البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : مالك بن نبي..من نقد الذات و الآخر إلى بناء نظرية جديدة في البناء الحضاري

الباحث : أ.د.مصطفى النشار

اسم المجلة : العقيدة

العدد : 15

السنة : شهر جمادى الثانية 1439هـ / 2018م

تاريخ إضافة البحث : April / 12 / 2018

عدد زيارات البحث : 145

حجم ملف البحث : 357.998 KB

 تحميل

تمهيد

يحتل مالك بن نبي من فلاسفة العالمين العربي والإسلامي المحدثين والمعاصرين مكانة متميزة لأنه كان أبرزهم اهتماما بفلسفة الحضارة والتاريخ المعاصرين ولا ينافسه في ذلك إلا محمد اقبال ، وتعدّى اهتمامه بهذا المجال الحيوي التركيز على الدرس النظري إلى التركيز على كيفية استخدام مقولاته ونظرياته في وضع نظرية جديدة تكون جديرة بصورة النهضة إلى العالم الإسلامي من جديد.

 وقد نجح إلى حد كبير في وضع هذه النظرية العامة في تفسير الحضارات وجعل نقطة البداية فيها هي الروح الدينية إذ عدّ الفكرة الدينية هي الأساس في أي تغير حضاري ليس في الحضارة العربية الإسلامية وحدها, بل في كل الحضارات السابقة عليها واللاحقة لها. ومن ثم فقد بنى تحليلية لواقع العالم الإسلامي ودراسة طريق نهوضه من خلال هذه النظرية التي تستند على ثلاثة عناصر هي : الإنسان – التراب- الزمن. وكم كان أصيلاً أيضاً  في تحليله للحضارات الإنسانية عموماً استناداً على هذه العناصر, وكم كان أصيلاً أيضاً في تحليلاته الجزئية لكل واحد من هذه العناصر ومحاولته من خلال هذه التحليلات خلق الدافعية لدى العرب والمسلمين للعودة إلى الريادة الحضارية من جديد.

وقبل الخوض في التعرف على هذه النظرية البديعة وتحليلات صاحبها المبدعة يجدر بنا أن نتساءل : من هو مالك بن نبي؟!

·   أولاً : حياته وتطوره الفكري (1):

إنه مالك بن عمر بن الخضر بن مصطفى بن نبي الذي ولد بمدينة تبسة التابعة لولاية قسنطينة شرق الجزائر, وكان ذلك في الأول من يناير عام 1905 الموافق 5 من ذي القعدة عام 1323هـ. وقد ولد لأب يعمل موظفاً بالقضاء الإسلامي. ومن ثم فقد ترعرع في أسرة محافظة متوسطة الحال حيث قيل إنّ والدته اضطرت للعمل بالحياكة وباعت أثاث منزلها لتستطيع الانفاق على تعليمه هو وأخوته. اما بلدة تبسة التي ولد فيها وقضى معظم طفولته بين أرجائها فكانت أقرب إلى البداوة منها إلى المدينة ومن ثم كان الحضور الفرنسي فيها قليلاً رغم أن الاحتلال الفرنسي كان جاثماً على الجزائر جميعها. وقد تلقى تعليمه الأولي في هذا الوسط الريفي الهادئ بعيداً عن المدن الكبيرة. وبالطبع فقد تلقى دروسه في المساجد ودرس القرآن الكريم وفي ذات الوقت التحق بمدرسة فرنسية حصل منها على الشهادة الابتدائية. ثم انتقل بعد ذلك إلى قسنطينة ليكمل تعليمه هناك.

والملاحظ على هذه النشأة أنها نشأة مزدوجة التأثير على فيلسوفنا إذ إن التعاليم العربية الإسلامية كانت قرينة التعاليم الغربية الفرنسية؟ ففي الوقت الذي تأثر فيه آنذاك بصديق له كان دائم الاستشهاد بآيات القرآن الكريم  وكذلك بأنباء بلدته الذين اعتصموا بالإسلام ديناً وباللغة العربية لغة حتى لا تذوب هويتهم في هوية المستعمر ، نجده قد تأثر كذلك بمعلمه الفرنسي " مارثان" الذي علمه تذوق اللغة والآداب الفرنسية.

وقيل إنّ بن نبي قد طالع في هذه الفترة كتابين هامين كان لهما أكبر الأثر في حياته الفكرية بعد ذلك هما " الإفلاس المعنوي : هل هو للسياسة الغربية في الشرق ؟" للشاعر الإسلامي أحمد محرم, و" رسالة التوحيد " للإمام محمد عبده وقد اكتشف من خلالهما كثيراً من أوضاع العالم الإسلامي. وإلى هذه الفترة أيضاً يرجع اهتمامه بكتابات عبد الرحمن الكواكبي وخاصة كتابه " أم القرى" وكذلك بكتابات عبد الحميد بن باديس والمجلة التي كانت تصدرها جمعية العلماء المسلمين برئاسته " مجلة الشهاب" .

ولم يمنعه هذا الاهتمام بهؤلاء المفكرين الإسلاميين الكبار وكتاباتهم من الاهتمام في ذات الوقت بقراءة عددٍ من الكتابات الفرنسية للمفكرين الفرنسيين, وكذلك لم يمنعه ذلك من التردد على البعثات التبشيرية الانجليزية حيث تعرف على الإنجيل وناقش هؤلاء المبشرين في أدق أفكارهم.

إن هذه النشأة مزدوجة الثقافات أثرت أبلغ الأثر في تكوين بن نبي الفكري وجعلته يفكر لأول في زيارة باريس وهو في العشرين من عمره ليبدأ مرحلة فكرية جديدة في حياته يمكن أن نطلق عليها مرحلة التنقل والسفر،  ولما كان أبرز ما فيها هو استقراره مدّة في باريس فيمكن أن نطلق عليها أيضاً المرحلة الباريسية حيث كان قد خاض تجربة سفر فاشلة إلى باريس قبل ذلك وكانت قصيرة  الأمد عاد بعدها إلى مسقط رأسه حيث حاول الاهتداء إلى عمل يناسبه فعمل في محكمة فلو التي وصل إليها في مارس عام 1927م " ووفر له هذا العمل الاحتكاك المباشر بقضايا الشعب وفئاته البسيطة مما كان له كبير الأثر على تفتح عقله على حالة بلاده وحال البسطاء من شعبها في ظل الاحتلال. وقد استقال من هذا المنصب بعد حوالي عام من توليه أثر نزاع مع كاتب فرنسي لدى المحكمة المدنية, ولم يدم تردده طويلاً حال تفكيره في العودة إلى باريس حيث أعاد الكرة وسافر إليها عام 1930 م لتطول سفرته هذه المرة حيث كان الهدف علمياً في الأساس ؛ وقد حاول في البداية أن يدرس الحقوق بمعهد الدراسات الشرقية إلا أنه لم يسمح له بذلك حيث كان هذا النوع من الدراسات الإنسانية الحقوقية غير مسموح به للجزائريين, ورغم تأثره الشديد بذلك إلا أنه تحول إلى الدراسات العلمية العملية حيث التحق بمدرسة اللاسلكي ليتخرج مساعد مهندس مما جعله متخصصاً في التكنولوجيا ومهتماً بها بعد ذلك, وكان تخرجه في هذه المدرسة عام 1925م.

وقد انغمس بن نبي في هذه السنوات الدراسية العلمية في الحياة الفرنسية تماماً واختار الإقامة في باريس بدليل أنه تزوج من امرأة فرنسية أسلمت على يديه. وبدأ يوسع من علاقاته الفكرية والثقافية في باريس حيث التقى فيها بشكيب ارسلان -داعية العروبة والإسلام المعروف – كما التقى هناك أيضاً بغاندي الزعيم الهندي الشهير وصار له ذلك الحضور المميز في أوساط المغاربة والجزائريين حتى لقب آنذاك بزعيم الوحدة المغربية. كما استطاع أن يقيم جسور التواصل مع أبناء جاليات أخرى كانت تعاني هي الأخرى من الاحتلال.

والطريف أنه بعد هذه الرحلة الباريسية والإقامة الطويلة فيها حاول العودة إلى الجزائر والاستقرار فيها لكنه لم يوفق إلى ذلك حيث لفت انتباهه أن بلاده تحولت تحت يد الاحتلال من زراعة القمح إلى زراعة العنب التي تصنع منه الخمور للفرنسيين المحتلين, ولم يعجبه ذلك وبدلاً من أن يكافح لمواجهته داخل البلاد, عاد إلى فرنسا مرة أخرى وكان ذلك في عام 1939م حيث تفرغ للعمل الفكري فعمل صحفياً في جريدة اللوموند وزاد اهتمامه بقضايا بلاده ومشكلات العالم الإسلامي وبدا ذلك بوضوح حينما بدأ يكتب سلسلة من المؤلفات المهمة مثل كتابه عن " الظاهرة القرآنية" عام 1946م ثم كتابه " شروط النهضة " عام 1949م الذي طرح فيه لأول مرة مفهوم القابلية للاستعمار, وكذلك كتابه " وجهة العالم الإسلامي" عام 1954م. ولما قامت الثورة الجزائرية  المسلمة في ذلك العام تفاعل معها كثيراً. وفكر في الرحيل إلى القاهرة التي كانت في تلك الفترة تحتضن كل حركات التحرر الوطني وتتبنى كل قضايا التحرر وتدافع عن قيم العروبة والإسلام بكل ما أوتيت من قوة. ومن ثم كان قراره بالسفر إلى القاهرة ليستقر فيها  أعواماً عدّة من عام 1956 حتى عام 1963. وهذه الفترة من حياته يمكن أن نطلق عليها المرحلة القاهرية حيث اختلفت وتمايزت عن مراحل حياته السابقة, إذ إنه أتقن العربية وبدأ يحاضر بها في عددٍ من المعاهد والجامعات ، وكم رحبت به المنتديات الفكرية للمفكرين والمثقفين المصريين والعرب بالقاهرة وتوالت أعماله الفكرية الجادة في القاهرة حيث أصدر أول كتاب باللغة العربية وبخط يده كتاب "الصراع الفكري  في البلاد المستعمرة" ثم كتاب "تأملات في المجتمع العربي" وكتاب " ميلاد مجتمع" وكذلك كتاب " حديث البناء الجديد ". كما كتب في تلك الأثناء عام 1957م كتاب " النجدة " الشعب الجزائري يباد " وكتاب "مشكلة الثقافة" عام 1958م. ولكل هذا النشاط الفكري المميز تم اختياره مستشاراً للمؤتمر الإسلامي بالقاهرة. وتأثرا بحركة التحرر الأفريقي التي كانت تقودها مصر في عهد جمال عبد الناصر كتب كتابه " فكرة الافريقية الأسيوية " عام 1956".

أما المرحلة الأخيرة من حياته وهي ما يمكن أن نطلق عليها مرحلة الاستقرار بالجزائر والمزاوجة بين العمل الفكري والعمل الدعوي العملي فقد كان يطمح فيها إلى أن يرى أفكاره ذات تأثير على بني وطنه إذ إنّه عاد إلى الجزائر بعد الاستقلال عام 1963م ليتولى عدداً من المناصب العامة التي تركزت في حقل التعليم الذي كان يعدّه الأساس المتين لتكوين جيل جديد يحمل عبء النهضة والتقدم للوطن. فقد عين عام 1964م مديراً للتعليم العالي وقام بمهمته خير قيام ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. ولم يتوقف عن الأعمال الفكرية النظرية حيث واصل سلسلة مؤلفاته المتميزة فكتب عام 1964م " آفاق جزائرية " و " انتاج المستشرقين " عام 1968م وكذك " الإسلام والديمقراطية " في نفس العام. وبدأ كتابة مذكراته التي ظهر منها عام 1965م" مذكراته شاهد للقرن  - الطفل".

ولما أتى العام 1967م استقال من مناصبه التنفيذية وفضل التفرغ للعمل الإسلامي والتوجيهي حيث ساهم بنشر المقالات المتتابعة في الصحف الجزائرية وخاصة في مجلة " الثورة الافريقية African revolution " التي خصها بمقالات عن تصوراته الفكرية لاشكاليات الثقافة والحضارة والمجتمع ، وقد نشرت هذه المقالات في كتبه بعد ذلك. وقد كتب في نفس الفترة كتباً مهمة منها " مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" عام 1970م الذي عده بعضهم من أهمّ ما كتب باللغة العربية في القرن العشرين, والجزء الثاني من مذكراته " مذكرات شاهد للقرن - الطالب" عام 1970 أيضاً. وفي على 1972م نشر " المسلم في عالم الاقتصاد " و  " بين الرشاد والنية" ومن أبرز ملامح هذه المرحلة الأخيرة من حياته الفكرية, تلك الندوة الأسبوعية التي كان يعقدها في بيته والتي كان يحضرها الشباب المثقف وكذلك كثير من العاملين في وزارة الأوقاف والشئون الدينية. وقد حث هؤلاء على مواصلة هذه الملتقيات النوعية لتوعية الأجيال الصاعدة بقضايا الأمة، وبناء عليه قامت الدولة بافتتاح مسجد بالجامعة المركزية. ويبدو أنه لشدة  نجاح هذه الندوات واستمراريتها قررت الدولة تكريما لشخصه أن تحولها إلى ملتقى دائم للفكر الإسلامي يقام كل عام فى الجزائر.

ولم يتوقف نشاط مالك بن نبي في هذه المرحلة عند حدود بلاده الجزائر, فقد قبل دعوة سورية لإلقاء محاضرة بسوريا عام 1972م. وقد اختار لها عنواناً موحياً هو" دور المسلم ورسالته في الثلث الأخير من القرن العشرين ". وقد عُدّت هذه المحاضرة من قبل مؤرخيه أشبه بالوصية التي أوصى بها مالك بن نبي المسلمين قبل وفاته. وقد توفى مالك بن نبي بعد ذلك بحوالي عام حيث كانت وفاته يوم 31 أكتوبر 1973م في الجزائر العاصمة بعد هذه الحياة الطويلة الحافلة بالعطاء الفكري والعمل الذي أسهم بشكل كبير في تدعيم حركة التنوير والتحرر العربيين على مدى أكثر من خمسين عاماً في القرن العشرين عانى فيها ما عانى مثل كل العرب من تبعات الاستعمار وعاصر حركات مقاومته كما شهد انكسارات العرب وانتصاراتهم، فقد غادر مصر في عام 1967م وهو عام النكسة ومات في الجزائر بعد أن استمتع كغيره من العرب بسماع أخبار النصر الذي تحقق على يد الجيش المصري والجيوش العربية في السادس من أكتوبر عام 1973.

·   ثانياً : نظريته في البناء الحضاري:

إن قضية القضايا عند مالك بن نبي هي نهضة المسلمين والبحث عن كيفية هذه النهضة وقبل ذلك عن معوقاتها منذ غروب شمسها بعد انتهاء عصر دولة الموحدين في الأندلس. لكن معالجة بن نبي لهذه القضية إنما تأخذ منهجاً فكرياً أصيلاً كل الأصالة لأنه يربطها ويصل إليها عبر نظرية في البناء الحضاري هي من الأصالة والعمق بحيث ينبغي أن نتوقف عندها أولاً, ولعل السؤال الجوهري المبدئي فيها هو: ما هي الحضارة ؟!

إن تعريفه للحضارة ينبثق من رؤية ثابتة مؤداها أن الحضارة فكرة أو هي نتاج فكرة لكن هذه الفكرة ليست بعيدة عن المجال الحيوي الذي تنشأ فيه ؟ فقد عرف بن نبي الحضارة في كتابه " مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" قائلاً : " إن حضارة ما هي نتاج فكرة جوهرية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر الدفعة التي تدخل به التاريخ (2)", كما عرفها في كتابه " شروط النهضة " قائلاً : " إنّ الحضارة مجموعة من العلائق بين المجال الحيوي ( البيولوجي ) حيث ينشأ ويتقوى هيكلها وبين المجال الفكري حيث تولد وتنمو روحها (3) ". ومن هاتين الزاويتين يعيد تعريف الحضارة بشكل أكثر شمولاً فيقول "إنّها جملة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل عضو فيه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوره (4) ".

وينحل البناء الحضاري في رأيه إلى عناصر ثلاثة هي الإنسان والتراب والوقت وهو يصوغها في معادلة أشبه بالمعادلات الرياضية هي :

 حضارة = انسان + تراب+وقت(5) .

وقبل أن يسارع أحدنا إلى نقد هذه المعادلة بقوله إن هذه العناصر الثلاثة متوفرة لدينا كما لدى الأمم الأخرى ومع ذلك فلا توجد الحضارة بمعناها الوثيق إلا لدى أحدها فقط فلماذا غابت عن الأمم الاخرى ؟!

يجيبنا بن نبي على هذا الاعتراض قائلاً: إن الماء نتاج للهيدروجين والاكسجين وبرغم هذا فهما لا يكونانه تلقائياً ! ولذا قيل إن تركيب الماء يخضع لقانون معين يقتضي تدخل ( ترتيب ) ما بدونه لا تتم عملية تكون الماء. وبالمثل فإن هناك ما يطلق عليه ( مركب الحضارة) أي العامل الذي يؤثر في مزج العناصر الثلاثة بعضها ببعض. ويرى مالك بن نبي أن هذا المركب حسب رؤيته وما يدل عليه التحليل التاريخي في رأيه – هو الدين, هو الفكرة الدينية التي رافقت دائماً تركيب الحضارة خلال التاريخ (6).

إن الحضارة في رأيه " لا تنبعث إلا بالعقيدة الدينية, وينبغي أن نبحث في حضارة من الحضارات عن أصلها الديني الذي بعثها " فهكذا كان الأمر في الحضارة الإسلامية وكذلك في الحضارة المسيحية ولعله " ليس من الغلو في شيء أن يجد التاريخ في البوذية بذور الحضارة البوذية " وفي البراهمية نواة الحضارة البرهمية"(7).

وعلى ذلك فهو يعتقد أن المدنيات الإنسانية حلقات متصلة تتشابه في أطوارها مع أطوار المدينة الإسلامية والمسيحية ؛ إذ تبدأ الحلقة الأولى بظهور فكرة دينية, ثم يبدأ أفولها بتغلب جاذبية الأرض عليها بعد أن تفقد الروح ثم العقل"(8).

إنه يؤمن اذن بدورانية التاريخ وبأن كل حضارة من الحضارات تمر بأطوار معينة من البناء إلى السقوط والانهيار, وهو يعتقد أن منحى السقوط الذي تغلقه عوامل نفسية أحط من مستوى الروح والعقل,  وطالما أن الإنسان في حالة يتقبل فيها توجيهات الروح والعقل الفردية فهو في الطريق إلى الحضارة ونموها, حيث إن هذه العوامل النفسية تختزن بطريقة ما فيما وراء الشعور, وفي الحالة التي تنكمش فيها تأثيرات الروح والعقل, تنطلق الغرائز الدنيا من عقالها لكي تعود بالإنسان إلى مستوى الحياه البدائية. وهو يضرب المثل هنا بالحضارة العربية الإسلامية, إذ كان أساسها أن الدين قد بعث في المسلم روحاً محركة للحضارة, فلم يلبث بعد مرحلة قضاها في الخلافات والحروب أن عاد إلى حيث هو الآن, انساناً بدائياً "(9).

وعلى ذلك فإن أي حضارة " تقع بين حدين اثنين هما : الميلاد والأفول ... والمنحنى البياني لا يبدأ بالضرورة من النقطة الأولى في خط صاعد ليصل إلى النقطة الثانية في خط نازل وبينهما طور وسيط هو : الأوج, وبين الطورين الأولين يوجد بالضرورة توازن معين يشير إلى تعاكس في الظاهرة, فطور الأفول النازل هو عكس طور النهضة الصاعدة وبين الطورين يوجد بالضرورة اكتمال معين هو طور انتشار الحضارة وتوسعها(10)".

إن الدورة الحضارية تتم إذن على هذا المنوال " إذ تبدأ حينما يدخل التاريخ فكرة دينية معينة, وتنتهي حينما تفتقد الروح نهائياً الهيمنة  التي كانت لها على الغرائز المكبوتة أو المكبوحة الجماح. وقبل بدء دورة من الدورات الحضارية أو في بدايتها يكون الإنسان في حالة سابقة للحضارة, أما في نهاية الدورة فإن الإنسان يكون قد تفسخ حضارياً وسلبت منه الحضارة تماماً فيدخل هنا في عهد ما بعد الحضارة"(11).

وإذا كان هذا الإنسان هو في الأساس باني الحضارة وعلى يديه أيضاً تنتهي ، فإنه بلا شك يعد العنصر الأهم في البناء الحضاري, فلكي توجد الحضارة لابد من الإنسان القادر على استخدام العنصرين الآخرين: التراب والوقت للوصول إلى الهدف : بناء الحضارة والتفوق الحضاري. ولكي يؤثر الإنسان الفرد في تركيب التاريخ وصنع الحضارة فإنه يؤثر في مجتمعه ككل بثلاثة مؤثرات : أولاً : بفكره وثقافته وثانياً : بالعمل وثالثا : برأس المال " (12).

أما الثقافة فهي التي يكتسبها الفرد بصورة عملية من بيئته ومجتمعه إذ إنّ "الثقافة هي مجموعة من الصفات الخلقية والقيم الاجتماعية التي يتلقاها الفرد منذ ولادته كرأسمال أولى في الوسط الذي ولد فيه, والثقافة على هذا هي المحيط الذي يشكل فيه الفرد طباعه وشخصيته ". إن الثقافة إذن هي " المحيط الذي يعكس حضارة معينة والذي يتحرك في نطاقه الإنسان المتحضر"(13). إن هذا التعريف للثقافة يضم بين دفتيه فلسفة الإنسان الفرد وفلسفة الجماعة مع الأخذ في الاعتبار ضرورة انسجام هذه المعطيات في كيان واحد تحدثه عملية التركيب التي تجريها الشرارة الروحية, عندما يؤذن فجر احدى الحضارات"(14).

إن ثمة مركباً اجتماعياً للثقافة يتألف من أربعة عناصر يتخذ منها أي شعب دستوراً لحياته المثقفة أولاً : عنصر الأخلاق لتكوين الصلات الاجتماعية وثانيها: عنصر الجمال لتكوين الذوق العام وثالثها : منطق عملي لتحديد أشكال النشاط العام ثم رابعاً : الفن التطبيقي الموائم لكل نوع من أنواع المجتمع أو الصناعة على حد تعبير ابن خلدون"(15).

إن الثقافة بعناصرها الأربعة السابقة هي ما تشكل صورة الحياه في حضارة ما, وينبغي أن ندرك جيدا أن الحياة في أي مجتمع معين قبل أن تتأثر بالفنون والصناعات (العنصر الرابع فيما سبق) أي بالجانب المادي أو الاقتصادي من الحضارة تتخذ اتجاهاً عاماً ولوناً شاملاً يجعلان جميع تفاصيلها مرتبطة بالمبدأ الأخلاقي وبذوق الجمال الشائعين في هذا المجتمع, ويمكن صياغة هذه العلاقة في صورة جبرية هكذا : مبدأ أخلاقي + ذوق جمالي = اتجاه حضارة(16).

إذن تختلف الحضارات باختلاف التوجيه الثقافي للإنسان الصانع لهذه الحضارة أو تلك, إذ من الممكن أن تبدأ الحضارة بتوجيه أخلاقي معين أو بذوق جمالي معين وكلاهما سيتبع بالتأكيد حسب رؤية بن نبي بفكرة دينية أو روحية معينة.

وبالطبع فإنّ التوجيه الثقافي لابد من أن يبدو في عمل الإنسان وهو العنصر الثاني من عناصر نظام الإنسان إذ أن  " العمل وحده هو  الذي يخط مصير الأشياء في الإطار الاجتماعي ورغم أنه ليس عنصراً اساسياً كالإنسان والأرض والتراب إلا أنه يتولد من هذه العناصر الثلاثة "(17). ومن ثم فلابد من توجيه العمل حيث تسير جهود الأفراد كلهم في اتجاه واحد بما في ذلك جهد الراعي والفلاح وصاحب الحرفة والتاجر والطالب والعالم والمرأة والمثقف  حتى يضع كل واحد منهم في كل يوم لبنة جديدة في البناء الحضاري " إننا نعمل مادمنا نعطي ونأخذ بصورة تؤثر في التاريخ, فتوجيه العمل هو تأليف كل هذه الجهود لتغيير وضع الإنسان وخلق بيئته الجديدة" (18).

ولا شك في أنّ المال والثروة يشكلان عاملاً مهماً في البناء الاقتصادي والاجتماعي لأي حضارة بأوزان مختلفة حسب درجة التطور الحضاري .. وإذا كان اصطلاح الثروة سواء كانت متعلقة بالمواد الخام أو ناتج حركة التجارة كان معروفاً من قبل, فإن اصطلاح رأس المال الحديث عادة ما يكون منفصلاً عن صاحبه, إن الثروة مرتبطة بصاحبها أو بما يملك من مواد خام أو كائنات حية, أما رأس المال فهو في جوهره المال المتحرك الذي يتسع مجاله الاجتماعي والاقتصادي, والقضية بالنسبة لنا هنا هي قضية منهج يحدد بمقتضاه التخطيط الاقتصادي المناسب للبناء الحضاري, وأساس  هذا التخطيط الاقتصادي الأمثل هو أنه " لا يكون فيه مكان لتركيز رؤوس الأموال في أيدي فئة قليلة,  تستغل السواد الأكبر من الشعب, بل يجب أن يتوفر فيه إسهام الشعب مهما كان فقيراً وبذلك يتم التعادل  بين طبقات المجتمع وتنسجم مصلحة الجماعة  مع مصلحة الفرد " (19), وإذا تم توجيه الثروة ورأس المال على هذا النحو سيسير متضامناً  مع توجيه الثقافة وتوجيه العمل ومن ثم يكون الفرد قد استكمل الشروط اللازمة لتشييد التيار الحضاري.

وإذا كان ذلك كله يخص الإنسان ومشكلاته في البناء الحضاري, فماذا عن التراب؟!

إن التراب في اصطلاح مالك بن نبي يعني الأرض المليئة بالثروات التي يتوقف البناء الحضاري على قدرة الإنسان صانع الحضارة الجديدة على استخدامها وحسن توظيفها والاستفادة منها, والتراب هو إذن أحد العناصر الثلاثة التي تكون الحضارة فإذا ما توفر " المركب الديني " لتركيب هذه العناصر"(20). والمشكلة عند بن نبي هي كيف يحول الناس في أي حضارة الرمال إلى عامل بناء حضاري بتحويلها إلى أرض خصبة أو على الأقل الانتصار على الرمال بتحويلها إلى بيئة خضراء زراعية أو بالانتصار عليها بالاستفادة من الموارد الطبيعية الكائنة تحتها. إن انتصار الإنسان على نوائب الطبيعة وأهوالها- التي أخذ بن نبي الرمال مثلاً عليها - إنما هو رسالة الإنسان الحضارية بعلمه وعمله عبر الجهود الفردية والجماعية.

إن  هذه الجهود هي ما تجعلنا ننتصر على كل ما يخيفنا في الطبيعة ومن ثم نمهد لصنع حضارة جديدة.

ولا شك في أنّ عنصر الزمن بالنسبة للعنصرين السابقين في البناء الحضاري في غاية الأهمية, إنّ استغلال الوقت الاستغلال الأمثل في العمل ومواجهة التحديات الحضارية مسألة في غاية الأهمية إذ " انه في ساعات الخطر في التاريخ, تمتزج قيمة الزمن بغريزة المحافظة على البقاء, إذا استيقظت, ففي هذه الساعات التي تحدث فيها انتفاضات الشعوب, لا يقوم الوقت بالمال, كما ينتفي عنه معنى العدم " إنه يصبح جوهر الحياة الذي لا يقدر" وحينما لا يكون الوقت من أجل الإثراء أو تحصيل النعم الفانية, أي حينما يكون لازماً للمحافظة على البقاء أو لتحقيق الخلود والانتصار على الأخطار يسمع الناس فجأة صوت الساعات الهاربة ويدركون قيمتها التي لا تعوض ؛ ففي هذه الساعات لا تهم الناس الثروة أو السعادة أو الألم. وإنما  الساعات نفسها, فيتحدثون حينئذ  عن ساعات العمل, إنها العملة الوحيدة المطلقة التي لا تبطل ولا تسترد إذا ضاعت, إن العملة الذهبية يمكن أن تضيع وأن يجدها المرء بعد ضياعها ولكن لا تستطيع أي قوة في العالم أن تحطم دقيقة ولا ان تستعيدها إذا مضت" (21).

هكذا عبر بن نبي عن أهمية الزمن والوقت بالنسبة لمن يصنعون الحضارة, إن الحياة والتاريخ خاضعان للتوقيت والزمن, وكلما كان الإنسان قادراً على استغلال الوقت في العمل الجاد وقادراً على اكتشاف التوقيت المناسب لبدء العمل أو إنهائه  باتقان, كان انجازه الحضاري عظيماً وجديراً بالانتباه, إن الاستخدام الأمثل للزمن له أمثلة عدّة رائعة مثل التجربة الألمانية التي انتصرت على ظروف ما بعد الحرب العالمية الثانية, تلك الحرب التي خلفت ألمانيا محطمة مدمرة لم يبق لها أي شيء تقيم عليه بناء نهضتها ، ومع ذلك لما بدأ النشاط يسرى في نفس الشعب الألماني في مستهل عام 1948 وكان آنذاك في نقطة الصفر من حيث المقومات الاقتصادية الموجودة لديه ، نجح خلال عشر سنوات في تحقيق المعجزة والعودة إلى الواجهة الاقتصادية للعالم, إن الشعب الألماني لم يكن يملك آنذاك إلا العناصر الثلاثة : الإنسان والتراب والأرض, وبهم صنع المعجزة الألمانية.

وكم كان بن نبي بليغاً حينما أراد أن يحفزنا لنفس الصنيع بقوله :  إن وقتنا الزاحف صوب التاريخ لا يجب أن يضيع هباء, كما يهرب الماء من ساقية خربة. ولا شك في أنّ التربية هي الوسيلة الضرورية التي تعلم الشعب العربي الإسلامي, قيمة هذا الأمر "(22).

ولكن لم يقل بن نبي أي نظام تربوي يمكن أن يولد في الشعب العربي الإسلامي هذا الامر, هذا في الوقت الذي يقرأون في صباح مساء القرآن الكريم الذي كثيراً ما أقسم فيه الله بالزمن وقيمة الوقت, وفي الوقت الذي نبههم فيه بأن العمل المتقن الخالص لوجه الله هو فقط ما سيكون محل تقديره سبحانه وتعالى لهؤلاء المؤمنين به.



·   ثالثاً : مشكلات النهضة الحضارية للعالم الإسلامي:

وعموماً فإن السؤال الأهم هنا هو : إلى أي حد يمكن أن توظف هذه النظرية لمالك بن نبي في تفسير البناء الحضاري في تحليل واقع الحال عند العرب المسلمين؟! ما هي عوائق النهضة لدينا؟ وكيف يمكننا التغلب عليها؟!

في الحقيقة أن جوهر المشروع الفكري لمالك بن نبي يتمحور حول تلك التساؤلات ومحاولة الإجابة عليها ؛ فقد انطلق مشروعه الفكري من فكرة محورية هي أن نهضة أي مجتمع انما تتم في نفس الظروف التي شهدت ميلاده. وعلى ذلك فإن إعادة بناء المجتمع الإسلامي الحديث لابد من أن ينطلق من الفكرة الدينية الأصيلة كأساس لأي تغيير اجتماعي. وقد عبرت الآية الكريمة " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم " ( الرعد آية 1)  عن ذلك ، وقد أخذ مالك بن نبي هذه الآية نقطة الارتكاز الأساسية في منظومته الفكرية (23), لقد عدّها شرعة السماء : غير نفسك تغير التاريخ(24) .

إن مشكلة العالم الإسلامي في نظره ليست " فيما يستحق من رغائب, بل فيما يسودنا من عادات وما يراودنا من أفكار وفي تصوراتنا الاجتماعية بما فيها قيم الجمال والأخلاق وما فيها أيضاً من خصائص تعتري كل شعب نائم"(25).

وإذا قال بعضنا كما يتردد دوماً إن أسباب تخلفنا وجمودنا تكمن في ذلك الاستعمار الذي لم يترك أرضاً عربية إلا احتلها ونهب ثرواتها وربطها باقتصاده حتى بعد الاستقلال, فإن مالك بن نبي له وجهة نظر  أصيلة ومختلفة في هذا الآمر؛ إذ إنّه يعتبر أننا لم نستعمر إلا لأننا لدينا تلك "القابلية للاستعمار". إنه يرى أن من الجرأة أن نقرر  " أن الاستعمار ليس من عبث السياسيين ولا من أفعالهم, بل هو من النفس ذاتها التي تقبل ذل الاستعمار والتي تمكن له في أرضها "(26) .

إن كابوس الاستعمار لا يذهب عن أي شعب بكلمات خطابية أو أدبية " إنما بتحول نفس يصبح معه الفرد شيئاً فشيئاً قادراً على القيام بوظيفته الاجتماعية جديراً بأن تحترم كرامته وحينئذ يرتفع عنه " القابلية للاستعمار " ولن يقبل حكومة استعمارية تنهب ماله وتمتص دمه فكأنه بتغيير نفسه قد غير وضع حاكمية تلقايئاً إلى الوضع الذي يرتضيه "(27).

إن التخلف الذي يعيشه المسلمون ينبع في الأساس من داخلهم ويعود إلى طبيعة تشكيل عقليتهم وشخصيتهم التي ترسبت فيها مفردات الثقافة السلبية ولا حلّ لهذه المعضلة إلا بالتحول من مجتمع غير فعال إلى مجتمع فعال, وفاعلية أي مجتمع إنما تنطلق من فاعلية الإنسان, وقد كان مالك بن نبي يقول في ذلك أنه" إذا تحرك الإنسان تحرك المجتمع والتاريخ, وإذا سكن سكن المجتمع والتاريخ"(28) .

والحقيقة أن ما يقف أمام حركة الإنسان في المجتمعات العربية والإسلامية إنما هو فكره المكبل بكثير من القيود منها " أنه فكر خاضع لطغيان الشيء والشخص "(29) إذ يتمحور فكرنا حول أشخاص أو زعماء بعينهم أو حول وثن من الأوثان أو شيء من الأشياء, ولا يمكن أن يتحوّل الإنسان إلى كائن فعال بشكل إيجابي في التاريخ إلا إذا تمحور فكره حول الفكرة وليس حول هذا الشخص أو حول هذا الشيء. إن الأفكار في رأي بن نبي هي المحركة للأشخاص ومن ثم للمجتمعات والتاريخ.

ولعل من تلك القيود أيضاً تلك الازدواجية اللغوية الذي يعاني منها المسلمون, فقد غرس العصر الاستعماري فيما غرس من الظواهر المتصلة بالهياكل الاقتصادية والاجتماعية والإدارية في البلاد المستعمرة ظاهرة خاصة هي ازدواجية اللغة التي تتعلق ببناه الثقافية والعقلية وبأفكاره "(30). ولقد أحدثت هذه الازدواجية اللغوية انشقاقاً في العالم الثقافي للبلاد الإسلامية ليس فقط ذا طابع جمالي بل أيضاً ذو طابع أخلاقي وفلسفي " (31), فلقد ترتب عليها ظهور طائفتين من النخبة ؛ النخبة التي تتكلم العربية وتحاول استرداد أصولها الإسلامية, والنخبة التي تتكلم اللغة الأجنبية سواء كانت الفرنسية في الجزائر أو الانجليزية في مصر. وكلٌّ منهما كان مصيره الفشل إذ لم تنجح الطائفة الأولى في إرساء اتصال بين الروح العربية المعاصرة والتقاليد الأصلية للسلف الصالح لعدم وجود اتصال حقيقي بنماذجها المثالية. والطائفة الثانية لم تستطع إرساء اتصال مع حضارة العصر لعدم فهمها لروحها العملية ؛ فافتقاد الأفكار الأصلية من ناحية وافتقاد الأفكار الفعالة من ناحية أخرى جعل هذه الشعوب تراوح مكانها ولا تتقدم " (32).

وبالطبع فإن مالك بن نبي هنا إنما يلمح من خلال اشكالية ازدواجية اللغة إلى الإشكالية التي شغلت النخبة المثقفة العربية منذ بداية الحقبة الاستعمارية وحتى اليوم اشكالية الأصالة والمعاصرة ، وهي في اعتقادي اشكالية مزيفة فقد كان يمكن الاستفادة من ازدواجية اللغة إذ إنّ اللغة الأجنبية التي أتت مع المستعمر ليست شراً كلها بل كان يمكن الاستفادة منها ببساطة في الاطلاع على منجزات العصر وكأداة لفهم الآخر, ومن ثم كان من الممكن تلاشي ما ترتب على ثنائية اللغة من اشكاليات عوقت التقدم والنهضة التي كانت مأمولة في ظل التحدي الذي فرضه الاستعمار بتقدمه التقني والمادي لكن للأسف تغلبت النظرة الدونية واستسلم أهل البلاد المستعمرة لأنه كان لديها بحسب اصطلاح بن نبي " القابلية للاستعمار"!

وعموماً فإن هذه الثنائية اللغوية والازدواجية الثقافية ليست هي فقط المشكلة وإنما المشكلة الأكبر التي عوقت ولا تزال تعوق التقدم والنهوض هي ازدواجية أو ثنائية أخرى أهم أشار إليها مالك بن نبي وهي ثنائية " الأفكار الميتة والأفكار المميتة " أما الفكرة الميتة فهي " الفكرة التي بها خذلت الأصول, وانحرفت عن مثلها الأعلى وليس لها جذور في العصارة الثقافية الأصلية " اما الفكرة المميتة فهي " الفكرة التي فقدت هويتها وقيمتها الثقافيتين بعدما فقدت جذورها التي بقيت في مكانها في عالمها الثقافي الأصلي "(33). ويقصد مالك بن نبي بالفكرة الميتة تلك الأفكار التي ننقلها عن التراث من دون وعي بأنها ليست هي بنت الجوهر الأصيل للحضارة العربية الإسلامية, كما أنها بخلعها من جذورها ومحاولة زراعتها في بيئة لم تعد هي بيئتها كما لم تكن هي كذلك بيئتها الأصلية إنما يعني أنها فكرة ماتت بانتزاعها من أصلها ومن منبتها الأصلي. وهي تتلاقى لديه في حاضرنا المعاصر بالأفكار المميتة التي هي الأفكار الغربية المستوردة التي لا تتفق مع هويتنا ولا تتوافق مع جوهرنا الأصيل.  وفي رأي بن نبي أن تلاقي الأفكار الميتة مع الأفكار المميتة إنما يمثل أحد العوائق الكبيرة أمام نهضة الأمة لأنه " ما أن نبدأ بمعالجة الأفكار الميتة التي لم يعد لها جذور في بوتقة الثقافة الأصلية للعالم الإسلامي, حتى نصطدم  بالأفكار المميتة التي خلفت في عالمها الثقافي الأصلي جذورها ووفدت إلى عالمنا"(34).

إن الحقيقة التي يلفت انتباهنا إليها بن نبي هي أن المشكلة في العالم الإسلامي هي مشكلة أفكار؛ إذ إنه منذ انحطاطه ما بعد عصر الموحدين يواجه مشكلة أفكار لا مشكلة وسائل ؛ فتراثه الذي ورثه من عصور الحضارة الإسلامية غدا أفكارا ميتة, أما نماذجه الروحية  التي تعود إلى العهد الأول فقد خانتها أفكاره الموضوعة التي خالفت النموذج المطبوع, الذي أرساه العصر الأول, وحينما افتقد الإحاطة بمشاكله وولي وجهه شطر العالم الغربي, فإن أفكاره المقتولة بفعل الانحطاط قد استخدمت من الحضارة الغربية أفكاراً انبتت عن جذورها وامتصتها مع سمومها القاتلة, فلا هي ادركت نمط الحضارة الغربية في اندفاعه التطوري الفعال المستمد من أصالته المقيمة في حدودها الجغرافية, ولا هي أحيت نماذجها الأصلية في انبثاقها الروحي. وهكذا تضافرت أفكارها الموروثة الميتة والأفكار القاتلة المجتثة من جذورها الغربية لتنتقم من هذا العالم كما ينتقم جسر سيء البناء بالانهيار على من بناه" (35).

وخلاصة القول إنّ العقول العربية وقعت أسرى هذين النوعين من الأفكار وهما معاً يمثلان العاتق الأكبر أمام اليقظة والنهوض إذ إنّ الأفكار الميتة تسكن العقول ولا تدفع حاملها إلى أي مجهود أو نشاط فهي معلومات عقيمة متوارثة تجمدت لدى حامليها ومن ثم كانت أحد أسباب انحطاط الخط البياني الحضاري للأمة الإسلامية,  أما الأفكار المميتة فهي التي قتلت الإبداع في النفوس بما لها من قدرة خبيثة على الإخماد وكبح جماح العقول وكسر الهمم وهي التي خلقت في أبناء الأمة الاستسهال وساعدت في تغييب القدرة التحليلية في فهم المشكلات المعقدة رغم أنها في أصلها وعند أهلها تفعل عكس ذلك تماماً ، كما أن الواقع في العالم الثقافي الغربي ليس كله مميت, فنحن لم نأخذ منه على حد تعبير مالك بن نبي إلا النفايات,  الجزء المميت من تلك الحضارة" ( 36).

والسؤال هو : لماذا تذهب النخبة المثقفة  المسلمة بالضبط للبحث هناك عن هذه العناصر المميتة وليس عن العناصر الصانعة للنهضة والتقدم كما فعل اليابانيون والصينيون على سبيل المثال؟!

والحقيقة أن بن نبي لم يجد الاستثناء من هذه القاعدة العامة التي وقع في فخها معظم النخبة المسلمة, لم يجده إلا لدى محدد إقبال إذ وجد أن " فكر اقبال جعل من ثقافته شغفاً, واستحق الاحترام لتجرده.. إنه بجهد شخصي أو لصدفة استثنائية استطاع أن يقضي على مخزون الأفكار الميتة التي وجدها في بيئته عند ولادته. ونجد في عمله الاهتمام بتجديد أفكار بيئته عبر كتابه الذي ترك ثمرته للأجيال " إعادة بناء الفكر الإسلامي " (37).

إن المشكلة في رأي بن نبي إذن ليست في التتلمذ على الحضارة الغربية " لأنه ومنذ عام 1860 تتلمذ المجتمعان الإسلامي والياباني في مدرسة الحضارة الغربية وبينما أصبحت اليابان قوة اقتصادية كبرى في العالم لأن الأفكار المميتة في الغرب لم تعد تصرفها عن طريقها فقد بقيت وفيه لثقافتها, لتقاليدها ولماضيها  بينما وجدنا ذلك في اليابان  ، وجدنا أنه بعد ما يقرب من قرنين من الزمان ورغم الجهود الحميدة التي بذلت في سبيل النهضة في العالم الإسلامي ، نجده لا يزال مجتمعاً ذا نموذج متخلف"(38).

إذن المشكلة التي نواجهها وتطرح نفسها علينا بقوة لا تتعلق بطبيعة الثقافة الغربية, بل بالطبيعة الخاصة بعلاقتنا بها !

إن صنع الحضارة إنما هو مرهون ببشر أصحاب فاعلية يتفاعلون مع الأفكار بإيجابية, إن أهم شروط الفاعلية في نظر بن نبي أن ينظر الإنسان إلى نفسه على أنه صانع التاريخ ومحركه ؛ فالتاريخ نتاج عمل وليس نتاج مقولات نظرية, ومشكلة المسلم اليوم أنه لا يفكر ليعمل, بل يفكر ليقول ويتكلم وقد أدى ذلك ولايزال إلى ضياع الاستفادة من العلم والمال والوقت في صنع حضارتنا الحديثة المنشودة.

·   رابعاً : الطريق إلى النهضة :

إن ادراك المشكلات السابقة وهي جميعاً مشكلات فكرية والوعى بها ربما يكون عند مالك بن نبي نقطة البداية في طريق الفعالية والحضارية ، لكن أولى خطوات هذا الطريق عنده في اعتقادي هي مرة أخرى تغليب الفكرة على الشيء.

1) تغليب الأفكار على الأشياء:

إن المرحلة الحالية في العالم الإسلامي  في نظر بن نبي تتسم بطغيان الأشياء على الأفكار وذلك على أصعدة مختلفة ؛ فعلى الصعيد النفسي والاخلاقي نجد أن " الأشياء تمثل القمة في سلم القيم, وتتحول خلسة الأحكام النوعية إلى أحكام كمية من دون أن يشعر أصحاب تلك الأحكام بإنزلاقهم نحو الشيئية أي نحو تقويم الأمور بسلم الأشياء. فالموظف على سبيل المثال يعتمد في تحديد رتبته في الترتيب الإداري بعدد الأجهزة التي يستعملها أو لا يستعملها وليس بقدر العمل الجاد الذي يؤديه!

إن الشيئية تجر إلى هفوات كثيرة ذات مغزى وخاصة في مجال الأدب السياسي ! ففي كلمة تأييد لإحدى البلاد الإسلامية تقرأ عبارة " الحكومة وشعبها " فعكست هنا علاقة الملكية فبدلا من أن يكون للشعب حكومة أصبح للحكومة شعب وأضحى المالك مملوكاً ! (40).

أما على الصعيد الاجتماعي فإن هذه النزعة الشيئية الكمية تولد مظاهر اجتماعية غير متوقعة, فمثلاً على باب إدارة من إدارات الحكومة نجد موظفاً يراقب الداخلين ويسجل أسماءهم. وإذا ما عدت إلى نفس الإدارة في اليوم التالي ترى أن التسجيل والموظف الذي يتولاه غير موجودين. وهكذا فالوظيفة قد ذهبت مع الموظف !  ونفس الشيء على الصعيد الفكري إذ نجد مؤلف أي كتاب لا يسأل عن أي بحث عالج وكيف تم معالجته دائماً ، بل عن عدد الصفحات التي كتبها فيه !(41)

أما على الصعيد السياسي فقد تسللت الشيئية وطغيان الأشياء وخاصة في ميدان التخطيط ؛ فعندما يواجه بلد إسلامي ما مشكلة التخلف فهو يواجهها إما بالاستثمار الأجنبي وتلقي المعونات المالية أو بزيادة معدل الضرائب. كما يقع أفراد المجتمعات الإسلامية في حاضر العالم الإسلامي في خطر تجسيد المثل الأعلى في شخص وليس في فكره قد يحققها أي شخص يختار, وقد تسبب ذلك في كثير من الضرر بالأفكار الإسلامية المتجسدة في أشخاص ليسوا في حقيقة الأمر أهلاً لحملها, فمن ذا الذي يستطيع تجسيد الأفكار من دون أن يعرض المجتمع كله للخطر ؟!  إن خطر التجسيد قد وضعه القرآن صراحة في الوعي الإسلامي حتى على شخص الرسول ذاته بقوله " وما محمد إلى رسول قد خلت من قبله الرسل أفإن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم" ( آل عمران ... 144) (42).

إن الأمة لن تتقدم إلا بتقديم الفكرة على الشيء وعلى الشخص أو على الأقل علينا أن ندرك "أنّ للعالم الثقافي( والحضاري)  بنية ديناميكية تتوافق مظاهرها المتتالية مع علاقات متغيرة بين العناصر الثلاثة الحركية :  الأشياء والأشخاص والأفكار " (43) وإن اختلال التوازن في هذه العلاقة لصالح الشيء يولد الاضطراب ليس فقط في الدول المتخلفة وإنما أيضاً في الدول المتقدمة .

إذن علينا إعادة التوازن بين الأفكار والأشياء والأشخاص بهذا الترتيب الذي يعطي الأولوية دائماً للفكرة على الشيء والشخص معاً .

2) التوافق مع روح العصر مع الحفاظ على أصالة الأفكار:

إن الإشكالية هنا كما صاغها بن نبي تكمن في أن " فكرة أصلية " لا يعني ذلك فعاليتها الدائمة, وفكرة فعالة ليست بالضرورة صحيحة. والخلط بين هذين الوجهين يؤدي إلى أحكام خاطئة, وتلحق أشد الضرر في تاريخ الأمم حينما  يصبح هذا الخلط في أيدي المتخصصين في الصراع الفكري وسيلة لاغتصاب الضمائر. إن الفكرة إما صحيحة أو باطلة, وحينما تكون صحيحة فإنها تحتفظ بأصالتها حتى آخر الزمان لكنها في المقابل يمكن أن تفقد فعاليتها وهي في طريقها حتى ولو كانت صحيحة, فلفاعلية الفكرة تاريخها الذي يبدأ مع لحظة دفعتها الأصلية لتهز العالم أو يعتقد فيها كنقطة ارتكاز ضرورية لقلب ذلك العالم. وبصفة عامة فإن الفكرة تظل فعالة طالما أنها أثارت العواصف وشيدت شيئاً أو هدمته"(44).

والسؤال هو : أين نحن الآن في العالم الإسلامي من هذه الإشكالية؟!

إننا الآن في عصر الانتاجية ؛ ذلك العصر الذي لا يكفي فيه أن نقول الصدق لنكون على حق ! فمنطق هذا العصر لا يكون اثبات صحة الأفكار بالمستوى الفلسفي أو الأخلاقي, بل بالمستوى العملى, فالأفكار صحيحة إذا ضمنت  النجاح (45), إن هذه إشارة واضحة إلى سيادة المنطق البراجماتى الأمريكي على هذا العصر (46) حتى على الجانب الآخر من العالم الشرقي الشيوعي, فهذا هو ماوتسي تونج يقول هو الآخر : إن أفضل دليل على سلامة أفكارنا هو نجاحها في الإطار الاقتصادي " (47).

إذن فليست المسألة في أن يقبل المجتمع الإسلامي أو يرفض الأسلوب العملي هذا أو ذلك, كما لا يكفي أن يعلن عن قدسية القيم الإسلامية,  بل علينا أن نزود هذه القيم الأصلية بما يجعلها قادرة على مواجهة روح العصر والتكيف معه دون تقديم تنازلات إلى الدنيوي على حساب المقدس, فقط علينا – على حد تعبير بن نبي – أن نحرر المقدس  من بعض الغرور الاكتفائي والذي قد يقضي عليه. أي علينا  العودة ببساطة إلى روح الإسلام الأصلية نفسها, تلك الروح التي عبر عنها الرسول ( صلى الله عليه وسلم ) حال عودته من احدى الغزوات وسط شهر رمضان وكانت مشقة الصوم كبيرة على الصائمين, حينما عزا الفضل  في الانتصار في تلك الغزوة إلى الذين أفطروا في ذلك اليوم. ونحن اليوم أكثرمن أي وقت مضى بحاجة للتذكير بهذا الهدى النبوي الذي يعطي في حالة معينة الأولوية لفضيلة الفعالية  على فضيلة الأصالة.

فالمجتمع  الإسلامي مدعو اليوم لأن يستعيد تقاليده العليا وقيمه الأصلية ومعها حسن الفعالية. ومن أجل أن يثبت العالم الاسلامي بمنطق العصر أن أفكاره صحيحة ، لاتوجد أمامه إلا طريقة واحدة هي اثبات قدرته على تأمين الخبز اليومي لكل فرد (48).

3) التخطيط الدافع للفعالية الاجتماعية :

كما كانت الأفكار أساس الدنياميكية الاجتماعية وهي المحركة للأشخاص والأشياء معاً, فإن الفكر الذي يخطط للمستقبل ينبغي أن يركز على " خلق الشروط الدينامنيكية الاجتماعية ثم يحدد الوسائل التي ستتولى تسيير تلك الديناميكية الاجتماعية. وذلك لأننا- على حد تعبير بن نبي -  لا نستثمر ما نريد, بل ما نستطيع, ولا نستثمر بوسائل الغير إنما بالوسائل التي تقع بالفعل تحت أيدينا(49).

وهنا يكون السؤال: ما هي الوسائل المتوفرة حقيقة في بلد عند نقطة الصفر من انطلاقه؟!

لقد أجاب بن نبي على هذا السؤال مسترشدا بالتجربتين الألمانية والصينية ؛ فلقد بدأت ألمانيا في التحرك عام 1948م بخمسة وأربعين ماركا  وهذا مبلغ تافه في الاستثمار, ولذا فقد كان استثمارهم الحقيقي في رأسمال الأفكار التي هي في رأس كل ألماني ، في تصميم الشعب الألماني, وفي الأرض الألمانية التي كانت فقيرة ومحتلة من الآخرين لكنها كانت السند اللازم لكل نشاط. وفي نفس الفترة أقلعت الصين الشعبية  في شروط أشد قساوة وبدمار أكبر خلفته الحرب وبغض النظر عن خيار الصين  الأيديولوجي  فقد أنشأت رأسمالها من الأفكار الأولية , وأن تجربتها في بيئة اجتماعية اقتصادية كبيرة الشبه بغالبية البلاد الإسلامية تلقي كثيراً من الضوء على الرسائل البدائية للإقلاع (50).

إن هذه الإمكانيات التي انطلقت منها الصين  ، وهذه الإمكانيات تتوافر لأي أمة أو بلد في هذا المستوى الصفري هي :

أ) الزراعة وهي في حالة بدائية إلى حد ما .

ب) ما يتوفر لديه من مواد أولية في السوق وفي باطن الأرض.

ج) طاقة العمل أي الأيدي العاملة وما يمكن تحويله إلى ساعات عمل فعلية .

ومن خلال هذه الإمكانيات البسيطة يمكن الانطلاق اقتصادياً على مرحلتين:

أ) مرحلة اقتصاد الكفاف .

ب) مرحلة اقتصاد التطور – أي الإقلاع بمعنى الكلمة (51).

وبناءاً على هذا وذاك, فإن المجتمع الإسلامي يستطيع في نظر مالك بن نبي  أن يستعيد فعاليته بأن يضع دفعة واحدة في أساس تخطيطه مسلمة مزدوجة :

أ) كل الأفواه يجب أن تجد قوتها.

ب) جميع الأيدي يجب أن تعمل.

وعندئذ سوف لا تكون أفكاره مثقلة بعدم الفعالية لأن كل الأيادي سائرة في تحريك عجلة ديناميتها الاجتماعية, والمدافعون عنه سيأخذون في اعتبارهم, أنه ليس المطلوب الدفاع عن أصالة الإسلام بل مجرد إعادة فعاليته إليه بتحريكهم قواه الانتاجية (52).

وفي اعتقادي أنه ينبغي أن نسعى إلى زيادة مساحة الوعي بأهمية أن يوجد بيننا من يفهم هذا المخطط البسيط وشديد الفعالية لمستقبل العالم الإسلامي إذا ما أراد المسلمون في أن بلد إسلامي إعادة الروح الإسلامية الأصيلة إلى الوجود. إنها تلك الروح الوثابة العاملة المحبة للعمل والاتقان فيه, تلك الروح التي لا تقبل وجود عاطل أو جوعان, إنها روح المشاركة في العمل والدفاع عن حق العامل في الحياة الكريمة. إن إعادة هذه الروح ليست عبر الكلمات والشعارات الرنانة التي صرنا نسمعها صباح مساء في كل أرجاء العالم الإسلامي, وإنما إعادتها عبر العمل الجاد والمتقن. إننا حقيقة لا نفتقد الأفكار بقدر ما نفتقد إدراك وامتلاك الكيفية التي تحولها إلى عمل خلاق يسد جوع الجوعى ويحافظ على كرامة الإنسان المسلم من الامتهان والتسول.

إن مالك بن نبي قدم لنا بتلك الكلمات البسيطة - بعد طول تنظير-  خطة عملية للخروج من نفق الجمود الفكري والكسل العملي, فقط على كل منا حكاماً ومحكومين أن نؤمن بأن الإنسان الفرد هو صانع الحضارة والتقدم وسط بيئة اجتماعية داعمة وخلاقة, وأن الإنسان المسلم يمتلك من الطاقة الروحية ما يكفي لبدء العمل بشرط أن يكون ناتج هذا العمل توفير الطعام لكل الأفواه, وتوفير الحياة الكريمة لكل عامل يعمل. هذا هو التحدي وعلى قدر استجابتنا يمكن أن نكون بعد أن أصبحنا اليوم وبعد أكثر من أربعين عاماً على وفاة مالك بن نبي أمة في مهب الريح مهددة بالتقسيم بل مهددة بالفناء.

فهل نعي أنه لم يعد أمامنا اليوم إلا الاستجابة لهذا التحدي الوجودي لأمة كانت في سابق عهدها رائدة الأمم وقائدة الدفع الحضاري للإنسانية, أتمنى أن نكون على وعي بأننا الآن في هذه اللحظة التي بلغ فيها التحدي ذروته ولم نعد نملك رفاهية التردد, بل علينا فوراً ومن دون إبطاء مواجهة التحدي بالأفعال وليس بمجرد الأقوال والتغني بأمجاد ماضٍ لم نكن نحن صانعيه, وكل ما علينا الآن أن نبرهن على أننا حقاً ورثته ولا نزال نحمل أمانته, ولا نزال قادرين على حمل هذه الأمانة بتحويل الأقوال إلى أفعال, والأفكار إلى خطط عملية لتحقيق التقدم لأمة هي " خير أمة أخرجت للناس".

*  هوامش البحث  *

انظر في حياة مالك بن نبي, الموسوعة الحرة Wikipedia وموقع binnabi.net وكذلك : د. راغب السرجاني : مالك بن نبي, فيلسوف الحضارة والنهضة, الموسوعة الحرة shapereway.ipg , ص1, 2.

مالك بن نبي : مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي, ترجمة د. بسام بركة, و د. أحمد شعبو, دار الفكر المعاصر بلبنان ودار الفكر بسوريا, طبعة 2002م, ص 41.

مالك بن نبي : شروط النهضة, ترجمة عبد الصبور شاهين, دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع بدمشق, سوريا 1986م, ص 43.

مالك بن نبي, مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي, سبق ذكره, ص42.

مالك بن نبي, شروط النهضة, سبق ذكره, ص45.

نفسه, ص 45-46 .

نفسه, ص  50.

نفسه, ص 53.

نفسه .

نفسه, ص 66.

نفسه, ص 70.

 نفسه, ص 77.

نفسه, ص 83.

نفسه .

نفسه, ص 87 .

وانظر تفاصيل هذه العناصر الأربعة في نفس المرجع, ص 88 وما بعدها.

نفسه, ص 101.

نفسه, ص 106-107.

نفسه, ص 107-108.

نفسه, ص 113.

نفسه, ص 131.

نفسه, ص 139-140.

نفسه, ص 140.

د. راغب السرجاني, نفس المرجع السابق, ص 2.

مالك بن نبي, نفس المرجع السابق, ص 34 .

نفسه .

نفسه, ص31.

نفسه .

مصطفى عاشور, مالك بن نبي ... فيلسوف مشكلات الحضارة www.ilamonline.net  , نقلاً عن : د. راغب السرجاني, نفس المرجع السابق, ص 2.

مالك بن نبي, مالك بن نبي, مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي,   ص 127 .

نفسه, ص137.

نفسه, ص139.

انظر : نفس المرجع, ص ص 139-140.

نفسه, ص153.

نفسه, ص149.

مقدمة عمر مسقاوي للترجمة العربية لنفس المرجع السابق, ص 12-13. .

مالك بن نبي, نفس المرجع, ص 150.

نفسه, ص150-151.

نفسه, ص151.

انظر : مصطفى عاشور, نفس المرجع السابق , نقلاً عن راغب السرجاني, نفس المرجع السابق, ص 2.

مالك بن نبي, مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي, ص 79.

نفسه, ص80- 81.

نفسه, ص81-82.

نفسه, ص85.

نفسه, ص102-103.

نفسه, ص111.

راجع كتابنا : مدخل إلى الفلسفة في طبعاته المختلفة, الفقرة " رابعاً " من الفصل الرابع عن وليم جيمس والفعل البراجماتي.

نقلاً عن مالك بن نبي, نفس المرجع السابق, ص112 .

مالك بن نبي, نفس المرجع, ص 112- 113 .

نفسه, ص115.

نفسه, ص116.

نفسه, ص 116, وانظر أيضاً, مالك بن نبي, اقتصاد القوة والتنمية, مقال بكتابه, بين الرشاد والقيمة, دار الفكر بدمشق, سوريا, الطبعة الثانية, 2002م, ص 186-188.

نفسه, ص118.