البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

رؤيتان في تاريخ جمع القرآن

الباحث :  السيد علي الشهرستاني
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  2
السنة :  السنة الاولى - ذو الحجة 1435هـ / 2014م
تاريخ إضافة البحث :  April / 10 / 2017
عدد زيارات البحث :  825
تحميل  ( 838.179 KB )
رؤيتان في تاريخ جمع القرآن:
إحداهما: تبنّتها مدرسة الخلافة ـ وهي المشهورة على الألسن ـ، والأُخرى: تبنّتها مدرسة الإمامة.
وأُصول المدرستَين تختلف كلُّ واحدةٍ عن الأُخرى..
فالأُولى: تُبتنى على مقدّماتٍ قد توصلنا إلى التشكيك بحُجّية القرآن الكريم وإلى المساس بقدسيّة النبيّ (ص).
والثانية: فيها جواب تلك الإشكالات المتعدّدة الّتي أثارتها مدرسة الخلافة في مسألة جمع القرآن وغيرها والخروج برؤية موضوعية في هذا الأمر.
وبعبارةٍ أوضح: إنّ كلام أئمّة أهل البيت (ع) وعلماء مدرستهم جاء ناظراً إلى الاتجاه الخاطئ والفكر السائد آنذاك بين المسلمين، ساعياً إلى تصحيحه وتقويمه نحو الطريق الصحيح.
مع التنبيه على أنّ فكرة مدرسة الخلافة في جمع القرآن ليست وليدة ساعتها، وإنّما تمخّضت عن علل وأسبابٍ خاصّة مرّ بها الخلفاء، وأنّ تلك العلل والأسباب السياسيّة والاجتماعيّة هي الّتي دعتهم لتبنّي هذه الفكرة والقول بها، نطويها في عشر مقدّمات:

مدرسة الخلافة ومقدّماتها العشر في جمع القرآن
والرؤية التصحيحية من قبل مدرسة أهل البيت لها

◘ المقدّمة الأُولى:
قالوا: إنّ النبيّ (ص) أُمّيّ؛ بمعنى أنّه لا يعرف القراءَة والكتابة، جاعلين جهله بالكتابة معجزةً له ولكتابه، معتبرين مَن لم يوافقهم في ذلك كافراً أو فاسقاً أو خارجاً عن الدين! وهذا الرأي لا يوافق مدرسة أهل البيت (ع).

* الرؤية التصحيحية :
النبيّ (ص) يعرف القراءة والكتابة، لكنّه لا يكتب:
إنّ المشهور على الألسن أنّ الأُمّيّ هو وصفٌ لكلّ مَن يولَد من أُمِّه وهو لايعرف القراءَة والكتابة.
لكنّ هذا التفسير تفسير بدائي وفطري، لا يمكن تطبيقه على رسول الله (ص)، ذلك الإنسان المعلَّم من قِبل الله تعالى والجامع لجميع الخصال والفضائل، إذ أنّ الله سبحانه وتعالى أكّد بأنّه علّم نبيَّه ما لم يكن يعلم؛ في قوله تعالى: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾ (1)، وقوله تعالى: ﴿وَأَنزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ﴾ (2)، وأمثال ذلك من الموارد الكثيرة في القرآن الكريم، تؤكّد بأجمعها على أنّ الله علّم رسوله (ص) كلّ العلم وعلّمه ما لم يكن يعلم.
فإنّ الله تعالى حينما جعله نبيّاً وحَكَما بين الخلق، وألزم الناس بالرجوع إليه فيما اختلفوا فيه، كان من بالغ لطفه وحكمته أن يعلّمه الحُكم في ذلك (3).
ومن المعلوم أنّ البتّ في الدّعاوى والأحكام ـ في الظاهر ـ يتوقّف على الشهود وما بأيديهم من وثائق مكتوبة ومسموعة، ولو لم يكن النبيُّ يعرف القراءة والكتابة لكان محتاجاً في فهم الدعاوى إلى الآخرين.
ولو جاز أن يكون النبيّ (ص) محتاجاً لبعض رعيّته في بعض الأُمُور، لكان المحتاجُ إليه حجّةً على النبيّ، ضرورة أنّ من يعلم حجّةً على مَن لا يعلم.
إذن، فعدم قراءته وكتابته في قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُوا مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلا تَخُطَّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لاَرْتَابَ الْـمُبْطِلُونَ﴾ (4)، لا يعني عدم معرفته بهما، بل إنّه لا يحتاجهما تنزّها ورفعة، لكونه المعلَّم من قبل الله تعالى، ﴿يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ (5) فمن تعهّد الجليلُ بتعليمه وتهذيبه غنيٌّ عن الدراسة عند غيره، بل هو عالمٌ بما لم يكن يعلم، فضلاً من عند الله تعالى. قال سبحانه: ﴿وَأَنْزَلَ اللهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُن تَعْلَمُ﴾ (6).
عن إبراهيم بن عمر، قال: قلت لأبي عبد الله الصادق (ع): أخبرني عن العلم الّذي تعلمونه، أهو شيءٌ تعلمونه من أفواه الرجال بعضكم من بعض، أو شيءٌ مكتوب عندكم من رسول (ص)؟
قال: فقال: «الأمرُ أعظم من ذلك، أما سمعتَ قول الله عزّ وجلّ في كتابه: ﴿وَكَذلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الإِيمَانُ﴾؟».
قال: قلت: بلى.
قال: «فلمّا أعطاه الله تلك الروح علِم بها، وكذلك هي إذا انتهت إلى عبدٍ عَلِمَ بها العلمَ والفَهْمَ» (7).
وعن محمّد بن الفضيل، عن أبي حمزة قال: سمعت أبا جعفر الباقر (ع) يقول: «لا والله لا يكون عالمٌ ـ يعني العالم الّذي افترض الله طاعته ـ جاهلاً أبداً، عالماً بشيءٍ جاهلاً بشيء». ثم قال: «الله أجلّ وأعزّ وأكرم من أن يفرض طاعة عبدٍ يحجب عنه علم سمائه وأرضه». ثم قال: «لا يحجب ذلك عنه» (8).
وعن ابن محبوب قال: حدّثنا يحيى بن عبدالله أبي الحسن صاحب الديلم، قال: سمعت جعفر بن محمّد الصادق (ع) يقول ـ وعنده أُناسٌ من أهل الكوفة ـ: «عجباً للناس! إنّهم أخذوا علمهم كلّه عن رسول الله (ص) فعملوا به واهتدوا، ويرون أنّ أهل بيته لم يأخذوا علمه، ونحن أهل بيته وذرّيته، في منازلنا نزل الوحي، ومِن عندنا خرج العلمُ إليهم، أفيرَون أنّهم علِموا واهتدوا وجهِلْنا نحن وضلَلنا؟! إنّ هذا لمحال!»(9).
فهذا هو مقام رسول الله (ص) ومقام أوصيائه البررة، وهو أسمى من معرفة القراءة والكتابة، إلّا أنّ الآخَرين يريدون أن ينتقصوا من شأنه (ص) ما وسعهم، فادَّعوا أنّه لا يعرف الكتابة والقراءة، وان كان هناك من يخالفهم في الرأي، قالوا بذلك تمهيداً لأُمورٍ كثيرة في الشريعة والعقيدة، منها عدم جمعه للقرآن، جهلاً بالكتابة (10) ـ والعياذ بالله ـ.
فتراهم يحجبون عن رسول الله (ص) معرفته بعلم كتابة السطور، وهو القائل لأحد كتّاب الخط: «أَلِقِ الدواة، وحَرِّفِ القلم، وانصب الباء، وفرِّق السين، ولا تُعَوِّر الميم، وحَسِّن (الله)، ومُدَّ (الرحمن)، وجوِّد (الرحيم)، وضع قلمك على أُذنك اليسرى فإنّه أَذكَرُ لك» (11).
في حين روي عن الشعبي عندهم انه قال: ما مات رسول الله حتى كتبه، وأسند النقاش حديث أبي كبشة السلولي انه (ص) قرأ صحيفة لعيينة بن حصن وأخبر بمعناها، وفي صحيح مسلم ما ظاهره انه كتبه مباشرة، وقد ذهب إلى ذلك جماعة منهم: أبو ذر عبد الله بن أحمد الهروي، والقاضي أبو الوليد الباجي، وغيرهما.
واشتدّ نكير كثير من علمائنا على أبي الوليد الباجي حتى كان بعضهم يسب ويطعن فيه على المنبر، وتأول أكثر العلماء ما ورد (انه كتب) على أنّ معناه أمر بالكتابة كما تقول: كتب السلطان لفلان بكذا أي أمر بالكتب (12).
... وذكر يحيى بن جعدة أنّ ناساً من المسلمين أتوا رسول الله بكتب قد كتبوا فيها بعض ما يقول اليهود(13) فلما نظر إليها ألقاها وقال: كفر بها جماعة قوم أو ضلالة قوم أن يرغبوا عما جاء به نبيهم إلى ما جا ء به غير نبيهم فنزل ﴿ أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ...﴾ (14).
كما جاء في (بصائر الدرجات) للإمامية، عن أبي حمزة الثمالي، عن الصادق (ع) في حديثٍ قال فيه: نظر رسول الله إلى ألواح موسى وقرأها، وكتابها بالعبراني (15).
ومن هذا يتضح أنّ النبيّ كان يعرف القراءة والكتابة (16)، وكان داعياً إليهما، ساعياً لمحو الجهل والأمية في أُمّته حسبما ستقف عليه في سيرته العطرة، خاصّةً وأنّ القرآن المجيد يؤكّد على عظمة الكتابة ويقسم بالقلم في قوله تعالى: ﴿ن * وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾ (17)، وقوله تعالى: ﴿إقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ﴾ (18)، وأمثالهما، فكيف يدعو الله في كتابه إلى القراءة والكتابة ورسوله لا يعرفهما؟!
إذن، فإنّ تعلُّم القراءة والكتابة ـ وهما من وسائل كسب المعرفة ـ سلاح من أراد أن يتكامل، لا الكامل من الله‏ عزّ وجلّ كالنبيّ محمّد بن عبد الله (ص)، وإنّ مقولة: «ما كُتِبَ قَرَّ وما حُفِظَ فَرَّ» لا تنطبق على رسول الله (ص)، فالرسول أعلى مرتبةً وأعظم شأناً من أن يتعلَّم الكتابة والقراءة من الآخرين.
وفي ضوء ما اسلفنا نستطيع ان نقول: إنّ كلمة الأُمّيّ في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِندَهُمْ فِي التَّورَاةِ وَالإِنْجِيلِ... فَآمِنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾(19)، جاءت مدحاً للرسول لا ذمّاً أو منقصةً له، ومعناها: أنّ الرسول رغم كونه ولد من بطن أمه ولم يتعلّم القراءة والكتابة عند أحدٍ من المخلوقين، فقد جاءهم بالمعارف الإلهيّة على أكمل وجهها، لتعلُّمه ذلك من ربّ العالمين، بل إنّ الله سبحانه أمره أن يُقرِئ أُمّته ما نزل عليه في قوله تعالى: ﴿وَيُعَلّمُهُمُ الكِتابَ﴾(20)، و﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ (21).
على أنّ مدرسة أهل البيت لا ترى ما يراه غيرهم في كلمة «الأُميّ»، فقد قال جعفر بن محمّد الصوفي:
سألتُ أبا جعفر [الجواد] محمّد بن عليّ الرضا (ع)، فقلت: يا بن رسول الله، لِمَ سُمّي النبيّ (ص) (الأُمّيّ)؟
فقال: «ما تقول الناس؟».
قلت: يزعمون أنّه إنّما سُمّي (الأُمِّي) لأنّه لم يحسن أن يكتب.
فقال: «كذبوا، عليهم لعنة الله، أنّى ذلك والله يقول في محكم كتابه: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾ (22)، فكيف كان يعلّمهم ما لا يُحْسِن؟! واللهِ لقد كان رسول الله (ص) يقرأ ويكتب باثنتين وسبعين ـ أو قال: بثلاثة وسبعين ـ لساناً، وإنّما سُمّي الأُمّي لأنّه كان من أهل مكّة، ومكّة من أُمّهات القُرى، وذلك قول الله عزّ وجلّ: ﴿لِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾» (23).
وعليه فإنّ الله سبحانه وتعالى علَّم نبيَّه العلوم كلَّها؛ ﴿وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى * مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى * وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْـهَوَى * إِنْ هُوَ إِلّا وَحْيٌ يُوحَى * عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾(24)، فإذَنْ قوله: ﴿وَمَا كُنْتَ تَتْلُواْ مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَارْتَابَ الْـمُبْطِلُونَ﴾ (25)، جاء لدفع ما اتّهموه (ص) به من أخذه واقتباسه من الأديان السماويّة الأُخرى. قال سبحانه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هذَا إِلّا إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَقَدْ جَاؤُوا ظُلْماً وَزُوراً * وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلاً﴾ (26)، لأنّ الاقتباس والاستنساخ من الكتب السابقة يحتاج إلى الكتابة والقراءة، وبما أنّ رسول الله (ص) لم يُعرَف عنه أنّه دخل الكُتّاب أو تعلّم القراءة والكتابة من أحدٍ في الجاهليّة، فكيف به أن يأتي بهذه العلوم الغريبة الّتي هي فوق طاقة البشر. وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَـذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ﴾(27).
فسبحانه وتعالى أراد أن يقول لهم: إنّ محمّد بن عبدالله هو ابن مكّة (أُمّ القُرى)، وأنتم أعرف بحاله وتاريخه، وأنّه لم يدخل الكُتّاب ولم يتعلّم من أُستاذ، فكيف تدّعون أخذ كتابه عن الأديان الأُخرى؟!
ومعناه: انّه لم يكن محمّد بن عبدالله(ص) يقرأ كتاباً أو يخطّه بيمينه، ولمّا لم يكن منه ذلك، لَم يبقَ ريبٌ بأنّ المنزَل عليه هو من ربّ العالمين، وليس هو تلفيقاً مأخوذاً من كتب السابقين حسبما تزعمون.
نعم، إنّه (ص) قد استعان ببعض أعدائه في كتابة الوحي لحكمةٍ، فاستمع لما قاله الصدوق (ع):
ووجه الحكمة في استكتاب النبيّ (ص) الوحيَ معاويةَ وعبدَ الله بن سعد ـ وهما عدوّان ـ، هو أنّ المشركين قالوا: إنّ محمّداً يقول هذا القرآن من تلقاء نفسه، ويأتي في كلّ حادثةٍ بآية ...
فاستعان في كتْب ما ينزل عليه في الحوادث الواقعة بعدوَّين له في دينه عَدْلَين عند أعدائه، ليُعلِمَ الكفّارَ والمشركين أنّ كلامه في ثاني الأمر كلامه في الأوّل، غير مغيَّرٍ ولا مُزالٍ عن جهته، فيكون أبلغ للحجّة عليهم، ولو استعان في ذلك بوليَّين ـ مثل سلمان وأبي ذر وأشباههما ـ لكان الأمر عند أعدائه غير واقع هذا الموقع، وكان يُتخيَّل فيه التّواطؤ والتطابق، فهذا وجه الحكمة في استكتابهما واضحٌ بيّن، والحمد لله(28).
إنّ ظاهر قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾، هو تعليم رسول الله أُمّته الكتابَ كتابةً وتفهيماً، لأنّ من الواضح أنّ (الكتاب) يُطلَق على الألفاظ والمعاني معاً، وهو مثل قول رسول الله (ص): «مَن حفظ على أُمّتي أربعين حديثاً ...» (29). وإنّ حفظ كلام رسول الله لا يختصّ بحفظه عن ظهر القلب، بل الحفظ يتحقق بالكتابة أيضاً، بل قد يمكن القول بأنّ المحافظة عليه بالكتابة هي الأجدر والأنفع، ولهذا نرى العلماء قديماً وحديثاً يؤلّفون كتب الأربعينيّات الحديثيّة ولم يكتفوا بحفظها في الصدور.
ومثل هذا الكلام يأتي في قوله تعالى: ﴿يَتْلُواْ صُحُفاً مُّطَهَّرَةً﴾ (30)، أو في قوله تعالى: ﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَ﴾ (31)، وأمثالهما، فكلّها تدلّ بالإطلاق ـ إن لم تكن بالظهور ـ على أنّه (ص) كان يقرأ ويتلو المكتوب.
وهناك روايات كثيرة أُخرى دالّة على معرفة رسول الله (ص) بالقراءة والكتابة، منها: صحيحة عبد الرحمان بن الحجّاج، قال: قال أبو عبد الله (ع): «إنّ النبيّ كان يقرأ ويكتب، ويقرأ ما لم يكتب» (32).
قال المجلسي ـ بعد ذكره لتلك الروايات ـ:
كيف لا يَعلم مَن كان عالماً بعلوم الأوّلين والآخرين، أنّ هذه النقوش موضوعةٌ لهذه الحروف؟! ومَن كان يقدر بإِقدار الله تعالى على شقّ القمر وأكبر منه، كيف لا يقدر على نقش الحروف والكلمات على الصحائف والألواح؟!(33)
ومن الروايات الصحيحة في هذا الباب: رواية ابن سنان، عن أبي عبدالله (ع)، الواردة في كيفية صلح الحديبيّة الطويلة، وفيها:
فدعا رسول الله‏ بالكتب، ودعا أمير المؤمنين وقال له: «اُكتب». فكتب أمير المؤمنين: «بسم الله الرحمن الرحيم»، فقال سهيل بن عمرو: لا نعرف (الرحمن)، اُكتب كما كان يكتب آباؤك: باسمك اللّهم.
فقال رسول الله (ص): «اُكتب: باسمك اللّهم، فإنّه اسمٌ من أسماء الله». ثمّ كتب: «هذا ما تقاضى عليه محمّدٌ رسول الله والملأ من قريش».
فقال سهيل بن عمرو: لو علمنا أنّك رسول الله ما حاربناك، اُكتب: هذا ما تقاضى عليه محمّد بن عبد الله‏، أتأنف من نسبك يا محمّد؟!
فقال رسول الله (ص): «أنا رسول الله وإن لم تُقِرُّوا»، ثم قال: «اُمحُ ـ يا عليُّ ـ واكتب: محمّد بن عبد الله»، فقال أمير المؤمنين: «ما أمحو اسمك من النبوّة أبداً(34)»، فمحاه رسول الله بيده، ثم كتب (ص): «هذا ما اصطلح عليه محمّد بن عبد الله والملأ من قريش وسهيل بن عمرو، اصطلحوا على وضع الحرب بينهم عشر سنين ...» (35).
ويدلّ هذا الحديث الشريف بوضوحٍ على أنّ النبيّ (ص) محا بيده الشريفة لقبه المبارك، ثم كتب بيده الشريفة: «هذا ما اصطلح عليه ...»، وهو دالٌّ على معرفته بالقراءة وبالكتابة.
لكنّ العامّة روت هذه الرواية بشكلٍ آخر يرضيها ويسيء إلى النبيّ الأكرم(ص) ويؤكّد عدم معرفته بالكتابة، فجاءت تلك الرواية المرويّة عندهم ـ وفي بعض كتب أعلامنا أيضاً أخذاً عنهم ـ على هذا النحو:
قال النبيّ لعليّ: «ضع يدي عليها»، فوضع عليٌّ يدَ رسول الله عليها، فمحاها (ص) (36).
وهذا النص إن صح فإنما فعل رسول الله ذلك أمام قريش لئلّا يتهموه بأنّ القرآن من كلامه.
أضف الى ذلك ان رواية وضع الأصبع كذب، يُخطّؤه مطالبته (ص) الصحابةَ عند مرضه بأن يأتوه بدواةٍ وكتفٍ كي يكتب لهم كتاباً لن يضلّوا بعده أبداً.
وإنّ الاشتهار بعدم معرفته للكتابة كان لأجل دفع شبهة التأثر بالكتب السماوية والأخذ عن كتب الأحبار والرهبان وأمثال ذلك.
وبهذا القدر نكتفي في توضيح هذه النقطة لننتقل إلى المقدمة الثانية.

◘ المقدّمة الثانية:
فسرت مدرسة الخلافة لفظة الجمع في رواية أنس بن مالك وأمثاله: «مات النبيّ ولم يجمع القرآن غيرُ أربعة: أبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وزيد بن ثابت، وأبو زيد»(37)، بأنّ معناه: أنّ هؤلاء جمعوا القرآن في الصدور لا في السطور، أي أنّ الجمع عندهم كان جَمْعَ حِفْظٍ لا جمع تدوينٍ وكتابة.
وهذا التفسير يخالف المألوف عند اللّغويّين، لأنّ الجَمْع لُغَةً يشمل الكتابة والحفظ معاً، وأنّ ترجيح أحدهما على الآخر هو ترجيحٌ بلا مرجِّح، خصوصاً مع معرفتنا بوجود كَتَـبَةٍ لرسول الله (ص) أيام حياته يكتبون الوحي عنه، إذن معنى الجمع واضح عندنا، فما يعني وجود الكتبة لو كان المقصود منه هو الحفظ فقط؟!
بل لماذا يَخُصُّون الجمع بالحفظ، ويُخَطِّؤون التفسير الآخر؟
إنّ وراء هذا سرّاً كامناً، ولا أستبعد أن تكون قد جاءت من أجل حصر الجامعِين للقرآن ـ حسب زعمهم ـ بالخلفاء الثلاثة لا غير، وذلك بعد نفيهم جمعَ الآخَرين للقرآن كتابةً وتدويناً.
* الرؤية التصحيحية:
وجود مصاحف مكتوبة للصحابة على عهد رسول الله (ص):
من المعلوم بأنّ الكتابة كانت موجودة في مكّة آنذاك، وأنّ القرآن أكّد وجود الاستنساخ والكتابة ولولاه ما عرفوا الاستنساخ، في قوله تعالى: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾(38)، كما يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَؤُهُ﴾(39)، وأمثال ذلك من الآيات الدالة على الكتابة وادواته من القلم والقرطاس و... فلو لم تكن الكتابة مألوفةً والاستنساخ معروفاً عندهم، لما خاطبهم الله بهذه الكلمات.
وقد ذكر المؤرّخون وأصحاب السيَر اسم أربعة عشر صحابيّاً أو أكثر قد جمعوا القرآن وكانت لهم مصاحف على عهد رسول الله (ص) (40)، وهم:
أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع)، وزيد بن ثابت، وأبو موسى الأشعري، وأُبيّ بن كعب، وابن مسعود، وأبو الدرداء، ومعاذ بن جبل، وسعيد بن عبيد، ومجمع ابن جارية، وعبدالله بن عمرو بن العاص، وأبو زيد الأنصاري، وعبادة بن الصّامت، وأبو أيّوب الأنصاري، وتميم الدّاريّ.
وعلى الرغم من أنّ أسماء الأربعة الأواخر لم يصلنا شيءٌ عن مصاحفهم، إلّا أنّها كانت موجودة عندهم.
قال الآمدي في كتابه (الأفكار الأبكار): إنّ المصاحف المشهورة في زمن الصحابة كانت مقروءةً ومعروفة، وكان مصحف عثمان بن عفان آخر ما عُرِضَ على النبيّ، وكان يصلّي به إلى أن قُبِضَ (41).
وجاء عن أمير المؤمنين علي (ع) ـ ما يؤكّد كونه من الكتّاب وكانت عنده نسخة من المصحف على عهد رسول ـ قوله:
«... فما نزلت على رسول الله آية من القرآن إلّا أقرأنيها، وأملاها علَيّ فكتبتُها بخطّي، وعلّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصّها وعامّها، ودعا الله أن يعطيني فهمها وحفظها، فما نسيتُ آيةً من كتاب الله ولا علماً أملاه علَيّ وكتبتُه منذ دعا الله لي بما دعا ...» (42).
وممّا يؤكّد وجود مصاحف للصحابة على عهد رسول الله (ص)، وأنهم كانوا يكتبون حديث رسول الله على كل حال حتى جاءهم النهي عنه (ص) في قوله: «لا تكتبوا عنّي، ومَن كتب عنّي غير القرآن فليمحه»(43)، الدّالّ على اهتمام الرسول(ص) بتدوين الآيات كتابة بعد حِفظها. وكذا يؤيده ما روي عن ابن مسعود، حيث قال:
قال لي رسول الله (ص): «اِقرأ علَيّ»، ففتحتُ سورة النساء، فلما بلغت: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هؤُلاَءِ شَهِيداً﴾ (44)، رأيت عينيه تذرفان الدمع، فقال: «حسبك الآن ...»(45).
وحكى الدكتور عبدالصبور شاهين في كتابه (تاريخ القرآن) نقلاً عن (رسالة شواذّ القراءة) للكرماني: بأنّ لحمزة بن عبدالمطّلب ـ عمّ رسول الله الّذي استُشهد في أُحد ـ مصحفاً (46).
ومعنى كلامه بأنّه كان قد جمع النازل من القرآن إلى ذلك الحين بين الدفّتَين.
وأخرج ابن سعد في الطبقات: أخبرنا الفضل بن دكين، حدّثنا الوليد بن عبدالله بن جميع، قال: حدّثتني جدّتي، عن أُمّ ورقة بنت عبد الله بن الحارث ـ وكان رسول الله يزورها، ويسمّيها الشهيدة، وكانت قد جمعت القرآن ـ.
وكان رسول الله (ص) حين غزا بدراً قالت له: أتأذن لي فأخرج معك أُداوي جرحاكم وأُمرّض مرضاكم، لعلّ الله يهدي لي شهادة ؟ قال: «إنّ الله مُهْدٍ لكِ شهادة...» (47).
فإذا كان هذا حال النساء في جمع القرآن، فكيف يكون حال الرجال؟
نعم، المصاحف المجموعة آنذاك كانت ناقصةً، وفيها السور التي أُقرَّت من قبل الله تعالى إلى ذلك الحين لقوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ وقوله: ﴿ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً﴾، ولا كلام في ذلك.
ولا يخفى عليك بأنّ (الجمع) المعنيّ في الأخبار(48) هو أعمّ ممّا في الصدور أو في السطور، وترجيح أحدهما على الآخر ترجيحٌ بلا مرجِّح، خصوصاً حينما نرى أنّ الصحابة كانوا قد جمعوا القرآن لكي ينفعوا الآخَرين ويعلّموهم الكتاب العزيز، وأنّ ذلك لا يتمّ على وجهه الأكمل إلّا بالكتابة، خاصّةً لمن كان يجيد القراءة والكتابة من الصحابة. وإن فكرة حصر الجمع بالحفظ كانت فكرة سياسية يقف عليها كل من تصفح الوثائق والمستندات التراثية عند الجمهور.
فالكتابة وبيان وسائلها مذكور في القرآن وهو دليل على اهتمام الإسلام بالقراءة والكتابة، وقد تحدّى سبحانه وتعالى المشركين بأن يأتوه بعشر سور مثل القرآن (49)، وقال تعالى: ﴿يُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ (50)، وقوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ (51)، ومعنى هذه الآيات وجود القرآن مكتوباً بين أيديهم، بحيث يمكنهم أن يماثلوه ويعارضوه، فلو لم يكن القرآن معلوماً وموجوداً عندهم لكانت دعوته إيّاهم للمعارضة مع القرآن دعوة إلى المجهول.
ويلفت قوله تعالى: ﴿وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَالله أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قالُوا إنّما أَنتَ مُفْتَر﴾(52)، إلى معلوميّة مكان الآيات وترتيبها عند المسلمين على عهد رسول الله(ص)، بحيث لا يمكن لأحدٍ أن يغيّر آية بدل آية أخرى.
ولو لم تكن الكتابة معروفةً، ولم يكن القرآنُ حاضراً موجوداً في الحياة الاجتماعية، فماذا يعني إرسال عمرو بن حزم إلى اليمن لتعليمهم القرآن؟
وماذا يعني قوله عزّ وجل: ﴿لاَ يَمَسُّهُ إِلّا الْـمُطَهَّرُونَ﴾ (53) وخصوصاً للذي يفهم منها المسّ الحسّي لآيات المصحف؟
ألا يدل على وجودها في الخارج؟ وماذا يعني قول رسول الله (ص): «فلا يمسَّ القرآنَ إنسانٌ إلّا وهو طاهر» (54)؟
وماذا تعني تسمية سورة الحمد بـ(فاتحة الكتاب)؟ أليس في كلّ ذلك دلالة على وجود الكتاب العزيز بين أيدي الناس بفاتحته؟
ثم ماذا يعني المرويّ في صحيح البخاري، عن عبد العزيز بن رفيع، قال:
دخلتُ أنا وشدّاد بن معقل على ابن عبّاس، فقال له شدّاد بن معقل: أترَكَ النبيّ (ص) مِن شيء؟ قال: ما ترك إلّا ما بين الدفَّتَيْن ...(55).
وهذا يعني بأنّ القرآن كان موجوداً بين الدفّتين، ومدوَّناً ضمن قراطيس متعدِّدة.
نحن قد فصلنا الكلام عن ترتيب القرآن وجمعه في عهد رسول الله (ص) في كتابنا جمع القرآن وان جمعه كان جمع كتابةٍ لا جمع حفظ فقط كما يدّعون(56).

◘ المقدّمة الثالثة:
معركة اليمامة ـ والّتي مات فيها أكثر من سبعمائة صحابي (57) حسبما قيل ـ أصبحت مبرراً لمدرسة الخلافة للادعاء بضرورة جمع القرآن بعد رسول الله (ص)؛ من قبل أبي بكرٍ خوفاً على القرآن من ضياعه إثر مقتل هذا العدد الهائل من الصحابة في هذه المعركة، فاقترح على زيد بن ثابت أن يجمعه... إلى آخر القصّة المذكورة في كتب التاريخ والحديث.
وهذا الرأي يتقاطع مع نصوص حديثيّة أُخرى موجودة في كتب الصحاح والمسانيد، مثل النصوص الدالّة على أنّ القرآن كان مكتوباً ومحفوظاً ـ بواسطة كتبَة الوحي على عهد رسول الله (ص) ـ فلو كان مكتوباً ومحفوظاً عند آخرين، فلماذا الخوف من ضياعه إذن؟
كما أنّه لا يتّفق مع المرويّ بإسنادٍ صالح من قوله (ص): قراءةُ الرجل القرآنَ في غير المصحف ألف درجة، وقراءته في المصحف يضاعف على ذلك ألفَي درجة (58). وقولِه (ص): «ليس شيء أشدّ على الشيطان من قراءة المصحف نظراً» (59)، وفي هذا السياق ورد النهي عن رسول الله من أن يسافر بالمصحف إلى أرض العدو (60)، وأمثال ذلك ممّا دلّ على وجود مصحفٍ معروفٍ عند المسلمين، مكتوبٍ في قراطيس متعدِّدة يقرؤون فيها.
وتُظهر هذه النصوص خطأ رؤية مدرسة الخلافة من أنّ الخليفة قد خاف على القرآن من ضياعه، وأنّ القرآن لم يُدَوَّن على عهد الرسالة، إذ إنّ الاعتقاد بعدم تدوين القرآن في عهد النبيّ (ص) يُرجى منه أمورٌ كثيرة، أقلّها حصر فضيلة جمع القرآن بالخلفاء الثلاثة فقط.
كان هذا مجمل الكلام عن المقدمة الثالثة وإليك:

* الرؤية التصحيحية:
قتلى اليمامة مقدِّمةٌ لجمع أبي بكر للقرآن:
نعم إنّ ما جاء عن واقعة اليمامة وكثرة القتلى فيها، واهتمام أبي بكر وعمر بن الخطاب وزيد بن ثابت بجمع القرآن دون غيرهم من كبار الصحابة، فيه تهويلٌ عظيمٌ وتضخيم أَيّما تضخيم، كما فيه أيضاً تعريض بالنبيّ (ص) والصحابة، لأنّ الكلّ يعلم بأنّ ثلة من الصحابة كانوا قد جمعوا القرآن على عهد رسول الله (ص) كتابةً وحفظاً، ونحن قد أتينا بأسماء أربعة عشر منهم، وقد أوصل ابن عساكر كتّاب الوحي إلى 23 صحابياً، وأبو شامة وابن عبد البر إلى 25 صحابياً، وتجاوز شبراملسي ذلك العدد إلى 40 صحابياً، وقال الحافظ العراقي في الدرر السنيّة:
كتّـابه اثنــان وأربعـــونــا زيد بن ثابت وكــــان حيــنا
كاتبـــه وبعـــده معـــاوية ابن أبي سفيان كان واعية(61)
إذن، فجامعي القرآن وكتّاب الوحي كثيرون وأنّ أبا بكر لم يكن هو الوحيد الّذي جمع القرآن، بل جمعه قبله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وسالم مولى أبي حذيفة، وأُبيّ بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وابن مسعود، وغيرهم.
وإنّ ما قيل عن جمع سالم مولى أبي حذيفة للقرآن يؤكّد أنّه كان مجموعاً قبل جمع أبي بكر له، لأنّ سالماً كان قد قُتل في واقعة اليمامة.
بلى، قد بالغ المؤرّخون في عدد قتلى اليمامة، حتّى أوصلها بعضهم إلى (١٧٠٠) نفر من الصحابة، بينهم سبعمائة قارئ (62) أو أربعمائة وخمسون قارئاً (63).
فسبعمائة قارئٍ من جيشٍ بلغ عدده أربعة آلاف وخمسمائة مقاتلٍ في قبال جيش مسيلمة الكذّاب البالغ عددهم ٤٠ ألف نسمة فيه تهويلٌ عظيم، لأنّ شهداء الإسلام في غزوة بدر لم يتجاوز عددهم أربعة عشر قتيلاً، وفي واقعة أُحد سبعين قتيلاً، وفي الخندق ستّة قتلى، ولو جمعت جميع شهداء الإسلام لما وصل إلى نصف عدد قتلى واقعة اليمامة، وخصوصاً القرّاء منهم! فما يعني هذا التهويل والتعظيم؟
قال المستشرق كيتاني (Caetani) وتبعه على ذلك بلاشير وشوالي: لا نجد في لوائح المسلمين الذين سقطوا في ـ عقربا ـ اليمامة إلّا قلائل ممن تنسب إليهم معرفة واسعة بالقرآن [أي أنهم لم يكونوا من المسلمين الأوائل الذين حفظوا القرآن ] لأنهم تقريباً ينتمون إلى صفوف المنتمين حديثاً للإسلام(64).
ثمّ شكك شوالي ـ الذي أتم كتاب نولدكه ـ في أسماء شهداء اليمامة التي قدمها كيتاني وأنهم 151 شخصاً فقال: لا نجد في التقارير التي تمكنت من الوصول إليها إلا اثنين ممن سقطوا من الذين يشهد لهم بوضوح معرفتهم بالقرآن [أي كانا من الحافظين له] هما عبدالله بن حفص بن غانم، وسالم من أتباع أبي حذيفة الذي حمل لواء المهاجرين بعده(65).
ومعنى كلامه أنّه ليس بين أولئك القتلى من هم من المسلمين الأوائل وقراء الأمة.
وإذا كان القرّاء قُتلوا بأجمعهم، فهل القتل يتحرّاهم دون غيرهم؟ وهل تعمّد الخليفة في إرسال القرّاء إلى معركةٍ غير متكافئة ليلقوا حتفهم؟
ولو كان القُرَّاء ـ بمعنى القارئين له ـ بهذا العدد، فجميع المسلمين كانوا يقرؤون القرآن في صلواتهم، فكيف يمكن للشعبيّ إخراج الإمام علي من الجامعين للقرآن والحافظين له؟! وهل هؤلاء القرّاء المقتولون في اليمامة هم أعظم شأناً من أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب؟!
وكيف يكون القرآن محصوراً في صدور أولئك القرّاء المقتولين في واقعة اليمامة فقط دون غيرهم من كبار الأصحاب الّذين ما زالوا على قيد الحياة، أمثال: أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب وابن مسعود وعبد الله بن عبّاس و...؟
بل لو كان لدينا هذا العدد الهائل من الصحابة القرّاء، أفلا يعني بأنّ القرآن كان متواتراً ومشهوراً عند المسلمين، ولا حاجة في إثباته حينها إلى شاهدَين عادلَين كما أقرّه أبو بكرٍ وعمر في منهجهما في جمع القرآن لاحقاً؟
ومن هنا قد جاء ابن حجر ليخفّف الوطأة فيما قالوه، إذ قال:
وهذا يدلّ على أنّ كثيراً ممّن قد قُتل في واقعة اليمامة كان قد حفظ القرآن، لكن يمكن أن يكون المراد أنّ مجموعهم جمَعه لا أنّ كلّ فردٍ جمَعَه ... (66).
اذن التطرّف والغلوّ بقي موجوداً في النصوص، ولو تأمّلتَ فيما أخرجه ابن أبي داود عن ابن شهاب الزهري، لاستشممت رائحة التحريف منه فوّاحة، إذ قال:
بلغنا أنّه كان أُنزل قرآنٌ كثير، فقُتل علماؤه يوم اليمامة الّذين كانوا قد وعوه، ولم يُعلَم بعدهم ولم يُكتب، فلمّا جمع أبوبكر وعمر وعثمان القرآن لم يوجد مع أحد بعدهم ... (67).
وقد استغل المستشرق جون جيلكرايست هذه الرواية معلقاً عليها بالقول:
ومعنى هذا أنّ الرواية تؤكد سقوط نصوص كثيرة بدليل (لم يعلم) و(لم يكتب) و(لم يوجد مع أحد بعدهم) وأنها ضاعت بقتل من كان يحفظها(68).
واللّافت أنّ هذا الكلام باطل جملة وتفصيلاً وأنّ هؤلاء القرّاء المقتولين بسيف بعض المؤرخين لم يكونوا بهذا العدد الهائل، ولم يكونوا منسيّين في التاريخ، فقد ذكر ابن حزم من هؤلاء القرّاء ٢٠ اسماً (69)، والبلاذري ذكر ٢٩ اسماً (70)، اثنا عشر منهم يشتركون مع أسماء ابن حزم، وادّعى ابن الأثير بأنّ خمسة عشر منهم كانوا من الحاضرين في بدر وتسعةً منهم من الحاضرين في أُحد (71)، ولم نقف على أكثر من هذا العدد.
فلو صحّ أنّ أبا بكر استنسخ المصحف مِن على نسخة رسول الله (ص) ـ كما قاله ابن حجر(72) ـ، فهذا يعني بطلان المقولة المشهورة من أنّه وقف على نقصان آيتين من آخر سورة التوبة ثمّ وجدهما عند أبي خزيمة أو خزيمة، وهما قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَاعَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُم بِالْـمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ * فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُلْ حَسْبِيَ اللهُ لاَ إِلهَ إِلّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَهُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ (73)، لأنّ العقل والدين يأبيان القول بنقصان نسخة رسول الله (ص) وتمام نُسَخ الآخرين وكمالها!
فلو كان أبو بكر يخاف حقّاً من ضياع القرآن، لكان عليه أن يزيد من حلقات تحفيظ القرآن في المساجد وتعليمه، أو يأمر الكَتَبَة باستنساخ الموجود من القرآن عند الصحابة وخصوصاً من على نسخ الذين عرضوا قراءاتهم على رسول الله أمثال أبي بن كعب، وابن مسعود، وعلي، ومعاذ وغيرهم؛ لأنّ الكل يعلم بوجود مصاحف لهؤلاء الصحابة على عهد أبي بكر، فكان عليه أن يأمر باستنساخ نسخ هؤلاء لأنّ «أهل دمشق كانوا يقرؤون بقراءة أُبيّ بن كعب، وأهل الكوفة يقرؤون بقراءة ابن مسعود، وأهل البصرة يقرؤون بقراءة أبي موسى الأشعري، وأهل حمص يقرؤون بقراءة المقداد» (74) لا أن يأتي بمنهج جديد قد يخالف الآخرين فيه.
وعليه، فلو كانت هذه المصاحف والقراءات موجودة عند المسلمين، فلمَ لا يعتمدها أبو بكرٍ ولا يستفيد منها ـ وهي مصاحف وقراءاتٌ لكبار الصحابة، ورسول الله (ص) كان قد مدحهم لهذا الغرض ـ دون أن يبدأ الخليفة العمل من نقطة الصِّفْر وبمنهجيّةٍ جديدة؟

◘ المقدّمة الرابعة:
إنّ مدرسة الخلافة حصرت جمع القرآن بالخلفاء الثلاثة، وأبعدت عنه الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) وابن مسعود ومعاذ بن جبل وأُبيّ بن كعب وغيرهم، ثمّ ركّزت على عثمان فقط من بين الثلاثة، مع تأكيدها على أنّه هو الذي وحّد المسلمين على مصحف واحد، ثم نسبة رسم المصحف إليه دون غيره، رغم قولها أنّ عثمان استنسخ مصحفه من نسخة أبي بكر وعمر، كما أوجبت الالتزام برسم المصاحف المرسلة الى الامصار رغم اختلافها بدعوى أن النبيّ قد أقرها، ومن هنا يثار التساؤل: لماذا لا يقال عن تلك المصاحف ورسمها: (المصاحف النبويّة)، أو (المصاحف البكريّة)، أو (العمرية)، بل تكتفي بوصفها بالمصاحف العثمانية؟ ولماذا لا يطلق لفظ (المصحف الإمام) على المصاحف الأخرى المرسلة من قبل عثمان إلى الأمصار بل خص هذا الوصف بالذي كان يقرأ فيه عثمان فقط؟
بل إذا كان رسم الخطّ توقيفيّاً من عند الباري، وأنّه أمضي من قبل الله ورسوله، فلماذا يحرقون المصاحف المدوّنة عند المسلمين؟ ألم تكن تلك المصاحف قد كُتبَت طبقاً للقواعد التي رسمها رسول الله في الخطّ وعلّمها لمعاوية، حسبما قاله الزرقاني (75).
انّ التركيز على اسم عثمان وإبعاد الآخرين عنه، فيه شيءٌ من الإجحاف والهضم بحقّ كبار الصحابة الذين عرضوا قراءتهم على رسول الله (ص)، والذين اوصى بأخذ القرآن منهم على وجه الخصوص.

* الرؤية التصحيحية:
الغلوّ في عثمان وإقصاء منافسيه:
أجل إنّ مدرسة الخلافة أرادت ـ عبر حصر جمع القرآن بالخلفاء الثلاثة ـ الغلو في عثمان وفي مصحفه رسماً وقراءة، واقصاء منافسيه من كبار القرّاء وانتقاصهم ـ وعلى رأسهم الإمام علي (ع) ـ عن الحياة السياسيّة في آنٍ واحد، بل سعت أن تنسب إلى شيعة الإمام (ع) كلّ شَين، فقالوا ـ وبئس ما قالوا ـ: إنّ الشيعة تعتقد بأنّ للإمام علي قرآناً غير قرآن المسلمين، وأنّ مصحفه الذي يقرأ به قد رُتّب غير ترتيب المصحف الرائج.
ويلاحظ، انهم قالوا بكل ذلك تهويلاً لعملية جمع عثمان، حتى حكي عن الشعبي قوله: توفي ابو بكر وعمر وعلي رحمهم الله ولم يجمعوا القرآن. وقال: لم يختمه احد من الخلفاء غير عثمان (76).
وروي عن شريك، عن إسماعيل بن أبي خالدٍ أنّه قال: سمعت الشعبيّ يحلف بالله عزّ وجلّ؛ لقد دخل عليٌّ حفرَته وما حفظ القرآن (77)، أو أنّه كان لا يعرف إلّا سورة ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ (78).
وروي عن يزيد بن هارون أنّه قال: لا خلاف بين المسلمين في أنّ عبد الله بن مسعود مات وهو لا يحفظ القرآن كلّه (79).
كل هذه المحكيات تؤكد تبني اتجاه خاص لرؤية خاصة في جمع القرآن وتكشف مدى اصرارهم على حذف اسماء كبار الصحابة من منافسي عثمان من الذين تلقوا القرآن وعرضوه على رسول الله كأمير المؤمنين علي وابن مسعود وأُبي ومعاذ وغيرهم، ونسبة اشياء باطلة الى هؤلاء وغيرهم.
وترى نفس الأمر(80) فيما قاله ابن حجر تعليقاً على ما أخرجه ابن أبي داود في (المصاحف) من طريق ابن سيرين، فقال:
قال علي: «لمّا مات رسول الله، آليتُ أن لا آخذ علَيَّ ردائي إلّا لصلاة جمعة، حتّى أجمع القرآن، فجمَعَه»: ... ثمّ علّق ابن حجر قائلاً: فإسناده ضعيفٌ لانقطاعه، وعلى تقدير أن يكون محفوظاً فمراده بجمعه حفظه في صدره!! (81)
قالوا بكلّ ذلك في الإمام علي، وقالوا بمثله من المفتريات في ابن مسعود وابن عبّاس وأٌبيّ وغيرهم من كبار القرّاء المنافسين لعثمان في أمر القرآن.
وفي المقابل رفعوا بضبع عثمان بن عفّان وزيد بن ثابت، حتّى قالت نائلة بنت الفرافصة الكلبية ـ زوجة عثمان ـ للّذين دخلوا عليه:
إن تقتلوه أو تَدَعُوهُ، فقد كان يحيي اللّيل بركعةٍ يجمع فيها القرآن (82).
وكلامُ ابن حجر الآنف ـ في تضعيف جمع الإمام ـ متهافتٌ وغير صحيح يعرفه طالب العلم فضلاً عن العلماء (83)؛ لأنّ خبر جمع أميرالمؤمنين (ع) للقرآن بعد رسول الله(ص) قد روي بطرق كثيرة(84) غير ما أخرجه ابن أبي داود (ت ٣١٦هـ)، وحتّى المرويّ عن ابن سيرين على وجه الخصوص فإنّه روي بطرق أُخرى عنه ليس فيها أشعث بن سوار الكندي.
فلماذا يكتفي ابن حجر بالإشارة إلى ما رواه ابن أبي داود ولا يشير إلى رواية غيره، مثل رواية عبد الرزاق بن همّام الصنعاني (ت ٢١١ هـ)، عن معمّر، عن أيّوب، عن عكرمة مثله أو قريباً منه، مع أن إسناده صحيح على شرط البخاري.
أو رواية ابن سعد (ت ٢٣٠ هـ) في طبقاته، عن إسماعيل بن إبراهيم، عن أيّوب وابن عون، عن محمّد مثله، وإسناده صحيح أيضاً.
أو رواية ابن أبي شيبة (ت ٢٣٥ هـ)، عن يزيد بن هارون قال: أخبرنا ابن عون، عن محمّد مثله. وإسناده صحيح على شرط الشيخَين.
أو رواية البلاذري (ت ٢٧٩ هـ) في (أنساب الأشراف)، عن مسلمة بن محارب، عن سليمان التميمي وعن ابن عون، عن ابن سيرين، وإسناده حسن.
وفي آخر: سلمة بن الصقر وروح بن عبد المؤمن قالا: حدّثنا عبد الوهاب السقفي، أنبأنا أيّوب عن ابن سيرين مثله، وإسناده حسن.
أو رواية ابن ضريس (ت ٢٩٤ هـ)، بإسناده عن هوذة بن خليفة، حدّثنا عوف، عن محمّد بن سيرين، عن عكرمة مثله أو قريباً منه، وإسناده صحيح على شرط البخاري.
فلماذا يذكر ابن حجر طريق ابن أبي داود عن ابن فضيل عن الأشعث عن محمّد بن سيرين فقط، ولا يذكر ما رواه غيره عن ابن سيرين؟ هذا أولاً.
وثانياً: إنّ أميرالمؤمنين (ع) ليس كغيره من الصحابة، فهو أوّل القوم إسلاماً، وقد كان مع رسول الله(ص) في كلّ المواقف والمشاهد، يتبعه اتّباع الفصيل أَثَرَ أُمِّه، وهو ابن عمّه، وزوج ابنته، وأبو وُلده، وقد كان يعرف القرآن كما أُنزل على رسول الله(ص)، وقد دَوَّن كلّ ما أُنزل على رسول الله (ص) وقد أتى بكلّ ما جاء عنه في تفسيره وتأويله، وقد كتب كلّ ذلك بخطّه (ع)، فقال:
«فما نزلت على رسول الله آيةٌ من القرآن إلّا أقرأنيها وأملاها علَيّ، فكتبتُها بخطّي، وعلّمني تأويلها وتفسيرها، وناسخها ومنسوخها، ومحكمها ومتشابهها، وخاصّها وعامّها ...» إلى آخر الخبر (85).
وقد كان (ع) يكتب كلّ تلك الأُمور من فِلْقِ فيه (ص) بيده (86)، وكان القرآن يَقَرُّ في صدره كما يَقَرُّ في صدر رسول الله (ص).
وعن العباس بن معروف، عن حمّاد بن عيسى، عن ربعي، عن زرارة، عن أبي جعفرٍ (ع) قال: «كان جبرئيل يملي على النبيّ، وهو يملي على علي ...» (87).
ويتضح مما قلناه أنّ تلك الأخبار المتناسية لأسماء كبار الصحابة من قائمة جمع القرآن، هي التي دعتنا للقول بوجود أصابع أموية في بثّ أمثال هذه الأفكار بين المسلمين، وبالتالي تهويل أمر جمع عثمان بن عفّان ـ شيخ بني أُميّة ـ للقرآن والرسم العثماني أكثر ممّا يلزم.
لقد تجاوز التشكيك في جمع رسول الله للقرآن مداه حتى جرّأ بعض المستشرقين أمثال آلفونس مينكانا (1881 ـ 1937 م) على انكار جمع القرآن على عهد الشيخين أيضاً بدعوى أنّ أخبارها لم تسبق ابن سعد (ت 229 هـ)، كما لم يأت اسم ابي بكر وعمر ضمن الجامعين للقرآن على عهد رسول الله في طبقات ابن سعد، في حين جاء ذكر أسماء غيرهما من الصحابة، وأن مجئ خبر جمع القرآن على عهد عثمان في صحيح البخاري ليس له قيمة علمية، لأنه جاء في كتاب متأخّر مات صاحبه بعد ربع قرن من وفاة ابن سعد (88).
بلى انّ نتيجة اضطراب مرويات مدرسة الخلافة جعلت هذا المستشرق يزعم أنّ جمعه كان في عهد عبدالملك بن مروان وذلك بسعي الحجاج بن يوسف الثقفي، منوّهين إلى أن هذه الرؤية كانت قد طرحت قبل ذلك من قبل المستشرق «كازانوا»(89) لكن مينكانا أتى بشواهد أخرى تدعم كلامه.
فطرح هكذا رؤى من قبل رجل دين مسيحي له توجهات ضد الإسلام مثل مينكانا ليس ببعيد بنظرنا، فقد كتب هذا المسيحي عشرات المقالات ضد الإسلام في المجلات الأوربية.
فكلام «بل كازانوا» و«مينكانا» وأمثالهما وإن كان باطلاً بلا ريب(90)، وذلك لأن رسول الله كان قد جمع آيات وسور كتاب ربّه في اللقاء الثنائي بينه وبين جبرئيل في كلّ عام، لكن من المؤسف له أن ترى مستنَد كلام هذا المستشرق أو ذاك مأخوذاً من الكتب التراثية للجمهور وهذا مما يحز في النفس.
واللافت في الأمر أيضاً انّ الناس في عهد الشيخين لم يكونوا يخافون من ضياع القرآن، لأنّه كان مقروءً ومعروفاً ومتداوَلاً عندهم، وهذا التخوّف المزعوم إن كان موجوداً بينهم فهو مختصٌّ بأبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت لا غير، لأَمرٍ ما!
فمدرسة الخلافة كثيراً ما تتضارب في نصوصها وأقوالها، فتارة تضعف أخبار مصحف الإمام علي (ع)، وتنسب إلى ابن مسعود حذفه المعوَّذتين والفاتحة من مصحفه، وتقول بإتيان أُبيّ بن كعب سورتَي الخلع والحفد في مصحفه خلافاً لجميع المسلمين، وأمثال ذلك.
وأُخرى تعدّ أُبيّ بن كعب ضمن لجنة المصاحف، مع أنّه ـ كما سيتضح ـ قد توفّي قبل تاريخ جمع المصاحف.
وثالثـة نرى اتباع مدرسة الخلافة ينقلون عن أبي عبدالرحمن السلمي ما يدلّ على كونه من خواصّ الإمام عليّ (ع) الآخذين عنه ، وقولَه : قرأتُ على عليٍّ أميرالمؤمنين (ع) القرآنَ كثيراً، وأمسكت عليه المصحف فقرأ علَي (91).
وأُخرى ينقلون عنه ما يدلّ على مضادّته للإمام (ع) ورواية أخبارٍ مُسيئةٍ فيه (ع)، وهذا ما يؤكد قولنا بوجود ما يدلّ على تبنّي اتجاهٍ خاصّ لرؤيةٍ خاصّة ولهدف خاص(92).
بل العجب من كل ذلك أنّهم يأتون بأسماء صحابةٍ آخرين مع الإمام عليٍّ (ع) زعموا انّ السلمي أخذ عنهم، في حين انّ التحقيق عندنا أثبت التشكيك (93) في أخذه منهم، بل لم يأخذ السلمي منهم بلا ريب، وغرضهم من ذلك التشكيك بجمع أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) للقرآن، وحشر أسماء آخَرين معه في هذه الفضيلة التي خصّها الله ورسوله به.
أجل، إنّهم تفوّهوا بهذه الأقوال وشكّكوا في بعض الأخبار كي يسلبوا فضيلة جمع القرآن عن أمير المؤمنين، لأنّها من الفضائل المهمّة له، وبها تتمّ حيازته الثقلين معاً، فهو أبو العترة من جهة، وجامع الثقل الأكبر ـ أعني القرآن الكريم ـ من جهةٍ أُخرى.
فهؤلاء كانوا لا يريدون أن يعطوا عليّاً ما أعطاه الله ورسوله، فسعوا جادِّين جاهدين لتحريف المسيرة ورسم البديل لأنفسهم ثم للخلفاء من بعدهم، فسلبوا أوّلاً الخلافة منه، ثمّ حاولوا أن يسلبوه كلَّ فضيلة، وكانت فضيلة جمع القرآن بين الدفّتين ممّا سلبوه أيضاً، متظاهرين بحرصهم على الحفاظ على القرآن المجيد وخوفهم من ضياعه، فبدؤوا بجمع القرآن من نقطة الصفر تحت غطاء التثبّت والضبط، وعملهم هذا وإن كان في الظاهر مقبولاً، لكنه في العمق كان فيه إساءةٌ إلى القرآن، والمساس بتواتره، وتعريض برسول الله (ص)، وبالصحابة العلماء القرّاء، كأُبيّ وابن مسعود وأبي الدرداء، وعلى رأسهم التعريض بأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) الذين ذكرهم الذهبي في الطبقة الأولى من أعيان القراء.
قال محمّد بن عبد الكريم الشهرستاني (ت ٥٤٨هـ) في تفسيره (مصابيح الأسرار)، موضّحاً هذا الأمر:
... ودع هذا كلّه، كيف لم يطلبوا جمع عليّ بن أبي طالب؟ أوَ ما كان أَكْتَبَ من زيد بن ثابت؟ أوَ ما كان أَعْرَبَ من سعيد بن العاص؟ أوَ ما كان أقرَبَ إلى رسول الله من الجماعة؟ بل تركوا بأجمعهم جمْعَه، واتَّخذوه مهجوراً، ونبذوه ظهريّاً، وجعلوه نسياً منسيّاً ؟
وهو لمّا فرغ من تجهيز رسول الله وغسله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، آلى أن لا يرتدي برداءٍ إلّا لِـجُمعة، حتّى يجمع القرآن، إذ كان مأموراً بذلك أمراً جَزْماً.
فجمَعَه كما أُنزل، من غير تحريفٍ وتبديلٍ وزيادةٍ ونقصان، وقد كان أشار النبيّ إلى مواضع الترتيب والوضع والتقديم والتأخير.
قال أبو حاتم: إنّه وضع كُلَّ آيةٍ جنب ما يشبهها..
إلى أن يقول محمد بن عبد الكريم الشهرستاني: بلى والله، إنّ القرآن محفوظ، لقوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (94)، وأمّا حفظه بحفظ أهل البيت، فإنّهما لا يفترقان قط، فلا وَصْلُ القول ينقطع؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَـهُمُ الْقَوْلَ﴾ (95)، ولا جَمْعُ الثَّقَلَين يفترق؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ (96).
فنُسخَتُه إن كانت عند قومٍ مهجورة، فهي بحمد الله عند قومٍ محفوظةٍ مستورة، ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ (97).
ولم يُنقَل عنه (ع) إنكارٌ على ما جمعه الصحابة، لا كما قال عثمان: أرى فيه لحناً وستقيمه العرب، ولا كما قال ابن عباس: إنّ الكاتب كتبه وهو ناعس. بل كان يقرأ من المصحف ويكتب بخطّه من الإمام (98).
وكذلك الأئمّة من وُلده، يتلون الكتاب على ما يتلونه ويعلّمون أولادهم كذلك.
والله تعالى أكرم وأمجد من أن يدع كتابه الكريم المجيد على لَحْنٍ حتّى تقيمه العرب، ﴿بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ * لاَ يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ (99).
ولا يُستبعَد أن يكون لكتابه المنزَل نسختان لا تختلفان اختلاف التّضادّ، وكلاهما كلام الله عزّ وجلّ ... (100).
مع التأكيد على أنّ سياسة الإقصاء من قبل الخلفاء ـ في جمع القرآن ـ لا تختصّ بأمير المؤمنين عليّ (ع)، وإن كان هو الشاخص والبارز في هذه العمليّة، بل تعدّت إلى غيره من الصحابة.
إذ لم ينتدب أبو بكر معاذَ بن جبل إلى كتابة المصحف في أيّامه مع أنّه كان حياً يرزق.
كما ترك عمر بن الخطاب قراءة سيد القراء أُبيّ بن كعب بدعوى أنه أقرأ للمنسوخ (101).
وأُبعِد وأُقصي ابن مسعود من الكوفة أيّام عثمان بن عفان، ولمّا دخل المدينة المنوّرة نبزه عثمان بـ (دُوَيْبَّة سوء) (102).
وقال الحجاج عن مصحف ابن مسعود بأنّه ما هو إلّا رَجزٌ من رجز الأعراب (103)..
واتُّهم ابن عبّاس ـ حبر الأُمّة ـ في العصور المتأخّرة بروايته الإسرائيليّات في القرآن، كلّ ذلك استنقاصاً لمناوئي عثمان!
ومن هنا يحق لنا تكرار ما قلناه في سر التركيز على اسم عثمان وإبعاد الآخرين عنه، وانّ في ذلك شيءٌ من الإجحاف والهضم بحقّ كبار الصحابة ـ الذين عرضوا قراءتهم على رسول الله، والذين أوصى بقراءتهم رسول الله ـ على وجه الخصوص.
وتفوح منه أيضاً رائحة تبني الأُمويّين لذلك، إذ كيف لا يعرف لأمير المؤمنين عليُّ بن أبي طالب (ع) قراءة صحيحة، ولم يصحّ وجود مصحفٍ له، وهو الجامع للقرآن والكاتب له، وأصل قراءتنا اليوم مأخوذةٌ عنه بحسب اعتراف الجميع ـ من خلال أربعة قرّاء من السبعة ـ، وهو العالِم بالقرآن، نزل بليلٍ أم بنهار، في سهلٍ أو جبل، وهو القائل ـ بعد وفاة رسول الله (ص) ـ: «لا أخرج من بيتي حتّى أجمع القرآن» (104)؟
ألم يكن من حقنا أن نسأل: كيف يترك ولا يعتمد مصحف علي بن أبي طالب (ع) الذي هو باب مدينة علم الرسول، وأعلم الصحابة وأقضاهم وأقرَؤُهم ويعتمد مصحف عثمان وزيد بن ثابت؟
وإذا كان القرآن وعلومه هو ممّا ورثه أمير المؤمنين (ع) من رسول الله (ص)، فلماذا يُقصى الإمام، ويُقصى غيره ـ كابن مسعود وأُبيّ بن كعب ـ وهم مِن أَقْرَإِ الناس للكتاب العزيز (105)، ويُؤتى بأمثال زيد بن ثابت اليهودي ذي الذؤابتَين (106) ؟!
إنّه سؤالٌ محيِّر للعقول وهو يبحث عن إجابة!
وإذا تنزلنا وقلنا بأنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب هو كأحد المسلمين وليس له ميزة على غيره من الصحابة في القرآن وفي غيره، فكيف يذهبون إلى أنّ القراءة الرائجة اليوم بين المسلمين هي محكيّة عنه (ع)، وأنّ مصحف الكوفة هو أضبط المصاحف حسبما يقولون.
ومما تجدر الإشارة إليه بأنّ قراءة أهل الكوفة كانت هي قراءة علي بن أبي طالب وابن مسعود لا غير.
ويؤيد هذا الاتجاه قول الدكتور طيار آلتي قولاچ في مقدّمته على المصحف الشريف المنسوب للإمام عليّ بن أبي طالب (ع) (نسخة صنعاء)، والّذي طبعته منظمة التعاون الإسلامي (IRCICA):
... إملاء مصحف الكوفة الّذي هو مرجع قراءة عاصم بن بهدلة برواية حفص، إذ المعروف أنّ نحو ٩٠ % من مسلمي عالم اليوم يفضّلون رواية حفص، ويبدو من تدقيقنا أثناء هذه الدراسة في مواضع الخلاف بين مصاحف عثمان، أنّ طريقة إملاء مصحف الكوفة كانت هي المفضَّلة، سواء أكان في طبعة القاهرة من خلال أعوام (١٣٣٧ هـ، ١٣٤٢ هـ، ١٣٥٤ هـ، ١٣٥٧ هـ)، أم كان في المصحف المطبوع في المدينة المنوّرة باسم الملك فهد بن عبد العزيز اعتباراً من سنة ١٤٠٥ هـ، ولكنّ حفصاً... (107).
ومن هنا نستطيع التأكيد أنّه لا يصحّ ما قالوه بأنّ المراد من مصحف الكوفة هو ذلك المصحف المرسل من قبل عثمان إلى أهلها، وحتّى لو كان ذلك فقراءة علي بن ابي طالب وابن مسعود هما الأشهر والأضبط، فما عدا ممّا بدا يا علماء تاريخ القرآن؟!

◘ المقدّمة الخامسة:
التأكيد على مشروعيّة تعدّد القراءات ـ في عهد الشيخين ـ وانها جاءت وفقاً لتفسيرهم الحديث الشريف «نزل القرآن على سبعة أحرف» (108)، والّذي استُغِلّ من قبل أعداء الدين قديماً وحديثاً للطعن فيه.
فلو ثبت جواز تعدّد القراءات عن رسول الله (ص)، لكان هذا مخالفاً لما فعله عثمان في توحيدها على قراءةٍ واحدة (109)، إذ إنّها لو شرّعت التعدّدية في القراءات ـ بالعنوان الثانويّ ـ سعةً للمسلمين ورحمةً بهم، فلماذا يضيّقها عثمان ويُلزمهم بالأخذ بقراءةٍ واحدة؟
وما هي حال القراءات الستّة الأُخرى المشروعة دينياً ـ حسب الفرض ـ والمحظورة سياسيّاً بعد عثمان؟
ولو كانت المصلحة تقتضي توحيد القراءات، فكيف يعرف هذه المصلحة عثمان وحذيفة وزيد، ولا يعرفها رسول الله (ص)، ولا يتفطّن لها أمير المؤمنين (ع) وابن مسعود وأُبيّ بن كعب وغيرهم من عيون الصحابة وكبار قُرّائهم؟!
ونستطيع القول أيضاً ان السعة التي منحها الله ورسوله (ص) للعربي ولغيره ـ الّذي لا يطيق التلفّظ بالمنزَل على صدر النبيّ محمّد (ص) ـ قراءة ﴿حَتَّى حِين﴾ (110) بـ(عتّى حين) (111)، و﴿إِنّا أَعطَيناكَ الكَوْثَرَ﴾ (112) بـ (إنّا أنطيناك الكوثر) (113) وأكثر من ذلك فانه قد ورد في بعض الاخبار أنّ الله سبحانه يرفع قرآن الأعجميّ عربيّاً (114)، سعةً ورحمةً وتفضّلاً، لكن هذا لا يعني تجويزه القراءات الخاطئة للعربيّ القرشي أيضاً، أو سماحه للعربيّ الفصيح أن يقرأ القرآن بالمعنى أو بأي شكل ارتضاه ما لم يجعل آية رحمة آية عذاب هذا مجمل الكلام في المقدمة الخامسة وإليك تفصيل ذلك من خلال الرؤية التصحيحية:

* الرؤية التصحيحية:
تعدّد القراءات تخالف الوحدة فيه، وهو المبرّر لتشريع القراءات الجديدة:
إنّ فكرة مشروعيّة تعدّد القراءات، والقراءة بالمعنى، والأخذ بالمترادف في القرآن، وقراءة القرآن بأيّ نحوٍ كان، بشرط أن لا تصير آية رحمةٍ آيةَ عذاب وآيةُ عذابٍ آية رحمة (115)، وأمثال هكذا آراء تسيء إلى قدسيّة النصّ القرآنيّ، وهذا الأمر يدركه مَن له أدنى معرفة واعتقاد بإعجاز القرآن الذي لا يتوافق مع هكذا أقوال.
فهل يُعقَل بأن يكون النصّ مقدّساً مع تعدّد ألفاظه وأشكاله؟! وهل سمعت أنّ ملِكاً أو رئيساً أصدر مرسوماً ملكيّاً أو جمهورياً على سبعة أشكال وصور؟! إنّ لهذا من الغرابة ما لا يمكننا قبوله، وهذا هو الذي جعل بعض المستشرقين يسخّفون قرآننا ويقولون بأشياء قبيحة فيه، إذ قال جولد تسهير في (مذاهب التفسير الاسلامي):
فلا يوجد كتاب تشريعي اعترف به طائفة اعترافاً عقدياً على أنه نص منزل أو موحى به، يقدم نصه في أقدم عصور تداوله مثل هذه الصورة من الاضطراب وعدم الثبات، كما نجد في نص القرآن(116) .
وكلام هذا المستشرق باطل جملة وتفصيلاً. لأنّه خلط الحابل بالنابل، لأنّ النصّ القرآني نص واحد لا اختلاف فيه، وتعدّد الوجوه والقراءات جاء متأخراً بعد زمن الرسول (ص)، ولذلك لا يعتنى بها في الصلاة ولا تجزي ولا تجوز القراءة إلا بالثابت المشهور.
والذي يحز في النفس بأن مستمسك هؤلاء هي الروايات الموجودة في كتب الجمهور وهي التي تصور المسالة هكذا، في حين لم يكن كما قالوه؛ إذ بقي القرآن معجزة على مر الازمان والدهور.
بل كيف يمكن أن يُتصوَّر هذا في القرآن المعجِز الّذي فاق كلّ نصوص البشر، والّذي فيه من العلوم فوق ما يتصوّره الناس.
وقد أفرد ابن أبي الإصبع المصري (٥٨٥ ـ ٦٥٤) في كتابه (التحبير) باباً أسماه (باب الإبداع)، أشار فيه إلى عشرين ضرباً من البديع في الآية ٤٤ من سورة هود فقط، وهي قوله تعالى: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَماءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْـمَاءُ وَقُضِي الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلى الْـجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْداً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ (117)، وقال: إنّ قريشاً لـمّا نزلت هذه الآية عمدت إلى معلَّقاتها فأنزلتها من جدران الكعبة.
فهل يبقى القرآن ـ وهو بهذه المنزلة من الإعجاز ـ على إعجازه لو اعتقدنا بجواز الأخذ بالمترادف أو صحة القراءة بالمعنى فيه؟
وأُجيز بأن يُقرَأ بأيّ شكلٍ كان، بدعوى أنّه جاء من باب هلمّ وتعال؟! (118)
إن هذا الكلام باطل لا نقبله، وهو يفتح الباب للمغرضين للقول بالزيادة والنقصان في القرآن الكريم.
جذور فكرة الأحرف السبعة:
إنّ هناك مؤشّرات تؤكّد على أنّ عمر بن الخطاب كان وراء تبنّي فكرة الأحرف السبعة وبثّها بين المسلمين(119)، وقد الصقت هذه الفكرة بابن مسعود وأُبيّ بن كعب، ومن قبلهما إلى رسول الله أيضاً دعماً لعمر، وسترى بعد قليل بأنّ نسبة الاستفادة من الأحرف السبعة إلى عمر بن الخطاب قد قال به غيرنا.
ولا يستبعَد أن تكون هذه الفكرة قد جاءتنا من اليهود للتشكيك في النصوص المقدَّسة عندنا، لأنّ اليهود وبعد أسرهم الجماعيّ ونقلهم إلى بابل قد أُحرقت جميع كتبهم ودُمّرت معابدهم، وبقوا على ذلك الحال عدّة عقودٍ حتّى أنقذهم الملك الفارسيّ كوروش، فيقال بأنّهم دوّنوا التوراة على ما بقي في ذاكرة بعض الأشخاص الّذين سمعوه من آبائهم، فأصبح هناك عندهم توراةٌ عبريّة وتوراةٌ سامريّة، لذا أرادوا أن ينسبوا هذا الأمر إلى كتابنا المقدّس أيضاً، وأن يدّعوا بأنّ القرآن جُمع عن حفظٍ لا عن كتابة.
وربما جاءتنا هذه الفكرة من عند النصارى، حيث تعرّض المسيح لمحاولة الصلب، إذ تفرّق الحواريّون عنه، فلم يبقَ من الإنجيل لديهم إلّا ما في الذاكرة، فأخذ الحواريّون يكتبون ما عرفوه، ولهذا تعدّدت الأناجيل عندهم، فأرادوا أن يقولوا بأنّ القرآن متعدّدٌ أيضاً، يشبه إنجيل لوقا، وإنجيل متّى، وإنجيل بولس، وإنجيل يوحنّا، وغيرها من الأناجيل.. أي أنّهم أرادوا تسرية التحريف من كتبهم إلى الكتاب العزيز عندنا، وذلك تحت عنوان مشروعيّة تعدّد القراءات.
وبذلك تكون فكرة الأحرف السبعة هي بنظرنا أقرب إلى النصارى من اليهود.
ومع ذلك نتسائل: إذا كان الحفظ هو المعيار في الجمع فلماذا لا يجمعه زيد بن ثابت من حفظه بل يأخذه من العسب واللخاف والكتف و...

أهل البيت ووحدة النص القرآني:
إنّ أهل بيت الرسالة صرّحوا بهذه الحقيقة وأنّهم لا يقبلون بتعدّدية النصّ القرآني، بل يرونه طارئاً على الفكر الإسلامي، لأن النازل من عند الله الواحد عندهم هو نص واحد، وقد نزل على رجل واحد، ولأجل هذا كذّب الإمام مَن فسّر الأحرف السبعة بتعدّد القراءات.
نعم إن فتح هذا الباب ودراسته ربما يفضي الى اتساع آفاق البحث عن سرّ تخوّف الرسول (ص) من تلاعب اليهود والنصارى بالقرآن الكريم.
وباعتقادي أنّ ما قاله (ص) عن اليهود والنصارى ليس هو محض تَنَبّؤ، بل هو إخبارٌ عن دَوْرٍ موجود لهم آنذاك في المجتمع أيّام حياته المباركة ـ وهذا ما سنفتحه لاحقاً إن اقتضى الأمر لذلك ـ لكنهم لم يفلحوا ولم ينجحوا لتحقيق مآربهم، إذ بقي متن القرآن محفوظاً وشرعيّاً يؤخذ به رغم كلّ المحاولات المسيئة له.
لأنّ صحّة نبوّة النبيّ محمّد (ص) متوقّفة على سلامة القرآن من التحريف، وأنّ هداية الخلق والإعجاز الالهي متوقّفان على القرآن نفسه، ومع احتمال التحريف بزيادة أو نقيصة لا وثوق بشيء من آيات القرآن ومحتوياته، وتسقط حجّيّته، مع التأكيد على أنّ التشكيك في تعدّد القراءات لا يعني التشكيك بأصل القرآن المجيد كما يريد أن يستغله المستشرقون وغيرهم.
نعم، إنّ مدرسة أهل البيت (ع) كانت لا تقبل بفكرة التعدّدية في القرآن، بل تقول بالوحدويّة فيه وتؤكّد عليه، لأنّ كلام الله نزل من عند الواحد على رجلٍ واحد، بلسانٍ واحد.
فعن الفضيل بن يسار، قال: قلت لأبي عبدالله [الصادق (ع)]: إنّ الناس يقولون: إنّ القرآن نزل على سبعة أحرف. فقال: «كذبوا أعداء الله، ولكنّه نزل على حرفٍ واحدٍ من عند الواحد» (120).
وعن زرارة، عن أبي جعفر [الباقر (ع)]، قال: «إنّ القرآن واحدٌ نزل من عند واحد، ولكنّ الاختلاف يجيء من قِبَل الرُّواة» (121).
بهذين النصين عن الباقر والصادق عليهما السلام نقف على دور الأئمة التصحيحي في القرآن والقراءات فيه، إذ أن صحة منهجهم تدعوا إلى الوحدوية في القول والعمل ويشهد له قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (122).
وقد روى عبد الله بن مسعود عن النبي (ص) ما يقارب ذلك إذ قال:
اختصم رجلان في سورة، فقال هذا: أقرأَني رسول الله، وقال هذا: أقرأَني رسول الله. فأتيا النبيّ (ص) فأُخبِر بذلك.
قال: فتغيّر وجهه، فقال: «اقرؤوا كما عُلّمتُم ... فإنّما هلك مَن كان قبلكم باختلافهم على أنبيائهم» (123).
وفي جملة: «اقرؤوا كما عُلِّمْتُمْ ...»، إشارة منه (ص) إلى ضرورة الأخذ بالنصّ الواحد المعلَّم من قِبل رسول الله لأصحابه المخلصين (124)، وعدم جواز الاختلاف على الأنبياء.
فالنبي (ص) لم يقل «كما سمعتم» بل قال: «كما علمتم» إشارة منه إلى لزوم اعتبار العرضة والتعلم منه (ص) هو المعيار في صحة القرآن والأخذ به لا السماع عن طريق النقل الجماعي، مثل سماعهم تلاوته (ص) في الصلاة أو استشهاده ببعض الآيات في خطبه، وبذلك يكون العرض اسمى من اعتبار السماع وأثبت.
وقد يكون الخبر المروي في «كنز العمال» من مسند الصدّيق: عن أبي عبدالرحمن السلمي، قال: كانت قراءة أبي بكر وعمر وعثمان وزيد بن ثابت والمهاجرين والأنصار واحدة...(125) فيه اشارة الى ما نريد قوله في لزوم الوحدوية في النص، إذ أنّ النبي قد جدّ باقراء الناس القرآن على مكث كي يصونهم من التحريف، فلا يمكن لي أن اتصوّر إمكان وقوع الاختلاف بين الصحابة الذين عرضوا قراءتهم على رسول الله.
وكذا لا يمكن تصور وقوع الاختلاف بين الذين نص عليهم رسول الله في الاقراء والتعليم للأمة وأمر الناس في الرجوع إليهم كابن مسعود وأبي بن كعب وعلي بن أبي طالب.
إذن القرآن المقروء عند المسلمين في العصر الأول كانت قراءةً واحدةً، لكنّ الصراعات السياسية في الأزمان اللّاحقة هي الّتي جعلتها متعدِّدة، تحت ذريعة مشروعيّة تعدّد القراءات، فقد سُئل الإمام أمير المؤمنين (ع) عن معنى الأحرف السبعة فقال:
«إنّ الله ـ تبارك وتعالى ـ أنزل القرآن على سبعة أقسام، كلٌّ منها شافٍ كاف، وهي: أمر، وزجر، وترغيب، وترهيب، وجدل، ومثل، وقصص ...» (126).
وهذا الكلام من أمير المؤمنين وما يتلوه عن ابن مسعود هو غير ما يريدون الذهاب إليه في القراءات وفي غيرها.
فقد روى ابن مسعود، عن رسول الله (ص) قوله: «كان الكتاب الأوّل نزل من بابٍ واحد على حرفٍ واحد، ونزل القرآن من سبعة أبوابٍ على سبعة أحرف: زاجرٌ وآمرٌ، وحلالٌ وحرامٌ، ومحكمٌ ومتشابهٌ وأمثال» (127).
فلو قبلنا بأنّ النبيّ قد تلقّى القرآن نصاً واحداً، فلا معنى لجواز نقله بالمعنى، فقد قال سبحانه: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِن لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾ (128)، وقال تعالى: ﴿وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنذِرَكُم بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ (129)، وقال عزّ وجل: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ تَنزِيلاً﴾ (130)، وقال عزّ من قائل: ﴿وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ (131)، وأمثالها.
فكلُّ هذه الآيات تؤكّد لزوم التعبّد بالنصّ القرآنيّ الواحد، وعدم جواز تغيير ألفاظه وترتيب حروفه، وعدم صحّة ما ادّعوه من جواز قراءة القرآن بأيّ شكلٍ كان بشرط أن لا تُغيَّر آيةُ رحمةٍ إلى آية عذاب، والّذي يرجع جذوره إلى ما حكي عن عبد الله بن أبي سرح ـ أخي عثمان من الرضاعة ـ، حينما كان كاتباً للوحي حسبما يقولون!! وأن رسول الله إذا قال له: «أُكتبْ: عليماً حكيماً»، كتب: غفوراً رحيماً، وإذا قال له: «أُكتب: غفوراً رحيماً»، كتب: عليماً حكيماً، وارتدّ ولحق بمكة (132).
فسؤالنا: لو كانت التعدّديّة والاختلاف هي مطلوب الشارع، فلِمَ يحصر النبيّ الفرقة الناجية من أُمّته بواحدة من الثلاث والسبعين فرقة، ويقول عن الباقي: إنّها في النار؟ (133).
بل ما يعني تأكيد الله سبحانه وتعالى على وحدة الكلمة اذن؟ وهل أمَرَنا الله عزّ وجلّ بالوحدة أم بالفُرقة؟
ولو كانت الفُرقة هي مطلوب الشارع، فما معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيرا﴾ (134)؟!
وكذا قوله: ﴿وَأَنَّ هذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ذلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (135).
وهل حقاً معنى قوله (ص): «اختلاف أُمّتي رحمة» (136) كما يفسّرونه، أم هو شيء آخر؟ فكيف نفسّر قوله (ص): «لا تختلفوا، فإنّ مَن كان قبلكم اختلفوا فهلكوا»(137)؟
وألم يذمّ الإمام عليّ (ع) اختلاف العلماء في الفُتيا؟ في قوله:
«... ثمّ يجتمع القضاة بذلك عند الإمام الّذي استقضاهم، فيصوّب آراءهم جميعاً، وإلههم واحد! ونبيّهم واحد! وكتابهم واحد! أفأَمَرهم اللهُ تعالى بالاختلاف فأطاعوه، أم نهاهم عنه فعصوه؟! أم أنزل الله ديناً ناقصاً فاستعان بهم على إتمامه؟! أم كانوا شركاءه فلهم أن يقولوا وعليه أن يرضى؟! أم أنزل الله سبحانه ديناً تامّاً فقصّر الرسول (ص) عن تبليغه وأدائه؟! واللهُ سبحانه يقول: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِن شَيْءٍ﴾، وقال: ﴿تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ ...﴾ (138).
وعليه، فالاختلاف ليس من القرآن نفسه، إذ إنّ القرآن واحد نزل من عند الواحد، لكنّ الاختلاف يجيء من قبل الرواة، فهذا يقرأه بكذا وذاك يقرأه بشكل آخر يغيّر معناه.
وإنّ تعدّد القراءات لم تكن على عهد رسول الله (ص) وقد حدثت بعد أعوام من عهد التنزيل، وبذلك يكون المقصود من الحرف في جملة: «على سبعة أحرف» إشارةً إلى التأويل والأطراف والجوانب والوجوه الموجودة في القرآن المجيد، لا القراءات.
أي: وجود جوانب متعدّدة للنصّ الواحد يمكن فهم ظاهرها طبقه، لكنّ معرفة كُنْه تلك الأُمور لا يتأتّى إلّا للمعصومين، لأنّهم الراسخون في العلم الّذين قال سبحانه عنهم: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (139)، وهم أهل بيت الرسالة فقط، كما هو نصّ حديث الثقلين المتواتر عند الفريقين.
فلا تجوز القراءة بالشاذّ، إذ إنّ أئمّة أهل البيت أكّدوا لزوم القراءة بما يقرأ به الناس وترك الشاذّ النادر، وهذا ما أكّده غالب فقهاء مدرستهم أيضاً.
وعليه، فقد اتّضح لك بأنّ غير المعصوم لا يمكنه فهم عمق القرآن وكنهه، أما ظاهره فيفهمه غالب الناس، وأنّ مسألة الأحرف السبعة قد استُغلّت من قبل الخلفاء ـ خصوصاً من قبل عمر بن الخطاب ـ لعللٍٍ خاصّةٍ، ولأجل وجود هذه الإشكالية وأمثالها عدّ الدكتور عبدالصبور شاهين حديث الأحرف السبعة أنّه:
لغز الألغاز في تاريخ القرآن، بل هو مصدر مشكلات هذا التاريخ، ولذلك كثرت في تفسيرها الاجتهادات وتعدّدت الآراء قديماً وحديثاً، دون أن يُنتهى إلى رأيٍ قاطع ... (140).
كما أكّد الدكتور شاهين أنّ: أوّل من كشف وجود هذا الإذن (141) لا يعدو أحد الرجلين: أُبيّ بن كعب وعمر بن الخطّاب ...
إلى أن يقول: ومعنى ذلك بداهةً أنّ الوحي القرآنيّ استمرّ ينزل على قلب النبيّ واحداً وعشرين عاماً على حرفٍ واحد، وأنّ إقراء هذه المدّة من حياة النبيّ كان على حرفٍ واحد، وأنّ المجتمع كلّه كان يقرأ القرآن طيلة هذه المدّة من حياة النبيّ على حرفٍ واحد، وأنّ تدوين ما كان ينزل من القرآن كان أيضاً على حرفٍ واحد، ولا شكّ في هذا أبداً بعد أن وضحت لنا المعالم التاريخية السابقة (142).
إلى أن يقول: فمن المؤكَّد أنّ الوحي بمكّة كان على حرفٍ واحد، وكذلك ما نزل بالمدينة قبل الأحرف السبعة كان كلّه يُقرَأ على حرفٍ واحد، فكيف نفسّر أن يقع هذا الاختلاف في سورتين مكيَّتين؟! (143)
لكنّه مع كلّ ذلك، استفاد الدكتور ممّا قاله الطبري ـ عند جمعه بين روايات الأحرف السبعة، وجمع عثمان الناس على حرفٍ واحد وتركه للستّة الباقية ـ: «بأنّها كانت رخصةً وليست بعزيمة»؛ فقال الدكتور شاهين:
وهنا نلتقي مع الطبري ... كما نلتقي أيضاً مع ما رآه أُستاذنا الدكتور أنيس من أنّ روح هذه الرخصة لا تزال باقية إلى اليوم، يقرأ في حدودها المسلمون من شتّى الأجناس، على اختلاف ألسنتهم في الماضي والحاضر والمستقبل، وإن كنّا لا نرى أنّ ذلك من الأحرف السبعة، بل هو من روح التيسير الّتي تميَّز بها الإسلام، إذ كان وجود الأحرف السبعة بمعناها التنزيليّ قد توقّف ـ بإجماع المسلمين ـ على مصحف عثمان، ولم يبقَ منها سوى بعضها في حدود رسم هذا المصحف الإمام (144).
ونحن لا نتفق مع الدكتور شاهين لأنّ فكرة الأحرف السبعة ـ بالشكل الّذي يرتضونه ـ جاءت متأخِّرةً، وليس لها وجود أيّام رسول الله (ص) ـ في مكّة المكرّمة وفي المدينة المنوّرة ـ، وقد استُخدمت من قِبل عمر بن الخطاب كمرحلةٍ من مراحل جمع الخلفاء للقرآن بعد رسول الله (ص)، ولجمع جميع آراء الصحابة في القرآن، ثمّ استُغِلَّت هذه الفكرة حديثاً ـ استغلالاً بَشِعاً ـ من بعض الكتّاب المعاصرين، أمثال: محمّد عابد الجابري، ومحمّد أركون، ونصر حامد أبي زيد، وعبد الكريم سروش، وغيرهم بدعوى وجود أولياته في التراث القديم.
وعليه، فلو ثبت جواز تعدّد القراءات على عهد رسول الله (ص)، فهو يخالف إلزام عثمان الصحابة بالقراءة الواحدة والحرف الواحد، كما يخالف حرقه للأحرف الستّة الباقية لأنها ـ حسب الفرض ـ مما أرادها الله ورسوله تيسيراً ورحمةً بأمته!
ألم يكن في فعل عثمان نفياً للغرض الّذي شُرِّع من أجله تعدّد القراءات؟!!
وإذا كانت وحدة القراءات مطلوبة للشارع وللناس، وأنّ عمر كان يريد أن يجمع الناس على قراءةٍ واحدةٍ (فطُعِن طعنته الّتي مات فيها)(145)، فلماذا تُشرَّع التعدّدية من بعده، ويُقال عمّن لا يؤمن بتواتر القراءات السبع عن رسول الله (ص): إنّه كافر (146)؟ أليس في ذلك تناقض بين الادّعاءَين؟!

فكرة تعدّد القراءات وُضعَت لتصحيح قراءات الصحابة أو للحدّ من عمل عثمان:

كما أنّي أُرجّح أن تكون فكرة تعدّد القراءات قد جاءت أيضاً لشرعنة قراءات الصحابة (147)، لأنّ الّذي لا يعرف معنى الكلالة (148)، ولا يقوى على حفظ سورة البقرة إلّا بعد اثني عشرة سنة حتّى إذا أتمّ حفظها نحر جزوراً (149)، والّذي كان يقرأ بعض الآيات بقراءة تخالف المشهور عند المسلمين ـ مثل: (عظام ناخرة) بدل ﴿نَخِرَة﴾، أو (الحيّ القيّام) بدل ﴿الحَيّ القَيُّوم﴾، وأمثالها ـ فهو محتاج إلى تصحيح قراءته، سواءً قلنا بأنّها كانت لهجة لم توافق لهجة قريش أو قلنا بأيّ شيءٍ آخر.
فقد يكون تعدّد القراءات شُرِّع لإدراج بعض تلك القراءات الشاذة ـ من الصحابة ـ في القرآن، لكنّهم لم يُوفَّقوا لذلك؛ بسبب اعراض الأُمّة عن الأخذ بغير المشهور.
فالسهو في القرآن ـ أو في غيره ـ أمر محتمل لغير المعصوم، فانه قد ينسى لفظ الكلمة دون معناه فيستبدلها بمرادفة قريبة الى المعنى، كاستبدال كلمة (اسعوا) بـ (امضوا) أو (عجّلوا) أو (أسرعوا) و(عهن منفوش) بـ (صوف منفوش) وأمثال ذلك، ومن هنا يأتي قولهم بجواز قراءة القرآن بالمعنى، وجواز قراءته بأي نحو كان ما لم يجعل آية عذاب آية رحمة وأشباه ذلك.
إنّ منهج بعض الصحابة كان يسمح للتحريف والتغيير في القرآن لكن منهج أهل البيت كان يقف أمامه ولا يرتضيه، يؤيّد ذلك ما جاء في (فضائل القرآن) لأبي عبيد، بإسناده عن الأوزاعي:
إنّ رجلاً صحبهم في سفر، قال: فحدّثنا حديثاً ما أعلمه إلّا أنّه رفعه إلى رسول الله، قال: إنّ العبد إذا قرأ فحرّف أو أخطأ (150)، كتبه الملَك كما أُنزل (151).
وروي عن خالد بن الوليد أنّه أمّ الناس فقرأ [مخلوطاً] من سورتين، ثمّ التفت إلى الناس حين انصرف، فقال: شغلني الجهاد عن تعلّم القرآن (152).
وبهذا فلا يستبعد أن يكون ما جاء من أخبار في موافقات الوحي لعمر بن الخطّاب، قد جاء من هذا القبيل.
ففي (الاتقان) للسيوطي: وأخرج عن عبد الرحمان بن أبي ليلى أنّ يهوديّاً لقى عمر بن الخطّاب فقال: إنّ جبرائيل الّذي يذكر صاحبكم عدوّ لنا. فقال عمر: (مَن كان عدواً لله وملائكته ورسله وجبرئيل وميكائيل فإنّ الله عدوّ للكافرين). قال: فنزلت على لسان عمر (153).
كما لنا أن نحتمل أيضاً ونقول: إنّ فكرة التعدّدية جاءت بعد فتوحات عمر للأمصار، توسعةً له ولهم، وتصحيحاً للقراءات المتعدّدة المنتشرة آنذاك بين أيديهم، وهذا الكلام يشبه ما قلناه سابقاً في سبب اختلاف النقل عن الصحابيّ الواحد (154)، وأنّ أحد الوجوه فيه هو وضع الخبر على لسان الصحابيّ تأييداً لاجتهاد الخليفة، فلا يُستبعَد أن يكون عمر قد سمح بتعدّد القراءات للأعاجم سعةً ورفقاً بحالهم، وهو مسموحٌ به شرعاً من قبل رسول الله (ص) ولا خلاف فيه، لكنّه استفاد من ذلك الجواز تجويز الخلاف في النصّ القرآني بين العرب أيضاً، وروى حديثاً عن رسول الله وقع بينه وبين هشام بن حكيم، في حين أنّ عمر بن الخطّاب وهشام بن حكيم كانا كلاهما قرشيين، وقد اختلفت قراءتهما (155)، أي أنّ عمر بن الخطاب امتدّ بدعواه إلى عهد رسول الله لكسب الشرعيّة منه (ص)، حاكياً عن رسول الله أنه سمح لهما أن يقرآ القرآن بأيّ شكلٍ كان، ما لم يجعل آية رحمةٍ آية عذاب، لأنّ القرآن بزعمه جاء من باب هلمّ وتعال وهذا ما لم نقبله.
فالسؤال: هل يمكننا ـ طبقاً لهذا الكلام ـ أن نصحّح قراءة عمر بن الخطاب (غير المغضوب عليهم وغير الضالّين) بدل ﴿غَيْرِ الْـمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ﴾، المقروءة من قبل رسول الله (ص) أكثر من خمسٍ وعشرين ألف مرّة في صلواته الجهريّة ـ بصرف النظر عن الإخفاتيّة ـ طوال مكثه (ص) بين ظهرانيهم أكثر من ٢٣ عاماً، ونقول: إنّها جاءت من باب هلمّ وتعال؟
بل هل يجوز الاجتهاد في قبال النص، وخصوصاً عندما يكون النصّ قرآناً والقارئ له رسول الله (ص)؟
لأنّنا نعلم بأنّ فاتحة الكتاب هي من أوائل السور التي نزلت على النبيّ محمّد(ص)، وأنّها لا تُترَك بحالٍ في الصلوات، جهريّةً كانت أو إخفاتيّة، وقد شُرّعت في مكّة المكرّمة في بدء البعثة، فكيف يمكن تصوّر اختلاف الصحابة في قراءة أمرٍ مشهور كفاتحة الكتاب؟! إنّه سؤالٌ وجيهٌ يواجهه كلُّ باحثٍ في موضوع القراءات، وهو يبحث عن جواب له من علماء القراءات.
نعم، لا يستبعد أن تنسب أمثال هكذا قراءات إلى ائمّة أهل البيت (ع) أيضاً، وهذا ما يفعله أنصار النهج الحاكم غالباً في الأُمور الخلافيّة، فينسبون ما يريدون ادّعاءه إلى أئمّة أهل البيت (ع) وإلى كبار الصحابة والتابعين تعضيداً لآرائهم وتحكيماً لها.
وزبدة الكلام: انّ النبيّ وأهل بيته وأصحابه ـ الجامعين للقرآن على عهده(ص) ـ لم يقرؤوا القرآن إلّا بقراءةٍ واحدة، إذ لم ينزل القرآن الكريم إلّا بتلك، لكنْ في العصور اللّاحقة اختلفت القراءات واختلطت لعللٍ يجب توضيحها في مكان الآخر ناسبين ذلك الى رسول الله، وإنّما أجاز أهل البيت ـ تبعاً للنبيّ(ص) ـ القراءةَ بالمشهور المتداول بين المسلمين وترك الشاذ النادر، لأنّه الأقرب إلى قراءة النبيّ (ص) وما جاء عن الله.

◘ المقدّمة السادسة:
أتباع مدرسة الخلافة تقول بجمع القرآن بشاهدَين ـ أو حتّى بشاهدٍ واحدٍ، كما جاء في خبر خزيمة أو أبي خزيمة ـ، أي أنهم قالوا: بإمكان ثبوت القرآن بالبيّنة والشهود ـ أو على قولٍ: بخبر الآحاد ـ، وفي الوقت نفسه قالوا بشيء آخر في القراءات، وهو تواتر القراءات العشر عن رسول الله (ص)، واتّهموا مَن لم يقل بذلك بالكفر(156)!
وهذا القول منهم يسيء إلى حجّية القرآن ، لأنّ حجّيـة الجمع بالبيّنـة والشهود ـ حسب هذا المدّعى ـ ينافي حجية القول بالتواتر الذي تقول به الشيعة الإمامية ، بل إنّ القول الأخير أصحّ من الأوّل حسب اعتراف الجميع ، ويقرّه العقل والفطرة والتاريخ.
كما أنّ فكرة التواتر ينافي ما قالوه في شأن الآية التي وجدت عند خزيمة ـ أو أبي خزيمة ـ وأنّها لم تكن من أخبار الآحاد بل كانت مشهورة ومتواترة، بدعوى أن زيد ابن ثابت كان قد حفظها لكنّه نَسِيَها، ولما قرأها خزيمة تذّكرها.
فالآن نتساءل: هل أنّ جميع الصحابة نسوا تلك الآية أم أن زيداً وحده هو الذي نَسِيَها ولمّا ذكّره خزيمة تذكّرها؟!
إنّ فكرة جمع القرآن بشاهدين ربما فيها مصادرة لعمل وجهود الأُمّة، ومسعاة لركوب الموجة وحصر المشروع وتسجيله لصالح أبي بكر وعمر وعثمان وزيد تحت طائلة التثبّت ولزوم الدقّة والضبط في القرآن وهذا ما ستقف عليه لاحقاً، وهذا الأصل وإن كان إيجابيّاً في ظاهره، لكنّه في العمق يخدش تواتر القرآن ويسيء إليه، ويتعارض مع مسيرة رسول الله (ص).

* الرؤية التصحيحية:
مصادرة الخلفاء لجهد الأمة في حفظ القرآن:
قلنا قبل قليل: إنّ فكرة جمع القرآن بالبيّنة والشهود تسيء إلى الدين الإسلامي وتخالف معنى القرآن الذي أخذت تسميته من كثرة قراءته آناء اللّيل وأطراف النهار.
قال الرازي في تفسيره للآية الكريمة: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ﴾(157):
سمّاه قرآناً لكثرة ما قُرئ ويُقرأ إلى الأبد ، بعضه في الدنيا وبعضه في الآخرة(158).
وأنّ الصحابة كانوا مأنوسين بهذا القرآن يرتّلونه آناء الليل وأطراف النهار حتّى تتورّم أقدامهم، وكانوا يحفظونه حتّى قيل عنهم بأنّ أناجيلهم صدورُهم (159).
قال الزركشيّ في (البرهان):
حفظه في حياته جماعة من الصحابة، وكلّ قطعة منه كان يحفظها جماعة كثيرة أقلّهم بالغون حدّ التواتر، وجاء في ذلك أخبار ثابتة في (الترمذي) و(المستدرك) وغيرهما من حديث ابن عباس قال: كان رسول الله يأتي عليه الزمان وهو ينزل عليه السور ذوات العدد، فكان إذا نزل عليه الشيء دعا بعضَ من كان يكتب فيقول: ضعوا هذه الآيات في السورة التي يذكر فيها كذا وكذا. قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه (160).
فلا يصحّ ولا يعقَل أن يستعين الخلفاء الثلاثة ـ بعد كل ما قلناه ـ بزيد بن ثابت إذا كان القرآن محفوظاً ومعلوماً عند المسلمين، وكانوا هم من الجامعين للقرآن على عهد رسول الله (ص)!
وإذا كان أبو بكر أقرأ الناس (161) كما يقولون، فلِمَ يستعينُ بزيد بن ثابت لجمع القرآن ولا يباشر هو هذا العمل بنفسه؟
كما لا يصحّ أن يجمع أبو بكر أو عمر أو عثمان القرآن المقروء والمشهور بين المسلمين ـ مع وجود صحف منه عند كبار الصّحابة ـ وبمنهجيّةٍ خاصّة تشكِّك بعدالة كلِّ الصحابة.
إنّ أُطروحتهم الخاطئة في جمع القرآن قد توصلنا إلى القول بأنّ القرآن ليس بمعجِز؟ لأنّه لو كان معجِزاً وخارقاً للعادة لما احتاج إلى الشّهادة عليه بالشّهود، ولكان بنفسه شاهداً على نفسه، لتواتره ولبلاغته.
بلى، إنّ هذا المنهج وهذه الأُطروحة قد سبّبت لنا مشاكل كثيرة في علوم القرآن، ولا يمكن حلّها إلّا بالذهاب الى ما تقول به مدرسة أهل البيت وأنّه كان قد جُمع ورُتّب من قِبل المعصوم (162)، وأنّ حجّيته جاءت لتواتره وإشتهاره بين المسلمين لا بشاهدَين كما يزعمون، وأنّ رسول الله (ص) هو الّذي أقرأهم على مكث، وهو الذي أشرف على ترتيب كتاب ربّه، وهو الّذي أمر وصيّه عليّ بن أبي طالب أن يوحد شكل الصحف وأن يجمعه بين الدفّتَين. فإذن لم يكن ترتيب القرآن ـ وخصوصاً الآيات في داخل السور ـ باجتهاد الصحابة، ولم يكن القرآن مجموعاً من قبلهم، لأنّ القول بجمعهم متأخراً يفقد القرآن حجّيته ويستلزم توالي فاسدة جمّة حسبما وضّحناه.
فلو أرادوا أن يعطوا القرآن الحجّيّة فعليهم القول بما تقول به مدرسة أهل البيت لا غير، لأنّ الله قال في كتابه العزيز ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ﴾ فلم يقل إن على أبي بكر أو على عمر وعثمان جمعه وقرآنه؟!
فجبرئيل الأمين والنبي الصادق هما أحق بجمعه والإشراف على ترتيبه من غيرهما.
إذن، رؤية مدرسة أهل البيت هي أقرب إلى الأدلة والفطرة والعقل والوجدان، وإلى الدين الصحيح والصراط المستقيم.

كلام علمين من أعلامنا:
1ـ وإليك ما نقله الشيخ الطَّبْرِسِيُّ عن الشّريف المرتضى ( ت 436 هـ) حتّى تعرف حقيقة الأمر:
إنّ العلم بصحّة نقل القرآن كالعلم بالبلدان (163)، والحوادث الكبار، والوقائع العظام، والكتب المشهورة، وأشعار العرب المسطورة، فإنّ العناية اشتدّت والدواعي توافرت على نقله وحراسته، وبلغت إلى حدٍّ لم يبلغه فيما ذكرناه، لأنّ القرآن معجزة النبوّة، ومأخذ العلوم الشرعيّة والأحكام الدينية، وعلماءُ المسلمين قد بلغوا في حفظه وحمايته للغاية، حتّى عرفوا كلّ شيءٍ اختُلف من إعرابه وقراءته وحروفه وآياته، فكيف يجوز أن يكون مغيَّرا أو منقوصاً مع العناية الصادقة والضبط الشديد؟
وقال أيضاً قدس الله روحه:
إنّ العلم بتفسير القرآن وأبعاضه في صحّة نقله كالعلم بجملته، وجرى ذلك مجرى ما عُلم ضرورةً من الكتب المصنّفة، ككتاب سيبويه والمزني، فإنّ أهل العناية بهذا الشأن يعلمون من تفصيلهما ما يعلمونه من جملتهما، حتّى لو أنّ مُدْخِلاً أدخل في كتاب سيبويه باباً في النحو ليس من الكتاب، لعُرِف ومُيِّز وعُلِم أنّه ملحقٌ وليس من أصل الكتاب، وكذلك القول في كتاب المزني، ومعلومٌ أنّ العناية بنقل القرآن وضبطه أدق من العناية بضبط كتاب سيبويه ودواوين الشعراء.
وذكر أيضاً : إنّ القرآن كان على عهد رسول الله (ص) مجموعاً مؤلَّفاً على ما هو عليه الآن، واستدلّ على ذلك بأنّ القرآن كان يُدرَّس ويحفَظ جميعه في ذلك الزمان، حتّى عُيّن على جماعةٍ من الصحابة في حفظهم له، وأنّه كان يُعرَض على النبيّ (ص) ويُتلى عليه، وأنّ جماعةً من الصحابة ـ مثل عبد الله بن مسعود وأُبيّ بن كعب وغيرهما ـ ختموا القرآن على النبيّ عدّة ختمات، وكلُّ ذلك يدلّ ـ بأدنى تأمّلٍ ـ على أنّه كان مجموعاً مرتَّباً، غير مبتورٍ ولا مبثوث.
وذكر أنّ من خالف في ذلك من الإماميّة والحشويّة لا يُعتَدّ بخلافهم؛ فإنّ الخلاف في ذلك مضافٌ إلى قومٍ من أصحاب الحديث نقلوا أخباراً ضعيفة ظنّوا صحّتها، لا يرجع بمثلها عن المعلوم المقطوع على صحته (164).
2ـ قال الشيخ محمّد جواد البلاغي ـ وهو عالمٌ آخر من علماء الإمامية ـ: واستمرّ المسلمون على ذلك [أي على تلاوته] حتّى صاروا في زمان الرسول يعدّون بالأُلوف وعشراتها ومئاتها، وكلّهم من حمَلَة القرآن وحفّاظه، وإن تفاوتوا في ذلك بحسب السابقة والفضيلة، هذا ولمّا كان وحيه لا ينقطع في حياة رسول الله (ص)، لم يكن كلّه مجموعاً في مصحفٍ واحد، وإن كان ما أُوحي منه مجموعاً في قلوب المسلمين وكتاباتهم له ... (165).
إلى أن يقول: فاستمرّ القرآن الكريم على هذا الاحتفال العظيم بين المسلمين جيلاً بعد جيل، ترى له في كلّ آنٍ أُلوفاً مؤلَّفةً من المصاحف وأُلوفاً من الحفّاظ، ولاتزال المصاحف يُنسَخ بعضها على بعض، والمسلمون يقرأ بعضُهم على بعضٍ ويسمع بعضهم من بعض.
تكون أُلوفُ المصاحف رقيبةً على الحفّاظ، وأُلوف الحفّاظ رقباء على المصاحف، وتكون الأُلوف من كِلا القسمين رقيبةً على المتجدّد منهما، نقول: الأُلوف، ولكنّها مئات الأُلوف، فلم يتّفق لأمرٍ تاريخيّ من التواتر وبداهة البقاء مثل ما اتّفق للقرآن الكريم، كما وعد الله جلّت آلاؤه بقوله في سورة الحِجْر: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَـحَافِظُونَ﴾ (166).
وقال أيضاً: ومن أجل تواتر القران الكريم بين عامّة المسلمين جيلاً بعد جيل استمرت مادته وصورته وقراءته المتداولة على نحوٍ واحد، فلم يؤثر شيئاً على مادته وصورته ما يروى عن بعض الناس من الخلاف في قراءته من القرّاء السبع المعروفين وغيرهم، فلم تسيطر على صورته قراءة احدهم اتّباعاً له ولو في بعض النسخ، ولم يسيطر عليه ما روي من كثرة القراءات المخالفة له مما انتشرت روايته في الكتب كجامع البخاري ومستدرك الحاكم (167).
وقال أيضاً: إذاً فلا يحسن أن يعدل في القراءة عمّا هو المتداول في الرسم والمعمول عليه بين عامّة المسلمين في أجيالهم، إلى خصوصيات هذه القراءات، مضافاً إلى أنّا ـ معاشِرَ الشيعة الإمامية ـ قد أُمرنا بأن نقرأ كما يقرأ الناس، أي نوع المسلمين وعامتهم (168).
فهذا هو كلام علَمَين من أعلام الإماميّة، وبينهما تسعة قرون، لأنّ السيد المرتضى توفي في سنة 436 والشيخ البلاغي توفي في سنة 1352 وهو يؤكد وحدة الفكر والنهج بينهما وان فكرة عدم التحريف ثابتة عندهم منذ القدم ولم تكن وليدة اليوم، وهناك من الروايات الجمّة في كتب الفريقين الدالّة على هذا المعنى، كما أنّ العقل يؤيّد ذلك ويدعو إلى الإذعان بأنّ القول بحجيّة القرآن بالتواتر خيرٌ من القول بحجيّته بالبيّنة والشهود، وأنّ فكرة التعدُّديّة تدعو إلى التسيُّب وعدم التعبُّد بالنصّ.
فمدرسة الخلفاء الثلاثة بنفيهم تواتر القرآن من خلال طلب الشهود على إثبات آياته، والسماح بتعدّد القراءات فيه، ثمّ القول بتواتر الاختلاف عن رسول الله في القراءات ومشروعيّة ذلك، كأنّهم كانوا يريدون أن يقولوا بأنْ لا ذنب للنبيّ حينما يسمح بتعدّد القراءات، لأنّ جبرئيل الأمين أبلغه القرآن مختلفاً ومتفاوتاً، وجبرئيل لا ذنب له أيضاً، لأنّه أخذه عن الله تعالى مختلفاً، وهذا الكلام فيه ما فيه من المجافاة للحقيقة والتوالي الفاسدة على الشريعة والعقيدة، وخصوصاً على القرآن الكريم.
في حين نعلم بأنّ النصوص الدينية تدعونا إلى غير ذلك، فإنّها تدعونا إلى التعبّد والتسليم لأوامر الله تعالى، وإنّا قد سُمِّينا (مسلمين) لهذا الغرض، فنحن عباد الله، يلزمنا أن نتقيّد بأوامره ونواهيه، وعلينا التعبّد بالنصّ القرآني بحرفه، فلا يجوز لنا الاجتهاد فيه، وهو معنى الإسلام لغةً وشرعاً، وعلينا التسليم بما أوحاه الله لرسوله من القرآن المجيد بنصّه وحرفه، ولا يجوز لنا الزيادة والنقصان فيه.
لكنّ الآخرين كانوا وما زالوا يريدون التحرّر من القيود والأُطر والتجاوز على النصوص، فيجيزون قراءة القرآن بأي شكل كان تحت مسمّى الأحرف السبعة، فالقرآن عندهم كقول القائل: هلمّ، وأقبل، وتعال، وإليّ، وقصدي، ونحوي، وقربي (169)، ونحو ذلك.
وقد رووا عن ابن مسعود أنّه كان يقرأ قوله : ﴿إِنْ كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً﴾(170): (إلّا زقية واحدة)، أو قوله تعالى: ﴿كَالْعِهْنِ الْـمَنْفُوشِ﴾ (171) فإنّه كان يقرؤها: (كالصوف المنفوش)، كما روي أن ابن مسعود أقرأ رجلاً ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ فلم يفهمها فقال له: طعام الفاجر فجعلها الناس قراءة.
وفي آخر فقال الرجل: طعام اليتيم فردها عليه فلم يستقم بها لسانه، فقال: أتستطيع أن تقول كلام الفاجر، قال: نعم، قال: فافعل(172).
وعن أُبي بن كعب أنه كان يقرئ رجلاً فارسياً فكان إذا قرأ عليه ﴿إِنَّ شَجَرَةَ الزَّقُّومِ * طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ قال: طعام اليتيم فمرّ به النبي فقال: قل له طعام الظالم، ففصح لسانه(173). ومعنى هذا الكلام أنّهم أجازوا قراءة القرآن بأيّ شكلٍ كان ما لم تصِر آية رحمة آية عذاب.
وهذا الموقف المنسوب إلى ابن مسعود وأُبي بن كعب وإلى غيرهم من الصحابة هو نفس موقف ابن أبي سرح القائل بأن النبيّ أملى عليه قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ﴾(174) إلى قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾(175)، فقال ابن أبي سرح: (فتبارك الله أحسن الخالقين) تعجّباً من تفصيل خلق الإنسان، فقال له النبيّ(ص): هكذا أُنزلت علَي. فشكّ وارتدّ وقال: لأن كان محمّد صادقاً لقد أوحي إليّ كما أوحى إليه، ولَئِنْ كان كاذباً لقد قلت مثل ما قال. فأنزل الله تبارك وتعالى: ﴿وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ الله﴾ (176).
وكان ابن أبي سرح يقول: إذا أملى علَيّ النبي: ﴿عَزِيزٌ حَكيم﴾، كتبت: ﴿غَفُورٌ رَحِيم﴾ انه كذب وبهتان عظيم.
فما نسبوه لابن مسعود وغيره من معارضي السلطة من القراءات، هو مثل ما كان يقوله ابن أبي سرح ، وهذا التقارب بين القولين يعني جعلهم كلام الكافر (ابن أبي سرح) بمنزلة كلام المسلم (ابن مسعود وأبي بن كعب) وأن منزلة الطليق عندهم كمنزلة المهاجر، وهذا يهدم أساس القرآن والشريعة.
والمشركون كانوا قد طلبوا من رسول الله (ص) أن يبدّل بعض النصوص القرآنيّة من تلقاء نفسه، فجاءَه الوحي الإلهي: ﴿قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِن تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلّا مَا يُوحَى إِلَيَّ﴾ (177)، وقد عاتب (ص) البراءَ بن عازب حينما علّمه دعاءً كان فيه: «ونبيّك الّذي أَرْسَلْتَ»، فقرأ: «ورسولك الّذي أرسلت»، فنهاه النبيّ وألزمه التعبّد بالنصّ الذي علمه إياه بحرفه (178) من دون زيادةٍ فيه.

لزوم التعبّد بحرفيّة النص:
إذن، التعبّد بالنص هو دستورٌ شرعيٌّ عام، وأنّ الأئمّة من أهل البيت كانوا يؤكّدون على الالتزام به.
فعن العلاء بن كامل، عن الصادق (ع)، أنّه علّمه دعاءً يقرؤه عند المساء، كان فيه: «لا إله إلّا الله وحده لا شريك له، له المُلك وله الحمد، يحيي ويميت ويميت ويحيي، وهو على كلّ شيءٍ قدير».
قال [العلاء]: قلت: «بيده الخير»، قال (ع): إنّ بيده الخير، ولكن قُلْ كما أقول لك ... (179).
وعن عبد الله بن سنان، عن الصادق (ع)، أنّه علّمه دعاء الغريق، وفيه: «يا الله، يا رحمان، يا رحيم، يا مقلّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك».
فقلت: «يا الله، يا رحمن، يا رحيم، يا مقلّب القلوب والأبصار، ثبِّت قلبي على دينك».
فقال (ع): «إنّ الله عزّ وجلّ مقلّب القلوب والأبصار، ولكنْ قل كما أقول لك: يا مقلّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك» (180).
فإذا كان الرسول (ص) والأئمّة من أهل البيت (ع) لا يجيزون زيادة حرفٍ والنقيصةَ في دعاءٍ يُعَلّمونه، فكيف يرضى الله سبحانه قراءة ما جاء في كتابه بالمعنى، والتغيير فيه، والإتيان بالمترادف؟! حسبما ينسبونه الى ابن مسعود وغيره.
فالله سبحانه هو الّذي ألزم رسوله بحفظ القرآن حرفيّاً، وإنّ جبرئيل الأمين كان يأتيه كلّ عام ليضبط معه آيات القرآن وسوره (181)، وليُرجِع الآيات النازلة عليه نجوماً (182) إلى سورها الـمُنزَلة عليه دفعةً واحدة في ليلةٍ مباركة، كل ذلك دقّةً من قبل الله ورسوله في الضبط.
بل كيف يجيز رسول الله اختلاف عمر مع هشام بن حكيم ويصحّح قراءتهما معاً إذا لم يكن في اللهجة؟! وهكذا الحال بالنسبة إلى ما رووه في اختلاف ابن مسعود وأُبيّ وصحابيّ آخر، وأنه (ص) أجاز قراءتهم جميعاً؟
نعم إنّ القرآن هو السبب الأعظم في هداية المسلمين، وفي خروجهم من ظلمات الجهل إلى نور السعادة والعلم، ولا خلاف فيه، وقد بلغ المسلمون في العناية به الدرجة القصوى، فقد كانوا يتلون آياته آناء الليل وأطراف النهار، وكانوا يتفاخرون في حفظه وإتقانه ويتبرّكون بسوره وآياته، والنبيّ يحثّهم على ذلك.
فهل يحتمل عاقلٌ بعد هذا كلّه أن يقع الشكّ فيه عندهم حتّى يحتاج إثباته إلى شاهدين؟! (183) إنّ هذا من قبيح القول في القرآن المقروء كل صباح ومساء.
ويُضاف إليه: أنّ العادة تقتضي أنّ زعيم أيّ أُمّة إذا أظهر رغبته في حفظ كتابٍ ما، فإنّ ذلك الكتاب سيكون رائجاً بين جميع أُمّته، وقد علمنا من الأخبار الكثيرة بأنّ الرسول الأعظم (ص) كان قد أكّد الأمر بحفظ كتابه، حتّى جعل لقارئ القرآن منزلةً بعد وفاته، إذ يقال للميّت: إقْرَأْ وارْقَ، ورتّل كما كنتَ تُرتّلُ في الدنيا، فإنّ منزلك في آخر آيةٍ تقرؤها (184).
وعن عائشة أنّها قالت: إنّ عدد درج الجنّة بعدد آي القرآن، فمن دخل الجنّة ممّن قرأ القرآن فليس فوقه أحد (185). كلّ ذلك ارتقاءً للمقامات الأُخرويّة الّتي يحصل عليها قارئ القرآن وحافظه.
ألا يكفي لقاء الشاهدَين الصادقَين المعصومَين (الصادق الأمين محمّد بن عبد الله (ص)، والأمين جبرئيل) كلّ عام على صحّة القرآن ودقّة ضبطه، حتّى يُطْلَب شاهدان آخران غير معصومَيْن في العصور المتأخّرة، كي يشهدا بأنّهما قد سمعا الآية أو السورة من لسان رسول الله (ص)، أو أنهما كتبا ذلك على عهده؟!
فلو كان هذان الشاهدان المتأخِّران غيرَ معصومَين، فيُحتَمل إذن اشتباههما في السماع والكتابة أيضاً، فلا قيمة لنقلهما الآيات لأمثال زيد بن ثابت بعد ورود هذا الاحتمال.
بل إنّ إِقراء الله لرسوله (ص): ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلاَ تَنسَى﴾ (186)، والاجتماع الثُّنائيّ بين الصادق الأمين (محمد) وجبرئيل الأمين في كلّ عامٍ في شهر رمضان لضبط سوره وآياته، ثم السماح بإقراء الناس به.
وقراءة رسول الله لتلك الآيات والسور في صلاته، ثمّ إقراء الأُمّة (187) بها لاحقاً، وجمع القرآن تحت إشراف النبيّ (ص)، كل ذلك يعطيه أكمل وأوفى وأتمّ الحجيّة، فلا معنى للإشهاد بعد ذلك عند زيد بن ثابت أو عند عمر بن الخطاب، وعدّ ذلك دقّةً في التدوين وتحرّياً في الضبط كما يقولون!!
وعليه، فالصادق الأمين والأمين جبرئيل بعد أن كانا يُقَرران انتهاء(188) نزول الآيات والسُّور نُجُوماً إلى ذلك الحين، كانا يسمحان للصحابة بقراءتها في الصلاة وكتابتها في المصاحف لأنها صارت قرآناً يجب اتباعه؛ لقوله تعالى: ﴿إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ﴾ (189).
أمّا لو بقي شيءٌ من تلك السور لم يكتمل، فيُترك إلى العام القابل حتّى ينتهي نزوله منجَّماً، وعندما تكمل السور يُسْمَح للناس بقراءتها في صلاتهم وكتابتها في مصاحفهم، أي أنّ الآيات والسور بعد صدور القرار بإتمامها من قبل ربّ العالمين، ورفع احتمال وقوع النسخ فيها كانت تقرر للناس على أنها قرآن لقوله: ﴿فَإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبِـعْ قُرْآنَهُ﴾ (190).
وبعد هذا نكرر سؤالنا الآنف: ألم تكن هذه القراءة (191) وهذا الضبط (192) أدقّ وأضبط ممّا قالوه في جمع القرآن على عهد الشيخين وفي القراءات، خصوصاً وأنّه ضُبِطَ بأمر الرسول وأُقِرَّ من قبل جبرئيل الأمين، وقد كان رسول الله (ص) يعلِّمه الصحابة، «فما كان يتجاوز من عشر آياتٍ إلّا ويعلّمهم بما فيها» (193).
وعن أبي العالية قال: تعلّموا القرآن خمس آيات [خمس آيات]، فإنّ النبيّ كان يأخذه من جبرئيل خمساً خمساً (194).
وهو (ص) يتحرّى الدقّة في إقرائهم لتلك الآيات والسور، كلّ ذلك مع لحاظ أُنْسِ الصحابة بتلك الآيات والسور واستماعهم لتلاوة رسول الله لها، ومداومتهم على تلاوتها وحفظها وصيانتها، فكانوا يتلونها في صلواتهم ويقرؤون بها في مصاحفهم، غير منكرين بأنّ تعليم القرآن كانت ظاهرة قد اعتادوا عليها في حياتهم اليومية.
فعن عبادة بن الصامت: كان الرجل إذا هاجر، دفعه النبيُّ إلى رجلٍ منّا يعلّمه القرآن، وكان يُسمَع لمسجد رسول الله ضجّة بتلاوة القرآن، حتّى أمرهم رسول الله أن يخفضوا أصواتهم لئلّا يتغالطوا (195).
فمن الطبيعيّ أن لا يكون في تلك القراءات المقروءة على عهد رسول الله لَحْنٌ، ولا يوجَد بين كتّابها أحدٌ يكتبها وهو ناعس! لأنّ المعلّم قد انتُخب من قبل ربّ العالمين ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾، والناس مأمورون أن يقرؤوا بما عُلِّموا، ورسول الله قد اتّخذ أناساً يعلّمونهم القرآن (196).
إذن، القرآن كان يُقرأ على عهد رسول الله بقراءةٍ واحدة، ولا اختلاف بين قراءة رسول الله وقراءة أبي وابن مسعود وعلي بن أبي طالب وقد أوجب (ص) على من لايعرف القرآن أن يتعلّمه كما اُنزل، ورُبّما أجاز (ص) لمن لا يقدر على النطق به سليماً أن يقرأه بلهجته إلى أن يستقيم لسانه بالقرآن، لكنّهم استغلّوا هذه الإجازة، فأجازوا تغيير شكل الآيات وأن يقرؤوها بالمترادف (طعام الاثيم ـ طعام الفاجر) وقد عرفت بأنّ أبا بكر ترك قراءة معاذ مع وجوده حياً عنده في المدينة، وعمر بن الخطاب قال: إنّا لَندع من لحن أُبيّ (197). وقد اختلف عثمان مع ابن مسعود ولم يأخذ بقراءته فلماذا لا يأخذ هؤلاء الخلفاء بقراءة هؤلاء الصحابة وهم من الطبقة الأولى الذين عرضوا قراءتهم على رسول الله حسب تعبير الذهبي!!
إذن القول بجمع القرآن بالبيّنة والشهود، والأخذ بأخبار الآحاد في القرآن هو إساءَةٌ إلى القرآن، سواء كان القائلون بذلك عالمين أم جاهلين.

◘ المقدّمة السابعة :
إن ما قالته مدرسة الخلافة في جمع القرآن كذّبته مدرسة أهل البيت، لأنّ جمع القرآن من قبل أُناس غير معصومين يعني احتمال سهوهم وخطأهم ونسيانهم، وبالتالي يفتح للمغرضين باب التشكيك بالقرآن نفسه؛ لأنّ العقل يحكم بانّ القرآن إذا كان مفرقاً متشتتاً منتشراً عند الناس وتصدّى لجمعه غير المعصوم، يمتنع عادةً أن يكون جمعه كاملاً موافقاً للواقع. لأنّه كيف يكون القرآن معصوماً وحُجّةً على الناس وقد جُمع بيد غير المعصوم؟! كلُّ ذلك مع تأكيد (جامع القرآن)!!! ـ أعني عثمان بن عفان ـ على وجود اللّحن فيه، وأنّ العرب ستقيمه بألسنتها (198)، وقول ابن عباس إنّ الكاتب كَتَبَها وهو ناعس(199)، أو قول عائشة: إنّه خطأٌ من الكاتب(200)، أو قول رابع: نُقِّطَتْ الآيةُ لذبابةٍ جلست عليها، أو أنّ النقطة جاءت على أثر الحبر الزائد على ريشة قلم الكاتب ... وأمثال ذلك من الأقوال المغيّرة لحقيقة القرآن المجيد، ﴿كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ﴾ (201).
* الرؤية التصحيحية:
جمع القرآن بيد غير المعصوم، كذبٌ وخيانة للدين والأُمّة:
إنّ القول بجمع القرآن بيد غير المعصوم هو الطامّة الكبرى في الشريعة، إذ كيف يمكن الاعتماد على قرآنٍ معصوم كُتب بيد غير معصوم؟!
إنّ هذه الشبهة قد أُثيرت ضِدَّنا كثيراً، وذلك لأنّهم قد أحسّوا بوجود تناقض بين أُصولنا، فمن جهة يشاهدوننا نعتقد بأن القرآن هو الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، وأنه ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه هدى للمتقين.
ومن جهة أخرى يقفون على اعتقاد بعض المسلمين بتبنّي غير المعصوم جَمْعَهُ، ومعناه إمكان ورود الخطأ فيه، فإن قلنا بما تقول به مدرسة الخلافة فقد وقعنا في المنزلق وليس علينا إلّا الرجوع إلى مدرسة أهل البيت لأنها حلّت هذه الإشكاليّة.
فقد جاء عن أبي جعفر الباقر (ع): «ما أحدٌ مِن هذه الأُمّة جمع القرآنَ إلّا وصيّ محمّد (ص)» (202).
وعن الباقر (ع) أيضاً: «ما ادّعى أحدٌ من الناس أنّه جمع القرآن كلَّه كما أُنزل إلّا كذّاب ، وما جمعه وحفظه كما نَزَّلَه الله تعالى إلّا عليّ بن أبي طالب والأئمّـة من بعده(ع)»(203).
وقال (ع): «ما يستطيع أحدٌ أن يدّعي أنّ عنده جميع القرآن كلّه ظاهره وباطنه، غير الأوصياء»(204).
كما أن فكرة وجود اللحن في القرآن وأمثالها هي التي دعت بعض المستشرقين أمثال: مينكانا للرجوع إلى المصادر غير الإسلامية لمعرفة حقيقة الأمر عندنا، كالرجوع الى مناظرة عمرو بن العاص والأسقف الأعظم مونوفيزيت، آنتيوخ جان الأول (Antioch john I) في سنة 18 هـ المصادف (639 م).
أو إلى رسالة الأسقـف ني نوه (Nineveh) ، المعروف بـ(ايشوياب الثالث) (Isoyab III) والذي أشار فيه الى المسلمين.
أو إلى الوقائع التي ذكرها جان بار بنكايي (John Bar Penkaye) في سنة 70هـ (690 م). فإنّه من خلال نقله لتلك النصوص يريد التشكيك في حجية القرآن والقول بعدم وجوده في عهد الرسول والشيخين.
وهو يوضح بأنّ القول بجمع القرآن بيد غير المعصوم هو الذي فتح الشرخ وسمح لأمثال هؤلاء المستشرقين أن يزيدوا في مدعياتهم حتّى صرح بعضهم بعدم وجود ذكر للكتاب المقدس عند المسلمين (أي القرآن) في المصادر المسيحية المعاصرة لعهد عثمان بن عفان (205).
في حين سيتضح لك كذب هذا المدعى وبطلانه وأنّ القرآن كان مجموعاً ومدوناً على عهد رسول الله، وانّه (ص) كان يقرئ الناس القرآن على مكث، كما كان يسمح لهم بتلاوته وتدوينه في المصاحف وإن كان ناقصاً، كل ذلك من اجل المحافظة عليه.
وعليه، فإنّ رؤية مدرسة أهل البيت (ع) في جمع القرآن هي الصواب الحقّ، وهي أقرب إلى العقل والمنطق من رؤية مدرسة الخلفاء الثلاثة، وقد مثّل السيّد الخوئيّ لهذه المسألة بمثالٍ واقعيٍّ من حياتنا العاديّة، بيّن من خلاله سقم ما يذهب إليه الاتّجاه الآخر، إذ قال:
والعادة تقضي بفوات شيءٍ منه على المتصدّي لذلك إذا كان غيرَ معصومٍ، كما هو مُشاهَدٌ فيمن يتصدّى لجمع شعر شاعرٍ واحدٍ أو أكثر إذا كان هذا الشعر متفرّقاً، وهذا الحكم قطعيٌّ بمقتضى العادة، ولا أقلّ من احتمال وقوع التحريف، فإنّ من المحتمل عدم إمكان اقامة شاهدَين على بعض ما سُمع من النبيّ (ص)، فلا يبقى وثوقٌ بعدم النقيصة (206).
◘ المقدّمة الثامنة:
إنّ جمع القرآن وتدوينه ـ حسب ادّعاء مدرسة الخلافة ـ كان بعد عقدَين من وفاة رسول الله (ص)، وذلك في أيّام الفتنة ونشوء المذاهب المبتدعة والآراء الفاسدة في زمن عثمان على وجه التحديد، وأنّ هذه الدعوى قد زاد في الطنبور نغمة كما يقول المثل العربي.
فكيف يمكن الاعتماد على قرآنٍ مؤلَّفٍ في زمن الفتنة، والمأخوذ من محفوظات الصحابة لا مكتوباتهم؟!
وبمعنى أوضح: كيف يمكن الاعتماد على قرآنٍ لم يدوَّن ويجمَع على عهد رسول الله وتحت إشرافه (ص)، كما أنّه غير مأخوذٍ عن مدوَّنات أصحابه وكتّاب الوحي بالمباشرة، بل أُخذ عن محفوظاتهم بعد عقدَين من الزمن، وهم غير معصومين، يسهون ويخطؤون، ويزيدون وينقصون.. فعدمُ إشراف النبيّ أو الوصيّ على المحفوظ والمكتوب يُضعِف من حجيّته باعتراف العقل والنقل.

* الرؤية التصحيحية:
القول بجمع القرآن في زمن الفتنة!! يخدش في حجيّته:
لقد أثبتنا في كتابنا جمع القرآن (207) أنّ القرآن كان معظمه مجموعاً ومكتوباً ومرتّباً على عهد رسول الله (ص)، وأنّ دعوى جمعه بعد عقدَين من وفاة رسول الله وفي زمن الفتنة ـ كما يقولون ـ خطأٌ فاحش، ومن خلاله يرد الإشكال على القرآن، والتعريضُ برسول الله وأمير المؤمنين، وكبار الصحابة أمثال: ابن مسعود، وأُبيّ بن كعب، ومعاذ بن جبل، وغيرهم من عيون الصحابة الّذين جمعوا القرآن على عهد رسول الله (ص)، والتقليل من شأنهم، حتّى جاء عن عمر ـ حسبما أخرجه البخاريّ عن ابن عبّاس ـ قوله في أُبي:
أُبيّ أقرَؤنا، وإنّا لَندعُ من لحن أُبيّ بن كعب (208). وفي آخر: إنّ أُبيّاً كان أقرأنا للمنسوخ (209).
فعمر يدع قراءة أُبيّ عالماً عامداً مع اعترافه أنه أقرأ الأُمة وقد اخذ قراءته من في رسول الله مباشرة، فعلى أيّ شيءٍ يمكن حمل هذا الكلام منه والمخالفة الصريحة لرسول الله؟
كما ان عثمان استنقص ابن مسعود وترك الأخذ بقراءته وهذا أمر ثابت لا خلاف فيه.
ومما تجدر الإشارة إليه أنّ مدرسة أهل البيت كانت لا ترضى القول بجمع القرآن متأخراً وتؤكد بإقراء رسول الله أصحابه ومن أول البعثة ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾(210)، وأنه(ص) كان قد عيّن بالفعل مجموعة منهم لتعليم المسلمين القراءة، وهو(ص) بنفسه قد اشرف على كتابة القرآن وترتيب آياته، لكنه ترك الجمع النهائي وتوحيد شكله للإمام علي.
نعم أنّ نتيجة مرويات وأحاديث مدرسة الخلافة جعلت امثال بلاشير وغيره التعريض بالنبي الأكرم والتجرئ عليه وعلى رسالته بالقول انه ـ في أوائل البعثة ـ كان لا يعلم بأنه مبعوث من قبل الله وأن رسالته ستغير المجتمع، وانه على أثر اتّصاله باليهود تعلم ذلك، ورأى ضرورة تدوين شريعته وكتابة القرآن.
ثمّ أضاف: إنّ الاختلاف في عدد كتّاب الوحي لهو أهم دليل على عدم صحة ما قيل عن الكتابة في عهد رسول الله وأنّ فكرة وجود كتّاب للوحي جاء لدعم فكرة كتابته على عهده (ص).
كما أن الكتابة لم تكن مفيدة في عصره (ص) لعدم معرفة الكثير من العرب القراءة والكتابة كي يستفيدوا منه بعكس الحفظ، وأن العوز المادّي هو أهم سبب من أسباب عدم جمع القرآن على عهد رسول الله، كما أنه لا يصح ما قيل عن رسول الله وأنه رتّب المصحف (211).
وكلام بلاشير وإن كان باطلاً في كل فقرة من فقراته، وقد أجبنا عن بعضها في بعض مؤلفاتنا، لكنّ المهمّ أنّ كثيراً من فقرات كلامه يستند إلى التراث الروائي السني وهو مما يحز في النفس، وأنّ تلك الروايات والأخبار هي التي استدل وأساء الاستفادة منها أمثال سلمان رشدي المرتد.
إذن، إن عمل الخلفاء هو الذي سمح للمستشرق جون جيلكرايست وغيره أن يقولا: بأن الغاية الحقيقية من عمل الخلفاء هو القضاء على السلطة السياسية التي كان يتمتع بها قراء القرآن في الأمصار التي كان عثمان يفتقد فيها شيئاً من المصداقية بسبب السياسة التي كان ينتهجها حيث انه كان يعين اقرباءه من بني أمية أعداء محمد كعمال على حساب الصحابة الذين ظلّوا أوفياء لمحمد طيلة حياتهم (212). إلى آخر كلامه.
إذن فإنّ إثارة الخلفاء الثلاثة وأتباعهم لمقولة جمع القرآن متأخراً وأمثالها، وادّعاءهم عدم كتابة القرآن على عهد رسول الله، فتح المجال الواسع لمن يريد التشكيك في حجّية القرآن وهنا مسألة يجب التأكيد عليها وهي حدوث حالة الاضطراب والمنهجية عند علماء مدرسة الخلافة فهم من جهةٍ يذهبون ـ في كتبهم الحديثية والدرائيّة والرجاليّة والفقهيّة ـ إلى لزوم الحيطة والحذر من الأحاديث الصادرة في أيّام الفتنة وعدم الأخذ بها من دون تمحيصٍ ودراسة.
ومن جهةٍ أُخرى يقولون ان القرآن قد جمع في زمن الفتنة، وبدورنا نسأل كيف يمكن أخذ القرآن المجموع أيّام الفتنة، مع ما عرفت من طريقة تعاملهم مع الأخبار الصادرة أيام الفتنة؟! إنّ هذا سؤالٌ يطلب جواباً وحلاً منهم.

أئمّة أهل البيت (ع)، الضمان لعدم تحريف القرآن:
وممّا يجب التنبيه عليه هنا: أنّ الأساليب والمقدِّمات الخاطئة الّتي شُرِّعت من قِبل مدرسة الخلافة كادت أن تؤدّي الأمّة إلى التحريف اللّفظي في القرآن، لكنّ اهتمام الصّحابة وأهل البيت ـ وعلى رأسهم أميرالمؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) ـ بالقرآن، واشتهار القرآن بين المسلمين، وإقراء رسول الله لهم (القرآن) على مكث، وقراءتهم له آناء الليل وأطراف النهار حفظاً وفي المصحف نظراً أبقى الذكر مصوناً ومحفوظاً لم يمسَّه شيء.
أمّا التحريف المعنويّ فيبقى محتملاً ووارداً، وذلك من خلال تصحيحهم للقراءات المختلفة في العصور البدائية، مع وجود الأهواء المتعدّدة عند المذاهب والفِرَق، فإنّ تصحيح القراءات المتعدّدة بوجوه من العربية هو مما يجرّئ أهل المذاهب المبتدعة والأهواء الباطلة لتحكيم آرائهم في الدين، وهذا خيانة للقرآن بلا شك.
وكلام الإمام (ع) الذي مرّ في النقطة الخامسة (213) الآنفة: «كذبوا» و«إنّ القرآن واحدٌ نزل من عند واحد، ولكنّ الاختلاف يجيءُ مِن قِبل الرواة»، فيه تصريحٌ بدور الرواة ـ في تأجيج الاختلاف المقصود في القراءة ـ بعد رسول الله (ص)، ومثله المحكي عن الإمام الصادق(ع): «أصحاب العربيّة يحرّفون الكلِمَ عن مواضعه»(214).
كما لا يستبعد أن يكون النهي الصادر عن أمير المؤمنين (ع) بعدم مناقشة الخوارج بالقرآن ـ لأنّه حمّال ذو وجوه ـ إشارة إلى أنّ في القرآن تفسيرات متعددة، وقد استدلّت كلّ الفرق ـ حتّى الفرق الباطلة ـ بالقرآن، ومن هنا جاء الخبر عن النبيّ (ص) في عدم جواز التعددية في القرآن والاختلاف فيه، ولزوم الأخذ بما هو مشهور بين المسلمين: «لو أنّ الناس قرؤوا القرآن كما أنزل الله ما اختلف اثنان» (215).
أي أنّهم لو أخذوا بالمقصود الواقعيّ الذي نزل به الله على النبيّ محمّد (ص) وبالثابت بين المسلمين لما اختلف اثنان، وهو يعني بأنّ الاختلاف لم يكن من عند الله ومن عند رسوله بل يأتي من قبل الرواة الّذين قرؤوا القرآن بأنحاء مختلفة وفسّروه بأشكالٍ مختلفة في الأزمان المتأخرة، فإنّ من يقرأ قوله تعالى: ﴿أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ﴾(216)، يختلف فهمه عمّن يقرأه: (أو لمستم النساء) على وجه القطع واليقين، فالأوّل يفهم منه النكاح والثاني اللمس باليد، ونحوه في قوله:﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾(217)، أو (حتّى يطَّهّرنَ)، فالأوّل يجيز وطء الحائض عند انقطاع الدم وقبل الغسل، والثاني لا يجيزه إلا بعد الاغتسال.
كما لا يستبعد أن يكون التحريف المعنوي هو سر إخبار رسول الله الإمام عليّاً (ع) بأنّه سيقاتل على التأويل كما قاتل هو على التنزيل، ومعنى كلامه (ص) أنّ قتاله سيكون دفاعاً عمّا علمه عن رسول الله ذبّاً عن مفاد الوحي النازل علىه(ص) والذي تعلّمه الإمام عليٌّ منه (ص)، ولأجل هذا ترى الإمام يقول عن جمعه للقرآن: «لقد جئتكم بالكتاب كملاً مشتملاً على التنزيل والتأويل».
كما أنّ الله سبحانه أكد بوجود رجال بين الأُمّة من يعرف التأويل والتفسير، ولزوم الرجوع إليه، لأن المحكم يعني ما لا يشتبه على الأُمّة ويعرفه الجميع، وأنّ الاشتباه في الأمور غالباً ما يأتي من المتشابه وأن المعصوم هو الذي يوضحه.
إذن الروايات تؤكد وجود مَن يعلم تأويل المتشابه بين الناس، وهم الراسخون في العلم ، وان الرسول قد دعا لابن عباس أن يفقّهه في الدين(218) ويعلّمه الحكمة(219) والتأويل (220). كما جاء عن الإمام الصادق قوله: «نحن الراسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله»(221).
ومثله ما رواه عليّ بن إبراهيم ومحمّد بن مسعود العياشي في تفسيريهما عن بريد ابن معاوية عن أبي جعفر (ع): أنّ رسول الله أفضل الراسخين في العلم، قد علمه الله جميع ما أُنزل من التنزيل والتأويل وما كان الله لينزل عليه شيئاً لم يعلمه تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه(222).
نعم قد حذّر أئمّة أهل البيت شيعتهم من التفسير بالرأي، وقعّدوا لهم قواعد تقيهم الانحراف عن الجادّة، وأعلموهم بحقائق كثيرة، منها: أنّ القرآن لا يفهمه كُمُلاً إلّا المعصوم (223)، وأنّ القرآن لا يعرفه إلّا مَن خوطب به (224)، وأنّهم هم الراسخون في العلم (225)، وأنّهم هم أهل علم القرآن (226)، وأنّهم هم خُزّان الله على علمه (227)، وأمثالها.
وهذه النصوص لا تعني بأنّ الأئمّة يذهبون إلى القول بعدم حجية ظواهر القرآن، أو أنّ عموم الناس لا يمكنهم فهم ظاهره.
فظاهر القرآن دالٌّ على إمكان فهمه من عموم الناس كما في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ﴾ (228)، وقولِه تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ (229)، وقولِه تعالى: ﴿هذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ﴾ (230).
لكنّهم كانوا يريدون أن يؤكّدوا لهم بأنّ في القرآن أسراراً ومفاهيم ولفتاتٍ وإيماءاتٍ لا يدرِك كنهَها إلّا مَن خوطب به، ألا وهو المعصوم.
كما يمكن تأويل القرآن وتفسيره حسب هوى أصحاب المذاهب المبتدعة وآرائهم بعيداً عن الواقع؛ لأن القرآن حمال ذو وجوه، وعليهم التثبت وأخذ التفسير الصحيح للقرآن من عدل القرآن لا عن غيره، بل عدم السماح لأصحاب المذاهب المبتدعة بتفسير الدين وفق أهوائهم، وعليه فجامع علوم القرآن يجب أن يكون معصوماً.

كُنه القرآن لا يفهمه إلاّ أهل البيت (ع)
فعن بشير الدّهان، قال: سمعت أبا عبد الله (ع) يقول: «إنّ الله فرض طاعتنا في كتابه، فلا يسع الناسُ جهلاً. لنا صفوُ المال، ولنا الأنفال، ولنا كرائم القرآن ـ ولا أقول لكم إنّا أصحاب الغيب ـ ونعلم كتاب الله، وكتاب الله يحتمل كلّ شيء، إنّ الله أعلمنا علماً لا يعلمه أحدٌ غيره، وعلماً قد أعلمه ملائكته ورسله، فما علمته ملائكته ورسله فنحن نعلمه» (231).
وعن الحكم بن عتيبة، قال: لقي رجلٌ الحسين بن علي (ع) بالثعلبيّة وهو يريد كربلاء، فدخل عليه فسلّم عليه، فقال له الحسين (ع): «مِن أيّ البلاد أنت؟»، قال: من أهل الكوفة، قال: «أما والله ـ يا أخا أهل الكوفة ـ لو لقيتك بالمدينة لأريتُكَ أثر جبرئيل (ع) من دارنا ونزوله بالوحي على جدّي، يا أخا أهل الكوفة، أفمُستَقى الناس العلم من عندنا، فعلموا وجهلنا؟! هذا ما لا يكون» (232).
وعن أبي الصباحَ، قال: والله لقد قال لي جعفر بن محمّد (ع): «إنّ الله علّم نبيّه (ص) التنزيل والتأويل، فعلّمه رسول الله عليّاً (ع)» (233).
أجل إنّ رسول الله هو المعصوم الأوّل في الإسلام، وقد علّم وصيَّه أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) جميع علمه، وقد كتب أمير المؤمنين (ع) ما قاله الرسول في تنزيل القرآن وتأويله وتفسيره (234)، ثم أودع ما كتبه (ع) عند الأئمّة من ولده، وهو الآن موجودٌ عند قائم آل محمّد (235).
وأنّ رسول الله قد صرّح بذلك في قوله: «إنّ الله أنزل علَيّ القرآن، وهو الّذي مَن خالفه ضلّ، ومن ابتغى علمَه عند غير عليٍّ هلك» (236).
وفي آخر عن المعصومين (ع): «إنّما على الناس أن يقرؤوا القرآن كما أُنزل، فإذا احتاجوا إلى تفسيره فالاهتداء بنا وإلينا» (237).
هذا من جهة ومن جهة أخرى كان في الطرف الآخر أعني الصحابة يحدث شيء آخر في المقابل، وهو أنّ بعض المعاصرين لرسول الله كانوا لا يستوعبون عمق النصّ القرآني أو بعض المفردات اللّغوية فيه، فهم من جهة لا يرتضون الاهتمام بالوحي، وكسب علومه، ومن جهة أخرى لا يريدون أن يفتضح عجزهم العلميّ، فكانوا يستدلّون بالقرآن بالشكل الّذي يريدونه، ويفهمونه فهماً بعيداً عن الواقع، وهذا سبّب لهم ولأتباعهم مشكلة الجهل والتخبّط وفتح باب التقوّل على مصراعيه وهو ما يجب توضيحه في مكان آخر.
◘ المقدّمة التاسعة:
تشريعهم للقراءات الشاذة إلى جنب القراءة المتواترة، واعتبار المنقول بالنقل الجماعي بمنزلة المنقول عن طريق العرضة، والسعي في الأخذ بكلّ القراءات على أنّها اختيارات شرعها رسول الله من خلال الأحرف السبعة وبذلك أدخلوا قراءاتهم السهوية والعفوية في القرآن.

* الرؤية التصحيحية:
التّقليل من شأن القرآن من جهة، والاهتمام بتواتر القراءات من جهة أُخرى!!
إنّ هذه المقدمة قد تكون قريبة لما مر في بعض المقدمات السابقة الأخرى وإنّ ما ادعوه هو أدلّ على تهديد القرآن وتهديمه من القول بحجّيته، لأنّ شأن القرآن أسمى من كل شيء، والقرآن هو الكتاب الّذي تتوفّر فيه الدواعي لنقله بتواتر، لأنّه الأصل الأوّل للتشريع الإسلامي، والمعجزة الخالدة لهذا الدين، وكُلُّ شيءٍ تتوفّر الدواعي لنقله لابدّ وأن يكون متواتراً.
إنّ إقرار الخلفاء فكرة الشاهدين والتعددية يحتمل ان يكون منشؤه القراءات السهوية والعفوية الصادرة عن بعض الصحابة والخلفاء بسبب نسيانهم للفظ الآيات مع احتفاظهم بالمعنى، كقراءتهم لقوله تعالى: ﴿طَلْحٍ مَّنضُودٍ﴾ بطلع منضود، أو ﴿طَعَامُ الْأَثِيمِ﴾ بطعام اليتيم، او ﴿الْعِهْنِ الْـمَنفُوشِ﴾ بالصوف المنفوش وأمثال ذلك.
فأرادا مواجهة هذه المشكلة عبر إقرارهما تعدد القراءات في مصاحفهما لكن صعوبة إقناع المسلمين بهذا الأمر جعلت أبا بكر وعمر ـ في عهدهما ـ يخفقان في إقرار مصحفهما إماماً للمسلمين وتعميمه على الأُمّة بل ظهرت مخالفةٌ عمليّة من قِبل الأمة لقرارهما وقراءتهما وتركها لما أراده الشيخان من إدخال أمثال: وجاءت سكرة الحق بالموت (238) وآية الرجم والشيخ والشيخة وأمثال ذلك، بل إصرار ها على الأخذ بما تعلّمته أيّام رسول الله (ص) فقط، هذا الأمر هو الذي دعا عثمان للرجوع إلى ما تواتر عند الأُمّة والعدول عمّا أرادا الذهاب إليه، فانصاع عثمان مُرغَماً لإرادة الأُمة، والأخذ بالمتسالَم عليه عند كبار الصحابة، فجَمَعَ المشهورَ المتَّفق عليه(239)، ولم يكتف بما جمعه أبو بكر وعمر سابقاً، ساعياً أن يكتب مصحفه وأن يجمع فيه المختلف عليه بين المسلمين بشكل يرضي الجميع.
ولهذا لا نرى في القرآن المتداول اليوم قراءات غير مشهورة، وإن كان هناك من يدافع عنها، فليس فيه (غير المغضوب عليهم وغير الضالين) والّتي كان يقرأ بها عمر بن الخطاب (240)، أو آية الرجم (الشيخ والشيخة) الّتي كان يدعو لزيادتها في القرآن(241)، أو (إذا كنّا عظاماً ناخرة) (242) بدل ﴿نَخِرَةً﴾ والّتي حكيت عن عمر (243) وابن عمر (244) وابن الزبير (245) وغيرهم، أو (الحيّ القيّام)(246) بدل ﴿الْـحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، أو (فامضوا إلى ذكر الله) (247) بدل ﴿فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ الله﴾، أو (فأخذتهم الصعقة) بدل ﴿فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ﴾ (248)، وأمثالها (249) الواردة في قراءة عمر بن الخطّاب.
بل ترى في المقابل وجود ﴿بِسْمِ اللهِ‏ الرّحمنِ الرّحيمِ﴾ في مفتتح كلّ سور المصحف، وهذا ما لم يكن يرتضيه أبو بكر ولا عمر ولا عثمان.
إذن فمدرسة الخلفاء الثلاثة من جهةٍ يقولون بحجّيّة القرآن بالبيّنة والشهود، ومن جهةٍ أُخرى يقولون بتواتر القراءات السبع إلى رسول الله، ناقلين ذلك عن السُّبْكي(250)، وقد أفرط بعضهم؛ فزعم أنّ من قال: إنّ القراءات السبع لا يلزم فيها التواتر، فقوله كفر. ونسب هذا الرأي إلى مفتي البلاد الأندلسيّة أبي سعيد فرج ابن لب (251).
مؤكدين بأن هذا الكلام غلوٌّ في القراءات السبع ـ أو العشر ـ وإجحافٌ بالقرآن نفسه! لأنّ إدخال القراءات السهوية على أنها قراءات صحيحة شرعية، أو قراءة القرآن على أي نحو كان بشرط أن لا تصير آية عذاب آية رحمة شيء باطل.
ألا يعني موقفهم المزدوج هذا تبنّيهم لفكرة الاختلاف والتعددية من جهة (252)، مع رفعهم في الوقت نفسه لشعار توحيد المصاحف من جهةٍ أُخرى؟!
إذن، فالتقليل من شأن القرآن والاهتمام بتواتر القراءات ثمّ تشريع الاختلاف بين المسلمين هو ضربة للدين في صميمه.
وقد أثبت السيّد الخوئيّ عدم تواتر القراءات العشر في كتابه (البيان)، موضِّحاً وجود تقاطعٍ بين فكر المدرستين في مسألة جمع القرآن، فمن أحبّ فليراجعه.

◘ المقدّمة العاشرة:
أخفق عثمان نفسه في توحيد الأُمّة على قراءة واحدة حتى كثرت وشاعت القراءات من بعده حتى بلغت خمسين قراءة اختير منها سبعة أو عشرة أو أربعة عشر قراءة ـ رغم إصرار الحكومات على الأخذ بمصحفه ـ وكان في هذا الأمر إساءة للإسلام مما دعا الأئمّة من أهل البيت وخيار الصحابة لتصحيحها أو تكذيبها، لأنّ القول بتلك الأقوال هو ممّا يُجرّئُ أعداء الدين للمساس بالثقل الأكبر وأوّل أُصول التشريع الإسلامي ألا وهو القرآن الكريم.
لهذا كانت محاولات مدرسة الخلافة ـ كما قلنا ـ غير موفقة في عملها وبقي القرآن محفوظاً مصوناً بلطف الله وفضله وعنايته رغم كلّ الملابسات والأُطروحات السياسيّة الخاطئة، ونحن مقرّين بأن كلامنا هذا سيبقى ادّعاءً ما لم يثبت للآخرين صحّته أو خطئه من خلال بيان الرؤية التصحيحيّة لمدرسة أهل البيت (ع) في هذا المجال.
* الرؤية التصحيحية:
مصحفنا هو مصحف رسول الله (ص) ومصحف جميع الصحابة، وليس بمصحف عثمان وزيد فقط:
إنّ ما أشيع من توحيد عثمان الأمة على قراءة واحدة غير صحيح بل الأمة هي التي سعت وجدّت للوقوف على القراءات الصحيحة، لأنا أثبتنا في كتابنا جمع القرآن بأنّ الأمة وقفت على قراءة رسول الله من خلال القراءات المعروفة والمشهورة والمنسوبة إلى الإمام علي، لأنا عرفنا بأنّ رسول الله(ص) كان يقرأ بما أُقرّ من قبل الباري جلّ وعلا على أنه قرآن، لقوله تعالى ـ في الاجتماع الثنائيّ من كلّ عام ـ: ﴿فَإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبِـعْ قُرْآنَهُ﴾، كما لا يُعقَل بأن يكتفي رسول الله بقراءة السور الّتي كان يقرؤها في الأعوام السابقة فقط، بل كان عليه أن يأتيهم بالجديد من السور أيضاً، ليعرّفهم ويؤنسهم بها.
فهو (ص) لم يكتفِ بقراءة السور القصار المكية دائماً في صلاته، أمثال: عمّ والواقعة ويس وأمثالها، بل كان يقرأ بالسور الطوال المدنية أيضاً، أمثال: سورة البقرة وآل عمران والنساء (253).
وأنّ المنهج الخاطئ لمدرسة الخلفاء كاد أن يكون ـ بقصدٍ أو بغير قصد ـ سبباً لتحريف القرآن المجيد، لأنّ منهجيتهم قد مهّدت الطريق للمساس بالكتاب العزيز، لكنّ الله حفظ كتابه عن طريق إقراء رسول الله أمته القرآن على مكث.
وعليه فقد اتّضح لنا بأنّ ما تقول به مدرسة الإمامة والوصاية هو الأوفق بالأدلّة، وهو الأدنى إلى العقل والمنطق، والأقرب إلى الصواب،
كما لا يستبعد أن يكون في كلام الشيخين المشعر بوجود الزيادة في القرآن أن يكون فيه ما يوحي إلى أن جمعهما كان جمعاً مميَّزاً يختلف عن غيره، لأنّهما وقفا على آياتٍ وسور لم تكن عند غيرهم من المسلمين، إذ صرّح عمر باسم بعض تلك الآيات والسور، كآية رجم الشيخ والشيخة وسورتي الحفد والخلع، وقراءته لآية (والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار الّذين اتبعوهم بإحسان)(254) بدون الواو وبرفع كلمة «الأنصار»(255)، وقراءته (في جنّاتٍ يتساءلون عن المجرمين يا فلان ما سلككم في سقر)(256)، أو قراءته (وإن كان مكرهم لَتزول منه الجباد)(257) بدل ﴿الجبال﴾، وأمثال ذلك.
وهذا الفهم وهذه القراءة لم يأخذ بهما المسلمون، وإن كان مصدرهما الخليفة الثاني، لأنّ فيهما مخالفة صريحة للمشهور الذي عرفوه عن رسول الله والمتناقل عندهم، بل في تناقل هكذا نصوص خطر على النصّ المقدّس، أعني القرآن الكريم.
بلى، إنّهم كانوا يريدون سلب فضيلة جمع القرآن عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) وإعطاءه لآخرين، ولو أدّى ذلك لتعريض الكتاب العزيز للمساءَلة، أو أدّى إلى أن يكون ذلك على حساب التقليل والنيل من حجّيته.
فالقولُ بحجيّة القرآن بالبيّنة والشهود يعارض القول بحجيّته بالتواتر، والقولُ بجمعه بيد وصيّ محمّدٍ المعصوم أولى من القول بجمعه بيد شخص غير معصومٍ، والقول بجمعه في زمن رسول الله (ص) خيرٌ من القول بجمعه بعد عِقدَين من الزمن وفي أيّام الفتنة على وجه التحديد.
فالمسلم لو أراد أن يعطي الحجيّة التامة لهذا القرآن المجيد للزمه الإيمان بما تقول به مدرسة أهل البيت والابتعاد عن الرأي المشهور عند مدرسة الخلافة، لأنّه يؤدي الى توالٍ فاسدة ويسيء إلى قدسيّة النبيّ (ص) والقرآن العزيز.
إذن المسلمون لم يتعبدوا بحرف زيد بن ثابت، بل أنّ التعددية التي شرعت ـ من خلال الأحرف السبعة ـ على عهد عمر بن الخطاب قد كثّرت القراءات من بعد عثمان أيضاً حتّى جاء العلماء فاختاروا من بينها سبعة أو عشرة أو أربعة عشر قراءة، فإنّ طرح هكذا أفكار مسيئة للإسلام دعا الأئمّة من أهل البيت وخيار الصحابة لتصحيحها أو تكذيبها، وأنّ القول بتلك الأقوال هو ممّا يُجرّئُ أعداء الدين على المساس بالثقل الأكبر وأوّل أُصول التشريع الإسلامي.
إنّ محاولات مدرسة الخلافة ـ كما قلنا ـ لم تفلح، بل باءت بالفشل، وبقي القرآن محفوظاً مصوناً بلطف الله وفضله، وبفضل إقراء رسول الله أُمّته القرآن على مكث، وبجهود أئمة أهل البيت، رغم كلّ الملابسات والأُطروحات السياسيّة الخاطئة.
وعليه، فإنّ مصاحف الصحابة كانت آنذاك موجودة وناقصةً، باعتبار استمرار نزول الوحي على رسول الله (ص)، لكنّها كانت تامّةً في وقتها وحينها، وإنّ الصحابة كانوا يحفظون تلك السور ويقرؤون بها في صلواتهم، حتّى صارت أناجيلهم صدورهم.
وحريٌّ بالكتاب العزيز أن يكون مشهوراً ومعروفاً عند المسلمين آنذاك، فإنّهم كانوا يعرفونه كما يعرفون أبناءهم وبلدانهم أو أكثر، وإنّ أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) كان قد اهتم بجمعه بوصيّةٍ من رسول الله، طبقاً للمحفوظ خَلْفَ فراشه (ص) (258).

وقوع التحريف في القرآن حقيقة أم خيال؟
وعليه، فالقرآن بمتنه واحدٌ ـ مجمَعٌ عليه ـ عند جميع المسلمين، فلا ترى مسلماً يختلف مع غيره في حجية المصحف الموجود اليوم، سواءٌ كان سنيّاً أو شيعيّاً، ناصبياً أو رافضياً أباضيّاً أو علويّاً، وهابياً أو حلولياً.
فوجود رواياتٍ تشكّك في هذا القرآن زيادةً (259) أو نقيصةً (260) لا يؤخذ بها، وهي أخبار لا يُعتمَد عليها وقد رويت من قبل الحشويّة من أهل الحديث، وهي منكرة ومتروكة عند الفريقين ولا يؤخذ بها.
وإنّ محاولات الزيادة والنقيصة في القرآن بَقِيَتْ غير ناجعة، وبقي المصحف الموجود بين أيدينا الحجة على جميع المسلمين، وإنّه حسب نظرنا مصحف النبيّ (ص) وبترتيبه، لا ما قالوه بأنّه مصحف عثمان وزيد المزعوم (261) وقد رتب باجتهاد منه.
فهم قد جدّوا أن ينسبوا هذا المصحف إلى عثمان متناسين ـ أو مقللين ـ دور رسول الله (ص) والصحابة فيه، وإنّ عملهم هذا هو من الغلوّ والتطرّف في الخلفاء الثلاث والرفع بشأنهم فوق مقام وشأن رسول الله الذي علّمنا الكتاب وأقرأنا آياته ﴿وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْـحِكْمَةَ﴾ و﴿لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ وإنّ ما قالوا في زيد لا يرتضيه أيّ مسلم لأنّه استنقاص برسول الله والصحابة، فاستمع لما يقوله كبار علماء الإماميّة في عصرنا الحالي ـ ألا وهو الإمام الخوئي  ـ في دفاعه عن هذا القرآن، وجوابه عن دعوى وقوع التحريف من قبل أبي بكر وعمر وعثمان، أذكره بنصّه كي تعرف موقف علماء الشيعة من القرآن:

دعوى وقوع التحريف من الخلفاء وبطلانه:
الدليل الخامس: إنّ القائل بالتحريف إمّا أن يدّعي وقوعه من الشيخين بعد وفاة النبيّ (ص)، وإمّا من عثمان بعد انتهاء الأمر إليه، وإمّا من شخصٍ آخر بعد انتهاء الدور الأوّل من الخلافة، وجميع هذه الدعاوى باطلة.
أما دعوى وقوع التحريف من أبي بكر وعمر: فيبطلها أنّهما في هذا التحريف إما أن يكونا غير عامدين، وإنّما صدر عنهما من جهة عدم وصول القرآن إليهما بتمامه، لأنّه لم يكن مجموعاً قبل ذلك.
وإمّا أن يكونا متعمِّدَيْن في هذا التحريف، وإذا كانا عامدين، فإمّا أن يكون التحريف الّذي وقع منهما في آياتٍ تمسّ بزعامتهما، وإمّا أن يكون في آياتٍ ليس لها تعلّق بذلك، فالاحتمالات المتصوّرة ثلاثة:
أمّا احتمال عدم وصول القرآن إليهما بتمامه، فهو ساقطٌ قطعاً، فإنّ اهتمام النبيّ (ص) بأمر القرآن؛ بحفظه وقراءته وترتيل آياته، واهتمام الصحابة بذلك في عهد رسول الله (ص) وبعد وفاته، يورث القطع بكون القرآن محفوظاً عندهم، جمعاً أو متفرِّقاً، حفظاً في الصدور أو تدويناً في القراطيس. وقد اهتمّوا بحفظ أشعار الجاهليّة وخُطَبها، فكيف لا يهتمّون بأمر الكتاب العزيز الّذي عرَّضوا أنفسهم للقتل في دعوته وإعلان أحكامه، وهجروا في سبيله أوطانهم، وبذلوا أموالهم، وأعرضوا عن نسائهم وأطفالهم، ووقفوا المواقف الّتي بَيَّضُوا بها وجه التاريخ؟!
وهل يحتمل عاقلٌ مع ذلك كلّه عدم اعتنائهم بالقرآن حتَّى يضيع بين الناس، وحتَّى يُحتاج في إثباته إلى شهادة شاهدين؟ وهل هذا إلّا كاحتمال الزيادة في القرآن، بل كاحتمال عدم بقاء شيءٍ من القرآن المنزل؟ على أنّ روايات الثقلين المتظافرة دالّة على بطلان هذا الاحتمال، فإنّ قوله (ص): «إنّي تاركٌ فيكم الثقلَين؛ كتاب الله وعترتي»، لا يصحّ إذا كان بعض القرآن ضائعاً في عصره، فإنّ المتروك حينئذٍ يكون بعض الكتاب لا جميعه، بل وفي هذه الروايات دلالةٌ صريحة على تدوين القرآن وجمعه في زمان النبيّ (ص)؛ لأنّ الكتاب لا يَصْدُقُ على مجموع المتفرِّقات، ولا على المحفوظ في الصدور.
وإذا سُلِّم عدم اهتمام المسلمين بجمع القرآن على عهده (ص)، فلماذا لم يهتمَّ بذلك النبيّ بنفسه مع اهتمامه الشديد بأمر القرآن؟ فهل كان غافلاً عن نتائج هذا الإغفال، أو كان غير متمكِّنٍ من الجمع لعدم تهيّؤ الوسائل عنده؟! ومن الواضح بطلان جميع ذلك.
وأما احتمال تحريف الشيخين للقرآن ـ عمداً ـ في الآيات الّتي لا تمسّ بزعامتهما وزعامة أصحابهما، فهو بعيدٌ في نفسه، إذ لا غرض لهما في ذلك، على أنّ ذلك مقطوعٌ بعدمه، وكيف يمكن وقوع التحريف منهما مع أنّ الخلافة كانت مبتنيةً على السياسة وإظهار الاهتمام بأمر الدين؟ وهلّا احتجّ بذلك أحد الممتنعين عن بيعتهما والمعترضين على أبي بكر في أمر الخلافة، كسعد بن عبادة وأصحابه؟ وهلّا ذكر ذلك أمير المؤمنين (ع) في خطبته الشقشقيّة المعروفة، أو في غيرها من كلماته الّتي اعترض بها على من تقدَّمه؟ ولا يمكن دعوى اعتراض المسلمين عليهما بذلك واختفاء ذلك عنّا، فإنّ هذه الدعوى واضحة البطلان.
وأمّا احتمال وقوع التحريف من الشيخَين ـ عمداً ـ في آياتٍ تمسّ بزعامتهما، فهو أيضاً مقطوعٌ بعدمه، فإنّ أمير المؤمنين وزوجته الصدّيقة الطاهرة وجماعة من أصحابه قد عارضوا الشيخين في أمر الخلافة، واحتجّوا عليهما بما سمعوا من النبيّ(ص)، واستشهدوا على ذلك مَن شهد من المهاجرين والأنصار، واحتجّوا عليه بحديث الغدير وغيره. وقد ذُكر في كتاب الاحتجاج: احتجاج اثني عشر رجلاً على أبي بكر في الخلافة، وذكروا له النصَّ فيها. وقد عقد العلّامة المجلسيّ باباً لاحتجاج أمير المؤمنين في أمر الخلافة، ولو كان في القرآن شيءٌ يمسّ زعامتهم لكان أحقّ بالذكر في مقام الاحتجاج، وأحرى بالاستشهاد عليه من جميع المسلمين، ولا سيّما أنّ أمر الخلافة كان قبل جمع القرآن على زعمهم بكثير، ففي ترك الصحابة ذكر ذلك في أوّل أمر الخلافة وبعد انتهائها إلى عليٍّ (ع) دلالة قطعيّة على عدم التحريف المذكور.
وأما احتمال وقوع التحريف من عثمان، فهو أبعد من الدَّعوى الأُولى:
١ ـ لأنّ الإسلام قد انتشر في زمان عثمان على نحوٍ ليس في إمكان عثمان أن ينقص من القرآن شيئاً، ولا في إمكان مَن هو أكبر شأناً من عثمان.
٢ ـ ولأنّ تحريفه إن كان للآيات الّتي لا ترجع إلى الولاية ولا تمسّ زعامة سلفه بشيء، فهو بغير سببٍ موجب، وإن كان للآيات الّتي ترجع إلى شيءٍ من ذلك فهو مقطوع بعدمه، لأنّ القرآن لو اشتمل على شيءٍ من ذلك وانتشر بين الناس لَما وصلت الخلافة إلى عثمان.
٣ ـ ولأنّه لو كان محرِّفاً للقرآن، لكان في ذلك أوضح حجَّة وأكبر عذر لقتلة عثمان في قتله عَلَناً، ولَما احتاجوا في الاحتجاج على ذلك إلى مخالفته لسيرة الشيخين في بيت مال المسلمين، وإلى ما سوى ذلك من الحجج.
٤ ـ ولكان من الواجب على عليٍّ (ع) بعد عثمان أن يردّ القرآن إلى أصله، الّذي كان يقرأ به في زمن النبيّ (ص) وزمان الشيخين، ولم يكن عليه في ذلك شيءٌ يُنْتَقَد به، بل ولكان ذلك أبلغ أثراً في مقصوده وأظهر لحجّته على الثائرين بدم عثمان، ولا سيّما أنّه (ع) قد أمر بإرجاع القطائع الّتي أقطعها عثمان...
هذا أَمْرُ عليٍّ (ع) في الأموال، فكيف يكون أمره في القرآن لو كان محرَّفاً؟! فيكون إمضاؤه للقرآن الموجود في عصره دليلاً على عدم وقوع التحريف فيه.
وأمَّا دعوى وقوع التحريف بعد زمان الخلفاء، فلم يَدَّعها أحدٌ فيما نعلم، غير أنّها نُسبت إلى بعض القائلين بالتحريف، فادَّعى أنّ الحجّاج لمّا قام بنصرة بني أُميّة أسقط من القرآن آياتٍ كثيرة كانت قد نزلت فيهم، وزاد فيه ما لم يكن منه، وكتب مصاحف وبعثها إلى مصر والشام والحرمين والبصرة والكوفة، وأنّ القرآن الموجود اليوم مطابقٌ لتلك المصاحف، وأمّا المصاحف الأُخرى فقد جمعها ولم يُبْقِ منها شيئاً ولا نسخةً واحدة.
وهذه الدعوى تشبه هذيان المحمومين وخرافات المجانين والأطفال، فإنّ الحجّاج واحد من وُلاة بني أُميّة، وهو أقصر باعاً وأصغر قدراً من أن ينال القرآن بشيء، بل وهو أعجز من أن يغيِّر شيئاً من الفروع الإسلامية، فكيف يغيّر ما هو أساس الدين وقوام الشريعة؟! ومن أين له القدرة والنفوذ في جميع ممالك الإسلام وغيرها مع انتشار القرآن فيها؟! وكيف لم يذكر هذا الخَطْبَ العظيم مؤرِّخٌ في تاريخه ولا ناقدٌ في نقده، مع ما فيه من الأهمّيّة وكثرة الدواعي إلى نقله، وكيف لم يتعرَّض لنقله واحدٌ من المسلمين في وقته، وكيف أغضى المسلمون عن هذا العمل بعد انقضاء عهد الحجّاج وانتهاء سلطته؟!
وهبْ أنّه تمكّن من جمع نُسَخ المصاحف جميعها، ولم تشذَّ عن قدرته نسخةٌ واحدة من أقطار المسلمين المتباعدة، فهل تمكّن من إزالته عن صدور المسلمين وقلوب حفَظَة القرآن؟! وعددهم في ذلك الوقت لا يحصيه إلّا الله.
على أنّ القرآن لو كان في بعض آياته شيءٌ يمسُّ بني أُميّة، لاهتمّ معاوية بإسقاطه قبل زمان الحجّاج، وهو أشدّ منه قدرةً وأعظم نفوذاً، ولاستدلّ به أصحابُ عليٍّ (ع) على معاوية، كما احتجّوا عليه بما حفظه التاريخ وكتب الحديث والكلام.
وبما قدمناه للقارئ، يتّضح له أنّ مَن يدّعي التحريف يخالف بداهة العقل، وقد قيل في المثل: حَدِّث الرجل بما لا يليق، فإن صدّق فهو ليس بعاقل (262) ـ انتهى كلام السيد الخوئي.
إذن، فالقرآن الموجود بين أيدينا هو قرآنٌ معصوم، وقد أخذه الصادق الأمين المعصوم (محمد بن عبد الله) عن جبرئيل الأمين المعصوم ﴿إقْرَأ﴾، وهما كانا يضبطان آياته وسوره في شهر رمضان من كلِّ عام، وإنّ رسول الله (ص) كان قد أمر من قبل الباري بتعليم المسلمين الكتاب العزيز ﴿ويُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ﴾ وقد عيّن بالفعل جماعة من أصحابه يقرؤون الناس وقد وقفت على أسماء بعضهم، وفوق كل ذلك قد علّم رسول الله أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب (ع) التنزيل والتأويل والناسخ والمنسوخ والمحكم والمتشابة وقد أخذه (ع) من (فيه ليده) (263).
نعم ، إنّ عثمان سعى أن يجمع المسلمين على قراءةٍ واحدةٍ بعد اختلافهم فيها(264).
أو قل: بأنّ الأُمّة ألزمت الخلفاء بالرجوع إلى ما أجمع عليه المسلمون على عهد رسول الله (ص).
أجل، إنّ أمير المؤمنين عليّاً وأولاده المعصومين (ع) قد تمسّكوا بهذا القرآن، ورضوا بتحكيمه في واقعة صفّين، واستشهدوا بآياته في احتجاجاتهم مع الخلفاء وغيرهم، فلو كان هذا القرآن محرَّفاً أو ناقصاً عندهم (ع) لما قَبِلوا بالقرآن المحرّف أو الناقص ولما صار حجة في الاستدلال عندهم.
نعم، إنّ منهج الخلفاء الخاطئ كاد يوصل الأمة إلى القول بتحريف القرآن، لكن إرادة الله من خلال الأئمّة وإجماع الأُمّة صانت الذكر العزيز من التحريف.
وعليه، فالقرآن الموجود بين أيدينا هو قرآن الله عزّ وجلّ، وقرآن محمّدٍ (ص)، وقرآن عليٍّ (ع)، وقرآن جميع الصحابة، فلا يصحّ ما يقال بأنّه قرآن عثمان وقرآن زيد بن ثابت فقط ـ دون غيرهما ـ إذ أجمع الصحابة عليه، فالصحابة أجمعوا على ما اجمع عليه الناس منذ عهد رسول الله (ص) وقرؤوا به، وجرت السيرة على الأخذ به واعتماده في كلّ العصور رغم كلّ الصعاب، فهو ليس ما جمعه عثمان وزيد بن ثابت، بل إنّهما جمعا وأقرّا ما تواترت عليه الأُمّة بعد مخاضٍ عسيرٍ مرّ به تاريخ جمع القرآن وإدخال شيء من القراءات الشاذة فيه.
كما إنّك ستقف في كتابنا جمع القرآن أيضاً على كيفيّة استغلال الخلفاء الثلاث وبعدهم معاوية لأسماء كبار الصحابة أمثال أبي بن كعب ومخالفتهم مع أمير المؤمنين علي على وجه الخصوص.
فإن صمود هؤلاء الصحابة أمام منهج الخلفاء هو الّذي وقف أمام إقرار مصحف الشيخين إماماً للمسلمين في عهدهما، حتّى جاء عثمان ورضخ لقرار الأُمّة فأقرّ مصحفه لأنه وافق مصحف المسلمين وما عرفوه على عهد رسول الله.
فمدرسة الخلافة كانت تريد سلب فضيلة جمع القرآن من الإمام عليّ بن أبي طالب (ع) بأيِّ شكل كان، وإن كان على حساب الخدش في القرآن نفسه، لكنّ إرادة الله حالت بينهم وبين مبتغاهم، فبقي القرآن محفوظاً مصوناً كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَـحَافِظُونَ﴾(265) لأن الناس كانوا قد تلقوه من رسول الله على مكث، وأن رسول الله كان يضبطه لهم ـ قراءةً وعرضاً ـ بين الحين والآخر.
وعليه، فجمع القرآن حسبما قالوه لم تكن فضيلة للخلفاء، بل قد يمكن اعتبارها مثلبة لهم، وذلك لفتحهم المجال أمام المغرضين وأصحاب الأهواء لإدخال ما ليس من الدين في الدين باسم القراءات وأمثالها.
وعليه فنحن قد أخذنا القرآن من يد الأئمّة من أهل البيت وعلى رأسهم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب لا من يد الخلفاء وأن حجيته جاءت عندنا من قبلهم، وهم حُجّة الله على أرضه وحفَظَة دينه والمرجع في كلّ الأمور، ولولاهم لما حصلت القناعة بما تنقله مدرسة الخلافة في حجيّة القرآن، وان اقرار الائمة في العصور المتأخرة يؤكد حجيته ومشروعيته عندنا، هذا ما عندنا وعلى الآخرين أن يثبتوا حجيته ومشروعيته عندهم.

* هوامش البحث *
(1) سورة الشورى: ٥٢.
(2) سورة النساء: 113.
(3) انظر كتب القضاء من فقه الامامية.
(4) سورة العنكبوت: 48.
(5) سورة البينة: 2.
(6) سورة النساء: 113.
(7) بصائر الدرجات: ٤٧٩ / ح ٣، ومثله عن عبد الله بن طلحة، اُنظر: الحديث ٢ من نفس الصفحة، والكافي ١: ٢٧٣ / ح ٥ من كتاب الحجّة ـ باب الروح الّتي يسدّد الله بها الائمّة (ع) الحديث.
(8) الكافي ١: ٢٦٢ / ح ٦.
(9) الكافي ١: ٣٩٨ / ح ١ من كتاب الحجّة ـ باب أنّ مستقى العلم من بيت آل محمّد (ص).
(10) ومنها قول سعد بن أبي سرح بأنّه كان يبدل الآيات (عزيز حكيم) الى (غفور رحيم) والنبي لا يعلم بذلك أو يقرّه وأمثاله. أنظر: لباب النقول: 103، ثقات ابن حبان 3: 214 ترجمة 709 لسعد بن أبي سرح.
(11) بحار الأنوار ٢: ١٥٢ / ح ٤١، وانظر: الدرّ المنثور 1: 28، عن الديلمي في الفردوس 5: 394 / 8533.
(12) تفسير ا لبحر المحيط 7: 151.
(13) فعن خالد بن عرفطة إن عمر قال: انطلقت أنا ... فانتسخت كتاب من أهل الكتاب ثم جئت به في أديم. فقال لي رسول الله ما هذا في يدك يا عمر، قلت يا رسول الله: كتاب انتسخته لنزداد به علماً الى علمنا، فغضب رسول الله حتّى احمرّت وجنتاه، ثم نودي بـ(الصلاة جامعة)، فقالت الأنصار: أغضب نبيكم! السلاح السلاح، فجاؤوا حتّى أحدقوا بمنبر رسول الله(ص).
فقال (ص): يا أيها الناس! إني قد أوتيت جوامع الكلم وخواتيمه، واخْتُصر لي اختصاراً، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقيّة، فلاتَتَهوَّكوا (تقييد العلم: 52) ولا يغرّنكم المتهوِّكون .
قال عمر: فقمت فقلت: رضيت بالله ربّاً، وبك رسولاً، ثمّ نزل رسول الله (ص) (المصنف لعبد الرزاق 6 : 113/ ح 10164، 10 : 313، ح 19213، ومجمع الزوائد 1 : 174 وفيه: يا رسول الله! جوامع من التوراة أخذتها من أخ لي من بني زريق، فتغيّر وجه رسول الله ...).
(14) تفسير البحر المحيط 7: 152.
(15) بصائر الدرجات: ١٥٩ / ح ٤ ـ عنه: بحار الأنوار ١٧: ١٣٧ / ح ٢١.
(16) وحتّى إنّه كان يعرف القراءة باللّغة العبرية كما في النصّ السابق.
(17) سورة القلم: ٢.
(18) سورة العلق: ٤.
(19) سورة الأعراف: ١٥٧ و١٥٨.
(20) سورة آل عمران: 164.
(21) سورة الإسراء: 106.
(22) سورة الجمعة: ٢.
(23) علل الشرائع ١: ١٢٤ / ح ١ ـ عنه: بحار الأنوار ١٦: ١٣٢ / ح ٧٠، وقريبٌ منه رواية عليّ بن أسباط عن أبي جعفر في علل الشرائع ١: ١٢٥ / ح ٢وبصائر الدرجات: 226 / ح 4 باب في أن رسول الله كان يقرأ ويكتب بكل لسان وفيه: قلت لأبي جعفر: أن الناس يزعمون أن رسول الله لم يكن يكتب ولا يقرأ، فقال: كذبوا لعنهم الله أنى ذلك وقد قال تعالى: ﴿...وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ ...﴾ فكيف أن يعلمهم الكتاب والحكمة وليس يحسن أن يقرأ ويكتب.
(24) سورة النجم: ١ ـ ٥.
(25) سورة العنكبوت: ٤٨.
(26) سورة الفرقان: 5.
(27) سورة النحل: 103.
(28) معاني الأخبار: ٣٤٧ / ح ١.
(29) اُنظر: مشكاة المصابيح 1: 68 / ح 258، كنز العمّال 10: 97 و98 / ح 29182 ـ 29192.
(30) سورة البيّنة: 2.
(31) سورة الكهف: 27.
(32) بصائر الدرجات: ٢٤٧ / ح ٥.
(33) بحار الأنوار ١٦: ١٣٤ من بيان للمجلسيّ في ذيل الحديث ٧2.
(34) إن طلب رسول الله لم يكن مولوياً بل إرشادياً، ومعنى كلام الإمام (ع) أن يدي لا تطيق فعل ذلك إذ لا يمكنني أن أمحو اسم النبوة عنك أبدا فليكن ذلك منك، فمحاه رسول الله بيده.
وهذا الشعور الديني لم يختص بالإمام فقط بل هو شعور لجميع المسلمين، ففي المغازي للواقدي 1 : 611 عن واقد بن عمرو قال حدثني من نظر إلى أسيد بن حضير وسعد بن عبادة أخذا بيد الكاتب [وهو أمير المؤمنين علي] فأمسكاها وقالا: لا نكتب إلا محمّد رسول الله وإلا فالسيف بيننا: علام نعطى الدنية في ديننا؟ فجعل رسول الله يخفضهم ويومي إليهم أسكتوا ...
فلو كان الأمر مولوياً فلم يخفضهم الرسول ويومي إليهم أسكتوا.
وقد يكون علي (ع) امتنع على سهيل بن عمرو ذلك لا على النبي، ويؤيده ما جاء في خصائص أمير المؤمنين للنسائي: 149 بسنده عن أمير المؤمنين أنّه قال قالوا: لو نعلم أنه رسول الله ما قاتلناه، امحها قلت: هو والله رسول الله وإن رغم انفك لا والله لا أمحوها ...
وفي وقعة صفّين : 509 عن أمير المؤمنين : فغضبت فقلت: بلى والله أنّه لرسول الله وإن رغم أنفك [والكلام موجه لسهيل] ...
ومما يجب التنبيه عليه إنّ في الثقات لابن حبان 1 : 300 ـ 301 والكافي 8 : 326 أنّ الإمام امتثل أمر رسول الله دون تلكؤ.
(35) تفسير القمّي ٢: ٣١٢، وانظر: مصنف ابن أبي شيبة 7: 383 / 36841، سنن البيهقي ٥: ٦٩ / ح ٨٩٧١.
(36) أنظر: صحيح مسلم 3: 1410 / ح 1783، مصنف ابن أبي شيبة 7: 383 / 36841.
(37) صحيح البخاري ٤: ١٩١٣ / ح ٤٧١٨، وفي روايةٍ أُخرى / ح ٤٧١٧: «أُبيّ بن كعب» بدل «أبي الدرداء»، وهناك اختلاف في أسماء الجامعِين للقرآن وأعدادهم، حتّى أوصلها بعضهم إلى أربعين صحابيّاً.
(38) سورة الجاثية: 29.
(39) سورة الإسراء: 93.
(40) وإن كانت ناقصة.
(41) انظر المجلد الثالث من كتاب نصوص في علوم القرآن للميامي، فنقول: لو كان لعثمان بن عفان مصحف أيام حياته وكان من الذين عرضوا قراءتهم على رسول الله فلماذا يعتمد زيد بن ثابت في كتابة المصحف؟ ولماذا يحتاج زيد إلى شاهدين عدل في تصحيحه للآيات والسور؟!
(42) الكافي 1: 62 / ح ١ باب اختلاف الحديث.
(43) صحيح مسلم ٤: ٢٢٩٨ / ح ٣٠٠٤، سنن الدارمي: ١٣٠ / ح ٤٥٠.
(44) سورة النساء: 41.
(45) رسائل الشهيد الثاني: ١٣٩ ـ عنه: بحار الأنوار ١٦: ٢٩٤ / ح ١٦٢، و٨٩: ٢١٦ / ح ٢٣.
(46) تاريخ القرآن: 160.
(47) الطبقات الكبرى ٨: ٤٥٧.
(48) أي في الأخبار القائلة بأن فلاناً وفلاناً وفلاناً قد جمعوا القرآن على عهد رسول الله.
(49) سورة هود: ١٣، قوله تعالى: ﴿فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُم مِن دُونِ الله﴾.
(50) سورة البقرة: 129.
(51) سورة الزمر: 23.
(52) سورة النحل: 101.
(53) سورة الواقعة: 79.
(54) سيرة ابن هشام ٥: ٢٩٤.
(55) صحيح البخاري ٤: ١٩١٧ / ح ٤٧٣١ الباب ٦ مَن قال لم يترك النبيّ إلّا ما بين الدفّتين. ولا يفوتك التنبيه على أنّ هذه الرواية ومثيلاتها سيقت لنفي كتابة النبي وصية لأمير المؤمنين وباقي الأئمة الاثنى عشر. لكن ذلك لا يضرّ المقام هنا، لأنّ المقصود هو وجود القرآن مكتوباً بين الدفّتين.
(56) اُنظر ذلك في المرحلتين الثانية والثالثة من المراحل الأربعة في تاريخ القرآن والذي بينّاه في كتابنا جمع القرآن المجلد الاول فراجع.
(57) قال البلاذري في فتوح البلدان ١: ١٠: وقد اختلفوا في عدّة من استشهد باليمامة، فأقلّ ما ذكروا من مبلغها سبعمائة وأكثر ذلك ألف وسبعمائة، وقال بعضهم: إنّ عدّتهم ألف ومائتان.
(58) المعجم الكبير ١: ٢٢١ / ح ٦٠١، مجمع الزوائد ٧: ١٦٥.
(59) ثواب الأعمال: ١٠٣ باب في ثواب مَن قرأ القرآن نظراً ـ عنه: بحار الأنوار ٨٩: ٢٠٢ / 23.
(60) صحيح البخاري ٣: ١٠٩٠ / ح ٢٨٢٨، وصحيح مسلم ٣: ١٤٩٠ / ح ١٨٦٩ رواه بطريق آخر، وفيه زيادة: مخافة أن يناله العدو.
(61) اُنظر: الروضتين لأبي شامة 1: 5، والاستيعاب لابن عبد البر: ترجمة زيد بن ثابت، والتراتيب الإداريّة 1: 116، وفتح الباري 9: 52، ذكر فيه أسماء ستّة عشر صحابيّاً وصحابيّةً من المهاجرين فقط (عن أبي عبيد)، وشرح النووي 16: 19 قال: روى غير مسلم حفظ جماعات من الصحابة في عهد النبي وذكر منهم المازري خمسة عشر صحابياً.
(62) انفرد بهذا الكلام القرطبي في تفسيره 1: 50، ومن روى عنه قال: سبعون قارئاً. أنظر: فتح الباري 9: 52، والإتقان 1: 192 و193، ومناهل العرفان 1: 174، وهو الثابت في الصحيح كما أشار إليه النووي في شرحه على مسلم 16: 19، وابن القيّم الجوزية في أعلام الموقعين 3: 34.
(63) اُنظر: كنز العمال 2: 243 / 4762 عن الحسن وابن سيرين وابن شهاب قالوا: لما أسرع القتل في قرّاء القرآن يوم اليمامة، فقُتل منهم يومئذٍ أربعمائة رجل ... رواه عن ابن الأنباري في (المصاحف).
(64) تاريخ القرآن لنولدكه2: 253 وانظرCaetani, Annali dell Islam, vol2. no331. وخاورشناسان وجمع وتدوين قرآن كريم : 78.
(65) المصدر نفسه.
(66) فتح الباري ٩: 12.
(67) المصاحف لابن أبي داوود 1: 208 / 81، وعنه في كنز العمال 2: 247 / 4778.
(68) مجلة المصباح العدد الخامس الصفحة : 118.
(69) الفصل ٢: ٦٦.
(70) فتوح البلدان: ١٠٠ ـ ١٠٢.
(71) اُنظر: الكامل في التاريخ ٢: ٢٢٣ ـ ٢٢٤.
(72) انظر كلام البغوي في شرح السنة 4 : 525 أيضاً.
(73) سورة التوبة: ١٢٨ ـ ١٢٩.
(74) تاريخ دمشق ٣٩: ٢٤٢، الكامل في التاريخ ٣: ٨، تاريخ ابن خلدون ٢: ٥٨٣.
ولي تعليق بسيط في المقطع الأخير من النصّ السابق، فالّذي أحتمله هو أنّ أهل حمص كانوا يقرؤون بقراءة مُعاذ بن جبل لا المقداد، لكون معاذ بن جبل قد عاش في حمص فترةً من الزمن، ولعدم وجود نموذج من قراءة المقداد في كتب المصاحف الموجودة بأيدينا اليوم، فتكون قراءة أهل حمص هي قراءة معاذ لا المقداد كما جاء في النص السابق، وقد يكون جاء ذلك لتقارب رسم خط مقداد ومعاذ، فربما جاء التصحيف من هنا.
ويمكننا أن نعزو سبباً آخر لما رجّحناه، وهو أنّ المقداد كان من أتباع أمير المؤمنين عليّ (ع)، وكان لا يتخطّى قراءته أبداً، بل وكان لا يتخطّى فهمه، وأنّ مدينة حمص وقعت تحت سلطة الأُمويّين، وأنّ الذين كتبوا في اختلاف مصاحف الصحابة كانوا من المتعاطفين مع الحكومة، وهؤلاء قد قضوا على معالم قراءته. انظر ما رواه سليم وأنّه سأل أمير المؤمنين عن سبب اختلاف الحديث عن رسول الله قال قلت لأمير المؤمنين: إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً في تفسير القرآن ومن الرواية عن النبي (ص) ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن ومن الأحاديث عن النبي (ص) تخالف الذي سمعته منكم... في كتاب سليم بن قيس : 181 وعنه في الكافي 1: 63 ح / 1.
(75) مناهل العرفان 1: 264.
(76) تأويل مشكل القرآن لابن قتيبة ١: ٢٣٣ ـ ٢٣٤ باب تكرار الكلام والزيادة فيه.
(77) المصدر نفسه. وقال ابن فارس في الصاحبي: 325: وابن قتيبة يطلق إطلاقات منكرة ويروي أشياء شنيعة ـ ثمّ روى الخبرين الآنفين عن الشعبي، وقال: ـ وهذا كلامٌ شنيع جدّاً فيمن يقول: سلوني قبل أن تفقدوني، فما من آيةٍ أعلم، أبليلٍ نزلت أم بنهار، أم في سهل أم في جبل.
كما أنّ المقطع الأخير من الخبر لا يتفق مع ما تواتر من أنّ أمير المؤمنين عليّاً كان أعلم الناس بما بين اللّوحين.
(78) سورة الأعلى: 1.
(79) الجامع لأحكام القرآن 1: 53.
(80) أي إقصاء أمير المؤمنين علي بن ابي طالب.
(81) فتح الباري ٩: ١٣.
(82) المصنّف ١: ٣٢٣ / ح ٣٦٩٠، ٢: ٨٩ / ح ٦٨١٧، المعجم الكبير 1: 87 / ح 130، وانظر:كتاب الزهد لابن المبارك: ٤٥٢ / ح ١٢٧٧.
(83) فإنّه أراد أن يعلق على ما رواه ابن أبي داود السجستاني في المصاحف وقوله: وقال أبو بكر: لم يذكر المصحف أحد الا أشعث [بن سوار الكندي] وهو لين الحديث، وانما رووا (حتي أجمع القرآن): يعني اتم حفظه، فإنّه يقال للذي يحفظ القرآن قد جمع القرآن.
(84) ستقف عليها عند جمع الإمام علي(ع) للقرآن بعد رسول الله(ص) في المجلد الاول من كتابنا جمع القرآن صفحة 267.
(85) الكافي ١: ٦٤ / ح ١ باب اختلاف الحديث.
(86) اُنظر: الكافي ١: ٢٣٩ / ح ١ باب فيه ذكر الصحيفة والجفر والجامعة ومصحف فاطمة.
(87) بحار الأنوار ١٨: ٢٧٠ / ح ٣٤ ـ عن: بصائر الدرجات: ٣٤٢ / ح ٥ باختلافٍ يسير.
(88) خاورشناسان وجمع وتدوين قرآن كريم: 92 (كتاب فارسي).
(89) Paul Casanova, Mohammed et la fin du monde, paris, 1911, p. 141.
(90) وقد رده بلاشير وغيره، اُنظر كتاب خاورشناسان وجمع وتدوين قرآن كريم: 99 (كتاب فارسي).
(91) كتاب السبعة في القراءات: 68.
(92) تكلمنا عن هذا المبحث عند كلامنا عن القرّاء والإمام أمير المؤمنين عليّ (ع) في المجلد الاول من كتابنا جمع القرآن فراجع.
(93) حسبما وضّحناه في كتابنا جمع القرآن 351:1 تحت عنوان (سماع السلميّ من عليٍّ (ع) لا من غيره).
(94) سورة الحِجر: 9.
(95) سورة القصص: 51.
(96) سورة القيامة: 17.
(97) سورة البروج: 21 و22.
(98) بتصوري أنّ المقصود منه أنّه كان يكتب من مصحف الإمام علي ويؤيده ما جاء عن ابن مسعود في سعد السعود.
(99) سورة الأنبياء: 26 و27.
(100) مفاتيح الأسرار ومصابيح الأبرار 1 : 13 ـ 15 من مقدمة المؤلف.
(101) أنظر: تاريخ ابن شبة 2: 377 / ح 1176، كنز العمال 2: 251 / ح 4808، فتح الباري 8: 642، الدر المنثور 8: 161.
(102) أنظر: أنساب الأشراف ٦: ١٤٦ / ح ١٣٦٦.
(103) سنن أبي داوود ٤: ٢١٠ / ح ٤٦٤٣، مستدرك الحاكم ٣: ٦٤١ / ح ٦٣٥٢.
(104) اُنظر: المصاحف لابن أبي داوود ١: ١٦٩ / ح ٣١، ومصنّف عبد الرزّاق ٥: ٤٥٠ / ح ٩٧٦٥، طبقات ابن سعد ٢: ٣٣٨.
(105) أنظر عن ابن مسعود: تاريخ بغداد 4: 326 / 2138، البحر الرائق 4: 372، المبسوط للسرخسي 6: 124، وعن أُبي: صحيح البخاري 4: 1913 / 4719، وكنز العمال 2: 245 / 4768.
(106) هذا هو تعبير ابن مسعود عن زيد قالها تعريضاً به. أنظر: سنن النسائي (المجتبى) 8: 134 / 5064، مسند أحمد 1: 411 / 3906.
(107) المصحف الشريف المنسوب لعليّ بن أبي طالب (ع) (نسخة صنعاء) الفصل الثالث من المقدّمة: ٦٩.
(108) صحيح البخاري 4: 1909 باب أُنزل القرآن على سبعة أحرف وفيه حديثان، صحيح مسلم 1: 560 باب بيان أن القرآن على سبعة أحرف وفيه عدّة أحاديث.
(109) تكلمنا عن هذا الأمر في آخر المجلد الثاني من كتابنا جمع القرآن تحت عنوان (توحيد المصاحف).
(110) سورة الذاريات: 43.
(111) وهي قراءة ابن مسعود. اُنظر: النهاية في غريب الحديث والأثر 3: 181 مادّة عتا.
(112) سورة الكوثر: 1.
(113) أنظر: فتح الباري 8: 731.
(114) ففي الكافي 2: 619 / ح 1 باب أن القرآن يرفع كما أنزل، عن الصادق قال: قال النبي: إن الرجل الأعجمي من أمتي ليقرأ القرآن فترفعه الملائكة على عربيته.
(115) اُنظر: الأحرف السبعة للداني: 21 / ح 8، وسنن البيهقي 2: 384 / ح 3802.
(116) مذاهب التفسير الإسلامي لجولد تسهير: 4 وقال بمثل هذا الكلام كانون سل أيضاً أنظر مجلة المصباح العدد الخامس الصفحة 142 مقال الأستاذ عبدالجبار الشاطي (كانون سل وكتابه تدوين القرآن).
(117) اُنظر: الإتقان 2: 258 الباب 43 الإبداع، وخزانة الأدب 2: 291.
(118) اُنظر: سنن البيهقي 1: 565 / ح 1048، و2: 384 / ح 3804.
(119) تكلمنا عنه مفصلا في كتابنا جمع القرآن.
(120) الكافي ٢: ٦٣١ / ح ١٣.
(121) الكافي ٢: ٦٣٠ / ح ١٢، إعتقادات الصدوق: 86 باب الاعتقاد في مبلغ القرآن.
(122) سورة النساء: 83.
(123) مسند أبي يعلى 8: 470 / ح 5057، وذم الكلام وأهله 1: 45 / ح 39 عن أبي عبيد في فضائل القرآن.
(124) والذي جاء في أمر الباري في قوله: ﴿ وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ﴾ سورة الإسراء: 106.
(125) كنز العمّال ٢: ٢٥٠ / ح ٤٨٠٢ ـ عن ابن الأنباري في (المصاحف).
(126) بحار الأنوار ٩٠: ٣ ـ عن: تفسير النعماني.
(127) المستدرك على الصحيحين ١: ٧٣٩ / ح ٢٠٣١، ٢: ٣١٧ / ح ٣١٤٤ والمتن منه.
(128) سورة النمل: ٦.
(129) سورة الأنعام: ١٩.
(130) سورة الإنسان: ٢٣.
(131) سورة الإسراء: ١٠٦.
(132) تفسير الرازي 4: 1346 / ح 7626، وعن السدّي، عن مصعب بن سعد، عن أبيه أنّه قال: لمّا كان فتح مكّة، أمّن رسول الله الناس إلّا أربعة نفر وامرأتين، وقال: «اقتلوهم وإن وجدتموهم متعلّقين بأستار الكعبة»: عكرمة بن أبي جهل، وعبد الله بن أخطل، ومقيس بن صبابة، وعبد الله بن أبي سرح. وقيل بأنّه هو الذي نزل فيه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَن قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَاأَنْزَلَ الله﴾، لأنّ رسول الله أملى عليه ذات يوم: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ مِن سُلاَلَةٍ مِن طِينٍ﴾ ـ إلى قوله: ـ ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقاً آخَرَ﴾، فجرى على لسان ابن أبي سرح: فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ. فأملاه عليه وقال: «هكذا نزل»، فارتدّ عدوّ الله وقال: إن كان محمّدٌ صادقاً فلقد أوحي إليّ كما أوحي إليه، ولئن كان كاذباً فلقد قلت كما قال. وارتدّ عن الإسلام وهدر رسول الله دمه.
أنظر: الأحاديث المختارة 3: 248 / ح 1054، التفسير الكبير 23: 75، تفسير القرطبي 7: 40.
(133) اُنظر: مصنّف عبد الرزّاق ١٠: ١٥٦ / ح 18675 باب ما جاء في الحروريّة، مسند أحمد ٣: ١٤٥ / ح ١٢٥٠١، سنن الدارمي ٢: ٣١٤ / ح ٢٥١٨ باب افتراق الأُمّة، سنن أبى داوود ٤: ١٩٨ / ح ٤٥٩٧، سنن ابن ماجة ٢: ١٣٢٢ / ح ٣٩٩٣.
(134) سورة النساء: ٨٢.
(135) سورة الأنعام: ١٥٣.
(136) أحكام القرآن للجصّاص ٢: ٣١٤، شرح النووي على صحيح مسلم ١١: ٩١، الجامع الصغير للسيوطي ١: ٤٨ / ح ٢٨٨.
(137) صحيح البخاري ٢: ٣٤٩ / ح ٢٢٧٩، و٣: ١٢٨٢ / ح ٣٢٨٩ واللّفظ له، مسند أحمد ١: ٤١١ / ح ٣٩٠٧ و٣٩٠٨، مسند ابن الجعد ١: ٨٣ / ح ٤٦٤.
(138) نهج البلاغة 1: 51 / 17 من كلامٍ له في صفة مَن يتصدّى للحكم بين الأُمّة وليس لذلك أهل.
(139) سورة النساء: ٨٣.
(140) تاريخ القرآن: ٧٤.
(141) أي الإذن بالقراءة بالأحرف السبعة.
(142) تاريخ القرآن: 80 و81.
(143) تاريخ القرآن: ٨٥.
(144) تاريخ القرآن: ٦٨.
(145) تاريخ المدينة ٢: ١1٦ / ح ١٧١١، الإتقان في علوم القرآن ١: ٥٣٨ / ح ٣٤٨٨.
(146) اُنظر: مناهل العرفان للزرقاني 1: 301، فقد نقله عن مفتي البلاد الاندلسيّة أبي سعيد فرج ابن لب.
(147) اُنظر: التفسير الكبير ١٩: ١٦٤، محاضرات الأُدباء ٢: ٤٤٩، وتاريخ المدينة ١: ٣٧٥ / ح١١٧٠. وفي تفسير البحر المحيط ٥: ٩٧ عن عمر أنّه كان يرى: ﴿وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ﴾ بغير واو، صفةً للأنصار، حتّى قال له زيد بن ثابت: إنها بالواو، فقال عمر: ائتوني بأُبَيّ، فقال: تصديق ذلك في كتاب الله في أول الجمعة: ﴿وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ﴾، وأوسط الحشر: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعْدِهِمْ﴾، وآخر الأنفال: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا مِن بَعْدُ﴾.
وروي أنّه [أي عمر] سمع رجلاً يقرؤه بالواو، فقال: من أقرأَك؟ فقال: أُبي. فدعاه، فقال: أقرأَنيه رسول الله. ومن ثمّ قال عمر: لقد كنتُ أرانا وقعنا وقعة [الصواب: رُفِعْنا رَفْعةً] لا يبلغها أحدٌ بعدنا.
ومثله الصراع الذي قام بين معاوية وأبي ذر في الآية ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ﴾ والتي قرأها معاوية بدون الواو واعتراض أبي ذر عليه أو اختلافه معه في تفسيرها هل أنها نزلت في أهل الكتاب أم في المسلمين فمعاوية يقول في أهل الكتاب وأبوذر يقول فينا.
(148) اُنظر: المبسوط للسرخسي ٢٩: ١٨٠. قال: ولما طُعن عمر وآيس من نفسه، قال: إشهدوا أنّه لا قول لي في الجدّ ولا في الكلالة.
(149) شعب الإيمان ٢: ٣٣١ / ح ١٩٥7، تاريخ دمشق ٤٤: ٢٨٦، شرح الزرقاني ٢: ٢٧.
(150) اُنظر إلى القيد في الخبر (فحرّف أو أخطأ)، ولم يقل: إنّ العبد إذا لم يقدر على التلفّظ والنطق (كتبه الملَك كما أُنزل).
(151) فضائل القرآن لأبي عبيد: ١٠٦. تأمّل في النص لتراهم يعتبرون التحريف ممّا يكتبه الله كما أُنزل.
(152) فضائل القرآن لأبي عبيد: 189.
(153) الإتقان: 102 / ح 406.
(154) اُنظر: كتابنا (منع تدوين الحديث).
(155) هذا ما قاله ابن عبد البر في التمهيد 8: 280، كما في البرهان 1: 311 النوع الحادي عشـر ـ الأحرف السبعة.
(156) اُنظر مناهل العرفان للزرقاني 1 : 301 فقد نقله عن مفتي البلاد الأندلسية.
(157) سورة الواقعة: 77.
(158) تفسير الكبير ٢٩: ١٦٦.
(159) تخريج الأحاديث للزيعلي 3: 48 / ح 10 في صفة هذه الأُمّة صدورهم أناجيلهم.
(160) البرهان: 1 : 334 النوع الثالث عشر جمع القرآن ومن حفظه من الصحابة.
(161) انّ الذهبي لا يقبل بهذا الكلام لأنه لا يعده ضمن السبعة الذين عرضوا قراءتهم على رسول الله فإذا لم يكن قد عرض قراءته على رسول الله، فكيف يكون أقرأ الناس والأحق بالخلافة باعتقاد الذهبي؟!!
(162) أعني رسول الله محمّد بن عبد الله ووصيّه عليّ بن أبي طالب.
(163) بل أكثر وأشدّ من ذلك، لأنّ العلم بالبلدان والحوادث قد يصيبه الترديد والشك، أمّا العلم بالقرآن فلا، لأنّه نازلٌ من عند الله العزيز، وقد اهتمّ الرسول(ص) بضبطه وتلاوته وتعليمه المسلمين واهتم به المسلمون على اختلاف مذاهبهم في كل عصر ومصر جيلا بعد جيل.
(164) اُنظر: تفسير مجمع البيان للطبرسي ١: ٤٣ ـ عن: المسائل الطرابلسيات. وقد استغل ابن حزم الاقوال الضعیفة الموجودة فی کتب الامامیة والحشویة من العامة للافتراء علی الامامیة والقول بأنهم یقولون بتحریف القرآن قدیما وحدیثا ثم قال:
«حاشا علي بن الحسین ـ المرتضی علم الهدی ـ وکان امامیّاً یظاهر بالاعتزال، مع ذلك، فانه کان ینکر هذا القول ویکفّر من قاله، وکذلك صاحباه أبو یعلی میلاد الطوسی وأبو القاسم الرازي» (الفصل فی الملل والنحل ٤: 139).
لیته سمَّى القائلین بالتحریف من الامامیة وهو الذاكر لأسماء هؤلاء الأعلام القائلين بعدم التحريف من الإماميّة، فكان عليه ـ وعلى الذي حقق كتابه ـ أن یضیف إلیهم اسم الشیخ الصدوق، والشیخ المفید، والشیخ الطبرسي، وابن طاووس الحلّي، والعلامة الحلّي، وزین الدین البیاضي، والکرکي وغیرهم من کبار أعلام الامامیة، لا أن يلقي الكلام على عواهنه.
بل كان على ابن حزم أيضاً أن ينظر إلى كلام أبي الحسن عليّ بن إسماعيل الأشعري (ت 330 هـ) ـ رأس الأشاعرة وما قاله في كتابه (مقالات الإسلاميّين: 47): والفرقة الثالثة منهم [أي من الروافض حسب زعمه] وهم القائلون بالاعتزال [لقولهم بأصل العدل] والإمامة يزعمون أنّ القرآن ما نقص منه ولا زيد فيه، وأنّه على ما أنزله الله على نبيّه لم يغيّر ولا يبدل ولا زال عما كان عليه.
هذا ولا يخفى عليك أنّ الأمين في (أعيان الشيعة 1: 41) صحّح كلام ابن حزم بقوله: وأما أبو يعلى ميلاد الطوسي اسم محرّف، وصوابه أبو يعلى سلّار الديلمي ... وأما أبو القاسم الرازي فالظاهر أنه محرف أيضاً، إذ لا نعلم في أصحاب المرتضى أحداً بهذا الإسم.
(165) صحيحٌ بأنّه لم يكن مجموعاً في مصحفٍ واحد، لأنّ الرّسول كان قد ترك جمعه لأمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب، أي : أنّه(ص) ترك اللّمسات الأخيرة لأمير المؤمنين عليّ، ليوحّد شكل الصحف الموجودة عنده، وليضيف إليه الآيات الأخيرة النازلة على رسول الله(ص) حسبما ذكرناها في كتابنا جمع القرآن.
(166) آلاء الرحمان للشيخ البلاغي ١: ١٧ ـ ١٨ الفصل الثاني في جمعه في مصحف.
(167) انظر على سبيل المثال كنزالعمال 2 : 49، الفصل الخامس، الفرع الأول: في القراءات السبعة.
(168) آلاء الرحمن 1 : 29، 30، الفصل الثالث في قراءته.
(169) اُنظر: تفسير الطبري 1: 55، كما في رسم المصحف لغانم قدوري الحمد: 132، 139.
(170) سنن البيهقي الكبري 2 : 385 / ح 3805، والآية في سورة يس: 29.
(171) التفسير الكبير 32 : 69. والآية في سورة القارعة: 5.
(172) أحكام القرآن لابن العربي 4 : 119، الاتقان 1 : 123 / ح 570.
(173) الدر المنثور 7 : 419.
(174) سورة المؤمنون: 12.
(175) سورة المؤمنون: 14.
(176) انظر التفسير الكبير 23 : 75، المحرر الوجيز 2 : 322 والآية في سورة الأنعام: 93 وقال النسفي في تفسيره 3 : 118 : وقيل هذه الحكاية غير صحيحة لان ارتداده كان في المدينة وهذه السورة مكية، وقيل القائل عمر بن الخطاب أو معاذ؟ وانظر تفسير البحر المحيط 6 : 369..
(177) سورة يونس: ١٥وقد حصر الدكتور عبد الحليم النجار في هامش كتاب مذاهب التفسير الاسلامي: 8 هذا الأمر بعمر فقال: سألوا عمر أن يغير آية الكهف (حتى إذا أتيا ـ أي موسى وصاحبه ـ أهل قرية استطعما أهلها فأبوا أن يضيفوهما) بأن يقرأ: «فأتوا أن يضيفوهما» بدلاً من: ﴿ فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا﴾، لما فيه من مهانة لهم.
(178) أنظر: صحيح البخاري ١: ٩٧ / ح ٢٤٤ من الباب ٧٥ فضل مَن بات على الوضوء، وغيره.
(179) الكافي ٢: ٥٢٧ / ح ١٧ باب القول عند الإصباح والإمساء.
(180) كمال الدين وإتمام النعمة: ٣٥1 / ح ٤٩ الباب 33.
(181) إن أُريد في جمع القرآن دقّة الضبط فهذا منتهاه، لا كما قالوه أنّه ضُبِط بشاهدَين، أحدهما الحفظ وثانيهما الكتابة، قلنا بهذا تعليقاً على ما قالوه.
(182) أي: النازلة على رسول الله في وقائع وأحداث مختلفة زماناً ومكاناً.
(183) هذا ما قاله السيّد الخوئي في البيان في تفسير القرآن: ٩٢.
(184) فضائل القرآن لأبي عبيد: ٨٧ عن عبد الله بن عمرو عن رسول الله، سنن أبي داوود 2: 73 / ح 1464 الباب 356.
(185) فضائل القرآن لأبي عبيد: ٨٦.
(186) سورة الأعلى: 6.
(187)﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ * وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً ﴾ (الإسراء: 106).
(188) بأمر الله سبحانه وتعالى في شهر رمضان من كلّ عام.
(189) سورة القيامة: ١٧ و١٨.
(190) سورة القيامة: 18.
(191) أي: إقراء الأمين جبرئيل لرسول الله(ص) في قوله تعالى: ﴿اِقْرَأ﴾، وإقراء الرسول للصحابة في قوله تعالى: ﴿لِتَقْرَأه على الناسِ على مكث﴾.
(192) أي: الضبط الثنائيّ بين رسول الله(ص) وجبرئيل الأمين كلّ عام، وقد اعتمدوا العرضة الأخيرة في جمع القرآن بعد رسول الله دقّةً في الضبط.
(193) اُنظر: بحار الأنوار ٨٩: ١٠٦ عن أبي عبد الرحمان السلمي قال: حدّثنا من كان يقرؤنا من الصحابة، أنّهم كانوا يأخذون من رسول الله عشـر آيات، فلا يأخذون في العشر الآخر حتّى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل. وانظر: مسند أحمد 5: 410 / 23529، وعن ابن مسعود قال: كنّا لا نجاوز عشر آيات حتى نعرف أمرها ونهيها. المغني لابن قدامة 2: 6.
(194) انظر مصنف ابن ابي شيبة 6 : 117 / 29930، الدر المنثور 5 : 346، عن البيهقي في شعب الإيمان عن عمر بن الخطاب.
(195) مناهل العرفان ١: ١٦٩، 218.
(196) فجاء في الخبر عندهم: استقرؤوا القرآن من أربعة عبد الله بن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل. وفي نصوص أخرى أسماء آخرين. صحيح البخاري 3: 1372 / ح 3549، 3: 1385 / ح 3595.
(197) صحيح البخاري 4 : 1913 / ح 4719، مسند أحمد 5 : 113 / ح 21122.
(198) المحكم للداني 1: 185، تفسير البغوي ١: ٤٩٨ ـ ٤٩٩، وتفسير الرازي ١١: ٨٤، ٢٢: ٦٥، وفيات الأعيان 3 : 466.
(199) تفسير الطبري 13: 145، الإتقان ١: ٥٤٣ / ح ٣٥٠٥.
(200) تفسير الرازي 22: 65، تفسير البغوي ٣: ٢٢٢، تفسير القرطبي ١١: ٢١٦.
(201) سورة الكهف: 5.
(202) تفسير القمّي 2: ٤٥١ ـ عنه: بحار الأنوار ٨٩: ٤٨ / ح ٥، وانظر: بصائر الدرجات: ٢١٤ / ح ٥ الباب 6.
(203) الكافي ١: ٢٢٨ / ح ١ باب أنّه لم يجمع القرآن كلّه إلّا الأئمّة (ع).
(204) الكافي ١: ٢٢٨ / ح ٢.
(205) خاورشناسان وجمع وتدوين قرآن كريم : 94 (كتاب فارسي).
(206) البيان للسيّد الخوئي: ٢٣٩ الشبهة الرابعة.
(207) جمع القرآن 205:1. الأخبار الدالة على وجود مصحف أو مصاحف على عهد رسول الله.
(208) صحيح البخاري 4: 1913 / 4719، باب القرّاء من أصحاب النبي(ص).
(209) تاريخ ابن شبه 2: 377 / ح 1176، كنز العمال 2: 251 / ح 4808، فتح الباري 8: 642، الدر المنثور 8: 161.
(210) سورة الإسراء: 106.
(211) خاورشناسان وجمع وتدوين قرآن كريم: 96 ـ 97.
(212) مجلة المصباح العدد 5 الخامس الصحفة 122 أثر روايات جمع القرآن في الفكر الإستشـراقي (دراسة في كتاب جمع القرآن للمستشرق جون جيلكرايست).
(213) في كتابنا جمع القرآن 75:1. تعدد القراءات تخالف الوحدة فيه.
(214) مستدرك الوسائل 4: 280 / ح 4701 باب وجوب تعلّم إعراب القرآن، وستعرف لاحقا أنه (ع) اشار الى اتباع مدرسة الخلفاء الثلاثة، لا إلى أصحاب العربية على الإطلاق، فإن رائد مدرسة العربية هو أمير المؤمنين علي وأصحابه أمثال: أبي الأسود الدؤلي وأبي عمرو بن العلاء وغيرهم، وإنّ أبا الأسود هو الذي قنن القرآن المتلو كتابةً.
(215) تفسير القمّي ٢: ٤٥١ ـ عنه: بحار الأنوار ٨٩: ٤٩ / ح ٧.
(216) سورة النساء: 43.
(217) سورة البقرة: 222.
(218) صحيح البخاري 1 : 66 / ح 143، الأحاديث المختارة 10 : 169 / ح 167.
(219) صحيح البخاري 3 : 1371 / ح 3546، سنن الترمذي 5 : 680 / ح 3824.
(220) المعجم الكبير 10 : 238 / ح 10587، المستدرك للحاكم 3 : 617 / ح 6287، صحيح الاسناد ولم يخرجاه.
(221) بصائر الدرجات : 224 / ح 5، 7، الكافي 1 : 213 / ح 1.
(222) الكافي 1 : 213 / ح 2، تفسير العياشي 1 : 164 / ح 6، تفسير القمي 1 : 96.
(223) اُنظر: بصائر الدرجات: 214 باب في أنّ الأئمّة أُعطوا تفسير القرآن والتأويل. والمراد منه الفهم الكامل، أي فهم الظواهر والبطون، لأنّ القرآن نزل لعامّة الناس، وخطاباته تعمّ جميع المسلمين.
(224) اُنظر: الكافي ٨: ٣١١ / ح ٤٨٥، وسائل الشيعة ٢٧: ١٨٥ / ح ٣٣٥٥٦.
(225) اُنظر: نهج البلاغة ٢: ٢٧ الخطبة ١4٤، بصائر الدرجات: ٢٢٢ الباب ١٠ في أنّ الأئمّة هم الراسخون في العلم، والكافي ١: ٢١٣ باب أنّ الراسخين في العلم هم الأئمّة (ع).
(226) بصائر الدرجات: ٥٨ الباب ١٩، وكذا في الكافي ١: ٢١٠.
(227) بصائر الدرجات: ١٢٣ الباب ١٩ في الأئمّة أنّهم خزّان الله في السماء والأرض على علمه.
(228) سورة ص: ٢٩.
(229) سورة يوسف: ٣.
(230) سورة آل عمران: ١٣٨.
(231) تفسير العياشي 1: 16 / ح 7 ـ عنه: بحار الأنوار 89: 69 / ح 55.
(232) الكافي 1: 398 / ح 2 ـ عنه: بحار الأنوار 45: 93 / ح 34، وفيه: «أفيستقي الناسُ العلمَ مِن عندنا فيهدونهم وضللنا نحن؟! هذا محال».
(233) الكافي 7: 442 / ح 15، تهذيب الأحكام 8: 286 / ح 1052.
(234) راجع: كتاب سليم بن قيس: 146، الاحتجاج: 1 / 107، بحار الأنوار 22: 482 / ح 30 ـ عن: خصائص الأئمّة: 73.
(235) راجع: الكافي 2: 633 / ح 23، بصائر الدرجات: 213 / ح 3 ـ عنه: بحار الأنوار: 92 / 88 ح 28.
(236) أمالي الصدوق: ١٢٢ / ح ١١٢ ـ عنه: بحار الأنوار ٣٨: ٩٤ / ح ١٠.
(237) تفسير فرات: ٢٥٨ / ح ٣٥١.
(238) التسهيل لعلوم التنزيل ٤: ٦٤، الكشّاف ٤: ٣٨٩ سورة ق، إعراب القرآن ٤: ٢٢٥.
(239) للسيد ابن طاووس كلام في مصحف عثمان أُنظره في سعد السعود.
(240) في الدرّ المنثور ١: ٤٠ أخرج وكيع وأبو عبيد وسعيد بن منصور ... غير المغضوب عليهم وغير الضالين. قال أبو حيان الاندلسي في (البحر المحيط 1: 150): وقرأ عمر وأُبي: وغير الضالين.
(241) صحيح البخاري ٦: ٢٥٠٣ /ح٤٦٦١ عن ابن عباس قال: قال عمر: لقد خشيتُ أن يطول بالناس زمان حتّى يقول قائلٌ: لا نجد الرجم في كتاب الله، فيضلّوا بترك فريضةٍ أنزلها الله...
وقوله: لولا أن يقول الناس: زاد عمر في كتاب الله، لكتبت آية الرجم بيدي. اُنظر: صحيح البخاري ٦: ٢٦٢٢ / باب الشهادة تكون عند الحاكم. وفي الخبر: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتّه نكالاً من الله والله عزيزٌ حكيم. الأحاديث المختارة ٣: ٣٧١ / ح ١١٦٦، وقال: إسناده صحيح. وفي مسند أحمد ٥: ١٨٣ / ح ٢١٦٣6، فقال عمر: لمّا أُنزلت هذه، أتيتُ رسول الله فقلت: أكتبنيها ...
(242) قال الطوسي في التبيان من سورة النازعات ١٠: ٢٥١: قرأ أهل الكوفة ـ إلّا حفصاً ـ: عظاماً ناخرة، بألف، والباقون (نخرة) بلا ألف. من قرأ (ناخرة) اتبع رؤوس الآي، نحو (الساهرة، والحافرة)، ومن قرأ نخرة بلا ألف قال: لأنّه الأكثر في كلام العرب، ولما روي عن عليّ (ع) أنه قرأ: (نخرة) ...
(243) عمدة القاري ١٩: ٢٧٧.
(244) المعجم الكبير ١٢: ٢٦٨ / ح ١٣٠٧٦، الدرّ المنثور ٨: ٤٠٧.
(245) الدرّ المنثور ٨: ٤٠٧، عمدة القاري ١٩: ٢٧٧.
(246) في البخاري ٤: ١٨٧٢ / ح ٣٩٧: كما قرأ عمر: (الحيّ القيّام)، وهي من قمت. وقد دافع البخاري عن عمر في ٦: ٢٧٠٩ / ح ٧٠٠٤ ... وقال مجاهد: (القيّوم): القائم على كلّ شيء، وقرأ عمر: (القيّام)، وكلاهما مدح.
(247) البخاري ٤: ١٨٥8 / الباب ٣٧٣، وقرأ عمر: فامضوا إلى ذكر الله. سنن البيهقي ٣: ٢٢٧ / ح ٥٦٥٩، عن سالم، عن أُبي قال: ما سمعت عمر بن الخطّاب يقرأها إلّا (فامضوا إلى ذكر الله).
(248) إعراب القرآن 4: 247 / 44، الدرّ المنثور ٢: ٧٢٦، وأخرج سعيد بن منصور وعبد بن حميد عن عمر بن الخطاب أنّه قرأ: فأخذتهم الصعقة.
(249) منها: قول رسول الله: يا عمر، إنّ القرآن كلّه صواب ما لم يُجعَل عذاب مغفرة أو مغفرة عذاباً. مسند أحمد ٤: ٣٠ / ح ١٦٤١٣.
(250) مناهل العرفان ١: ٣٠١ عن جمع الجوامع لابن السبكي.
(251) مناهل العرفان 1: 305 (الآراء في القراءات السبع).
(252) كما استغله جولد تسهير في كلامه الآنف وادَّعى وجود الاضطراب في متن القرآن بحيث لا يمكن الاعتماد عليه.
(253) جاء في الإتقان 11: 213 ثبت من قراءات عديدة [لرسول الله في الصلاة]، كسورة البقرة وآل عمران والنساء في حديث حذيفة، والأعراف في صحيح البخاري أنّه قرأها في المغرب، وقد أفلح ...
(254) التفسير الكبير ١٦: ١٣٦، الدرّ المنثور ٤: ٢٦٨.
(255) قال سبحانه: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْـمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ﴾ (سورة التوبة: ١٠٠).
(256) في الدرّ المنثور ٨: ٣٣٧: عن عمرو بن دينار قال: سمعت عبد الله بن الزبير يقرأ: في جنّات ... قال عمرو: أخبرني لقيط قال: سمعت ابن زبير قال: سمعت عمر بن الخطّاب يقرؤها كذلك.
(257) قال السيوطي في الدرّ المنثور ٥: ٥٣: وأخرج ابن الأنباري في المصاحف، عن عمر بن الخطّاب أنّه قرأ: (وإن كاد مكرهم لتزول منه الجبال)، يعني بالدال، ورواه في كنز العمال ٢: 253 / ح ٤٨١٧ عن أبي عبيدة (ص وابن جرير وابن المنذر وابن الأنباري في المصاحف).
(258) تفسير القمي 2: 451 عن أبي عبد الله (ع).
(259) كزيادة سورتي الخلع والحفد، والّتي كان يقرأ بها عمر بن الخطاب وابن مسعود وعليّ وأُبيّ بن كعب وعثمان وغيرهم في القنوت. اُنظر: مصنّف ابن أبي شيبة ٢: ٩٥ / ح ٦٨٩3، ١٠٦ / ح ٧٠٢٧، ٧٠٢٨، ٧٠٢٩، 7032، الإتقان ١: ١٧٦ / ح ٨٣٢.
(260) في المصنّف لعبد الرزّاق ٧: ٣٣٠ / ح ١٣٣٦4، والدرّ المنثور ٦: ٥٥٨ عن ابن عباس، قال: أمر عمر بن الخطاب منادياً، فنادى أنّ الصلاة جامعة، ثمّ صعد المنبر، فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: يا أيّها الناس، لا تجزعنّ من آية الرجم، فإنّها آيةٌ نزلت في كتاب الله وقرأناها، ولكنّها ذهبت في قرآنٍ كثيرٍ ذهب مع محمّد.
وعن عمر قال: قال رسول الله: القرآن ألف ألف حرف وسبعة وعشرون ألف حرف، فمن قرأه صابراً محتسباً فله بكلّ حرفٍ زوجة من الحورالعين (المعجم الأوسط ٦: ٣٦١ / ح ٦٦١٦، الدرّ المنثور ٨: ٦٩٩).
وعن حذيفة قال: قال لي عمر بن الخطّاب: كم تعدّون سورة الأحزاب؟ قلت: اثنتين أو ثلاثاً وسبعين، قال: إن كانت لتقارب سورة البقرة، وإن كان فيها لآية الرجم (الدرّ المنثور ٦: ٥٥٩، فتح القدير ٤: ٢٥٩).
وعن حذيفة قال: الّتي تسمّون سورة التوبة هي سورة العذاب، وما تقرؤون منها ممّا كنّا نقرأ إلّا ربعها (المعجم الأوسط ٢: ٨٦ / ح ١٣٣٠، مجمع الزوائد ٧: ٢٨، مستدرك الحاكم ٢: ٣٦١ / ح ٣٢٧٤، صحيح الإسناد ولم يخرجّاه).
وأمثال هكذا روايات كثير.
(261) في البرهان 1: 315 النوع الحادي عشر الأحرف السبعة قال أبو عمر: وهذا كلّه يدل على أنّ السبعة الأحرف التي أُشير إليها في الحديث ليس بأيدي الناس منها إلّا حرف زيد بن ثابت الذي جمع عثمان عليه المصاحف (أنظر: التمهيد 88: 292).
(262) البيان في تفسير القرآن: ٢١٩ ـ ٢٢٠.
(263) بحار الأنوار 41: 181 / ح 17 ـ عن: كنز جامع الفوائد.
(264) على أثر تفسيرهم الخاطئ للأحرف السبعة وتشريعهم للقراءات المتعدّدة في عهد أبي بكر عمر بن الخطاب.
(265) سورة الحِجر: 9.