البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الهداية والضلال في القرآن

الباحث :  المرجع الديني الشيخ جعفر السبحاني (مد ظله)
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  2
السنة :  السنة الاولى - ذو الحجة 1435هـ / 2014م
تاريخ إضافة البحث :  April / 10 / 2017
عدد زيارات البحث :  647
تحميل  ( 411.483 KB )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآل الطاهرين

■ الناشئ الجديد والظروف المحدقة به:
تحيط بالناشئ الجديد هذه الأيام ظروف يعبر عنها بعالم الارتباطات، فما من فكرة تتولّد في مكان ما إلاّ انتشرت بعد دقيقة أو دقائق في كل بقاع العالم.
وهذا النوع من التواصل وإن تضمّن خيراً لكنّه تضمّن شرّاً كثيراً كذلك، وهذا شأن كلّ نتاج حضاري، فله وجهان خير وشر، فصاحب العقل الحصيف والتفكير السليم ينتقي ممّا تنشره وسائل الإعلام على اختلاف أنواعها ما ينفعه عاجلاً وآجلاً، عاملاً بقوله سبحانه: الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ(1).
وفي مقابل هذا فمن لم يتدرّع بدليل وبرهان واضح ورصين فسوف يتأثّر بالتيارات الإلحادية الكافرة الّتي تبثّها وسائل الإعلام الغربية الّتي تهدف لإبعاد المسلمين عن مبادئهم وتعاليمهم الدينية التي إن التزموا بها فستكون سدّاً حصيناً أمام أطماع الغربيّين الساعين للسيطرة على ثروات وخيرات الشعوب المسلمة.
ومن أسباب سرورنا هو ما بلغنا من أنّ العتبة العبّاسية في كربلاء المقدّسة بصدد إصدار مجلة فكرية علمية تحمي عقائد المسلمين وتردّ على شبهات المخالفين وتوضح المسير أمام الشباب المتحمّس لدينه وعقيدته، وسررت لهذا النبأ سروراً غامراً، فشكرت الله سبحانه لعودة الأجواء في العراق إلى حالتها الطبيعية حتّى أتاحت للمفكّرين نشر أفكارهم بحرية، بعد زوال الأجواء المظلمة الّتي عُدّ فيها التفكير السليم جريمة وعثرة لا تغتفر.
ولأجل أن أُشارك في هذا المشروع النافع أتقدّم أوّلاً بالتهاني والتبريكات لهيئة تحرير المجلّة الذين تحمّلوا مسؤوليتهم الإلهية وعزموا على القيام بهذا العمل الثقافي الهام.
وتلبية لطب الإخوة المشرفين على المجلّة، قمت بتحرير مقال له صلة بالعقيدة الإسلاميّة، راجياً من الله القبول والنفع الوافر لقرّاء المجلة.
***
إنّ من المسائل الّتي تشغل بال أكثر شبابنا هي ما أشار إليه الذكر الحكيم من أنّ الهداية والضلالة من الله تعالى، وعندئذٍ تتولّد في أذهانهم شبهة وهي:
- إذا كان الأمران من الله سبحانه فما هو دور الإنسان في أمر الإيمان والكفر؟
وإليك شرح الشبهة والإجابة عنها:
إذا كان الإنسان حرّاً في مسيرته وأنّه يقف على مفترق طريقي الهداية والضلالة بحرية تامة، وأنّ زمام الأُمور بيده فله أن يختار طريق السعادة والفلاح، كما له أن يختار طريق الضلال والشقاء والانحراف، فلماذا يا ترى نجد الكثير من الآيات التي قد يستشم منها رائحة «الجبر»، وأنّ مصير الإنسان وعاقبته بيد الله سبحانه هو الذي يختار له ما يشاء، كما في الآيات التالية:
... فَيُضِلُّ الله مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْـحَكِيمُ(2)، ... َلَكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ...(3) ،  فَإِنَّ اللهَ يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ...(4).
فإنّ ظاهر هذه الآيات المباركة أنّ مسألة الهداية والضلالة تابعة للإرادة الإلهية، وإنّ زمام الأُمور هنا بيد الله سبحانه، وأنّ الإنسان ليس حرّاً في مقابل الإرادة الإلهية. فأمام هذه الصراحة كيف نوجّه حرية الإنسان أمام الإرادة والمشيئة الإلهية؟
- الجواب: إنّ بحث الهداية والضلال من وجهة نظر القرآن الكريم من البحوث المتعمّقة والواسعة النطاق والمفصّلة، بحيث إنّ دراستها دراسة كاملة وشاملة تستدعي أن نأتي بجميع الآيات الواردة في هذا المجال وتسليط الضوء على جميع زوايا تلك الآيات وبيان أسرارها والنكات الكامنة فيها لنستخلص النظرية القرآنية في هذا المجال، وبما أنّ ذلك يستدعي بحثاً مفصّلاً لا ينسجم مع هدف هذا المقال، لذلك سوف نركّز البحث على نوع واحد من الآيات، وهي الآيات التي تقول:  فَيُضِلُّ الله مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ .
الحقيقة أنّ الاستدلال بهذا الطيف من الآيات القرآنية لإثبات نظرية «الجبر» يُعدّ غفلة عن هدف الآيات المذكورة، والسبب في هذه الغفلة هو الخلط بين نوعين من الهداية وعدم التفكيك بينهما، وهما: «الهداية العامة» والأُخرى «الهداية الخاصة»، فإذا سلّطنا الضوء على هذين النوعين من الهداية يتّضح بجلاء مفهوم تلك الآيات والمراد منها، وستنتفي حينئذٍ فكرة الجبر بالكامل.
■ الهداية العامّة والخاصّة:
إنّ الله سبحانه هو مفيض كلّ شيء، ومن الأُمور التي يفيضها «فيض الهداية» وإنّ له سبحانه نوعين من الإرشاد والهداية، إحداهما عام وشامل بحيث يستوعب ويشمل جميع أفراد الإنسان، والآخر هو الفيض والإرشاد الخاص وهو الذي يشمل بعض الأفراد الذين استفادوا من الهداية العامّة على أحسن وجه وأكمله، فلو أنّ فئة من الناس لم تستغل الهداية العامّة والفيض الشامل لعامّة الناس بل كافّة الكائنات، فحينئذٍ لا تصل النوبة إلى مرحلة الهداية الخاصة ولا يشملها هذا الفيض أبداً.
فالهداية العامّة تتلخّص في نوعين من الهداية، هما:
ألف: الهداية العامّة التكوينية:
والمقصود هنا أنّ الله سبحانه خلق جميع الموجودات وبيّن لكلّ مخلوق مهمّته والوظائف التي ينبغي عليه القيام بها والمسؤوليات التي لابدّ من تحمّلها. يقول سبحانه في هذا الخصوص:  رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى(5).
ومن الواضح أنّ في هذا النوع من الهداية لا يوجد أدنى استثناء وتمييز وتفاضل، بل حتّى الأفعال التي تنطلق من الحالة الغريزية لبعض الحيوانات والأعمال المنظمة والموزونة التي تصدر منها معلولة لذلك النوع من الهداية، فضلاً عن الهداية الفطرية للإنسان، ففطرة كلّ إنسان تهديه إلى التوحيد ونبذ الشرك، وكذلك العقل الموهوب له المرشد إلى معالم الخير والصلاح.
ب ـ الهداية العامّة التشريعية:
إنّ المراد من الهداية التكوينية هو ذلك النوع من الإرشاد والهداية التي تنبع من داخل الإنسان وكيانه، وأمّا الهداية التشريعية فهي الهداية التي ترد على الإنسان من الخارج، والتي تأخذ بيده في مواطن الخطر وترشده إلى ساحل الأمان وتوصله إلى ما يريده بيسر وطمأنينة، وفي هذا النوع من الهداية لا يوجد أدنى تمييز وتفاضل ـ حالها حال الهداية التكوينية كما قلنا ـ حيث توفّر السماء للإنسان كلّ وسائل الهداية والرشاد والصلاح والتي تتمثّل بما يلي:
1ـ الأنبياء والرسل .
2ـ الأولياء.
3ـ الكتب السماوية.
4ـ الأئمّة والقادة.
5ـ العلماء والمفكّرون.
وغير ذلك من الوسائل التي وضعها الله سبحانه تحت اختيار الجميع بنحو يتسنّى للجميع الاستفادة منها وأن ينهلوا من نميرها العذب على حد سواء بلا فرق وبلا تمايز. وبسبب شمولية وعمومية هداية هذه المجاميع نراه سبحانه يصف «النبي الأكرم» و «القرآن» بأنّهما هاديان ومرشدان للأُمّة ويخاطب النبي الأكرم وبصراحة:... وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم(6) ويقول سبحانه واصفاً القرآن الكريم:إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ(7).
إنّ العدل الإلهي يقتضي أن توفّر السماء للناس كافّة، جميع سبل الهداية والرشاد وتسهّل لهم الوصول إليها وفهمها، كما أنّ وظيفة العباد ومهمتهم تقتضي أن يستفيد الإنسان ـ ومن خلال الحرية التي منحت له ـ من جميع تلك السبل على أحسن ما يرام وأن يرغم أنف الشيطان وجنوده بالتراب، وأن يتوجّه نحو الله سبحانه مستعيناً بكلّ تلك النعم التي توفرت له، ومن المعلوم أنّ الاستفادة من تلك الطرق والوسائل لتحصيل هذا النوع من الهداية غير مشروط بأي شرط أو قيد، وأنّ الإرادة والمشيئة الإلهية تعلّقت بأن تضع كلّ تلك الوسائل تحت تصرّف جميع أفراد الإنسان واختيارهم.
■ الهداية الخاصة:
إنّ هذا النوع من الهداية يختصّ بمجموعة وطائفة خاصة من الناس الذين تشملهم العناية الإلهية الخاصّة، وهذه الطائفة ـ وكما قلنا ـ هي تلك المجموعـة من عباد الله الذين استغلّوا الهداية العامّة واستفادوا منها على أكمل وجه بحيث استنارت قلوبهم وأرواحهم بنور الهداية العامّة.
إنّ هذه الطائفة من الناس حينما استغلت الهداية العامّة ـ التكوينية والتشريعية ـ بالنحو الأكمل جعلت من نفسها محلّاً مناسباً لنيل الفيض الإلهي الخاص والرعاية الإلهية الخاصّة، وأن يشملها الإمداد الغيبي والتوفيق والتسديد الإلهي (الهداية الخاصة).
وهذه الحقيقة التي ذكرناها ـ وهي أنّ الهداية الخاصة تشمل تلك الطائفة من الناس الذين استفادوا من الهداية العامة بأحسن وجه ـ هي من الحقائق التي بيّنها القرآن الكريم في آيات متعدّدة، حيث قال في بعضها:... إِنَّ الله يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ أَنَابَ(8).
وفي آية أُخرى قال سبحانه: ... الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ(9).
إنّ المراد من كلمة  أَنَابَ في الآية الأُولى و يُنيبُ في الآية الثانية هو العودة والرجوع والالتفات إلى الله سبحانه بصورة متكرّرة، وأنّ هذا النوع من الهداية من نصيب من أصغى لنداء العقل وخضع واستجاب لنداء المرشدين والمصلحين الإلهيّين، ووضع نفسه في طريق الهداية الخاصّة طالباً من الله سبحانه المزيد من التوفيق والسداد والرعاية والعطف.
وإذا كان الملاك في شمول الهداية الخاصّة للإنسان هو استغلاله لطرق الهداية العامّة على أكمل وجه، فإنّ الملاك في الضلال والخذلان الإلهي هو الإعراض والعصيان والتمرّد على الهداية العامّة وعدم الاستفادة منها بالنحو المطلوب.
يقول سبحانه: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ وَالله لايَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ(10). وفي آية أُخرى يقول سبحانه:... وَيُضِلُّ اللهُ الظَّالِـمِينَ وَيَفْعَلُ اللهُ مَا يَشَاءُ (11).
إنّ استفادة الجبر من قوله تعالى:  يُضِلُّ اللهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ  مبني على تصوّر وحدة الضلالة والهداية، بمعنى أنّهم تصوّروا أنّ لله سبحانه وتعالى نوعاً واحداً من الهداية والضلالة، وأنّها تختصّ بذلك الفريق الذي أراد الله له الهداية والرشاد ويُحرم منها الفريق الآخر، والحال أنّه يوجد هنا نوعان من الهداية:إحداهما عامّة، والأُخرى خاصة، وانّ الملازم للعدل الإلهي هو النوع الأوّل من الهداية، وأمّا النوع الثاني من الهداية (الهداية الخاصّة) فهو رهين ببعض الشروط التي من أهمها شرط الاستفادة من النوع الأوّل من الهداية واستغلالها بحيث يضع الإنسان نفسه أمام الرحمة والفيض الإلهي لكي تشمله الرعاية والهداية الخاصّة.
صحيح أنّ الله تعالى جعل كلا النوعين من الهداية في إطار مشيئته وإرادته، ولكن إرادته سبحانه ومشيئته لا تكون بدون ملاك وبلا جهة، بل ملاكها وجهتها هو وجود اللياقة والكفاءة والاستعداد اللازم في العبد الذي وصف في بعض الآيات بقوله تعالى: أنابَو يُنيبُ ولا شك أنّ الحصول على هذا الاستعداد، وتلك اللياقة لا تتسنّى لكلّ إنسان مهما كان.
ولتوضيح فكرة الهداية الخاصة بنحو أتم وبصورة أجلى وأوضح نأتي بالمثال التالي:
لنفرض أنّ مجموعة من الناس قد وقفوا على مفترق طرق وأنّهم يبحثون عن مكان خاص يريدون الوصول إليه، فأرشدهم أحد الأشخاص العارفين بالطريق، وقال: خذوا هذا الاتجاه وبعد أن تصلوا إلى المكان الكذائي سوف تجدون هناك شخصاً آخر يدلكم على هدفكم النهائي.فقسم من الناس يتبعون إرشاد المرشد الأوّل، وقسم آخر لا يلتزمون بقوله. فالطائفة الأُولى الذين استناروا من الهداية الأُولى يستفيدون من الهداية الثانية بخلاف الطائفة الأُخرى الذين بقوا على عنادهم ولم يأخذوا بكلام هذا المرشد، فهؤلاء لا يصلون إلى هدفهم أبداً.«لأنّ العامل من غير بصيرة كالسائر على غير الطريق لا يزداده كثرة السير إلاّ بعداً»(12).
من هذا المثال يتّضح لنا أنّ الله سبحانه وضع الجميع ـ وطبقاً لمفاد الآيات ـ تحت الهداية العامّة فقال سبحانه: إِنّا هَدَيناهُ السَّبيلَ...(13). وَهَدَيناهُ النَّجدَينِ(14).
ثمّ شاء سبحانه أن يفيض مرّة أُخرى على الذين أدركوا الطريق واهتدوا إلى الحق واستفادوا من الهداية العامّة، بفيض وعناية وهداية خاصة ليتسنّى لهم الوصول إلى قمة هرم الإنسانية، وقد عبّر سبحانه وتعالى عن تلك الحقيقة والنعمة الإلهية والفيض الرباني الخاص بقوله: وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى(15).
انطلاقاً من هذا الأصل نرى أنّ الله سبحانه وتعالى يعتبر الهداية إحدى ثمار ونتائج جهاد الإنسان وسعيه في طريق الله سبحانه حيث قال:وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا(16).
هذا من جهة، ومن جهة أُخرى تعلّقت المشيئة والإرادة الإلهية أن تترك المنحرفين والضالّين ـ الذين اختاروا طريق الانحراف والضلالة بإرادتهم، وحرموا أنفسهم من الاستفادة من الهداية العامّة ـ لحالهم وهذا ما سبب ضلالهم وانحرافهم بصورة أشدّ، لأنّه كلّما توغّل الإنسان في الانحراف ازداد بعداً عن الحقّ، وهكذا كلّما خطا خطوة في طريق الانحراف فلا يزيده ذلك السير إلاّ بعداً عن الهدف الذي أراده الله له.
إذاً صحيح أنّ الله يُضِلُّ مَن يَشَاءُولكن مَن هم هؤلاء الذين يريد الله ضلالهم وعدم هدايتهم؟ القرآن المجيد يجيب عن هذا التساؤل قائلاً:... وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلّا الْفَاسِقِينَ(17). وفي آية أُخرى: فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ الله قُلُوبَهُمْ...(18).
نعم انّ الله قادر على أن يأخذ بأعناق الجميع إلى طريق الهداية والصراط المستقيم وأن يجبرهم على طي هذا الطريق حيث يقول سبحانه: وَلَوْ شِئْنَا لآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا(19).
ولكن في هذه الحالة لا يكون الإنسان إنساناً، بل يتحوّل إلى آلة ميكانيكية، لا تعمل بإرادتها ومشيئتها وإنّما عملها وحركتها تابع لإرادة العامل الفنّي المشرف عليها، فمتى شاء ضغط على زِرّ التشغيل فتعمل ومتى شاء أطفأها، وأنّها لا تملك القدرة على العصيان أو التمرّد أمام إرادة العامل القاهر لها، وكذلك يصبح الإنسان عاجزاً أيضاً عن الصمود أمام الغرائز الكامنة فيه، ولذلك سيضطر لتكييف نفسه مع تلك الغرائز والميول، وينظم حياته على أساسها حاله في ذلك حال النحل، أو دودة القز أو...
ولكن شاء الله تعالى أن يكون الإنسان إنساناً ومخلوقاً خاصاً؛ له إرادته ومشيئته واختياره وحريته الكاملة التي منحها الله تعالى له، ليتمكّن من خلال وضعها في الموضع المناسب أن ينطلق بنفسه إلى قمّة هرم الكمال والرقي الإنساني والسموّ المعنوي.
وفي الختام إذا أردنا أن نقرّب الفكرة بمثال عرفي يمكن لنا أن نشبه طريقة الخطاب القرآني في الآيات المذكورة، بطريقة مخاطبة المعلم لتلامذته حيث يقول لهم: أنا قد بيّنت لكم الدرس بصورة واضحة، وأزلت من أمامكم كلّ حالات الغموض والإبهام الموجودة في المادة، فما بقي عليكم إلاّ المثابرة والجدّ والدراسة على أحسن وجه، فمن يفعل منكم ذلك فسأمنحه الدرجة الكاملة، وأُفيض عليه عطايا أُخرى حسب إرادتي ومشيئتي.
فمن الواضح هنا أنّ المعلم قد ربط مسألة الفيض على الطالب أو عدم الفيض بإرادته، ولكنّه في نفس الوقت لاحظ صلاحيات الطالب ومواهبه واستعداداته ومدى استفادته من الجهود التي بذلها الأُستاذ في بيان الدرس وتوضيحه.
جعفر السبحاني
الحوزة العلمية ـ قم المقدّسة
السابع من رجب المرجب1435 هـ

* هوامش البحث *
(1) الزمر: 18.
(2) إبراهيم: 4.
(3) النحل: 93.
(4) فاطر: 8.
(5) طه: 50.
(6) الشورى: 2.
(7) الإسراء:9.
(8) الرعد: 27.
(9) الشورى: 13.
(10) الصف: 5.
(11) إبراهيم: 27.
(12) الأُصول الأصيلة للفيض الكاشاني: 148.
(13) الإنسان: 3.
(14) البلد: 10.
(15) محمد: 17.
(16) العنكبوت: 69.
(17) البقرة: 26.
(18) الصف: 5.
(19) السجدة: 13.