البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

رسالة في الإرادة الإلهية

الباحث :  الميرزا أبو القاسم بن الحسن الجيلاني المعروف بالميرزا القمي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  1
السنة :  السنة الاولى - شعبان 1435هـ / 2014م
تاريخ إضافة البحث :  April / 10 / 2017
عدد زيارات البحث :  1020
تحميل  ( 468.511 KB )
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الذي جعل الكتاب والسنة منهاجاً لدينه، وفيهما محكمات ومتشابهات، وابتلى عباده بالأفكار المتساقطة والآراء المتضادّة، فيكون هلاكهم وحياتهم بالبراهين والبينات، والصلاة والسلام على الراسخين في العلم محمد وأهل بيته الذين خصّهم بمعرفة تأويل المتشابهات من كتابه لإزاحة الشكوك والشبهات، وعلى أصحابهم والعلماء التابعين لهم المقتبسين عنهم أنوار التأويل في أخبارهم المتشابهة ما دامت الأرض والسماوات.
أما بعد، فقد حرّرت هذه الكلمات نزولاً عند طلب بعض الأصحاب الذين زُيّنوا بالفطانة والشرف ودقة النظر وذكاء الفطرة؛ في معنى حديث رواه، وهو قوله: «أمر إبليس أن يسجد لآدم وما شاء أن يسجد، وإن شاء كيف لم يسجد».
[أقول]: إعلم بأنّي لا أتذكّر رؤيتي للحديث بهذه العبارة، نعم ما رواه ثقة الإسلام محمد بن يعقوب الكليني  في أصول الكافي هو هكذا: «علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن واصل بن سليمان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله  قال: سمعته يقول: أمر الله ولم يشأ وشاء ولم يأمر، أمر إبليس أن يسجد لآدم وشاء أن لا يسجد ولو شاء لسجد، ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل منها ولو لم يشأ لم يأكل»(1).
وتحقيق المقام موقوف على تمهيد مقدمات:

● المقدمة الأولى:
معنى الإرادة والكراهة والمشيئة والاختيار.
إعلم أنّ بعض المعتزلة عرّفوا الإرادة بالميل إلى الفعل الناشئ من العلم بنفع ذلك الشيء لنفسه أو لغيره، وعرّفوا الكراهة بانقباض النفس عنه بسبب العلم بضرره.
وقد ذهب كثير من المعتزلة إلى أنّ الإرادة هي نفس اعتقاد النفع للمريد أو لغيره سواء على نحو اليقين أو الجزم، واعترضوا على أنّ هذا هل هو الداعي إلى الفعل أو الترك، وأنّ الداعي غير الإرادة. وأجابوا بأنّ الكلام إنّما هو في القادر التام للقدرة، ولا شك أنّ القادر التام القدرة؛ يكون نفس اعتقاد النفع؛ مخصِّصاً لاختيار الفعل أو الترك؛ لعدم وجود مانع له عن الفعل، وأمّا الميل ـ وهو أمر على حدة ـ فهو لمن ليست له القدرة التامة، كالشوق إلى المحبوب لمن لا يقدر أن يصل إليه.
والأظهر أنّ الميل مندرج في ماهية الإرادة، وقد يكون سبب إخراجه (عن التعريف) عند المعتزلة والمحقق الطوسي  وغيرهما، هو لحاظ الإرادة الإلهية التي لايتصوّر فيها الميل، وهذا لا يستدعي تفريغ الإرادة عن حقيقتها، إذ لا ضرورة في أن تكون الصفات الإلهية مثل صفات المخلوقين، فحال هذه الصفة كباقي الصفات مثل العلم حيث أنّ حقيقته ليست كعلمنا.
ولكنّ أهل اللغة يلاحظون في الوضع غالباً المعاني المتسالمة عند العرف، ولذا قال فخر المحققين في الإيضاح «النية حقيقة في الإرادة المقارنة ومجاز في القصد أعني الإرادة مطلقاً»(2)، حيث يفهم من كلامه عدم لزوم مقارنة الإرادة للفعل. وقال الشهيد  في حاشية القواعد: «الأفضل مقارنة النية لطلوع الفجر بحيث يطابق آخرها أوله، وإذا عدمت فهي عزم لا نية».
أمّا الأشاعرة فإنهم لتجويزهم الترجيح بلا مرجح لا يشترطون في اختيار أحد الطرفين العلم بالنفع ولا الميل إليه، متمسكين بقدحي العطشان ورغيفي الجوعان وطريقي الهارب، وهذا مجانب للتحقيق، وما ادعوه من عدم وجود مرجح فيها مجرد افتراض، ويلزم وقوع الشيء عند افتراضه، وعليه فالإرادة عندهم مجهولة الحقيقة.
فنقول: يُعتبر في الإرادة عدّة أمور: الأوّل حصول العلم بالشيء، ثم اعتقاد نفعه، ثم التفكّر والتروّي في الاختيار أو عدم الاختيار، ثم الهمّة إلى اختياره، ثم الشوق إليه، ثم تأكّد الشوق إلى أن يصل إلى حدّ العزم، وتأتي بعده النيّة وهي القصد المقارن للفعل، وبعدها الفعل، وكذلك في الكراهة حيث تجري الضد لهذه الأمور.
أمّا المشيئة فقد وردت في اللغة بمعنى الإرادة، كما صُرّح به في الصحاح: «المشيئة هي الإرادة»، ولكن يظهر من الروايات وجود فرق بينهما، كما روي عن الإمام الرضا  رواية يُستفاد منها أنّ المشيئة هي قصد الفعل أو الترك مع تساوي النسبة، أما الإرادة فهي تعلّق القصد بخصوص الفعل أو الترك.
أمّا الاختيار فهو ترجيح الفعل أو الترك، فالاختيار يتوسط المشيئة والإرادة، لأنّ القصد يتوجّه في البداية إلى الفعل أو الترك، ثم يُرجّح أحدهما ثم يُعزم عليه.
وبما أنّ الإرادة بهذا المعنى المذكور تستحيل على الله تعالى فلابد أن يراد المعنى المجازي، ولذا قال متكلّمو الإمامية بأنّ إرادة الله تعالى هي نفس العلم بالأصلح ثم لا شيء بعدها سوى الإحداث والإيجاد(3). فذاته المقدّسة تكفي بصفاتها الكمالية الذاتية في حصول الحوادث بدون طروّ أمر آخر في ذاته. فالإيجاد ـ عندما يكون وجوده مصلحةـ يقوم مقام تلك العوارض التي يقارن حصولها؛ تحقّقها في الإنسان. ولذا قال محدثو الإمامية أنّ الإرادة من صفات الفعل.
والحاصل أنّ الحق تعالى يريد بعين ذاته وجود أيّ خير ونفع، ولا يريد وجود أيّ شرّ، ولا يلزم التغيير في ذاته بسبب تفاوت الخير والشر بالنسبة إلى الأحوال والأوقات وإرادة شيء في وقت دون وقت آخر، وعلى سبيل المثال فإنّ خلق زيد يكون خيراً وصلاحاً في هذا اليوم ولم يكن كذلك قبل هذا، وكان الله قد أراد في الأزل أن يوجد في هذا اليوم.
ولأجل أن لا تتوهّم الأفهام القاصرة حصول تغيير في إرادة الله تعالى وعدمها بسبب تغيّر حال زيد في الوجود وعدمه، وكذلك لئلاّ يتوهّمون بسبب قصور فهمهم عن درك حقيقة معنى الإرادة والكراهة؛ [من أنّ التأخير] مع وجود الخيريّة في إيجاده كان بسبب العجز أو انتظار المساعدة أو عدم القدرة، كان هذا سبب ما ورد في روايات الأئمة الأطهار  من أنّ الإرادة من صفات الفعل وهي عين الإحداث والإيجاد، ولعلّ هذا التأويل ورد بقدر فهم السائل، كما أشار إليه بعض المحقّقين.
وبالجملة بما أنّ حقيقة معنى الإرادة التي هي الموضوع له الواقعي للّفظ؛ ناظرة إلى ما هو المتفاهم عليه في العرف العام؛ لا تخلو من لحظ الميل والشوق، وهما يستحيلان على الله تعالى، وما هو ثابت جزماً بالنسبة له تعالى هو العلم بالنفع وإصدار الفعل في التكوينيات أو إصداره في تكاليف العبد ـ وهما موجودان في إرادة العباد مضافاً إلى الميل ـ إذاً فإطلاق الإرادة على ذاته تعالى تكون بالمعنى المجازي دون المعنى العرفي. والمراد منها إمّا العلم بالنفع كما قال المتكلّمون أو فعل يتبعه ذلك كما يظهر من الأخبار، وبما أنّ فهم معنى العلم بالنفع الذي لا ينفك عن ترتب الأثر عليه ـ مع لحظ قدم ذلك وحدوث هذا ـ عسير جداً، حمله الأئمة  على إرادة الفعل الذي يكون أثره العلم بالنفع حيث يسهل فهمه.
وعليه يمكن صحة كلا المعنيين في الإرادة، أي مجموع العلم بالنفع وترتّب الأثر، ولا كلام في هذا، وما يُفهم من الأخبار من أنّ الإرادة حادثة ولم تكن شيئاً آخر غير الفعل، لا يكون هذا من باب عدم مدخلية العلم بالنفع بل لأنّ العلم بالنفع فرد من أفراد العلم ولم يكن شيئاً مستقلاً تمّ إثباته لجنابه الأقدس. والظاهر أنّ مآل الكلام والنزاع في معنى الإرادةـ على ما ذُكرـ يرجع إلى النزاع في الاصطلاح ولا ثمرة فيه، ولا بأس هنا بذكر بعض الأخبار الواردة في أنّ الإرادة حادثة ومن صفات الفعل.
منها ما رواه الكليني بسند صحيح عن عاصم بن حميد عن أبي عبد الله  قال: قلت: لم يزل الله مريداً؟ قال: إنّ المريد لا يكون إلاّ المراد معه، لم يزل عالماً قادراً ثم أراد(4).
وحاصل الحديث أنّ العلم والقدرة معقودان بذاته المقدسة بل هما عين الذات، وانّه أراد بعد العلم والقدرة، لأنها بمعنى مجموع من التفكر والهمّة والشوق وازدياد الشوق إلى حدّ العزم وإيجاد الفعل بعد حصول العلم بنفعه.

● المقدّمة الثانية:
إختلف الأصوليون بعد ما عرّفوا الأمر بكونه طلباً من العالي على سبيل الاستعلاء أو مطلقاً، بأنّ هذا الطلب هل هو عين الإرادة أو غيرها. ذهبت المعتزلة وأصحابنا إلى أنّه عين الإرادة لأنّنا لا نفهم منه معنى غير معنى الإرادة ولا يكون من الحكمة أن يُوضع لفظ ظاهر مشهور لمعنى لا يفهمه أحد ولا يعلم به أو إذا علمه يكون خفياً جداً، وذهبت الأشاعرة إلى أنّ الطلب غير الإرادة واستدلّوا بوجوه:
الأوّل: إنّ الله تعالى أمر الكافر بالطاعة ولم يطلبها منه لأنّه لو طلبها منه لزم التكليف بالمحال، لعلمه تعالى بأنّ الكافر لا يطيع، وعليه لو أطاع الكافر لزم أن يصير علمه تعالى جهلاً إذاً لا يمكن أن يطيع الكافر، ولذا لا يجوز تكليفه بها.
وهذا الكلام باطل لأنّ العلم تابع للمعلوم ولم يكن علّته لأنّه فاعل مختار، فلو اختار بسوء اختياره أحد الطرفين ـ وهو المخالفة ـ لا يكون هذا سبباً لخروج الفعل عن المقدورية وعدم إمكان ورود التكليف عليه.
ولكن هنا إشكال آخر وهو أنّ الفعل وإن كان مقدوراً ولا يستلزم طلبه التكليف بالمحال، ولكن طلب الحكيم مع العلم بعدم الحصول سيكون لغواً وقبيحاً، ومن هنا يكون ممتنعاً. وجوابه: وجود الفائدة في هذا التكليف، وهي إمّا الامتحان وإظهار حال المكلّف لسائر العباد ـ كتكليف إبراهيم بذبح ابنه ـ وإمّا إتمام الحجة كما هو الحال في تكليف الكافر لئلاّ يقولوا يوم القيامة: لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ [طه: 134]، و لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ[الأنفال: 42]، فالتكليف على قسمين: الأوّل التكليف الحقيقي، والثاني التكليف الابتلائي، ولكن يُردُّ عليه أنّ الأمر فيه لا يكون حقيقياً.
والتحقيق في الجواب هو أنّ كلامنا في الأمر الحقيقي، وقد قامت القرينة هنا على أنّ المراد هو المعنى المجازي، وحينئذٍ لا يضر تخلّفه عن الإرادة.
وممّا قلنا يظهر الجواب عن كلامهم الآخر وهو أنّ الله تعالى لو طلب من الكافر للزم غلبة إرادة العبد الضعيف على إرادة الله تعالى القويّ وهو محال؛ لأنّنا نقول إنّ المفهوم من الإرادة الإلهية في هذا المقام إرادة صدور الفعل من العبد على سبيل الاختيار لا على سبيل الحتم والإلزام، وهذا لا يستوجب غلبة الضعيف، نعم الكلام في الأوامر التكوينية تام حيث لا يتخلّف هناك المراد من الإرادة الإلهية أبداً: إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ [يس:82].
واعلم أنّ الظاهر من استدلال الأشاعرة أن يكون هذا من باب الإلزام؛ لأنّهم لا يتضايقون من التكليف بما لا يطاق، نعم بما أنّ كثيراً منهم يمنعون استحالته عقلاً ولكن يقولون بأنّه لم يقع شرعاً، وعليه يمكن انطباق هذا الدليل على مدعاهم بأدنى تغيير، بأن يقولوا إنّ الله لو أراد منهم لكلّفهم، ولكان هذا تكليفاً بالمحال وهو ـ أي التكليف بالمحال ـ لم يقع في الشرع، والمفروض هنا صدور الأمر من الشارع ووقوعه، فيعلم عدم تحقق الإرادة حتى يتحقق التكليف.
الثاني: يصح أن يقول شخص لشخص آخر: «اُريد منك الفعل الفلاني ولا آمرك به» فلو كان الأمر غير منفك عن الإرادة لزم التناقض.
وتحقيق الجواب هو أنّ مادة الأمر قد اُخذ فيها الوجوب والإلزام، لأنّ العرف والشرع قد نطقا به، من قبيل: «لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك» وكقوله: «لا بل أنا شافع» في جواب بريرة لما قال له: أتأمرني يارسول الله. مضافاً إلى أنّ الإرادة على قسمين: الإرادة الحتمية، والإرادة التخييرية.فلا تناقض في قوله إنّني أريد منك ولا ألزمك. وقد تكون الإرادة هنا بمعنى الشهوة أي موافقة الطبع، ولا تناقض فيها أيضاً.
الثالث: إنّ المولى قد يأمر العبد من دون إرادة الفعل، كي يُظهر عذره في ضرب العبد مثلاً من دون صدور تقصير ظاهر منه، وكي يقول إنّ هذا العبد لا يطيع، فإذاً قد انفك الأمر عن الإرادة.
والجواب: إنّه كما لا توجد إرادة هنا لا يوجد طلب حقيقي أيضاً، وهذا هو الأمر الابتلائي الذي ذكرناه سابقاً وليس الأمر هنا حقيقياً.
قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً [هود:118]، «وهو دليل ظاهر على أنّ الأمر غير الإرادة، وأنّه تعالى لم يرد الإيمان من كلّ أحد وأنّ ما أراده يجب وقوعه»(5). وهذا غفلة منه وزلّة ظاهرة، وسنشرح فيما بعد أنّ المراد من هذه المشيئة والإرادة هي الإرادة على سبيل الإلجاء والاضطرار، ولا منافاة بين أمرهم بالإيمان الاختياري وعدم تعلّق إرادة تضطرهم على الإيمان. فإنّ عدم إرادة الإيمان على سبيل الجبر والاضطرار يختلف عن عدم الإيمان على سبيل الاختيار، والأمر بالإيمان لم ينفك عن الإرادة بالمعنى الثاني.
أمّا قوله: «ما أراده يجب وقوعه وهو مدلول الآية من حيث أنّ المستفاد منها وقوع الشيء وتحققه لو أراده، فبما أنّه لم يتحقق يُعلم أنّه لم يرده» ممنوع لأنّ المتفق عليه أنّ ما أراده من أفعال نفسه وجب وقوعه، لا ما أراد وقوعه من الغير على سبيل الاختيار، والمستفاد من الآية أنّه لم يرد: «جعلهم مؤمنين» لا أنّه لم يرد إيمانهم، فإذاً نسلّم تخلّف الأمر عن الإرادة في هذا المورد الخاص وبهذا المعنى لوجود الأمر بإيمانهم جزماًولكن لا توجد إرادة في جعلهم مؤمنين، ومطلوبنا فيما نحن فيه من عدم انفكاك الإرادة عن الأمر هو أنّه لابد من لحظ إيمانهم بالنسبة إلى الأمر بالإيمان لا أن يجعلهم الله مؤمنين بسبب أمرهم بالإيمان. والمراد منها في الأصول وفي محل النزاع هو أمثال هذه الإرادة لا ما فهمه البيضاوي.
نعم يجري كلام البيضاوي في آيات أُخر كقوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ [يونس:99ـ100] ، حيث ظاهرها يدلّ على أنّه لم يرد إيمانهم، والجواب أنّ المراد من المشيئة هنا هي المشيئة الالجائية الاضطرارية، كما يدل عليها قوله تعالى: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ أي أنّ الدين مبني على الإختيار لا الإكراه والإجبار، فكما أنّني لا اكرههم على الدين؛ فلا تكرههم أنت أيضاً.
ويؤيدها الآية السابقة وسائر الآيات الواردة بنفس المضمون كقوله تعالى: وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَـجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ [الشورى:8].
ومّما يدلّ على أنّ المراد هو الإرادة والمشيئة الإلجائية أخبار الأئمة الأطهار . روى الصدوق  في العيون عن الإمام الرضا  انّه سأله المأمون عن هذه الآية: وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ [يونس:99ـ100] فقال : حدّثني أبي عن آبائه عن أمير المؤمنين  قال: إنّ المسلمين قالوا لرسول الله : لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الإسلام لكثر عددنا وقوينا على عدوّنا، قال رسول الله : ما كنت لألقى الله ببدعة لم يحدث إليّ فيها شيئاً، وما أنا من المكلفين، فأنزل الله عليه: يا محمد وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ على سبيل الإلجاء والاضطرار في الدنيا، كما يؤمن عند المعاينة ورؤية النار في الآخرة، ولو فعلت ذلك بهم لم يستحقوا منّي ثواباً ولا مدحاً، ولكنّي أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين ليستحقوا منّي الزلفى والكرامة ودوام الخلود في جنة الخلد: أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وأما قوله: وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله. فليس ذلك على سبيل تحريم الإيمان عليها، ولكن على معنى أنّها ما كانت لتؤمن إلاّ بإذن الله وإذنه أمره لها بالإيمان ما كانت مكلّفة متعبّدة وإلجائه إيّاها إلى الإيمان عند زوال التكليف والتعبّد عنها، فقال المأمون: فرّجت عنّي فرّج الله عنك(6).
● المقدمة الثالثة:
تلخّص ممّا مضى أنّ الإرادة الإلهية على قسمين: الإرادة التكوينية والإرادة التكليفية، ومخصصية العلم بالنفع المتحد مع الإرادة في الأفعال التكوينية ظاهر، والموجب لاختيار أحد الطرفين مقدور، وأمّا بالنسبة إلى الأفعال التكليفية فمعنى إرادة الله تعالى للصلاة مثلاً ـ وهي فعل المكلّف يؤدّيها بأمر الله تعالى ـ أنّ الله تعالى عالم بنفعها للمكلّف إذا اختار أداءها لا بأن يضطره عليها، وهذا لا ينافي الوجوب الشرعي لأنّه لم يكن بمعنى الإلزام والإلجاء بل المراد منه العلم بالنفع الموصوف بتعذيب المكلّف عند عدم اختيار فعله.
فالعلم بالنفع في التكوينيات إرادة، وظهور أثر تعلّقه بالشيء المراد، وهو تكوين وفعل، ويعبّر عنه في الشرع بلفظ «كن». وأمّا في التكليفيات يكون فعل الأمر مثل (صلّ) بمنزلة ظهور الأمر في التكوينيات المعبّر عنه بلفظ (كن)، وأنّ الطلب الذي يدلّ عليه فعل الأمر هو نفس العلم بنفع المكلَّف به المؤدّى باختيار المكلَّف؛ الظاهر أثره في فعل المكلَّف. وبعبارة أُخرى إنّ ظهور أثر تعلّق الإرادة بالشيء المراد؛سيكون في التكوينيات بلفظ(كن) وفي التكليفيات بلفظ (كوّن) بصيغة الأمر من باب التفعيل.
ويمكن القول بأنّ مراد الإرادة الإلهية من الأمور التكليفية في أفعال العباد هو الرضا أي الرضا بطاعة العباد في الواجبات والمستحبات، وفي المباحات بمعنى عدم المنافرة، وفي المعاصي بمعنى عدم المنع إجباراً حيث يرجع إليه معنى (أراد أن لا يسجد) الوارد في الحديث. ومنه قوله تعالى: «ولو شاء اللهُ ما أشركوا« [الأنعام:107].
وقد تطلق المشيئة في أفعال العباد بالنسبة إلى الحق؛ على العناية والتوفيق والخذلان وإيجاد المانع، كما هو الحال في صرف السكين عن حلق إسماعيل، وكما هو في قوله تعالى: وَمَا تَشَاءُونَ إِلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ [نسان: 30]، حيث المراد منه أنّ أفعال العباد لا تخلو من التوفيق أو الخذلان أو رفع المانع أو إيجاد المانع، وبالجملة فلا العبد مجبر على الفعل، ولا الرب تعالى منعزل عن القدرة.
ويمكن القول بأنّ المراد من إرادة أفعال العباد هو إيجاد أسباب الفعل من الآلات والقدرة على الفعل وعدم المنع منه مجازاً، وعلى أية حال فمعنى الإرادة يختلف بالنسبة إلى مواضع الاستعمال.
أمّا بالنسبة إلى ظاهر مذهب الأشاعرة فستكون جميع الإرادات الإلهية تكوينية، إذ ذهبوا إلى القول بمخلوقية جميع أفعال العباد لله تعالى حقيقةً، ولا جدوى للكسب الذي ذهبوا إليه، وسيكون مآل مذهبهم إلى مذهب الجهمية في القول بالجبر المحض، وبناءً على مذهبهم ستصير كل أفعال العباد ـ خيراً أو شراً ـ من الإرادة الحتمية التكوينية، ولا فرق عندهم بين خلق زيد عندما تعلّقت الإرادة بخلقه في ذلك الحين، وبين خلق فعله من الخير والشر في الوقت الذي يرتكبهما.
ولا يسع المقام بسط الكلام في تحقيق المذهب الحق في أفعال العباد الذي هو أمر بين أمرين، وأنّ المشيئة الإلهية قد تتدخّل في أفعال العباد من دون استلزام الجبر، وأنّ التوفيق تارة يشمل العبد وتارة اُخرى يشمله الخذلان(7).
ويكفي هذا المقدار من المقدمات للشروع في تأويل الحديث المذكور، فنقول: إنّ أظهر معاني الحديث حمله على التقية، لموافقته المذهب الأشعري المتبع من قبل كثير من أهل السنة، وكانت التقية عنهم في الأغلب. وبناء على قول الأشاعرة من تخلّف الأمر عن الإرادة، وأنّ فعل العبد تابع لإرادة الله من دون أن يكون له حق الاختيار؛ يكون معنى الحديث هكذا:
«أمر الله ولم يشأ» أي إنّ الله تعالى يأمر تارة ولا يريد (وشاء ولم يأمر) أي مشيئته وإرادته قد تتعلّق بالفعل ولكنه لم يأمر به بل تارة ينهى عنه ولكن مشيئته تعلّقت بوجود الفعل، ثم يذكر الإمام  أمثلة لذلك.
المثال الأوّل إنّه أمر إبليس أن يسجد لآدم وشاء أن لا يسجد، وهنا انفك الأمر عن الإرادة المطابقة بل حصلت الإرادة بضد المأمور به وهو عدم السجود. «ولو شاء لسجد» أي لو تطابقت الإرادة للأمر لتحقق السجود، وهذا هو مذهب إبليس بعينه حيث قال: رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي [الحجر:39] وأسند الفعل إلى الله تعالى.
أما المثال الثاني فقوله: (ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل منها ولو لم يشأ لم يأكل) وبما أنّ الأمر والنهي في رتبة واحدة تكليفاً، وأن ما قالته الأشاعرة في الأمر من تخلّف الإرادة عن الأمر، لابد لهم من القول بمثله في النهي من تخلّف الكراهة عن النهي، كما قالوا بتحقق فعل العبد بالنحو الذي تعلّقت به المشيئة الإلهية سواء كان مخالفاً للمأمور به والمنهي عنه أو موافقاً.
فهنا إشارة لطيفة في الرواية بتساوي الأمر والنهي، وبيان واضح لما نقصده من تخلّف الكراهة عن النهي لتحقق نقيضها وما تعلّقت به المشيئة الإلهية وهو الأكل من الشجرة.
وقول آدم صفي الله : رَبَّنَا ظَلَمْنَاتكذيب لقول الأشاعرة، وقد وافق مذهبهم هذا مذهب إبليس عدو الله وخالف مذهب آدم نبي الله. فمورد هذا الحديث التقية وفقاً لمذهب الأشاعـرة، ولكـن يتنبه الذكي الفطـن إلى الحق من خلال ذكر الإمـام  هذين المثالين المستلزمين لتذكّر حكاية آدم وإظهاره التقصير، فليفهم ذلك.
ثم إنّ العارف الرومي وإن يظهر منه القول بالجبر في مواطن عديدة، لكنّه صرّح في هذا المورد أنّ الجبر مذهب إبليس، لكنه يذهب إلى تقسيم الجبر بأقسام عديدة من الجبر الجزئي والكلي وغيرهما. وعليه فلا يمكن الركون إليه والقول بأنّه يذهب إلى الإختيار، وقد ذهب في السفر الخامس في آخر كلامه حول مخاصمة الجبري والقدري ـ وهو جامع شتات كلامه ـ إلى الجبر الحقيقي، أمّا ما قاله في السفر الرابع بخصوص هذا المورد فهو قوله:

از ﭘـدر آموز اى روشن جبين
ربنا ﮔفت وظلمنا بيش ازاين

نه بهانه كرد ونه تزوير ساخت
نه لواى مكر وحيلت بر فراخت

باز آن ابليس بحث آغاز كرد
كه بُدم من سرخ رو وكرديم زرد

رنـﮓرنـﮓ تواست صباغم توئي
اصل جرم وآفت وداغم توئى

هين بخوان رب بما أغويتني
تا نـﮕردى جبرى وﮔﮊ كم تنى

بر درخت جبرتاكى برجهى
اختيار خويش را يـﮏ سو نهي

همـﭽو آن ابليس وذريات او
با خدا در جنـﮓ واندر ﮔـفتـﮕـو

ولكن لو لم نحمل الحديث على التقية لزم تأويلات اُخرى، كأن نقول: إنّ المراد من المشيئة الأولى المشيئة اللازمة ومن الثانية المشيئة التخييرية، ويكون المراد إنّ الله تعالى تارة يأمر بشيء ولا يريده بالإرادة اللازمة بل بالإرادة التخييرية، وتارة يريده بالإرادة التخييرية ولم يأمر به بل قد ينهى عنه. ويكون مرجع المعنى الثاني إلى أنّ الله يريد من العبد إتيان المأمور به باختياره وترك المنهي عنه باختياره أيضاً. فلو أتى بالمنهي عنه باختياره لصدق عليه أنّه ابتلي بالارتكاب بسبب تعلق الإرادة بإتيان الفعل مختاراً، ولو تعلّقت إرادته لهذا الفعل بترك تلك الإرادة الحتمية؛ لما ارتكب هذا الفعل. ويدل عليه قوله تعالى:
وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ [هود:118،119 ].
أي لو شاء الله بالمشيئة اللازمة جعل الناس أمة واحدة على الإيمان لفعل، لكنه لم يرد ذلك بالجبر والاضطرار بل أراده منهم بالاختيار والفكر والتعقّل، ولذا استمر فيهم الخلاف واتبع كثير منهم آباءهم وأمهاتهم في سلوك الباطل إلاّ من رحمه الله حيث سيهديه ويأخذ بيده لو تحيّر ولم يقصّر في الاستدلال وبذل الجهد «ولذلك خلقهم» أي خلقهم لاختيار الحق المفهوم من سياق الكلام، وبما أنّ الكثير منهم يقصرون في طلب الحق ويختارون الباطل »وتمّت كلمةُ ربّك لأملأن جهنّم من الجنّة والناس أجمعين». فلو لم يكن الاختيار موجوداً بل أجبرهم على الإيمان لما كان أحد يستحق النار ولم تتم كلمة الله. فيستفاد من الآية أنّ الله تعالى أراد الإيمان من الناس ولكن من غير جبر واضطرار.
وعليه يكون معنى قوله: »أمر الله ولم يشأ» انّ الله تعالى قد يأمر ويطلب على نحو اختيار المكلّف ولم تتعلّق مشيئته وإرادته على إيجاد المأمور به جبراً واضطراراً، كما هو المعنيّ في الآية الشريفة.
«وشاء ولم يأمر» أي قد تتعلّق مشيئته وإرادته الاختيارية على أنّ العبد يطيع في الفعل اختياراً؛ والحال أنّ ذلك الفعل لم يكن مطلوباً له ولم يأمره به بل نهاه عنه، ويطلق في العرف ويقال إنّ المولى لو نهى العبد عن أمر ولكن جعله فاعلاً مختاراً وهيّأ له أسباب الفعل والترك كلاهما، وصادف أنّ العبد أوجد المنهي عنه بسوء اختياره، فيقال حينئذٍ في العرف إنّ المولى قصد إيجاد ذلك الأمر، أي بما أنّه يعلم أنّ العبد سيفعل المنهي عنه لزم أن لا يهيّأ له أسبابه، فكأنّه أراد أن يفعله [لأنّه هيّأ له أسبابه].
ثم إنّ الإمام  ذكر مثالين: الأوّل أمر إبليس بالسجود، ولكن لا على نحو الإرادة الحتمية التي تجبره وتضطره إلى السجود، كما هو الحال بالنسبة إلى إيمان الناس في الآية الشريفة، حيث قال : «أمر إبليس أن يسجد لآدم وشاء أن لا يسجد» أي أمر إبليس بالسجود ولكن بما أنّ أمره وإرادته لم تكن جبراً واضطراراً بل اختياراً، ومع لحاظ تهيّؤ أسباب مخالفة إبليس من كبر ونخوة وحسد ذاتي، فكأنّما أراد الله أن لايسجد؛ بنفس المعنى العرفي السابق في العبد والمولى.
ولو ورد بدل قوله وشاء أن لا يسجد: «ولم يشأ أن يسجد» كما ورد في سؤال السائل لكان صريحاً في نفي المشيئة الاضطرارية، ولكن هذا الكلام الشريف يشير إلى ذلك أيضاً، وما قاله بعد ذلك: «ولو شاء لسجد» يراد منه المشيئة الاضطرارية المنفية بهذا الكلام كما هو الحال في الآية الشريفة.
ثم قال بعد ذلك: «ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل منها» أي نهى آدم عن أكل الشجرة لكن تعلّقت مشيئته وإرادته بالأكل منها أي بنفس المعنى العرفي في مسألة العبد والمولى؛ لحصول أسباب الأكل من قبيل وسوسة الشيطان والقوة الشهوية ونحوهما، ولكن مع هذا فإنّه تعالى تركه واختياره ولم يجبره على ترك الأكل، فأهل العرف يقولون إنّ الله تعالى أراد أن يأكل بنفس ذلك المعنى «ولم لم يشأ لم يأكل» أي لو لم تكن هذه المشيئة الاختيارية التي أعطت لآدم الاختيار وهيّأت له الأسباب، وكان مكانها المشيئة الجبرية والاضطرارية الإلهية على ترك الأكل؛ لما أكل البتة.
وبالنظر إلى ما مضى في المقدمات من أنّ المراد من مشيئة الله تعالى في أفعال العباد قد تكون بمعنى التوفيق والخذلان وإيجاد المانع، يكون معنى: «أمر إبليس أن يسجد لآدم وشاء أن لا يسجد» خذله ولم يوفّقه، وكذلك يكون معنى: «نهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل» نفس المعنى أي لم يوفقه لعدم الأكل وتركه لحاله، ومعنى: «أمر إبراهيم أن يذبح إسحاق ولم يشأ» الوارد في بعض الأخبار، أي منعه عن ذلك بعد أمره بالذبح وأدار السكين عن حلقه.
نكتفي في هذا المقام بهذا المقدار لضيق الوقت.
وكتبه مؤلّفه الفقير إلى الله الدائم ابن الحسن أبو القاسم نزيل دار الإيمان قم صانها الله عن التلاطم والتصادم في يوم الثلاثاء الرابع عشر من الصفر ختم بالخير والظفر من سنة ألف مائتين وست عشر. والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله على محمد وآله.

* هوامش البحث *
(*) طبعت هذه الرسالة باللغة الفارسية ضمن كتاب (بيست رساله فارسي) بتحقيق الشيخ رضا استادى.
(1) الكافي1: 151.
(2) إيضاح الفوائد 1: 101.
(3) شرح التجريد للعلامة: 159.
(4) الكافي1: 109.
(5) تفسير البيضاوي 3: 269.
(6) عيون أخبار الرضا  1: 135، التوحيد للصدوق: 341.
(7) وممّا قلنا يظهر معنى القضاء والقدر بالنسبة إلى أفعال العباد، كما يظهر بطلان كلام الأشاعرة القائلين برجوع كل شيء إلى قضاء الله وقدره المستلزم للجبر وانتساب كفر العباد إليه تعالى. والمراد من القضاء في الاجماع المنعقد على وجوب الرضا بقضاء الله هو الأحكام الإلهية اللائقة به من التكليفيات والتكوينيات، وعليه فلا يصح القول بانّ جميع الأمور بقضاء الله، حتى أنّ الأشعري لا يقدر أن يقول بوجوب الرضا بالكفر وإن اعتبر الحيثية وقال يجب الرضا به من حيث أنّه فعل إلهي، ولا يجوز الرضا به من حيث أنّه قوة كاسبة، لما عرفت من أنّ القوة الكاسبة لا معنى لها، وعلى فرض تحقق المعنى منها فلا معنى لوجوب الرضا به من حيث كونه فعلاً إلهياً، مع عدم رضاه تعالى بالكفر سيما مع عدم تأثير القوة الكاسبة ومغلوبيتها أمام القضاء الإلهي.
وعلى أية حال فالقضاء تارة يأتي بمعنى الخلق كقوله: «فقضاهنّ سبع سماوات» وتارة بمعنى الحكم كقوله: «وقضى ربك ألاّ تعبدوا إلاّ إياه» وتارة بمعنى الإخبار والإعلام كقوله: «وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب». وكذلك القدر يأتي تارة بمعنى الخلق كقوله: «وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا» وتارة بمعنى البيان والإعلام كقوله: «قدرنا من الغابرين». وبأيّ من هذه المعاني لا يصح ان يقال إن جميع الأشياء بقضاء الله وقدره إلاّ بمعنى العلم والبيان والكتابة في اللوح،ولكن هذا لا ينفع الأشعري كما عرفت.
وعليه فلا يصح في أفعال العباد الاختيارية تعميم القضاء والقدر بمعنى الحكم والإيجاب لاستلزامه الإيجاب القبيح سيما بلحاظ استحباب وكراهة وإباحة بعض التكاليف ولا معنى للإيجاب فيها. وأمّا ما ذهب إليه الحكماء في معنى القضاء والقدر، فما نقله شارح المواقف عنهم هو أنّ القضاء عبارة عن علمه بما ينبغي أن يكون عليه الوجود حتى يكون على أحسن النظام وأكمل الانتظام، وهو المسمّى عندهم بالعناية التي هي مبدأ لفيضان الموجودات من حيث جملتها على أحسن الوجوه وأكملها، والقدر عبارة عن خروجها إلى الوجود العيني بأسبابها على الوجه الذي تقرّر في القضاء، وحكي عن الميرداماد  أنّ القضاء معلول أوّل أي عقل أوّل، والقدر سائر المعلولات الصادرة عنه، لأنّ القضاء حكم واحد يترتب عليه التفصيل، وكذلك المعلول الأوّل وتكون سائر المعلولات بمنزلة التفصيل لهذا الإجمال. وقد عرفت أنّ ظاهر هذا يخالف المستفاد من الأخبار. منه رحمه الله.