع فوق التاريخي من الإسلام والذي يمكنه أن يلهم البشرية في العصر الحاضر والمستقبل هو المعنى المركزي والرسالة المحورية للإسلام. في العبارات المذكورة هناك ثلاثة أشياء تعتبر المعنى المركزي والرسالة المحورية للإسلام، وهي التوحيد، والعدالة في نطاق الأحكام الاجتماعية للإسلام، وتزكية النفس وتهذيبها في نطاق العبادات. هذه الأمور الثلاثة ثابتة وفوق التاريخ، أما بقية التعاليم والأحكام والدساتير الإسلامية فلها طابع تاريخي وليست متعالية على التاريخ. هذه النظرية مرفوضة وضعيفة من وجوه:
أ- الأوامر والنواهي فوق التاريخية حالة ممكنة:
قيل إن الأوامر والنواهي فوق التاريخية حالة غير ممكنة، لأن الأوامر والنواهي باعتبارها فعل الله ورسوله والمؤمنين كلها متزمنة. وهذا الكلام لا أساس له(71)، لأن علاقة اللغة بمضمون الرسالة ومحتواها علاقة ذرائعية أداتية. متى ما أمكن لمضمون الرسالة أن يكون فوق التاريخي فلن تكون هناك أية مشكلة أو عقبة على صعيد اللغة. ومن جهة أخرى، وفي ما يخصّ مضمون الرسالة ومحتواها، سواء بشأن الأحكام الاجتماعية أو حول الأحكام العبادية أو الأخلاقية، لا یبدو وجود أي محذور أو منع عقلي. من باب المثال، الحكم القائل إن بيع الشيء من قبل إنسان لا يمتلكه بيع باطل، أو الحكم القائل إن على المؤمنين صيام شهر رمضان، أو إقامة الصلاة خمس مرات طوال اليوم والليلة، و... أحكام يمكنها أن تكون شاملة وعامة، لأن المخاطب بها ليس فرداً أو أفراداً معينين دون غيرهم، بل هم عموم المكلفين والمؤمنين. بعبارة أُخرى متى ما كان جعل الأحكام الشرعية من سنخ القضايا الحقيقية فإن شموليتها وتعاليها على التاريخ لن يواجه أية عقبة أو مانع، واللغة بدورها قادرة على نقل هذه الأحكام الشاملة فوق التاريخية إلى كل المكلفين والمؤمنين.
ب- طريقة تشخيص القضايا الحقيقية والخارجية في أحكام الدين:
مسألة هل أن الأحكام الإلهية من قبيل القضايا الخارجية أو من سنخ القضايا الحقيقية شيء لا يمكن الإجابة عنه بواسطة التحليل التاريخي، إنما يمكن استنتاجه من دراسة وتحليل الخطابات الإلهية وموضوعات وملاكات الأحكام الشرعية. متى ما كان المخاطب بالخطابات الإلهية فئات كلية من قبيل: الناس، أو الذين آمنوا، أو أولي الألباب، وكانت موضوعات الأحكام الشرعية عناوين وماهيات نوعية مثل البيع، والربا، والصلاة، والصوم، والحج، و... وكانت ملاكات الأحكام مصالح ومفاسد بشرية تختص بالبعد الفطري للإنسان، ستكون الأحكام الشرعية فوق تاريخية. وبمراجعة الكتاب والسنة يتضح أن الأحكام الإسلامية تتسم بهذه الخصوصيات.
ج- الأهداف العليا لا تدرك بأيّ منهج من المناهج:
لا نقاش في أن التوحيد في العقيدة والعمل هو محور الهداية الدينية برمّتها، كما أن العدالة تمثل الهدف المحوري في الأحكام الاجتماعية الإسلامية، وأن تزكية النفس والسلوك المعنوي هو الغاية من العبادات الإسلامية، بيد أن النقاش يدور حول: هل يمكن أن تتحقق هذه الغايات والأهداف بأية وسيلة وبأيّ منهج، أم يجب من أجل تحقيقها السير في سبيل وعلى نهج خاص اختطه الوحي الإلهي؟ ثمة مبدءان يمكن الاستنتاج في ضوئهما أن الافتراض الثاني هو المتعيّن والصائب.
المبدأ الأول هو أن حياة الإنسان، وخصوصاً في بعدها المعنوي، معقدة وزاخرة بالأسرار، ولا أحد، باستثناء الله خالق الإنسان، على علم بأعماقها وأسرارها. وهكذا فلا أحد ماعدا الله سبحانه بوسعه تعيين كيفية عبادة الإنسان وطريق سلوكه المعنوي. وعليه فتحقيق حالة تزكية النفس والتكامل المعنوي بشكل مطلوب غير متاح إلّا عن طريق العبادات الشرعية. المبدأ الثاني هو أن الحيوات المادية والمعنوية والجسمية والروحية للإنسان مترابطة ببعضها، والجسم والروح في الحقيقة غير منفصلين عن بعضهما. وعليه فالحيوات المادية والمعنوية والدنيوية والأخروية للإنسان مترابطة ببعضها تمام الارتباط، وكيفية حياته الأخروية تتأثر بطريقة حياته الدنيوية، وحياة البشر المادية تؤثر على حياته المعنوية.
تستفاد هذه الفكرة من الآيات القرآنية والروايات الإسلامية بكل وضوح فضلاً عن ما يقوم لصالحها من أدلة عقلية وفلسفية. وإذن، فالعدالة المنشودة في الإسلام لا تتلخص في الحياة الاجتماعية المتسمة بالعدالة الاقتصادية والسياسية، إنما تستوعب كل شؤون الحياة الإنسانية. العدالة الإسلامية لها صلتها بالتقوى، ولها محتواها المعنوي والتربوي:«اعدلوا هو أقرب للتقوى»(72)، وفي هذه الحالة ستؤثر الأحکام الاقتصادیة و الاجتماعیة في الإسلام على مصیر الإنسان المعنوي لنفس السبب الذي تؤثر بموجبه أحكام الإسلام العبادية على مصيره المعنوي.
نتيجة المبدئين المذكورين هي أن أحكام الإسلام، سواء على صعيد العبادات أو على مستوى المعاملات والسياسات، تكتسب هويتها ضمن سياق وصول البشر إلى العدالة الإنسانية والكمال المعنوي، وأيّ تغيير وتبديل فيها يجب أن يتم بالنظر للمنهج الذي قرّرته الشريعة. تقسيم الأحكام إلى واقعية وظاهرية، وأولية وثانوية، وما إلى ذلك، منهج اعتمدته الشريعة الإسلامية للاستجابة للاحتياجات البشرية المتحولة المتطورة. يقول العلامة الطباطبائي حول أن الأجزاء الثلاثة للشريعة الإسلامية، أي العقائد والأخلاق والأحكام، يكمّل بعضها بعضاً:
قامت الأجزاء الثلاثة للتشريع الإسلامي على أساس الفطرة الإنسانية. في المرتبة الأولى تأتي الاعتقادات الحقة والتي تشكل أصول الرؤية الكونية الإسلامية، وهي عبارة عن: التوحيد أو معرفة الله، والمعاد، والنبوة أو معرفة الأنبياء. وبعد ذلك تأتي جملة من الصفات الإنسانية باعتبارها الفضائل والرذائل الأخلاقية، وهي منسجمة مع الأصول العقيدية في الإسلام. وتأتي في المرتبة الثالثة القوانين والأحكام الإسلامية المتناغمة مع الأصول العقيدية والمباني الأخلاقية. الأحكام وهي المختصة بأعمال الإنسان، تحفظ في حقيقة الأمر الأصول العقيدية والأخلاقية الإسلامية، لأن نظام العقيدة والأخلاق والأعمال الإنسانية نظام منسجم ومتلاحم، ورصانة كل جزء تتسبب في رصانة وكمال الأجزاء الأخرى، وبالتالي فهي ذات تأثيرات متقابلة فيما بينها(73).
4- خاتمية الأحكام الإسلامية وخلودها:
الدين الإسلامي هو آخر دين سماوي، والشريعة الإسلامية خاتمة الشرائع الإلهية. من وجهة نظر الإنسان المسلم لا يوجد أي شك في أن الخاتمية من الضروريات الإسلامية. وهنا يطرح السؤال القائل: ما هو المراد بخاتمية الدين والشريعة السماوية الإسلامية؟
للإجابة عن هذا السؤال يمكن تصور عدة افتراضات:
1- أمر رسول الإسلام (ص) من قبل الله ليعلن للبشرية أنها لم تعد بعد الآن بحاجة لشريعة سماوية، لا لشريعة الإسلام ولا لأيّ شريعة سماوية أُخرى.
2- أمر رسول الإسلام (ص) ليعلن للبشرية أن شريعة الإسلام هي آخر شريعة إلهية، وأنها شريعة باقية إلى يوم القيامة، وينبغي اتخاذ تعاليمها وأحكامها أساساً في كل المجالات واعتبارها ميثاقاً للحياة الإنسانية.
3- نفس الافتراض الثاني مع فارق أن الباقي والخالد من هذه الشريعة هو مقاصدها الأصلية والعامة (التوحيد والعدالة والمعنوية) ولا أهمية لشكل أحكامها وقوالبها.
لا مراء في أن الافتراض الأول خاطئ، لأن الرسول الأكرم (ص) جاء للبشر بشريعة جديدة وطالبهم باتباع هذه الشريعة. إذن، فهو لم يعلن للناس بأنهم في غنى عن الشريعة، بل أكد على حاجتهم لشريعة الإسلام.
والافتراض الثاني هو الذي يجمع عليه المتكلمون والفقهاء وكل المفكرين الإسلاميين من كافة المذاهب، وهو افتراض غير منسجم مع نظرية الدكتور شبستري.
والافتراض الثالث الذي يتبنّاه شبستري افتراض لا دليل لصالحه، بل وترفضه الأدلة العقلانية والوحيانية. تستدعي هذه النظرية أن الخاتم والخالد من شريعة الإسلام هو رسالة التوحيد والعدالة والمعنوية، بيد أن هذه القضايا الكلية العامة لاتختص بشريعة الإسلام، بل هي من مطامح وأهداف كل الشرائع الإلهية. إذا اعتبرنا هذه الأمور ملاكاً للخاتمية لكانت أول شريعة سماوية هي التي نادت ـ في الحقيقة ـ بالخاتمية. الضرورة الأخرى الدالة على عدم صواب هذا الافتراض هي أن تطرح الشريعة الإسلامية، من جهة، منظومة شاملة جامعة من الأحكام العبادية وغير العبادية، وتعتبر هذه المنظومة، من جهة أخرى، موقتة وقصيرة الأمد! مثل هذا الشيء من وجهة نظر العقل عملية عبثية وغير حكیمة ولا تنسجم مع الحكمة الإلهية البالغة.
فضلاً عن ذلك، يجب النظر في الضرورة التي جعلت الإسلام يطرح منظومة تعاليم خاصة بعنوان الشريعة الإسلامية لتنظيم الحياة العبادية وغير العبادية للبشرية. إذا كان السبب في ذلك قصور العلم والعقل البشريين فإنه سبب باق لحد الآن؛ فرغم ما اكتسبه عقل الإنسانية وعلومها من تطور لكنها لم تبلغ قمة الكمال ليقال إن الإنسان الجديد لم يعد في حياته بحاجة لتعالم الشريعة السماوية.
***
الفصل السادس
الترجمة الثقافية للنص
الترجمة الثقافية للنص من البحوث المهمة في كتابات الشيخ شبستري حول فهم وتفسير المعارف والنصوص الدينية. خلاصة ما يقوله في مواضع ومناسبات متنوعة حول هذا الموضوع، هو(74):
1- على المفسر أن يفسر النص في ضوء أفقه التفسيري. ولأجل ذلك ينبغي عليه أولاً اكتشاف المعنى المركزي والرسالة الأساسية للنص، وعندئذٍ يعمد إلى الترجمة الثقافية في ظل متطلبات الزمان والمكان وبالنظر لأسئلة عصره. الشيء الذي يبقى ثابتاً هنا هو المعنى المركزي والرسالة الأصلية للنص، والذي يتحول ويتغير هو القالب والبنية الظاهرية للنص.
وعليه فالتفسير يتم بتجاوز شكل النص وقالبه واكتشاف معناه المركزي ورسالته الأصلية وصبّ هذا المعنى المركزي في قالب جديد يتناسب مع مقتضيات المفسر وخصوصياته الثقافية. وإذا فسر المفسر النص بدون النظر للمعنى المركزي والرسالة الأصلية للنص وبمجرد النظر لمتطلباته وظروفه الثقافية هو (المفسر) يكون قد فرض قبلياته على النص ولن يصل لمعنى النص. وإذا أعاد التعبير عن المعنى المركزي للنص ورسالته الأساسية ضمن القوالب والبنى الثقافية والتاريخية للمؤلف ودون أخذ مقتضياته وظروفه الثقافية بنظر الاعتبار، فسوف ينجرف إلى النظرة الشكلية وسيبقى تفسيره عقيماً غير ناهض. إذن، التفسير الصحيح والمجدي هو الذي يراعى فيه شيئان:
أ- المعنى المركزي والرسالة الأصلية للنص.
ب- الترجمة الثقافية للمعنى المركزي والرسالة الأصلية للنص.
وتحصل الترجمة الثقافية للنص عندما يعرض المفسر أسئلة عصره على النص ويصبّ المعنى المركزي والرسالة الأصلية للنص في قوالب وبنى تجيب عن تلك الأسئلة، أي إن المعنى المركزي للنص يجب أن يصاغ بما يتناسب والقوالب والبنى الثقافية الجديدة.
2- تشمل القاعدة الهرمنوطيقية المذكورة النصوص الدينية والوحيانية أيضاً. فهذه النصوص أيضاً (الكتاب والسنة) تحتاج إلى ترجمة ثقافية، وعلى المفسر قبل كل شيء اكتشاف معناها المركزي ورسالتها الأصلية، ثم يعمد إلى تفسيرها بما يتناسب وأفقه التاريخي ومتطلبات عصره (الترجمة الثقافية). ولأجل النهوض بهذه العملية ينبغي للمفسر أن يكون مطلعاً على الظروف الثقافية والاجتماعية لعصر تكوّن النص الديني (الكتاب والسنة)، وعليه كذلك معرفة الظروف الثقافية والاجتماعية لعصره. إذا تسلّح المفسر بهذين السنخين مع المعرفة والاطلاع سيكون بمنأى عن خطر فرض رأيه على النص الديني (التفسير بالرأي) وكذلك وعن خطر النظرة الشكلية السطحية وعدم الكفاءة والجدوى في عملية التفسير، وإذا لم يتوفر على هذين النمطين من المعرفة أو إذا لم يعمل على مراعاتهما وأخذهما بنظر الاعتبار فسيكون عرضة لأحد ذلكم الانحرافين.
3- يشمل المبدأ المذكور كل القضايا والعبارات والأحكام الدينية، ولا يوجد فرق في هذا المجال بين القضايا والأحكام الدينية العبادية والاقتصادية والجزائية والسياسية. كل القضايا الدينية من سنخ القضايا الخارجية وليست من نوع القضايا الحقيقية فوق التاريخية (فوق الزمان والمكان).
طبعاً هذه الرؤية بخلاف القراءة الرسمية للدين، والتي تعتبر الأحكام الإسلامية من نوع القضايا الحقيقية. على أساس هذه الرؤية تتعلق الأحكام الدينية بذات الموضوعات وماهيتها، وبالتالي ففي أيّ زمان ومكان تتحقق تلك الذات والماهية، تترتب عليها الأحكام الإسلامية. ولكن متى ما كانت الأحكام الإسلامية من نوع القضايا الخارجية فهي تتعلق بموضوعاتها بالنظر للظروف الخاصة لعصر الرسول الأکرم (ص)، وعليه لن تشمل الموضوعات الخاصة بعصر آخر تختلف ظروفه عن ظروف عصر الرسول الأكرم (ص). ما يمكن أن يكون فوق التاريخي من الأحكام الإسلامية هو أهداف تلك الأحكام وغاياتها والمتمثلة بالتوحيد وعبادة الله الواحد الأحد، فالتوحيد هو الغاية النهائية للمعارف والأحكام الإسلامية.
4- ما عدا مبدأ التوحيد الذي يعتبر الغاية الكلية والنهائية للأحكام الإسلامية، يمكن افتراض غاية معينة لكل واحد من الأحكام العبادية والمعاملاتية والسياسية الإسلامية، ودراسة ثباتها و تحولها في ضوء تلك الغاية الخاصة. الغاية الخاصة من العبادات الإسلامية عبارة عن تهذيب الذات وتزكية النفس. متى ما تحققت هذه الغاية في الأفراد أو الظروف المختلفة بصور متنوعة، يمكن أو يجب تقرير قوالب وأشكال خاصة للعبادة، وقد انتهج العرفاء مثل هذا النهج. الغاية في باب المعاملات والسياسات هي العدالة الاجتماعية. تحقیق هذا الهدف في عصر الرسول الأكرم (ص) كان بالأساليب التي تتناسب مع ظروف ذلك الزمان، والأحكام الإسلامية في هذا الحيّز تختص هي الأخرى بتلك الظروف (قضايا خارجية)، وتحقيق ذلك الهدف في العصر الحديث (في المجتمعات الصناعية ونصف الصناعية) غير متاح بنفس تلك الأساليب، وبالتالي فهو غير متاح عن طريق الأحكام الإسلامية. وعليه، ينبغي تحقيق رسالة العدالة الإسلامية في قوالب ومناهج عصرية تعتبر مصاديق ومظاهر للعدالة في هذا العصر، بمعنى أن تفسّر وتترجم ترجمة ثقافية.
5- يطرح شبستري في هذه الدائرة رأياً آخر هو أنه بالمقدور في الوقت الحاضر وفي باب فقه العبادات والمعاملات الاستجابة لاحتياجات وأسئلة العصر الحديث بنفس البنية القديمة، ولا حاجة لتطوير البنية وتحويلها، لأن المجتهدون المسلمون في هذين المضمارين استطاعوا باستخدام منهج الاجتهاد التقليدي الإجابة عن المسائل المستحدثة والاستجابة لمتطلبات العصر الحديث. لقد استطاع الفقه الإسلامي في هذين المضمارين وبمراعاة متطلبات الزمان والمكان في الاجتهاد، الاستجابة لاحتياجات البشر في العصر الراهن الجديد، لكنه على مستوى السياسة فقد أرضيته العقلانية تماماً، فالموضوعات والمسائل السياسية في العصر الحديث تختلف اختلافاً كبيراً عن الموضوعات والمسائل السياسية في عصر الرسول الأكرم (ص)، وباستثناء الرسالة الكلية للهدایة الاجتماعية والكرامة الإنسانية المبثوثة في الأحكام الإسلامية الخاصة بالمضمار السياسي (الأحكام الجزائية وقوانين الحكم) لا يمكن اتخاذ أشكال وقوالب الأحكام السياسية الإسلامية نموذجاً يحتذى للخطط والبرامج السياسية في العصر الحديث.
1- ما هو المعنى المركزي للنص؟
القبلية التي ترتكز عليها الترجمة الثقافية للنص هي أن للنص معنى مركزياً أو نواة معنائية ثابتة، وقالب المعنى هو المتحول. المعنى المركزي للنص ـ كما يظهر من عبارات الدكتور شبستري ـ معنى كلي عام جداً، وبسبب هذا الطابع الكلي العام فهو فوق التاريخ وغير قابل للتحول والتطور. على سبيل المثال، في حيّز العلوم الطبيعية هناك مبدأ كلي ثابت فحواه أن للأحداث الطبيعية أسبابها وعللها الطبيعية، وما يطرأ عليه التحوّل والتغيير هو نظريات العلماء الطبيعيين بشأن اكتشاف الأسباب والعوامل الطبيعية التي تقف وراء الأحداث الطبيعية. الأمن والعدالة والكرامة الإنسانية أصول ثابتة في حيّز البحوث الاجتماعية والسياسية، وقد جرى تفسيرها بضروب مختلفة في الظروف التاريخية والاجتماعية المتنوعة، وطرحت العديد من الأساليب والمناهج لتحقيقها.
لا شك في وجود معنى مركزي للنص على النحو المذكور، بيد أن مثل هذا المعنى كلي وعام للغاية ويعدّ ضمن أكثر مبادئ التفسير وأصوله كلية وعموماً، والحال أنه عندما يجري الحديث في تفسير النص عن قصد المؤلف وغايته فليس المراد مثل هذه المبادئ والمقاصد الكلية، إنما المراد المعاني والمقاصد الأضيق والأخص التي توصل لها المؤلف في ضوء تلك المبادئ والأصول الكلية، وطرحها بوصفها تصوراته الفلسفية أو العلمية أو الكلامية. وعليه، فالذين يعتبرون معنى النص منوطاً بقصد المؤلف لايقصدون بذلك المبادئ والمقاصد الفلسفية أو الأخلاقية الكلية وما إلى ذلك، إنما يقصدون نظرية فلسفية أو علمية أو كلامية أو ما شاکل عرضها مؤلف النص بشأن موضوع محدّد ومعين. في مثل هذه الحالة لا يكفي التسليم بالمقاصد والمعاني الكلية من أجل التحرّر من فرض الرأي على معنى النص، إنما ينبغي أخذ المعنى الخاص الذي يقصده المؤلف بنظر الاعتبار، وتفسير النص في ضوئه.
2- درجة تأثير الظروف الثقافية والاجتماعية للمؤلف على محتوى النص:
الظروف الثقافية والاجتماعية التي تسود عصر المؤلف لها تأثيرها على تصوراته وآرائه، على أن هذا التأثير لم يكن دوماً على النحو الذي يترك بصماته على محتوى نظرياته حتى يتغيّر محتوى نظرياته بتغيّر تلك الظروف، إذ يمكن افتراض أن الظروف الثقافية والاجتماعية لعصر المؤلف كان لها تأثيرها في تركيز ذهنيّته على قضية بعينها ليس إلّا، أما الجواب أو المعالجة التي ينحتها المؤلف لتلك القضية فقد تكون فوق التاريخية. صحّة هذا الافتراض منوطة أولاً بأن تكون القضية موضع النقاش قضية فوق تاريخية، وثانياً أن تكون النظرية التي طرحها المؤلف ممكنة البحث والمناقشة في أزمنة وأمكنة متعددة ولها أنصارها. من باب المثال كل واحدة من نظريات الجبر والتفويض، والكسب، والأمر بين أمرين، طرحت في ظروف خاصة، ولا مراء في أن الظروف الثقافية والاجتماعية كانت مؤثرة في طرحها، ولكن حيث أن مسألة الجبر والاختيار مسألة فوق تاريخية، فلن تختص النظريات المذكورة بعصور ظهورها وستبقى قابلة للمناقشة والبحث والدراسة في أزمنة وأمكنة مختلفة. نظريات إفلاطون وأرسطو وهوبز وجون لوك حول أنظمة الحكم طرحت في ظروف سياسية واجتماعية معينة، وقد كان لتلك الظروف تأثيراتها في هذه النظريات، ولكن لا يمكن القول إن هذه النظريات غير ممكنة الطرح والمناقشة في ظروف زمانية ومكانية أخرى. فقد يظهر في العصر الحديث مفكرون يختارون نظرية إفلاطون السياسية ويرجّحونها على غيرها من النظريات السياسية.
النظرية العينية في الهرمنوطيقا طرحت في ظروف تاريخية خاصة، كما أن النظرية النسبية والتاريخانية طرحت في ظروف أخرى، وكلا النظريتين مطروحة في عصرنا هذا ولها أنصارها. المنحيان الإخباري والاجتهادي انطلقا في ظروف تاريخية معينة، ولكن لا يزالان موضع نقاش وحوار، ولكل منهما أنصاره وأتباعه.
إذن، لو كانت الترجمة الثقافية للنص منوطة باختلاف أسئلة عصر المفسر عن أسئلة عصر المؤلف، ففي الحالات التي تبقى فيها أسئلة عصر المؤلف مطروحةً في عصر المفسر، ومن جهة أخرى تبقى نظرية المؤلف منيعة قويمة ولها أنصارها في عصر المفسر، لن يكون لترجمة النص الثقافية من مبرّر، حتى لو اختلفت الظروف الثقافية والاجتماعية للمفسر عن الظروف الثقافية والاجتماعية لعصر المؤلف.
ثمة هنا افتراض آخر هو ظهور موضوعات ومسائل جديدة بالإضافة إلى موضوعات ومسائل عصر المؤلف القديمة. في مثل هذه الحالة فإن استخراج إجابات ومعالجات للموضوعات والمسائل الجديدة من النص القديم بحاجة إلى تفكير واجتهاد نظري، ويجب على المفسر فضلاً عن استنباطه لنظرية المؤلف حول الموضوعات والمسائل القديمة في عصره، اكتشاف نظرياته حول الموضوعات والمسائل الجديدة. والآن، إمّا أن يکون استنباط إجابات ومعالجات للمسائل الجديدة من نظريات المؤلف القديمة ممكناً أو لا يكون؟
لقد اعتُمد هذا المنهج دوماً بين بعض المفكرين، ويعتبر من أهداف الاجتهاد في الفقه الإسلامي. للاجتهاد في الفقه الإسلامي رسالتان أساسيتان: إحداهما استنباط الأحكام الإسلامية الخاصة بموضوعات كانت موجودة في عصر نزول الوحي وصدوره من الكتاب والسنة، والاستفادة من المباني العقلية للاستنباط؛ والرسالة الثانية هي استنباط أحكام الموضوعات الجديدة بالاعتماد على مصادر الأحكام الإسلامية.
3- كيفية تأثير الظروف الاجتماعية والثقافية على النصوص الوحيانية:
ما قيل يتعلق بالترجمة الثقافية للنصوص سواء كانت وحيانية أو غير وحيانية، بيد أن القضية فيما يرتبط بالنصوص الوحيانية تنطوي على دقة مميزة، لأن النصوص الوحيانية هي تبلور العلم الإلهي الواسع الشامل، والظروف المكانية والزمانية مع أن لها دورها في نزول المعارف والأحكام الوحيانية وصدورها، بيد أن دورها لا يتجاوز حدود العلل الإعدادية والظروف الممهّدة.
وتكتسب هذه الفكرة معنىً واضحاً جداً خصوصاً بالنسبة للشريعة الإسلامية المتسمة بالخلود والأبدية. مع أن الله بعث المعارف والأحكام الإسلامية في ظروف تاريخية خاصة، بيد أن الغرض من تشريعها ليس تاريخياً ولا متزمّناً. في هذه الحالة ما يتوقع من المعارف والأحكام الإسلامية هو الإجابة عن مسائل وأسئلة عصر النزول والصدور وكذلك الإجابة عن مسائل وأسئلة العصور اللاحقة، إلّا إذا انتفى موضوع أحد الأحكام انتفاءً كاملاً. في مثل هذه الحالة لن يكون للحكم قيود زمنية إنما سيكون موضوعه غائباً وغير موجود خارجياً.
معنى هذا الكلام أنه متى ما تحقق الموضوع ترتّب الحكم الشرعي عليه. إذن، فالأحكام الشرعية هي من سنخ القضايا الحقيقية وليست من صنف القضايا الخارجية. موضوع الحكم في القضية الحقيقية هو ذات الشيء وماهيته، وليس وجوده الخارجي. موضوع حرمة شرب الخمر هو ذات شرب الخمر وماهيته، وليس وجوده الخارجي، بمعنى أن الشارع المقدس حرّم ذات شرب الخمر وماهيته إلى الأبد.
على هذا الأساس، كما أن الغرض والقصد من الأحكام الإسلامية شامل ودائم، كذلك الحال بالنسبة لشكل الأحكام الإسلامية وصورها. طبعاً جرت صياغة نظام التشريع الإسلامي بحيث تكون له القدرة على الاستجابة لاحتياجات البشر في الظروف المكانية والزمانية المختلفة إلى جانب ثبات أحكامه وعدم تغيّرها. لا يوجد أيّ موضوع جديد في مضمار الأفعال الفردية أو الاجتماعية للبشر لا يمكن استنباط حكمه من المصادر الإسلامية. ولا توجد ظروف زمانية ومكانية يعجز الاجتهاد الإسلامي عن تبيين أحكامها الشرعية. مع أنّ الدكتور شبستري طرح في جانب من مقاله فكرة تستلزم قابلية التحول في قوالب وأشكال الأحكام الشرعية في حیّز العبادات والمعاملات والسياسات، لكنه يسلم في جانب آخر من مقاله بأن الترجمة الثقافية في مجال العبادات والمعاملات الإسلامية لا ضرورة لها في العصر الحديث، والفقه الإسلامي باستخدامه لمنهجه الخاص يجيب عن الأسئلة الجديدة في المجالات المذكورة.
وعلى حد تعبيره فإن الفقه الإسلامي حافظ على نفسه في ميدان العبادات و المعاملات العقلائیة، و لم یفقد أرضیته العقلائیة إلا فی القضایا السیاسیة، و فی هذا المیدان وحده تبدو الترجمة الثقافية عملية جيدة، أي ينبغي في القضايا السياسية الحفاظ على المقاصد الكلية للشريعة وصبّها في هذه القوالب السياسية العصرية الجديدة.
معنى هذا الكلام أن الأحكام السياسية الإسلامية لا مكان لها في العصر الحديث، وينبغي استبعادها وإحلال الأحكام البشرية المعاصرة محلها. وسوف نتناول هذه النظرية في فصل خاص.
كما سندرس في القسم الثاني من هذا البحث قضية أن الترجمة الثقافية في خصوص النصوص البشرية ليست بالفكرة العامة المستوعبة، وهي غير مقبولة بالمرة في خصوص النصوص الوحيانية، وخصوصاً الشريعة الإسلامية، لأن القبلية المفترضة لترجمة النص ترجمة ثقافیة هي تاریخانیة محتوى النص. واعتبار هذه القبلیة لا يشمل كل النصوص البشرية، وهي غير صائبة إطلاقاً فيما يتعلق بالشريعة الإسلامية وأحكامها الأبدية.
الشيء الضروري هنا هو استخدام منهج الاجتهاد واستنباط أحكام الموضوعات والمسائل الجديدة، وهذه الفكرة غير فكرة الترجمة الثقافية.


* هوامش البحث *

1 ـ راجع: مرتضى مطهري؛ أصول الفلسفة والمذهب الواقعي، ج1، ص96-98/ م س، قضية المعرفة، ص 175- 186.
2- راجع: علي رباني گلپايگاني؛ الهرمنوطيقا ومنطق فهم الدين، ص 45 - 48، وص 127 - 148.
3 - كتاب «الهرمنوطيقا ومنطق فهم الدين» من سلسلة بحوث مؤلف هذا الكتاب حول الهرمنوطيقا، وقد صدر عن مركز إدارة الحوزة العلمية في قم. والكتاب الحالي جزء آخر من نفس هذه المجموعة، والجزء الثالث سيصدر في المستقبل إن شاءالله تحت عنوان «من الهرمنوطيقاً الكلاسيكية إلى الهرمنوطيقا الكلاسيكية المحدثة».
4 - أهم أعمال محمد مجتهد شبستري فيما يرتبط بالبحث الراهن هي: «الهرمنوطيقا والكتاب والسنة»، و«نقد القراءة الرسمية للدين»، و« تأملات في القراءة الإنسانية للدين»، وقد صدرت هذه الكتب الثلاثة عن دار «طرح نو» في إيران.
5 - محمد مجتهد شبستري، الهرمنوطيقا والكتاب والسنة، ص13.
6 - م س، ص15.
7 - محمد مجتهد شبستري، الهرمنوطيقا والكتاب والسنة، ص 15ـ 16.
8 - أطلقت على العلوم الإنسانية تسميات أخرى مثل العلوم الاجتماعية، والعلوم التاريخية، وعلوم الروح، وعلوم الثقافة.
9 - ما يسمّى اليوم علوماً إنسانية تكوّن طوال الحقب التاريخية الممتدة بين أرسطو ودلتاي. قطع أرسطو الخطوات الأولى نحو تدوين منطق العلوم الإنسانية وتعيين أهدافها وغاياتها، وفي القرن الثامن عشر قدم فيكو وهيوم وفولتير ومونتسكيو إضافاتهم إلى هذه المفاهيم. وفي القرن التاسع عشر صاغ أغوست كونت، وجون ستيوارث ميل وأخيراً دلتاي الشكل التاريخي لهذه العلوم. (راجع: ويلهلم دلتاي، مقدمة في العلوم الإنسانية، مقدمة المترجم، ص 13ـ 26).
10- راجع في هذا الخصوص: إيان باربور، العلم والدين، ترجمة بهاء الدين خرمشاهي، الفصل السابع «من العلوم الطبيعية إلى العلوم الإنسانية»، ص 211ـ214. يقدم المؤلف بحثاً من 32 صفحة حول الفارق بين العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية.
11- Explanation
12 - Interpretation
13 - ويلهلم دلتاي، مقدمة في العلوم الإنسانية، الكتابان الثالث والرابع/ ريتشارد پالمر، علم الهرمنوطيقا، ترجمة محمد سعيد حنائي كاشاني، ص 115ـ 117.
14 - م س، ص 113 ـ 114.
15 - يصرح دلتاي في الفصل الثاني من الكتاب الأول بهذا الموضوع، ويخوض في ص 13 بشكل مستقل في هيكلية العلوم الإنسانية.
16 - عموماً كان للبحوث ذات الصلة بماهية العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية والعلاقات فيما بينها معنى ومدلول واسع في اللغة الألمانية، لكنهم اعترفوا رسمياً بوجود هوّة سحيقة بين العلوم التي تتناول الحياة الفكرية والمعرفية والمعنوية (Gelist) والعلوم التي تدرس العالم الطبيعي. يعترف ماكس فيبر في كتاب «الاقتصاد والمجتمع» بأن علم الاجتماع علم يحاول عرض فهم تفسيري لمعنى الفعل الاجتماعي وآثاره. (راجع: برايان. أس.ترنر، فيبر والإسلام، المقدمة، ص 21).
17 - عالم اجتماع ألماني شهير في القرن العشرين للميلاد.
18 - جولين فروند، علم الاجتماع عند ماكس فيبر، ترجمة عبد الحسين آذرنگ، ص43 - 49.
19 - پراودفوت، التجربة الدينية، ترجمة عباس يزداني، البحث الثاني حول التفسير، ص 68ـ 107.
20 - م س، ص 74ـ 75.
21ـ حول الدلالة التصورية والتصديقية للكلام على الإرادة الاستعمالية والإرادة الجدية، راجع كتب علم أصول الفقه، بما في ذلك كتاب «دروس في علم الأصول»، ج1، ص87 ـ 90.
22 - ورد هذا التبيين في مباحث الألفاظ من علم الأصول، وله طابع الهرمنوطيقا الكلاسيكية أكثر من التبيين الهرمنوطيقي الفلسفي (يرجى التدقيق).
23 - أنطوني كورباي، إلى الهرمنوطيقا، ضمن مجموعة الهرمنوطيقا الحديثة، ص 10 ـ 11.
24 - محمد مجتهد شبستري، الهرمنوطيقا والكتاب والسنة، ص13.
25 - م س، ص16.
26 - بدرالدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج2، ص149.
27 - إشارة إلى الآية الكريمة :«ما جعل الله من بحيرة ولا سائبة ولا وصيلة ولاحام...» (المائدة، 13).
28 - البقرة، 43.
29 - يعتبر الكلام في هذا الافتراض مجملاً، وتسمّى القرينة التي تبين معناه «المبيّن».
30 - في مثل هذه الحالة يكون الكلام مأوّلاً.
31 - الشهيد السيد محمد باقر الحكيم، علوم القرآن، ص 218.
32 - طرح هذه النظرية المرحوم آية الله الشهيد محمد باقر الصدر.(راجع: دروس في علم الأصول، ج1، ص 218 ـ 219).
33 - لأن التفسير مشتق من جذر فسر بمعنى إظهار المعنى المعقول. من هنا يسمّى الإدرار الذي يخضع للاختبار لتشخيص مرض صاحبه «تفسرة». كلمة «تفسرة» مبالغة لكلمة «تفسير». (الراغب الإصفهاني، المفردات في غريب القرآن، ص 380).
34 - البقرة، 163.
35 - الوحدة الحقة وحدة لا سبيل لأي لون من ألوان الكثيرة إليها، لا الكثرة الداخلية ولا الكثرة الخارجية. الفرد الواحد من الماهية النوعية مصداق للوحدة العددية، من قبيل الفرد الإنساني. مفهوم الإنسان مصداق للوحدة النوعية، فالإنسان نوع من الأنواع الحيوانية. مفهوم الحيوان مصداق لوحدة الجنس، فالحيوان جنس له أنواع مختلفة.
36 - محمد مجتهد شبستري، الهرمنوطيقا والكتاب والسنة، ص 17 - 18 (بتلخيص).
37 - م س، ص 22 - 23.
38 - بين اللفظ والمعنى علاقة غير طبيعية لكنها لكثرة تداولها صارت راسخة، حتى أن تعقل المعاني قلما ينفك عن تخيل الألفاظ، بل يكاد الإنسان في فكره يناجي ذهنه بألفاظ متخيلة (قطب الدين الرازي، حواشي شرح الإشارات، ج 1، ص 21).
39 - لمزيد من الإطلاع حول هذا راجع كتاب: الهرمنوطيقا ومنطق فهم الدين، القسم الرابع، الفصل الخامس، لكاتب السطور.
40 - محمد مجتهد شبستري، الهرمنوطيقا والكتاب والسنة، ص 23 - 25 (بتلخيص).
41 - الشيخ الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج18، ص 143.
42- بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج2، ص164/ جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج4، ص216.
43 - محمد، 19.
44 - البقرة، 43.
45 - بدر الدين الزركشي، البرهان في علوم القرآن، ج2، ص 164 - 166.
46 - محمد مجتهد شبستري، الهرمنوطيقا والكتاب والسنة، ص 101.
47 - «فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين...» (التوبة، 123).
48 - «وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهواه» (الحشر، 7)/ «لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة...» (الأحزاب، 21).
49 - النحل، 44.
50 - إشارة إلى حديث الثقلين، وهو من الأحاديث الإسلامية المتواترة، راجع: السيد علي الحسيني الميلاني، نفحات الأزهار في خلاصة عقبات الأنوار، والذي خصص مؤلفه عدة مجلدات منه لدراسة سند ودلالة حديث الثقلين وتواتره عن 31 صحابياً.
51 - محمد مجتهد شبستري، الهرمنوطيقا والكتاب والسنة، ص 25 - 28 (بقليل من التصرف في العبارة).
52 - جلال الدين محمد البلخي الرومي المولوي، مثنوي مولوي، الكتاب الثالث، البيت 1/209.
53 - إبراهيم، 4.
54 - يوسف، 2.
55 - محمد بن يعقوب الكليني، أصول الكافي، ج1، كتاب العقل والجهل، الحديث رقم 15.
56 - محمد بن مسعود العياشي، تفسير العياشي، ج 1، ص 11 - 12/ الملامحسن الفيض الكاشاني، تفسير الصافي، ج1، ص 66 - 67. أورد العلامة الطباطبائي (رحمه الله) في تفسيره (الميزان) بحثاً مفصلاً في عدة فصول حول باطن الآيات القرآنية، وهو بحث عظيم الفائدة والمنفعة. (راجع: العلامة الطباطبائي، الميزان، ج3، في تفسير الآيات 7 - 9 من سورة آل عمران، ص 51 - 78).
57 - طبعاً يمكن في هذا المضمار العثور على حالات استثنائية تكون فيها شخصية منتج النص البشري بمعزل عن التأثر بالعوامل والظروف التاريخية، بيد أن الغالب هو ما ذكر.
58 - البقرة، 158.
59 - الفضل بن الحسن الطبرسي، مجمع البيان، ج 1، ص240.
60 - المائدة، 93.
61 - العلامة الطباطبائي، الميزان، ج6، في تفسير الآية 93 من سورة المائدة، ص 125-127.
62 - محمد مجتهد شبستري، الهرمنوطيقا والكتاب والسنة، ص28-29.
63 - الإسراء، 9.
64 - فصلت، 33.
65 - محمد مجتهد شبستري، تأملات في القراءة الإنسانية للدين، ص 89-90، بحث «ما هي طبيعة القراءة الإنسانية للدين؟».
66 - م س، ص 56-57، بحث «ثلاث قراءات للتراث الديني في عصر الحداثة».
67 - م س، ص 196، بحث «الفتاوى الدينية وغياب الاقتناع العقلاني».
68 - م س، ص 74، بحث «ما هي طبيعة القراءة الإنسانية للدين؟».
69 - م س، ص 177، بحث «الديمقراطية والإسلام».
70 - م س، ص 166-167، البحث نفسه.
71 - محمد مجتهد شبستري، تأملات في القراءاة الإنسانية للدين، ص 166-167.
72 - المائدة، 8.
73 - راجع: العلامة الطباطبائي، القرآن في الإسلام، ص 13-17. الجزء الأول: قيمة القرآن الكريم بين المسلمين، الفقرة «أ» تحت عنوان: القرآن الكريم يشتمل على كليات برامج الحياة الإنسانية.
74 - راجع: محمد مجتهد شبستري، الهرمنوطيقا والكتاب والسنة، ص 29 - 30و88/ م س، نقد القراءة الرسمية للدين، ص 167 - 170و 374 - 375/ م س، تأملات في القراءة الإنسانية للدين، ص73 - 74و 89 - 90و 167.