البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

دليل الفطرة وبداهة المعرفة الفطريّة

الباحث :  الشيخ علاء عبد علي السعيدي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  29
السنة :  شتاء 2024م / 1445هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 14 / 2024
عدد زيارات البحث :  296
تحميل  ( 2.316 MB )
الملخّص
يهدف هذا البحث إلى إثبات مسألةٍ تُعدُّ من بين أهمّ المسائل التي جرى بحثها في علم الكلام الإسلامي، وهي قضية إثبات وجود الله سبحانه وتعالى باعتماد دليلٍ قريب من أذهان غير المختصين في علم الكلام، فضلًا عن المختصين فيه، ويتمثّل هذا الدليل في (دليل الفطرة).

وينقسم هذه البحث إلى تمهيدٍ ومطلبين وخاتمة. تعرّضت في التمهيد إلى معنى الفطرة في اللغة، واستعمالاتها في القرآن الكريم، وتعريفها في اصطلاح علماء الكلام، وإلى صفات الأمور الفطريّة، والفرق بين الفطرة والغريزة. وتناولت في المطلب الأوّل الاستدلال بالفطرة على وجود الله عن طريق بيان أنَّ الدين يمثل ظاهرةً إنسانيّة، وما إذا كانت المعرفة الفطريّة بنحو القوّة أو الفعليّة، وصياغة دليل الفطرة، وورود هذا الدليل في الكتاب والسُّنَّة. وبيَّنت في المطلب الثاني قيمة المعرفة الفطريّة بتحديد نوعية هذه المعرفة، ومدى قيمتها من حيث المطابقة للواقع وعدمها. وختمت البحث بمجملٍ لأهم النتائج التي تمَّ التوصل إليها.

الكلمات المفتاحية
الإيمان بالله، دليل الفطرة، الدِّين ، الغريزة ، علم الكلام .

Abstract
This research aims to prove an issue that is among the most important issues that have been researched in Islamic theology, which is the issue of proving the existence of Allah Almighty by adopting evidence close to the minds of non-specialists in theology, as well as specialists in it, and this evidence is represented in evidence of innate. This research is divided into an introduction, and two demands, and a conclusion. In the introduction, I was exposed to the meaning of innate in language, its uses in the Holy Qur'an, its definition in the terminology of theologians, the characteristics of innate things, and the difference between innate and instinct. In the first demand, I dealt with innately inferring the existence of Allan by explaining that religion represents a human phenomenon, whether innate knowledge is strong or actual, formulating the evidence of instinct, and the inclusion of this evidence in the Qur'an and Sunnah. In the second demand, I showed the value of innate knowledge by determining the quality of this knowledge and the extent of its value in terms of conformity with reality and lack thereof. I concluded the research with an outline of the most important findings.

Keywords: Evidence of innate, theology, religion, instinct, belief in Allan.

مقدّمة
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي هدانا بما جبلنا عليه من الفطرة، ودلَّنا على سبل المعرفة، وصلّى الله على رسوله الكريم محمّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم) وعلى آله المصطفين الأطهار (عليهم السلام) الذين أيقظوا في نفوسنا دفائن معرفته، وذكّرونا منسيَّ ميثاقه. وبعد:
تُعدُّ مسألة إثبات وجود الله سبحانه وتعالى أهم المسائل التي تناولها علماء الكلام المسلمين بالبحث؛ كونها الأساس الذي تترتب عليه سائر الأصول الاعتقاديّة من العدل والنبوّة والإمامة والمعاد، والمسائل المتفرّعة عنها، كالصفات الذاتيّة والفعليّة، وعلاقة هذه الصفات بالذات، وحقيقة الكلام الإلهي، والجبر والاختيار، والعصمة، وحكم الفُسّاق من المسلمين، والشفاعة، وغيرها.

وفي سياق ذلك تعرضوا إلى العديد من البراهين التي استدلّوا بها على وجود الله تعالى، من أشهرها: برهان الإمكان، وبرهان الحدوث، وبرهان النظم، التي تشترك جميعًا في كونها أدلّةً عقليّةً صرفة يتوقّف الاستدلال بها والتسليم بنتيجتها على جملةٍ من المقدّمات الفلسفيّة والمنطقيّة التي لا يتأتى لعامة الناس الإلمام بها، وهذا ما جعلها خارج متناول مَنْ لم تصل مداركهم العقليّة إلى هذا المستوى من الاستدلال.
ولعلّه لأجل ذلك اتّجه بعضهم إلى إثبات هذه القضيّة باعتماد دليلٍ آخر أسهل صياغةً، وأقرب إلى الأذهان من تلك الأدلة المكتنفة بالتعقيد، بما يجعلها أيسر فهمًا بالنسبة لعامّة الأفراد، وذلك عن طريق مخاطبة فطرة الإنسان السليمة، والتنبيه على قابليتها للتوصل إلى المعرفة بوجود الله تعالى بنفسها لو خليت وطبيعتها التي خُلقت عليها بلا تأثيرٍ خارجي يؤدّي إلى انحرافها وطمسها، وقد اصطلحوا على تسمية هذا الدليل بـ (دليل الفطرة).

وهذا ما استدعى محاولة الكشف عن وجود معرفةٍ فطريةٍ لدى الإنسان بقطع النظر عن اختلاف الظروف والعوامل المحيطة به تدعوه إلى الإيمان بوجود الله سبحانه، والعمل على تحديد مفهومها، وما تشتمل عليه من سماتٍ تميّزها عن المفاهيم المقاربة لها في الحقيقة، وعن كيفيّة صياغة الدليل الكاشف عن هذه القضية الفطرية صياغةً تُعبِر عن مكنونات النفس الإنسانيّة، وما تتوفّر عليه هذه المعرفة من قيمةٍ علميةٍ في البرهنة على وجود الله سبحانه.

وتظهر أهميّة هذا البحث في الحاجة إلى صياغة دليلٍ يبرهن على وجود الله سبحانه بلغةٍ ميسّرةٍ خاليةٍ من التعقيد بما يجعله قريبًا من فهم عامة الناس، وممّا يزيد من أهميته أنَّ كثيرًا من آيات الكتاب الكريم وروايات السُّنَّة المطهّرة قد اعتمدت هذا النحو من الاستدلال بأساليب وصيغٍ مختلفةٍ تخاطب وجدان الإنسان.

تمهيد: الفطرة مفهومها وسماتها
أولًا: الفطرة وضعًا واستعمالًا واصطلاحًا
1- الفطرة في اللغة:
لفظ (فِطْرَة) اسم هيئةٍ على وزن (فِعْلَة)، وهو يدل على حال الحدث وصفته عند حدوثه[1]، وهو مشتقٌ من الجذر اللغوي (فَطْرَ)، ويدل في اللغة على «الشقّ، ج: فطور ... و- فطرَ اللهُ الخلقَ: خلقهم وبرأهم»[2]، و(الفِطْرَة) هي «الابتداء والاختراع»[3].

وبالنظر إلى لما تقدّم فإنَّ (الفِطْرَة) تدلّ على الهيئة الخاصة التي خُلِق بها الإنسان، بما يشمل الخصائص المودعة فيه عند خلقه[4].

2- الفطرة في الاستعمال القرآني:
استُعمِلَ لفظ (الفَطْر) وتصريفاته المختلفة في معانٍ عدَّة في القرآن الكريم، وهي:
أ- ابتداءُ الخَلْقِ والإنشاء، كما في قوله تعالى: ﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا﴾[5]، وقوله تعالى: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾[6]، وكذلك قوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ﴾[7]، وقوله تعالى: ﴿قالَ بَل رَبُّكم رَبُّ السَّماواتِ والأرْضِ الَّذِي فَطَرَهُنَّ﴾[8].
ب- الشقّ والصدع، ‏كما في قوله تعالى في صفة يوم القيامة: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا﴾[9]، وقوله تعالى: ﴿فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ﴾[10].
ج- الخِلْقَة، أي الهيئة أو الصفة التي خلق الله تعالى الناس بحسبها، كقوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾[11].
والمعنيان الأخيران يرجعان إلى الأوّل، فإنَّ الشقّ والصدع من آثار ابتداء الخلق، كما أنَّ الخِلْقَة تعبر عن الكيفيّة أو الصفة التي حصل بحسبها الخلق والإنشاء.

3- الفطرة في الاصطلاح:
ذُكرت تعريفاتٌ عدَّة للفطرة، منها: أنَّها الجِبلة أو الطبع الذي يولد الإنسان عليه ويجعله متهيئًا لقبول الدين، والاستمرار عليه، ما لم تؤثِّر عليه عواملُ خارجيةٌ فتحرفه عن ذلك[12].
ومنها: أنَّها «عبارة عن مجموعةٍ من الخصائص التي ولدت مع الإنسان منذ بدء الخليقة»[13].
وقد يُورد عليه بأنَّه يشمل الغرائز الإنسانية، كحب الذات، والرغبة الجنسيّة، والأمومة، وهي مغايرةٌ للفطرة.
ومنها: أنَّها «إيداع المعرفة في قلب الإنسان من بدو خلقه، فيولد المولود على هذه المعرفة»[14].
ويمكن أنَّ يلاحظ على التعريف الأخير بأنَّه لم يُبيِّن متعلّق هذه المعرفة، إذ قد تكون من قبيل المعارف الضروريّة التي لا تحتاج إلى تعليم، فكلُّ إنسانٍ يجد في نفسه أنَّه يعلم أمورًا لا يمكنه دفع معرفتها عن نفسه، دون أنْ يكون قد تعلَّم هذه الأشياء، ولا يعلم مصدر هذه المعرفة، كالكل أكبر من الجزء، وعدم اجتماع وجود الشيء وعدمه، وهي ليست المرادة من التعريف جزمًا، بل المراد هو خصوص معرفة وجود الله سبحانه وتعالى.
وجميع التعريفات المتقدّمة تشترك في الدلالة على الكيفية التي خُلق الإنسان بحسبها، بحيث أودعت فيه معرفة خالقه.

وعليه يمكن القول: إنَّ الفطرة تعبيرٌ عن التوجه الداخلي المودع في أصل خِلْقَة الإنسان الذي يدعوه إلى الإيمان بوجود الله تعالى[15]، وبتعبير آخر: إنَّ الإنسان قد «جُبِل على الانجذاب إلى الله، وعلى الميل إلى الإيمان به بنحوٍ فطريّ وذاتيّ قبل أن يقوده إلى ذلك أيّ شيءٍ آخر كالعقل»[16].

ووجه المناسبة بين المعنين الاصطلاحي واللغوي للفطرة، أنَّ الفطرة اصطلاحًا هي توجّهٌ داخليّ لدى الإنسان نحو معرفة ربّه؛ لذا تمثّل نحوًا من أنحاء خلق الإنسان وإيجاده؛ لأنَّها - أي الفطرة اصطلاحًا - تُعبِر عن الكيفيّة التي خُلِق الإنسان بحسبها.

ثانيًا: صفات الأمور الفطريّة
تتصف الفطرة بعددٍ من الصفات التي تميّزها عن سائر المفاهيم، والتي بتحققها في أمرٍ معيَّنٍ يصدق عليه أنَّه من الأمور الفطريّة، وتتلخّص بما يأتي:

1- إنَّ الأمور الفطريّة تتّصف بالشموليّة والعموم، فلا يوجد أحدٌ من البشر يخلو منها، مع أنّها قد تتفاوت فيما بينهم من حيث الشدّة والضعف[17].
2- إنَّها لا تحتاج إلى تعليم معلِّمٍ، كما لا تحتاج في تحقّقها إلى علَّةٍ غير وجود الإنسان، وإنْ كان نموّها ورشدها يحتاج إلى تعليمٍ وتوجيهٍ[18].
3- إنَّها لا تخضع لتأثير العوامل الخارجيّة؛ ولهذا فهي لا تتغيّر حتّى إذا تغيّرت العوامل السياسيّة أو الجغرافيّة أو الاقتصاديّة المحيطة بحياة الإنسان، بل إنَّها تتحقّق بعیدةً عن نطاق وضغط هذه العوامل[19].
4- إنَّها غير قابلةٍ للزوال والتلاشي بصورةٍ نهائيّةٍ نتيجة الفرض والإجبار، ولكن قد تضعف بفعل البيئة المحيطة المضادّة، دون إمكان استئصالها من ذات الإنسان نهائيًّا[20].

ثالثًا: اختلاف الفطرة عن الغريزة
تشترك الغريزة مع الفطرة في كونهما أمرين غير مكتسبين، بل مركوزين في ذات الإنسان عند خلقه، ومع ذلك فإنّهما يفترقان عن بعضهما في جوانب أخرى، أهمّها:

1- إنَّ تأثير الفطرة في سلوك الإنسان اختياريٌّ، وليس قسريًّا. وأمّا الغريزة فهي اندفاعٌ داخلي قاسرٌ يوجّه الفرد نحو هدفٍ نوعيّ مشخِّصٍ لنمطٍ سلوكيّ فطريّ متكررٍ لأفراد نوع واحدٍ[21].
2- يمكن التأثير في الفطرة عن طريق التأثير الاجتماعي. في حين أنَّ الغريزة تتسم عمومًا بالثبات، وإنْ كان يمكن تعديل أساليب تلبيتها[22].
3- إنَّ الفطرة توجّهٌ معرفي (علمي) يتعلّق بالجانب الإنساني لدى الإنسان، ويتجاوز الجانب المادّي فيه. وأمّا الغريزة فهي توجهٌ سلوكي (عملي) يتعلّق بالجانب المادّي للإنسان أو الحيوان[23].
4- إنَّ الفطرة تؤثّر بصورةٍ واعيةٍ في توجّه الإنسان نحو الإيمان بالله تعالى. وبالمقابل نجد أنَّ الغريزة انعكاسٌ سلوكيّ لتأثير مثيرٍ معينٍ، كما في هروب القط عند رؤية الكلب[24]، أي أنَّها سلوكٌ غير واعٍ يصدر من الحيوان.
5- إنَّ الفطرة مختصّة بالإنسان، وليس لها أثرٌ في الحيوانات[25]. وأمّا الغريزة

فيه مشتركةٌ بين الإنسان والحيوان، وإنْ قد تختلف من نوعٍ إلى آخر[26].
وباتضاح هذه الفوارق بين الأمور الفطريّة والسلوكيّات الغريزيّة تتميّز حقيقة إحداهما عن الأخرى، ويتحدّد مفهوم الفطرة بنحو مغايرٍ للغريزة، ولكن مع ذلك قد نجد من يعبّر عن الفطرة بالغريزة من حيث إنَّها تنبع من ذات الإنسان، نظرًا إلى أنَّها زُرِعت في عمق وجوده[27]، ويكون مثل هذا الاستعمال مجازيًا؛ لأنَّه استعمالٌ للفظ في غير ما وُضِع له، وكذلك الحال في التعبير عن الغريزة بالفطرة.

المطلب الأول: الاستدلال بالفطرة على وجود الله
أولًا: الدين ظاهرةٌ إنسانيّة
يمثّل الدين ظاهرةً بارزةً في حياة الإنسان الاجتماعيّة، ويذهب كثيرٌ من علماء الإنسان إلى أنَّ الأديان البدائيّة الأولى ظهرت في العصور القديمة[28]، وأنَّه لم تخلُ أمةٌ من الأمم قديمًا وحديثًا من فكرة التدين[29]؛ ولهذا فإنَّ «النظريات الاجتماعيّة لا يمكن لها أنْ تتجنب الاعتراف بالدور الفاعل للمشاعر الدينيّة في حركة المجتمعات حتى الحديثة منها»[30]، وهذه الفكرة «لم ترتكز على أسبابٍ طارئةٍ، وظروفٍ خاصةٍ، بل كانت تُعبر عن نزعةٍ أصيلةٍ مشتركةٍ بين الناس»[31]، فهي ميلٌ أو طبعٌ يمثّل حالةً أساسيّةً لروح الإنسان[32]؛ وذلك نتيجة «أنَّ الدين لصيقٌ بكلِّ تجذّرٍ بالذهنيّة الإنسانيّة»[33]، ولا يوجد أيُّ دليلٍ يثبت تأخّر التديّن عن نشوء المجتمعات[34]، بل إنَّ هناك تزايدًا في مغزى الدين حتى بالنسبة للمجتمعات المختلفة معه[35]، وقد يُعبّر عن تلك النزعة الإنسانيّة المشتركة، أو الميل البشري العام بـ (الغريزة الدينيّة).
ولم يقتصر الأمر على مجرد وجود النزعة الفطريّة نحو الدين لدى الإنسان في المجتمعات القديمة فضلًا عن الحديثة والمعاصرة، بل هناك كثيرٌ من الدلائل والمشاهدات المباشرة التي تثبت «أنَّ عقيدة الخالق الأكبر هي أقدم ديانةٍ ظهرت في البشر، بدلالة أنَّها لم تنفكّ عنها أمةٌ من الأمم في القديم والحديث. فتكون الوثنيّات إنْ هي إلّا أعراض طارئة ... بجانب هذه العقيدة العالمية الخالدة»[36].

إنّ كلَّ ذلك يثبت أصالة معرفة الله تعالى بالنسبة إلى الإنسان، بحسب مشاهير علماء الأجناس، وعلماء الإنسان، وعلماء النفس، أمثال: «لانج Lang الذي أثبت وجود عقيدة (الإله الأعلى) عند القبائل الهمجية في أوستراليا وإفريقيا وأمريكا. ومنهم شریدر Sheroeder الذي أثبتها عند الأجناس الآرية القديمة. وبروكلمان Brockelman الذي وجدها عند الساميين قبل الإسلام. ولرواه La Roy وكاترفاج Quatrefages عند أقزام أواسط إفريقيا. وشميدت Schmidt عند الأقزام وعند سكان أوستراليا الجنوبية الشرقية. وقد انتهى بحث شميدت هذا إلى [أنَّ] فكرة (الإله الأعظم) توجد عند جميع الشعوب»[37].

ثانيًا: المعرفة الفطريّة بين القوة والفعليّة
وممّا ينبغي البحث فيه قبل التعرّض إلى صياغة دليل الفطرة، هو هل أنَّ المعرفة الفطريّة بالله تعالى متحقّقة لدى الإنسان بالفعل، بحيث يترتب أثرها عليها، أو بنحو القوّة والاستعداد، أي إنَّ لديه الأساس الذي يحتاجه وجود هذه المعرفة، إلّا أنَّها غير متحقّقة عنده فعلًا، ولذلك فهي تحتاج إلى ما يُخرجها من القوّة إلى الفعل؟
والجواب: إنَّ وجود هذه المعرفة لدى الإنسان استعداديّ، إذ لو كانت موجودةً لدى الإنسان بالفعل لما أمكن التأثير على الإنسان عن طريق التنشئة والبيئة المحيطة به التي قد تتسبّب في إخفاء الإحساس الوجدانيّ (الداخلي) بوجود الله تعالى في خبايا النفس، وتمنع من ظهوره، وإدراك الإنسان له[38]، بنحوٍ يصير منكرًا لوجود الله، فهي كسائر الأمور الفطريّة لها منشأٌ (مقتضٍ) مركوزٌ في ذات الإنسان، ولكنه غير ملتفتٍ إلى وجوده عنده، بالإضافة إلى أنَّ كونها معرفةً واعيةً يستلزم عدم تحقّقها فعلًا مع الغفلة عن مقتضيها؛ ولهذا فهي تحتاج إلى تنميةٍ ورعايةٍ حتى تظهر لدى الإنسان.

ويمكن أن يستفاد هذا المعنى من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَىٰ شَهِدْنَا أَن تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَٰذَا غَافِلِينَ﴾[39]، إذ تفيد الآية الكريمة «أنَّ كلّ فردٍ من أفراد الإنسان يتمتّع بلونٍ من المعرفة بالله ووحدانيّته، بحيث يمكن التعبير عن كيفيّة حصول ذلك بأنَّ الله قال لهم: ألست بركم، فأجابوا: بلی شهدنا ... وعلى هذا فإنّه لا يستطيع أحدٌ أنْ يدّعي يوم القيامة أنَّه كان جاهلًا بربوبيّة الله، ولا يستطيع أنْ يجعل التبعية للآباء والسابقين عذرًا لشركه وانحرافه»[40]، وبذلك تتحقّق الدلالة على «أنَّ جميع أفراد الإنسان يتمتّعون بمعرفة فطريّة الله تعالى، وهي من لون العلم الحضوري والشهوديّ بالخالق جل وعلا، إلَّا أنَّ هذه المعرفة نصف واعيةٍ بالنسبة لعامة الناس، فهم غير ملتفتين إليها في حياتهم الاعتياديّة، وهذه المعرفة نصف الواعية هي التي تصل إلى حدّ الوعي التام نتيجةً لقطع التعلّقات الماديّة، وتقوية التوجّهات القلبيّة»[41].

ثالثًا: تقرير دليل الفطرة
لمَّا كان دليل الفطرة ليس من نوع الأدلة والبراهين العقليّة المجردّة فإنَّنا نجد أنَّ مَن تناولوا هذا الدليل بالتقرير ابتعدوا عن اعتماد الاستدلالات النظريّة الصرفة في صياغته، وعمدوا إلى التعبير عنه بصياغاتٍ تحاول الكشف عن وجدان الإنسان، وحالته الباطنيّة.

وتلك الصياغات المطروحة للتعبير عن دليل الفطرة جميعها تدور حول حقيقةٍ جوهريةٍ واحدةٍ تتلخّص في أنَّ لدى الإنسان توجّهًا داخليًّا ذاتيًّا نحو الله تعالى، وتوضيح ذلك في النقاط الآتية[42]:

1- خُلق الإنسان مزوّدًا بمجموعةٍ من المعارف والميول الخاصّة المركوزة في وجدانه غير المكتسبة من الخارج.
2- إنَّ هذه الأمور المركوزة في وجدان الإنسان على نحوين: أحدهما متعلّق بالجانب الحيواني فيه، وهو مشتركٌ بينه بين سائر العجماوات، وهو ما يسمّى بالغرائز، كالرغبة الجنسيّة. والآخر متعلّق بالجانب الإنساني فيه، ويكون من نحو المعارف أو الإدراكات، وهي التي يُصطلح عليها بـ (الفطرة).
3- إنَّ المعارف الفطريّة هي ما يُميّز الإنسان عن الحيوان، وهي موجودةٌ لدى جميع أفراد النوع الإنساني من دون استثناء على مرِّ العصور والأزمان، وفي جميع الأماكن والبلدان.
4- إنَّ الإنسان يولد خاليًا من المعارف الفطريّة، وإنَّما توجد لديه بنحو القوّة والاستعداد، بمعنى أنَّ أرضيتها كامنةٌ فيه، ولكنَّ ظهورها يتوقّف على سعي الإنسان إلى تنميتها[43].
5- إذا تمكّن الإنسان من تنمية تلك الأمور الفطريّة في نفسه، فسيصل إلى التصديق بوجود الله تعالى، وبذلك ترتفع مرتبته إلى قمّة الكمال والرقي. وأمّا إذا مُسخت تلك الفطرة واستبدلت بالميول والغرائز الحيوانيّة فسيتسافل إلى مستوى الحضيض، حتى يكون أدنى رتبةً من الحيوانات.
وهذا يعني أنَّ جميع سمات الأمور الفطريّة التي أوردنا سابقًا متوفّرةٌ في معرفة الله سبحانه وتعالى، فقد ثبت ممّا تقدّم آنفًا أنَّ الإيمان بوجود إلهٍ لهذا الكون يمثّل سمةً مشتركةً بين البشر[44]، فلو تُرِك أيُّ فردٍ دون تعليم أو إرشاد، فإنَّه يتّجه بذاته إلى الإيمان بمبدأ قادرٍ عليمٍ أوجد هذا الكون، وهو الله سبحانه[45].

وإنَّ هذه المعرفة لا تحتاج إلى تعليم، بدليل وجودها لدى المجتمعات المختلفة حتى تلك التي يصفها علماء الإنسان بالبدائيّة، كما أنَّها لا تتأثّر بالعوامل الخارجيّة المحيطة بالإنسان، فقد وجدت في مجتمعاتٍ بشريّةٍ تختلف عن بعضها في الأوضاع السياسيّة والمواقع الجغرافيّة والأحوال الاقتصاديّة، مضافًا إلى اتّصافها بالثبات وعدم قابليّتها للزوال، فقد لاحظ علماء الإنسان أنَّ الاعتقاد بوجود الله لا يزول تمامًا من نفس الإنسان، نتيجة تجذّره في ذاته، وإنْ كان قد يضعف بفعل التنشئة، والمحيط الاجتماعي الذي يتبنّى توجّهًا مخالفًا لتلك المعرفة.
إنَّ التسليم بذلك يكشف عن أصالة الاعتقاد بالله، وفطريّة الإيمان به، وإنْ كان هذا الاعتقاد ممزوجًا في بعض الأحيان بالأوهام والخرافات والتصوّرات الباطلة[46].

وبناءً على ما هو مسلَّمٌ من أنّ العلم بالشيء متفرِّعٌ على وجود الشيء المعلوم، فتصوّر الإنسان لشجرة في حديقة داره - مثلًا - فرع وجود الشجرة في الدار واقعًا، وبالتالي فلابد أنَّ تكون معرفة الإنسان الفطريّة بالله تعالى مقتضيّة لوجود الله تعالى واقعًا.
ويمكن تقرير برهان الفطرة بصياغةٍ منطقيّةٍ مختصرة لمن أنس بهذا النحو من الاستدلالات على النحو الآتي:
- الصغرى: إنَّ لدى الإنسان توجّها فطريًّا نحو الله عزّ وجلّ. وهذا أمرٌ ثابتٌ بالوجدان.
- الكبرى: إنَّ لكلِّ توجّهٍ فطريّ لدى الإنسان متعلّقًا موجودًا في الواقع. بناءً على أنَّ العلم بالشيء فرع وجود الشيء المعلوم.

- النتيجة: إنَّ متعلّق التوجّه الفطري لدى الإنسان موجودٌ في الواقع، وهو الله تعالى[47].

رابعًا: دليل الفطرة في الكتاب والسُّنَّة
أشار الكتاب الكريم في كثيرٍ من آياته إلى دليل الفطرة، وكذلك ورد في كثيرٍ من أحاديث السُّنَّة المطهرة.
منها: قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾[48]، إذ معنى قوله: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا﴾: «اتّجه صوب الدين اتّجاهًا مستقيمًا لا مائلًا إلى اليمين، ولا إلى الشمال ... ثم إنَّه سبحانه يُفسِّر الدِّين الذي يجب التوجّه إليه بقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾، والفطرة بمعنى (الخِلْقَة) بقرينة قوله سبحانه: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾، وتشير الجملة إلى أنَّ ذلك الذي يجب التوجّه إليه هو ممّا جُبِل الإنسان عليه، فإصغاؤه لدعوة الدين إنَّما هو في الحقيقة إصغاءٌ لنداء الفطرة ... فالآية - إذن - بظاهرها تفيد أنَّ قضايا الدين وعلى رأسها الاعتقاد بالله وتنزيهه عن الشريك ممّا فُطِر الإنسان عليه»[49].

وجاء في الأحاديث المفسّرة للآية الكريمة أنَّ معنى الفطرة هو التوحيد، ومن ذلك ما رواه هشام بن سالم عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: قلت: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ﴾، ما تلك الفطرة؟ قال: (التوحيد)[50].
والظاهر أنَّ الرواية تشير إلى أنَّ أجلى مصاديق فطرة الإنسان على معرفة الله تعالى هو توحيده؛ وذلك أنَّ الألوهيّة لا تليق بغير الخالق والربّ، ومن ذلك نستخلص أنَّ التوحيد في الخالقيّة والربوبيّة والألوهيّة أمرٌ فطريّ للإنسان[51].

ويشهد لذلك ما ورد من تفسير الفطرة بمعرفة الله تعالى، من قبيل ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن قول الله عَزَّ وجلّ:﴿حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ﴾[52]، قال: «الحنيفيّة من الفطرة التي فطرَ الله الناس عليها، لا تبديل لخلق الله، قال: فطرهم على المعرفة به»... وقال: «قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): كلَّ مولودٍ يولد على الفطرة، يعني المعرفة بأنَّ الله عزَّ وجل خالقه، كذلك قوله: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[53]» ... الحديث[54].

ومنها: قوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الْإِنسَانُ كَفُورًا﴾[55].
وفي هذه الآية دلالةٌ واضحةٌ على أنَّ النزعة الفطريّة الذاتيّة لدى الإنسان تتجلّى بشكلٍ أوضح في الشدائد، والظروف العصيبة[56]، وSأنَّ الإنسان إذا انقطع عن جميع الأسباب الظاهرية، وآيس منها لم ينقطع عن التعلّق بالسبب من أصله، ولم يبطل منه رجاء النجاة من رأس، بل رجا النجاة، وتعلّق قلبه بسببٍ ما يقدر على ما لا يقدر عليه سائر الأسباب، ولا معنى لهذا التعلّق الفطري لولا أنَّ هناك سببًا فوق الأسباب إليه يرجع الأمر كلّه، وهو الله سبحانه»[57].
وقد ورد هذا المعنى في حديث جاء فيه: إنَّ رجلًا قال لأبي عبد الله (عليه السلام): يا ابن رسول الله! دلّني على الله ما هو، فقد أكثر عليَّ المجادلون وحيروني. فقال له: «يا عبد الله! هل ركبت سفينةً قط؟»، قال: نعم. قال (عليه السلام): «هل كُسِرت بك، حيث لا سفينة تنجيك، ولا سباحة تغنيك؟»، قال: نعم. قال (عليه السلام): «هل تعلق قلبك هناك أنَّ شيئًا من الأشياء قادرٌ على أنْ يخلّصك من ورطتك؟»، قال: نعم. قال (عليه السلام): «فذلك الشيء هو الله القادر على الإنجاء حيث لا مُنجي، وعلى الإغاثة حيث لا مُغيث» ... الحديث[58].

وممّا يؤكّد أنَّ معرفة الله تعالى أمرٌ فطريّ جَبله الله عليه فركزه في فطرته ما رواه محمّد بن حكيم قال: قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المعرفة من صنع من هي؟ قال: «من صنع الله، ليس للعباد فيها صنع» [59].

المطلب الثاني: قيمة المعرفة الفطريّة (بداهة الإيمان الفطري)
أولًا: نوعيّة المعرفة الفطريّة
توجد تقسيماتٌ عدَّة للمعرفة أو العلم باعتباراتٍ مختلفة، فينقسم العلم من حيث الاحتياج إلى الوساطة في تحقّقه وعدمه، إلى قسمين:

1- العلم الحصولي، وSهو حضور صورة المعلوم لدى العالم»[60]، فعلم الإنسان بوجود شجرةٍ في داره يكون بتوسّط صورةٍ تلك الشجرة المنطبعة في ذهنه، وبالنظر إلى ذلك فإنَّ العلم الحصولي قد يكون صادقًا، أي مطابقًا للواقع، وقد يكون كاذبًا، أي غير مطابق للواقع.
2- العلم الحضوري، وSهو حضور نفس المعلوم لدى العالم»[61]، فعلم الإنسان بحالاته الوجدانيّة المختلفة من الفرح والحزن والقوة والضعف وغيرها يحصل من دون توسّط صورةٍ ذهنيّةٍ لدى الإنسان، بل إنَّ هذه المعاني نفسها حاضرةٌ في ذاته، ولا يحتاج إدراكه لها إلى توسّط حضور صورةٍ ما في الذهن. ومثل هذا العلم يوجد بوجود المعلوم، ويعدم بانعدامه[62].

وينقسم العلم الحصولي من حيث الاحتياج إلى وساطةٍ في الإثبات وعدمه إلى قسمين:
1- العلم النظري، وهو العلم الذي يحتاج في حصوله إلى الفكر والاستدلال[63]، كتصوّر مفهوم الروح، والتصديق بدوران القمر حول الأرض.
2- العلم الضروري (البديهي)، وهو العلم الذي لا يحتاج في حصوله إلى الفكر والاستدلال[64]، كتصوّر مفهوم الوجود، والتصديق باستحالة اجتماع النقيضين.

ومن مجموع ما قدّمنا نستطيع أنْ نستنتج أنَّ معرفة الإنسان الفطرية بوجود الله تعالى معرفةٌ حضوريّةٌ ضروريّة، وليست علمًا حصوليًّا نظريًّا؛ لوضوح أنَّ إدراك الإنسان وجود الله تعالى حاضرٌ بنفسه لديه، من دون توسّط صورةٍ ذهنيّة، ويحصل عنده بالاضطرار والمفاجأة، إذ يجد الإنسان نفسه عالمًا بوجوده تعالى من غير إعمال لفكره، ولا دليل يقتضيه.

وفي مقابل عدِّ معرفة الإنسان الفطرية بوجود الله تعالى معرفةً حضوريّةً هناك من قسَّمها على نحوين، هما:
أ- المعرفة الفطريّة الحصوليّة بالله تعالى، فـ»العقل الإنساني ليس بحاجة إلى بذل الجهد للتصديق بوجود الله سبحانه، بل هو يدرك بسهولة أنَّ وجود الإنسان وجميع ظواهر العالم محتاجةٌ إلى خالقٍ غير محتاجٍ يرفع حاجتهم الوجودية»[65].
ب- المعرفة الفطريّة الحضوريّة بالله تعالى، فـإنّ «لقلب الإنسان ارتباطًا عميقًا بخالقه، وعندما يغور الإنسان إلى أعماق قلبه فإَّنه يجد مثل هذا الارتباط، ولكن أكثر الناس لا يلتفتون إلى هذه العلاقة القلبية، ولا سيما أثناء الحياة الاعتيادية، إذ يكون الناس غارقين في أمور دنياهم، ولكنهم يستطيعون الانتباه إلى وجود هذه العلاقة القلبيّة، وذلك عندما يصرفون اهتمامهم عن كلّ شيءٍ عداها، ويقطعون أملهم بكلّ الأسباب»[66].
ويلاحظ بأنَّ النحو الأوّل من المعرفة ليس من المعارف الفطريّة المركوزة في نفس الإنسان، وإنَّما هي معرفةٌ كسبية؛ لأنَّ مسألة إدراك الإنسان أنَّ جميع الظواهر الوجودية في العالم تحتاج إلى خالقٍ غير محتاجٍ يرفع حاجتها قضيةٌ نظريّةٌ تحتاج إلى دليل، وإنْ كانت من الوضوح بنحوٍ يدركها حتى البسطاء رغم أنَّهم يفتقدون القدرة على التفكير الاستدلالي الدقيق. ومن ذلك يظهر أنَّ هذه القضيّة ليست قضيّةً وجدانيّةً لتكون في عداد المعارف الفطريّة.

نعم، إذا التفت الإنسان إلى حضور معرفة وجود الله تعالى في نفسة فسيتولّد في ذهنه صورةٌ عن إدراكه لهذه المعرفة الفطريّة، أي يوجد عنده علمٌ حصوليّ بالله تعالى، ولكن هذا العلم مغايرٌ للعلم بحاجة جميع الموجودات إلى الله تعالى؛ لأنَّه «كلَّما علم الإنسان بشيءٍ علمًا حضوريًّا، فقد علم به حصوليًّا أيضًا ... فكلُّ واحدٍ منا يعلم بنفسه بالعلم الحضوري (أي: علم النفس بوجودها)، وفي الوقت الذي يحصل به العلم الحضوري بالنفس يقوم الذهن بتصور أنا (المعلوم التصوري) وأنا موجود (المعلوم التصديقي)»[67].

ثانيًا: قيمة المعرفة الفطريّة
يجدر بنا التنويه إلى أنَّ المراد من (قيمة المعرفة) هو: صحة الفهم والإدراك، بمعنى مدى مطابقة المعرفة للواقع[68]، فإذا كانت القضيّة المدرَكة مطابقةً للواقع كانت صادقةً (صحيحة)، أي ذات قيمة، وإذا كانت غير مطابقةٍ للواقع كانت كاذبةً (خاطئةً)، ونتيجة كون القضايا الوجدانية بديهيةً أنَّ إدراك الإنسان لحالاته النفسيّة لا يحتاج إلى الفكر والاستدلال، وجميع عناصرها معلومة بالعلم الحضوري؛ بسبب كون حضور تلك الحالة لديه يتحقّق من دون توسّط صورةٍ ذهنيةٍ، وهذا النحو من العلم لا يتطرّق إليه الشكّ؛ إذ احتمال الخطأ لا يرد في الوجدانيّات؛ لأنَّها قضايا يقينيّة مطابقةٌ للواقع[69]، و»بما أنَّ العلم الحضوري قابل للشدَّة والضعف، فإنَّه في حال شدَّته يكون الإنسان ملتفتًا إلى الله، ومع ضعفه فإنَّه يغفل عنه، إذ يحتاج إلى مذكر کالبلاء؛ لكي يستيقظ من هذه الغفلة»[70].

إنَّ معرفة الإنسان الفطريّة بوجود الله تعالى وتوحيده تُعدّ من أفراد المعرفة الدينيّة، ويمثّل الدين من وجهة نظر علم الاجتماع حالةً أوليّةً (بديهيّة)، أو أنَّه إيقاع للنبض الداخلي[71] لدى الإنسان، وهذه البداهة ناجمةٌ عن أنَّ التفاته إلى اقتضاء فطرته الإيمان بوجود الله يفيد تحقّق العلم الضروري (البديهي) بهذه القضيّة لديه؛ لأنَّ حضورها في نفسه يتحقّق من دون وساطة، فهي من قبيل سائر الأمور الوجدانيّة الحاصلة في نفسه، خلافًا لمَن يرى أنَّها من قبيل ما يصطلح عليه في علم المنطق بالفطريّات المندرجة تحت القضايا البديهيّة[72]، وهي القضايا التي قياساتها معها، إذ يُصدّق بها العقل بعد تصوّر طرفيها وتصوّر وسطٍ بينهما حاضر في الذهن دائمًا من غير حاجةٍ إلى تفكير، فيكون التصديق بالقضيّة حاضرًا لحضوره[73]، كما في الحكم بأنَّ الثلاثة نصف الستّة، فهذا الحكم بديهيّ بتوسّط أنَّ كلّ ما ينقسم على اثنين بدون باقٍ فإنَّ النتيجة تكون نصف العدد.
والسبب في عدم كونها من النحو المذكور من القضايا أنَّ المعارف الفطريّة لا تعبّر عن قضايا يتقوّم الإذعان والتصديق بها بوجود وسطٍ دائم الحضور في الذهن، بل هي - كما قدّمنا - تُعبّر عن توجهات وجدانيّة لدى الإنسان تدفعه للإيمان بوجود الله تعالى من غير توسط شيءٍ، وبذلك تكون بداهة وجود الله تعالى ناتجة عن فطريّة الإيمان به[74]، فالمعارف الفطريّة على غرار المعارف الحاصلة من الحواس الظاهرة، من قبيل معرفة شروق الشمس برؤية قرصها طالعًا، أي إنَّ المعرفة الفطريّة بوجود الله تعالى بديهيّة كما إنَّ المعرفة الحسيّة بوجود الشمس بديهيّة، إذ تولِّد الفطرة المركوزة في نفس الإنسان شعورًا داخليًّا، وبعبارةٍ منطقيّةٍ معرفة حضوريّة، تقتضي الإيمان بالله سبحانه.

الخاتمة:
توصّل البحث إلى جملةٍ من النتائج، أهمّها الآتي:
1- تتمثّل حقيقة الفطرة في أنَّها توجّهٌ داخليّ مودَعٌ في أصل خِلْقَة الإنسان يدعوه إلى الإيمان بوجود الله تعالى لا يختلف باختلاف العوامل المحيطة بالإنسان.
2- تختلف الفطرة عن الغريزة في عدَّة أمورٍ، منها: أنَّ تأثير الفطرة في سلوك الإنسان اختياري، وهي غير قابلة للتعديل، وأنَّها تمثّل توجّهًا معرفيًّا يتعلّق بالجانب الإنساني، وهي ليست انعكاسًا لتأثير المثيرات المختلفة، مضافًا إلى اختصاصها بالإنسان. وأما الغريزة فتخالفها في هذه الأمور جميعها.
3- أنَّ وجود هذه المعرفة الفطريّة لدى الإنسان بوجود الله سبحانه استعدادي، وليس فعليًّا، ولهذا فإنَّه يمكن للتنشئة والبيئة التأثير في ظهورها لديه.
4- أنَّ ثبوت كون قضيّة الإيمان بوجود إلهٍ خالقٍ للكون من جملة التوجّهات الفطريّة الأصيلة المركوزة في عمق وجدان الإنسان يقتضي ثبوت وجود الله تعالى واقعًا.
5- أنَّ معرفة الإنسان الفطريّة بوجود الله تعالى معرفة حضوريّة ضروريّة، وليست علمًا حصوليًّا نظريًّا، فهي تحصل عنده بالاضطرار والمفاجأة من غير قيام دليلٍ عليها.
6- أنَّ تلك المعرفة الفطريّة من نوع المعارف الوجدانيّة البديهيّة، إذ تحضر في نفس الإنسان دون وساطة، كما أنَّ المعارف المستندة إلى الحواس الظاهرية بديهيّة.

المصادر والمراجع:
• القرآن الكريم.
1- ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار صادر، د. ت.
2- خسروبناه، عبد الحسين، الكلام الإسلامي المعاصر، تر: محمد حسين الواسطي، ط1، كربلاء، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة - العتبة العباسيّة المقدّسة، 2016.
3- الخطيب، د. محمد عبد اللطيف، المستقصى في علم التصريف، ط3، الكويت، مكتبة دار المعرفة، 2003.
4- دراز، محمد عبد الله، الدين (بحوث ممهِّدة لدراسة تاريخ الأديان)، الكويت، دار القلم، د. ت.
5- سبحاني، جعفر، الفكر الخالد في بيان العقائد، تر: خضر ذو الفقاري، قم، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1425هـ.
6- سبحاني، جعفر، مفاهيم القرآن، ط1، بيروت، مؤسسة التاريخ العربي، 2010.
7- سعفان، د. حسن شحاته، علم الإنسان (الانثروبولوجيا)، بيروت، مكتبة العرفان، د. ت.
8- سيلامي، نوربير، المعجم الموسوعي في علم النفس، تر: وجيه أسعد، دمشق، وزارة الثقافة، 2001.
9- الشيرازي، ناصر مكارم، العقائد الإسلاميّة، بيروت، منشورات النور، 1988.
10- شيرواني، علي، دروس تمهيديّة في العقيدة الإسلاميّة، تر: خضر أتش فراز (ذو فقاري)، ط1، قم، مركز المصطفى (صلى الله عليه وآله وسلم) العالمي للترجمة والنشر، 1435هـ.
11- الصدوق، محمد بن علي بن الحسين، معاني الأخبار، تح: علي أكبر الغفاري، ط6، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1431هـ.
12- الطباطبائي، محمد حسين، الميزان في تفسير القرآن، ط1، بيروت، مؤسّسة الأعلمي، 1997.
13- عويضة، كامل محمد محمد، علم نفس الشخصيّة، ط1، بيروت، دار الكتب العلمية، 1996.
14- فياضي، غلام رضا، المدخل إلى نظريّة المعرفة، تر: أيوب الفاضلي، ط1، د. م، مركز السراج للتأليف والتحقيق والنشر، 2013.
15- الفيروزآبادي، القاموس المحيط، تح: بإشراف: محمد نعيم العرقسوسي، ط8، بيروت: مؤسسة الرسالة، 2008.
16- كاشاني، حسن، دروس في عقائد الإماميّة، ط1، كربلاء، قسم الشؤون الثقافيّة والفكريّة في العتبة العباسيّة المقدّسة، 2021،
17- الكليني، محمد بن يعقوب، أصول الكافي، تص: علي أكبر الغفاري، ط2، طهران، مكتبة الصدوق، 1381هـ.
18- ليجيه، دانيال هيرڤيه - جان بول ويلام، سوسيولوجيا الدين، تر: درويش الحلوجي، ط1، القاهرة، المجلس الأعلى للثقافة، 2005.
19- مسلان، ميشال، علم الأديان (مساهمة في التأسيس)، تر: عز الدين عناية، ط1، أبو ظبي - بيروت - الدار البيضاء، كلمة - المركز الثقافي العربي، 2009.
20- مطهّري، مرتضى، الفطرة، تر: جعفر صادق الخليلي، ط2، بيروت، مؤسسة البعثة، 1992.
21- المنتظري، إشراف: حسين علي، الإسلام دين الفطرة، ط1، قم، أرغوان دانش، 1429هـ.
22- المظفر، محمد رضا، المنطق، تع: غلام رضا فياضي، ط1، قم، مؤسسة النشر الإسلامي، 1437هـ.
23- الموسوي، روح الله، المعرفة الفطريّة، كربلاء، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة - العتبة العباسيّة المقدّسة، مجلة الدليل، العدد (3)، 2018.
24- الهادي، جعفر، الله خالق الكون، ط2، قم، مؤسّسة الإمام الصادق (عليه السلام)، 1424هـ.
25- اليزدي، محمد تقي مصباح، معارف القرآن، تر: محمد عبد المنعم الخاقاني، ط2، بيروت، الدار الإسلامية، 1988.

---------------------------------------
[1] الخطيب، المستقصى في علم التصريف، ص420.
[2] الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ص456-457.
[3] ابن منظور، لسان العرب، ج5، ص55-56.
[4] مطهري، الفطرة، ص11.
[5] سورة طه: الآية 72.
[6] سورة الأنعام: الآية ۷۹
[7] سورة فاطر: الآية 1.
[8] سورة الأنبياء: الآية 56.
[9] سورة المزمل: الآية 18.
[10] سورة الملك: الآية 3.
[11] سورة الروم: الآية 30.
[12] انظر: مطهري، الفطرة، ص13.
[13] المنتظري، الإسلام دين الفطرة، ص88.
[14] كاشاني، دروس في عقائد الإماميّة، ص63.
[15] سبحاني، الفكر الخالد في بيان العقائد، ج1، ص18.
[16] الهادي، الله خالق الكون، ص133.
[17] انظر: سبحاني، مفاهيم القرآن، ج1، ص53. الموسوي، المعرفة الفطرية، ص54.
[18] انظر: سبحاني، مفاهيم القرآن، ج1، ص53. الموسوي، المعرفة الفطرية، ص54.
[19] انظر: مطهري، الفطرة، ص23. سبحاني، مفاهيم القرآن، ج1، ص53.
[20] انظر: سبحاني، مفاهيم القرآن، ج1، ص53. الموسوي، المعرفة الفطرية، ص55.
[21] انظر: سيلامي، المعجم الموسوعي في علم النفس، ج4، ص1916.
[22] انظر: عويضة، علم نفس الشخصية، ص51، 53.
[23] انظر: مطهري، الفطرة، ص23.
[24] انظر: عويضة، علم نفس الشخصية، ص49.
[25] انظر: مطهري، الفطرة، ص23.
[26] انظر: عويضة، علم نفس الشخصية، ص52. سيلامي، المعجم الموسوعي في علم النفس، ج4، ص1916.
[27] انظر: مطهري، الفطرة، ص31.
[28] انظر: سعفان، علم الإنسان (الانثروبولوجيا)، ص277.
[29] انظر: دراز، الدين، ص82.
[30] ليجيه، سوسيولوجيا الدين، ص148.
[31] دراز، الدين، ص82.
[32] ليجيه، سوسيولوجيا الدين، ص159.
[33] مسلان، علم الأديان، ص86.
[34] انظر: دراز، الدين، ص83.
[35] ليجيه، سوسيولوجيا الدين، ص149.
[36] دراز، الدين، ص107.
[37] المصدر نفسه، ص107-108.
[38] سبحاني، مفاهيم القرآن، ج1، ص44.
[39] سورة الأعراف: الآية 17.
[40] اليزدي، معارف القرآن، ج1، ص33.
[41] المصدر نفسه، ج1، ص34.
[42] انظر: شيرواني، دروس تمهيديّة في العقيدة الإسلاميّة، ص97-98.
[43] انظر: مطهّري، الفطرة، ص44.
[44] انظر: الهادي، الله خالق الكون، ص138-139.
[45] انظر: الشيرازي، العقائد الإسلاميّة، ج1، ص18.
[46] انظر: الهادي، الله خالق الكون، ص139.
[47] انظر: خسروبناه، الكلام الإسلامي المعاصر، ج1، ص89.
[48] سورة الروم: الآية 30.
[49] الهادي، الله خالق الكون، ص147-148.
[50] الكليني، أصول لكافي، كتاب الإيمان والكفر - باب فطرة الخلق على التوحيد، ج2، ص12 (1). وانظر أيضاً: الأحاديث 2، 3، 5 من الباب نفسه.
[51] اليزدي، معارف القرآن، ج1، ص35.
[52] سورة الحج: الآية31.
[53] سورة لقمان: الآية 25.
[54] الكليني، أصول الكافي، كتاب الإيمان والكفر - باب فطرة الخلق على التوحيد، ج2، ص12-13 (4).
[55] سورة الإسراء: الآية 67.
[56] المنتظري، الإسلام دين الفطرة، ص90.
[57] الطباطبائي، الميزان في تفسير القرآن، ج13، ص151.
[58] الصدوق، معاني الأخبار، باب معنى الله عز وجل، ص95-96 (2).
[59] الكليني، أصول الكافي، كتاب التوحيد - باب البيان والتعريف ولزوم الحجة، ج1، ص163 (2).
[60] المظفر، المنطق، هامش ص22.
[61] المصدر نفسه.
[62] المصدر نفسه، ص53، 54.
[63] انظر: فياضي، المدخل إلى نظريّة المعرفة، ص168.
[64] انظر: المصدر نفسه.
[65] اليزدي، معارف القرآن، ج1، ص30.
[66] المصدر نفسه.
[67] فياضي، المدخل إلى نظرية المعرفة، ص111-112.
[68] انظر: المصدر نفسه، ص189-190.
[69] المصدر نفسه، ص194.
[70] الموسوي، المعرفة الفطريّة، ص59.
[71] انظر: ليجيه، سوسيولوجيا الدين، ص161.
[72] انظر: سبحاني، مفاهيم القرآن، ج1، ص40. شيرواني، دروس تمهيديّة في العقيدة الإسلاميّة، ص99.
[73] انظر: المظفر، المنطق، ص358.
[74] انظر: سبحاني، مفاهيم القرآن، ج1، ص40.