البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الولاية التشريعيّة للنبيّ محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)

الباحث :  الشيخ محمّد مقبل
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  29
السنة :  شتاء 2024م / 1445هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 14 / 2024
عدد زيارات البحث :  878
تحميل  ( 1.594 MB )
الملخّص
يتناول البحث مسألة حق النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) في وضع الأحكام الشرعيّة الكلّيّة الثابتة، وابرز ما تعرض له:
-ان للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وضع الاحكام ابتداء، بعد الفراغ عن كون التشريع بالأصالة لله تعالى، وعدم المانع من إعطاء هذا الحق للغير طالما هو بإذنه.
-فوائد هذا الحق كإظهار مقام النبيّ وامتحان الخلق في الطاعة.
-الثمرة العمليّة لهذه المسألة ولو كانت جزئيّة، كإثبات وجود تشريعات مختلفة عن تشريعات الله، مما يترتّب عليه اختلاف في الخصوصيّات بين النوعين.
-ادلة المثبتين للتفويض من آيات وروايات كثير منها صحيح السند، ورد فيها عبارات من قبيل (حرّم رسول الله، وضع رسول الله، فوّض إليه أمر الدين)، وبعضها يدلّ على إضافته (صلى الله عليه وآله وسلم) عددًا من الركعات على الصلوات اليوميّة، اضافة لما يرِد عليها من إشكالات وردود.

-عدم ثبوت كون دائرة التفويض شاملة بمعنى المشاركة في كلّ مجالات التشريع، أو على الأقل عدم ممارسة النبي هذا الحقّ على فرض ثبوته، بل له دائرة معيّنة له حقّ التشريع فيها أبرز معالمها أن لا تتعارض مع القرآن، ولا تحلّ حرامًا حرّمه الله ولا تحرّم حلالًا كذلك، وعدم كونها من القضايا الكبرى المصيريّة.
-ادلة النافين من آيات وغيرها، مع مناقشة ذلك.
والنتيجة: القدر المتيقّن هو ثبوت حقّ التشريع للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) واستعمال هذا الحقّ في الأحكام الكلّيّة الثابتة في موارد جزئيّة.

الكلمات المفتاحية
الولاية التشريعية، التشريع، الأحكام الكلية.


Abstracts
The research deals with the issue of the right of the Prophet (peace be upon him) in the development of the provisions of the Sharia fixed, and the most prominent of what was exposed to him that the Prophet (peace be upon him) put the provisions initially, after the void of the fact that the legislation in the authenticity of Allan Almighty, and do not prevent giving this the benefits of this right such as showing the status of the Prophet and the test of creation in obedience.
The practical result of this issue, even if it is partial, such as proving the existence of legislation different from the legislation of Allah, which results in a difference in specificities between the two types of evidence proving the mandate of verses and narrations, many of which are authentic Sanad, in which phrases such as (the Messenger of Allah sanctuary, the status of the Messenger of Allah, delegated to him the matter of religion), and some of them indicate that he added (peace be upon him) several rak'ahs to the daily prayers, in addition to the problems and responses to them. It is not proven that the delegation department is comprehensive in the sense of participation in all areas of legislation, or at least that the Prophet does not exercise this right on the assumption that it is proven, but rather that it has a specific department in which he has the right to legislate, the most prominent features of which are that it does not contradict the Qur'an, and does not solve what is forbidden by Allah and does not prohibit halal as well and that it is not one of the major fateful issues. The evidence of the Naveen from verses and others, with a discussion of that.
The result: the certainty is that the right to legislate of the Prophet (PBUH) is established and that this right is used in the total rulings fixed in partial resources.

Keywords: legislative mandate, legislation, macro provisions.


مقدّمة
إنّ مسألة الدور التشريعيّ والقانونيّ للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ــ أي ولايته التشريعيّة ودلالة أفعاله وأوامره على الحكم الشرعيّ ــ هي مسألةٌ دقيقةٌ ومعقّدة، ولها آثار علميّة وعمليّة، تترتّب على ما نتبنّاه من نتائج في هذا البحث.

من المعلوم أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) تجب طاعته على كلّ حال، وهذا محلّ اتفاق المسلمين، إذ لا شكّ في حجّيّة قوله (صلى الله عليه وآله وسلم) عندهم، ولزوم امتثال ما يرِد عنه من أوامر ونواهٍ، سواء أكان له حقّ التشريع أم لا: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)[1]، (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ‏ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[2]. ولكن السؤال: هل لهذا البحث فائدةٌ عمليّةٌ أو تنحصر الفائدة في الجانب العلميّ النظريّ؟

والجواب أنّ الثمرة العمليّة لهذا الاختلاف موجودةٌ ولو كانت جزئيّة، وذلك في بعض الموارد منها:
أوّلًا: قد يقال إنّ ما يصدر عن الله (عزّ وجلّ) من تشريعاتٍ يندرج في إطار القوانين الثابتة، والأحكام الكلّيّة التي لا تتغيّر بتغيّر المجتمعات وخصوصيّاتها ولا بتغيّر الأزمان، أمّا التشريعات التي تصدر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) قد تتّسم بالثبات والدوام، وقد تكون أحكامًا تدبيريّةً ظرفيّةً تصدر عنه بمقتضى صلاحيّاته بوصفه قائدًا وإمامًا للأمّة؛ وعليه لو ثبت أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد مارس التشريع، فحينئذ لا بدّ عند دراسة الأحكام الشرعيّة في مقام استنباط الأحكام الشرعيّة الكلّيّة الثابتة من التمييز بدايةً بين تشريعات الله وتشريعات النبيّ، ثمّ بعد ذلك ينبغي تمييز تشريعات النبيّ الثابتة عن تلك التدبيريّة المؤقّتة، وذلك تبعًا للقرائن المحتفّ بها النصّ، ثمّ تأسيس أصولٍ يُرجع إليها عند الشكّ في كون التشريع من أحد النحوين.

ثانيًا: إنّه حتّى لو كان ما يصدر عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو من سنخ التشريعات الثابتة على مرّ الزمان، إلّا أنّها قد لا تكون في قوّتها التشريعيّة بمستوى ما صدر عن الله (عزّ وجلّ) من تشريعات، وقد تختلف في خصوصيّاتها وأحكامها، فقد اطلقت بعض الروايات على ما شرّعه الله (عزّ وجلّ) مصطلح (الفريضة)، وعلى ما شرعه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مصطلح (السُنّة)، وميّزت بينهما على مستوى النتيجة، فقد ورد في صحيحة زُرَارَةَ[3] عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: «عَشْرُ رَكَعَاتٍ... لَا يَجُوزُ الْوَهْمُ‏ فِيهِنَ... وَهِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي فَرَضَهَا... وَفَوَّضَ إلى محمّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فَزَادَ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فِي الصَّلَاةِ سَبْعَ رَكَعَاتٍ هِيَ سُنَّةٌ... فَالْوَهْمُ إنّما يَكُونُ فِيهِنَّ... »[4].

ويمكن البحث في نقاط ضمن شقّين:
1- الشقّ الأوّل: هل حقّ التشريع مختصٌّ بالله تعالى أم يشمل غيره (عزّ وجلّ)؟
ونطرح فيه مجموعة الأسئلة التالية: إذا كان حقّ التشريع بحسب الأصل مختصًّا بالله (عزّ وجلّ)، فهل هناك مانع من إعطاء هذا الحقّ لأحد بإذنه؟ وإذا لم يكن من مانع، فهل أعطى الله (عزّ وجلّ) النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ذلك الحقّ، وهو ما يعبّر عنه بتفويض التشريع؟ وعلى فرض ثبوت التفويض، فهل هو تفويض مطلق في التشريع بحيث إنّ الله ترك مهمّة التشريع كاملةً له (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ أو أنّه أجاز له المشاركة في ذلك؟

وعلى فرض الإذن بالمشاركة، فهل كان هذا الإذن للنبيّ مطلقًا يشمل جميع جوانب التشريع أو كان محصورًا في دائرة محدّدة؟ مثلًا هل اختصّ الله نفسه بالأحكام الكلّيّة وأجاز للنبيّ التشريع في بعض الأمور الجزئيّة؟
وما الدليل نفيًا وإثباتًا على هذه الأمور من القرآن والروايات؟ وهل هذه الروايات تامّة سندًا ودلالة؟ وهل مارس النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هذا الحقّ على فرض وجوده؟ أو أنّه لم يثبت للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حقّ التشريع من رأس؟ أو أنّه كان يقترح على الله (عزّ وجلّ)، والله هو الذي يشرّع؟

2- الشقّ الثاني: يمكن أن يُعالج فيه أفعال النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)بين التشريع والتصرّفات العاديّة. ومن المعروف أنّ فعل النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وتقريره كقوله مصدرٌ من مصادر التشريع، فهل كلّ تصرّفٍ وفعلٍ وقولٍ يصدر منه له مثل هذه الخاصّيّة؟ أو أنّ منها ما يندرج تحت التصرفات العاديّة بحيث لا تكون لها أبعاد تشريعيّة قانونيّة؟ وهل الأفعال والأقوال والتقريرات ذات البعد التشريعيّ يمكن أن تكون مرتبطةً باللحظة الزمنيّة التي صدرت فيها، فلا يكون لها أبعاد كلّيّة على مدى الأزمان، كما لو كانت مرتبطةً به (صلى الله عليه وآله وسلم) بما هو حاكم، وبظروف إدارة ذلك المجتمع الذي حكمه؟ وعلى فرض وجود تنوّعٍ في أفعاله، فهل ثمّة ضابطةٌ وقاعدةٌ يعتمد عليها لتحديد نوع التصرّف عند الشكّ في كونه من أحد هذه الأنواع؟ وهذا الشقّ يحتاج إلى بحثٍ مستقلّ؟

أوّلًا: حقّ التشريع بين الاختصاص بالله تعالى والشمول لغيره (عزّ وجلّ)
النقطة الأولى التي ينبغي تسليط الضوء عليها في المقدّمة هي تحديد المراد بالولاية التشريعيّة أو حقّ التشريع المبحوث عنه، ونقصد به إعطاء الله (عزّ وجلّ) النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حقّ أن يضع الأحكام الشرعيّة الكلّيّة الثابتة التي لا تتغير بتغير مقتضيات الزمان والمكان والظروف المختلفة، والتي تكون مع التكاليف الصادرة من الله (عزّ وجلّ) على حدٍّ سواء من ناحية لزوم إطاعتها وعدم إمكان إبطالها من أي أحد، وأنْ يتصرّف فيها ابتداءً دون أنْ يكون مجرّد ناقلٍ ومبلّغٍ عنه (عزّ وجلّ)، كأن يزيد في عدد ركعات الصلاة أو يحرّم المسكر، أو يضيف بعض المستحبّات، وهذا هو محلّ النزاع.

وقد يُراد بها حقّ وضع الأحكام التدبيريّة الولائيّة المرتبطة به بوصفه حاكمًا وإمامًا للأمّة، وليس هذا المعنى محلًّا للنزاع. وهناك معنى آخر ليس هو محلّ النزاع أيضًا، وهو أنّ الله (عزّ وجلّ) أعطى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ولايةً شرعيّةً على الأنفس والأموال المرتبطة بالبشر، بنحوٍ يجب أنْ يطيعوه في أيّ شيءٍ يطلبه منهم.
وبالعودة إلى الجواب عن السؤال الذي طرحناه في المدخل: لِمَن حقّ التشريع بالأصالة؟ وهل من مانع من إعطاء هذا الحقّ لأحدٍ من الخلق بإذن الله (عزّ وجلّ)؟

أوّلًا: لا شكّ في أنّ حقّ التشريع بالأصالة والاستقلال هو لله (عزّ وجلّ)، شأنه شأن كلّ التصرفات في هذا الوجود لا يخرج عن سلطانه الذي علا كلّ شيء.
ثانيًا: إنّ إعطاء الحقّ بمثل هذا التصرّف لا استحالة فيه في نفسه طالما هو بإذن الله، شأنه شأن أيّ تصرفٍ آخر، طالما أنّه ليس من مختصّات الله (عزّ وجلّ) بما هو إله؛ لذا فإنّ إعطاء هذا الحقّ لأحدٍ من الخلق يدخل في دائرة الإمكان، فيحتاج في إثباته أو نفيه إلى دليلٍ من الخارج وإلى تتبّع الآيات والروايات لنرى مقدار دلالتها على ذلك.
ثالثًا: قد يقال إنّ إعطاء مثل هذا الحقّ التشريعيّ للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وإنْ لم يكن محالًا في نفسه، ولكن مثل هذا الأمر لا فائدة منه ولا ثمرة فيه؛ إذ بإمكان المولى (عزّ وجلّ) - وهو الشارع بالأصالة، وهو العالم بالمصالح والمفاسد الواقعيّة - أنْ يصدر جميع التشريعات والقوانين؛ ومن ثَمَّ يكون إعطاء مثل هذا الحقّ في كامل التشريع أو في بعض موارده للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)سيكون لغوًا، فلا يصدر منه (عزّ وجلّ).

والجواب بأنّ الفوائد المستفادة من إعطاء مثل هذا الحقّ موجودةٌ وهذه بعضها:
1- بيان مكانة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلوّ منزلته وشموخ مقامه، واندكاك إرادته في إرادة الله (عزّ وجلّ) بحيث صارت تشريعاته هي نفسها تشريعات الله (عزّ وجلّ).
2- إظهار سعة علم النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، واطّلاعه على لوح الواقع، بحيث صار قادرًا على تشريع الأحكام - وهي التابعة للمصالح والمفاسد الواقعيّة كما اشتهر عند الإماميّة - فكما أنّ الله (عزّ وجلّ) مطّلعٌ على حقائق الأمور كاملة، فكان حقّ التشريع له بالأصالة كذلك النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) له اطّلاع - بغض النظر عن سعته وضيقه - على حقائق الأمور، بحيث ثبت له أصل هذا الحقّ - بغض النظر عن سعته وضيقه - فهو لا يَزِلُّ ولا يُخطئ، فقد جاء في صحيحة فُضَيْلِ بْنِ يَسَار[5] سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ: «... إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) كَانَ مُسَدَّدًا مُوَفَّقًا مُؤَيَّدًا بِرُوحِ الْقُدُسِ لَا يَزِلُّ وَلَا يُخْطِئُ فِي شَيْ‏ءٍ مِمَّا يَسُوسُ بِهِ الْخَلْق»[6]، وهذا كاشفٌ عن مقامه الشريف.
3- لكي يمتحن الناس ومدى طاعتهم وامتثالهم لأوامر النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فقد جاء في صحيحة زُرَارَةَ[7] قَالَ سَمِعْتُأَبَا جَعْفَرٍ وَأَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولَانِ‏: «إِنَّ اللَّهَ (عزّ وجلّ) فَوَّضَ إلى نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر خَلْقِهِ لِيَنْظُرَ كَيْفَ طَاعَتُهُمْ ثمّ تَلَا هَذِهِ الْآية: (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[8]» [9].

ثانيًا: آراء العلماء في الولاية التشريعيّة
اختلفت آراء علماء الإماميّة في مسألة الولاية التشريعيّة بمعنى تفويض التشريع للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فبين قائلٍ بانحصار التشريع في الأحكام الكلّيّة الثابتة بالله (عزّ وجلّ) في حين أنّ للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فقط إصدار الأحكام الولائيّة المرتبطة به بوصفه حاكمًا، وبين من يرى أنّ النبيّ مفوّضٌ في التشريع، وأصحاب هذا القول ينقسمون إلى فئةٍ ترى أنّ دائرة التفويض واسعة، وفئةٍ ترى أنّ دائرة التشريع ضيّقة ومرتبطة ببعض الموارد الجزئيّة الخاصّة لأجل أهداف محدّدة كإبراز مكانة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، أو تعظيم مقامه الشريف، أو امتحان لطاعة الخلق. واختلفت أنظار العلماء أيضًا في كيفيّة فهم وتوجيه روايات التفويض والآيات التي قد تكون مرتبطةً بالموضوع؛ لذا لا بدّ من النظر في الروايات والآيات التي تعرّضت لهذه المسألة وتحديد ما يظهر منها، وكذا لا بدّ من مناقشة أبرز ما قيل في مقام الاستدلال على نفي أو إثبات هذه الولاية.

ثالثًا: أدلّة المثبتين للولاية التشريعيّة
الدليل الأوّل: آيات القرآن الكريم
(قاتِلُوا الَّذينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ ولا يُحَرِّمُونَ ما حَرَّمَ اللَّهُ ورَسُولُهُ)[10].
الاستدلال بقول الله تعالى بما حاصله: أنّ عطف كلمة (الرسول) على كلمة (الله) في الآية يعني وجود فاعلَينِ، وبالتالي تعدّد في الفعل أي التحريم، فهناك تحريمٌ صادر من الله (عزّ وجلّ)، وآخر صادر من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وإلّا لو كانا شيئًا واحدًا لكان المقام من باب عطف الشيء على نفسه وهو لغو. وعليه فللنبيّ حقّ أن يضع أحكامًا تحريميّة، وهذا لا يكون إلّا إذا كان حقّ التشريع ثابتًا له. وحتى لو كان تعدّد الفاعل لا يستدعي تعدّد الفعل، كما لو قام الفاعلان بالفعل معًا، فهذا يعني أنّ الفعل ينتسب إليهما، وبالتالي يكون النبيّ مشرِّعًا أيضًا.

ولكن قد يُجاب بأنّ الآية بصدد الإشارة إلى أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) إنّما يحرّم ما يحرّمه الله (عزّ وجلّ)، بمعنى أنّ إرادته (صلى الله عليه وآله وسلم) متطابقةٌ مع إرادته (عزّ وجلّ)، وأنّه مبلّغ أمين عن الله؛ لذا لا دلالة فيها على كونه مشرّعًا.

وأيضًا يمكن أن يُجاب بأنّ الآية وإنْ دلّت على أنّ للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أنْ يُحرّم كما يحرّم الله (عزّ وجلّ)، ولكن لعلّ ذلك في مجال الأحكام التدبيريّة الولائيّة المرتبطة به كحاكم وإمام للأمّة، لا من جهة الأحكام الكلّيّة الثابتة التي هي محلّ النزاع.

والجواب عينه يأتي في ردّ قول من استدلّ بقوله تعالى: (يا أَيُّهَا الَّذينَ آمَنُوا أطيعوا اللَّهَ وأطيعوا الرَّسُولَ وأُولِي الأمر مِنْكُمْ)[11]، بدعوى أنّ الأمر فيها بوجوب طاعة الرسول ليس من باب أنّه طريق إلى طاعة الله كي تكون طاعة الرسول بعينها طاعةً الله سبحانه، وإلّا كان تكرارًا من غير طائل، فلا بدّ إذًا أن تكون الجملة مسوقةً لبيان وجوب طاعة مستقلّة له (صلى الله عليه وآله وسلم) غير طاعة الله، وما ذلك إلّا لكونه (صلى الله عليه وآله وسلم)مشرِّعًا، والجواب هو نفسه؛ إذ من المحتمل جدًّا أنّ الطاعة للرسول من جهة كونه حاكمًا وإمامًا لا من من جهة كونه مشرّعًا، ويمكن أن يؤيّد هذا الاحتمال تكرار الأمر (وأطيعوا الرسول) فلم يقل (أطيعوا الله والرسول)، فقد يكون هذا التكرار إشارةً إلى اختلاف سنخ متعلق الطاعة، ففي الأمر الأوّل يكون وجوب الطاعة مرتبطًا بالتشريع الإلهيّ، والأمر الثاني يكون الوجوب مرتبطًا بالجانب الولائيّ للرسول، وحتّى لو لم يثبت هذا المعنى، فإنّ مجرّد طروّ هذا الاحتمال يُسقط إمكان الاستدلال بالآية على كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) مشرّعًا.

الدليل الثاني: الروايات الدالّة على التفويض
إنّ عمدة ما يستدلّ به المثبتون للولاية التشريعيّة هو الروايات التي تدلّ على التفويض، وهي كثيرة، فمنها ما يدلّ على إضافته (صلى الله عليه وآله وسلم) عددًا من الركعات على الصلوات اليوميّة، ومنها ما يدلّ على تحريمه المسكرات غير الخمر، ومنها ما يدلّ على تشريعه النوافل اليوميّة وتشريعه إرث الجدّ وتشريعه ديّة النفس والعين وغير ذلك.
وهذه الروايات تدلّ على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس مجرّد مبلّغ عن الله (عزّ وجلّ)، بل في بعضها تصريح بأنّه قد شرّع ابتداءً من دون رجوعٍ تفصيليّ إلى الوحي لحظة التشريع، وبأنّه أضاف بعض العناصر إلى تشريعات الله، إضافة إلى دلالتها على الاختلاف في الخصوصيّات بين ما شرّعه الله وما شرّعه النبيّ؛ ممّا يعني وجود اثنينيّة ونوعين من التشريع، وذلك كالشكّ في ما شرّعه الله من ركعات في الصلاة، فإنّه مبطل، بينما الشكّ في الركعات التي شرّعها النبيّ لا يكون مبطلًا.

وهنا لا بدّ من التعرّض لهذه الروايات سندًا ودلالةً لنرى مقدار دلالتها على المطلوب.
1- الرواية الأولى: ورد في الكافي في صحيحة[12] أَبِي إِسْحَاقَ النَّحْوِيِّ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ‏: «إِنَّ اللَّهَ (عزّ وجلّ) أَدَّبَ نَبِيَّهُ عَلَى مَحَبَّتِهِ فَقَالَ:‏ (وَإِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ‏ عَظِيمٍ‏)[13]، ثمّ فَوَّضَ إليه فَقَالَ(عزّ وجلّ): (وَما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ‏ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ‏ فَانْتَهُوا)[14]، وَقَالَ (عزّ وجلّ): (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطاعَ اللَّهَ)‏[15]، قَالَ: ثمّ قَالَ: وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ فَوَّضَ إلى عَلِيٍّ وَائْتَمَنَهُ فَسَلَّمْتُمْ، وَجَحَدَ النَّاسُ، فَوَاللَّهِ لَنُحِبُّكُمْ أَنْ تَقُولُوا إِذَا قُلْنَا، وأَنْ تَصْمُتُوا إِذَا صَمَتْنَا، ونَحْنُ فِيمَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ (عزّ وجلّ)، مَا جَعَلَ اللَّهُ لِأَحَدٍ خَيْرًا فِي خِلَافِ أَمْرِنَا»[16].

وقريب من هذا المضمون ما ورد في موثّقة[17] محمّد بْنِ الْحَسَنِ الْمِيثَمِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: «سَمِعْتُهُ يَقُولُ:‏ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ أَدَّبَ رَسُولَهُ حتّى قَوَّمَهُ عَلَى مَا أَرَادَ ثمّ فَوَّضَ إليه، فَقَالَ عَزَّ ذِكْرُهُ: (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[18]، فَمَا فَوَّضَ اللَّهُ إلى رَسُولِهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَقَدْ فَوَّضَهُ إِلَيْنَا»[19].

هذه الرواية تثبت أنّ الله (عزّ وجلّ) قد فوّض إلى نبيّه (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ ما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)، أي فوّض إليه ما يجب على الأمّة أنْ تنتهي عنه عند نهيه (صلى الله عليه وآله وسلم) وأنْ تلتزم به عند أمره، وهذه سلطة وولاية أعطاها الله له، وسياق النصّ ظاهر في أنّ الإمام (عليه السلام) يريد في كلامه أن يستدلّ بالآية على أنّ الله (عزّ وجلّ) في مقام إثبات أمرٍ جديدٍ للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) لم يكن موجودًا سابقًا، وهذا الأمر قد ترتّب على إكمال أدبه، وهذا المعنى يظهر بملاحظة استخدامه (عليه السلام) لحرف العطف (ثمّ) الذي يفيد الترتيب، وبالتالي فإنّ ظاهر كلام الإمام أنّه لا يريد من هذه الآية إثبات أصل وجوب طاعة النبيّ بما هو مبلّغ عن الله؛ لأنّ هذا من تحصيل الحاصل؛ لأنّه حينما نزلت آية (إنّك لعلى خلقٍ عظيم) كان (صلى الله عليه وآله وسلم) نبيًّا واجب الطاعة، إذًا فما تثبته الآية كما بيَّنه الإمام هو أمر جديد، وهو طاعة النبيّ بما هو مفوّض إليه أنْ يأمر وينهى بنفسه، وكلّ ذلك بإذن الله وإجازته، وفي طول إرادته؛ ولذا استشهد (عليه السلام) في الرواية نفسها بقوله (عزّ وجلّ): (منْ يُطع الرسول فقد أطاع الله).
ولكن هذه الرواية لم تبيّن ما الذي فوّض إليه، إذ يحتمل أنْ يكون هو وضع الأحكام والقوانين المرتبطة بالتشريع الثابت، ويحتمل أنْ يكون المفوّض فيه هو وضع التدابير المرتبطة بسلطته بوصفه إمامًا وقائدًا للأمّة، ويحتمل غير ذلك، ويُحتمل أنْ يكون التفويض مطلقًا في كلّ ما هو ممكن. وقد ذكر العلّامة المجلسيّ ستّة معانٍ للتفويض الممكن للنبيّ وآله، وهي:

الأوّل: التفويض في الخلق، والرزق، والتربية، والإماتة، والإحياء.
الثاني: التفويض في أمر الدين، كزيادة عدد ركعات الصلاة الواجبة، وتعيين الصلاة والصوم المستحبّ.
الثالث: تفويض أمور الخلق إليهم، من سياستهم، وتأديبهم، وتكميلهم، وتعليمهم.
الرابع: تفويض بيان العلوم والأحكام بما رأوا المصلحة فيها.
الخامس: التفويض في الاختيار، في أنْ يحكموا بظاهر الشريعة، أو بعلمهم، وبما يلهمهم الله من الواقع.
السادس: التفويض في العطاء، فإنّ الله خلق لهم الأرض وما فيها وجعل لهم الأنفال والخمس»[20].

ثمّ إنّ التفويض في أمر الدين قد يكون مطلقًا وقد يكون جزئيًّا ومحدّدًا بدائرةٍ معيّنة. إذًا مصطلح التفويض له معانٍ كثيرة؛ لذا فورود هذه الكلمة في بعض الروايات لا يعني أنّها دالّة على التفويض في تشريع الأحكام الكلّيّة، وعليه نحن نحتاج إلى النظر في بقيّة الروايات، وإلى تتبّع وملاحظة السياق الذي وردت فيه هذه الكلمة والقرائن المحتفّة بها لتحديد المعنى المقصود، وحدود التفويض المعطى له (صلى الله عليه وآله وسلم) في كلّ رواية على حدة.

2- الرواية الثانية:جاء في الكافي في صحيحة زُرَارَةَ[21] قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ وأَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولَانِ‏: «إِنَّ اللَّهَ (عزّ وجلّ) فَوَّضَ إلى نَبِيِّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر خَلْقِهِ لِيَنْظُرَ كَيْفَ طَاعَتُهُمْ، ثمّ تَلَا هَذِهِ الْآية:(ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)»[22].
هذه الرواية تثبت أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فُوّض إليه أمر الخلق أيضًا ليطيعوه، ولكن لم تحدّد ما هو الذي فوض إليه من أمر الخلق، وما هي دائرة التفويض. نعم، تجب طاعته على كلّ حال، وبالتالي حتّى لو قام بالتشريع، فهو واجب الطاعة، ولكن ليس في الرواية ما يدلّ على أنّه مخوّلٌ ومفوّضٌ إليه أمر التشريع.

لكن لا يبعد دلالتها على تفويض أمر الحكومة والرئاسة العامّة لقوله (فوّض إليه أمر خلقه) لظهوره في سياسة الخلق، وحفظ نظام معاشهم.
3- الرواية الثالثة: جاء في الكافي في صحيحة أَبِي الرَّبِيعِ الشَّامِيِّ[23] قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام): «إِنَّ اللَّهَ (عزّ وجلّ) حَرَّمَ‏ الْخَمْرَ بِعَيْنِهَا[24]، فَقَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا حَرَامٌ، كَمَا حَرَّمَ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ، وَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) الشَّرَابَ مِنْ كلّ مُسْكِرٍ، ومَا حَرَّمَهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فَقَدْ حَرَّمَهُ اللَّهُ (عزّ وجلّ) »[25].
تدلّ هذه الرواية بنحوٍ صريحٍ على مشاركة الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) في عمليّة التشريع، حيث أضاف تحريم المسكر إلى مجموعةٍ من الأحكام التي شرّعها الله (عزّ وجلّ)، والرواية لا تكتفي بهذا، بل تشير إلى أنّ ما شرّعه (صلى الله عليه وآله وسلم) من حكم ينطبق عليه أنّه حكم الله، ولذا فإنّ (ما حرّمه الرسول فقد حرّمه الله)، وبما أنّ الرسول لا يتجاوز حدود الله (عزّ وجلّ)، فلا بدّ أن يكون وضعه لهذه التشريعات مستندًا إلى حقّ أعطاه الله له، وبذلك تدلّ الرواية على ثبوت حقّ التشريع له وعلى إعماله لهذا الحقّ.
4- الرواية الرابعة: جاء في الكافي في صحيحة[26] زُرَارَةَ[27] عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: «وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) دِيّة الْعَيْنِ وَدِيّة النَّفْسِ وَحَرَّمَ النبيّذَ وَكُلَّ مُسْكِرٍ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ جَاءَ فِيهِ شَيْ‏ءٌ، قَالَ نَعَمْ لِيَعْلَمَ مَنْ يُطِيعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَعْصِيهِ»[28].

وكما هو واضح فإنّ هذه الرواية تدلّ صراحةً على قيام النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بوضع مجموعةٍ من التشريعات، بل فيها إضافة معنى جديد، وهو أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) قام بهذا الوضع بنفسه من دون أن يكون الوحي قد أتى بشيء، وهذا يعني أنّه ليس ناقلًا للحكم الشرعيّ فقط أو مجرّد مقترح على الله، بحيث يكون الله هو المشرّع حصرًا، بل هو (صلى الله عليه وآله وسلم) مشرّع أيضًا، نعم هذا لا يتنافى مع كون التشريع بإذن الله وإجازته، وبالتالي فثبوت وإعمال هذا الحقّ له (صلى الله عليه وآله وسلم) يكون مفروغًا عنه.

5- الرواية الخامسة: جاء في الكافي في صحيحة فُضَيْلِ بْنِ يَسَار[29] قَالَ: "سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ لِبَعْضِ أَصْحَابِ قَيْسٍ الْمَاصِرِ: «إِنَّ اللَّهَ (عزّ وجلّ) أَدَّبَ نَبِيَّهُ فَأَحْسَنَ أَدَبَهُ فَلَمَّا أَكْمَلَ لَهُ الْأَدَبَ قَالَ: (إِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ‏)[30] ثمّ فَوَّضَ إليه أمر الدِّينِ وَالأمّة لِيَسُوسَ عِبَادَهُ فَقَالَ (عزّ وجلّ): (ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا)[31] وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) كَانَ مُسَدَّدًا مُوَفَّقًا مُؤَيَّدًا بِرُوحِ الْقُدُسِ لَا يَزِلُّ وَلَا يُخْطِئُ فِي شَيْ‏ءٍ مِمَّا يَسُوسُ بِهِ الْخَلْق،َ فَتَأَدَّبَ بِآدَابِ اللَّهِ، ثمّ إِنَّ اللَّهَ (عزّ وجلّ) فَرَضَ الصَّلَاةَ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ، فَأَضَافَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الرَّكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ وَإِلَى الْمَغْرِبِ رَكْعَةً، فَصَارَتْ عَدِيلَ الْفَرِيضَةِ- لَا يَجُوزُ تَرْكُهُنَّ إِلَّا فِي سَفَرٍ، وَأَفْرَدَ الرَّكْعَةَ فِي الْمَغْرِبِ فَتَرَكَهَا قَائِمَةً فِي السَّفَرِ والْحَضَرِ، فَأَجَازَ اللَّهُ (عزّ وجلّ) لَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ فَصَارَتِ الْفَرِيضَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ رَكْعَةً، ثمّ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) النَّوَافِلَ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً مِثْلَيِ الْفَرِيضَةِ، فَأَجَازَ اللَّهُ (عزّ وجلّ) لَهُ ذَلِكَ، وَالْفَرِيضَةُ وَالنَّافِلَةُ إِحْدَى وَخَمْسُونَ رَكْعَةً، مِنْهَا رَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعَتَمَةِ جَالِسًا تُعَدُّ بِرَكْعَةٍ مَكَانَ الْوَتْرِ، وَفَرَضَ اللَّهُ فِي السَّنَةِ صَوْمَ شَهْرِ رَمَضَانَ، وَسَنَّ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) صَوْمَ شَعْبَاَن وَثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فِي كلّ شَهْرٍ مِثْلَيِ الْفَرِيضَةِ، فَأَجَازَ اللَّهُ (عزّ وجلّ) لَهُ ذَلِكَ، وَحَرَّمَ اللَّهُ (عزّ وجلّ) الْخَمْرَ بِعَيْنِهَا وَحَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) الْمُسْكِرَ مِنْ كلّ شَرَابٍ، فَأَجَازَ اللَّهُ لَهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، وَعَافَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أَشْيَاءَ وَكَرِهَهَا، وَلَمْ يَنْهَ عَنْهَا نَهْيَ حَرَامٍ إنّما نَهَى عَنْهَا نَهْيَ إِعَافَةٍ وَكَرَاهَةٍ، ثمّ رَخَّصَ فِيهَا؛ فَصَارَ الْأَخْذُ بِرُخَصِهِ‏[32] وَاجِبًا عَلَى الْعِبَادِ كَوُجُوبِ مَا يَأْخُذُونَ بِنَهْيِهِ وَعَزَائِمِهِ، وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فِيمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ نَهْيَ حَرَام،ٍ وَلَا فِيمَا أمر بِهِ أمر فَرْضٍ لَازِمٍ، فَكَثِيرُ الْمُسْكِرِ مِنَ الْأَشْرِبَةِ نَهَاهُمْ عَنْهُ نَهْيَ حَرَامٍ لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ لِأَحَدٍ، وَلَمْ يُرَخِّصْ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) لِأَحَدٍ تَقْصِيرَ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ضَمّهما إلى مَا فَرَضَ اللَّهُ (عزّ وجلّ)، بَلْ أَلْزَمهمّ ذَلِكَ إِلْزَامًا وَاجِبًا لَمْ يُرَخِّصْ لِأَحَدٍ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا لِلْمُسَافِرِ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُرَخِّصَ شَيْئًا مَا لَمْ يُرَخِّصْهُ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فَوَافَقَ أمر رَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر اللَّهِ (عزّ وجلّ) وَنَهْيُهُ نَهْيَ اللَّهِ (عزّ وجلّ) وَوَجَبَ عَلَى الْعِبَادِ التَّسْلِيمُ لَهُ كَالتَّسْلِيمِ لِلَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى»[33].
هذه الرواية تثبت أنّ الله (عزّ وجلّ) فوّض إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الدين والأمّة ليسوس عباده، والدين معنى شاملٌ لمفردات كثيرة، لا شكّ في أنّ من أبرزها الأحكام الشرعيّة، كفرض الواجبات وتحريم المحرّمات، وبالتالي فالرواية صريحةٌ في تفويض أمر التشريع بهذا المعنى إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، إضافةً إلى تفويض الأمور التدبيريّة المرتبطة به بوصفه قائدًا وحاكمًا وإمامًا يسوس الأمّة والعباد، وممّا يزيد الأمر وضوحًا أنّ التشريع الصحيح وقيادة الأمّة الصائبة يتوقّفان على معرفة المصالح والمفاسد الواقعيّة وعدم الخطأ في ذلك؛ لذا أكّد (عليه السلام) في الرواية أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مسدّدٌ موفّق مؤيّد بروح القدس لا يزلّ ولا يخطئ. ولئلّا يبقى أيّ شكٍّ وريبٍ في ثبوت التفويض في التشريع للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بيّن (عليه السلام) نماذج ممّا شرعه النبيّ استنادًا إلى الحقّ الذي أعطاه الله له، وذلك بزيادة بعض الركعات على بعض الفرائض اليوميّة، وبتشريع النوافل اليوميّة والصوم المستحبّ في بعض الأيّام، وبتحريم المسكر غير الخمر، وقد أجاز الله ذلك كلّه له. وشدّد (عليه السلام) على وجوب الالتزام بما شرّعه الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ وذلك لئلّا يتوهّم أحدٌ أنّه ليس لتشريعاته (صلى الله عليه وآله وسلم) صفة الإلزام كما هو الحال في تشريعات الله (عزّ وجلّ). وختم (عليه السلام)بالتأكيد على موافقة أمر رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) لأمر الله (عزّ وجلّ)، وعلى وجوب التسليم لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، كما هو الحال في التسليم لله (عزّ وجلّ).

إشكالات وأجوبة:
1- الإشكال الأول: قد يُقال: إنّ الرواية تقول: «فأجاز الله (عزّ وجلّ) له ذلك»، ومن المحتمل أنّ هذا الكلام إشارةٌ إلى أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) كان يقدّم الاقتراحات، في حين أنّ المشرّع الحقيقيّ هو الله (عزّ وجلّ) لا النبيّ، وإلّا لما احتاج إلى إجازة، بل لما احتاج إلى تكرّر الإجازة في كلّ تشريع على حدة كما ذكرت الرواية.

والجواب:
أوّلًا: أنّ الرواية نصٌّ صريحٌ في أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فُوِّض إليه أمر الدين، وبالتالي لو احتملنا - مجرّد احتمال - أن يكون قوله (فأجاز الله) إشارةً إلى معنى آخر، فلا قيمة لهذا الاحتمال بعد التصريح في الصدر.
ثانيًا: لا يبعد أنْ يكون قوله (فأجاز الله) إشارةً إلى أنّ النبيّ لا يقوم بفعله بوصفه مشرّعًا مستقلًّا عن الله، بل إنّ تشريعه في طول تشريع الله وبإذنه؛ ولذا فهو بإجازة من الله.
ثالثًا: يُحتمل أنْ تكون إجازة الله تأكيدًا على أنّ للنبيّ حقّ التشريع، وبالتالي فيجب على الأمّة إطاعته واتّباعه؛ لأنّ ما يشرّعه (صلى الله عليه وآله وسلم) هو شرع الله (عزّ وجلّ) لأنّه بإجازته.
رابعًا: أنّ الروايتين الثالثة والرابعة تصرّحان بأنّ النبيّ شرّعَ بعض الأحكام، كوضع ديّة العين والنفس وتحريم النبيّذ وكلّ مسكر، ولم تتعرّض لمسألة الإجازة، بل صُرِّح في الرابعة أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) شرّع هذه الأحكام من غير أنْ يكون قد جاء فيها شيءٌ (أي من عند الله)، وهذا له مدخليّة في فهم ما يراد من الإجازة هنا.
خامسًا: حتّى لو فرضنا أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بحاجة إلى إمضاءٍ وتجويزٍ نهائيّ من الوحي لما يشرعه، فهذا لا ينفي أصل كونه مشرّعًا، بل يثبته، وإنْ احتاج إلى ضمّ الإمضاء، بحيث يكون تتميمًا أو تأكيدًا من الوحي لما قام به من تشريع.
سادسًا: ثمّة روايات ميّزت على مستوى الحكم بين ما شرّعه الله (عزّ وجلّ)، وما شرّعه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فلو كان النبيّ مجرّد مقترِحٍ والله هو المشرّع، فهذا يعني أنّ كلّ الأحكام مشرّعة من الله، وسيكون التفريق بين هذه التشريعات على مستوى الأحكام لغوًا وغير صحيح، ولا يكون معنى للاثنينيّة، وبالتالي ما ورد في الروايات من أنّ ما شرّعه الله لا ينبغي أنْ يتطرّق إليه الوهم بخلاف ما شرّعه النبيّ لن يكون له محصّل.

ورد في صحيحة زُرَارَةَ[34] عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: «عَشْرُ رَكَعَاتٍ رَكْعَتَانِ مِنَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَانِ مِنَ الْعَصْرِ وَرَكْعَتَا الصُّبْحِ وَرَكْعَتَا الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَا الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ لَا يَجُوزُ الْوَهْمُ‏ فِيهِنَّ‏ مَنْ وَهَمَ فِي شَيْ‏ءٍ مِنْهُنَّ اسْتَقْبَلَ الصَّلَاةَ اسْتِقْبَالًا وَهِيَ الصَّلَاةُ الَّتِي فَرَضَهَا اللَّهُ (عزّ وجلّ) عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْقُرْآنِ، وَفَوَّضَ إلى محمّد (صلى الله عليه وآله وسلم)، فَزَادَ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فِي الصَّلَاةِ سَبْعَ رَكَعَاتٍ هِيَ سُنَّةٌ لَيْسَ فِيهِنَّ قِرَاءَةٌ، إنّما هُوَ تَسْبِيحٌ وَتَهْلِيلٌ وتَكْبِيرٌ وَدُعَاءٌ، فَالْوَهْمُ إنّما يَكُونُ فِيهِنَّ، فَزَادَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فِي صَلَاةِ الْمُقِيمِ غَيْرِ الْمُسَافِرِ رَكْعَتَيْنِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ والْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَرَكْعَةً فِي الْمَغْرِبِ لِلْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ»[35].
وورد أيضًا في صحيحة زُرَارَةَ[36] عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: «لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ إِلَّا مِنْ‏ خَمْسَةٍ: الطَّهُورِ وَالْوَقْتِ وَالْقِبْلَةِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ، ثمّ قَالَ (عليه السلام) الْقِرَاءَةُ سُنَّةٌ، وَالتَّشَهُّدُ سُنَّةٌ، وَالتَّكْبِيرُ سُنَّةٌ، وَلَا يَنْقُضُ السُّنَّةُ الْفَرِيضَةَ»[37]. وعليه فثبوت هذه الثنائيّة في تفاصيل الأحكام يؤكّد الثنائيّة في التشريع وتعدّد المشرّع.

2- الإشكال الثاني: وقد يُقال: حتّى لو أضاف النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أجزاء على العبادة كما فعل في الصلاة، ولكن من أين يُعلم أنّه قد وضعها من لدن نفسه؟ بل لعلّ الله (عزّ وجلّ) ألهمه إيّاها، ثمّ هو قام بابلاغ الأمر إلى الناس.

والجواب: هذا خلاف ظاهر الرواية من أن الفعل فعله (صلى الله عليه وآله وسلم)، هذا أوّلًا. وثانيًا: هذا الاحتمال لا ينسجم مع بعض المضامين الواردة في النصّ، فقد ورد فيه أنّ ما أضافه النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) صار عديلًا للفريضة، فهو إذًا شيء غير فريضة الله، ولا ينسجم أيضًا مع قوله (فأجاز الله)؛ إذ لو كان ما أضافه النبيّ هو تبليغ لما ألهمه الله إيّاه، فلا معنى للإجازة، إذ ما معنى أن يجيز الله تشريع نفسه؟!!
3- الإشكال الثالث: أنّه قد ورد في بعض الأخبار أنّ عبد المطلب سنّ خمس سُننٍ في الجاهليّة، وقد أمضاها الله (عزّ وجلّ) له في الإسلام، ومعلوم أنّ عبد المطلب ليس له حقّ التشريع، فلو كان إمضاء الله اقتراحات النبيّ تجعله مشرّعًا، فهذا يعني أنّ عبد المطلب مشرّعٌ أيضًا مع أنّه باطل اتّفاقًا، فقد ورد عَنِ النبيّ[38] (صلى الله عليه وآله وسلم) أَنَّهُ قَالَ فِي وَصِيَّتِهِ: «يَا عَلِيُّ، إِنَّ عَبْدَ الْمُطَّلِبِ‏ سَنَّ‏ فِي الْجَاهِلِيّة خَمْسَ سُنَنٍ أَجْرَاهَا اللَّهُ لَهُ فِي الإسلام، حَرَّمَ نِسَاءَ الْآبَاءِ عَلَى الْأَبْنَاءِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ‏ (عزّ وجلّ):(وَلا تَنْكِحُوا ما نَكَحَ آباؤُكُمْ مِنَ النِّساءِ)[39]، وَوَجَدَ كَنْزًا فَأَخْرَجَ مِنْهُ الْخُمُسَ وَتَصَدَّقَ بِهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ (عزّ وجلّ): (وَاعْلَمُوا إنّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ‏) الْآية[40]، وَلَمَّا حَفَرَ زَمْزَمَ سَمَّاهَا سِقَآية الْحَاجِّ فَأَنْزَلَ اللَّهُ:‏ (أَجَعَلْتُمْ سِقآية الْحاجِّ وَعِمارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)[41] الْآية، وَسَنَّ فِي الْقَتْلِ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ فَأَجْرَى اللَّهُ (عزّ وجلّ) ذَلِكَ فِي الإسلام وَلَمْ يَكُنْ لِلطَّوَافِ عَدَدٌ عِنْدَ قُرَيْشٍ فَسَنَّ فِيهِمْ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ سَبْعَةَ أَشْوَاطٍ، فَأَجْرَى اللَّهُ ذَلِكَ فِي الإسلام»[42].

والجواب: ثمّة فرق بين المقامين؛ لأّنّ الرواية تنصُّ على أنّ الله (عزّ وجلّ) قد فوّض للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أمر الدين، ثمّ شرّع النبيّ، ثمّ أمضى الله تشريعه، بينما لم يكن عبد المطلب مفوّضًا إليه، وبالتالي فلا قابليّة له في فعله أنْ يكون مشرّعًا. نعم، لو كان عبد المطلب مفوَّضًا ثمّ أمضى الله ما سنّه لصدق عليه أنّه مشرّع.
4 - الإشكال الرابع: وقد يشكل على استفادة تفويض التشريع إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) من الرواية استنادًا إلى ما ورد فيها من زيادته بعض الركعات بأن: "هذه الإضافة كانت بعد استدعائه من اللّه تعالى وقبوله سبحانه لذلك، وليس ضمّ شي‌ء بعد استدعاء ضمّه من اللّه وقبوله وإمضائه، من باب جعل الأحكام وتشريعه من عند نفسه، وكون الأمر مفوّضًا إليه، ولو كانت هذه الإضافة من قبيل التفويض الواقعيّ، لما احتاجت إلى إمضاء اللّه تعالى وإنفاذه، والحال أنّه نصّ في بعض الروايات على إجازة اللّه لذلك"[43].

والجواب: لا يوجد في النصّ ما يدلّ أو يشير إلى أنّ الإضافة كانت باستدعاء من الله (عزّ وجلّ)، بل الظاهر أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) فعل ذلك ابتداءً، وأمّا تنافي التفويض مع الإمضاء، فقد تقدّم الجواب عليه.

5- الإشكال الخامس: وقد يشكل أيضًا بأنّ "ما ورد في الأخبار من التعبير بتفويض أمر الدين إلى النبيّ والأئمّة (عليهم السلام)، فمعناه أنّهم حافظون لشؤون الدين وأمناء اللّه على حدود اللّه وحلاله وحرامه وأوامره ونواهيه"[44].
والجواب: أنّ هذا المعنى لا ينسجم مع السياق، وذلك يتّضح بملاحظة أنّ ما تمّ تفريعه في الرواية على تفويض الدين هو مسألة الزيادة على الصلوات لا شيء آخر، وبالتالي فالظاهر أنّ المراد من التفويض هو التشريع لا الحفظ.
6- الإشكال السادس: وقد يُقال إنّ التفويض بمعنى أنّ إرادة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) تُعدّ تمهيدًا للتشريع الإلهيّ، لكن مصدر التشريع الحقيقيّ هو إرادة الله (عزّ وجلّ)، بمعنى أنّ إرادة الله تتعلّق بما تعلّقت به إرادة النبيّ، وهذا ما يمكن ان نحمل عليه عبارات (فرض النبيّ) الواردة في الروايات.
والجواب: إنْ كان المقصود أنّ إرادة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) التشريعيّة تقع في طول إرادة الله (عزّ وجلّ) وليست مستقلّةً عنها، فهذا صحيحٌ ولا يتنافى مع كونه (صلى الله عليه وآله وسلم) مشرّعًا بإذن الله، وإنْ كان المراد أنّ النبيّ مجرّد مُقترِح، فقد تقدّم الجواب عن ذلك.

ثالثًا: هل فوض الله للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حقّ التشريع مطلقًا؟
ثمّة جهتان يمكن تسليط الضوء عليهما هنا؛ إذ تارةً نتحدّث عن التفويض المطلق، أي حقّ التشريع الشامل بمعنى أنّ الله (عزّ وجلّ) قد أوكل إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) عمليّة التشريع بتمامها، وأخرى نتحدّث عن إطلاق في التفويض، بمعنى أنّ له أنْ يُشارك في كلّ مجالات التشريع.

أمّا بالنسبة إلى الجهة الأولى، أي حقّ التشريع الشامل، فمن المقطوع به أنّه لم يكن له مثل هذا الحقّ؛ لوجود تشريعات كان يبلّغها عن الله (عزّ وجلّ) للناس، وكان دوره (صلى الله عليه وآله وسلم) هو التبليغ والبيان فقط، بل أكثر الأحكام الشرعيّة من هذا القبيل.
وأمّا بالنسبة للجهة الثانية، أي الإطلاق في التفويض، بمعنى أنّ له أنْ يُشارك في كلّ مجالات التشريع، فلا دليل على أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) له مثل هذا الحقّ أيضًا، أو على الأقلّ أنّه لم يمارس هذا الحقّ على فرض ثبوته؛ وذلك لأنّه وإنْ كان هناك روايات ظاهرها التفويض المطلق كما في صحيحة فضيل المتقدّمة، ولكن بقرينة ما ورد في الروايات الأخرى التي دلّت على وجود كثيرٍ من الوقائع، وخاصّة المهمّة منها التي كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ينتظر نزول الوحي فيها لبيان التكليف، نستفيد عدم وجود هذه الصلاحيّة له، إذ لو كانت صلاحيّاته مطلقةً تشمل مثل هذه الموارد، فلِمَ لم يبادر إلى التصرّف بنفسه من دون انتظار الوحي؟

مثلًا قد دلّت الآية الشريفة: (قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ...)[45] على انتظاره لحكمه تعالى في مسألة القبلة، فلو كان الأمر مفوّضًا إليه (صلى الله عليه وآله وسلم)، لما احتاج إلى ذلك. وورد في صحيحة[46] محمّد بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: «إِنَّ الْيَهُودَ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) فَقَالُوا: انْسُبْ‏ لَنَا رَبَّكَ. فَلَبِثَ ثَلَاثًا لَا يُجِيبُهُمْ، ثمّ نَزَلَتْ‏ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) إلى آخِرِهَا»[47].

ومن المؤيّدات ما روي عَنْ الصادق (عليه السلام):«أَنَّهُ سُئِلَ‏ عَنِ الْخِيَارِ فَقَالَ: إِنَّ زَيْنَبَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَا تَعْدِلُ واَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وَقَالَتْ حَفْصَةُ: لَوْ طَلَّقَنَا لَوَجَدْنَا [فِي قَوْمِنَا] أَكْفَاء، فَأَنِفَ اللَّهُ (عزّ وجلّ) لِرَسُولِهِ وَاحْتَبَسَ الْوَحْيُ‏ عَنْهُ عِشْرِينَ يَوْمًا، ثمّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ‏: (يا أَيُّهَا النبيّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ‏ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها إلى [إلى قوله تعالى]‏ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا)[48]، فَاعْتَزَلَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً فِي مَشْرَبَةِ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ‏[49]، ثمّ دَعَاهُنَّ فَخَيَّرَهُنَّ فَاخْتَرْنَهُ، وَلَوِ اخْتَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ لَكَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً»[50].

وعليه فبإضافة هذه الروايات إلى الروايات التي أثبتت له حقّ التشريع وأثبتت إعماله لهذا الحقّ نستنتج أن له دائرةً معيّنةً، له حقّ التشريع فيها.

ما هي حدود دائرة حقّ التشريع الثابت للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)؟
الأمر غير واضح المعالم بشكل دقيق، ولكن ممّا لا شكّ فيه أنّ تشريعاته ينبغي أنْ تُحدّ بحدود، ومنها:
- ألّا تتعارض مع القرآن الكريم، وهذا ما يمكن أن يفهم من النصوص الدالّة على عرض السنّة على القرآن، فقد ورد في صحيحة أَيُّوبَ بْنِ الْحُرِّ[51] قَالَ سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) يَقُولُ‏: «كُلُّ شَيْ‏ءٍ مَرْدُودٌ إلى الْكِتَابِ والسنّة وكُلُّ حَدِيثٍ لَا يُوَافِقُ كِتَابَ اللَّهِ فَهُوَ زُخْرُفٌ»[52]، ويؤيّده ما ورد في رواية هِشَامِ بْنِ الْحَكَمِ[53] عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: «خَطَبَ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بِمِنًى فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ مَا جَاءَكُمْ عَنِّي يُوَافِقُ كِتَابَ اللَّهِ فَأَنَا قُلْتُهُ وَمَا جَاءَكُمْ يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ فَلَمْ أَقُلْهُ»[54]، إذًا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ينفي بشكل صريح إمكان أنْ يصدر منه ما يخالف القرآن، وعليه فهذه الدائرة تكون خارج صلاحيّاته التشريعيّة.

- ألّا تحلّ حرامًا حرّمه الله، ولا تحرّم حلالًا أحلّه الله، فقد ورد عن الإمام الرضا (عليه السلام): «... رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَمْ‏ يَكُنْ‏ لِيُحَرِّمَ‏ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَلَا لِيُحَلِّلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَلَا لِيُغَيِّرَ فَرَائِضَ اللَّهِ وَأحكامهُ... »[55].

- ألّا تكون من القضايا الكبرى المصيريّة كما في قضيّة تغيير القبلة.
إذًا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) يتحرك في الدائرة التي لم يكن لله (عزّ وجلّ) فيها تشريع، أو بما لا يتنافى مع تشريعه على فرض وجوده.
وإضافة إلى ذلك يمكن أن يُلاحظ أنّ تصدّي النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) للتشريع بنفسه لم يكن أمرًا شائعًا ولا معهودًا؛ لذا كان محلًّا لاستغراب وتعجّب بعض مَن علم بصدور بعض التشريعات منه (صلى الله عليه وآله وسلم) بلا استناد إلى الوحي كما تقدّم في الرواية الرابعة «... فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَضَعَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ جَاءَ فِيهِ شَيْ‏ءٌ قَالَ نَعَمْ... »، وهذا قد يؤيّد فكرة أنّ تشريع النبيّ إنّما كان في موارد جزئيّة محدودة وضيّقة.

رابعًا: أدلّة النافين للولاية التشريعيّة
الدليل الأوّل: آيات القرآن الكريم وروايات الأئمّة المعصومين (عليهم السلام)
هناك آياتٌ ورواياتٌ تدلّ على أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) هو وساطةٌ في الوحي ومبلِّغٌ فقط، ولا شأن له فيما وراء ذلك قال تعالى: (قُلْ إنّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى‏ إِلَيَّ)[56]، و(إِنَّما أَتَّبِعُ ما يُوحى‏ إِلَيَّ مِنْ رَبِّي)[57]، و(إِنْ أَتَّبِعُ إِلاَّ ما يُوحى‏ إِلَيَّ)[58]. وورد عن الإمام الرضا (عليه السلام): «... رَسُولَ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) لَمْ‏ يَكُنْ‏ لِيُحَرِّمَ‏ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَلَا لِيُحَلِّلَ مَا حَرَّمَ اللَّه،ُ وَلَا لِيُغَيِّرَ فَرَائِضَ اللَّهِ وَأحكامهُ، كَانَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُتَّبِعًا مُسَلِّمًا مُؤَدِّيًا عَنِ اللَّهِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ‏ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى‏ إِلَيَ... »[59].

ويمكن مناقشة الاستدلال بالآيات بأنّها ليست بصدد بيان الحصر الحقيقيّ، وأنّ دور النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) منحصرٌ بتلقّي الوحي؛ لأّنّ في القرآن آيات عديدة تبيّن أنّ له أدوارًا أخرى كتزكية الناس: (هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمهمّ الْكِتابَ والْحِكْمَةَ)[60]، والحكم بما أنزل الله: (إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ)[61]، وإقامة العدل: (وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ)[62]، وغير ذلك. وعليه فلا ينفع الاستدلال بهذه الآيات لنفي كلّ دور ما عدا تلقّي الوحي عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) ومنه التشريع؛ لأّنّ هذا المعنى لا يستقيم بعد ملاحظة سائر الآيات التي يفسّر بعضها بعضًا.
ثمّ إنّه حتّى لو سلّمنا جدلًا بأنّ هذه الآيات تفيد انحصار دوره بتلقّي الوحي واتّباعه فما المانع من أن يكون قد أُوحيَ إليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أنّ له حقّ التشريع، فيكون إعماله لهذا الحقّ اتّباعًا للوحي؟

وأمّا الرواية عن الرضا (عليه السلام) فتدلّ على أنّه ليس للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أن ينقض ويلغي أحكام الله الصادرة، لا أنّه ليس له أن يشرع في طول تشريعات الله وبإذنه؛ لأنّه في ذلك يكون متّبعًا ما يوحى إليه، ولعلّه من ضمن ما أوحي إليه أنّ له حقّ في التشريع، فيكون استعمال هذا الحقّ من النبيّ اتّباعًا لما أوحي إليه.

الدليل الثاني: انتظار نزول الوحي
نقل أنّه في بعض المواطن كان الناس يطلبون من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بيان حكم بعض الأمور، ومع ذلك كان النبيّ يتمهّل في الإجابة إلى أنْ ينزل الوحي، بل ربما كان للنبيّ رغبةٌ في شيءٍ ما، ومع ذلك لم يكن ليقدم على أي فعلٍ بانتظار الوحي، فلو كان له حقّ التشريع لما انتظر نزول الوحي.

ففي تفسير القمّيّ: "أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا يُعَيِّرُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ أَنْتَ تَابِعٌ لَنَا تُصَلِّي إلى قِبْلَتِنَا، فَاغْتَمَّ مِنْ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ(صلى الله عليه وآله وسلم) غَمًّا شَدِيدًا، وخَرَجَ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ يَنْظُرُ فِي آفَاقِ السَّمَاءِ، يَنْتَظِرُ بِأَمْرِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي ذَلِك"‏[63]، وأشارت إلى ذلك الآية(قَدْ نَرى‏ تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها فَوَلِّ...) [64].
وورد عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إنَّ اللَّهَ (عزّ وجلّ) حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّماواتِ والْأَرْضَ‏ وَلا يُخْتَلَى خَلَاهَا وَلا يُعْضَدُ شَجَرُهَا ولَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا وَلَا يُلْتَقَطُ لُقَطَتُهَا إِلَّا لِمُنْشِدٍ، فَقَامَ إليه الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِلَّا الْإِذْخِرُ[65] فإنّه لِلْقَبْرِ وَلِسُقُوفِ بُيُوتِنَا، فَسَكَتَ[66] رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) سَاعَةً، وَنَدِمَ الْعَبَّاسُ عَلَى مَا قَالَ، ثمّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): إِلَّا الْإِذْخِرُ»[67].
وفي مستدرك الوسائل عَنْ الصادق (عليه السلام): «أَنَّهُ سُئِلَ‏ عَنِ الْخِيَارِ، فَقَالَ إِنَّ زَيْنَبَ قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم): لَا تَعْدِلُ وأَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وَقَالَتْ حَفْصَةُ: لَوْ طَلَّقَنَا لَوَجَدْنَا [فِي قَوْمِنَا] أَكْفَاءً فَأَنِفَ اللَّهُ (عزّ وجلّ) لِرَسُولِهِ وَاحْتَبَسَ الْوَحْيُ‏ عَنْهُ عِشْرِينَ يَوْمًا، ثمّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ‏ (يا أَيُّهَا النبيّ قُلْ لِأَزْواجِكَ إِنْ‏ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَياةَ الدُّنْيا وَزِينَتَها[إلى قوله تعالى] مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا)[68] فَاعْتَزَلَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ (صلى الله عليه وآله وسلم) تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً فِي مَشْرَبَةِ أُمِّ إِبْرَاهِيمَ‏[69] ثمّ دَعَاهُنَّ فَخَيَّرَهُنَّ فَاخْتَرْنَهُ، وَلَوِ اخْتَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ لَكَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً»[70].

ويُلاحَظ على هذا الدليل:
أوّلًا: المدّعى لا يدلّ على المطلوب؛ إذ المطلوب إثباته هو نفي أصل استحقاق التشريع من رأس، والمدّعى أخصّ من ذلك؛ لأنّ عدم تشريعه في بعض الموارد أقصى ما يمكن أن يدلّ عليه هو أنّه ليس له حقّ التشريع الشامل، وهذا لا يتنافى مع ثبوت حقّ التشريع له جزئيًّا، فلعلّ للنبيّ دائرة خاصّة له حقّ التشريع فيها، وهذه الموارد التي يُستدلّ بها هنا ليست من ضمن دائرته المجاز له فيها، فلا يدلّ ذلك على عدم ثبوت أصل حقّ التشريع له.
ثانيًا: نحتمل أنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أُعطيَ حقّ التشريع بعد المدّة الأولى من البعثة، فقد ورد في الرواية: «إنّ الله أدّب نبيّه فأحسن أدبه، فلمّا أكمل الأدب قال: (إنّك لعلى خلق عظيم)، ثمّ فوض إليه أمر الدين ليسوس عبادة»، فالرواية ظاهرها أنّه (صلى الله عليه وآله وسلم) كان نبيًّا، ومع كونه كذلك فقد أدّبه الله وأكمل الأدب له، ثمّ فوض إليه أمر الدين، وعليه فهناك فترة كان فيها نبيًّا لم يكن قد فوّض إليه أمر الدين، وهي فترة ما قبل إكمال الأدب.

لا يقال إنّ المقصود هو تأديب النبيّ وإكمال أدبه قبل كونه نبيًّا، فلما بعث نبيًّا كان قد كمل الأدب، وإنّما أطلق عليه لفظ (النبيّ) بملاحظة حاله الفعليّ لا السابق؛ لأنّ هذا المعنى وإنْ كان محتملًا، ولكن يبعّده أنّ الرواية تقول إنّه لمّا كمل الأدب نزل قوله (إنّك لعلى خلق عظيم)، ثمّ بعد ذلك فوّض إليه، ومن المعلوم أنّه قبل نزول هذه الآية كانت هناك آيات كثيرة قد نزلت، وكان النبيّ مشتغلًا بتبليغ رسالات ربّه، وعليه فهناك مدّة كان فيها نبيًّا مبلّغًا هاديًا مرشدًا للناس، ومع ذلك لم يكن قد فوّض إليه الأمر.
ثالثًا: لا بدّ من تتبّع هذه الموارد، فهل هي شؤون مرتبطة بالفقه والتشريع ومع ذلك كان النبيّ يتمثّل نزول الوحي أم كانت من قبيل الأمور الاعتقاديّة أم التكوينيّة التي هي خارج محلّ الكلام في بحثنا؟ وهذا يحتاج إلى دراسة مستقلّة. الدليل الثالث: القرآن الكريم تبيانٌ لكلّ شيء

ورد في القرآن الكريم أنّ القرآن تبيان لكلّ شيء: (ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى‏ لِلْمُسْلِمينَ)[71]، وعليه فجميع الأحكام الشرعيّة التي تحتاجها البشريّة موجودة في القرآن، ومعه يفقد الفراغ القانونيّ معناه، فلا يبقى مجال لتشريع النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وبناءً عليه فما هي التشريعات الجديدة التي سيأتي بها النبيّ؟! فإمّا أنْ ينقض ما جاء في القرآن وقد بيّنا أنّه لا حقّ له في ذلك، وهو لا يفعل ولم يفعل ذلك، وإمّا أن يأتي بشيء ليس موجودًا في القرآن، وهذا خلاف كون القرآن تبيانًا لكلّ شيء.

ويُلاحظ عليه:
أوّلًا: لا تنافي بين كون القرآن تبيانًا لكلّ شيء وبين كون حقّ التشريع ثابتًا للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لأنّ إعطاء هذا الحقّ للنبيّ لا تنحصر فائدته بالتشريع، بل له فوائد أخرى، منها إثبات شموخ مقام الرسول الأكرم وعلوّ منزلته، بحيث كان مؤهّلًا لهذا المنصب الخطير.

ثانيًا: لا تنافي بين كون القرآن تبيانًا لكلّ شيء وبين صدور التشريع منه (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ لأنّه لا يبعد أن يكون القرآن تبيانًا بضميمة ما أمر به نفس القرآن من لزوم الأخذ بأوامر النبيّ والانتهاء عن نواهيه:(ما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا)[72]، وإلّا فمن الواضح أنّ هناك كثيرًا من الأحكام الشرعيّة بصورتها التفصيليّة غير موجودة في القرآن. نعم، بما أنّ القرآن قد بيّن طريقة الوصول إليها من خلال طاعة الرسول، فيكون قد بيّن هذه الأحكام، فيصحّ أن يُقال إنّه تبيان لكلّ شيء، فلا يكون هناك تنافٍ بين الآية وبين تشريع النبيّ، بل يكون بينهما تمام الانسجام والملائمة.

وهناك احتمال آخر أنْ يكون القرآن تبيانًا لكلّ شيء، ولكن ليس بنحوٍ واحد، بل هناك أشياء تمّ بيانها بطريقةٍ واضحةٍ تفصيليّة، وهناك أمور لم تبيّن كذلك، وإنّما تُستفاد من قواعد وأسرار موجودة في القرآن الكريم لا يعلمها إلّا النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وعليه فهو يخرج هذه التشريعات بصورتها التفصيليّة النهائيّة ممّا استودعه الله إيّاه من أسرار في الكتاب، ويمكن أنْ يؤيّد هذا المعنى ما ورد من أنّ الله بيّن لنبيّه كلّ ما تحتاجه الأمّة إلى يوم القيامة، فقد جاء في رواية عمر ابن قيس[73] عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ (عليه السلام) قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وتَعَالَى لَمْ يَدَعْ شَيْئًا تَحْتَاجُ إليه الأمّة إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إِلَّا أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ وبَيَّنَهُ لِرَسُولِهِ (وَجَعَلَ لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ حَدًّا وَجَعَلَ‏ عَلَيْهِ‏ دَلِيلًا يدلّ عَلَيْهِ) وَجَعَلَ عَلَى مَنْ تَعَدَّى الْحَدَّ حَدًّا»[74]، وعلى هذا الاحتمال أيضًا يكون النبيّ مشرّعًا بهذا النحو، فهو وإنْ استند إلى أسرار وقواعد خاصّة، ولكن التشريع النهائيّ يستند إليه (صلى الله عليه وآله وسلم).
لكن يبقى هنا تأمل حاصله أنّ النبيّ بذلك قد يكون فقط مبلغًا ومفسّرًا لما شرّعه الله، لا أنّه هو المشرّع، إذ إنّ الحكم الذي أخرجه لنا بصورته النهائيّة كان قد علّمه الله إيّاه على صورة أسرار ورموز لا نفهمها نحن، ولكن هو يفهمها ويترجمها لنا بصورة تتناسب مع إدراكنا، مع الالتفات إلى أنّ هذا التأمّل إنّما يأتي في ما شرّعه النبيّ بعد نزول الآية وبعد أن بيّن الله له كلّ شيء، لا قبله.
ثالثًا: إنّ كون القرآن تبيانًا لكلّ شيء لا يتنافى مع صدور تشريع من النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل نزول هذه الآية، وقبل اكتمال نزول القرآن، إذ قبل نزوله بتمامه هناك أشياء لم تكن قد بُيّنت، وفي هذه المساحة يمكن أن تقع تشريعات النبيّ من دون أيّ إشكال، والكلام نفسه يأتي في مسألة تبيان الله كلّ شيء تحتاجه الأمّة للنبيّ؛ إذ إنّه من الممكن أنْ تكون تشريعاته (صلى الله عليه وآله وسلم) قد وقعت قبل أنْ يبيّن الله له كلّ شيء.

الدليل الرابع: ما ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يُوحى
قد يُقال إنّ هذه الروايات الدالة على التفويض تتعارض مع قوله تعالى:(وما ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى)[75]؛ فإنّ الآية ظاهرة في أنّ كلّ ما نطق به النبيّ هو وحيٌ وليس من عنده، فالروايات الدالّة على تشريع النبيّ من عنده لا بدّ أن تطرح بعد تعارضها مع القرآن؛ إذ كلّ ما صدر منه من تشريعات هو وحي.

والجواب: إنْ كان المدّعى أنّ كلّ ما ينطق به النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) مطلقًا هو وحي، فهذا واضح البطلان ومخالف للوجدان، إذ لا شكّ في أنّ النبيّ يتكلّم بكثيرٍ من الكلام العاديّ بما هو بشر. وإنْ كان المدّعى أنّ كلّ ما ينطق به من جهة دوره الرساليّ هو وحي، فهذا صحيح، ولكن هنا احتمالان:
الأوّل: أنْ يكون مرجع الضمير (هو) إلى القرآن لا إلى كلّ منطوق مرتبطٍ بالرسالة، وعلى هذا الاحتمال لا ينفع الاستدلال بالآية على المطلوب.
الثاني: أنْ يكون مرجع الضمير (هو) كلّ منطوقٍ مرتبطٍ بالرسالة، ويترتّب على هذا الاحتمال أنْ يكون كلّ تشريعٍ وحيًا، وهذا المعنى حتّى لو كان صحيحًا ولكن نقول إنّ الوحي ينقسم إلى قسمين:

1- وحي مباشر ينزل من السماء على قلب النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) بجميع تفاصيله وجزئيّاته.
2- ووحي غير مباشر وهو ما كان للوحي دور فيه على نحو تهيئة بعض المقدّمات أو إيجاد الشروط أو إمضاء ما يصدر من النبيّ، فعندما يبيّن الوحي للنبيّ المصالح والمفاسد الواقعيّة المرتبطة بتشريع الأحكام - مع ملاحظة أنّ معرفة هذه الأمور هي الركن الأساس في التشريع - هنا يكون تشريع المشرّع مستندًا إلى الوحي، فيصحّ تسميته وحيًا، وعندما يمضي الوحي ما شرّعه المشرّع، فهنا أيضًا يصحّ أن ننسب التشريع إلى الوحي.

الدليل الخامس: وما على الرسول إلّا البلاغ
ورد في القرآن قوله تعالى: (وما عَلَى‏ الرَّسُولِ‏ إِلاَّ الْبَلاغُ)[76] إضافة إلى آيات أخرى تحذّره (صلى الله عليه وآله وسلم) من استباق الوحي وتحذّره من اتّخاذ موقف دون الرجوع إلى الوحي، وبالتالي يُستفاد من ذلك انحصار وظيفته بالتبليغ، فلا صلاحيّة له للتشريع.
والجواب: هذا اللفظ ورد في آيتين أخريين: (قُلْ أطيعوا اللَّهَ وأطيعوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْهِ ما حُمِّلَ وعَلَيْكُمْ ما حُمِّلْتُمْ وإِنْ تُطيعُوهُ تَهْتَدُوا وما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبينُ)[77]، و(وإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وما عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلاغُ الْمُبينُ)[78].

أمّا الآية الأولى، فهي مسبوقةٌ ببيان مجموعةٍ من الأحكام الشرعيّة، ثمّ بعدها ذكر الله (عزّ وجلّ) الوعيد بالعقاب لمن عصاه بقوله: (اعلموا أنّ الله شديد العقاب)، والوعد بالمغفرة والرحمة لمن أطاعه وأناب إليه بقوله: (وإنّ الله غفور رحيم)، وفي هذا السياق أتى قوله: (ما على الرسول إلّا البلاغ)، وبالتالي فسياق هذه الآية بيان أنّ النبيّ ليس له ربط بدفع العقاب عن العاصين ولا بأنْ يحمل المكلّفين على الطاعة، فالناس هم المسؤولون عن أعمالهم، ووظيفته (صلى الله عليه وآله وسلم) في هذا المقام منحصرة بتبليغ الرسالة، وعليه فهذا الحصر ليس حصرًا حقيقيًّا وإنّما حصر إضافيّ نسبة إلى دفع العقاب أو الحمل على الطاعة، وبالتالي فليست الآية بصدد بيان أنّ وظيفة النبيّ منحصرة مطلقًا بالبلاغ ليكون فيها نفي للشريع.

وأمّا الآية الثانية، فقد وردت في سياق أمر الله (عزّ وجلّ) الناس بإطاعته وإطاعة الرسول، ثمّ رتّب اهتداءهم على إطاعتهم له (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي هذا السياق أتى قوله: (وما على الرسول إلّا البلاغ)، فيكون المعنى أنّ ما هو مطلوب من النبيّ هو الإبلاغ وهذا ما حمله هو، لا اهتداؤهم وهو ما حملوه هم، وهذا ما يتوقّف على طاعتهم، فليس عليه (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يجبر الناس على الهداية وتقبّل دعوته.

أمّا الآية الأخيرة فليس لها صلة بالنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، بل وردت على لسان إبراهيم (عليه السلام)، فإنّه بعد أن أقام الحجّة على قومه هدّدهم مبديًا لهم عدم اكتراثه فيما لو كذّبوه أو لم يستجيبوا له، فهو قد أدّى وظيفته الإلهيّة في إبلاغ الدعوة.

الدليل السادس: ليس لك من الأمر شيء
جاء في الآية الكريمة: (لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْ‏ءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)[79]، فهي تنفي أن يكون للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) شيء من الأمر، ولمّا كان حقّ التشريع شيئًا، فهو منفيٌّ عنه (صلى الله عليه وآله وسلم) بمقتضى الآية.

والجواب: إنْ كان المدّعى أن الآية تنفي أنّه ليس له من الأمر شيء على نحو الاستقلال، فهذا صحيح، فمن دون إذن الله ليس له حقّ تشريع ولا أيّ شيء آخر؛ إذ لا يخرج شيء في الوجود عن سلطان الله (عزّ وجلّ).
وإنْ كان المدّعى أنّ الآية تنفي أنّه ليس له من الأمر شيء حتّى بإذن الله، فهذه الدعوة غير صحيحة، إذ إنّ الآيات الشريفة نفسها تثبت أنّ له أشياء ككونه موحى إليه ومبلّغًا ومزكّيًا ومعلّمًا.

وأمّا إذا كان المدّعى أنّ الآية تنفي أنّه ليس له من الأمر شيء حتّى بإذن الله باستثناء ما ثبت له بالدليل، فيكون من قبيل الخاصّ بعد العامّ، فهنا نقول قد ثبت بالدليل أنّه مأذونٌ له في التشريع بمقتضى الروايات المتقدّمة، وهي صحيحة السند وصريحة الدلالة.

الدليل السابع: ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين
ورد في القرآن قوله (عزّ وجلّ): (ولو تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاويلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمين)[80]، وهذا ينفي أن يكون النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) قد قال شيئًا من عنده، وبالتالي لن يكون التشريع حقًّا له، فضلًا عن أن يكون قد صدر منه.

ويناقش بأنّ التقوّل يكون مع عدم الإذن، أمَا وقد ثبت إذن الله (عزّ وجلّ) له بالتشريع، فلا يكون الأخذ بهذا الحقّ تقوّلًا عليه، بل يكون إعمالًا لحقّ أعطاه الله (عزّ وجلّ) إيّاه. نعم، ما وراء ذلك يكون تقوّلًا، ولكنّه خارج عن محلّ النزاع؛ إذ لا شكّ في أنّه ليس لأحد التشريع بنحوٍ مستقلٍّ بلا إجازة من الله (عزّ وجلّ).

خاتمة:
تبيّن في البحث أنّ الولاية التشريعيّة أو حقّ التشريع الذي نبحث عنه نقصد به إعطاء الله (عزّ وجلّ) النبيَّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حقَّ أنْ يضع الأحكام الشرعيّة الكلّيّة الثابتة التي لا تتغير بتغير مقتضيات الزمان والمكان والظروف المختلفة، والتي تكون مع التكاليف الصادرة من الله (عزّ وجلّ) على حدٍّ سواء من ناحية لزوم طاعتها وعدم إمكان إبطالها من أي أحد، فللنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أنْ يتصرّف فيها ابتداءً من دون أن يكون مجرّد ناقلٍ ومبلّغٍ عنه (عزّ وجلّ)، وأنّ حقّ التشريع بالأصالة والاستقلال هو لله (عزّ وجلّ)، وإنّ إعطاء حقّ التصرّف بالتشريع لغير الله (عزّ وجلّ) لا استحالة فيه في نفسه طالما هو بإذن الله.

وذكرنا أنّ إشكال عدم الفائدة في تفويض هذا الحقّ غير وارد، لوجود فائدة كإظهار مقام النبيّ وامتحان الخلق في الطاعة. وأوضحنا أنّ الثمرة العمليّة لهذا البحث موجودة، ولو كانت جزئيّةً، وهي إثبات وجود تشريعات مختلفة عن تشريعات الله، وهذا ما يترتّب عليه اختلاف في الخصوصيّات والأحكام بين النوعين ـ لا من جهة عدم التغير بتغير مقتضيات الزمان والمكان ولزوم الطاعة وعدم امكان ابطالها ـ بل من جهة أخرى ككون تشريعات الله دومًا ثابتةً لا يتطرّق إليها الوهم ـ بالمعنى الذي اوضحناه في محله ــ بخلاف تشريعات النبيّ التي قد لا تكون كذلك.

وتعرّضنا إلى اختلاف آراء علماء الإماميّة في مسألة الولاية، فبين قائلٍ بانحصار التشريع بالله وأنّ للنبيّ فقط إصدار الأحكام الولائيّة المرتبطة به بوصفه حاكمًا، وبين من يرى أنّ النبيّ مفوّض في التشريع، وأصحاب هذا القول ينقسمون إلى فئةٍ ترى أنّ دائرة التفويض واسعةٌ، وفئةٍ ترى أنّ دائرة التشريع ضيّقةٌ ومرتبطةٌ ببعض الموارد الجزئيّة الخاصّة لأجل أهداف محدّدة كإبراز مكانة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم)، وتعظيم مقامه الشريف، وامتحان طاعة الخلق.
ولاختلاف كلمات العلماء في معالجة المسألة على مستوى الدليل نفيًا وإثباتًا، وكذا لاختلافهم في كيفيّة فهم وتوجيه روايات التفويض والآيات التي قد تكون مرتبطة بالموضوع، فقد تعرّضنا لكلّ روايةٍ ولكلّ دليلٍ على حدة دون إشارة إلى صاحب القول غالبًا.

وذكرنا أنّه ممّا اُستدلّ به المثبتون للتفويض هو الروايات، وكثيرٌ منها صحيح السند، وورد فيها عباراتٌ من قبيل (فوّض إليه، فوض إلى نبيّه، حرّم رسول الله، وضع رسول الله، فوّض إليه أمر الدين)، وبعضها يدلّ على إضافته (صلى الله عليه وآله وسلم) عددًا من الركعات على الصلوات اليوميّة، ومنها ما يدلّ على تحريمه المسكرات غير الخمر، ومنها ما يدلّ على تشريعه النوافل اليوميّة وتشريعه إرث الجدّ وتشريعه ديّة النفس والعين وغير ذلك، وقد ذكرنا ما يرِد عليها من إشكالات وردود.
وممّا استدلّ به أيضًا الآيتان في قوله تعالى:(يحرّمون ما حرّم الله ورسوله)،و(أطيعوا الله وأطيعوا الرسول)، وذكرنا ما في الاستدلال من النقاش والإشكالات.

وفيما يرتبط بدائرة التفويض ذكرنا أنّه ليس للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) حقّ التشريع الشامل، وكذا لم يثبت له الإطلاق في التفويض، بمعنى أنّ له أن يشارك في كلّ مجالات التشريع، أو على الأقل أنّه لم يمارس هذا الحقّ على فرض ثبوته، وذكرنا أنّ له دائرة معيّنة له حقّ التشريع فيها أبرز معالمها أن لا تتعارض مع القرآن، لا تحلّ حرامًا حرّمه الله ولا تحرّم حلالًا أحلّه الله، وأن لا تكون من القضايا الكبرى المصيريّة.
وأنّه استدلّ النافون بمجموعة من الآيات منها (قُلْ إنّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحى‏ إِلَيَّ)، و(ونَزَّلْنا عَلَيْكَ الْكِتابَ تِبْيانًا لِكُلِّ شَيْ‏ءٍ وهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرى‏ لِلْمُسْلِمينَ)، و(وما ينطق عن الهوى إن هو إلّا وحي يوحى)، و(وما عَلَى‏ الرَّسُولِ‏ إِلاَّ الْبَلاغُ)، و(لَيْسَ لَكَ مِنَ الأمر شَيْ‏ءٌ أو يَتُوبَ عَلَيْهِمْ)، و(ولو تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاويلِ لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمين)، وذكرنا ما فيها من نقاش وإشكالات.

واستدلّ أيضًا بوجود وقائع كان النبيّ يتمهّل في الإجابة فيها إلى أن ينزل الوحي، فلو كان له حقّ التشريع، لما انتظر نزول الوحي، وذكرنا ما في هذا الاستدلال من نقاش.

والنتيجة: أنّ القدر المتيقّن هو ثبوت حقّ التشريع للنبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) واستعمال هذا الحقّ في الأحكام الكلّيّة الثابتة في موارد جزئيّة.

لائحة المصادر والمراجع
القرآن الكريم
الحرّ العامليّ، محمّد بن حسن‏، تفصيل وسائل الشيعة إلى تحصيل مسائل الشريعة، مؤسّسة آل البيت، قم، ط1، ‏1409ق.
الصدوق، ابن بابويه، محمّد بن عليّ‏، من لا يحضره الفقيه، الناشر مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين بقم‏، قم، ط 2، 1413هـ.
القمّيّ، عليّ بن إبراهيم‏، تفسير القمّيّ، دار الكتاب‏، قم، ط 3، 1404ق.
گلپايگانى، السيّد محمّد رضا الموسويّ‌، نتائج الأفكار في نجاسة الكفار‌، مجلّد واحد، دار القرآن الكريم‌، قم، ط 1، 1413ق‌.
الكلينيّ، أبو جعفر، محمّد بن يعقوب، الكافي، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، ط4، 1407ق.
المجلسيّ، محمّد باقر بن محمّد تقي‏، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، الناشر: دار إحياء التراث العربيّ، بيروت‏، ط2، 1403ق.
النوريّ، حسين بن محمّد تقي،‏ مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل،‏ مؤسّسة آل البيت، قم، إيران، ط1، 1408هـ.



------------------------------------
[1] سورة النساء، الآيّة: 59. والمائدة، الآيّة: 9. والنور، الآيّة: 54. ومحمّد، الآيّة: 33. والتغابن، الآيّة: 12.
[2] سورة الحشر، الآيّة: 7.
[3] محمّد بن يعقوب عَنْهُ (علي بن ابراهيم) وعَنْ أَبِيهِ (ابراهيم بن هاشم) عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ زُرَارَةَ.
[4] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج ‏4، ص 49، ح 4484.
[5] عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَار.
[6] الكلينيّ، الكافي، ج‏1، ص 266، ح4.
[7] عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ محمّد عَنِ الْحَجَّالِ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ زُرَارَةَ. وأَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ محمّد بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ زُرَارَة.
[8] سورة الحشر، الآيّة: 7.
[9] الكلينيّ، الكافي ج‏1، ص 266، ح3. و ص 267، ح5.
[10] سورة التوبة، الآية: 29.
[11] سورة النساء، الآيّة: 59.
[12] محمّد بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي زَاهِرٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ النَّحْوِيِّ.
[13] سورة القلم، الآيّة: 4.
[14] سورة الحشر، الآيّة: 7.
[15] سورة النساء، الآيّة: 80.
[16] الكلينيّ، الكافي، ج‏ 1، ص 265.
[17] محمّد بْنُ يَحْيَى عَنْ محمّد بْنِ الْحَسَنِ عَنْ يَعْقُوبَ بْنِ يَزِيدَ عَنِ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ محمّد بْنِ الْحَسَنِ الْمِيثَمِيِّ.
[18] سورة الحشر، الآيّة: 7.
[19] الكلينيّ، الكافي، ج 1، ص 268، ح9.
[20] المجلسي، بحار الأنوار، ج 25، ص 348.
[21] عِدَّةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ محمّد عَنِ الْحَجَّالِ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ زُرَارَةَ. وأَبُو عَلِيٍّ الْأَشْعَرِيُّ عَنْ محمّد بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنِ ابْنِ فَضَّالٍ عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ زُرَارَة.
[22] الكلينيّ، الكافي، ج‏ 1، ص 266، ح3. و ص 267، ح5.
[23] عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ وَمحمّد بْنُ يَحْيَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ محمّد جَمِيعًا عَنِ ابْنِ مَحْبُوبٍ عَنْ خَالِدِ بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي الرَّبِيعِ الشَّامِيِّ.
[24] أي خمر العنب، وفي القاموس الخمر ما أسكر من عصير العنب، أو عام كالخمرة، وقد يذكر والعموم أصح؛ لأّنّها حرمت وما بالمدينة خمر عنب، وما كان شرابهم إلّا البسر والتمر، سميت خمرا؛ لأّنّها تخمر العقل وتستره، أو لأّنّها تركت حتّى ادركت واختمرت، أو لأّنّها تخامر العقل أي تخالطه.
[25] الكلينيّ، الكافي، ج 6، ص 408، ح2.
[26] الرواية صحيحة بناء على توثيق معلى بن محمّد.
[27] الْحُسَيْنُ بْنُ محمّد عَنْ مُعَلَّى بْنِ محمّد عَنِ الْوَشَّاءِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ زُرَارَةَ.
[28] الكافي، ج 1، ص267، ح7.
[29] عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ عَنْ فُضَيْلِ بْنِ يَسَار.
[30] سورة القلم، الآيّة: 4.
[31] سورة الحشر، الآيّة: 7.
[32] في بعض النسخ‏ [برخصته‏].
[33] الكلينيّ، الكافي، ج ‏1، ص 266، ح4.
[34] محمّد بن يعقوب عَنْهُ (علي بن ابراهيم)، وَعَنْ أَبِيهِ (ابراهيم بن هاشم)، عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ، عَنْ عُمَرَ بْنِ أُذَيْنَةَ، عَنْ زُرَارَةَ.
[35] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج ‏4، ص 49، ح 4484.
[36] فِي الْخِصَالِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ سَعْدٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ محمّد عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ حَرِيزٍ عَنْ زُرَارَةَ.
[37] وسائل الشيعة، ج 5، ص470، ح7090.
[38] رَوَى حَمَّادُ بْنُ عَمْرٍو وَأَنَسُ بْنُ محمّد عَنْ أَبِيهِ جَمِيعًا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ محمّد عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنِ النبيّ.
[39] سورة النساء، الآيّة: 22.
[40] سورة الأنفال، الآيّة: 41.
[41] سورة التوبة، الآيّة: 16.
[42] الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج 4، ص 352، ح 5762، الحديث طويل ومحل الشاهد ص 365.
[43] الكلبيكانيّ، محمّد رضا، نتائج الأفكار في نجاسة الكفار، ص 224.
[44] المصدر نفسه، ص 225.
[45] سورة البقرة، الآيّة: 144.
[46] أَحْمَدُ بْنُ إِدْرِيسَ عَنْ محمّد بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ يَحْيَى عَنْ أَبِي أَيُّوبَ عَنْ محمّد بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ.
[47] الكافي، ج ‏1، ص 91، ح1.
[48] سورة الأحزاب، الآيّة 28 و29.
[49] المشربة: الغرفة.
[50] الميرزا النوري، مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، ج ‏15، ص 308.
[51] محمّد بن يعقوب عن عِدَّةٍ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ محمّد بْنِ خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنِ النَّضْرِ بْنِ سُوَيْدٍ عَنْ يَحْيَى الْحَلَبِيِّ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ الْحُرِّ.
[52] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج ‏27، ص 111، ح 33347.
[53] محمّد بن يعقوب عَنْ محمّد بْنِ إِسْمَاعِيلَ عَنِ الْفَضْلِ بْنِ شَاذَانَ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ الْحَكَم.
[54] وسائل الشيعة، ج ‏27، ص 111، ح 33348.
[55] المصدر نفسه، ح 33354.
[56] سورة فصّلت، الآيّة: 6.
[57] سورة الأعراف، الآيّة: 203.
[58] سورة الأنعام، الآيّة: 50. وسورة يونس، الآيّة: 15. وسورة الأحقاف، الآيّة: 9.
[59] الحرّ العامليّ، وسائل الشيعة، ج 27، ص 113، ح 33354.
[60] سورة الجمعة، الآيّة: 2.
[61] سورة النساء، الآيّة: 105.
[62] سورة الشورى، الآيّة: 15.
[63] القمي، تفسير القمّيّ، ج‏ 1، ص 63.
[64] سورة البقرة، الآيّة: 144.
[65] اختلاه أي قطعه، يعضده أي يقطعه، الأذخر بكسر الهمزة نبت، (إلا لمنشد) أي لقاصد الإنشاد لا للتملك
[66] سكت بانتظار الوحي.
[67] الصدوق، من لا يحضره الفقيه، ج ‏2، ص 246، الحديث 2316.
[68] سورة الأحزاب، الآيّة: 28 و29.
[69] المشربة: الغرفة.
[70] الميرزا النوريّ، مستدرك الوسائل ومستنبط المسائل، ج ‏15، ص 308.
[71] سورة النحل، الآيّة: 89.
[72] سورة الحشر، الآيّة: 7.
[73] عَنْهُ عَنْ محمّد بْنِ عِيسَى عَنْ يُونُسَ عَنْ حُسَيْنِ بْنِ الْمُنْذِرِ عَنْ عَمْرِو بْنِ قَيْسٍ الْمَاصِرِ (ضعيفة).
[74] الحر العاملي، وسائل الشيعة، ج 28، ص 16، ح34103.
[75] سورة النجم، الآيّة: 3.
[76] سورة المائدة، الآيّة: 99.
[77] سورة النور، الآيّة: 54.
[78] سورة العنكبوت، الآيّة: 18.
[79] سورة آل عمران، الآيّة: 128.
[80] سورة الحاقّة، الآيّة: 44 - 45.