البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

حروبُ الرِّدَّةِ وأزمةُ شرعيّةِ الخلافة

الباحث :  محمد رضا الخاقاني
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  27
السنة :  صيف 2023م / 1444هـ
تاريخ إضافة البحث :  June / 24 / 2023
عدد زيارات البحث :  743
تحميل  ( 2.340 MB )
الملخّص
كانت حروب الردّة من التحدّيات التي واجهها المجتمع الإسلامي بعد وفاة رسول الله (صلّى الله عليه وآله)، وقد كان لهذه الحروب سببان: السبب الأول هو ارتداد بعض القبائل العربيّة بقبول دعوى مُدّعِي النبوّة. والسبب الثاني، امتناع بعض القبائل عن دفع أموال الزكاة والصدقات إلى الخليفة وعامليه مع إقرارهم بالإسلام والتزامهم بأحكامه. المسألة الرئيسة في بحث مانعِي الزكاة، هي الأسباب والعوامل التي أدّت إلى امتناعهم عن دفع أموال الزكاة إلى الحاكم. يحاول هذا البحث، من خلال دراسة الأخبار والروايات التاريخيّة والحديثيّة عن مانعي الزكاة، الكشف عن النوايا الكامنة خلف منعهم الزكاة. كما يحاول تبيين العلاقة بين الامتناع عن دفع الزكاة، وقبول شرعيّة الخلافة.

ستُحقّق هذه الأمور بدراسة الزكاة ومنعها في العصر النبوي، وأسباب إصرار أبي بكر على أخذ أموال الزكاة، وردّ فعل الصحابة تجاه قرار الخليفة على حرب مانعي الزكاة، وأسباب الامتناع عن دفع الزكاة من قِبَل مانعيها. وبهذه الأمور سنبيّن أنّ هناك علاقةً وثيقةً بين منع الزكاة وقبول شرعيّة الخلافة.

‏الكلمات المفتاحية
{ حروب الرِّدّة، الخلافة، الارتداد، الزكاة، شرعيّة الخلافة }


Abstract
The wars of apostasy were one of the challenges faced by the Islamic community after the death of the Messenger of Allah (peace and blessings of Allah be upon him and his family), and these wars had two reasons: The first reason was the relapse of some Arab tribes by accepting the claim of the claimant of the Prophet. The second reason is the reluctance of some tribes to pay zakat and alms to the caliph and his staff, while acknowledging Islam and adhering to its provisions. The main issue in the discussion of those who refuse zakat is the reasons and factors that led to their refusal to pay zakat money to the governor. By studying the historical and hadith news and narratives about those who refuse zakat, this research attempts to uncover the intentions behind their prohibition of zakat. It also attempts to illustrate the relationship between refraining from paying zakat and accepting the legitimacy of the caliphate.

These things will be achieved by studying zakat and its prohibition in the Prophet's era, the reasons for Abu Bakr's insistence on taking zakat money, the reaction of the companions to the caliph's decision to the war of those who prevent zakat, and the reasons for refraining from paying zakat by those who prevent it. With these things, we will show that there is a close relationship between the prohibition of zakat and the acceptance of the legitimacy of the caliphate.

Keywords: : apostasy wars - legitimacy of the caliphate - caliphate - zakat - apostasy.


المقدمة
الحروب التي أشغلت المجتمع الإسلامي بُعيد وفاة رسول الله (صلّى اله عليه وآله)، وبين عامي 11 و 12هـ، والتي سُمّيت فيما بعد بـ(حروب الرِّدّة)، كانت من أوّل التحدّيات للحكم والمجتمع. بعد أنْ انتشر خبر وفاة النبي (صلّى اله عليه وآله) في أرجاء الحدود الإسلاميّة، ظهر المتنبّئون وادّعوا النبوة فتأثّر بذلك بعض القبائل العربيّة. فبارتداد هذه القبائل وخروجها من الإسلام، حوربت من قِبَل المسلمين. لكنّ هناك قبائل أخُر لم تتأثّر بالمتنبّئين فلم تخرج من حبالة الإسلام، بل مع اقرارها بالإسلام والإلتزام بأحكام الشريعة، امتنعنت عن دفع الزكاة إلى الحكومة المركزية المتمثّلة بالخليفة الأوّل؛ وبسبب ذلك عُدّت تلك القبائل خارجةً عن الدِين فحوربت بحجّة الارتداد أيضًا.[1] إنّ أمر مانعي الزكاة أضاف إلى تحدّي الارتداد تحدّيًا آخر وهو شرعيّة شنّ الحرب عليهم وقتالهم، فقد عدّ الشهرستاني(ت 548هـ) الخلاف على قتال مانعي الزكاة من الخلافات الأولى التي وقعت بين المسلمين[2]. وبذلك يُمكن تعيينُ سببين لحدوث حروب الردّة: الأوّل ارتداد بعض القبائل بقبول دعوى المتنبّئين، والثاني منع الزكاة من قِبَل القبائل المسلمة.

حاولت المصادر التاريخيّة والحديثيّة أنْ تصوّر جزيرة العرب بُعيد وفاة النبي (صلّى الله عليه وآله)، بأنّ الارتداد والخروج عن الدِين قد غلب على معظم ساكنيها؛ فهناك رواياتٌ تاريخيّةٌ وحديثيّةٌ مختلفةٌ توجد فيها هذه الصورة متمثّلة بعبارات مثل: (ارتدّ الناس)[3]، (ارتدّت العرب)[4]، و(كفرت العرب)[5]، التي تشير كلّها إلى هذا المعنى، وتصوّر تلك الصورة. وفي بعض الأخبار، نجد أنّ الارتداد قد شمل المسلمين جميعًا إلّا أهل مكة والمدينة[6].
بالرغم من هذه المحاولات في سبيل تعميم الارتداد على جميع المسلمين، لم ير بعض المؤرّخين ذلك؛ فقد كتب المسعودي (ت 345هـ) في الفئات المرتدّة: «فمِن كافر، ومانع للزكاة والصدقة»[7]. وكتب ابن كثير (ت 774هـ) عن الردّة: «وجعلت وفود العرب تَقدم المدينة، يقرّون بالصلاة ويمتنعون من أداء الزكاة. ومنهم من امتنع من دفعها إلى الصديق‏ [=أبي بكر]»[8]. كما أنّ الشافعي(ت 204هـ) أشار إلى ذلك[9].

تحاول هذه الدراسة بالتدقيق في أخبار قتال مانعي الزكاة، أن تبيّن مدى علاقة الامتناع عن دفع الزكاة وتهمة الارتداد، مع أزمة شرعيّة الخلافة. وفي سبيل نيل هذا الهدف، سيكون البحث على خطواتٍ أربع:

في الخطوة الأولى، سيُقدّم صورةً كلّيّةً عن الزكاة ومنعها في العصر النبوي. في هذه المرحلة نتمكّن من أن نبيّن أنّ منع الزكاة لم يسبق حصوله في العصر النبوي. وفي الخطوة الثانية نسعى إلى تبيين أسباب إصرار أبي بكر على أخذ الزكاة من مانعيها، وسيكون التركيز في هذه المرحلة على المحاورات والحُجج المقدّمة من قِبَل الخليفة في قتال مانعي الزكاة، فنتمكّن من أن نبيّن أنّ ما قرّره أبو بكر في مواجهة مانعي الزكاة إنّما كان ناتجًا عن اجتهاده ورأيه الشخصي، إذ لم يكن له سابقةٌ في العصر النبوي.
وفي الخطوة الثالثة، نحاول تبيين مواجهة الصحابة لقرار الخليفة بالهجوم العسكري على مانعي الزكاة، وأنّ المجتمع آنذاك كان يشكّ في عدِّ مانعي الزكاة مرتدّين. وفي الخطوة الرابعة والأخيرة، نحاول الكشف عن السبب الرئيس لمنع تلك القبائل للزكاة. وفي هذه الخطوة سنركّز على المحاورات والأشعار التي وصلت إلينا من خلال المصادر الأصليّة، كي نكشف عن نيّات مانعي الزكاة.

بهذه الخطوات و من خلال المصادر الأصلية، سيتبيّن لنا أنّ جعل مانعي الزكاة مرتدّين والإصرار على محاربتهم، إنّما كان لإخماد أزمة شرعيّة الحكم التي كانت وقد هيّجها الامتناع عن الزكاة؛ وعلى هذا، لم يكن الهدف الرئيس من شنّ الحرب على مانعي الزكاة تحصيل الأموال، بل كان ذلك ردًّا قاسيًا على تحدّي شرعيّة الحكم والدولة.
مع أنّه لا يخلو مصدرٌ تاريخيٌّ من المصادر الإسلاميّة من أخبار الردّة، لكن هناك اختلافًا يُعتنى به في التوجّهات والرؤى، وتفصيل الروايات التاريخيّة عنها. في المصادر ما يربو عن (10) مصنّفات اختصّت بموضوع حروب الردّة، التي قد أُلّفت في القرون الثلاثة الأولى من الهجرة[10]، لكن لم يصل إلينا منها سوى كتاب الردّة للواقدي (ت 207هـ). ويمكن الحصول على المعلومات التاريخيّة من مصادر أخرى قديمة منها تاريخ اليعقوبي (ت292هـ)، وتاريخ الأمم والملوك للطبري (ت 310هـ)، لكنّها بين الاختصار المخلّ، والتأثر بتوجّهاتٍ سياسيّةٍ وكلاميّةٍ بعيدةٍ عن الأخبار التفصيليّة؛ لهذا سيكون المصدر الرئيس لدراسة أخبار منع الزكاة من لدن القبائل المسلمة، كتاب الردّة للواقدي.

سابقة التحقيق
في المصادر التاريخيّة الأوّليّة التي لم تحمل في الغالب تحليلًا لأسباب الحوادث وتكتفي بسرد الأخبار، لا نجد شيئًا من تمحيص قرار أبي بكر تجاه مانعي الزكاة أو الدوافع لقمعهم، كما أنّنا لا نجد شيئًا عن دوافع القبائل المسلمة لمنع الزكاة. لكن في المصادر التاريخيّة الثانويّة، نجد محاولاتٍ في سبيل تصحيح ما قام به أبو بكر تجاه مانعي الزكاة من الحكم عليهم بالارتداد، وقتالهم بتلك الحجّة. نجد ما يساعد هذا الزعم في الأخبار التاريخيّة عن ردّة مانعي الزكاة، لاسيّما عند مؤيّدي الخلافة وشرعيتها، وهناك بعض المحقّقين المعاصرين سعوا إلى إثبات هذا الزعم منهم:
· الأبشيهي في بحثه المسمّى بـ(حروب الردة، أسبابها ونتائجها)، أشار إلى البيئة الفكريّة للمجتمع الإسلامي، خصوصًا في المناطق البعيدة عن مكة والمدينة، وإلى أنّهم كانوا يعتقدون بأنّه لم يكن هناك شخصٌ غير النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) يستحقّ أخذ الزكاة. أشار إلى ذلك فيما حدث في منع زكاة من قِبَل قبيلة كندة وأهل حضرموت. وفي سبيل بيان الأسباب التي الأدّت إلى منع الزكاة، والارتداد بالتبع، أشار إلى القبائل التي كان لها مُلك وسلطة سياسيّة قبل الإسلام كقبيلة كندة، أو التي كانت تحت حكم حكومةٍ مستقرّةٍ ومنظّمةٍ كأهل البحرين الذين كانوا تحت حكم الحيرة الموالية للحكومة الساسانيّة، بأنّهم بعد أنْ حصلت فجوةٌ سياسيّةٌ إثر فقد القائد بوفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، حاولوا ارجاع سلطلتهم وانتمائهم السياسي اللذين كانا لهم قبل الدعوة الإسلاميّة. وفي البحث عن نتائج حروب الردّة، أشار الأبشيهي إلى توحيد صفوف المسلمين، خاصّة أنّ هناك من امتنع عن بيعة أبي بكر، لكنّه باندلاع حروب الردّة أصبح مساندًا للدولة في الكفاح ضد الارتداد[11].

· إلياس شوفاني في كتابه (حروب الردّة) سعى إلى تحليل أسباب الردّة بُعيد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فهو بعد أن بحث عن سير انتشار الدعوة الإسلاميّة في الجزيرة العربيّة، ونفوذ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في المناطق المختلفة من أرجاء الدولة الإسلاميّة، أشار إلى قضيّة تولية أبي بكر منصب الخلافة، والدعم الذي كان يتمتّع به للوصول إليه. في الفصل الثالث من كتابه الذي بحث فيه أسباب الارتداد، درس أخبار إسلام القبائل العربيّة، واستنتج أنّ أكثر تلك القبائل لاسيّما التي ارتدّت بعد ذلك، كان إسلامها إسلامًا ظاهريًّا غير نابعٍ من اعتقادٍ قلبيّ. يرى شوفاني انتصار أبي بكر في مواجهة الارتداد، وغلبته العسكريّة على الجماعات المرتدّة، أكبر نصرٍ في الإسلام، وعدّهُ مقدّمةً للفتوحات الإسلاميّة التالية. إذ تلك الانتصارات والتجارب التي خاضها المسلمون لم تكن ثبتّت أركان الدولة المتمثّلة بخلافة أبي بكر في الجزيرة العربية فحسب، بل مدّت الجيوش الإسلاميّة بالخبرة كي تمضي قدمًا في الفتوحات التالية، وفي الجبهة الشماليّة على الخصوص[12].
· حامد محمّد الخليفة في كتابه المشحون بالطعن على الشيعة، رأى بأنّ ما قام به أبو بكر تجاه مانعي الزكاة من الحرب والقتل، كان موافقًا للتعليمات النبويّة، وأنّ مانعي الزكاة قد خالفوا الكتاب والسنّة بامتناعهم عن تسليم أموال الزكاة إلى الخليفة، وأنّ هؤلاء بتحريف الدين والسعي إلى تزييفه «حاولوا تدمير كلّ ما جاء به محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)». ما ورد في طيّات ما كتبه الخليفة هنا، أنّه سمّى مانعي الزكاة بـ(الرافضة)، هذا يدلّ على أنّه كان يرى المراد الأصلي والدافع الرئيس للامتناع الزكاة، ليس الطمع والبخل بالأموال، بل كان ذلك رفضًا منهم لخلافة أبي بكر وشرعيّته. مع هذا، فإنّه صحّح جعل رافضة الخلافة مرتدّين من قِبَل أبي بكر، وأيّد ما قام تجاههم[13].

· في بحث (حروب الردّة، أبعادها الدينيّة والسياسيّة)، جُعلت السياسة والدِين متشابكينِ أشدّ التشابك، والتداعيات والأزمات التي أحدثتها حروب الردّة، مثيرةً لأزمةٍ دينيّة. إذ بتضعيف الدولة، سيكون نشر أحكام الشريعة ودعمها في مأزقٍ كبير؛ ومن هذا المنطلق، أُرجعت جميع النزاعات السياسيّة لحروب الردّة إلى مطلوبٍ دينيّ. من جهةٍ أخرى، جُعلت حروب الردّة مطابقةً لما كان يحاوله النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من الغاء العنصريّة القِبليّة والعرقّية، والسعي إلى توحيد صفوف المسلمين كمجتمعٍ متكافئٍ متماسكٍ في جميع طبقاته[14].
القدر المشترك في هذه الدراسات، هي محاولة تصحيح ما قام به أبو بكر تجاه مانعي الزكاة؛ فنجد في بعض البحوث سعيًا إلى تصحيح الأسس التي قام بموجبها أبو بكر بإعلان ارتداد مانعي الزكاة، ونجد بعضًا منها حاول أن يبيّن الآثار الإيجابيّة لحروب الردّة التي أثّرت في تسريع سير الفتوحات الإسلاميّة فيما بعد. ومن الجدير بالذكر في هذه البحوث، هو أثر حروب الردّة في توحيد صفوف المسلمين وتهميش المعارضة لخلافة أبي بكر. مع أنّ مدّعى هذه الدراسات يُعدّ مخالفًا لما يسعى البحث الحاضر إلى تبيينه، لكن قد نتفّق في هذه النقطة.

في المقابل وخلافًا لمعظم استنتاجات الدراسات السابقة، أشار بعض الباحثين إلى أنّ الهدف الرئيس من إعلان مانعي الزكاة مرتدّين، إنّما كان لتهميش أزمة الخلافة التي كان يعيشها المجتمع آنذاك:
· أشار بعضهم إلى أنّ السبب الرئيس للامتناع عن دفع الزكاة كانت دعوى أحقّية أهل البيت(عليهم السلام) بالخلافة. فإنّ القاضي نور الله التستري (ت 1019هـ) يرى الهدف الرئيس من امتناع القبائل المسلمة من دفع الزكاة إلى أبي بكر وعامليه، إنّما كان ناشئًا عن عدم اعتقادهم بمشروعيّة خلافة أبي بكر، واعتقادهم بأحقّيّة أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخلافة[15].
· زعم إبراهيم بيضون أنّ حروب الردّة أسهمت بالفعل في توحيد صفوف المسلمين وتكتّلها حول الخليفة؛ إذ المدّة التي أعقبت خلافة أبي بكر شهدت معارضات عدّة من مختلف طبقات المجتمع المدني. ورأى بيضون أنّ الإيجابيّة الكبرى لهذه الحروب كامنة في تيسير حل أزمة الحكم التي كانت تعيشها الخلافة، وبذلك أدّت إلى تراجع المعارضة[16].
· أشار مادلونغ (Madelung) في دراسته التحليليّة عن حروب الردّة، إلى أنّ أبا بكر كان يعتبر لنفسه ما كان لرسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) من شرعيّةٍ وحقوقٍ في الحكم، فكان يرى أنّه من الواجب على الجميع أن يدفعوا الزكاة والصدقات إليه. ولم يقم بأيّة مبادرةٍ سلميّةٍ تجاه مانعي الزكاة، بل حاربهم بإعلان ارتدادهم بمنع الزكاة[17].

· يرى حسن سعيد سيّد مرزوق في كتابه (حركة الردّة في البحرين) الذي اختصّ بالبحث عن أخبار ردّة أهل البحرين، في الجواب عن مدى علاقة تشيّع أهل البحرين والدعم لحقّ خلافة علي بن أبي طالب(عليه السلام) مع تهمة الارتداد لهم، بالاعتماد على الأخبار والروايات التاريخيّة عن ردّة أهل البحرين، يرى أنّ ردّة قبيله بكر بن وائل لم تكن ثابتةً لهم جميعًا، ولم تكن بدواعٍ اعتقاديّة. بل لأنّهم لم يجدوا مقوّمات الخلافة، من الشجاعة والقوة في الرأي، في شخصيّة أبي بكر[18].
مع أنّ هناك مَن سلّط الضوء على حروب الردّة من جهة الأسباب، والأخبار، وتقديم الاستنتاجات، لكن قلّما نجد بالاعتماد على المصادر الأوليّة، التركيز على علل منع الزكاة من قِبَل القبائل المسلمة، وتبيين الصلة بين منع الزكاة وتحدّي شرعيّة الخلافة، وعلى كون هذا الامتناع بمنزلة عصيان مدنيّ تجاه الدولة. من زاويةٍ أخرى، نجد أنّ المصادر التي أتت بأخبار الردّة ومانعي الزكاة قد وجّهت تهمة الارتداد إلى مانعي الزكاة، كما وجّهتها إلى مَن تأثّر بدعوى مدّعي النبوّة فخرج من الدِّين بالفعل. هذا الأمر مستمدٌّ من الروايات التاريخيّة التي تحكي عن البيئة الفكريّة للمجتمع عند اندلاع تلك الحروب، البيئة التي إنْ عرفناها وتوصّلنا إلى معلومات عنها، سيتّضح لنا كثيرٌ من الزوايا النائية عن النور. نظرًا إلى ذلك، تكون دراسة وقائع حروب الردّة في ضوء المصادر الأصليّة، أمرًا ذا أهميّة.

الزكاة ومنعها في العصر النبوي
إنّ السيرة النبويّة تستمدّ أهميّتها من مركزيّة شخصيّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) في الفكر الإسلامي. ولمّا كان النبيُّ (صلى الله عليه وآله وسلم) أسوةً حسنةً للناس جميعًا، والقول والفعل النبوي من أساسيّات التشريع الإسلامي، فإن تبيين الأحكام والوقائع الدينيّة والسياسيّة في ذلك العصر يكون له أهميّة كبرى.

ولم تستثن مسألة الزكاة وأحكام مانعيها في السيرة النبويّة من ذلك، فمن هذا المنطلق وفي سبيل تمحيص قرار أبي بكر تجاه مانعي الزكاة، علينا أنْ نعرف أنّه هل كانت لهذه المسألة سابقةٌ في العصر النبويّ؟ وهل في الأحاديث النبويّة ما يسوّغ الحكم على مانعي الزكاة بالارتداد، ويشرّع قتالهم أم لا؟ هذا الأمر يوضّح مدى لزوم دراسة أخبار الزكاة ومنعها في العصر النبويّ.
وفقًا لبعض الروايات التاريخية، إنّ الزكاة شُرّعت في شعبان عام 2هـ[19]. وهناك روايات أخرى تاريخيّة وحديثيّة، تنصّ على أنّ الزكاة قد شُرّعت بعد شهرٍ ونصفٍ من الهجرة النبويّة إلى المدينة[20]. وجاء في روايةٍ أخرى أنّ النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) قبل نزول حكم الزكاة، قد أمر المسلمين بها أمرًا إرشاديًّا دون وجوب، وبعد وجوبها التشريعي لم يأمرهم بها مجدّدًا كحكمٍ جديد[21]. يؤيّد ذلك الإشارة إلى الزكاة في محاورات المسلمين مع النجاشي حاكم الحبشة[22]. يُمكن القول بأنّ الزكاة كانت في بادئ الأمر صدقةً واجبةً على المسلمين، تتغيّر أحكامها وفقًا لحال المسلمين، وبعد ذلك وفي حوالي عام (9هـ)، نزلت أحكام الزكاة وموارد صرفها في سورة التوبة[23].
يظهر من تاريخ العصر النبوي، أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) كانت له عنايةٌ بالغةٌ بمسألة الزكاة؛ إذ نجد في الرسائل التي بعثها النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى مسلمي الجزيرة العربيّة، أنّ الزكاة كانت من الشروط الأساسيّة للإسلام[24]. الأمر نفسه نجده في عام الوفود وإعلان القبائل عن إسلامها؛ فقد أكّد النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على مسألة الزكاة في محاوراته مع الوفود الحجازيّة واليمنيّة[25]، وإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بوصوله إلى المدنية في عام (10هـ)، وبعد حجّة الوداع، أرسل جُباة الزكاة إلى أرجاء الحدود الإسلاميّة[26].

مع الأهميّة البالغة للزكاة والصدقات في العصر النبويّ لكنّنا لم نجد أخبارًا تتحدث عن ظاهرة منع الزكاة في المصادر الإسلاميّة، سوى خبرٍ واحدٍ عن منع بعضٍ من بني تميم الزكاة، وليس كلّها فضلًا عن قبائل أخرى [27]، وهذا يدلّنا إلى أنّه لم يحدث منع الزكاة في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) فلم تكن لذلك سابقةٌ في الإسلام قبل وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)[28]. كما يدلّنا على ذلك قول الفقهاء إنّ الحكم على مانعي الزكاة بالارتداد كان ناتجًا عن اجتهاد أبي بكر، إذ لم يسبق ذلك الحكم في حياة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فرأى الشافعي (ت 204هـ) قرار أبي بكر بشنّ الحرب على مانعي الزكاة، ناتجًا عن رأي الخليفة واجتهاده[29]، وقال ابن حزم (ت 456هـ) إنّ الشافعيّة والحنفيّة لم يروا ارتداد مانعي الزكاة، فخالفوا فعل أبي بكر فيهم[30]، وقد صرّح ابن عبد البر(ت 463هـ) بأنّ قرار شنّ الحرب على مانعي الزكاة كان ناشئًا عن الرأي والتأويل[31]. وروى ابن الجوزي (ت 597هـ) عن أنس بن مالك (ت 93هـ) أنّ الصحابة كرهوا قتال مانعي الزكاة؛ لأنّهم كانوا من أهل القبلة[32].
تدلّنا الأحاديث والآثار عن منع الزكاة إلى الأمر نفسه. وربما نجد في بعض المصادر الحديثيّة ما يدل على أنّ مانعي الزكاة مرتدّون؛ لكن بالتدقيق في الأسانيد، نجد هذا الحكم إنّما صدر عن بعض الصحابة والتابعين، لا عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) نفسه[33]. وفي المقابل، نجد الأحاديث النبويّة منذرةً بعذابٍ في يوم الحساب لمانعي الزكاة[34]، لكن لا أثر فيها لجعلهم مرتدّين، أو لتجويز الهجوم العسكري عليهم. على هذا، يبدو أنّه لا يوجد عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) شيءٌ في ارتداد أو كفر مانعي الزكاة، وجواز قتالهم.

أسباب إصرار أبي بكر على أخذ الزكاة
لا شكّ في وجوب دفع الزكاة في العصر النبوي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أو عمّاله. جاء في روايةٍ عن ابن سيرين (ت 110هـ)، أنّ الزكاة كانت تُدفع إلى رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن بعده إلى أبي بكر وعمر، وحين قُتل عثمان، قد اختلف الناس في أنّه إلى من يجب دفع الزكاة[35]. ذكر ابن أبي شيبة (ت 235هـ) في قسمين مختلفين من مصنّفه، أحاديث وآثارًا في وجوب دفع الزكاة إلى السلطان، أو وجود رخصة في عدم تسليمها إليه[36]. بالنظر إلى رواة هذه الآثار، نجد أنّ هذا الخلاف قد وقع في وجوب دفع الزكاة إلى السلطان، أي الحاكم السياسي الذي أعقب مدّة الخلافة الراشدة. بغضّ النظر عن هذه الاختلافات، فإنه وفقًا لما جاء عن ابن سيرين، فإنّ الزكاة في الصدر الأول كانت تدفع إلى الحاكم السياسي، ففي العصر النبوي إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، وفي عصر الخلفاء إلى الخليفة.

حين امتنعت بعض القبائل المسلمة عن دفع الزكاة إلى عمّال الخليفة، كان الإعتقاد بلزوم دفع الزكاة إلى الحاكم سائدًا في المجتمع الإسلامي، وقد أشار أبو الهيثم بن التيّهان (ت 37هـ) إلى ذلك ضمن أبيات حين اطّلع أبو الهيثم على ارتداد بعض القبائل متأثّرةً بدعوى مدّعي النبوّة، أكّد في خطبةٍ على لزوم قيام حاكمٍ من بني هاشم أو قريش، وبعد ذلك أشار في أبياته إلى أنّه لابدّ من حاكمٍ يقوم بأخذ الزكاة[37]. فيدلُّ ذلك على أنّ أحد الواجبات الرئيسة للحاكم كانت أخذ الزكاة.
وهناك روايةٌ تاريخيّةٌ أخرى تؤكّد وجود الإرتباط بين مسألة الزكاة والخلافة، مفادها أنّ بعض عمّال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) على الزكاة في مناطق مختلفة، حين علموا بوفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) رجعوا إلى المدينة[38]. فمن المحتمل أن يكون رجوعهم للإستطلاع عمّن خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). وإنّ ما سيأتي في أسباب منع الزكاة من قِبَل القبائل المسلمة، سيؤكّد وجود علاقةٍ وثيقةٍ بين مسألة دفع الزكاة إلى الخليفة، وشرعيّة خلافته.
هذه العلاقة، يمكن العثور عليها أيضًا في إصرار أبي بكر على أخذ الزكاة من مانعيها؛ ففي روايةٍ جاءت في المصادر التاريخيّة والحديثيّة مكرّرةً وبأسانيد مختلفة، قال أبو بكر في قتال مانعي الزكاة: «والله لو منعوني من الزكاة عقالًا[39] ممّا كان يأخذ منهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، لقاتلتهم عليه أبدًا»‏[40]. هذا القول يوضّح السببب الكامن خلف إصرار الخليفة على قتال مانعي الزكاة؛ فقد جعل أبو بكر لنفسه مقامًا في عرض مقام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). فبما أنّه كان يرى نفسه خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فكان يرى لزامًا على الناس أنْ يدفعوا إليه ما كانوا يدفعون إلى النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) من أموال الزكاة والصدقات. إذًا، الإمتناع عن دفع الزكاة إلى أبي بكر يعني عدم الإعتقاد بكونه خليفةً لرسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، الأمر الذي يهدّد شرعيّة الخلافة.
في روايةٍ صادرةٍ في البيئة الفكريّة نفسها، سُئل بعض مَن شهد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عمّن خالف بيعة أبي بكر، فأجاب: «لا، إلّا مرتدّ أو مَن قد كاد أن يرتد»[41]. نجد في هذه الرواية أنّ من خالف بيعة أبي بكر بعد وفاة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، قد عُدّ مرتدّا. هذا يوضّح سبب جعل مانعي الزكاة مرتدّين؛ إذ كانت معارضة خلافة أبي بكر تُعدّ ارتدادًا. يجب هنا التنبيه إلى أمرٍ آخر، وهو أنّ هذه الفكرة مع كونها شائعةً آنذاك، لكن لم تشكّل اعتقاد الأغلبيّة؛ إذ نجد أنّ جمعًا من الصحابة خالفوا بدءًا محاربة مانعي الزكاة بتهمة الارتداد، وسيأتي أنّ الأنصار في قضيّة قتال بني تميم، قد وقعوا في شكٍّ بشأن شرعيّة قرار محاربتهم. يمكن القول بأنّ مرادفة عدم بيعة أبي بكر مع الارتداد، كانت ممّا يعتقده مؤيّدو خلافته لا الطبقات الوسطى من المجتمع.

ردّ فعل الصحابة تجاه قرار أبي بكر على قتال مانعي الزكاة
تكتسب دراسة ردود فعل صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) تجاه قرار أبي بكر على قتال مانعي الزكاة أهميّةً مؤكّدةً ناشئةً من أنّ الصحابة الذين عاصروا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أعوام عدّة، قد شاهدوا أفعاله وسمعوا وأقواله (صلى الله عليه وآله وسلم). فأيًّا كان ردّ فعلهم، سواء وافقوا أبا بكر أم خالفوه، فإنّ ذلك يعكس الأجواء الفكريّة في ذلك الظرف الزمني عند الطبقة النُخبويّة للمجتمع. كما يرينا أنّ رأي الصحابة وموقفهم، هل كان موافقًا لموقف الخليفة أم لم يكن كذلك؟ فاختلاف المواقف يبرز أثر المسائل السياسيّة والكلاميّة على قضيّة قتال مانعي الزكاة.

وقد مرّ سابقًا، أنّ وراء انطلاق حروب الردّة سببان رئيسان هما: الارتداد الحاصل عن قبول دعوى المتنبّئين، والامتناع عن دفع الزكاة إلى أبي بكر. كان من الطبيعي أنّ المجتمع الإسلامي يستنكر الارتداد الناشئ عن قبول دعوى مدّعي النبوّة، ويؤكّد وجوب مجابهة تلك الظاهرة؛ إذ هذا الأمر كان ينفي ختم النبوة برسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فيؤدّي إلى الخروج من الدِين. لكن الأمر في قتال مانعي الزكاة لم يكن كذلك، فهناك مِن الصحابة مَن خالفه.
أُشير في ما تقدّم إلى أنّ مِن مصادر التشريع الإسلامي هو القول والفعل النبويّ. وعلى ذلك، كان بعض الحكّام المسلمون يسعون إلى تطبيق سياساتهم مع السياسة النبويّة. فالمواجهة العسكريّة واستخدام القوة في مواجهة مانعي الزكاة، كان أمرًا لم يسبق له نظير في العهد النبوي، وقد كان بعض فقهاء المسلمين يرى الأمر كذلك. وبغضّ النظر عن الآراء الفقهيّة في قتال مانعي الزكاة التي مرّت الإشارة إليها، هناك بعض الروايات تدلّنا على كراهة بعض الصحابة لذلك؛ فقد نصح بعضهم أبا بكر أنْ يصرف النظر عن أخذ الزكاة في عامهم ويؤجّل ذلك إلى القادم كي يؤلّف قلوبهم، لكنّ الخليفة أبى إلّا أنْ يأخذها منهم ولو بلغ الأمر ما بلغ[42]. وكان مِن جملة المعترضين على قرار أبي بكر، عمر بن الخطّاب الذي استند في مخالفته لهذا القرار إلى كلام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بأنّ من شهد بأن لا إله إلا الله، وأنّ محمدًا رسول الله، قد عصم دمه وماله. لكن أبا بكر أصرّ على ما قرّر، وقال: «والله لو منعوني من الزكاة عقالًا[43] ممّا كان يأخذ منهم النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) لقاتلتهم عليه أبدًا»[44]. وفي بعض المصادر، قد نُسب ما قاله عمر بن الخطّاب والاعتراض على أبي بكر إلى جمعٍ من الصحابة[45].

ويُذكر في قضية هجوم جيش خالد بن الوليد على بني تميم الذي أدّى إلى قتل كبيرهم مالك بن نويرة، حين عرف الصحابي أبو قتادة الأنصاري (ت 38 أو 40هـ) بإسلام أهل تلك القبيلة، كره قتالهم واعترض على خالد حين رأى قتل المسلمين بأمرٍ منه، وعاهد الله ألّا يشهد معه مشهدًا ما دام حيًّا[46].

وفقًا لبعض الروايات أنّ عمر بن الخطاب حين استلم مقاليد الخلافة، أمر بإلافراج عن أسرى الحروب مع مانعي الزكاة، وإرجاع ما كان من أموالهم بيد المسلمين؛ لأنّه لم يرَ ارتداد مانعي الزكاة عن الإسلام، فلا يمكن أسرهم[47]. هذه النماذج ترينا أنّ المجتمع آنذاك كان في شكٍّ جواز قتال مانعي الزكاة بحجّة الارتداد، وفي عدّهم خارجين عن الدِين.

أسباب امتناع القبائل المسلمة عن دفع الزكاة
إنّ مسألة حروب الردّة ومنع الزكاة، أخذت حيّزًا من المصنّفات التاريخيّة. فليس ثمّة مصدرٌ تاريخيّ إلّا وقد جاء برواياتٍ عن حروب الردّة، لكن المصادر مختلفة في ذلك من جهة التفصيل والاختصار؛ فإنّ الواقدي(ت 207هـ) أورد تفاصيل عن قضايا منع الزكاة في كتابه (الردّة)، أكثر ممّا قدّم الطبري (ت 310هـ) في كتابه (تاريخ الأمم والملوك). وإنّ الطبري في أخبار منع الزكاة، جاء بمعظم رواياته عن سيف بن عمر التميمي(ت 180هـ). ويبدو أنّ اليعقوبي (ت 292هـ) في تاريخه، وابن أعثم الكوفي (ت 314هـ) في كتابه (الفتوح)، قدّما ملخَّصًا ممّا جاء به الواقدي في (الردّة). وبذلك يكون كتاب (الردّة) للواقدي بمنزلة المصدر الرئيس لأخبار حروب الردّة، ولاسيّما قضيّة امتناع القبائل المسلمة عن الزكاة.

في هذا القسم، سنسلّط الضوء على الاحتجاجات والأسباب التي أدّت إلى منع الزكاة من قِبَل قبيلة بني تميم برئاسة مالك بن نويرة، وأهل البحرين، وقبيلة كندة، وأهل حضرموت. ونحاول عرض الاحتجاجات التي حصلت بين أفراد هذه القبائل مع عمّال أبي بكر على الزكاة، كي تحصل لنا في النهاية صورة أوضح عن أسباب منع الزكاة من قِبَلهم. ما هو مهمّ في البين، الأشعار التي قيلت في هذه الاحتجاجات؛ إذ الشعر والأدب في كلّ مجتمع، مرآةٌ للحركة الفكريّة فيه.

أ) بنو تميم برئاسة مالك بن نويرة
وَفَد مالكُ بن نويرة على النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) في حدود عام (9هـ) مع وفد بني تميم لإعلان إسلامهم، فعيّنه رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) عاملًا على زكاة قومه الذين كانوا يشكّلون قسمًا من قبيلة بني تميم. قد قُتل مالك في هجوم خالد بن الوليد عليهم جراء حروب الردّة، في عام (11هـ)[48].

يبدو أنّ مالك بن نويرة وقومه كانوا أوّل من امتنع عن الزكاة؛ فإنّ مالكًا حين بلغه وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، خاطب قومه، فقال: "يا بني تميم، إنّكم قد علمتم بأنّ محمّد بن عبد الله كان قد جعلني على صدقاتكم قبل موته، وقد هلك محمّد ومضى لسبيله، ولابدّ لهذا الأمر مِن قائمٍ يقوم به، فلا تُطمعوا أحدًا في أموالكم، فأنتم أحقّ بها من غيركم". ثم قال في أبياتٍ منها:


يقول رِجَالٌ سُـدِّدَ الْيَوْمَ مَــــالِكٌ وَقَــوْمٌ يَقـُولـُوا مَالِكٌ لَمْ يُسَدَّدِ

...

فَإِنْ قَامَ بِالأَمْرِ الْمُخَوَّفِ قَائِمٌ أَطَعْنَا وَقُلْنَا: الدِّينُ دِينُ مُحَمَّدِ

لقد ازداد غضب أبي بكر حين وصلت هذه الأبيات إليه، وحقد خالد بن الوليد على مالك، وحلف أنْ يقتله إنْ تمكّن منه[49].
كان خالد بن الوليد قد خرج من قبل لقتال المرتدّين من الهوازن بأمرٍ من أبي بكر، وبأمره ذهب إلى قتال مالك وقومه. حين عرفت الأنصار أنّ خالدًا قد عزم على قتال المسلمين من بني تميم، عارضهم الشكّ في قتالهم، فكفّوا عن نصرة خالد[50]. كان سبب امتناع الأنصار أنّ الخليفة لم يأمرهم بقتال بني تميم، فأكّد خالد أنّ قتال مالك وقومه إنّما هو بأمرٍ من أبي بكر، وأعلمهم أنّه سينزل أرض البطاح الذي يسكنها بنو تميم، وبعد مدّةٍ قصيرةٍ، عزمت الأنصار على اللحوق بخالد خوفًا من العار والسبّة، فتبعوه ولحقوا به[51].

في غارة خالد على بني تميم، قد أُسر جمعٌ من المسلمين منهم فأمر بقتلهم، فقال قومٌ من الأسرى إنّه لا يحقّ لأحدٍ قتل المسلمين، فأجابهم خالد بأنّهم لم يُصلّوا. عند ذلك وثب أبو قتادة الأنصاري وشهد بأنّ القوم قد صلّوا معهم، لكن خالدًا أصرّ على قتلهم، فقال: "إن كانوا قد صلّوا معكم، فقد منعوا الزكاة التي تجب عليهم، ولابدّ من قتلهم‏". وبعد قتل الأسرى وبالإستدلال نفسه، قُتل مالك بن نويرة[52].
روى الطبري أنّ سجاح بنت الحارث التميمة التي ادّعت النبوّة، قد راسلت مالكًا فأجابها[53]. لكن لا أثر لهذا في رواية الواقدي، والواقدي هو المصدر الرئيس لأخبار الردّة كما أوضحنا سابقًا. ويظهر من حوار خالد ومالك بن نويرة قبل قتله، أنّه قُتل بسبب منع الزكاة فحسب، فلا أثر لقبول مالك دعوى نبوّة سجاح، وحين أراد خالد بن الوليد قتل ابن نويرة، قال مالك: «أتقتلني وأنا مسلمٌ أصلّي القبلةَ؟» فأجابه خالد: «لو كنتَ مسلمًا لما منعت الزكاةَ ولا أمرتَ قومَك بمنعِها، والله لما قِلتَ بما في مقامِك حتّى أقتلَك‏»[54].

الذي يهمّ في المقام، احتجاج مالك بن نويرة وسبب قتله بيد خالد بن الوليد، والظاهر في حجّة مالك على منع الزكاة وأموال الصدقة، هي مسألة تعيين قائم للأمر الذي يُراد به خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). هنا تظهر العلاقة بين منع الزكاة ومسألة الخلافة؛ فإنّ مالكًا أعلن بكلّ وضوح ٍوصراحةٍ عن إسلامه في مواطن عدّة، في خطابه لقومه والأبيات التي أعقبها كلامه، وتصريحه بذلك حين أراد خالد قتله. كان ذنب مالك الذي أدّى إلى قتله، هو امتناعه عن الزكاة، لا لأنّه لا يراها واجبةً كي يخرج بذلك من الإسلام ويصبح مرتدًّا، بل لأنّه كان ينتظر قيام خليفةٍ يرى شرعيّة حكمه. الأمر الذي ظهر في بيت الشعر الذي قال فيه إنّه في حال قيام شخصٍ بالأمر المخوّف ـ مشيرًا بذلك إلى الخلافة ـ يكون مالك تابعًا له ويؤدّي إليه زكاته؛ لذا يكون سبب غضب أبي بكر عند سماع أبيات مالك، وحقد خالد عليه يكون واضحًا؛ إذ مالك بن نويرة بامتناعه عن دفع الزكاة إلى أبي بكر، إنّما تحدّى شرعيّة خلافته.
يُعزز ذلك أنّ المسألة التي لأجلها قُتل مالك إنّما هو دائر مدار امتناعه عن الزكاة، لا أنّه خرج عن الإسلام أو أنكر ضروريًّا من ضروريّاته. فإنْ كان أنّ امتناع مالك وقومه أوّل حدثٍ من نوعه، فالصرامة والعنف المستخدم تجاهه يكون مبرَّرًا بالمعيار السياسي؛ إذ التمرّد يجابه بالقوّة والصرامة، لمنع التمرّدات الأخرى من نوعه، فربما كان هذا هو السبب الكامن وراء العنف المستخدم تجاه مالك وقومه.

وممّا يؤكّد صلة منع الزكاة بالاعتقاد بعدم مشروعيّة خلافة أبي بكر، هو ما جاء به ابن شاذان القمّي (ت حدود 600هـ)؛ إذ روى أنّه لمّا وصل ركب جيش الخلافة مع أسرى قبيلة مالك إلى المدينة، فإنّ إحدى نساء بني تميم رأت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب(عليه السلام)، فحين عرفته قالت له: «لعلّك الرجل الذي نصبه لنا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)‏ صبيحة يوم الجمعة بغدير خمّ علمًا للناس؟»، فقال(عليه السلام): «أنا ذلك الرجل». قالت: «مِن أجلك أصبنا ومِن نحوك أوتينا؛ لأنّ رجالنا قالوا: لا نسلّم صدقات أموالنا ولا طاعة نفوسنا إلّا إلى مَن نصبه محمد(صلى الله عليه وآله وسلم) فينا وفيكم علمًا»[55].

هذا الخبر يضيف سببًا آخر لمنع زكاة بني تميم ـ إنْ صحّحنا هذه الرواية ـ فلم يكن السبب في منع الزكاة تحدّي شرعيّة خلافة أبي بكر فحسب، بل هناك دعوى لشرعيّة خلافة علي بن أبي طالب(عليه السلام). فتسليم الزكاة إلى الخليفة يساوي تسليم الطاعة له.

ب) أهل البحرين
في عام 9هـ، جاء وفد بني عبد القيس من البحرين إلى المدينة كي يعلنوا إسلامهم للنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)[56]، وبعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، ارتاب جمعٌ منهم، وشكّوا في نبوّته (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ إذ قالوا: «لو كان محمّدٌ نبيًّا لَما مات»، فارتدّوا عن الإسلام، لكن هذا الارتداد لم يدمْ طويلًا؛ إذ قام الجارود من كبار مشايخهم واستدلّ عليهم بنبوّة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، فأرجعهم إلى الرشد والإسلام[57].
جمعٌ آخر من أهل البحرين ـ وهُم قبيلة بكر بن وائل ـ حين بلغهم وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وخلافة أبي بكر، رجّحوا الإنتماء إلى الحكومة الساسانيّة المتمثّلة بحكومة الحيرة العربيّة في العراق. لذلك أرسلوا وفدًا إلى كسرى، الحاكم الساساني، ليبلغه وفدهم: «أنّه قد مضى ذلك الرجل [من‏] العرب الذي كانت قريش وسائر مضر يعتزّون به، [يعنون بذلك رسول الله صلّى اللهُ عليه وآله]، وقد قام بعده خليفةٌ له ضعيف البدن‏، ضعيف الرأي»[58].

في الروايات التاريخيّة عن ردّة أهل البحرين، لم يكن ثمّة ذكرٌ لمنعهم الزكاة، بل جُعلت رغبتهم في الانتماء إلى حكومة الحيرة دليلًا على ارتدادهم. وعندما عرف المثنى بن حارثة الشيباني ـ وهو من صحابة النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم) ـ قصد بني بكر بن وائل، عذلهم وكتب إليهم ما منه:

لَنْ تُحِبَّ الْفُرْسُ بَكْرًا أَبَدًا مَا جَرَى الْبَحْرُ وَمَا أَوْفَى إِضَمْ

فَأَصَابَ الْقَوْمُ مِنْكُمْ فُرْصَةً ذْهَبُ الأَمْوَالُ فِيَها وَالْحُرَمْ

...

أَسْلِمُوا للَّه تُعْطَوْا سُؤْلَكُمْ إِنَّ مَنْ أَشْرَكَ باللَّه ظَلَمْ [59]

نجد في هذه الأبيات أنّ العنصرية العربيّة أدّى دورًا رئيسًا في الموضوع؛ فقد أنذر المثنى بن حارثة بني بكر من ذهاب الأموال والحُرَم، إثر انتمائهم إلى حكومة الحيرة، وفي النهاية، ساوى بين الارتداد والانتماء إلى الحكومة الساسانيّة. هذه الأبيات مرآةٌ للبيئة الفكريّة السائدة في ذلك العصر؛ فالتخلّي عن الهوية العربيّة، أيًّا كان سببه يعادل الكفر والارتداد؛ فهذا يدلّ أنّ الإسلام كان يعادل الهويّة العربيّة في ذلك العصر.\
لم يكن السبب الأساس في جعل أهل البحرين مرتدّين، هو امتناعهم عن دفع الزكاة، وإنْ كان ذلك ربما يعدّ الثمرة الطبيعيّة له، بل السبب في ذلك كان عزمهم على الخروج من رعاية حكم الخليفة إلى غيره. ولم نرَ أيّةَ روايةٍ تدلّ على خروج بني بكر بن وائل من الدِّين، أو انكارهم أحد ضروريّات الإسلام، أو قبولهم دعوى مُدّعي النبوّة، بل أصبح ذهابهم إلى كسرى وطلبهم الانتماء إلى حكومة الحيرة بمنزلة الارتداد عن الدِين، وهنا ترتبط تهمة الارتداد بمسألة الخلافة مرّة أخرى.

إنْ أخذنا كلام وفد البحرين إلى كسرى بعين الإعتبار، عرفنا أنّ أهل البحرين لا يرون مقوّمات الخلافة متوفّرةً في شخصٍ أبي بكر؛ لإنّهم لا يرونه ممّن تعتزّ به العرب وترتضيه، فقد وصفوه بالضعف في البدن والرأي. ربما كان في رأيهم أنّ مَن يكون في مقام النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، يجب أنْ يتحلّى بالشجاعة والقوة البدنيّة، وأنْ يتمتّع بالحنكة السياسيّة، وقوّة الرأي والنظر.

ج) أهل حضرموت وقبيلة كندة
إنّ الروايات التاريخيّة عن ردّة أهل حضرموت وقبيلة كندة، تنماز بتفاصيل أكثر من نظيريها. جاء أهل حضرموت مع وفدٍ من كندة إلى المدينة، وأعلنوا أسلامهم أمام رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)[60]. حدث ذلك على الأرجح في عام الوفود، أي حدود عام 9هـ.

كان زياد بن لبيد الأنصاري، عامل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) على زكاة حضرموت[61]، وبعد وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) واستلام أبي بكر الخلافة، جاء زياد لأخذ أموال أهل ذلك المَصر باسم الخليفة. واجه زياد في بادئ الأمر مخالفة الأشعث بن قيس الكندي من رؤساء قبيلة كندة؛ إذ قال الأشعث لزياد: «يا هذا، إنّا قد سمعنا كلامك ودعاءك إلى هذا الرجل، فإذا اجتمع الناس إليه اجتمعنا». أكّد زياد بن لبيد أنّ الناس قد اجتمعت على أبي بكر، لكن الأشعث أبدى شكّه في ذلك[62]. وتظهر هنا مرّة أخرى علاقة منع الزكاة مع عدم الاعتراف بشرعيّة الخلافة، يؤكّد ذلك أنّ بعض المصادر عدّت الأشعث بن قيس الكندي ممّن امتنع عن بيعة أبي بكر في بادئ الأمر[63]. لم يكن جميع أفراد القبيلة متّفقًا مع رأي الأشعث، إذ امرؤ القيس بن عابس قد حذّر الأشعث وقال: «إنّ هذا الأمر لابدّ له من قائمٍ يقوم به، فيقتل من خالفه عليه؛ فاتقِ الله في نفسِك، فقد علمتَ بما جرى على من خالف أبا بكر من العرب، ومنعة الزكاة»[64].

إنّ الطبري ـ من دون أن يشير إلى الحوار الذي جرى بين زياد بن لبيد والأشعث بن قيس ـ جعل سبب امتناع كندة من الزكاة، الخلاف على ناقةٍ كانت ضمن أموال الصدقة لشابٍ امتنع عن التخلّي عنها، فأمر زياد بأخذها، وحبس صاحبها. هذا الأمر هيّج غضب قبيلة كندة[65]. لكنّ الواقدي أتى بتكملةٍ لهذه القصة تقول بأنّه بعد ذلك، أقبل حارثة بن سراقة فأخرج تلك الناقة من أموال الصدقة وأرجعها إلى صاحبها، ثمّ قال له: «خذْ ناقتَك إليك، فإنْ كلّمك أحدٌ فاخطمْ أنفَه بالسيف. نحن إنّما أطعنا رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) إذ كان حيًّا، ولو قام رجلٌ من أهل بيته لأطعناه. وأمّا ابن أبي قحافة، فما له طاعةٌ في رقابنا ولا بيعة». ثمّ قال:

أَطعنـا رســولَ اللهِ إذ كـانَ وَسْطَنا فيا عَجـــــبًا ممّنْ يُطيــــــعُ أبـا بكرِ

لِيـــُورِثَهُ بَكــــرًا إذا كانَ بــَــعدَهُ وتــلكَ وبيـــتِ اللهِ قاصــمةُ الظــهرِ

...

وما لِبَنــِي تَيـــْــمِ بنِ مُــرَّة إِمـْــرةٌ عَلَيـنا ولا تـلكَ القبـائلُ مـنْ فــِــهْرِ

لأنّ رســـولَ اللهِ أوجــــبَ طـــاعةً وَأَوْلى بِما اسْتَولى عَلَيهم منِ الأمرِ[66]

وجاء في نسخةٍ أخرى من هذه الأبيات:

أَيأخذُها قَسْرًا ولا عهدَ عندهُ يُملِّكه فينا وفيكم عُرى الأمرِ[67]

إنّ زياد بن لبيد جمع ما اجتمع عنده من أموال الزكاة، وخرج ليلًا إلى المدينة، فكتب في الطريق يجيب حارثة بن سراقة:

نقاتلُكم فــي اللهِ واللهُ غالـبٌ على أمـرهِ حتّى تُطيـعوا أبا بـــكرِ

وحتّى تقولوا بعد خزيٍ وذلّةٍ رَضِينا بإعطاءِ الزكاةِ على القَسْرِ[68]

وفي نسخةٍ أخرى من أبيات زياد، اُشير إلى رضا الناس بخلافة أبي بكر[69].

حين وصلت أبياتُ زياد بن لبيد إلى أهل كندة، قام الأشعث بن قيس خطيبًا في قومه، وبعد أنْ حثّهم على وحدة الكلمة، قال لهم: «فإنّي أعلم أنّ العرب لا تقرُّ بطاعة بني تيمِ بنِ مرّة، وتدع سادات البطحاء من بني هاشمٍ إلى غيرها». ثمّ أنشد:

لَعَمْري لئنْ كانتْ قريشٌ تتابعت على بيعةٍ بعد الرسولِ وسمّحوا

بهــا لِبَنِي تَيــمِ بنِ مـــرّة جهــرةً وسمّوا عتيقًا عند ذاكَ وصرّحوا

أميـــرًا ونحّـــوا عنــه آلَ محمّدٍ وكانوا بها أولى هناك وأصلحُ[70]

في الطريق إلى المدينة، رأى زياد بن لبيد ألّا يعجّل المسير إلى أبي بكر، فرجع إلى حضرموت، ونزل على حيٍّ من أحياء كندة، ودعاهم إلى طاعة أبي بكر، فقال له الحارث بن معاوية من كبار كندة: «يا زياد، إنّك لتدعو إلى الطاعة لرجلٍ لم يُعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد»، فقال زياد: «صدقتَ، فإنّه لم يُعهد إلينا ولا إليكم فيه عهد، ولكن اخترناهُ لهذا الأمر». فأجابه الحارث: «أخبرني، فلِمَ نَحَّيتم عنها أهلَ بيتهِ وهم أحقُّ الناس بها؟ لأنّ الله (عزّ وجلّ) يقول: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّه﴾[71]». فأجاب زياد بن لبيد بأنّ المهاجرين والأنصار أنظر لاختيار الخليفة من سائر الناس، فاعترض الحارث كلامه وقال: «لا والله، ما أزلتموها عن أهلها إلّا حسدًا منكم لهم، وما يستقرُّ في قلبي أنّ رسولَ الله (صلّى الله عليه وآله وسلم)، خرج من الدنيا ولم ينصب للناس علمًا يتّبعونه. فارحلْ عنّا أيّها الرجل؛ فإنّك تدعو إلى غير رضا». ثم قال في أبياتٍ له:

كـــان الرســولُ هــو المُطاعُ فقد مضى صلّى عليــه اللهُ لـــم يستخلــــــــفِ

هـــذا مقــالُك يـا زيـــاد فــــــقد أرى أنْ قــــد أتيتَ بقـــولِ ســـوءٍ مخلــفِ

ومــقالُنـــا إنّ النبــيَّ مــــحمّــــــــدًا صــــلّى عليـــه اللهُ غيـــرُ مكلّــِــــفِ

تـــــركَ الخـــلافــــةَ بعـدَه لـولاتـــــهِ ودعــــا زيـــــادٌ لامرئٍ لم يعـــــــرفِ

إنْ كــان لابـنِ أبـي قحـافــــــةَ إمــــرةٌ فلـــقدْ أتــى في أمــــــــرهِ بتعسّــــفِ

أم كيفَ سَلَّــمتِ الخــلافةَ هـــــــاشمٌ لِعتيقِ تَيْمٍ كيــــف مــــا لــم تأنــــــفِ

أيّد عرفجة بن عبد الله الذهلي كلام الحارث بن معاوية، وقال: «صدقَ واللهِ الحارثُ بن معاوية، أخرجوا هذا الرجلَ عنكم، فما صاحبه بأهلٍ للخلافة، ولا يستحقّها بوجهٍ من الوجوه، وما المهاجرون والأنصار بأنظر لهذه الأمة من نبيّها صلى الله عليه وآله وسلم»، وأنشد قائلًا ما منه:

فمَنْ مُبْلِـغٌ عَنّا عَتيــــقًا رسالـــــةً لَبِستَ لبــــاسَ الظــالمينَ عـــــلانيهْ

لَحَا اللهُ مَن أعطـــاكَ طــاعةَ بيعةٍ مـُــقِرًّا ولا أبـــــقى له الدهــــرُ بـاقيهْ

أتَملِــكُها دون القـرابــةِ ظالــــمًا لـــك الذّبحُ ذَرْهــا إنّمـا هــي عَاريهْ[72]

حين وصلت إلى المدينة أخبار امتناع كندة عن دفع الزكاة، شاور أبو بكر الصحابة في ذلك، فاقترح أبو أيوب الأنصاري أنْ يمهلهم عامًا، وبعد ذلك يقدم على أخذ أموال الزكاة والصدقات منهم، لكنّ أبا بكر لم يأخذ بهذا الاقتراح، وقرّر أنْ يوجّه إليهم علي بن أبي طالب(عليه السلام) عليهم؛ لعدله وأقرار الناس بفضله وشجاعته وحكمته ورفقه. لكن خالفه عمر بن الخطاب محتجًّا بأنّه لو امتنع علي(عليه السلام) عن قتالهم، لم يتمكّن أبو بكر أنْ يقاتلهم على الزكاة أبدًا[73].

إنّ صلة منع الزكاة بعدم قبول شرعيّة خلافة أبي بكر، كانت سببًا رئيسًا في إعلان الحرب على كندة، بحسب ما نطقت به بوضوح النصوص التاريخيّة. وتزداد هذه الصلة وضوحًا في قرار أبي بكر بمصالحة كندة. فحين أراد أبو بكر أنْ يصالحها أرسل رسولًا إلى الأشعث بن قيس ومعه رسالةٌ موسومةٌ بوسم الخليفة، وحين فرغ الأشعث من قراءة الرسالة، قال: «إنّ صاحبَك أبا بَكرٍ هذا يُلزِمُنا الكفرَ بمخالفتِنا لهُ، وَلا يُلْزِمُ صَاحِبَهُ الْكُفْرَ بِقَتْلِهِ قَوْمِي!»، فأجابه الرسول: «نَعَمْ يَا أَشْعَثُ يُلْزِمُكَ الْكُفْرَ، إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَدْ أَوْجَبَ عَلَيْكَ الْكُفْرَ لِمُخَالَفَتِكَ لِجَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ»[74]. بعد ذلك طلب الأشعث الأمانَ من زياد بن لبيد عامل أبي بكر وقائد قواته، وأنشد أبياتًا إلى الخليفة يقرّ فيها بقبول حكم أبي بكر، جاء فيها:

إنّي أَصْبِرُ لِلْحُكُومَةِ مِنْ أَبِي ... بَكْرٍ فَيَنْظُرُ لِي فَنِعْمَ النَّاظِرْ

عند وصول هذه الأبيات إلى أبي بكر، كتب إلى زياد: «أما بعدُ يا زياد، فقدْ بَلغني أنّ الأشعثَ بن قيسٍ قد سألَكَ الأمانَ، وقد نزلَ على حُكمي، فإذا وردَ عليكَ كتابِي هذا، فاحملْهُ إليّ مُكْرَمًا، وَلا تَقْتُلَنَّ أَحَدًا مِنْ أَشْرَافِ كِنْدَةَ، صَغِيرًا وَلا كَبِيرًا، وَالسَّلامُ». لكن زياد كان قد أعمل السيف فيهم، قبل وصول الكتاب إليه، ثم حُملَ الأشعث مع ثمانين من أشراف قومه مصفّدين إلى المدينة، وجرى حوار بينه وبين الخليفة الذي اتّهمه بالارتداد، واقترح بعض الصحابة على الخليفة أنْ يقتله، فنفى الأشعث تلك التهمة، وبيّن حجّته، وخاطب أبا بكر بـ(خليفة رسول الله)، مقترحًا عليه أنْ يعفو عنه وعن قومه على أنْ يكون له ناصرًا، ويزوّجه أخته أمّ فروة بنت أبي قحافة، فكان له ذلك[75].

ولمّا كانت الأخبار عن ردّة كندة وأهل حضرموت تحمل تفاصيل أكثر، فإنّه يمكننا أن نبيّن العلاقة بين منع الزكاة وعدم الإعتقاد بمشروعيّة خلافة أبي بكر بنحوٍ أوضح؛ فقد وجدنا في المحاورات التي جرت في هذه القضيّة، أنّ مسألة الخلافة وتسليم الصدقات إلى الخليفة كان لها الدور المحوري في الموضوع؛ فقد وجدنا في الأشعار والمحاورات أنّ من امتنع عن دفع زكاته، كان لا يرى من استلم الحكم مُحقًّا في ذلك، ومؤهّلًا له. وإنّهم كانوا يرون في أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الفضل والقرابة، وأنّهم أحقّ بالخلافة من أبي بكر. وإنّ التفاضل القِبَلي أيضًا لعب دورًا مهمًّا في هذا المضمار، إذ كان في رأيهم أنّ العرب لا تدع بني هاشم، وتطيع شخصًا من بني تَيم.

حذّر امرؤ القيس بن عابس الأشعثَ من عواقب مخالفته لأبي بكر، فصرّح بأنّ مَن يتسلّم الأمر سيقتل المخالفين. وكذلك ذكّره بمصير من خالف الخليفة ومنع الزكاة. لكلام امرؤ القيس هذا أهميّةٌ مضاعفةٌ؛ إذ فيه أنّ منع الزكاة يعادل مخالفة أبي بكر، وهذا يعني أنّ منع الزكاة كان تحدّيًّا فعليًّا لشرعيّة الخلافة. الأمر المهمّ الثاني في هذه المحاورة، محوريّة القضيّة السياسيّة فيها؛ إذ نجد في تحذير امرؤ القيس، أنّ الموضوع الرئيس هو الخلافة وشرعيّتها.
النقطة المهمّة الأخرى في أخبار منع زكاة أهل حضرموت، بيان مبادئ عدم الإعتقاد بشرعيّة خلافة أبي بكر؛ فقد بيّن الأشعث بن قيس الكندي بعض تلك المبادئ، لكنّنا نجده في بعضها دائرًا مدار العنصريّة القبليّة؛ إذ حدّد الأشعث سبب معارضته لخلافة أبي بكر في عدم طاعة العرب لبني تَيْم، فهو سببٌ ناتجٌ عن الصراعات العرقيّة والقبيّلة، وفي مكانٍ آخر وضمن الأبيات التي أنشدها الأشعث، صرّح بأنّ آل محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) هم الأولى والأصلح بمنصب خلافة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم).

في خبرٍ آخر، نجد أنّ المحاورة التي جرت بين كلٍّ من الحارث بن معاوية، وعرفجة بن عبد الله مع زياد بن لبيد، قد بيّنت لنا الأسس الكلاميّة والعقدية لمخالفة شرعيّة حُكم أبي بكر، فلم يكن الطابع العنصري والعرقي سائدًا في تلك المحاورة؛ إذ جاء فيها أنّ أوّل سببٍ لعدم طاعة أبي بكر هو عدم وجود عهدٍ له في رقاب الناس. الأمر الذي أيّده زياد بن لبيد، جابرًا ذلك باختيار المهاجرين والأنصار لأبي بكر خليفةً رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم). والمبدأ الثاني لنفي شرعيّة الخلافة، كان أولويّة أهل بيت النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) بتصدّي للأمر مِن بعده، وقد قدّم الحارث لذلك دليلًا قرآنيًا متمثّلًا بقوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّه﴾[76]. ثمّة دليلٌ آخر تحمله لنا هذه المحاورة على أولوية أهل بيت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالخلافة، وهو أنّه ليس من المعقول أنّ النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) قد ترك الناس من دون أن يعيّن لهم علمًا يهتدون به.

لم يكن الهدف الرئيس من قتال كندة وأهل حضرموت أخذ الزكاة منهم، بل كان أخذ الإقرار بخلافة أبي بكر، وهذا الأمر ظاهرٌ في بعض المحاورات والأشعار كما مرّ، وأوضح دليلٍ على ذلك، الأبيات التي أنشدها الأشعث عندما نزل على حُكم أبي بكر، وعندما رأى أبو بكر الأشعث نازلًا على حُكمه كحاكم للمسلمين، عفا عنه. ومن الأدلة كذلك قول الأشعث بأنّه حين خالفوا حُكم أبي بكر، ألزم عليهم الكفر والارتداد. هذه الشواهد ترينا أنّ المسألة الأساسيّة في قتال مانعي الزكاة من كندة لم يكن لأجل أخذ الزكاة، والارتداد، بل كان السبب الرئيس امتناعهم عن قبول خلافة أبي بكر، الذي تمثّل بالامتناع عن دفع الزكاة إليه.

النتيجة
بعد أن عرفنا أنّ الزكاة كانت لابدّ أن تُدفع إلى الحاكم المتمثّل في عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) بالنبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، وبعد وفاته إلى الخلفاء من بعده، أدركنا وجود صلةٍ وثيقةٍ بين مسألة دفع الزكاة، أو تهمة الارتداد بالامتناع عنها، وبین قبول شرعيّة الحاكم أو الخليفة. وبدراسة ما تمسّك به أبو بكر في قرار قتال مانعي الزكاة، وجدنا أنّه كان يرى نفسه خليفة رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويرى لنفسه ما كان للنبي(صلى الله عليه وآله وسلم) من الحقوق والصلاحيّات، التي منها استحقاق أخذ الزكاة من المسلمين. فالإصرار على أخذ الزكاة من مانعيها بأي طريقٍ ممكن، إنّما كانت محاولةً لإضفاء الشرعيّة على خلافته.
لم يكن منع الزكاة، كما يظهر من التتبّع التاريخي للعصر النبويّ وموقف الصحابة تجاه مانعيها، أمرًا له سابقةٌ في العصر النبوي، وهذا الأمر ظاهرٌ في كلام الفقهاء عن حكم مانعي الزكاة؛ لأنّهم صرّحوا أنّ حكم أبي بكر بارتدادهم، ووجوب قتالهم؛ لأنّهم خرجوا عن الدِّين، إنّما كان ناتجًا عن الرأي والإجتهاد. وقد حاول بعض الصحابة منع أبي بكر عن قتال المسلمين، واقترحوا عليه تأجيل أخذ أموال الصدقة والزكاة، وتأليف القلوب، لكنّه لم يرتضِ ذلك كلّه.

في الروايات التاريخيّة عن أحداث حروب الردّة التي شُنّت على القبائل المسلمة، نجد لمسألة الخلافة دورًا محوريًّا فيها؛ إذ كان يعلم جميع أهل ذلك العصر، أنّه لابدّ أن يقوم قائمٌ بالأمر بعد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فقد صرّحوا بذلك في مواطن عدّة. لكن الخلاف في شخص ذلك القائم.

وجدنا في قضيّة مالك بن نويرة التي تبدو أنّها كانت الأولى من نوعها، أنّه قُتل ليس بسبب الكفر أو الارتداد أو الخروج من الدِّين، بل قُتل لأنّه منع الزكاة، لعددم الاعتقاد بشرعيّة الخليفة. وفي ردّة أهل البحرين، وإنْ لم يكن السبب الرئيس منع الزكاة بل محاولة الانتماء إلى حكومةٍ أخرى، لكن اعتقادهم بعدم وجود مقوّمات الحُكم في شخصيّة الحاكم وإرادتهم التخلّي عن قبول حكمه كان كافيًا ليجعلهم مرتدّين في رأي الخليفة. فتهمة الارتداد لأهل البحرين لم تأتِ من منع الزكاة أو الخروج من الدِين، بل جاء إثر الامتناع عن قبول خلافة الخليفة وشرعيّة دولته.

الخلاف على شرعيّة الخلافة في روايات ردّة كندة وأهل حضرموت، بلغ أعلى ذرواته. وبفضل التفاصيل التاريخيّة في أخبار هذه القضيّة، نتمكّن من تقديم أدلّةٍ أكثر صراحةً على مدّعانا، وهو أنّ الامتناع عن دفع الزكاة إلى الخليفة كان تحدّيًا لشرعيّة خلافته فحسب، وأنّ تهمة الارتداد إنّما جاءت إثر ذلك التحدّي. وتقدّم بيان أسباب عدم الإعتقاد بشرعيّة خلافة أبي بكر، فكان بعضها مرتبطًا بالعُرف القبلي والعرقي، وبعضها الآخر ناشئًا من المبادئ الكلاميّة والعقديّة.

بالنظر في الاستدلالات المقدَّمة مِن قِبَل القبائل المسلمة التي وُجّهت إليها تهمة الارتداد، نتمكّن من العثور على قدرٍ مشتركٍ بينها؛ هو أنّ تلك القبائل الثلاث لم تجد أبي بكر مستحقًّا للخلافة؛ لذا لم يقبلوا شرعيّتها. نعم، يختلف دليلُ كلٍّ منهم في التعبير عن رأيهم هذا؛ فأهل البحرين، لأنّهم لم يجدوا مؤهّلات الحكم من الشجاعة، وقوّة الرأي، واعتزاز العرب في شخص الخليفة، قرّروا أنْ عدم مبايعته، وسعوا للخروج دائرة حكمه. أمّا قبيلة مالك بن نويرة، فلأنّهم لم يجدوا خلافة أبي بكر قائمةً على أسسٍ شرعيّةٍ، فخالفوه ومنعوا دفع الزكاة إليه. وأما كندة وأهل حضرموت فقدّموا حججًا يقوم بعضها على أسسٍ دينيّة وعقليّة، ويقوم بعضها الآخر على أسس عرقيّةٍ وقبيلةٍ، لإثبات أنّه ليس لأبي بكر عهدٌ في رقابهم. إذًا كلّهم قد بيّنوا اعتقادهم بعدم شرعيّة حُكم أبي بكر بطريقٍ أو بآخر.
ما مرّ من دراسة أخبار منع الزكاة من قِبَل القبائل المسلمة في الجزيرة العربيّة، يسمح لنا أنْ ندّعي أنّ أبا بكر إنّما قرّر اعتبار مانعي الزكاة مرتدّين كي يضفي الشرعيّة على قتالهم. لا شكّ في أنّ ظهور دعوى النبوّة بُعيد وفاة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم)، أحدث أزمةً اجتماعيّةً في وجه حكومة أبي بكر الناشئة والمجتمع الإسلامي الذي لم يتجاوز بعد أهوال صدمة وفاة النبي(صلى الله عليه وآله وسلم). ولا شكّ أيضًا في أنّ المجتمع الإسلامي بأسره وبكلّ طبقاته الإجتماعيّة والفكريّة والسياسيّة، مَن خالف بيعة أبي بكر ومَن رضيَ بها، كان متّفقًا على وجوب مواجهة فتنة المتنبّئين ودفعها.
في تلك الظروف نفسها حين قرّرت بعض القبائل المسلمة منعَ الزكاة معلنةً عدمَ شرعيّة الخلافة، كانت السياسة المفضلّة لأبي بكر أن يحكم عليهم بالارتداد عن الدِين، وأن يقاتلهم بموجب ذلك. وبجعل مانعي الزكاة مرتدّين، تمكّن الخليفة من الحصول على هدفين بفعلٍ واحد: أولهما التمكّن من إضفاء الشرعيّة على قتال المسلمين الممانعين له، وثانيهما التمكّن من توحيد صفوف المسلمين في محاربة مانعي الزكاة بحجّة إنّهم كفروا بمنعهم لها. وبهذه الخطوات، تمكّن أبو بكر من تهميش أزمة شرعيّة الحكم، ومحاربة مخالفيه باستغلال الظروف التي هيّأتها قضيّة ارتداد القبائل العربيّة.

كان هناك مَن خالف قرار الخليفة بتقديم نصائح واقتراحات، لكن لم يقع أيٌّ منها موضع القبول عنده. ولم تتحوّل حركة معارضة قرار أبي بكر في قتال مانعي الزكاة إلى حركة معارضةٍ اجتماعيّةٍ؛ لأنّ الأزمة التي كان يعيشها المجتمع الإسلامي إثر دعاوى النبوّة كانت تهدّد كيان الإسلام، وهذا الأمر ظاهرٌ في كلام أمير المؤمنين(عليه السلام) حيث قال: «حتّى رأيتُ راجعةَ الناس قد رجعتْ عن الإسلامِ، يدعونَ إلى محقِ دِينِ محمّدٍ (صلى الله عليه وآله وسلم)، فخشيتُ إنْ لم أنصرِ الإسلامَ وأهلَه أنْ أرى فيه ثلمًا أو هدمًا، تكون المصيبةُ به عَلَيَّ أعظم من فوت ولايتِكم التي إنّما هي متاع ُأيامٍ قلائل»[77]. ‏بهذا نجد أنّ جميع اتجاهات المعارضة لخلافة أبي بكر، أيًّا كان منشأها، سياسيًّا أو قبليًّا أو كلاميًّا، دُفعت إلى الهامش، وما بقي في متن الأمور هو مواجهة المتنبّئين الكاذبين.
عند دراسة حوادث قتال مانعي الزكاة وتحليلها نجد أمرًا في غاية الأهميّة، ألا وهو كلام عمر بن الخطّاب لأبي بكر حين أراد أن يوجّه أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى قتال كندة؛ إذ أراد أبو بكر أنْ يرسل عليَّ بنِ أبي طالب(عليه السلام) «لفضله، وشجاعته، وقرابته، وعلمه، وفهمه، ورفقه بما يحال من الأمور»، لكن خشي عمر أنْ يأبى عليٌّ(عليه السلام) قتال القوم[78]. هذه نقطةٌ يجب الوقوف عندها؛ إذ لو كان مانعوا الزكاة مرتدّين كما زعم الخليفة، فلا وجه لتوقّف علي(عليه السلام) عن قتالهم! فأمير المؤمنين(عليه السلام) في سبيل رعاية المسألة الأهمّ وهو الحفاظ على الإسلام، سكت عن غصب حقّه الذي أعطاه الله سبحانه، فكيف يأبى عن قتال من يريد محق الدِّين؟! ومن جهة أخرى، فإنّ خوف عمر من امتناع علي(عليه السلام) عن قتال كندة ناشئٌ من علمه بواقع حال المجتمع؛ فرأينا في قتال قبيلة مالك أنّ الأنصار امتنعوا عن مشاركة خالد بن الوليد في ذلك ابتداءً؛ للشكّ في شرعيّة ذلك، وهذا الشك يبدو جاريًا أيضًا بين صحابة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) الذين كانوا في المدينة آنذاك، منهم علي بن أبي طالب(عليه السلام). إذًا، كان قد علم عمر أنّ عليًا(عليه السلام) لن يقاتل المسلمين، فإنْ عرضَ الخليفةُ عليه قيادةَ العسكر إلى كندة ورفضها، سيؤثّر ذلك على المسلمين جميعًا، وسينتابهم الشكّ الكبير في قتال مانعي الزكاة؛ إذ لعلي(عليه السلام) الفضل والسابقة والعلم، فعمله دليلٌ للناس في أفعالهم، وبلحاظ ذلك كان من الممكن أن يُعدّ امتناع علي(عليه السلام) عن قتال مانعي الزكاة تأييدًا لمعارضة شرعيّة الخليفة المتمثّلة بمنع الزكاة.

في نهاية المطاف وبقراءة النصوص والأخبار التاريخيّة عن قتال مانعي الزكاة، نتمكّن من ادّعاء أنّ منع الزكاة كان بمنزلة معارضةٍ اجتماعيّةٍ لشرعيّة خلافة أبي بكر، وهذا هو السرّ الكامن في العُنف المستخدم تجاه مالك وعشيرته؛ لأنّهم كانوا من أوّل من ابتدأ في ذلك. النقطة الثانية التي يمكن الحصول عليها من دراسة هذه النصوص، هو أنّ أبا بكر قد استغلّ أزمة الارتداد في سبيل تثبيت خلافته، وتصفية مخالفيه. والنقطة الثالثة، هي أنّ تهمة الارتداد الموجهّة للقبائل المسلمة، كانت ناتجةً عن تحدّي تلك القبائل لشرعيّة الخلافة. فكلُّ مَن خالف الإلتزام بحكم الخليفة وخلافته، أيًّا كان سبب ذلك، اُتّهم بالارتداد.
هذا الاستنتاج، إنّما هو ناتجٌ عن قراءة ما وصلنا من المصادر الأوّليّة التاريخيّة والحديثيّة. فربما إن كانت المؤلّفات التي أُلّفت عن حروب الردّة ـ التي لم يصل إلينا منها سوى عنوانها ـ قد وصلت إلينا، لأضاءت لنا الزاوايا المظلمة من هذا الحدث التاريخي وأسبابه، وملابساته.

قائمة المصادر والمراجع:
1. ابن أبي شيبة، عبد الله‏، المصنّف في الأحاديث والآثار، مكتبة الرشيد، السعودية- الرياض، ۱۴۰۹.
2. ‏‫ابن أعثم الكوفي، أحمد‏، الفتوح، دار الأضواء، لبنان – بيروت، ۱۴۱۱.
3. ‏‫ابن الأثير، علي بن محمد‏. أسد الغابة في معرفة الصحابة. لبنان- بيروت: دار الفكر، ۱۴۰۹.
4. ‏‫———‏، الكامل في التاريخ‏، دار صادر، لبنان- بيروت، ۱۳۸۵.
5. ‏‫ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي‏، زاد المسير في علم التفسير، دار الكتب العربي، لبنان- بيروت، ۱۴۲۲.
6. ‏‫ابن حزم، علي بن أحمد‏، المُحلَّى بالآثار، دار الفكر، لبنان- بيروت، ( د. ت).
7. ‏‫ابن سعد، محمد، الطبقات الکبری، دار الکتب العلميّة، لبنان- بيروت، ۱۴۱۰.
8. ‏‫ابن شاذان، شاذان بن جرئيل‏، الفضائل، منشورات الرضي، إيران- قم‏، ۱۳۶۳.
9. ‏‫ابن شبة، عمر‏، تاريخ المدينة، بی‌نا، السعوديّة – جدة، ۱۳۹۹.
10.‏‫ابن عبد البر، يوسف بن عبد الله‏، الاستذكار، دار الكتب العلميّة، لبنان – بيروت، ۲۰۰۰.
11.‏‫———‏، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، دار الجيل، لبنان- بيروت، ۱۴۱۲.
12.‏‫ابن قتيبة، عبد الله بن مسلم‏، الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء، دار الأضواء، لبنان – بيروت، ۱۴۱۰.
13.‏‫———‏، المعارف، الهیئة المصریّة العامة للکتاب، مصر- القاهرة ۱۹۹۲.
14.‏‫ابن كثير، اسماعيل بن عمر‏، البدایة والنهایة، دار الفکر، لبنان- بيروت، ۱۴۰۷.
15.‏‫ابن ماجة، محمد بن يزيد، سنن ابن ماجة، دار الرسالة العالميّة، (د. مك)، ۱۴۳۰.
16.‏‫ابن هشام، عبدالملك‏، السيرة النبويّة، دار المعرفة، لبنان- بيروت، (د. ت).
17.‏‫أبو الخير، محمود عبد الله‏، ديوان حروب الردّة، جهينة، الأردن – عمّان، ۲۰۰۴.
18.الأبشيهي، ‌محمد‌ محمد‏، حروب الردة أسبابها ونتائجها‏، مجلة التربيّة (کویت)، ع. 46 (۱۴۰۱): 102-5.
19.‏‫البخاري، محمد بن إسماعيل، صحيح البخاري، دار طوق النجاة، ( د. مك) ۱۴۲۲.
20.‏‫التستري، نور الله‏، الصوارم المهرقة في نقد الصواعق المحرقة، مطبعة النهضة، إيران- طهران، ۱۳۶۷.
21.الخليفة، حامد محمد‏، إمام الأمّة وقائدها خليفة رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) أبو بكر الصديق، حامي الإسلام من الرفض والردّة. دار الميمان، السعودية – الرياض،‏ ۲۰۱۱.
22.‏‫الدارمي، عبد الله بن عبد الرحمن‏، سنن الدارمي، دار المغني للنشر والتوزيع، السعوديّة، ۱۴۱۲.
23.‏‫الشافعي، محمد بن إدريس، الأم، دار المعرفة، لبنان – بيروت، ۱۹۹۰.
24.‏‫الشريف الرضي، محمد بن الحسن‏، نهج البلاغة هجرت، إيران- قم‏، ۱۴۱۴.
25.‏‫الشهرستاني، محمد بن عبد الکریم‏، الملل والنحل، الشريف الرضي، إيران- قم،‏ ۱۳۶۴.
26.‏‫الصالحي الشامي، محمد بن یوسف‏، سبل الهدی والرشاد في سيرة خير العباد، دار الکتب العلمية، لبنان- بيروت، ۱۴۱۴.
27.‏‫الصنعاني، عبد الرزاق‏، المصنَّف، المجلس العلمي، الهند، ۱۴۰۳.
28.‏‫الطبري، محمد بن جرير‏، تاريخ الأمم والملوك‏، دار التراث، لبنان- بيروت، ۱۹۶۷.
29.‏‫القاسم بن سلّام‏، الأموال، دار الفکر، لبنان – بيروت، (د. ت).
30.‏‫المسعودي، علي بن حسين‏، التنبیه والإشراف، دار الصاوي، مصر- القاهرة، (د.ت).
31.‏‫المقدسي، مطهر بن طاهر‏، البدء والتاریخ، مکتبة الثقافة الدينيّة، مصر- بورسعيد، (د.ت).
32.‏‫المقریزي، أحمد بن علي‏، إمتاع الأسماع بما للنبي من الأحوال والأموال والحفدة والمتاع. دار الکتب العلميّة، لبنان- بيروت، ۱۴۲۰.
33.‏‫الواقدي، محمد بن عمر، الردة، مع نبذة من فتوح العراق وذکر المثنی بن حارثه الشیباني. لبنان - بيروت: دار الغرب الإسلامي، ۱۴۱۰.
34.‏‫بيضون، إبراهيم‏، الحجاز والدولة الإسلاميّة، دار النهضة العربيّة، لبنان- بيروت، ۱۴۱۶.
35.پاکتچی، أحمد‏، پژوهشی در کتابشناسی جنگهای رده‏، مقالات و بررسی ها 66، ش. 32 (۱۳۷۸): 261-76.
36.‏‫زرگری نژاد، غلام حسین‏. تاریخ صدر إسلام(عصر نبوت)، إیران- تهران، سازمان مطالعه و تدوین کتب علوم انسانی دانشگاه ها(سمت)، ۱۳۸۴.
37.سيد مرزوق، حسن سعيد‏، حركة الردّة في البحرين، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، لبنان- بيروت، ۲۰۰۵.
38.شوفاني، إلياس‏، حروب، دار الكنوز الأدبيّة، الردة، لبنان- بيروت، ۱۹۹۵.
39.عيسى، أحمد عبيد، وعبد الله علي سعود، حروب الردة أبعادها الدينيّة والسياسيّة‏، مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانيّة 26، ع. 6 (۲۰۱۹): 306-25.
40.‏‫مسلم بن الحجاج‏. صحيح مسلم، دار إحياء التراث العربي‏، لبنان- بيروت، (د. ت).
41.محمد حسن، محمد عبد العال‏، الردّة في العصر النبويّ، مجلة كليّة اللغة العربيّة بأسيوط-جامعة الأزهر، 35، ع. 3 (۲۰۱۶): 2254-2253.
42.Madelung, Wilferd. The Succession to Muhammad; A Study of the Early Caliphate. Cambridge: Cambridge University Press, 1997.

-------------------------------------------
[1] ‏راجع: ابن الأثير، الكامل في التاريخ‏، 2: 342-384.
[2] ‏الشهرستاني، الملل والنحل، 1: 33.
[3] ‏ابن شبة، تاريخ المدينة، 2: 542.
[4] ‏ الدارمي، سنن الدارمي، 1: 225.
[5] ‏ابن سعد، الطبقات الکبری، 4: 50.
[6] ‏ابن كثير، البدایة والنهایة، 6: 312.
[7] ‏المسعودي، التنبیه والإشراف، 247.
[8] ‏ابن كثير، البدایة والنهایة، 6: 311.
[9] ‏الشافعي، الأم، 2: 93.
[10] ‏پاکتچی، (پژوهشی در کتابشناسی جنگهای رده‏)، 267-271.
[11] ‏راجع: الأبشيهي، حروب الردة أسبابها ونتائجها‏.
[12] ‏راجع: إلياس شوفاني، حروب الردّة، دراسةٌ نقديّةٌ في المصادر.
[13] ‏راجع: حامد محمّد الخليفة، أبو بكر الصديق، حامي الإسلام من الرفض والردة، 2: 481-486.
[14] ‏راجع: عيسى و سعود، حروب الردة، أبعادها الدينيّة والسياسيّة‏.
[15] ‏ التستري، الصوارم المهرقة في نقد الصواعق المحرقة، 83-84.
[16] ‏بيضون، الحجاز والدولة الإسلاميّة، 144.
[17] ‏See Wilferd Madelung, The Succession to Muhammad; A Study of the Early Caliphate, 46-8.
[18] ‏راجع: حسن سعيد سيد مرزوق، حركة الرِّدّة في البحرين، 60-67.
[19] ‏ابن سعد، الطبقات الکبری، 1: 191.
[20] ‏المقریزي، إمتاع الأسماع، 1: 69
[21] ‏الصنعاني، المصنّف، 3: 322.
[22] ‏ابن هشام، السيرة النبويّة، 1: 336.
[23] ‏المقدسي، البدء والتاریخ، 5: 52.
[24] ‏راجع: ابن سعد، الطبقات الکبری، 1: 204-220.
[25] ‏انظر: م. ن، 1: 230-237.
[26] ‏المقریزي، إمتاع الأسماع، 9: 376.
[27] ‏ابن سعد، الطبقات الکبری، 1: 224؛
[28] ‏راجع: محمد حسن، الردة في العصر النبوي‏.
[29] ‏الشافعي، الأم، 1: 187.
[30] ‏ابن حزم، المحلى بالآثار، 12: 115.
[31] ‏ابن عبد البر، الإستذكار، 3: 213.
[32] ‏ابن الجوزي، زاد المسير، 1: 559.
[33] جعل ابن أبي شيبة (ت 235هـ) في مصنّفه بابًا في هذا الموضوع. يُنظر: ‏ابن أبي شيبة، المصنّف، 2: 553-554.
[34] للبخاري (ت 255هـ) بابٌ بعنوان (إثم مانع الزكاة)، يُنظر: البخاري، صحيح البخاري، 2: 106. وجعل مسلم (ت 261هـ) في صحيحه (باب تغليظ عقوبة من لا يؤدّي الزكاة)، يُنظر: ‏مسلم بن الحجاج، صحيح مسلم، 2: 686-687. وأخرج ابن ماجة (ت 273هـ) في سننه (باب ما جاء في منع الزكاة)، يُنظر: ‏ابن ماجة، سنن ابن ماجة، 3: 6-7.
[35] ‏القاسم بن سلّام، الأموال، 678-679.
[36] ‏ابن أبي شيبة، المصنّف، 2: 384-386.
[37] ‏الواقدي، الردّة، 29-30.
[38] انظرْ ‏نموذجًا لذلك: ابن عبد البر، الاستيعاب، 3: 975.
[39] أصغر جزء من الزكاة.
[40] ‏الصنعاني، المصنّف، 4: 43-44؛ وانظر: الواقدي، الردة، 52؛
[41] ‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك‏، 3: 207.
[42] ‏ابن كثير، البدایة والنهایة، 6: 311؛ وانظر: الواقدي، الردة، 50-51.
[43] أصغر جزء من الزكاة.
[44] ‏الواقدي، الردّة، 51-52.
[45] ‏ابن قتيبة، الإمامة والسياسة، 1: 34-35؛ و
[46] ‏الواقدي، الردة، 106-107.
[47] ‏ابن عبد البر، الاستذكار، 3: 214-215؛
[48] ‏راجع: ابن الأثير، أسد الغابة، 4: 176-278.
[49] ‏الواقدي، الردّة، 104-105.
[50] ‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك‏، 3: 276.
[51] ‏الواقدي، الردّة، 103؛ و
[52] ‏الواقدي، الردّة، 106-107.
[53] ‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك‏، 3: 269.
[54] ‏الواقدي، الردة، 107.
[55] ‏ابن شاذان، الفضائل، 100-101.
[56] ‏ابن هشام، السيرة النبويّة، 2: 559؛
[57] ‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك‏، 3: 302.
[58] ‏الواقدي، الردّة، 147-148.
[59] ‏م. ن، 149-151.
[60] ‏ابن سعد، الطبقات الکبری، 1: 262.
[61] ‏ابن عبد البر، الاستيعاب، 2: 533.
[62] ‏الواقدي، الردّة، 167.
[63] ‏ابن قتيبة، المعارف، 334.
[64] ‏الواقدي، الردّة، 168.
[65] ‏الطبري، تاريخ الأمم والملوك‏، 3: 332-333.
[66] ‏الواقدي، الردّة، 171-172.
[67] ‏ابو الخير، ديوان حروب الردّة، 227.
[68] ‏الواقدي، الردّة، 173.
[69] ‏أبو الخير، ديوان حروب الردّة، 229.
[70] ‏الواقدي، الردة، 175-176.
[71] سورة الأنفال، الآية: 75.
[72] ‏الواقدي، الردة، 176-178.
[73] ‏م. ن، 196-197.
[74] ‏م. ن، 191-192.
[75] ‏م. ن، 210-213.
[76]سورة الأنفال، الآية: 75.
[77] ‏الشريف الرضي، نهج البلاغة، الرسالة 62.
[78] ‏الواقدي، الردة، 197.