البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

مدرسة الكوفة الكلاميّة

الباحث :  أكبر أقوام كرباسي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  25
السنة :  خريف 2022م / 1444هـ
تاريخ إضافة البحث :  November / 3 / 2022
عدد زيارات البحث :  74
تحميل  ( 1.210 MB )
الملخّص
نسعى في هذه المقالة إلى إثبات أن الإمامية كان لهم في القرن الثاني للهجرة مدرسة كلامية في الكوفة أو عدد من التيارات الأصيلة، وأنهم قد أنتجوا تراثاً قيّماً في هذا الشأن، وأن بعض التيارات في هذه المدرسة كانت معروفة بالكلام في ذلك القرن، وأن التيارات الأخرى وإن لم تكن مشتهرة بالكلام، إلا أنها تركت من نفسها سلوكاً كلامياً واضحاً، وأن هذه المدرسة -من الناحية التاريخية- إذا لم نقل إنها كانت سابقة على كلام المعتزلة، فلا أقل من القول إنها كانت نشطة بشكل متزامن معها.
وبذلك فإن هذه المقالة تنظر إلى أصالة كلام الإمامية، بالإضافة إلى استقلالية هذا الكلام عن سائر المدارس الكلامية الأخرى، من قبيل المعتزلة.


الكلمات المفتاحية
{عقائد الإمامية ، علم الكلام الإمامي ، مدرسة الكوفة }



The verbal school of Kufa

Akbar Aqwam Karbasi
Member of the scientific committee in the high institute for knowledge and Islamic culture.

Abstracts
We aim in this study to prove that imamiyyah were had in the second century of the Islamic immigration verbal school at Kufa or several authentic movements, and they produced tradition in this regard, and one of these movements was known by speech in that century, and the other movements although are not known by speech, however, left of herself a clear behavior speech, and this school historically, if we didn’t say it was prior of the speeches of Mutazila, nothing less to say it was active simultaneously with it.

So, this study views the authenticity of immamiyyah's speeches, in addition to the independence of this speech from other schools such as Mutazila.

Keywords:immamiyyah's beliefs- the imamiyyah's speech science- the school of Kufa.

مدخل:
إن دراسات وأبحاث بعض الكتّاب والمؤلفين في حقل تاريخ كلام الإمامية، تضع طائفتين من الإشكالات الأساسيّة أمام جذور الفكر الكلامي للإماميّة.

أما الطائفة الأولى فهي الإشكالات التي تستهدف الأصالة المعرفية لعقائد الإمامية. إن هذه الإشكالات تسعى إلى إثبات أن الأسس الفكرية للإمامية ليس لها جذور في المصادر الأصيلة للإسلام، وهذه الرؤية تنظر إلى عقائد الإمامية بوصفها مجموعة من العقائد والآراء المستحدثة والبدعيّة في تاريخ الإسلام، وأنها قد تبلورت بتأثير من العناصر والأسباب الخارجية والشرائط الثقافية والاجتماعية في مختلف المراحل التاريخية.

وأما الطائفة الثانية من الإشكالات فهي التي تشكك في استقلال واستمرار الهوية التاريخية لكلام الإمامية، وعلى هذا الأساس فإن كلام الإمامية من الناحية التاريخية لا يشكل فكراً مستقلاً ومستمرّاً في هذه الرؤية، بل هو مجرد علم لا يقدّم أيّ أدبيات أو منظومة معرفية محدّدة على مختلف مراحل التاريخ، بل هو -بالإضافة إلى ذلك- مدين لمنظومة وأدبيات علوم أخرى، من قبيل: الاعتزال والفلسفة والمنطق.

فمن الطبيعي أن اصطباغ الكلام بهذا النموذج يؤدي -أولاً- إلى التشكيك في استقلالية هذا العلم، و-ثانياً- لا يُبقي موضعاً لإحراز هوية تاريخية مستمرّة له[1].
وقد أدّت آثار بعض المحققين -من أمثال: السيد حسين المدرسي الطباطبائي[2]، ومحمد علي أمير معزّي[3]، ومحسن كديور[4]، وغيرهم من أمثال: ولفرد مادلونج[5]، ومارتن مكدرموت[6]، وزابينه شميتكه[7]، وهاري ولفسون[8]، ونيومان وآخرين -إلى إلقاء جزء من هذه المشاكل إلى القارئ.
ويبدو أن أهمّ منشأ وحاضنة لطرح هذا النوع من الإشكالات، يعود إلى تصوير المنظرين لهذا النوع من الدراسات لمرحلة الحضور، وهي المرحلة التي كانت تعدّ من وجهة نظرهم عصر الإيمان، وإن عقائد الإمامية إنما تتبلور على أساس مجرّد التعبّد بكلام المعصوم ومن دون إقحام للتعقل[9].

إن هؤلاء المحققين -استناداً إلى بعض التقريرات[10]- قد تجاهلوا علوّ شأن تفكير الإمامية في الكوفة، وقدّموا فهماً نقلياً عن الكوفة في القرن الثاني للهجرة؛ ليثبتوا أن الكوفيين كانوا يصوغون أفكارهم ومعتقداتهم من خلال المصادر الوحيانية فقط. كما أن كلام الإمامية يبدأ في هذا التصوير التاريخي بعد مرحلة الحضور، ومع ظهور المفكرين العقلانيين من أمثال: النوبختيين، والشيخ المفيد، والسيد المرتضى. كما يتمّ التعريف بالعلماء السابقين للإمامية في عصر الحضور، من أمثال: هشام بن الحكم، وزرارة بن أعين، وهشام بن سالم، ومؤمن الطاق وغيرهم، بوصفهم من الشخصيات الفذّة والفريدة، وأنهم على الرغم من نشاطهم في حقل الكلام، إلا أنهم لم يتمكنوا من بناء منظومة لكلام الإمامية كما ينبغي، ويمكن العثور على هذا التصوير التاريخي في مؤلفات يوسف فان أي[11]،
وعلي سامي النشار[12]،[13] في قراءة هؤلاء المفكرين لتاريخ كلام الإمامية، على الرغم من مشاهدتنا لتيار أو عدد من التيارات الكلامية، غير أنها تيارات لا تحظى بالأصالة، ولربما تمّ توفير الأسس الفكرية لمنظميها من خارج النصوص الدينية.

وفي المقابل هناك فرضية منافسة تحظى بدعامة كبيرة من الشواهد الكثيرة على الاعتقاد القائل بأن المفكرين الكوفيين بالإضافة إلى أخذهم المعارف من المعصومين (عليه السلام)، لم تكن تضيق صدورهم بالعقلانية والبيان والنقد والبحث ونقض الأفكار وإبرامها، بل إنهم يذهبون إلى الاتجاه العقلي في عملية التفكير والتدبّر. تقوم الفرضية الأخيرة على وجود مجموعة كبيرة وغنية من التنظيرات والتفسيرات والتحليلات العقلانية للعقائد في الكوفة في القرن الثاني للهجرة. لقد سعى علماء الإمامية في الكوفة -في هذا النموذج- إلى العمل في ظلّ التعاليم الوحيانية لتقديم فهم عقلاني عن المحتويات الداخلية للمعارف السماوية، والدفاع عنها في مواجهة الخصوم. ويُشير هذا الاتجاه -في الوقت نفسه- إلى أن هذا الأمر كان يتمّ بمرأى ومسمع من الإمام المعصوم (عليه السلام)، ويتم القيام به بتوجيه وهداية منه، ومع ذلك كله فإن أسلوب ومساحة مواجهة الأصحاب وتعاملهم في هذا الشأن - لم يكن على وتيرة واحدة، وبذلك فقد ظهرت تيارات مختلفة بين الكوفيين.

وعلى هذا الأساس يكون لتاريخ كلام الإمامية مدرسة في الأسلوب والمحتوى قد أُسِّسَت في الكوفة، وكان لها نشاط كلامي بحت حتى قبل مدرسة بغداد، ونقطة قوّة هذه الفرضية في قبال الرأي الأول تكمن في أنها تعمد إلى التقريرات المخالفة -التي يتم الاستناد إليها في الفرضية الأولى بشكل رئيس- فتقوم بتحليلها واستيعابها. وعلاوة على ذلك فإن إثبات الفرضية الأخيرة يعمل حقاً على فرض تحديات على كلتا الطائفتين من الإشكالات المتقدّمة، ومن هنا فإن هذا الأمر يضاعف من أهمية التحقيق وإعادة البحث والتنقيب في مدرسة الكوفة.

إن التقابل والتضاد بين هذين التصويرين إنما يُظهر نفسه بشكل أفضل عندما يتمّ العمل على بيان مفهوم «المدرسة» و«التيار» بوضوح.
أمّا مصطلح «المدرسة» فيستعمل أحياناً بين الناطقين باللغة العربية، بمعنى التيار الفكري الخاص، الذي يطلق للدلالة على مجموعة من المنتمين إلى ذات هذا التيار، وتكون لهم مبانٍ ومواقف فكرية مشتركة[14]، ويتم التعبير عن هذا المعنى في اللغة الفارسية بكلمة «مكتب» أو «مذهب»؛ إلا أن لهذه الكلمة في اللغة العربية معنى أعم، ولها اليوم في اللغة الفارسية شيوعاً أكبر أيضاً، وهذا هو المعنى المراد في هذه المقالة أيضاً. وفي هذا المعنى الأخير تطلق المدرسة على مجموعة من العلماء والمفكرين في حقل علمي معيّن، والذين يعملون -في تعاطيهم مع بعضهم ضمن محور وبيئة جغرافية محددة- على إنتاج محاصيل علمية جديدة[15].

إن عمومية المعنى الثاني لكلمة «المدرسة» تأتي من حيث إننا قد نواجه في مدرسة ما أكثر من تيار علمي واحد؛ في حين أن المعنى الأوّل للمدرسة يعتبر مرادفاً ومساوياً لـ «التيار»، ثمّ إن إنتاج المحاصيل العلمية وازدهار البحث والتبادل الثقافي، هو من بين الخصائص الأخرى لمفهوم المدرسة في هذا المصطلح.
وأمّا مصطلح «التيار» فيُطلق على جماعة تحمل توجّهات فكرية متشابهة أو واحدة، ويشعر أفرادها بالانتماء والتبعية إلى بعضهم، ويحيكون شبكة من العلاقات والصلات. إن التيارات تعمل -عادة- على هداية بعض الأفراد بوصفهم نواة مركزية، وتربط الأعضاء الجدد بهذه النواة، ثمّ إن هذه الجماعات تسعى إلى إنتاج أنظمة من العقائد والقيَم والأساليب والسلوكيات المتنوّعة في الحياة، وهي وإن كانت تمتاز من ثقافة المجتمع المنتج لها، إلا أنها مرتبطة بتلك الثقافة وذلك المجتمع[16].

الجذور الكلامية لمدرسة الكوفة
إن للكوفة ومدرستها الكلامية مكانة ممتازة ومرموقة في تاريخ كلام الإمامية، ويمكن إرجاع الفترة الزمنية لهذه المدرسة إلى ما يقرب من عام 80 إلى 180 للهجرة؛ وقد شهدت الأعوام المتزامنة مع المرحلة الأخيرة من إمامة الإمام زين العابدين (عليه السلام) بداية جهود أصحاب الأئمة في بيان المعارف والمفاهيم والدفاع عنها، وقد بلغت هذه الجهود ذروتها في عصر الإمام الباقر والإمام الصادق (عليه السلام) ، واستمرّت إلى أواخر إمامة الإمام الكاظم (عليه السلام) ؛ حيث تزامنت هذه الفترة مع تعرّض الإمام والشيعة لضغوط كبيرة على يد الخليفة العباسي هارون الرشيد.

وتعود الأهميّة التاريخية لهذه المدرسة في الغالب إلى هذه النقطة، وهي أننا نستطيع في هذه المرحلة مشاهدة الأبحاث النظرية والاعتقادية الصريحة على مستوى المجتمع العلمي بوضوح، في حين أنه حتى ما قبل هذه الفترة الزمنية، كانت الطبقة العلمية في مدرسة المدينة المنوّرة تنفق الحجم الأكبر من جهودها وتأملاتها الكلامية على المسائل السياسية والاجتماعية، وتعمل على بيان أغلب المسائل الاعتقادية -من قبيل: الإيمان والكفر، أو الجبر والاختيار- في ضوء الأبحاث السياسية والاجتماعية[17].
وعلى الرغم من إمكان العثور على هذا الأمر بشكل واضح في التراث المتبقي من تلك المرحلة[18]، إلّا أنّه لا ينبغي أن يذهب بنا التصوّر إلى أن هذه الأبحاث الاعتقادية لم تكن مطروحة قبل مدرسة الكوفة. وعلى كل حال فإن النشاط الفكري والعلمي للإمام زين العابدين (عليه السلام) والتيارات المنتسبة إلى أهل بيت الوحي والنبوّة -(من قبيل: المدرسة الفكرية والاعتقادية لمحمد بن الحنفية)- وأحاديث أهل البيت (عليهم السلام) ولا سيما كلام أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام)، ومِن ثَمّ النشاط الفكري والاعتقادي لأصحاب الأئمة الأطهار (عليهم السلام) في مدرسة المدينة المنوّرة، كلّ ذلك يُعدّ من بين الشواهد على نشاط الأبحاث الاعتقادية في المدينة المنوّرة.

كانت هذه الأرضية تتسع يوماً بعد يوم بسبب الرؤية المعرفية للأئمة الأطهار (عليهم السلام)، وهي الرؤية التي على الرغم من اعتبارها العقل بوصفه حجّة نهائية في الوصول إلى الحقائق[19]، إلا أنها -بالإضافة إلى ذلك- كانت تعتقد أن هذا المصدر يحتاج -في وصوله إلى المعرفة- إلى إرشاد وتوجيه من الوحي والأولياء الإلهيين، ولا يمكنه أن يصل إلى الحقيقة إلا في ظل الهداية الصادرة عن أولياء الله (عليهم السلام) [20]، وكان من الطبيعي أن يضطلع الإمام المعصوم (عليه السلام) بهذا الدور المعرفي -في هذا الظرف- على أحسن وجه، كي يتمكن الناس في معتقداتهم الجوهرية والأصلية بأذيالهم، ويتعلموا طريقة التفكير الصحيح بوساطة هدايتهم وإرشاداتهم، وعلى أساس هذا المبنى كان الشيعة من أهل الكوفة يرجعون إلى أهل البيت (عليهم السلام) في المدينة المنوّرة، ويطرحون عليهم أسئلتهم ومعضلاتهم، ولكن بعد ازدهار مدرسة الكوفة والتحليل العقلي للمسائل الاعتقادية في تلك الرقعة الجغرافية؛ وصل النشاط النظري في إثراء التراث الاعتقادي إلى منعطف جوهري في الكلام بالنسبة إلى ذلك العصر.

الكلام في مدرسة الكوفة
إن الكلام والفقه علمان كانا في بداية ظهورهما متقابلين، فقد كان الكلام في بداية أمره يُطلق على علم يتكفّل بإثبات جميع القضايا الدينية -سواء منها الاعتقادية وغير الاعتقادية- ويتولى في الوقت نفسه مهمّة الدفاع عنها، وهذا المعنى من الكلام تطوّر بعد النصف الأول من القرن الثاني بالتدريج، واكتسب معنى أعم وأكثر سعة، وفي المقابل كان الفقه بدوره يطلق على معنى أعم من الفقه المطروح حالياً؛ حيث كان مصطلح «الفقه» يُطلق على جميع أنواع استنباط وفهم القضايا النظرية والعملية من الدين[21]، وعليه فإن الفقه كان بمثابة منطق فهم الدين، والكلام كان بمنزلة منطق المواجهة مع الخصوم؛ حيث كان يتصدّى للدفاع عن المفاهيم والقضايا الدينية[22].

إن الفقه -بمعنى الفهم والتلقي الصحيح للمعارف الدينية- كان يمثل النقطة المشتركة لجميع الطبقات والفئات المعرفية للإمامية في الكوفة؛ سواء في ذلك الجماعات التي كانت تخالف الكلام أو تلك التي كانت تنشط في حقل الكلام بكل طاقتها، ولم يكن هناك اختلاف بينها حول فهم المعارف، ومن هنا فقد تمّ التعريف بالكثير من المتكلمين في هذه المرحلة بوصفهم من الفقهاء أيضاً[23]؛ إلا أن فهم معارف أهل البيت (عليهم السلام) لم يشكّل كل هاجس العلماء والمفكرين من الإمامية في الكوفة. وعلى كل حال فإن الكوفة كانت من الناحية الثقافية مدينة يضطرّ فيها الإمامية إلى الاختلاط والتعاطي مع التيارات الداخلية والخارجية المتنوّعة.

إن مجموع المخاطبين في المناظرات المنقولة عن هذه المرحلة، يكشف بوضوح عن أن العلماء الكوفيين كانوا من ناحية يواجهون مختلف الاتجاهات والتيارات الداخلية، من قبيل: الغلاة أو المقصّرة، وكانوا من ناحية أخرى يواجهون التيار المؤثر جداً لأصحاب الحديث والأفكار العقلانية للمعتزلة، ثم إنّ معتقدات الأديان المختلفة، مثل الصابئين والزنادقة وغيرهما، وإن لم تكن بحجم التيارات السابقة، إلا أنها كانت مطروحة بالمقدار الكافي الذي يفرض على هؤلاء العلماء والمفكرين في الكوفة عناء الجواب والردّ على شبهاتهم.

إن مجموع المناظرات المتوفرة والواصلة إلينا من تلك المرحلة يثبت هذا التنوّع والاختلاف بوضوح[24]؛ وكان من الطبيعي لهذا الفضاء من الارتباط والتواصل أن يخلق تساؤلات جادة أمام العلماء والمفكرين من الإمامية؛ وأن تتمّ مطالبتهم بإجابات وافية وشافية في المواجهة مع أفكار الخصوم والمناوئين.

إن هذه الأسئلة والإشكالات لم تكن تطرح من قبل المخالفين فقط، بل كانت تطرح حتى من قبل الإمامية أيضاً، فهناك الكثير من الشواهد التي تشير إلى طرح هذا النوع من التساؤلات التي يتمّ طرحها من قبل أصحاب الأئمة في هذه المسائل الاعتقادية؛ الأمر الذي يثبت وجود أسئلة جادة في تحليل العقائد حتى بين الإمامية أنفسهم[25].

وسوف نثبت في هذه المقالة أن مجموعة كبيرة من الرواة والمفكرين في الكوفة، عمدوا -في إطار تلبية هذه الحاجة الداخلية والخارجية للمجتمع الفكري للإمامية- إلى التفكير والعمل على إنتاج المعارف، حتّى إن بعضهم تصدّى للإجابة عن الأفكار الدخيلة والخارجية، وقام بالدفاع عن التعاليم الدينية.
إن الدفاع عن المفاهيم العقائدية بوصفها شاخصاً للمتكلمين في تلك المرحلة، كان يظهر شكله في الغالب من خلال البحث والجدال وفي إطار حلقات المناظرة.

إن نظرة عابرة على كتاب (مواقف الشيعة) -الذي سعى مؤلفه إلى جمع مناظرات أصحاب الإمامية- كفيلة بأن تظهر مدى اهتمام المتكلمين من أصحاب الأئمة بهذه المهمّة[26].

لا شك حقاً في أن مجموع المناظرات الآنف ذكرها كافية لإثبات أن الكلام -بمعناه التاريخي؛ أي الدفاع عن التعاليم الدينية- كان موجوداً بين أصحاب الإمامية في الكوفة؛ إلا أن هناك شواهد تاريخية أخرى تثبت أن بعض الأصحاب على الرغم من ظهورهم في حالة الضرورة في ميادين الدفاع عن الأفكار والعقائد الإمامية[27]، إلا أنهم في الوقت نفسه لم يكونوا متناغمين مع الكلام والمتكلمين أيضاً، بل كانوا يوجّهون إليهم انتقاداتٍ بسبب الدخول في حقل الكلام[28].

 إن هذه المجموعة من الأصحاب كانوا يذهبون -في ضوء بعض الروايات- إلى الاعتقاد بأن سلوك وطريقة المتكلمين لا يتطابق مع سلوك الأئمة (عليهم السلام)، هذا في حين أن الكثير من مناظرات المتكلمين كانت تعقد بحضور الإمام المعصوم (عليه السلام)، بل وكان حتى أسلوب البحث والمناظرة منهم يخضع لنقد وتقييم من قبل الأئمة (عليهم السلام)[29]، ويبدو أن سبب هذا الموقف -من قبل الأصحاب- من علم الكلام، يأتي في مسار الدفاع، فيثير تساؤلاً مهمّاً مفاده : ما هي الخصوصية أو السلوك في مسار الأنشطة الكلامية للكوفيين، التي كانت تدفع بعض الأصحاب إلى نقد أصحاب الكلام والإشكال عليهم؟ إن الإجابة عن هذا السؤال تستلزم القيام بقراءة دقيقة لتيارين معرفيين هامين في أجواء الكوفة في تلك المرحلة.

التيارات المعرفية والكلامية الإمامية في مدرسة الكوفة
يذهب المحققون المعاصرون -في ضوء الكثير من الشواهد- إلى عدم الشك في أن الكوفة في القرن الثاني للهجرة قد شهدت في الحدّ الأدنى تيارين «معرفيين» قد اصطّفا في قبال بعضهما؛ هما: التيار الذي أخذ يواجه الكلام والمتكلمين، ولا يُبدي مرونة تجاه هذا المسلك؛ والتيار الذي أخذ إلى الضدّ من هذه الرؤية يُبدي اهتماماً بالأنشطة الكلامية. إن التيار الأخير الذي أطلقنا عليه عنوان «المتكلمين المنظرين» أو «المتكلمين المحدّثين»، قد اشتهر أصحابه -بالمعنى التاريخي والخاص للكلمة وفي تلك المرحلة- بممارسة التكلّم؛ وأما التيار الآخر الذي نطلق عليه عنوان «المتكلمين النصيين» أو «المحدّثين المتكلمين»، فإن أصحابه وإن لم يكونوا قد اشتهروا في تلك المرحلة بالكلام، إلا أنهم كانوا -بالمعنى الواقعي والمعاصر للكلام- يمارسون سلوكاً كلامياً بشكل تام.
وبطبيعة الحال علينا ألّا نغفل عن وجود اتجاه بين بعض الأصحاب في الكوفة، وهو وإن لم يكن اتجاهاً معرفياً على غرار التيارين السابقين؛ إلا أنه يتخذ في الغالب «سيرة عملية» في المقابلة مع تراث أهل البيت (عليهم السلام). ونحن نعبّر عن هذا الاتجاه بـ «صرف المحدثين». إن هذه الجماعة بسبب تعبّدهم بالنصوص الدينية -ومن بينها الروايات الناهية عن الكلام- كانوا مثل المتكلمين النصيين، لا يبدون مرونة تجاه الكلام والمتكلمين. ولهذا السبب سوف نبحث عن هذا الاتجاه على هامش تيار المحدّثين المتكلمين.

وفيما يلي سوف نستعرض الشواهد على هذا الادعاء، ونثبت أن الاختلاف بين تيار المتكلمين المنظرين، والمتكلمين النصيين هو اختلاف في الأسلوب ومساحة الدخول إلى الأبحاث أكثر من أيّ شيء آخر، ولكن على الرغم من جميع الاختلافات، هناك -في الوقت نفسه- الكثير من التماهي ونقاط الاشتراك، الأمر الذي يحكي عن توافق التيارين السابقين في الأصول والأسس الفكرية الجوهرية للإمامية. إن هذه المشتركات الاعتقادية هي ذات المعتقدات والأفكار التي جعلت كلام الإمامية في الكوفة يقف إلى الضدّ من كلام المعتزلة وأصحاب الحديث.

إن مقارنة معتقدات الإمامية قياساً إلى تياري الاعتزال وأصحاب الحديث في الكثير من المسائل -من قبيل: المعرفة الاضطرارية، والارتباط بين العقل والوحي، وصفات الفعل وصفات الذات، والقضاء والقدَر، والأمر بين الأمرين، والاستطاعة، والعصمة، ودائرة علم الإمام، وما إلى ذلك من المسائل الأخرى[30]- تثبت هذه النقطة، وهي أنه على الرغم من جميع الاختلافات الداخلية بين مختلف التيارات الكوفية، هناك الكثير من نقاط الاشتراك والتماهي في جوهر التفكير بين التيارات الإمامية، ومع ذلك كله يبدو أن الشبه الأهم بين هذه التيارات، هو المبنى المعرفي المشترك الذي سبق أن ذكرناه، وهو المبنى الذي ذهبت على أساسه جميع التيارات الكلامية الإمامية - إلى اعتبار العقل والوحي حجّة، ولا يرون إشكالاً في استفادة العقل من هداية المعلمين الإلهيين[31]، وعلى هذا الأساس يمكن رصد آثار التساؤلات والبحث عن المسائل الفكرية وطلب الإجابة عنها من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) ونقل تعاليمهم إلى الآخرين لدى كلا التيارين على درجة واحدة.
إن مقارنة مقتضبة وأولية لروايات وآراء شخص مثل محمد بن مسلم -بوصفه شخصاً منتمياً إلى تيار المحدّثين / المتكلمين في الكوفة- مع هشام بن الحكم -بوصفه شخصاً منتمياً إلى تيار المتكلمين في تلك الحاضرة- يعطي هذا المستوى من الاطمئنان، بأن الأرضية الفكرية لكلا التيارين هي الأحاديث والروايات التي تلقوها عن الإمام المعصوم (عليه السلام).

إن الاعتبار المعرفي للمعلمين الإلهيين بالإضافة إلى العقل، يعمل -في الحقيقة- على تصوير الكوفيين وكأنهم طيف من الرواة يقف المتكلمون في جانب منه، وهم يتعاملون مع الروايات بأسلوب تبييني، وفي الجانب الآخر من هذا الطيف، كانوا يرون التركيز على صيانة ونقل الروايات مناسباً، وإنما تبرز هذه النقطة على نحو أكبر عندما ندرك أن تاريخ الكلام عند أهل السنة كان -بسبب غياب هذا الأصل المعرفي بين المعتزلة وأصحاب الحديث- يشهد على الدوام تيارين من المحدّثين والمتكلّمين، حيث لم يتحمّل أيّ واحد منهما الآخر أبداً، وأما في كلام الإمامية فلا يصح هذا التمايز في مرحلتي مدرسة الكوفة بطبيعة الحال؛ إذ -كما سنرى- إن المنتسبين إلى هذين التيارين كانوا من المحدّثين الشيعة، كما أنهم يتمتعون في الوقت نفسه بنشاط كلامي أيضاً[32]. إن هذه الدقة كانت مبذولة حتى في اختيار التسمية لهذين التيارين أيضاً، حيث يتمّ استعمال مفردتي المحدّث والمتكلّم.

ثم إن بيان المعارف الاعتقادية كان بدوره عنصراً مشتركاً آخر، يهتم كلا التيارين السابقين بالقيام به، وإن المراد من البيان هو السعي العقلاني من أجل إيضاح المفاهيم والتوصّل إلى الارتباط بينها، وفي هذا المسعى يتمّ لحاظ حل التعارضات المحتملة بين مختلف المفاهيم الاعتقادية والوصول إلى نسبة الأفكار فيما بينها بشكل كامل. إن البيان -بهذا المعنى- هو الخطوة الأولى التي لا غنى للمتكلم عنها في أيّ نوع من أنواع المواجهة؛ وذلك لأن الدفاع الكلامي عن التعاليم الدينية متفرّع عن فهم تلك المعارف، وإن نقل المعارف -التي تمّ فهمها- إلى الغير سوف يتوقّف -بدوره- على بيان تلك المعارف؛ ولهذا السبب فإن إثبات هذا السلوك للمتكلمين المنظرين ليس ضرورياً جداً؛ وذلك لأنهم -بحكم كلامهم- لا مفرّ لهم من هذا الأمر، ومع ذلك كله هناك الكثير من الشواهد على هذا المدّعى، سوف نعمل على بيانها خلال بحث هذا التيار.
ولكن من ناحية أخرى، إن التقارير الأخرى تثبت أن الكثير من المخالفين للكلام في الكوفة كانوا بدورهم يسعون إلى بيان وفهم المعارف بشكل منهجي، وفي الوقت الذي كانوا يخالفون الكلام الشائع في تلك المرحلة -التي كان فيها متهماً بالمراء والجدال والابتعاد عن المعارف الخالصة لأهل البيت (عليهم السلام)- كانوا متمسّكين ببيان المعارف أيضاً. إن هذه الشواهد تثبت أن غير المتكلمين في الكوفة كانوا بدورهم يكتبون الرسائل الكلامية والاعتقادية، ويطرحون الأسئلة العقائدية، ويحملون هاجس الإجابة عن الأسئلة الاعتقادية، بل ينقلون الكثير من الروايات العقائدية أيضاً، وسوف نقدّم شواهد هذا الادعاء على هامش دراسة هذا التيار، بيد أن الذي يحظى بالأهمية هو اختلاف هذين التيارين في هذه النقطة من البيان؛ فإن البيان وإن كان هو السلوك المشترك لكلا التيارين المذكورين آنفاً؛ إلا أن كيفيته في إعادة قراءة وتحليل التراث الوحياني تُعدّ من مناشئ اختلاف هذين التيارين.

1- تيار المتكلمين المنظرين (المتكلمون المحدّثون).
إن تيار المتكلمين المنظرين كان تياراً يؤمن -في قبال المتكلمين النصيين- بالمناظرة والجدل ونقد الأفكار وردّها وإبرامها، وكان يعمل على تنظيم هذا السلوك على أساس منظومة من خارج النصّ المقدّس. إن هذا التيار كان أول تيار في تاريخ الإسلام يعمل على تعيين«الكلام النظري»، وإن المراد من الكلام النظري هو التفسير والتحليل العقلاني والعُقلائي لمعارف أهل البيت (عليهم السلام) ضمن منظومة معرفية، حيث يتمّ السعي -من خلال عرض مفاهيم وأدبيات جديدة- إلى تقديم مبانٍ عقلانية وأسس اعتقادية، وتصوير انسجامها وتناغمها ضمن تنسيقها.
إن النقطة المهمّة في المنظومة المفهومية لهذا التيار تكمن في أن عقلانية هذه المنظومة ليست متأصّلة؛ بل إن العقلانية كانت ترى نفسها -على أساس الفكر الجوهري لارتباط العقل والوحي عند الإمامية على ما تقدّمت الإشارة إليه- في قبال الوحي، وتعمل على تصوير ذلك بأدبيات مستحدثة.

إن الإصلاح الخارجي لهذه المعارف إنما كان من حيث إن الاكتفاء بمبادئ وأدبيات المتن -بزعم هذه الجماعة- غير كافٍ للتفسير والمواجهة مع الأفكار المنافسة، ومن هنا كان من اللازم تقديم أدبيات في أجواء عقلانية النصّ بوصفها أدبيات أساسية لكي يتمّ فهم المعارف الاعتقادية في ضوئها، ويمكن العثور على هذا الأمر بوضوح في المسار البياني لمتكلمين من أمثال هشام بن الحكم. إن إبداء نظرية المعاني من قبل هشام بن الحكم لفهم الصفات[33] قابل للتفسير ضمن هذا النموذج؛ إذ يسعى إلى جعل النصّ المقدّس قابلاً للفهم العقلاني، وإن تأويل الإرادة إلى الحركة[34]، والارتباط بين المعرفة العقلية والمعرفة الاضطرارية[35]، ونظرية الاستطاعة[36]، وما إلى ذلك - إنما يقبل التوضيح والبيان على أساس هذا الهاجس.

وعلى كل حال، فإن هذا الحدث التاريخي إنما أسفر عن وجهه للمرّة الأولى في الكوفة، بين بعض المتكلمين المحدّثين في الكوفة وتيار الاعتزال السني، ومع ذلك كله فإن المباني المعرفية المتفاوتة بين الإمامية والمعتزلة في كيفية الاستفادة من العقل والوحي، هي التي كانت تفصل طريق هاتين الجماعتين ونهجهما، ولا ينبغي الغفلة عن نقطة مهمّة هي أنه على الرغم من التعبير في الوقت الراهن عن أسلوب وطريقة المعتزلة والإمامية بعنوان «العقلانية»، إلا أن تكرار هذه النقطة لا يخلو من الفائدة، وهي أن النقطة الفارقة التي تميّز الأسلوب المعرفي لدى الإمامية في مدرسة الكوفة من المعتزلة -بل حتى من المراحل اللاحقة لكلام الإمامية- تكمن في أن المتكلمين المنظرين في الكوفة كانوا يفكرون وينظرون إلى المعارف ضمن إطار محدد، وعلى أساس الأحاديث والمعارف التي يحصلون عليها من مصدر الوحي، وبهذا المعنى كان تنظير المتكلمين في الكوفة «نصيّاً»؛ وهو السلوك الذي كان -على أساس الرؤية المعرفية الخاصّة بالإمامية- يؤمن بالتفسير العقلاني للمعتقدات الدينية في ضوء النص المقدّس، ويعمل على تحقيق ذلك[37].
إن هذا الإطار والمنهج في كلام الإمامية مال بالتدريج في بغداد إلى جهة تيار الاعتزال؛ إلى الحدّ الذي أخذت معه المعارف الوحيانية تلعب في الغالب دور المؤيد، بدلاً من أن يكون لها دور حاسم ومحوري في هذا الشأن.

إن الدراسات الاكتشافية والتنقيبية حول هذا التيار، تكشف النقاب عن عدد من الخطوط الفكرية والداخلية بين هذا التيار، حيث يطلق عليها كُتّاب المقالات عنوان «الأصحاب»، وتم الحديث -من بين هذه التيارات الجزئية في الغالب- عن أسماء وأوصاف أربع شخصيات كوفية متميّزة، وهم كل من: زرارة بن أعين، ومؤمن الطاق، وهشام بن سالم، وهشام بن الحكم، ومن بين هؤلاء يُعدّ المنهج والخط الفكري لزرارة بن أعين هو الأقدم من الناحية الزمنية، وأما الخط الكلامي لهشام بن الحكم فله التقدّم على جميع الخطوط الفكرية السابقة، من حيث غزارة الإنتاج على مستوى التنظير والآثار العلمية وكثرة التلاميذ.

1 / 1- الخط الفكري لزرارة وآل أعين
زرارة بن أعين الشيباني، من أصحاب وتلاميذ الإمام محمد الباقر (عليه السلام)، والإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، فقيه ومتكلم وأديب كوفي[38].
إن حجم تناقل الروايات بين أبناء أسرته من جهة، والوفاء إلى الأفكار الخاصّة بزرارة من قبل هذه الأسرة من جهة أخرى؛ يجعلنا نقف أمام مجموعة متماسكة من الأشخاص بين متكلمي الإمامية الأوائل، يُعدّ زرارة وأفكاره محوراً لذلك الاتجاه الفكري، وإن آراءه الخاصة ونظرياته الفذة -لا سيما في مسألة الاستطاعة والقدَر، والأفعال الإلهية، والإيمان والكفر، والمعرفة، والتحديث، وما إلى ذلك- قد أبرزته بوصفه واحداً من أشهر علماء الشيعة في تلك المرحلة، وتبعاً لذلك فقد اشتملت المصادر على مجموعة من الأحاديث والروايات بعضها في مدحه والثناء عليه، والأخرى في ذمّه والقدح فيه[39].

إن الرؤية الأهم والأكثر إثارة للجدل حول زرارة بن أعين واتجاهه الفكري، هي رؤيته في مسألة «الاستطاعة»، فقد أثارت رؤيته هذه ضجّة في الكوفة، وأدّت في نهاية المطاف إلى استياء الإمام (عليه السلام) منه، ومع ذلك فقد بقي زرارة مصرّاً على رؤيته في هذه المسألة[40]. إن رؤيته في هذه المسألة تقف إلى الضدّ من نظرية هشام بن الحكم، وكانت تختلف إلى حدّ ما عن نظرية مؤمن الطاق وهشام الجواليقي أيضاً[41]، وقد ألف زرارة كتاباً في الاستطاعة والجبر أيضاً[42]، وقد تمّ تسجيل فرقة باسمه تحمل عنوان «الزرارية» في آثار المؤرّخين للمذاهب والفِرَق أيضاً[43]؛ الأمر الذي يحكي عن وجود اتجاه فكري خاص له ولأصحابه.

وبعد زرارة بن أعين يُعد أخوه الأكبر حُمران بن أعين من أشهر الأشخاص في هذه الجماعة، وهناك الكثير من الروايات حول قدرته وقوّة عارضته في مجالس المناظرة[44]، وقد تمّ تبويب رواياته العقائدية في المصادر الروائية الأصلية للإمامية، ولا سيّما رواياته في باب الفرق بين الإمام والنبي[45]، وإثبات الصانع[46]، وما إلى ذلك.
ويُعد عبد الله بن بُكَير بن أعين من الشخصيات الشهيرة الأخرى في هذه الأسرة، وهو من أشهر المحدّثين، ومن أصحاب الإجماع، وكان مفكراً في الكلام أيضاً، وقد ذكره الأشعري في عداد هشام الجواليقي وزرارة بن أعين ومحمد بن حكيم، ونسب إليه رأياً مشابهاً لرأي زرارة بن أعين في مسألة الاستطاعة[47]. وتقع رواياته الاعتقادية في الغالب ضمن حقل الإيمان والكفر[48]، والاستطاعة[49]، وغيبة إمام العصر #[50]، والتوحيد والعدل[51].

وقد عدّوا عبد الملك بن أعين من أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام) والإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً[52]، وإن لم يكن قد أدرك حضور هذين الإمامين العظيمين ‘ بمقدار حضور أخويه زرارة وحمران ابنَي أعين، بيد أن صلته بالمعصومين (عليهم السلام) قد أتاحت له الحصول على الإجابة عن الكثير من أسئلته[53].

وأخيراً يعدّ عبد الأعلى بن أعين بدوره فقيهاً من أصحاب الإمام محمد الباقر (عليه السلام) والإمام جعفر الصادق (عليه السلام) أيضاً، وكان عبد الأعلى مثل زرارة بن أعين من أصحاب الكلام والجدل والمناظرة، وكان في هذا الشأن يحمل وصيّة من قبل الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)[54]، وقد روى بدوره بعض الروايات في باب الاستطاعة[55] والمعرفة[56] وما إلى ذلك أيضاً.

1 / 2- الاتجاه الكلامي لهشام بن سالم.
بعد زرارة يُعدّ أبو محمد هاشم بن سالم الجواليقي الجعفي -من الأصحاب الكبار للإمام جعفر الصادق والإمام موسى الكاظم ‘- من كبار المتكلمين في الكوفة[57]، وهناك تقرير فرقة باسمه تحت عنوان «الجواليقية» في فهارس ومصادر الفِرَق، وقد كان لهذه الفرقة حضور كلامي مؤثر في عصر المهدي العباسي[58]، وبطبيعة الحال لا يمكن لنا الادعاء بأن اتجاهه الفكري كان بقوّة وثراء الاتجاه الذي أسسه هشام بن الحكم، ولكن يمكن القول إن الجواليقي كانت له شعبية واسعة في صلب التفكير الإمامي في الكوفة، وعلى كل حال فإن حضوره في سلسلة طرق الحديث[59]، وتمثيله لسكان الكوفة في تعيين الإمام بعد الإمام الصادق (عليه السلام)[60]، وتواجده في مجالس المناظرة مع كبار المتكلمين[61]، وتأليف الكتب والرسائل الكلامية المقبولة[62]، وتقرير أنواع عقائد فرقة الجواليقية[63] - يثبت اعتباره ومنزلته في الكوفة. وبالإضافة إلى ذلك كله فإن مناظراته ودفاعه عن المعتقدات الإمامية -وعرض المباني والبيان العقلاني لتلك المعتقدات- تعدّ بدورها من بين جهوده في هذا المجال.

إن التقريرات الواصلة عن نظريات الكوفيين في كتاب الأشعري وإن كانت تثبت بوضوح أن الجواليقي لا يمتلك اليد الطولى في جميع مسائل دقيق الكلام وجليله -على العكس من هشام بن الحكم- إلا أنه كان نشطاً على المستوى الفكري في مسائل وموضوعات من قبيل المعرفة الاضطرارية[64]، والاستطاعة[65]، وحقيقة أعمال الإنسان[66]، وما إلى ذلك، وكانت له آراء خاصة في هذه المسائل، وعلى الرغم من ذلك، لم يتمّ التعريف بالاتجاه الفكري لهشام بن سالم الجواليقي كما تم التعريف بالمذهب الكلامي لهشام بن الحكم؛ وإن معلوماتنا عن الأتباع الذين ساروا على منهجه الفكري شحيحة جداً، بيد أن هذا المدعى لا يعني أن اتجاهه الفكري لم يكن يتمتع بالمقبولية والشعبية؛ وذلك لأن حجم الروايات المنقولة عنه تبلغ حوالي أربعة أضعاف المروي عن هشام بن الحكم تقريباً، وأن تلقي أحاديث هشام بن سالم الجواليقي بالقبول من قبل تيار المحدّثين المتكلمين -وهو التيار الذي يحتل مساحة كبيرة من المدرسة الفكرية للكوفة- يدلّ على مقبولية أفكاره من قبل عموم الأصحاب في الكوفة.

ويمكن تعقّب الاتجاه الفكري لهشام بن سالم الجواليقي، وامتداده لدى: محمد بن أبي عمير، وعلي بن الحكم الأنباري، وحسن بن محبوب، ويعقوب بن يزيد، وأحمد بن أبي نصر البزنطي، وآخرين؛ وكيف انتقل هذا التراث الفكري إلى مدرسة قم[67].

 1 / 3- الاتجاه الكلامي لمؤمن الطاق.
وبعد زرارة بن أعين، وهشام بن سالم الجواليقي، يأتي تسلسل مؤمن الطاق في المرتبة الثالثة بوصفه من أهم المتكلمين في المدرسة الكلامية في الكوفة، واسمه الحقيقي هو أبو جعفر محمد بن علي بن النعمان[68]، ولكنه قَلّما يُعرف بهذا الاسم، وإنه -خلافاً لسائر المتكلمين المعروفين الذين لم تكن لهم سابقة عريقة في الإسلام والتشيّع- قد ترعرع في أسرة شيعية معروفة بحبها للإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام)[69]، ويمكن الإشارة -من بين خصائصه- إلى: بيان الأبحاث الحرّة مع أتباع مختلف النِّحَل الفكرية، والمعلومات الدينية الكثيرة والزاخرة، والحضور الذهني، وحدّة الذكاء، وتوظيف روح النقد والقدرة على البيان، والجرأة والاندفاع في بيان المطالب، وما إلى ذلك[70]، وقد وصلتنا عنه مناظرات رائعة وجميلة في أصول الاعتقاد، بالإضافة إلى العديد من الآثار[71] -وكلها في حقل علم الكلام تقريباً- وهي -بالإضافة إلى تصريح الأئمة الأطهار (عليه السلام) وسائر الأصحاب المعاصرين له- تثبت أن مؤمن الطاق (أبا جعفر) كان متبحّراً وضليعاً في علم الكلام.

إن التنقيبات الأولى عن الأفكار والآراء الكلامية لمؤمن الطاق، تضع أمامنا هذه النقطة القائلة بعدم وجود شرخ كبير في الآراء بينه وبين أمثال زرارة وهشام بن سالم الجواليقي، وتشير تقريرات الأشعري بوضوح إلى أن مؤمن الطاق في أهم المسائل الكلامية في تلك المرحلة -من قبيل: المعرفة الاضطرارية، والاستطاعة، وحدوث العلم الإلهي، والتقدير، وما إلى ذلك من المسائل الأخرى- كان متماهياً مع المجتمع الشيعي بأكمله، وليس بينه وبين المجتمع الشيعي أدنى اختلاف في الأفكار المتعارفة، ولم يرد بحقه أيّ اتهام أيضاً[72].
إن هذه النقطة -بالإضافة إلى ما تظهره من اعتداله الفكري- تنشأ في الغالب من أنه قلما يظهر نفسه بوصفه مُنَظّراً في حقل الكلام، ويُؤثِر أن يبرز بوصفه متكلماً مدافعاً. إن نمط مناظرات مؤمن الطاق تشهد بوضوح أنه لا يسمح للخصم بالاستيلاء على أسسه الفكرية، لكي لا يتمكن من السيطرة عليه بأسلوب فني، بيد أن هذه النقطة -على الرغم من روعتها وظرافتها- هي التي حشرت شخصيته الكلامية لتبقى في دائرة الجدل والمناظرة، وهناك شواهد في روايات الشيعة تشير إلى أن الإمام الصادق (عليه السلام) بشكل خاص قد حذّره من استخدام الأساليب غير المشروعة في مقام المناظرة والجدل، وإن نظرة عابرة إلى الانتقادات الواردة عليه من قبل الأئمة من أهل البيت (عليهم السلام)، تثبت بوضوح أن هذه الانتقادات لم تكن ناظرة إلى محتوى تفكيره، وإنما هي تستهدف أسلوبه الكلامي فقط[73].

وعلى الرغم من ذلك كله، يمكن العثور في ذات هذه التقارير على حلقة من الأفراد لمؤمن الطاق[74]، وهي الحلقة التي ورد التعبير عنها في المصادر المتأخرة عن الأشعري، باسم وعنوان «النعمانية»[75] أو «الشيطانية»[76]، إلا أن أعضاء هذه الحلقة الفكرية ليسوا مجهولين فحسب، بل ليس هناك شواهد للتعرّف عليهم.

1 / 4- الخط الفكري لهشام بن الحكم.
يمكن القول -بكل ثقة- بأن هشام بن الحكم وتياره الفكري، هو المنظم الأصلي للتيار الكلامي التنظيري، إن أبا محمد هشام بن الحكم هو المتكلم الإمامي الأبرز في عصر الإمام الصادق والإمام الكاظم ‘. كان هشام بن الحكم قبل اعتناق مذهب الإمامية ينتمي إلى المذهب الجهمي[77]، وهناك بعض التقريرات التي تشير إلى صِلاته الفكرية مع أشخاص من أمثال أبي شاكر الديصاني -من كبار الثنوية- أيضاً[78]، وعلى هذا الأساس؛ حتى لو صحّت هذه التقريرات، فهي إنما يجب أن تعود إلى مرحلة قصيرة من بداية حياته وشبابه؛ وذلك لأنه قد التحق بأصحاب الإمام الصادق (عليه السلام) في شرخ شبابه.

يبدو أن اشتهار هشام بن الحكم يعود -قبل كل شيء- إلى تنظيره وجهوده في تنقيح المباحث الكلامية، وليس من المستغرب أبداً لو ادعينا أنه قد عمل بين الإمامية على تكميل مسار في الكلام، قلما تمتع به المتكلمون الآخرون حتى تلك المرحلة والحقبة الزمنية، وهذا الأمر لوحده يكفي لإثارة الكثير من الحساسيات تجاهه بين المحدّثين الشيعة، وحتى بين المتكلمين منهم، وإن ظهور التنافس والاختلاف بينه وبين الجبهتين الداخلية والخارجية للإمامية في أكثر المسائل ومباحث دقيق الكلام وجليل الكلام - يؤيّد هذه المقولة بوضوح. إن نظرة نلقيها إلى مجموع المعتقدات الكلامية لهشام بن الحكم في كتب المقالات والروايات التاريخية بشأنه؛ تثبت بوضوح أنه كان يمتلك في أغلب المسائل وأبحاث المجتمع العلمي لعصره - آراء ونظريات خاصة، بل وحتى مختلفة مع أبناء مذهبه أيضاً[79].

ومن ناحية أخرى، فإن المعطى الفكري والجهد الكلامي الواسع لهشام بن الحكم -بالإضافة إلى الرسائل الاعتقادية والمناظرات العلمية- قد امتدّ إلى أقصاه في أجيال من تلاميذه، خلافاً لأشخاص من أمثال مؤمن الطاق وهشام بن سالم الجواليقي؛ إذ لم يكن لهما عقب فكري؛ فقد تمكن هشام بن الحكم من بناء حلقة من التلاميذ والمتكلمين من حوله، وأن يؤسس لتيار فكري / كلامي تمّ تسجيله باسمه في التاريخ وامتد لجيلين بعده عند أفول نجم المدرسة النظرية في الكوفة. إن أصحاب الملل والنحل غالباً ما يعبّرون عن هذا التيار باسم «أصحاب هشام» أو «الهشامية»[80]، تذكيراً بتبعية هذا التيار الفكري لهشام بن الحكم.
وعلى كل حال، ينبغي تتبّع أهم المعتقدات الكلامية لهشام بن الحكم، في حقل التوحيد، والعلم الإلهي، والاستطاعة، والمعرفة العقلية والاضطرارية، والإمامة والنصّ عليها، والتحديث، والعصمة. وثمة تقريرات عن تنظيراته وآرائه في حقل دقيق الكلام في ردّ نظرية الجزء الذي لا يتجزأ، والطفرة، وتعريف الإنسان وما إلى ذلك[81].

إن التيار الفكري لهشام بن الحكم قد امتدّ بشكل أكبر بين أشخاص من أمثال: علي بن منصور، وأبي مالك الحضرمي، ومحمد بن خليل السكاك، ويونس بن عبد الرحمن، والفضل بن شاذان، ولقد تم التعريف بهذا الاتجاه الفكري في مختلف الآثار، الأمر الذي يغنينا عن إعادة قراءته من الناحية العملية[82]. إن المهم في هذا الاتجاه الفكري هو وجود كمّية كبيرة من التنظيرات الكلامية، والردود، والمناظرات، الأمر الذي يشير بوضوح إلى وجود تيار كبير في حقل الكلام، والدفاع عن المعتقدات الدينية.

أُفول التيار الكلامي التنظيري في الكوفة.
إن هذه المقالة لا تتسع لبحث أسباب وعلل أفول التيار الكلامي التنظيري في الكوفة، وإنما هذا يحتاج إلى مقالة أخرى، ومع ذلك يمكن أن نعدد فهرسة بالأدلة والأسباب الداخلية والخارجية؛ لنثبت ما هي الأسباب التي وضعت حداً ونهاية لهذه المنظومة العلمية العملاقة لعلم الكلام في الكوفة. فمن بين هذه الأسباب ما يأتي:

أ - صعوبة التنظير على أساس النصّ المقدّس، وحضور العقلانية في حقل منهج المعرفة الدينية.
ب - صعوبة واستصعاب الكثير من المفاهيم والمعارف الدينية، على ما هو المروي عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، في قوله: «إن حديثنا صعب مستصعب»[83].
ج - تحذيرات ونصائح الأئمة (عليهم السلام) للمتكلمين بالتزام الدقّة في أسلوب التكلّم[84].
د - إيجاد بعض المحدوديات والقيود من قبل أهل البيت (عليهم السلام) على بيان بعض المعارف، مثل الأبحاث المرتبطة بذات الله سبحانه وتعالى، أو القضاء والقدر[85].
هـ - الروايات المأثورة عن أهل البيت (عليهم السلام) في ذمّ الكلام.
و - حداثة علم الكلام في مدرسة الكوفة.
ز - تأثير الضغوط السياسية للحكومة وأجهزة الدولة على المتكلمين، وما إلى ذلك[86].

هذه من بين الأسباب التي أدّت إلى أفول علم الكلام في مدرسة الكوفة، ولكن على الرغم من ذلك كله، هناك الكثير من خلّص أصحاب الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، كانوا يتعلمون الكلام تحت إشراف الأئمة أنفسهم[87]؛ وهو كلام كان يسعى -خلافاً للتيار المعتزلي المنافس- إلى أن يبقى وفياً لكلام أهل البيت (عليهم السلام)، وأن يمارس التنظير على أساس النص، ويقدّم المباني العقلانية لأبحاثه في إطار نظام وأدبيات جديدة، وعليه فإن هذا الاتجاه والتيار المهمّ على الرغم من ازدهاره وتخريجه للكثير من المتكلمين بسبب الفضاء المفتوح في عصر الإمام الصادق (عليه السلام) وتشجيعه عليه؛ حتى سجل لنفسه بلوغ مرحلة الذروة في التاريخ، إلا أن المعضلات والصعوبات الآنف ذكرها وضعت بعض التشكيكات والتساؤلات أمام الأصحاب، وأدّت -من الناحية العملية- إلى الانهيار الداخلي لتيار الكلام العقلاني والتنظيري عند الإمامية، وأما من الناحية الأخرى فنجد أن التيار الكلامي للمتكلمين المتمحورين حول النص قد واصل حضوره في مدرسة قم.

2- تيار المتكلمين النصّيين (المحدّثون المتكلمون).
إن بعض المحدّثين المتكلمين هم من رواة الحديث في الكوفة، من الذين كانت لهم توجهات فكرية وأساليب ينسجمون فيها مع بعضهم، وهناك تقارير عن ارتباط أتباع هذا التيار ببعضهم، الأمر الذي يثبت مدى انتمائهم وعمق ارتباطهم ببعضهم[88]. إن هذه الحكاية قابلة للطرح بالنسبة إلى الكثير من الرواة والمحدّثين في الكوفة، ومن هنا لا يبقى هناك أيّ شك أو تردّد في أنهم يؤسسون لتيار فيما بينهم، وهناك بعض الجهود المبذولة من أجل التعرّف على أسماء وأشخاص هؤلاء الأفراد؛ الأمر الذي يغنينا -في الجملة- عن بذل المزيد من الجهود في هذا الشأن[89]، إلا أن الشيء الغائب في معرفة جميع التيارات الآنف ذكرها - هو السلوك الكلامي لهذا التيار؛ وذلك لأن بعض هذه التحقيقات لا يؤمن في الأساس بالنشاط الكلامي لهذا التيار.

سبق أن أشرنا إلى أن هذا التيار بدوره -مثل المتكلمين المنظرين- له يد في بيان المعارف أيضاً، بيد أن النقطة الجوهرية في المسار البياني لهذا التيار المعرفي هو أن أنصاره لم يكونوا يستسيغون الإعراض عن أطر وأدبيات الروايات في بيان المعارف، وكانوا يسعون في المسار البياني إلى التمسك بالنصّ وإلى التشبّث بنظام المعارف الاعتقادية أيضاً، وكأن أتباع هذا التيار كانوا يسعون إلى تحقيق هذا الأمر المهمّ من خلال البيان والتحليل الداخلي للنصّ والمنظومة المعرفية، ويمكن القول: إن أتباع تيار المحدّثين المتكلمين كانوا يعتقدون بأنه لو تمّ فهم التراث العقائدي بشكل صحيح ومنظم؛ فسوف نكون في غنى عن البيانات الخارجية، ولن تكون هناك حاجة إلى منظومة من خارج أطر المعارف الدينية.
وفي الحقيقة ليس هناك أيّ شاهد في البين يثبت أن هذا التيار كان يسعى إلى بيان العقائد من خلال الاستفادة من مفردات ومصطلحات من خارج النصّ المقدّس، أو أن يعمل على توظيف نظام معرفي آخر لفهم ذلك النص. إن الذي تبقّى من هذا التيار لا يعدو النصوص والروايات التي انتقلت إلى الأجيال اللاحقة تباعاً، وهذا الأسلوب هو الذي دعا البعض إلى القول بأن سلوكهم يمثّل نوعاً من «النزعة النصّية».

إن السلوك النصّي لهذا التيار وإن كان يتمّ تحويله من قبل بعض من أمثال صرف المحدّثين[90]، إلى مجرّد نقل بسيط، إلا أن الكثير من المنتمين إلى هذا الاتجاه فكرياً قد جسدوا سلوكاً مختلفاً عن مجرّد النقل البسيط لرواية اعتقادية ما؛ وهو سلوك يحكي عن فهم عميق وتفقُّه من قبلهم للروايات الاعتقادية.

ويمكن القول: إن هذا التيار بدوره كان يذهب -على أساس النموذج الإمامي للارتباط بين العقل والوحي- إلى الاعتقاد بأن منظومة المعارف الدينية تحتوي على مفردات ومصطلحات واستدلالات خاصة بها، ويمكن فهمها من خلال التدبّر وهداية وإرشاد الأولياء الإلهيين، والشاهد على هذا المدعى هو أن هذا التيار -على خلاف المتكلمين المنظرين- كان يسعى في حدود الإمكان إلى الابتعاد عن الجدال والبحث والمناظرات الخارجية، بل وربما اعتبروا ذلك مخالفاً لسيرة أهل البيت (عليهم السلام)[91]، ثمّ إن سبب هذا السلوك يعود -قبل كل شيء- إلى أن الدخول من خارج النصّ إلى حقل البيان، يؤدّي -بزعمهم- إلى الجدال والمراء، ومن طبيعة الجدال والمناظرة أن تتمّ الاستفادة فيهما من الألفاظ والبراهين وحتى الأنظمة المعرفية الأخرى أيضاً، والشاهد على هذا الادعاء أن هؤلاء كانوا يرون أن الكثير من المتكلمين قد سقط في هذا الفخ، وكانوا يشتكون إلى الأئمة المعصومين (عليهم السلام) من المحتوى الذي يقدّمه هؤلاء المتكلمون، ومن الأساليب التي يعتمدونها في استنباط المعارف والمفاهيم[92]. ثمّ إن روايات نفي الكلام في الأساس، وروايات الدعوة إلى تجنّب الجدل والمناظرة، إنما كان يتم طرحها في الغالب من قبل هذا التيار لهذا السبب[93].

ومن ناحية أخرى تشير التساؤلات وطرح الأسئلة العميقة من قبل أنصار هذا التيار على الأئمة الأطهار (عليهم السلام)؛ إلى أن الذهنية التحليلية لهؤلاء الأشخاص كانت تسعى إلى رفع المشاكل الدقيقة والتفصيلية؛ وربما حتى التناقضات التي تجلّت لهم من خلال مواجهة التراث الاعتقادي لأهل البيت (عليهم السلام)[94]، ولا يخفى أن الدخول في مضمار الأسئلة العقائدية مع الإمام المعصوم (عليه السلام) إنما ينبثق من هاجس التبيين في حقل المعرفة الدينية.

إن هذه التساؤلات والإبهامات، لم تكن تطرح بالضرورة من قبل التيارات المنافسة، بل ربما كان التعمّق في الروايات والمعارف هو الذي يخلق أرضية لطرح بعض الأسئلة من قبل الإصحاب، ومطالبتهم بالحصول على أجوبة شافية عن هذه الأسئلة.
ثمّ إن المواجهة الخارجية بدورها، وإن لم تكن تمثل الوجه الأصلي لهذا التيار، ولكنها كانت تمثّل -على كل حال- ردوداً ورسائل وانتقادات ومناظرات وغير ذلك، واستجابة للمطالب العامة للفضاء السابق ذكره، الذي كان يسعى إلى الإجابة -من داخل المنظومة ومقيّداً بمعطياتها الداخلية- عن الانحرافات والمشاكل.
إن هذا التيار -في المواجهة مع أفكار الخصوم، بدلاً من اتخاذ الموقف النقدي والجدلي- كان يعمل على كتابة مختلف الرسائل الاعتقادية، من قبيل: البداء، والمعرفة، والقضاء والقدر، وما إلى ذلك، حيث كان كل واحد من هذه المسائل يمثل في الواقع جواباً عن واحد من التحديات الفكرية في ذلك العصر[95]، ومع ذلك كله فإن الأسلوب الأصلي لهذا التيار كان يتمثل في تقديم المباني العقائدية في إطار نقل الحديث، ويتمّ من خلال هذه النافذة، وبطبيعة الحال فقد كانت هذه الرسائل -في العادة- عبارة عن مجموعة من الروايات في المسائل الاعتقادية، وقد انتقلت بشكل رئيس إلى مدرسة قم[96].

ومع ذلك كله: فمن الواضح أن التيار الذي يجعل المحورية للنص، ويعمل على تظهير وإبراز الروايات الناهية عن الكلام[97]؛ لا يسعى -بالضرورة- إلى فهم المعارف الدينية بمعزل عن الالتفات إلى المباني العقلية.
إن الكثير مما نقله هؤلاء المحدّثين المتكلمين من روايات كتاب العقل، يظهر بوضوح أن هذا التيار بدوره -مثل التيار الكلامي التنظيري- كان ينظر إلى المضامين الاعتقادية بوصفها تراثاً معرفياً وعقلياً، وكان يعتبر الجوهر الداخلي للمعارف الدينية عقلياً[98]؛ غاية ما هنالك أن هذا التيار يذهب -في الوقت نفسه- إلى الاعتقاد بكفاية ذات النص المقدّس لفهم الكتاب، وأن الإمام (عليه السلام) هو الذي يبيّن المطالب ببيانه وأسلوبه العقلي[99]، وعلى هذا الأساس، لن تكون هناك حاجة إلى المزيد من البيانات من خارج النصّ، ومن هنا فقد كانوا يقولون بأن الرسالة والمهمة الرئيسة لهذا التيار، هي الفهم الدقيق للمعارف واكتشاف المنظومة المعرفية من داخل الروايات. ومن الواضح أن مخاطب هذا الاتجاه يمكن أن يكون هو مجتمع المؤمنين، ولا شكّ -بطبيعة الحال- في أن هذا المخاطب لا يحتاج إلى التحليلات العامة من خارج النص، ويطلب انسجام وتماهي معتقداته من داخل النصّ.

إن الحجم الكبير من الروايات الاعتقادية المأثورة، لا يأتي بوصفه دليلاً فحسب، بل بوصفه شاهداً على هواجس واهتمامات التابعين لهذا التيار بالأبحاث الاعتقادية، من ذلك على سبيل المثال: أن ما يزيد على ثلثي روايات أبي بصير يتألف من الروايات العقائدية[100]، وأن نصف روايات زرارة بن أعين[101]، ومقداراً كبيراً من روايات محمد بن مسلم هو من الروايات الكلامية[102].

إن هذا التيار على الرغم من تنصّله عن عنوان التكلّم، واستعماله لهذا العنوان في نقد التيار المنافس، إلا أن مواجهته لم تنطلق من الحيثيّة الدفاعية للمتكلمين، وإنما كان النقد يتجه في الغالب إلى أسلوب ومنشأ هذا الدفاع، ومع ذلك كله فإن ذات هذا التيار بالمعنى المعاصر للكلام، كان يعمل على تجسيد سلوك كلامي بكل ما للكلمة من معنى، وعلى هذا الأساس تمّ إطلاق عنوان «المتكلمين المتمحورين حول النص» على هذا التيار.

يمكن الإشارة من بين أهم الأشخاص المؤسسين لهذا التيار، إلى أبان بن تغلب بن رياح الكوفي (م:141هـ). إن تعريفه الخالد والشهير للتشيّع، يكشف بصدق عن منهجه وأسلوبه الفكري في هذا التيار[103]، ولا يبعد أن يكون أمر الإمام الصادق إياه بمناظرة أهل المدينة، متجهاً في الغالب إلى معنى الإخبار والفتوى، وليس الجدال والمراء في العقائد[104]. إن الكثير من رواياته قد وصلت إلينا على شكل أسئلة ألقاها على الإمام (عليه السلام)؛ وهي أسئلة في باب التوحيد، والإمامة، وعدد الأئمة[105]، والمهدوية[106]، والرجعة[107]، وغير ذلك من المسائل الاعتقادية[108].

وقد كان بُريد بن معاوية العجلي (م:150هـ) بدوره من أهم الأشخاص في الطبقة الأولى من هذا التيار، وقد ورد في تقرير أن بريد وزرارة بن أعين كانا على رأي واحد فيما يتعلق بمسألة الاستطاعة[109]، وكان كل من محمد بن مسلم الثقفي (م:150هـ)، وأبي بصير يحيى بن القاسم الكوفي، وزرارة بن أعين (م:150هـ) في برهة من الزمن من المنتسبين إلى هذا التيار، وإن جميع هؤلاء الأشخاص كانوا من أصحاب الإجماع، وإنهم -من خلال دخولهم في مضمار بيان المعارفة من المنظومة الداخلية- قد سجلوا لأنفسهم دوراً كلامياً أيضاً.
وبعد هذه الطبقة، يمكن اعتبار الرواة من أمثال أبي محمد الكوفي عبد الله بن مُسكان العنزي (كان حياً حتى ما قبل عام 203هـ) بوصفه من أصحاب الإجماع، وقد ألف بدوره كتاباً في الإمامة أيضاً[110]. ويُعدّ أبو الحسن الكوفي علي بن رئاب التميمي بدوره من أصحاب الإمام الصادق والإمام الكاظم ‘، وله كتاب باسم «الوصيّة والإمامة»[111]، وقد نقلت كتب التاريخ لنا بعض مناظراته، وقد ذكروا أنه كان لابن رئاب أخوان؛ أحدهما من كبار علماء أهل السنة، وكان الآخر من زعماء الخوارج، وأن علي بن رئاب كان قد خصص ثلاثة أيام من كل عام للمناظرة مع أخويه[112].

إن هؤلاء الأشخاص إنما هم مجرّد أمثلة للمنتمين إلى هذا التيار، حيث كانت لهم تساؤلات عقائدية، وكانوا في الوقت نفسه ينتجون تراثاً، وكانوا إذا لزم الأمر وتوفّرت الأرضية استجابوا لعقد جلسات للمناظرة أيضاً. إن الأسئلة التي كان يطرحها أتباع هذا التيار على الأئمة الأطهار (عليهم السلام)، كانت تظهر بوضوح مدى هواجسهم واهتمامهم بالفهم العميق للمعارف، إلا أن هذا الأمر إذ كان يحدث في داخل منظومة المعارف، فإنه لم يكتسب صبغة خارجية، ولم يشتهر في مرحلته بالكلام.
إن النقطة التي لا ينبغي الغفلة عنها هي أن المضامين المنقولة من قبل بعض المنتمين إلى هذا التيار؛ تظهر لنا اتجاهين فكريين آخرين بوصف الغلوّ والتقصير أيضاً؛ وهما التياران اللذان يعرفان من خلال المحتويات والمضامين الاعتقادية، دون أسلوب المواجهة.

2 / 1 - اتجاه الغلاة والمتهمون بالغلوّ.
لا شك في أن الغلاة كانوا من أبرز التيارات حضوراً في القرن الثاني للهجرة جنباً إلى جنب مع التيارات الكلامية في الكوفة؛ وتشير التحقيقات في كوفة القرن الثاني والثالث للهجرة، إلى وجود طائفتين معروفتين باسم الغلاة، حيث ينبغي الفصل بينهما؛ وهما: طائفة موسومة باسم الغلاة، وطائفة أخرى متّهمة بالغلوّ[113].

وقد كانت الطائفة الأولى تمثل تياراً مبغوضاً من قبل أهل البيت (عليهم السلام)، وكان محكوماً عليه بالشجب والاستنكار من قبلهم[114]، ومن هنا فإنهم على الرغم من انتسابهم إلى التشيّع، ولكن لم يكن يتمّ الاحتفاء بهم من قبل المجتمع الشيعي العام، ولا يتمّ احتضانهم واستقبالهم من قبل الأصحاب، ومن الطبيعي -والحالة هذه- أن لا يتمّ نقل آثارهم من قبل منظومة الأصحاب أيضاً، والشاهد على ذلك أن آثار هذه الطائفة لم يتمّ تناقلها بين علماء الشيعة، ولا توجد أسماؤهم في الكتب الرجالية الشيعية، ولا يرد ذكر لأعمالهم ومؤلفاتهم في كتب الفهارس الشيعية. وكان من أبرز الخصائص الفكرية لهذا التيار أنه كان يرفع الأئمة الأطهار إلى مستوى النبي الأكرم ’ -بما له من الخصائص الخاصة- أو أنهم يرفعونهم إلى مستوى الألوهية. إن مسألة الولاية والإيمان بها كانت من وجهة نظر هذا التيار تحلّ محلّ المناسك الشرعية، وربما لهذا السبب كان بعض أتباع هذا التيار من الداعين إلى الإباحية. ويُعدّ بيان بن سمعان، والمغيرة بن سعيد، وأبو الخطاب، من أبرز شخصيات هذا التيار.

والطائفة الثانية، جماعة من الأصحاب الذين اتهموا بالغلوّ نتيجة لنقلهم بعض الأحاديث أو المضامين الخاصّة، وإن هذا الاتهام في حدّ ذاته شكّل أرضية لتمييز هذه الجماعة من الأصحاب من الطائفة الثانية، سواء من حيث الهوية الاجتماعية ومن الناحية المعرفية أيضاً. وفي باب الصلة بين هاتين الطائفتين منذ بداية ظهورهما وفي مسار ازدهارهما وانتشارهما، وما هي النسبة القائمة بين التراث العلمي لهما - شاعت منذ القدم بعض الظنون والتصوّرات؛ حيث يجب إخضاعها للبحث والتحقيق، ومع ذلك كله نجد التراث الفكري والروائي لهذه الطائفة المتهمة بالغلوّ، كان ولا يزال متداولاً بين علماء الإمامية، فهناك ما يقرب من ستين شخصاً من مصنّفي الشيعة، قد تمّ اتهامهم في كتاب النجاشي بالغلوّ صراحة أو تلويحاً، وإن ثلث هؤلاء هم من الأصحاب الذين ينتمون إلى المدرسة الفكرية في الكوفة[115].

وقد تمّ عدّ أبي محمد جابر بن يزيد الجعفي -وهو من الرواة عن الإمامين الصادقين ‘- بوصفه رأس هذا التيار، ولم يُعرف حقاً ما هو السبب الذي دعا إلى اتهامه بالغلوّ. إن هذا الاتهام لا يمكن أن نعزوه إلى ارتباطه بتيار الغلاة؛ إذ لا يوجد هناك شاهد على صلة جابر بتيار أمثال: أبي الخطاب وبيان بن سمعان، إلا أن محتوى بعض رواياته يشير إلى أنه كان يمتلك بعض التعاليم الخاصة التي يكتمها عن الناس بأمر من الأئمة الأطهار(عليهم السلام)[116] ، أو أنه لم يكن يبوح بها إلا في خلواته، حيث يحدّث بها الآبار[117].
ثمّ إن المفضل بن عمر هو الراوي الآخر الذي اتهم بدوره -مثل جابر الجعفي- بالغلوّ، وهو من أسرة الجعفيّ أيضاً، وقد أدرك الإمام الصادق والإمام الكاظم ‘، وقيل إنه كان «خطّابياً»[118]، وبعده كان محمد بن سنان من أشهر الشخصيات التي تمّ اتهامها بالغلوّ في الجيل اللاحق لجابر الجعفي، وجذور هذا الاتهام لم تُعرف بوضوح أيضاً، ولكن لا يبعد أن يكون سبب ذلك ناشئاً من نقله لروايات جابر التي أخبر عنها النجاشي[119].

وهكذا كان أبو عبد الله المُعلّى بن خنيس -وهو من خلّص أصحاب الإمام الصادق (عليه السلام)- الراوي الآخر الذي قد تمّ اتهامه بالغلوّ أيضاً، وهناك تقرير واضح عن الاختلاف بين الأصحاب في الكوفة، حيث يقف في طرفيه المُعلّى بن خنيس، وعبد الله بن أبي يعفور، بوصفهما ممثلَينِ للمتهمينَ بالغلوّ والتقصير. فقد روي عن المعلى بن خنيس ما يبدو منه أنه يعمد المعلّى بن خنيس إلى رفع الأئمة الأطهار إلى مرتبة النبي الأكرم ’، وفي المقابل يذهب ابن أبي يعفور إلى التعريف بهم بوصفهم من «العلماء الأبرار» فقط، وقد تمّ وضع حدّ لهذا النزاع بعد رفعه إلى الإمام جعفر الصادق (عليه السلام) وحكم الإمام لصالح ما ذهب إليه ابن أبي يعفور[120]. إن هذه الحكاية تمثل شاهداً على التفكير والتدبّر في النص لدى هذا الاتجاه.

2 / 2 - تيار التقصير والمتهمون به.
بالإضافة إلى التيار السابق ذكره، كان هناك تيار فكري آخر في الكوفة يُعرف باسم «البترية»، إن قادة هذا الاتجاه الفكري وإن كانوا من أصحاب الإمامين الصادقين ‘، إلا أنهم كانوا يشككون في مراتب الأئمة، ولا سيّما منها العلم الخاص لهم[121]، كما كانوا ينأون بأنفسهم عن معتقد الإمامية في خصوص مسألة البراءة من الخليفة الأول والثاني[122]، ويأتي وصف هذا التيار بـ «أهل التقصير» في هذا المقال من هذه الناحية.
إن هذا التيار الفكري وإن كان يؤمن بأفضلية الإمام علي (عليه السلام)، ولكنه كان -في الوقت نفسه- يقول بصحّة خلافة الخلفاء الأوائل أيضاً، وبذلك كان من الناحية العملية يقدّم لمعتقد أهل السنة -في مسألة الإمامة والخلافة- رداءً من معتقدات الشيعة. إن هذه النظرية قد أظهرت نفسها من خلال النظرية المعروفة في إمامة المفضول، وهي النظرية التي تمّ تقديمها أولاً من قبل هذا التيار الفكري[123]. إن أبرز أتباع هذا التيار: كثير النواء، وحسن بن صالح بن حي، وأخوه علي، وسالم بن أبي حفصة، وسلمة بن كهيل، وأبو المقدام ثابت الحداد. إن هؤلاء الأشخاص أخذوا -بعد ظهور تيار الزيدية في الكوفة- ينفصلون بالتدريج عن الإمامية، ويلتحقون بتيار الزيدية[124].

وربما بسبب الاختلافات الكثيرة التي ظهرت بين المقصّرين (الذين ينكرون البراءة) والإمامية (الذين يؤمنون بالبراءة)[125] - تمّ اتهام بعض كبار الإمامية بالتقصير؛ لمجرّد أنهم كانوا يمارسون التقيّة، ويتلفظون ببعض العبارات القريبة من رؤية المقصّرة[126]؛ وهو الاتهام الذي ينبثق -قبل أيّ شيء آخر- من فهم منقوص ومجانب للصواب عن شخصيتهم وكلامهم، ومن بين هؤلاء الأشخاص يمكن الإشارة إلى واحد من خلّص أصحاب الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)[127]، هو عبد الله بن أبي يعفور[128]. إن حضور الحشود الكبيرة لـ «مرجئة الشيعة» -الذي هو اللقب الآخر للبتريّة أو المقصّرة- في تشييع جنازة عبد الله بن أبي يعفور[129] - كان من أبرز الذرائع لهذا الاتهام، وكذلك التفسيرات المتنوّعة للروايات المنقولة عنه، قد نسبت له رؤية تقصيرية موسومة بالعلماء الأبرار، يزعم بعض الكتاب أن هذه الرؤية والنظرية تؤدّي إلى إنكار العصمة والعلم الخاص بأهل البيت (عليهم السلام)[130]، بيد أن هذا الادعاء غير وجيه، ولا تعضده الشواهد الكافية والدقيقة؛ إذ أظهرت بعض الأبحاث بحق أن مصطلح «العلماء الأبرار» مصطلح تمّ بيانه من قبل أهل البيت (عليهم السلام) أنفسهم؛ لبيان معنى العلم الخاص والعصمة في عصر التقيّة، ولا يعني أبداً التقصير في بيان خصائص الإمام عند الإمامية[131].

3- المتكلمون المنفردون والوسطيون.
كما سبق أن ذكرنا يمكن اليوم أن نشير إلى تيارين كلاميين في الكوفة. إن اصطفاف الأصحاب بين هذين التيارين كان له بعض التبعات أيضاً، ومن بينها حيرة بعض الأشخاص في الانحياز إلى واحد من هذين التيارين، وليس لهؤلاء الأشخاص أسلوب ومنهج منفصل عن هذين التيارين، بيد أن الشواهد المتوفّرة تضعهم في برزخ وسط بين هذين التيارين، بحيث إنهم في بعض المسائل يتماهون مع تيار، وفي بعض المسائل الأخرى يتماهون مع التيار الآخر، ويُعدّ أبو جعفر الكوفي محمد بن حكيم الخثعمي من جملة هؤلاء الأشخاص، إذ تشهد مناظرته على هذا الادعاء[132].

كما يُعدّ أبو علي المدائني، وحديد بن حكيم الأزدي، وهما من تلاميذ الإمام الصادق والإمام الكاظم ‘ -مثل محمد بن حكيم- من المتكلمين أيضاً[133]، بيد أن الشواهد على إثبات شخصيته الكلامية لا تصل إلى مستوى تكلّم أبي أيوب الكوفي منصور بن حازم البجلي، إذ إن مجموع روايات أبي أيوب تُظهر بوضوح إلى أيّ مدى كان ناشطاً وباحثاً حول مختلف المسائل والموضوعات الاعتقادية، ولا تزال توجد في تراثنا نماذج تستحق القراءة من مناظراته[134]. ثمّ إن هشام بن إبراهيم الختلي المعروف بـ «هشام المشرفي»[135] بدوره من المتكلمين الذين يصعب نسبتهم إلى واحد من التيارين الآنف ذكرهما.


4- تيار محض المحدّثين
إن هذه الجماعة -خلافاً للمحدّثين المتكلمين- لم تكن تحمل هاجس الفهم العميق والمنظم للمعارف، وكانت تكتفي بنقل الروايات والفهم العادي لها فقط، وإن التابعين لهذا الاتجاه وإن لم يكونوا من الشخصيات المشهورة في الفضاء الفكري، ولكنهم كانوا يحملون إرثاً كبيراً من الروايات.

فإذا أمكن بيان وإثبات كلام المحدّثين المتكلمين من خلال كتابة رسائل اعتقادية، وأسئلة كلامية، وتنظيم الروايات، وترتيبها من الناحية المنطقية وما إلى ذلك؛ لا نستطيع في الحقيقة والواقع أن نعثر لهذه المجموعة من رواة الكوفة على طرح أو خطة فكرية تبيّن سلوكها الكلامي.
ولا ينبغي تجاهل أن هذا التيار -بناء على أسلوبه- كان يكتفي بمجرّد نقل الروايات العقائدية فقط، ومن الواضح أن هذا السلوك لم يكن يتقبل النزاعات الكلامية، ولهذا السبب كان أتباع هذا التيار مورد احترام وتقدير من قبل الجميع، ولم يرد بحقهم اتهام من قبل المخالفين، ولم تسجّل باسمهم فرقة أو مذهب يُنسب إليهم، وإن تذمّر هذه الطائفة من الكلام ونشاطات المتكلمين كان بسبب وجود النصوص التي تذمّ الكلام والأنشطة الكلامية[136]، وعليه كان من الطبيعي -بالنظر إلى التزامهم الخاص بالنصوص الدينية- ألّا يستسيغوا بيان المعارف الدينية ولا يطيقوه، لقد كان التعبّد بالنصوص يحظى بأهمية كبيرة من قبل هذا التيار، ولهذا السبب فإن أتباعه لم يكلفوا أنفسهم عناء تبويب وتنظيم المعارف بأيّ لغة أو نموذج آخر، وربما كان تقرير الأشعري عن الذين كانوا يقولون: «القول ما قاله جعفر (عليه السلام)»[137] ناظراً إلى هذا التيار والاتجاه، ويجب الالتفات إلى أن الأشعري في مثل هذه الموارد لا يطرح رؤية في الأساس، وإنما يكتفي بذكر هذا الأسلوب فقط.

إن عدم الدخول في حقل الدفاع، والتعبّد بالنصوص، وتجنّب التفسيرات من خارج النصوص، وبيان روايات ذمّ الكلام من قبل هذا الاتجاه؛ يعمل بحق على إيجاد قرابة كبيرة لهذا التيار مع تيار المحدّثين المتكلمين، يضاف إلى ذلك أن حجم تبادل الروايات بين هذه المجموعة من المحدّثين وبين المحدّثين المتكلمين - كبير جداً، وربما كان التمييز بينهما صعب من هذه الناحية.
ومن بين أبرز أشخاص هذا التيار، يمكن تسمية حمّاد بن عثمان الناب (م:190هـ)، وأبان بن عثمان الأحمر البجلي (م:200هـ)، وجميل بن درّاج بن عبد الله الكوفي (كان حيّاً قبل عام 203هـ)، وأبي محمد عبد الله بن المغيرة الخزاز الكوفي (كان حيّاً قبل عام 203 هـ).

الخلاصة
إن الأبحاث الجديدة في حقل تاريخ كلام الإمامية، لم تصوّر لهذا التاريخ -في الفترة الزمنية من عام 80 إلى 180 للهجرة- منزلة حقيقية، ومن هنا فقد اعتُبرت بغداد والمدرسة الفكرية لهذه الرقعة الجغرافية هي المؤسسة لكلام الإمامية، ولكن كما رأينا فإنه قد سبق لمدرسة الكوفة الكلامية أن عملت على نشر المعارف الاعتقادية لأهل البيت (عليهم السلام) -في الحدّ الأدنى- ضمن تيارين كلاميين مهمّين، موسومين بتيار «المتكلمين المنظرين»، وتيار «المحدّثين المتكلمين»، وعملت على بيانها ضمن الأطر والقوالب المعرفية، وبطبيعة الحال فقد كان كل واحد من هذه التيارات يحتوي في أحشائه على خطوط مختلفة، ومع ذلك كله فإن الوجه المشترك لهذه التيارات هو الرواية والتمسك بالبحث والاستفهام عن المسائل الفكرية من الأئمة المعصومين (عليهم السلام) وحفظها ونقلها إلى الآخرين، ومع ذلك فإن الاتجاه الكلامي كان بصدد البيان العقلاني أو التنظير حول معارف مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) والدفاع عنها في قبال التيارات الفكرية المنافسة الأخرى، بيد أن الاتجاه الروائي كان بصدد الفهم الدقيق لذات المعارف وعرضها على مجتمع المؤمنين.

إن الذي ينبغي الالتفات إليه في هذه المرحلة قبل كل شيء، هو أن الكوفة كانت -خلافاً لبعض الأفهام- مدرسة كلامية لها أساليبها الخاصة، وتياراتها الكلامية المتنوّعة، ومتكلموها البارزون، وتراثها الفكري والكلامي، ولم تكن تُـختزل ببضغة أشخاص من المتكلمين أو تيار محدّد. لقد تأسست هذه المدرسة أمام مرأى ومسمع من الإمام المعصوم (عليه السلام)، وتمّ توجيهها من قبله. من بين هذين التيارين وإن اضمحل تيار المتكلمين المحدّثين لمختلف الأسباب والعلل، وتمّت مواصلة خطهم الفكري في الجملة في مدرسة بغداد، إلا أن السلوك الكلامي لتيار المحدّثين المتكلمين قد استمرّ على خير وجه في مدرسة قم الكلامية.

المصادر   //
1 - ابن أبي زينب، النعماني، الغيبة، تصحيح: علي أكبر الغفاري، نشر الصدوق، طهران، 1397 هـ.
2 - أحمدي ميانجي، علي، مواقف الشيعة، جماعة المدرسين بقم المشرّفة / مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1374 هـ ش.
3 - أسعدي، علي رضا، هشام بن حكم (هشام بن الحكم)، نشر پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامي، قم، 1388 هـ ش.
4 - الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تصحيح: نعيم حسين زرزور، المكتبة العصرية، بيروت، 1430 هـ.
5 -أقوام كرباسي، أكبر، وسبحاني، محمد تقي، «مؤمن الطاق و روش كلامي او» (مؤمن الطاق وأسلوبه الكلامي)، مجلة: كلام اسلامي، العدد: 85، سنة 1392 هـ ش.
6 - البغدادي، أبو منصور، الفرق بين الفِرَق، تصحيح: إبراهيم رمضان، دار المعرفة، بيروت، 1429 هـ.
7 - الجعفري، محمد رضا، الكلام عند الإمامية: نشأته وتطوّره وموقع الشيخ المفيد منه، مجلة تراثنا، العدد: 30 31، سنة 1413 هـ.
8 - الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة، نشر توبد، طهران، 1362 هـ ش.
9 - الخياط، أبو الحسين، الانتصار، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة.
10 - رضائي، محمد جعفر، «امتداد جريان فكري هشام بن حكم تا مدرسه كلامي بغداد» (امتداد التيار الفكري لهشام بن الحكم إلى المدرسة الكلامية في بغداد)، مجلة: نقد و نظر، العدد: 65، عام 1391 هـ ش.
11 - رضائي، محمد جعفر، «تبيين معنايي علماي ابرار» «تفسير مفهوم العلماء الأبرار»، مجلة: هفت آسمان، السنة الثالثة عشرة، العدد: 52، 1390 هـ ش.
12 - الزراري أبو غالب الكوفي، أحمد بن محمد، رسالة أبي غالب إلى ابن ابنه في ذكر آل أعين: تحقيق: محمد رضا الحسيني، مركز البحوث والتحقيقات الإسلامية، قم، 1369 هـ.
13 - سامي النشار،علي، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، دار السلام، القاهرة، 2008 م.
14 - السبحاني، جعفر، معجم طبقات المتكلمين، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، قم، 1424 هـ.
15 - سبحاني، محمد تقي، «كلام شيعي: ماهيت تحولات و جالش ها» (الكلام الشيعي: الماهية، والتحولات، والتحدّيات)، أخبار شيعيان، العدد: 38، 1387 هـ ش.
16 - سبحاني، محمد تقي، «كلام إمامية: ريشه ها ورويش ها» (كلام الإمامية: الجذور والفروع)، مجلة: نقد ونظر، العدد: 65، 1391 هـ ش.
17 - السبحاني، محمد تقي، نقد كتاب مكتب در فرايند تكامل، جلسه دوم (نقد كتاب المذهب في طور التكامل، المحاضرة الثانية)، پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامي، پژوهشكده تاريخ و سيره، قم، 1390 هـ ش.
18 - الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، تصحيح: أمير علي مهنا وعلي حسن فاعور، دار المعرفة، بيروت، 1421 هـ.
19 - الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، محمد بن علي، عيوم أخبار الرضا (عليه السلام)، تصحيح: مهدي لاجوردي، نشر جهان، طهران، 1378 هـ ش.
20 - الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، محمد بن علي، كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح: علي أكبر الغفاري، دار نشر إسلامية، طهران، 1395 هـ.
21 - الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، محمد بن علي، التوحيد، تصحيح: هاشم الحسيني، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، قم، 1398 هـ.
22 - الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، محمد بن علي، الاعتقادات، المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، قم، 1414 هـ.
23 - الصفار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمد t، تصحيح: محسن كوچه باغي، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم، 1404 هـ.
24 - صفري فروشاني، نعمت الله، غاليان (الغلاة)، بنياد پژوهش هاي اسلامي، مشهد، 1378 هـ ش.
25 - الطالقاني، السيد حسن، «مدرسه كلامي قم» (المدرسة الكلامية في قم)، مجلة: نقد و نظر، العدد: 65، 1391 هـ ش.
26 - الطالقاني، السيد علي، «ترمينولوژي جريان شناسي فرهنگي» (مصادر التيارات الثقافية)، مجلة: حوزه، العدد: 119، 1382 هـ ش.
27 - الطبري، محمد بن جرير،تاريخ الأمم والملوك، الاستقامة، القاهرة، 1358 هـ ش.
28 - الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، الرجال، تصحيح: جواد قيّومي إصفهاني، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، قم، 1373 هـ ش.
29 - الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، فهرست كتب الشيعة وأصولهم وأسماء المصنفين وأصحاب الأصول، تصحيح: السيد عبد العزيز الطباطبائي، مكتبة المحقق الطباطبائي، قم، 1420 هـ.
30 - العلامة العسكري، السيد مرتضى، معالم المدرستين، مجمع علمي إسلامي دانشكده أصول دين، طهران، 1413 هـ.
31 - الفارابي، محمد بن محمد، إحصاء العلوم، تعليق: عثمان محمد أمين، مكتبة الخانجي، القاهرة / مصر، 1931 م.
32 - فان أس. جوزيف، علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة، ج 1، ترجمة: سالمة صالح، دار الجمل، بيروت، 2008 م.
33 - الكراجكي، أبو الفتح، كنز الفوائد، دار الذخائر، قم، 1410 هـ.
34 - الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، تصحيح: مهدي الرجائي، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم، 1363 هـ ش.
35 - الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، المقدمة، تصحيح: علي أكبر الغفاري ومحمد آخوندي، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1407 هـ.
36 - گرامي، سيد محمد هادي، نخستين مناسبات فكري تشيع (النشاطات الفكرية الأولى للتشيّع)، انتشارات دانشگاه إمام صادق (عليه السلام)، طهران، 1391 هـ ش.
37 - العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1403 هـ
38 - محمدي مازندراني، بشير، مسند محمد بن مسلم الثقفي الطائفي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، قم، 1375 هـ ش.
39 - محمدي مازندراني، بشير، مسند أبي بصير، دار الحديث، قم، 1383 هـ ش.
40 - محمدي مازندراني، بشير، مسند زرارة بن أعين، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، قم، 1413 هـ.
41 - المدرسي الطباطبائي، السيد حسين، «مناظرات كلامي و نقش متكلمان» (المناظرات الكلامية ودور المتكلمين)، مجلة نقد ونظر الفصلية، العدد: 3 4، 1374 هـ ش.
42 - المدرسي الطباطبائي، السيد حسين، مكتب در فرايند تكامل، ترجمه إلى اللغة الفارسية: هاشم ايزدپناه، 1386 هـ ش.
43 - المرزباني الخراساني، مختصر أخبار الشعراء الشيعة، إعداد: الشيخ محمد هادي الأميني، شركة الكتبي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1413 هـ.
44 - الشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، مؤسسة مطالعات اسلامي دانشگاه طهران / دانشگاه مك كيل، 1372 هـ ش.
45 - الموسوي الخوئي، السيد أبو القاسم، معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، مركز نشر الثقافة الإسلامية، قم، 1413 هـ.
46 - النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، قم، 1365 هـ ش.
47 - نيومن، أندره، دوره شكل گيري تشيع دوازده امامي (مرحلة تبلور التشيع الإمامي الاثنى عشري)، انتشارات شيعه شناسي، قم، 1386 هـ ش.
48 - ولفسن، هاری اوسترين، فلسفه علم کلام (فلسفة علم الكلام)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد آرام، نشر الهدى، طهران، 1368 هـ ش.

--------------------------------------------------
[1] - لا ينبغي تفسير هذا الكلام بعدم توظيف المتكلمين أو عدم معرفتهم بتراث الفلاسفة، وعلى كل حال فإن التعاطي بين علمين أو ثقافتين يُعدّ أمراً عادياً حتى في الحقول غير ذات الصلة. إن الذي تمّ التأكيد عليه في إشكالات من هذا القبيل، هو الارتباط المباشر والتوظيف المنهجي والاستفادة المنظمة للكلام من سائر الأنظمة المعرفية الأخرى.
[2] - السيد حسين المدرسي الطباطبائي (1942 ؟ م): أستاذ جامعي ومفكر إسلامي إيراني معاصر، من مواليد مدينة قم المقدسة. من العلماء البارزين في الغرب. يعتبر من أبرز الباحثين في التاريخ الإسلامي. له دراية بالفلسفة والقانون والفقه والحديث والتاريخ. يجيد عدّة لغات منها الفارسية والعربية والإنجليزية. (المعرّب).
[3] - محمد علي أمير معزّي (1956 ؟ م): عالم دراسات إسلامية وأستاذ جامعي ومؤرخ فرنسي معاصر من أصل إيراني. مختص في الدراسات الإسلامية في كلية الدراسات العليا. يعتبر أحد الأكاديميين الرائدين في دراسة الشيعة الإصنا عشرية المبكرة. (المعرّب).
[4] - محسن كديور (1959 ؟ م): مفكر إيراني معاصر. له آراء جدلية في اللاهوت والفقه والفكر السياسي الشيعي. يقيم حالياً في الولايات المتحدة الأمريكية. (المعرّب).
[5] - ولفرد مادلونج (1930 ؟ م): مستشرق ألماني معاصر. انتقل مع عائلته إلى الولايات المتحدة الأمريكية سنة 1987، حيث درس في جامعة جورج تاون. أقام في مصر لمدة سنة وذلك في عام 1952 م، ثم أكمل الدراسات العليا في ألمانيا وحاز على درجة الدكتوراه. وفي سنة 1958 م عمل في سفارة ألمانيا ببغداد لسنتين. ثم درس في جامعة شيكاغو حيث شغل منصب أستاذ التاريخ الإسلامي، وبعدها شغل منصب أستاذ اللغة العربية بجامعة أوكسفورد. كتب بشكل مكثف في موضوع الإسلام المبكر، كما كتب عن الطوائف الإسلامية مثل الشيعة الإمامية والإسماعيلية. (المعرّب).
[6] - مارتن مكدرموت (1934 2018 م): مفكر ومحقق ومتأله ومتكلم كاثوليكي معاصر. بدأ دراسته من جامعة الحكمة في بغداد تتلمذ على يد ولفرد مادلونج، ومحسن مهدي. مؤلف كتاب (الأفكار الكلامية للشيخ المفيد). (المعرّب).
[7] - زابينه شميتكه (1964 ؟ م): باحثة معاصرة في الدراسات الإسلامية من ألمانيا. درست في جامعة أكسفورد وفي الجامعة العبرية في القدس. أستاذة التاريخ الفكري الإسلامي في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون. أفسح لها المجال بالتدريس في حقل الدراسات الإسلامية في جامعة بون الألمانية. (المعرّب).
[8] - هاري ولفسون (1887 1974 م): عالم يهودي وفيلسوف وأستاذ جامعي ومؤرّخ بيلاروسي. مؤرّخ لفلسفة العصور الوسطة اليهودية والإسلامية. من أعماله: (فلسفه سبينوزا). (المعرّب).
[9] - انظر على سبيل المثال: المدرسي الطباطبائي، السيد حسين، «مناظرات كلامي و نقش متكلمان» (المناظرات الكلامية ودور المتكلمين)، مجلة نقد ونظر الفصلية، العدد: 3 4، ص 31، 1374 هـ ش. (مصدر فارسي).
[10] - من قبيل: الروايات الواردة في ذم الكلام، والطعن في المتكلمين من قبل الأئمة (عليهم السلام)، وكلام الأصحاب في ردّهم والإنكار عليهم، ورجوع الأصحاب إلى الإمام في الحصول على معتقداتهم، الأمر الذي كان يفهم بمعنى عدم اعتبار حجية العقل، وشواهد أخرى من هذا القبيل.
[11] - يوسف أو جوزيف فان إس (1934 2021 م): مستشرق وأستاذ جامعي ألماني. متخصص في الدراسات الإسلامية. كانت رسالته في الدكتوراه عن التصوّف الإسلامي، ثم حصل على شهادة التأهيل للأستاذية من جامعة غوته في فرانكفورت عن عمله في نظرية المعرفة في المدرسة الإسلامية. (المعرّب).
[12] - علي سامي النشار (1917 1980 م): مفكر عربي مصري. أحد كبار المفكرين الإسلاميين في القرن العشرين للميلاد. وكان عالماً شافعي المذهب، وقد برع في علم الكلام والفلسفة والمنطق حتى لقّب بـ (رئيس الأشاعرة في العصر الحديث). (المعرّب).
[13] - انظر: فان أس. جوزيف، علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة، ج 1، ترجمة: سالمة صالح، دار الجمل، بيروت، 2008 م؛ سامي النشار، علي، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ج 2، دار السلام، القاهرة، 2008 م.
[14] - انظر على سبيل المثال: العلامة العسكري، السيد مرتضى، معالم المدرستين، مجمع علمي إسلامي دانشكده أصول دين، طهران، 1413 هـ.
[15] - انظر: سبحاني، محمد تقي، «كلام إمامية: ريشه ها ورويش ها» (كلام الإمامية: الجذور والفروع)، مجلة: نقد ونظر، العدد: 65، ص 2 37، 1391 هـ ش. (مصدر فارسي).
[16] - انظر: طالقاني، سيد علي، «ترمينولوژي جريان شناسي فرهنگي» (مصطلح التيارات الثقافية)، مجلة: حوزة، العدد: 119، ص 15 19، 1382 هـ ش. (مصدر فارسي).
[17] - من ذلك أن البحث عن الجبر والاختيار على سبيل المثال إنما كان يتمّ طرحه من أجل حلّ مسألة اختيار الإنسان وإرادة الله سبحانه وتعالى، والتي تأتي في الغالب من أجل تبرير أفعال خلفاء الجور. كما أن مسألة الإيمان والكفر ترد في الغالب لغرض بيان دار الإيمان ودار الكفر، وعدم التفريط في حقوق المواطنين بشكل أقرب من ذلك إلى بيان معنى وماهية الكفر والإيمان.
[18] - للوقوف على شواهد على هذا المدّعى، انظر: الخوارزمي، المناقب، ص 313، ح: 414؛ العلامة الأميني، الغدير، ج 1، ج 1، ص 166 186؛ الهيثمي، مجمع الزوائد، ج 9، ص 104؛ ابن أبي الحديد المعتزلي، شرح نهج البلاغة، ج 3، ص 208؛ المسعودي، مروج الذهب، ج 2، ص 382؛ ابن عساكر، تاريخ مدينة دمشق، ج 8، ص 568؛ المتقي الهندي، كنز العمال، ج 11، ص 332، ح: 31662؛ العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 36، ص 353، دار إحياء التراث العربي، بيروت، 1403 هـ؛ نصر بن مزاحم، وقعة صفين، ص 338.
[19] - انظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، المقدمة، تصحيح: علي أكبر الغفاري ومحمد آخوندي، دار الكتب الإسلامية، طهران، 1407 هـ.
[20] - انظر: الشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، ص 44 45، مؤسسة مطالعات اسلامي دانشگاه طهران / دانشگاه مك كيل، 1372 هـ ش.
[21] - انظر: الفارابي، محمد بن محمد، إحصاء العلوم، تعليق: عثمان محمد أمين، ص 85 86، مكتبة الخانجي، القاهرة / مصر، 1931 م.
[22] - انظر: سبحاني، محمد تقي، «كلام شيعي: ماهيت تحولات و جالش ها» (الكلام الشيعي: الماهية، والتحولات، والتحدّيات)، أخبار شيعيان، العدد: 38، ص 10 15، 1387 هـ ش. (مصدر فارسي).
[23] - انظر على سبيل المثال: السبحاني، جعفر، معجم طبقات المتكلمين، ج 1، ص 298، وص 302، وص 307، مؤسسة الإمام الصادق (عليه السلام)، قم، 1424 هـ.
[24] - انظر: أحمدي ميانجي، علي، مواقف الشيعة، ج 1، ص 3، جماعة المدرسين بقم المشرّفة / مؤسسة النشر الإسلامي، قم، 1374 هـ ش.
[25] - انظر على سبيل المثال: الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، محمد بن علي، التوحيد، تصحيح: هاشم الحسيني، ص 410، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، قم، 1398 هـ؛ =الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 147، 1407 هـ.
[26] - انظر: أحمدي ميانجي، علي، مواقف الشيعة، ج 1، ص 3، 1374 هـ ش.
[27] - سوف نرى لاحقاً أن أبان بن تغلب المذكورة مناظرته على سبيل المثال كان ينتمي إلى تيار لا يتمتع بعلاقة طيّبة مع الكلام السائد في تلك المرحلة الزمنية. (انظر على سبيل المثال: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، تصحيح: مهدي الرجائي، ج 2، ص 622، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام)، قم، 1363 هـ ش).
[28] - انظر على سبيل المثال: الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، الاعتقادات، ص 43، المؤتمر العالمي للشيخ المفيد، قم، 1414 هـ؛ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 92، 1407 هـ.
[29] - انظر على سبيل المثال: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 171، 1407 هـ.
[30] - انظر: الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تصحيح: نعيم حسين زرزور، ج 1، المكتبة العصرية، بيروت، 1430 هـ.
[31] - انظر: الشيخ المفيد، محمد بن محمد بن النعمان، أوائل المقالات في المذاهب والمختارات، ص 44 45، 1372 هـ ش؛ الكراجكي، أبو الفتح، كنز الفوائد، ج 1، ص 222، دار الذخائر، قم، 1410 هـ.
[32] - انظر: الجعفري، محمد رضا، الكلام عند الإمامية: نشأته وتطوّره وموقع الشيخ المفيد منه، مجلة تراثنا، العدد: 30 31، ص 150 184، سنة 1413 هـ.
[33] - انظر: الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تصحيح: نعيم حسين زرزور، ج 1، ص 48، 1430 هـ.
[34] - انظر: المصدر أعلاه، ج 1، ص 51، وص 308.
[35] - انظر: المصدر أعلاه، ج 1، ص 58.
[36] - انظر: المصدر أعلاه، ج 1، ص 52.
[37] - لقد تمّ بيان شواهد هذا الادعاء في مقالة لكاتب السطور في طريقها إلى النشر، بعنوان: «نظريه پردازي متن انديش در مدرسه كلامي كوفه» (التنظير النصّي في المدرسة الكلامية في الكوفة).
[38] - انظر: النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، ص 175، رقم: 263، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، قم، 1365 هـ ش.
[39] - انظر: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، تصحيح: مهدي الرجائي، ج 1، ص 345، رقم: 208 و235، 1363 هـ ش.
[40] - انظر: المصدر أعلاه، ص 340، رقم: 127 و234.
[41] - انظر: الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تصحيح: نعيم حسين زرزور، ج 1، ص 52، 1430 هـ.
[42] - انظر: النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، ص 175، رقم: 463.
[43] - انظر: البغدادي، أبو منصور، الفرق بين الفِرَق، تصحيح: إبراهيم رمضان، ص 76، دار المعرفة، بيروت، 1429 هـ.
[44] - انظر على سبيل المثال: العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 66، ص 3، وج 23، ص 9.
[45] - انظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 169 171، 1407 هـ.
[46] - انظر: الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، محمد بن علي، التوحيد، تصحيح: هاشم الحسيني، ص 295، 1398 هـ.
[47] - انظر: الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تصحيح: نعيم حسين زرزور، ج 1، ص 52، 1430 هـ.
[48] - انظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 2، ص 384، 1407 هـ
[49] - انظر: الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، محمد بن علي، التوحيد، تصحيح: هاشم الحسيني، ص 258، 1398 هـ.
[50] - انظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 337 339، 1407 هـ.
[51] - انظر: الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، محمد بن علي، التوحيد، تصحيح: هاشم الحسيني، ص 328، 1398 هـ.
[52] - انظر: الزراري أبو غالب الكوفي، أحمد بن محمد، رسالة أبي غالب إلى ابن ابنه في ذكر آل أعين: تحقيق: محمد رضا الحسيني، ص 132 135، مركز البحوث والتحقيقات الإسلامية، قم، 1369 هـ.
[53] - انظر على سبيل المثال: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 100، 1407 هـ.
[54] - انظر: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، تصحيح: مهدي =الرجائي، ج 2، ص 610، رقم: 578، 1363 هـ ش.
[55] - انظر: الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، محمد بن علي، التوحيد، تصحيح: هاشم الحسيني، ص 351، 1398 هـ
[56] - انظر: المصدر أعلاه، ص 412.
[57] - انظر: النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، ص 434، رقم: 1165.
[58] - انظر: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، تصحيح: مهدي الرجائي، ج 2، ص 542، رقم: 479، 1363 هـ ش.
[59] - انظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 100، ح: 3، 1407 هـ.
[60] - انظر: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، تصحيح: مهدي الرجائي، ج 2، ص 565، رقم: 502، 1363 هـ ش.
[61] - انظر: المصدر أعلاه، ج 2، ص 564، رقم: 500.
[62] - انظر: الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، فهرست كتب الشيعة وأصولهم وأسماء =المصنفين وأصحاب الأصول، تصحيح: عبد العزيز الطباطبائي، ص 493، رقم: 782، مكتبة المحقق الطباطبائي، قم، 1420 هـ.
[63] - انظر: الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تصحيح: نعيم حسين زرزور، ج 1، ص 46، وص 51 53، 1430 هـ.
[64] - انظر: المصدر أعلاه، ج 1، ص 58.
[65] - انظر: المصدر أعلاه، ج 1، ص 52.
[66] - انظر: المصدر أعلاه، ج 1، ص 53.
[67] - انظر: گرامي، سيد محمد هادي، نخستين مناسبات فكري تشيع (النشاطات الفكرية الأولى للتشيّع)، ص 105، انتشارات دانشگاه إمام صادق (عليه السلام)، طهران، 1391 هـ ش. (مصدر فارسي).
[68] - انظر: النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، ص 325، رقم: 886.
[69] - انظر: الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، الرجال، تصحيح: جواد قيّومي إصفهاني، ص 146، وص 182، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، قم، 1373 هـ ش.
[70] - انظر على سبيل المثال: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، تصحيح: مهدي الرجائي، ج 2، ص 424 426، 1363 هـ ش؛ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 174، ح: 5، 1407 هـ.
[71] - انظر: النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، ص 325 326؛ الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، فهرست كتب الشيعة وأصولهم وأسماء المصنفين وأصحاب الأصول، تصحيح: عبد العزيز الطباطبائي، ص 407، رقم: 782، 1420 هـ؛ الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، تصحيح: أمير علي مهنا وعلي حسن فاعور، ج 1، ص 186، دار المعرفة، بيروت، 1421 هـ.
[72] - انظر: الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تصحيح: نعيم حسين زرزور، ج 1، ص 48، وص 52 53، 1430 هـ.
[73] - انظر: أقوام كرباسي، أكبر، وسبحاني، محمد تقي، «مؤمن الطاق و روش كلامي او» (مؤمن الطاق وأسلوبه الكلامي)، مجلة: كلام اسلامي، العدد: 85، ص 81، سنة 1392 هـ ش. (مصدر فارسي).
[74] - انظر: الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تصحيح: نعيم حسين زرزور، ج 1، ص 48، 1430 هـ.
[75] - انظر: الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، ج 1، ص 218.
[76] - انظر:البغدادي، أبو منصور، الفرق بين الفِرَق، تصحيح: إبراهيم رمضان،ص77،1429 هـ.
[77] - انظر: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، تصحيح: مهدي الرجائي، ج 2، ص 527، رقم: 476، 1363 هـ ش.
[78] - انظر: الخياط، أبو الحسين، الانتصار، ص 83، مكتبة الثقافة الدينية، القاهرة.
[79] - انظر: الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، تصحيح: نعيم حسين زرزور، قسم اعتقادات الروافض، 1430 هـ.
[80] - انظر: البغدادي، أبو منصور، الفرق بين الفِرَق، تصحيح: إبراهيم رمضان، ص 71، 1429 هـ.
[81] - انظر: أسعدي، علي رضا، هشام بن حكم (هشام بن الحكم)، ص 57 240، نشر پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامي، قم، 1388 هـ ش. (مصدر فارسي).
[82] - انظر: گرامي، سيد محمد هادي، نخستين مناسبات فكري تشيع (النشاطات الفكرية الأولى للتشيّع)، ص 72، 1391 هـ ش. (مصدر فارسي)؛ سامي النشار، علي، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام، ص 883، 2008 م.
[83] - انظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 401، ح: 3، 1407 هـ. «عن جابر قال قال أبو جعفر عليه السلام: قال رسول الله t إن حديث آل محمد صعب مستصعب لا يؤمن به إلا ملك مقرب أو نبي مرسل أو عبد امتحن الله قلبه للإيمان. ...».
[84] - انظر على سبيل المثال: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، تصحيح: مهدي الرجائي، ج 2، ص 429، رقم: 331.
[85] - انظر: الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، محمد بن علي، التوحيد، تصحيح: هاشم الحسيني، ص 454 455، ح: 1 و2 وغيرهما.
[86] - انظر: المرزباني الخراساني، مختصر أخبار الشعراء الشيعة، إعداد: الشيخ محمد هادي الأميني، ص 88 100، شركة الكتبي للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، 1413 هـ.
[87] - انظر على سبيل المثال: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، تصحيح: مهدي الرجائي، ج 2، ص 429، رقم: 331.
[88] - انظر: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، تصحيح: مهدي الرجائي، ج 1، ص 347، رقم: 215 و219. حيث نشاهد في رواية مأثورة عن الإمام جعفر الصادق (عليه السلام)، تماهياً وانسجاماً بين بريد بن معاوية، وأبي بصير، ومحمد بن مسلم، وزرارة بن أعين من أتباع هذا التيار. وانظر أيضاً: السيد الموسوي الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، ج 3، ص 290، رقم: 1673، ج 17، وص 227، رقم: 11779 و11784، وج 7، ص 218، رقم: 4662. كما تحكي بعض التقارير عن الاتحاد في بعض عقائدهم. (انظر على سبيل المثال: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، تصحيح: مهدي الرجائي، ج 1، ص 240، رقم: 437، 1363 هـ ش).
[89] - انظر: فان أس. جوزيف، علم الكلام والمجتمع في القرنين الثاني والثالث للهجرة، ترجمة: سالمة صالح، ج 1، ص 447 474، 2008 م؛ گرامي، سيد محمد هادي، نخستين مناسبات فكري تشيع (النشاطات الفكرية الأولى للتشيّع)، ص 63 109، 1391 هـ ش. (مصدر فارسي)
[90] - سوف يتمّ التعريف بهذا الاتجاه لاحقاً إن شاء الله تعالى.
[91] - انظر على سبيل المثال: الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، الاعتقادات، ص 43، 1414 هـ.
[92] - انظر على سبيل المثال: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، ج 1، ص 358، ح: 233، 1363 هـ ش.
[93] - باب النهي عن الكلام والجدال والمراء في الله عزّ وجل قال أبو جعفر (عليه السلام): «يا زياد إياك والخصومات، فإنها تورث الشك، وتحبط العمل، وتردي صاحبها ...». (انظر: الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، محمد بن علي، التوحيد، تصحيح: هاشم الحسيني، ص 456، 1398 هـ؛ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 92، 1407 هـ).
[94] - انظر: الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، محمد بن علي، عيوم أخبار الرضا (عليه السلام)، تصحيح: مهدي لاجوردي، ج 1، ص 56، نشر جهان، طهران، 1378 هـ ش؛ الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 11، 1407 هـ؛ الصفار، محمد بن الحسن، بصائر الدرجات في فضائل آل محمد t، تصحيح: محسن كوچه باغي، ج 1، ص 317، مكتبة آية الله المرعشي النجفي، قم، 1404 هـ.
[95] - للوقوف على نماذج من رسائل أنصار هذا التيار، انظر: النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، ص 214، رقم: 559؛ الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، الرجال، تصحيح: جواد قيّومي إصفهاني، ص 243، رقم: 316، 1373 هـ ش؛ الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، فهرست كتب الشيعة وأصولهم وأسماء المصنفين وأصحاب الأصول، تصحيح: عبد العزيز الطباطبائي، ص 46، 1420 هـ.
[96] - انظر: الطالقاني، السيد حسن، «مدرسه كلامي قم» (المدرسة الكلامية في قم)، مجلة: نقد و نظر، العدد: 65، ص 66 90، 1391 هـ ش. (مصدر فارسي).
[97] - انظر على سبيل المثال: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، ج 2، ص 424، 1363 هـ ش.
[98] - انظر على سبيل المثال: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، كتاب العقل والجهل، 1407 هـ.
[99] - انظر: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، ج 2، ص 424، 1363 هـ ش. إن روايات من هذا القبيل، والتي تقول: «شرّقا أو غرّبا؛ لن تجدا علماً صحيحاً إلا شيئاً خرج من عندنا أهل البيت». يمكنها أن تكون شاهداً على هذا الأمر.
[100] - انظر: محمدي مازندراني، بشير، مسند أبي بصير، دار الحديث، قم، 1383 هـ ش.
[101] - انظر: محمدي مازندراني، بشير، مسند زرارة بن أعين، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، قم، 1413 هـ.
[102] - انظر: محمدي مازندراني، بشير، مسند محمد بن مسلم الثقفي الطائفي، مؤسسة النشر الإسلامي التابعة لجامعة المدرسين، قم، 1375 هـ ش.
[103] - «الشيعة الذين إذا اختلف الناس عن رسول الله t أخذوا بقول علي(عليه السلام) وإذا اختلف الناس عن علي أخذوا بقول جعفر بن محمد (عليه السلام)» (انظر: النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، ص 12، رقم: 7).
[104] - انظر: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، ج 2، ص 622، 1363 هـ ش.
[105] - انظر: الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، محمد بن علي، عيوم أخبار الرضا (عليه السلام)، ج 1، ص 56.
[106] - انظر: ابن أبي زينب، النعماني، الغيبة، تصحيح: علي أكبر الغفاري، ص 160، نشر الصدوق، طهران، 1397 هـ.
[107] - انظر: الحرّ العاملي، محمد بن الحسن، الإيقاظ من الهجعة بالبرهان على الرجعة، ص 126، نشر توبد، طهران، 1362 هـ ش.
[108] - انظر: العلامة المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج 23، وج 27.
[109] - انظر: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، ج 1، ص 240، رقم: 437.
[110] - انظر: النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، ص 214، رقم: 559.
[111] - انظر: الشيخ الطوسي، محمد بن الحسن، الرجال، تصحيح: جواد قيّومي إصفهاني، ص 243، رقم: 316، 1373 هـ ش.
[112] - انظر: السبحاني، جعفر، معجم طبقات المتكلمين، ج 1، ص 316، 1424 هـ.
[113] - انظر: گرامي، سيد محمد هادي، نخستين مناسبات فكري تشيع (النشاطات الفكرية الأولى للتشيّع)، ص 296، 1391 هـ ش. (مصدر فارسي)
[114] - انظر: صفري فروشاني، نعمت الله، غاليان (الغلاة)، ص 151 166، بنياد پژوهش هاي اسلامي، مشهد، 1378 هـ ش. (مصدر فارسي).
[115] - انظر: النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي.
[116] - انظر: الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، محمد بن علي، كمال الدين وتمام النعمة، تصحيح: علي أكبر الغفاري، ج 1، ص 253، دار نشر إسلامية، طهران، 1395 هـ.
[117] - انظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 8، ص 157.
[118] - انظر: النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، ص 416، رقم: 1112.
[119] - انظر: المصدر أعلاه، ص 128، رقم: 432.
[120] - انظر: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، ص 249.
[121] - انظر: الموسوي الخوئي، السيد أبو القاسم، معجم رجال الحديث وتفصيل طبقات الرواة، ج 6، ص 174، وج 3، ص 399، مركز نشر الثقافة الإسلامية، قم، 1413 هـ.
[122] - انظر: الشهرستاني، محمد بن عبد الكريم، الملل والنحل، ج 1، ص 187.
[123] - انظر: المصدر أعلاه، ص 186.
[124] - تمّ بحث هذا التيار في مقالة لكاتب السطور، وهي في طريقها إلى النشر تحت عنوان: «مرجئه شيعه» (مرجئة الشيعة).
[125] - انظر على سبيل المثال: الطبري، محمد بن جرير، تاريخ الأمم والملوك، ج 5، ص 491، الاستقامة، القاهرة، 1358 هـ ش.
[126] - انظر: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 3، ص 133.
[127] - انظر: النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، ص 213، رقم: 556.
[128] - انظر: المدرسي الطباطبائي، السيد حسين، مكتب در فرايند تكامل (المذهب في طور التكامل)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: هاشم ايزدپناه، ص 150، انتشارات كوير، طهران، 1386 هـ ش.
[129] - انظر: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، ج 2، ص 249، رقم: 458.
[130] - انظر: المدرسي الطباطبائي، السيد حسين، مكتب در فرايند تكامل، ترجمه إلى اللغة الفارسية: هاشم ايزدپناه، ص 73، 1386 هـ ش.
[131] - انظر: السبحاني، محمد تقي، نقد كتاب مكتب در فرايند تكامل، جلسه دوم (نقد كتاب المذهب في طور التكامل، المحاضرة الثانية)، پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامي، پژوهشكده تاريخ و سيره، قم، 1390 هـ ش؛ رضائي، محمد جعفر، «امتداد جريان فكري هشام بن حكم تا مدرسه كلامي بغداد» (امتداد التيار الفكري لهشام بن الحكم إلى المدرسة الكلامية في بغداد)، مجلة: نقد و نظر، العدد: 65، ص 31، عام 1391 هـ ش. (مصدران فارسيان).
[132] - انظر: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، ج 2، ص 746، رقم: 884.
[133] - انظر: النجاشي، أحمد بن علي، رجال النجاشي، ص 148، رقم: 385.
[134] - انظر على سبيل المثال: الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، ج 1، ص 86، ح: 3، 1407 هـ.
[135] - انظر: الكشي، محمد بن عمر، رجال الكشي (اختيار معرفة الرجال)، ج 2، ص 561، رقم: 497.
[136] - انظر على سبيل المثال: الشيخ الصدوق (ابن بابويه)، الاعتقادات، ص 43، 1414 هـ.
[137] - انظر: الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين، ج 1، ص 48، 1430 هـ.