البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : مبادئ حوار الاديان عند الامام الرضا (ع)

الباحث : رسول كاظم عبد السادة

اسم المجلة : العقيدة

العدد : 10

السنة : السنة الثالثة - ذي القعدة 1437هـ / 2016م

تاريخ إضافة البحث : August / 29 / 2016

عدد زيارات البحث : 442

حجم ملف البحث : 398.708 KB

 تحميل

بسم الله الرحمن الرحيم

 والحمد لله رب العالمين  وصلى الله على نبيه الكريم وعلى آله الطيبين الطاهرين..

الحوار والتحاور ظاهرة اجتماعية طيبة  نشأت منذ القدم منذ ان عرف الانسان ان له في الكون شريكا  وربما قبل ذلك حين شاهد المخلوقات الصامتة حوله اخذ يحاورها، وربما فهمت منه مرادة حتى اذا استهل ناطقاً وتعلم من العلوم بواسطة انبياء الله اخذ في الكلام ﴿فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا﴾ ([1]) ثم انتقل من الحوار الى الجدال فاتصف به  فـ﴿كَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ ([2]) الى ان تمادى واسرف في غوايته راح يسمي دعوة الحق جدالاً ﴿قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتَنِا بِمَا تَعِدُنَا إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ﴾([3]) فلم يبق من الحوار الا ما عليه اهل الصلاح من اولياء الله، الذين سعوا في ردم  الهوة التي ابتدعها الشيطان بين بني  آدم بإعلان الكلمة السواء (الا نعبد الا الله)، وقبل البحث في حوار الاديان عند الامام الرضا (ع)  لابد من معرفة مفردة الحوار في اللغة والاصطلاح مقدمة امام البحث.

الحوار في اللغة والاصطلاح:

(الحوار) في اللغة:  مراجعة الكلام بين طرفين تخاطبا([4])، والمحاورة المجاوبة، والتحاور التجاوب، واستحاره استنطقه، تقول: (كلمته فما رجع اليَّ حَوارا وحِوارا...)([5])، أي ما رد جواباً([6]).

(وفي حديث علي 7: «حتى يَرجع إليكما ابناكُما بحَوْر ما بَعثْتُما به» أي بجواب ذلك)([ذ]).

والحوار قد يكون حسناً فيقال: فلان حسن الحوار، وقد يكون سيئاً فيقال: فلان سيء الحوار([8]).

أما المعنى الاصطلاحي للحوار: فـ(هو أن يتناول الحديث طرفان فأكثر عن طريق السؤال والجواب بشرط وحدة الموضوع أو الهدف، فيتبادلا النقاش حول أمر معين، وقد يصلان إلى نتيجة، وقد لا يُقنع أحدهما الآخر ولكن السامع يأخذ العبرة ويكون لنفسه موقفاً، وهي ضرب من الأدب الرفيع وأسلوب من أساليبه([9]).

دور المعصوم (ع)   في الحوار:

الإمام المعصوم باعتباره راع للدين ومفسر للقرآن الكريم ومبين للسنة المطهرة، رافع  للشبهات  محل للمشكلات التي  تلتبس على العلماء , لابد من أن يكون من وجوه دفع هذه الشبهات  القدرة الكاملة  في التحاور مع أهل الأديان الأُخر غير الإسلام، إذا أرادوا هم التحاور، وإلا فان الإمام ثابت في مركزه، لأنه قطب رحى العلم والحاجة، يدور عليه السائل ، ويبحث عنه المحتاج، وليس من شأنه  بعد بلوغ  صوت الإسلام إلى جميع أطراف الدنيا – لاسيما في زمن دولة بني العباس حيث عاش الإمام الرضا (ع)  -  الذهاب للتحاور، لأن الذهاب للتحاور ابتداءً هو توهين للدين وإقرار بالشك والتصديق الاولي بحجة المخالف.

فإن كان هناك حاجة للحوار وأبدى قوم رغبتهم في ذلك فالمعصوم هو الذي يقدّر مصالح الامة وامر رعايتها اليه ومن شؤون تلك الرعاية محاورة اهل الاديان - كما كان اليهود والنصارى  يأتون الى النبي 9 ويسالونه فيجيبهم،  وكذلك في زمن أمير المؤمنين (ع)  أيام خلافة الخلفاء، وبقية الائمة : كحوار الإمام الباقر (ع)  مع كبير النصارى أو حوار الإمام علي بن الحسين (ع)  مع صاحب الدير في طريق الشام وحوارات الإمام الصادق مع بعض الملاحدة.

 إذاً الملاحظ في كل هذه المحاورات إن الآخر هو الذي يبادر في السؤال والمحاورة وليس الإمام المعصوم (ع)  ،وكذلك الإمام الرضا (ع)  لم يختلف عن طريقة آبائه .

ومع أن الإمام (ع)  نأى بنفسه عن مجادلة المتكلمين وما أكثرهم في زمانه فهو قد سار بذلك على نهج آبائه،لان الجدال غير الحوار ،ولابد  والحال هذه ان نبين امر الجدال وكراهة أهل البيت : للتلبس به.

الجدال في الدين واثره في سلوك الانسان:

الجدال في اللغة: المخاصمة والمدافعة، وهو ظاهرة واسعة الانتشار في المجتمعات الانسانية على مر التاريخ، وهو نوعان منه مذموم  ومنه ممدوح، فالمذموم  يسمى مراء، وهو المخاصمة في الدين لا لأجل شيء الا لاظهار القدرة على غلبة الاخرين، اما الممدوح فهو الجدال الذي وصف بالتي هي احسن، وهو ان تدفع حجة الخصم الباطلة  بحجة حق، ولا تستدل لغلبة الخصم  بالباطل  وإلا يكون مجادلة بالتي هي أسوأ.

قال الامام  الصادق (ع)  وقد ذكر عنده الجدال في الدين، وأن رسول الله والائمة : قد نهوا عنه، فقال الصادق (ع) : لم ينه عنه مطلقا، ولكنه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن أما تسمعون الله عزوجل يقول: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾([10]) وقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾([11])، فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين، والجدال بغير التي هي أحسن محرم حرمه الله تعالى على شيعتنا

الجدال في القرآن الكريم

ويتأكد النهي عن الجدال المذموم في القرآن وتفسير آياته وامور العقائد  ايضاً، فالشائع في زماننا  ما يسمى بالمناظرات هي بالحقيقة نوع  من أنواع الجدل، شدد أهل البيت : في النهي عنها في أخبارهم المنقولة لنا بواسطة ثقاتهم،  فعن الامام الصادق (ع)   (ع)  قال: أنّ رجلاً قال للحسين بن عليّ 8: إجلس حتّى نتناظر في الدين ! قال: يا هذا أَنَا بَصيرٌ بِديني، مَكْشُوفٌ عَلَيَّ هُدايَ، فَإِنْ كُنْتَ جاهِلاً بِدينِكَ فَاذْهَبْ وَاطْلُبْهُ، ما لي وَلِلْمُماراةِ وَإِنَّ الشَّيْطانَ لَيُوَسْوِسُ لِلرَّجُلِ وَيُناجيهِ، وَيَقُولُ: ناظر الناس في الدين، كيلا يظنّوا بك العجز والجهل ! ثُمَّ الْمِراءُ لا يَخْلُوْ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُه :

 إِمّا أَنْ تَتَمارى أَنْتَ وَصاحِبُكَ في ما تَعْلَمانِ، فَقَدْ تَرَكْتُما بِذلِكَ النَّصيْحَةَ، وَطَلَبْتَُما الْفَضيحَةَ، وَأَضَعْتُما ذلِكَ الْعِلْمَ،

أَوْ تَجْهَلانِهِ فَأَظْهَرْتُما جَهْلاً، وَخاصَمْتُما جَهْلاً ،

 وَإِمّا تَعْلَمُهُ أَنْتَ فَظَلَمْتَ صاحِبَكَ بِطَلَبِكَ عَثْرَتَهِ ،

 أَوْ يَعْلَمُهُ صاحِبُكَ فَتَرَكْتَ حُرْمَتَهُ، وَلَمْ تُنْزِلْهُ مَنْزِلَتَهُ،

وَهذا كُلُّهُ مُحالٌ، فَمَنْ أَنْصَفَ وَقَبِلَ الْحَقَّ، وَتَرَكَ الْمُماراةَ فَقَدْ أَوْثَقَ إيْمانَهُ وَأَحْسَنَ صُحْبَةَ ديْنِهِ، وَصانَ عَقْلَهُ ([12]).

ففي هذا الكلام لسيد الشهداء – بابي هو وامي-  لم يدع لكل  من رام جدالا رخصة  سواء أكانت مناظرات  أم غيرها وما اكثرها في زماننا، والتي تجرأ عليها جهال الناس  حتى اصبحوا  يناظرون في مسائل التوحيد والنبوة والامامة والمعاد وتكلفوا علم ما لم يكلفهم به احد، فقالوا جهلا   وكتبوا باطلا  على صفحات التواصل الاجتماعي وفي القنوات الفضائية، و حتى النساء اصبح ليس لهن هم الا  الكلام والنقاش في ادق  مسائل الدين ،ان هذا  الفعل فيه جرأة  على الله وورسوله واوليائه الطاهرين ، وجرأة في الدين  وتهوين لامر التشريع وسنة سيد المرسلين والائمة الطاهرين، لانه يورث الشك ويفسد اليقين فان من طلب الدين بالجدل تزندق.

لقد أمرنا أهل البيت : بترك الجدل  وإن كنا على حق، قال الإمام الكاظم لعلي بن يقطين: مر أصحابك أن يكفوا من ألسنتهم، ويدعوا الخصومة في الدين، ويجتهدوا في عبادة الله عز وجل([13]).

 وعن  الإمام الصادق (ع) : إياكم والخصومة، فإنها تشغل القلب عن ذكر الله عز وجل، وتورث النفاق، وتكسب الضغائن وتستجيز الكذب.

وقال الامام الرضا (ع)   لعبد العظيم الحسني:: يا عبد العظيم ! أبلغ عني أوليائي السلام، وقل لهم: لا تجعلوا للشيطان على أنفسهم سبيلا، ومرهم بالصدق في الحديث وأداء الأمانة ،ومرهم بالسكوت وترك الجدال فيما لا يعنيهم([14]).

وورد اللعن في من يفعل ذلك، قال أمير المؤمنين (ع)  :لعن الله الذين يجادلون في دينه  أولئك ملعونون على لسان نبيه  9 ([15]).

اما من يجادل في القرآن وآياته فهو على حد الكفر لان الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾([16]).

ولاشك في ان آيات  الله تدوينية  وتكوينية  والتكوينية  منها آفاقية ومنها أنفسية ومنها  ﴿رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾([17])، وهم ائمة أهل البيت  : فهم الآيات والبينات فمن يجادل فيهم ويماري ويشك فهو كافر.

حوار الإمام الرضا (ع)  مع أهل الاديان:

هناك حواريتان بين الامام الرضا (ع)  وأهل الاديان، الأولى جرت في البصرة  وهي من الحواريات المهمة التي قلما تناولها الباحثون ،وقد اوردها الراوندي في كتابه الخرايج والجرايح ، اما الثانية وهي المشهورة والتي جمع فيها المأمون أهل الملل والمقالات والمتكلمين  لاختبار الامام ومحاولة انتقاصه وأبانت جهله امام شيعته لينفضوا من حوله ،وكانت في مرو رواها الشيخ الصدوق في كتابيه التوحيد وعيون اخبار الرضا (ع) ،  والحواريتين تعدان من وثائق القرن الثالث الهجري لما فيهما  من معلومات كلامية واحتجاجات علمية تمثل النزعة الفكرية في تلك الايام  .

ومن خلالهما ، نجد صور مشرقة، والتفاتات  لا تكون إلا من مثل الرضا صلوات الله عليه، يذعن لها المخالف وينشرح لها صدر المحب، وتبطل بها حجة الخصم المعاند  الجاهل،  ويستفاد منها -لقوة  بيانها وتمام أدلتها-  المحاور.

ولم يكن الامام (ع)  هو المبادر اليهم ،لكن لما رأى أن القوم أرادوه  وكانت المصلحة في محاورتهم ملزمة لما فيها نصرة الاسلام  ،أظهر من مكنون علمه الذي ورثه عن آبائه  الطاهرين ما أوصل الحسد الى أعدائه  ممن كان  يكيد له  فلم يجد بداً من الثناء عليه والإطراء له وعلى ما يحمله من العلوم .

حيث اشار عم الامام، محمد بن جعفر في كلام له مع النوفلي بين فيه ان مثل هذا الحوار  الذي دار بين الامام واهل الاديان ربما يجلب الضرر من المأمون على الامام الرضا.

(قال الحسن بن محمد النوفلي فلما نظر المتكلمون إلى كلام عمران الصابئ وكان  جدلا لم يقطعه عن حجته أحد قط لم يدن من الرضا (ع)  أحد منهم، ولم يسألوه  عن شيء  وأمسينا  فنهض المأمون والرضا (ع)  فدخلا وانصرف الناس، وكنت مع  جماعة من أصحابنا إذ بعث إلي محمد بن جعفر فأتيته فقال لي :

يا نوفلي أما رأيت ما جاء  به صديقك، لا والله ما ظننت أن علي بن موسى (ع)  خاض في شيء من هذا قط و لا عرفناه به  إنه كان يتكلم بالمدينة أو يجتمع إليه أصحاب الكلام؟

قلت: قد كان  الحاج يأتونه فيسألونه عن أشياء من حلالهم وحرامهم فيجيبهم، وربما كلم من يأتيه  يحاجه.

فقال محمدبن جعفر: ياأبا محمد إني أخاف عليه أن يحسده هذا الرجل فيسمه أو  يفعل به بلية فأشر عليه بالامساك عن هذه الاشياء) ([18]) .

مقدمات حوار الاديان:

لابد لكل حوار من مقدمات يبتنى عليها  هي أشبه بمفاتيح لنجاح عملية الحوار والوصل به الى النتائج المتوخاة منه من اظهار الحقيقة وتأليف المتفرق واصلاح الفاسد ،ومن خلال تأملنا في محاورات الامام الرضا (ع)  مع اهل الاديان والملل،يمكن الوقوف على بعضها وهي:

 اولا: البدء بالمسائل الشرعية قبل الالتقاء بالقوم ،الا وهو التطهر والوضوء وهذا من مقدمات المحادثات التي قلما يلتفت اليه المتحاورون، وهو الذي فعله الامام (ع)  لما اخبره  الفضل بن سهل فقال له :

(جعلت فداك ابن عمك ينتظرك، وقد اجتمع القوم فما رأيك في إتيانه، فقال له الرضا (ع) : تقدمني فإني صائر إلى ناحيتكم إن شاء الله، ثم توضأ (ع)  وضوء الصلاة وشرب شربة سويق وسقانا منه) ([19]).

ثانيا: ان تبدأ  محاورك بالسلام  ليطمئن قلبه  وتزول عنه  حالة الاحساس بالمخاصمة وطلب الغلبة التي دائما تصاحب المتحاورين ، فان في اعلان شعار الاسلام اول حجة يخصم بها المتحاور قومه من حيث يلتفتون او لايلتفتون، وقد فعل ذلك الامام الرضا (ع)  عندما اجتمع اليه  أهل الاديان في اليصرة وذلك(لما تكاملوا ثنى للرضا (ع)  وسادة، فجلس عليها، ثم قال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، هل تدرون لم بدأتكم بالسلام؟ فقالوا: لا. قال: لتطمئن أنفسكم)([20]).

ثالثا: ان لايدع المحاور الالتزام بمواقيت العبادات التي فرضها الله سبحانه وجعل لها اوقاتا محددة اذا تخللت  فترة الحوار فان في ذلك تعريف المقابل بمتانة الدين الذي يحاور عنه  الشخص، ولذلك فان الامام الرضا (ع)   قطع على عمران الصابئي كلامه ولم يستجب لطلبه حين حضر وقت الصلاة.

(التفت (ع)  إلى المأمون فقال: الصلاة قد حضرت، فقال عمران: يا سيدي لا تقطع علي مسألتي فقد رق قلبي، قال الرضا (ع) : نصلي ونعود، فنهض ونهض المأمون: فصلى الرضا (ع)  داخلا، وصلى الناس خارجا خلف محمد ابن جعفر، ثم خرجا، فعاد الرضا (ع)  إلى مجلسه) ([21]).

رابعا: ان يكون الحوار لاظهار الحقيقة ولا ينبغي من ورائه الزام المغلوب الاعتقاد بدين الغالب اذ ان  اثبات الحقيقة شيء، وفرض الالتزام بها على الاخرين شيء اخر اذ لا اكراه في الدين، وهذا الذي  ربما يجهله اغلب المتحاورين، فان الجاثليق حين علم الامام الرضا انه لا يقر خوفا من ان يلزمه بدين الاسلام  آمنه من ذلك وكان هذا حال أغلب الحضور من الاديان الأُخر حين أحجموا عن جوابه (ع)   وقالوا :

(لا يجوز لنا أن نقر لكم بأن محمدا هو محمدكم لأنا إن أقررنا لك بمحمد ووصيه وابنته وابنيه على ما ذكرت أدخلتمونا في الاسلام كرها .

 فقال الرضا (ع) : أنت يا جاثليق آمن في ذمة الله وذمة رسوله أنه لا يبدؤك منا شيء تكره مما تخافه وتحذره. قال: أما إذا قد آمنتني فان هذا النبي الذي اسمه  محمد  وهذا الوصي الذي اسمه علي) ([22]).

خامسا: على المتحاور الانصاف في المسالة  وعدم التعنت وعلى المسؤل  ان يفسح للسائل  في ابداء مسالته  مهما كانت تلك المسألة  ،وقد بين ذلك الامام الرضا (ع)  لعمران الصابئي حين طلب من القوم السؤال فقال (ع) :

(يا قوم إن كان فيكم أحد يخالف الإسلام وأراد أن يسأل فليسأل غير محتشم، فقام إليه عمران الصابئ وكان واحدا في المتكلمين فقال: يا عالم الناس لولا أنك دعوت إلى مسألتك لم أقدم عليك بالمسائل، ولقد دخلت الكوفة والبصرة والشأم والجزيرة ولقيت المتكلمين فلم أقع على أحد يثبت لي واحدا ليس غيره قائما بوحدانيته، أفتأذن لي أن أسألك ؟  قال الرضا (ع) : إن كان في الجماعة عمران الصابئ فأنت هو، فقال: أنا هو، فقال (ع) : سل يا عمران وعليك بالنصفة، وإياك والخطل والجور، قال: والله يا سيدي ما أريد إلا أن تثبت لي شيئا أتعلق به فلا أجوزه، قال (ع) : سل عما بدا لك ) ([23]).

هذه ابرز آداب  حوار الاديان، وربما كان البعض منها عاما لايخص الاديان، الا انها من المقدمات التي  كان الامام الرضا (ع)   قد  تعامل بها مع  من تحاور معهم من اهل الديانات .

ركائز حوار الاديان عند الامام الرضا (ع)  :

كان منهج الإمام الرضا (ع)  يرتكز ويبتنى على القرآن  في الحوار مع اهل الأديان وهو في ذلك  ينطلق من مضمون  آيتين كريمتين محكمتين في القرآن هما :

 الاولى: قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللّهَ وَلاَ نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلاَ يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾([24]).

والثانية: قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾([25]).

ففي الأُولى إثبات التوحيد الذي هو أهم ركيزة في الدين ،ويلزم من اثبات التوحيد تبين صفات الواحد وما يلحق بالتوحيد من جزاء ومعاد وهذا الامر بينه الامام الرضا في حواره عمران الصابئي المتكلم قال (ع) .

(إن كان في الجماعة عمران الصابئ فأنت هو .

 فقال: أنا هو .

 فقال (ع) : سل يا عمران وعليك بالنصفة، وإياك والخطل والجور .

 قال: والله يا سيدي ما أريد إلا أن تثبت لي شيئا أتعلق به فلا أجوزه .

 قال (ع) : سل عما بدا لك، فازدحم عليه الناس و انضم بعضهم إلى بعض، فقال عمران الصابئ: أخبرني عن الكائن الأول وعما خلق .

 قال (ع) : سألت فافهم، أما الواحد فلم يزل واحدا كائنا لا شيء معه بلا حدود ولا أعراض ولا يزال كذلك، ثم خلق خلقا مبتدعا مختلفا بأعراض وحدود، لا في شيء أقامه ولا في شيء حده ولا على شيء حذاه ولا مثله له فجعل من بعد ذلك الخلق صفوة وغير صفوة واختلافا وائتلافا وألوانا وذوقا وطعما لا لحاجة كانت منه إلى ذلك ولا لفضل منزلة لم يبلغها إلا به، ولا رأى لنفسه فيما خلق زيادة ولا نقصانا، تعقل هذا يا عمران ؟

 قال: نعم والله يا سيدي .

 قال (ع) : واعلم يا عمران أنه لو كان خلق ما خلق لحاجة لم يخلق إلا من يستعين به على حاجته ولكان ينبغي أن يخلق أضعاف ما خلق لأن الأعوان كلما كثروا كان صاحبهم أقوى، والحاجة يا عمران لا يسعها لأنه لم يحدث من الخلق شيئا إلا حدثت فيه حاجة أخرى ولذلك أقول: لم يخلق الخلق لحاجة، ولكن نقل بالخلق الحوائج بعضهم إلى بعض وفضل بعضهم على بعض بلا حاجة منه إلى من فضل ولا نقمة منه على من أذل، ، فلهذا خلق.

 قال عمران: يا سيدي هل كان الكائن معلوما في نفسه عند نفسه ؟

 قال الرضا (ع) : إنما تكون المعلمة بالشئ لنفي خلافه وليكون الشيء نفسه بما نفى عنه موجودا، ولم يكن هناك شيء يخالفه فتدعوه الحاجة إلى نفي ذلك الشيء عن نفسه بتحديد علم منها أفهمت يا عمران ؟

قال: نعم والله يا سيدي، فأخبرني بأي  شيء علم ما علم أبضمير أم بغير ذلك ؟

 قال الرضا (ع) : أرأيت إذا علم بضمير هل تجد بدا من أن تجعل لذلك الضمير حدا ينتهي إليه المعرفة ؟ !

قال عمران: لا بد من ذلك .

 قال الرضا (ع) : فما ذلك الضمير ؟

 فانقطع ولم يحر جوابا .

 قال الرضا (ع) : لا بأس، وإن سألتك عن الضمير نفسه تعرفه بضمير آخر؟!

فقال الرضا (ع) : أفسدت عليك قولك ودعواك يا عمران، أليس ينبغي أن تعلم أن الواحد ليس يوصف بضمير، وليس يقال له أكثر من فعل وعمل وصنع وليس يتوهم منه مذاهب وتجزئة كمذاهب المخلوقين وتجزئتهم فاعقل ذلك وابن عليه ما علمت صوابا .

قال عمران: يا سيدي ألا تخبرني عن حدود خلقه كيف هي وما معانيها و على كم نوع يتكون .

 قال (ع) : قد سألت فافهم، إن حدود خلقه على ستة أنواع  ملموس وموزون ومنظور إليه، وما لا وزن له وهو الروح، ومنها منظور إليه و ليس له وزن ولا لمس ولا حس ولا لون ولا ذوق. والتقدير، والأعراض، والصور، والعرض، والطول. ومنها العمل والحركات التي تصنع الأشياء وتعلمها وتغيرها من حال إلى حال وتزيدها وتنقصها، وأما الأعمال والحركات فإنها تنطلق لأنها لا وقت لها أكثر من قدر ما يحتاج إليه، فإذا فرغ من الشيء انطلق بالحركة وبقي الأثر، ويجري مجرى الكلام الذي يذهب ويبقى أثره .

قال له عمران: يا سيدي ألا تخبرني عن الخالق إذا كان واحدا لا شيء غيره ولا شيء معه أليس قد تغير بخلقه الخلق ؟

قال الرضا (ع) : لم يتغير عز وجل بخلق الخلق، ولكن الخلق يتغير بتغييره.

قال عمران: فبأي شيء عرفناه ؟

 قال (ع) : بغيره .

 قال: فأي شيء غيره ؟

 قال الرضا (ع) : مشيته واسمه وصنفه وما أشبه ذلك، وكل ذلك محدث مخلوق مدبر.

قال عمران: يا سيدي فأي شيء هو ؟

 قال (ع) : هو نور، بمعنى أنه  هاد لخلقه من أهل السماء وأهل الأرض، وليس لك علي أكثر من توحيدي إياه

قال عمران: يا سيدي أليس قد كان ساكتا قبل الخلق لا ينطق ثم نطق ؟

 قال الرضا (ع) : لا يكون السكوت إلا عن نطق قبله والمثل في ذلك أنه لا يقال للسراج: هو ساكت لا ينطق، ولا يقال: إن السراح ليضيئ فيما يريد أن يفعل بنا لأن الضوء من السراج ليس بفعل منه ولا كون، وإنما هو ليس شيء غيره، فلما استضاء لنا قلنا: قد أضاء لنا حتى استضأنا به، فبهذا تستبصر أمرك.

قال عمران: يا سيدي فإن الذي كان عندي أن الكائن قد تغير في فعله عن حاله بخلقه الخلق .

 قال الرضا (ع) : أحلت يا عمران في قولك: إن الكائن يتغير في وجه من الوجوه حتى يصيب الذات منه ما يغيره، يا عمران هل تجد النار يغيرها تغير نفسها، أو هل تجد الحرارة تحرق نفسها، أو هل رأيت بصيرا قط رأى بصره ؟

قال عمران: لم أر هذا، ألا تخبرني يا سيدي أهو في الخلق أم الخلق فيه ؟

قال الرضا (ع) : جل يا عمران عن ذلك، ليس هو في الخلق ولا الخلق فيه، تعالى عن ذلك، وسأعلمك ما تعرفه به ولا حول ولا قوة إلا بالله، أخبرني عن المرآة أنت فيها أم هي فيك ؟ ! فإن كان ليس واحد منكما في صاحبه فبأي شيء استدللت بها على نفسك ؟ !

قال عمران: بضوء بيني وبينها.

فقال الرضا (ع) : هل ترى من ذلك الضوء في المرآة أكثر مما تراه في عينك

 قال: نعم .

 قال الرضا (ع) : فأرناه، فلم يحر جوابا، قال الرضا (ع) : فلا أرى النور إلا وقد دلك ودل المرآة على أنفسكما من غير أن يكون في واحد منكما، ولهذا أمثال كثيرة غير هذا لا يجد الجاهل فيها مقالا، ولله المثل الأعلى)([26]) .

لم يؤثر في الاسلام كلاما أدق في بيان صفات الله سبحانه وبيان توحيده والتمثيل لمعرفته مثل هذا الكلام الا ما كان عند آباء الرضا واولاده المعصومين:.

 والثانية  الدعوة الى نبوة  نبينا  محمد 9 اذ هو نبي الاسلام والدعوة الى الاسلام تلزم الاقرار بنبوة محمد 9، وبضمن  هذه الاية يتم اثبات ولاية أولياء الله ومعاداة أعدائهم، وبذلك كمل الدين وتمت النعمة للمتحاورين.

وكانت جل حوارات الامام الرضا مع أهل الاديان مبنية على هذا الاساس لان باثبات هذا الامر ينتهي الحوار فاما ان تبدا مرحلة  التعلم والتعليم لمبادئ الدين، او يفضي الى الجدال، إذ سيكون الدين واحداً، فلا حوار بين الاديان.

كان (ع)  عالما بما في الكتب السماوية السالفة، عارفا بحقيقة الكتب المنسوبة للأنبياء في عصرة  على ما فيها من تزوير وتحريف لذلك كان (ع)  يبين في حواره مع علماء الاديان ممن يعتقد بصحة ما في يده من هذه الكتب  معاني المفردات التي تدل على نبوة نبي الاسلام ولم يستطيعوا حذفها لجهلهم بدلالتها هذه.

(قال (ع)  للجاثليق: هل دل الإنجيل على نبوة محمد 9؟

قال: لو دل الإنجيل على ذلك ما جحدناه.

فقال (ع) : اخبرني عن السكنة([27]) التي لكم في السفر الثالث.

فقال الجاثليق: اسم من أسماء الله تعالى، ولا يجوز لنا أن نظهره.

قال الرضا (ع) : فان قررتك انه اسم محمد 9 وذكره واقر عيسى به وانه بَشَّرَ بني إسرائيل بمحمد 9 لتقر، به ولا تنكره؟

قال الجاثليق: إن فعلت أقررت، فإني لا أرد الإنجيل ولا اجحده.

قال الرضا (ع) : فخذ علي السفر الثالث الذي فيه ذكر محمد وبشارة عيسى بمحمد 9.

قال الجاثليق: هات.

فاقبل الرضا (ع)  يتلو ذلك السفر من الإنجيل حتى بلغ ذكر محمد 9 فقال: يا جاثليق من هذا الموصوف؟

قال الجاثليق: صفه.

قال: لا أصفه إلا بما وصفه الله: وهو صاحب الناقة والعصا والكساء، ﴿النَّبِيَّ الأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِندَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَآئِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالأَغْلاَلَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ﴾([28]) يهدي إلى الطريق الأقصد والمنهاج الأعدل، والصراط الأقوم، سألتك يا جاثليق بحق عيسى روح الله وكلمته هل تجدون هذه الصفة في الإنجيل لهذا النبي؟

فأطرق الجاثليق ملياً وعلم انه إن جحد الإنجيل كفر، فقال: نعم، هذه الصفة في الإنجيل وقد ذكر عيسى في الإنجيل هذا النبي، ولم يصح عند النصارى انه صاحبكم.

فقال الرضا (ع)  أما إذا لم تكفر بجحود الإنجيل وأقررت بما فيه من صفة محمد 9 فخذ علي ما في السفر الثاني فإني أُوجدك ذكره وذكر وصيه وذكر ابنته فاطمة وذكر الحسن والحسين.

فلما سمع الجاثليق ورأس الجالوت([29]) ذلك علما أن الرضا (ع)  عالم بالتوراة والإنجيل فقالا: والله لقد أتى بما لا يمكننا رده ولا دفعه إلا بجحود التوراة والإنجيل والزبور، ولقد بشر به موسى وعيسى جميعاً، ولكن لم يتقرر عندنا بالصحة أنه محمد هذا، فأما اسمه محمد فلا يجوز لنا أن نقر لكم بنبوته، ونحن شاكون انه محمدكم أو غيره.

فقال الرضا (ع) : احتججتم بالشك فهل بعث الله قبله أو بعده من ولد آدم إلى يومنا هذا نبياً اسمه محمد وتجدونه في شيء من الكتب التي أنزلها الله على جميع الأنبياء غير محمد؟

وبعد ان بين الامام الرضا اسم النبي في الانجيل   بعد اخذ الاعتراف من الجاثليق حين قال :هذا النبي الذي اسمه (محمد) وهذا الوصي الذي اسمه (علي) وهذه البنت التي اسمها (فاطمة) وهذان السبطان اللذان اسمهما (الحسن والحسين) في التوراة والإنجيل والزبور .

 قال الرضا (ع) : فهذا الذي ذكرته في التوراة والإنجيل والزبور من اسم هذا النبي، وهذا الوصي، وهذه البنت، وهذين السبطين، صدق وعدل أم كذب وزور ؟

 قال: بل صدق وعدل، وما قال الله إلا بالحق .

انتقل الى التوراة  والزبور ليقم الحجة على المحاور اليهودي بعد فراغه من محاورة النصراني وبما ان العهد القديم يشمل الزبور والتوارة لذلك احتج بهما معا على  راس الجالوت

فقال له: فاستمع الان يا رأس جالوت السفر الفلاني من زبور داود.

قال: هات بارك الله عليك وعلى من ولدك.

ومن ابرز المسائل التي طرحها الامام الرضا في حواره مع اهل الملل  مسالة مفردة (الفارقليط) التي اخذت اهتماما واسعا من علماء اللاهوت المسيحي، قال (ع) :

 (في الإنجيل مكتوب: إن ابن البرة ذاهب والفارقليطا جاء من بعده وهو الذي يخفف الآصار، ويفسر لكم كل شيء، ويشهد لي كما شهدت له، أنا جئتكم بالأمثال، وهو يأتيكم بالتأويل) ([30]).

لقد كان الامام الرضا (ع)  مستندا في حواره على حقائق يقينية ورثها عن آبائه  ولايعتمد الوسائل التي  يعاملها اهل الحوار من مناهج منطقية  اوتحليلية، فقد كان بما اخبره آبائه عالماً ان لاسماء آبائه ذكرا في التوراة والزبور والانجيل([31])  بل في كتب جميع الامم لانهم الحجة البالغة التامة على الجميع ففي خطبة لامير المؤمنين (ع)  قال: اين مسلمو اهل الكتاب: انا اسمي في الانجيل( اليا) , وفي التوراة (بريء ), وفي الزبور( اري) , وعند الهند (كبكبر) , وعند الروم (بطريسا) ,وعند الفرس (جبتر) , وعند الترك (بشير) , وعند الزنج (حبتر) , وعند الكهنة (بويء ), وعند الحبشة (بتريك) , وعند امي (حيدرة ), وعند ضئري (ميمون) , وعند العرب (علي) , وعند الارمن( فريق) , وعند ابي( ظهير)([32]) .

لذلك تلى  الامام  الرضا (ع)  السفر الأول من الزبور حتى انتهى إلى ذكر محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين، فقال: سألتك يا رأس الجالوت بحق الله أهذا في زبور داود ؟ ولك من الأمان والذمة والعهد ما قد أعطيته الجاثليق.

فقال رأس الجالوت: نعم هذا بعينه في الزبور بأسمائهم.

قال الرضا (ع) : فبحق العشر الآيات التي أنزلها الله على موسى بن عمران (ع)  في التوراة، هل تجد صفة محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين في التوراة منسوبين إلى العدل والفضل ؟([33]).

قال: نعم، ومن جحد هذا فهو كافر بربه وأنبيائه .

 قال له الرضا (ع) : فخذ الان علي سفر كذا من التوراة. فأقبل الرضا (ع) ، يتلو التوراة، وأقبل رأس الجالوت يتعجب من تلاوته وبيانه، وفصاحته ولسانه حتى إذا بلغ ذكر محمد

 قال رأس الجالوت: نعم، هذا أحماد وبنت أحماد وإليا وشبر وشبير، وتفسيره بالعربية: محمد وعلي وفاطمة والحسن والحسين .

 فتلى الرضا (ع)  السفر إلى تمامه.

فقال رأس الجالوت - لما فرغ من تلاوته -: والله يا ابن محمد لولا الرئاسة التي قد حصلت لي على جميع اليهود لآمنت ([34]).

التبيان في الاهداف  في الحوار:

قد يكون الحوار لاغراض سياسية محضة تقوم به حكومات ودول متنافسة  لغرض فرض الهيمنة الفكرية والعلمية على المستضعفين بدنيا وفكريا، ان مثل هذا الحوارت  وان كانت  غير مشروعة  ولم يدع اليها الاسلام بل ليست من مبادئه مطلقا ،الا ان الانسان اذا اضطر اليها  وكانت مقدماتها تامه وكان المحاور يجد في نفسه القدرة والاذن في التحاور لاينبغي التأخر والتخلف بل ينبغي المسارعة لاثبات الحق وإعلاء كلمة الدين

 ومن هنا فان المأمون حين دعا اهل الديانات للتحاور مع الامام الرضا (ع)   لم يكن من  شأنه ان يهتم بالدين اتجاه الديانات الأُخر، لأنه كان معتدا بقوته العسكرية والسياسية التي تهيمن على الدولة، الا  انه كان يهدف الى التقليص من هيمنة الامام الرضا (ع)   العلمية في نفوس شيعته خاصة والمسلمين عامة، وهذا الامر بينه الامام (ع)  للنوفلي حين اخبره بخطورة هذا المحاورة قائلا:

(يا نوفلي أتحب أن تعلم متى يندم المأمون، قلت: نعم، قال: إذا سمع احتجاجي على أهل التوراة بتوراتهم وعلى أهل الإنجيل بإنجيلهم وعلى أهل الزبور بزبورهم وعلى الصابئين بعبرانيتهم وعلى الهرابذة بفارسيتهم([35]) وعلى أهل الروم بروميتهم وعلى أصحاب المقالات بلغاتهم، فإذا قطعت كل صنف ودحضت حجته وترك مقالته ورجع إلى قولي علم المأمون أن الموضع الذي هو بسبيله ليس هو بمستحق له، فعند ذلك تكون الندامة منه، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم) ([36])

ومع ذلك لم يرفض (ع)  حضور هذا المجلس لما فيه من منفعة للاسلام، وقد كان (ع)  بمقدوره ان  يرفض([37])، فانه (ع)  رفض ما هو اكبر منه  وهي ولاية العهد واصدار المراسيم  الخاصة بمن هو في هذا المنصب .

ومن مبادئ الحوار الاساسية: الاستدلال على المتحاور من منظومته الفكرية،  فانه اثبت للحجة واقوم بالدليل، وهو الذي يلزم الآخر، اما بالاذعان او المكابرة، وهذا الذي كان الامام الرضا (ع)   يفعله مع من تحاور معهم وذلك حين قدمه المامون للجاثليق :

(فقال: يا جاثليق هذا ابن عمي علي بن موسى بن جعفر وهو من ولد فاطمة بنت نبينا، وابن علي بن أبي طالب : فأحب أن تكلمه وتحاجه وتنصفه .

 فقال الجاثليق، يا أمير المؤمنين كيف أحاج رجلا يحتج علي بكتاب أنا منكره ونبي لا أو من به .

 فقال له الرضا (ع) : يا نصراني فإن احتججت عليك بإنجيلك أتقر به ؟ !

قال الجاثليق: وهل أقدر على دفع ما نطق به الإنجيل ؟

 نعم والله أقر به على رغم أنفي .

فقال له الرضا (ع) : سل عما بدا لك وافهم الجواب .

 قال الجاثليق: ما تقول في نبوة عيسى (ع)  وكتابه هل تنكر منهما شيئا ؟ قال الرضا (ع) : أنا مقر بنبوة عيسى وكتابه وما بشر به أمته وأقر به الحواريون، وكافر بنبوة كل عيسى لم يقر بنبوة محمد 9 و بكتابه ولم يبشر به أمته .

 قال الجاثليق :أليس إنما تقطع الأحكام بشاهدي عدل ؟

 قال: بلى .

 قال: فأقم شاهدين من غير أهل ملتك على نبوة محمد ممن لا تنكره النصرانية وسلنا مثل ذلك من غير أهل ملتنا .

 قال الرضا (ع) : الآن جئت بالنصفة يا نصراني، ألا تقبل مني العدل المقدم عند المسيح عيسى بن مريم .

 قال الجاثليق: ومن هذا العدل ؟ سمه لي .

 قال: ما تقول في يوحنا الديلمي ؟

قال: بخ بخ ذكرت أحب الناس إلى المسيح .

قال: فأقسمت عليك هل نطق الإنجيل أن يوحنا قال: (إن المسيح أخبرني بدين محمد العربي وبشرني به أنه يكون من بعده فبشرت به الحواريين فآمنوا به)؟!

قال الجاثليق: قد ذكر ذلك يوحنا عن المسيح وبشر بنبوة رجل وبأهل بيته ووصيه، ولم يلخص متى يكون ذلك ولم يسم لنا القوم فنعرفهم .

 قال الرضا (ع) : فإن جئناك بمن يقرأ الإنجيل فتلا عليك ذكر محمد وأهل بيته وأمته أتؤمن به ؟ !

قال: سديدا .

قال الرضا (ع)  لقسطاس الرومي: كيف حفظك للسفر الثالث من الإنجيل؟

 قال: ما أحفظني له .

 ثم التفت إلى رأس الجالوت فقال له: ألست تقرأ الإنجيل؟!

قال: بلى لعمري .

قال: فخذ علي السفر الثالث، فإن كان فيه ذكر محمد وأهل بيته وأمته سلام الله عليهم فاشهدوا لي وإن لم يكن فيه ذكره فلا تشهدوا لي، ثم قرأ (ع)  السفر الثالث حتى إذا بلغ ذكر النبي 9 وقف، ثم قال: يا نصراني إني أسألك بحق المسيح وأمه أتعلم أني عالم بالإنجيل ؟ !

قال: نعم، ثم تلا علينا ذكر محمد وأهل بيته وأمته، ثم قال: ما تقول يا نصراني هذا قول عيسى بن مريم ؟ ! فإن كذبت ما ينطق به الإنجيل فقد كذبت عيسى و موسى 8، ومتى أنكرت هذا الذكر وجب عليك القتل لأنك تكون قد كفرت بربك ونبيك وبكتابك .

 قال الجاثليق: لا أنكر ما قد بان لي في الإنجيل وإني لمقر به، قال الرضا (ع) : اشهدوا على إقراره. ثم قال: يا جاثليق سل عما بدا لك) ([38]).

من الملاحظ ان الامام الرضا (ع)  قد اشهد عليه الحضور حتى لايمكنه الفرار من  الحجة التي قامت عليه وهذا من المع اسس الحوار ان يكون  الحاضرين شهودا على المتحاورين ليكونوا عدة للغالب اذا ما كابر المغلوب، فينتقل  نفع الحوار للمستمعين ان لم ينتفع منه المغلوب المكابر.

لقد كشفت لنا تلك المحاورات التي اجراها الامام الرضا (ع)  مع اهل الاديان الاحاطة الكاملة للامام بتاريخ الاديان وما جرى فيها من التحريف والتزوير وقد بينه الامام لعلمائهم في تلك المحاورة لما سأله الجاثليق  قائلاً:

(أخبرني عن حواري عيسى بن مريم كم كان عدتهم ؟ وعن علماء الإنجيل كم كانوا ؟

 قال الرضا (ع) : على الخبير سقطت، أما الحواريون فكانوا اثني عشر رجلا، وكان أفضلهم وأعلمهم ألوقا وأما علماء النصارى فكانوا ثلاثة رجال: يوحنا الأكبر بأج، ويوحنا بقرقيسيا، ويوحنا الديلمي بزجان وعنده كان ذكر النبي 9 وذكر أهل بيته وأمته وهو الذي بشر أمة عيسى وبني إسرائيل به) ([39]).

وقد اقر له علماء النصارى بانه عالم بالانجيل لما ظهر لهم فضله (ع)  وذلك لما قال للجاثليق:

( ألا تخبرني عن الإنجيل الأول حين افتقدتموه عند من وجدتموه ومن وضع لكم هذا الإنجيل ؟

 قال له: ما افتقدنا الإنجيل إلا يوما واحدا حتى وجدنا غضا طريا فأخرجه إلينا يوحنا ومتى .

 فقال الرضا (ع) : ما أقل معرفتك بسر الإنجيل وعلمائه، فإن كان كما تزعم فلم اختلفتم في الإنجيل إنما وقع الاختلاف في هذا الإنجيل الذي في أيديكم اليوم فلو كان على العهد الأول لم تختلفوا فيه، ولكني مفيدك علم ذلك، اعلم أنه لما افتقد الإنجيل الأول اجتمعت النصارى إلى علمائهم فقالوا لهم: قتل عيسى بن مريم (ع)  وافتقدنا الإنجيل وأنتم العلماء فما عندكم ؟ فقال لهم ألوقا ومر قابوس: إن الإنجيل في صدورنا، ونحن نخرجه إليكم سفرا سفرا في كل أحد، فلا تحزنوا عليه ولا تخلوا الكنائس، فإنا سنتلوه عليكم في كل أحد سفرا سفرا حتى نجمعه لكم كله، فقعد ألوقا ومر قابوس ويوحنا ومتى ووضعوا لهم هذا الإنجيل بعد ما افتقدتم الإنجيل الأول، وإنما كان هؤلاء الأربعة تلاميذ التلاميذ الأولين، أعلمت ذلك ؟

 قال الجاثليق: أما هذا فلم أعلمه وقد علمته الآن، وقد بان لي من فضل علمك بالإنجيل وسمعت أشياء مما علمته شهد قلبي أنها حق فاستزدت كثيرا من الفهم) ([40]).

ان معرفة الامام بالكتب السابقة وما جرى عليها من التحريف من شروط الامامة فبعد الحوار مع اصحاب الديانات في البصرة  واحتجاجه عليهم من غير ان يدفعوا حجته  قال لهم :

( يا معشر الناس أليس قد أنصف من يحاج خصمه بملته وكتابه ونبيه وشريعته؟

قالوا بأجمعهم: نعم.

قال الرضا (ع)  فاعلموا انه ليس بإمام بعد محمد إلا من قام بما قام به محمد حين يفضي الأمر إليه، ولا يصلح للإمامة إلا من حاج الأمم بالبراهين للإمامة.

فقال رأس الجالوت: وما هذا الدليل على الإمام؟

قال: ان يكون عالماً بالتوراة والإنجيل والزبور والقران الحكيم، فيحاج أهل التوراة بتوراتهم، وأهل الإنجيل بإنجيلهم، وأهل القران بقرانهم، وان يكون عالماً بجميع اللغات حتى لا يخفى عليه لسان واحد، فيحاج كل قوم بلغتهم )([41]).

وكان الامام على (ع)  يقول:  والله لا يسئلني اهل التورية ولا اهل الانجيل ولا اهل الزبور والا اهل الفرقان الا فرقت بين اهل كل كتاب بحكم مافى كتابهم([42]) .

ان الحديث عن حوار الامام مع اهل الديانات يؤسس لنا منهجا قد نكون امس الحاجة اليه في هذا الزمان الذي اصبح الاختلاط والتبادل الفكري بين الديانات واقعا لا فرار منه، فينبغي على المتحاورين او الداعين الى هذا الحوار ان يراجعوا الاسس والاليات التي وضعها الائمة المعصومين : وما فسروا به ايات القران الكريم التي تتعلق بهذا الامر وان يراعوا نهج الشريعة التي ما تركت صغيراً ولا كبيراً الا وبينته وقد قال الامام علي (ع)  لقاضيه في الاهواز: لا تجادل اهل الكتاب  الا بالتي هي احسن: الكتاب والسنة، فبعد هذا الحديث ماذا يقول دعاة حوار الحضارات، ان مجادلة اهل الكتاب بما جاء في كتابنا وسنة نبينا  لا غير، وينبغي طرح الثوابت الشرعية والعقائدية في سبيل هذا الحوار.

نسال الله بمنه وكريم فضله ان يوفقنا لطاعته ويجنبنا معصيته وصلى الله على محمد واله الطيبين الطاهرين والحمد لله رب العالمين اولا واخرا وظاهرا وباطنا.

----------------------------

*  هوامش البحث  *

([1])الكهف/34

([2])الكهف/5

([3])هود/32 

([4]) الأزهري، تهذيب اللغة، 5/327، ابن منظور، لسان العرب 1/751.

([5]) ابن فارس، معجم مقاييس اللغة، 2/117.

([6]) ابن منظور، لسان العرب، 1/458.

([7]) ابن الأثير،مجد الدين أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري (ت606هـ/1209م)، النهاية في غريب الحديث والأثر، ط1، تحقيق: طاهر احمد الزاوي ومحمود محمد الطنطاوي، بيروت (المكتبة العلمية- 1963)، 1/458.

([8]) الزمخشري، جار الله أبو القاسم محمود بن عمر (ت 538هـ /1143م)، أساس البلاغة، ط2، مصر (دار الكتب- 1972م)، 1/205.

([9]) الألمعي، زاهر عوّاض، مناهج الجدال في القرآن الكريم، الرياض (مطابع الفرزدق ـ د. ت)، ص25.

([10])العنكبوت/46.   

([11])النحل/125.  

([12]) الكاشاني، المحجّة البيضاء:ج 1 ص 107. 

([13]) الطبرسي،  مشكاة الانوار ص 1356.  

([14])  المفيد،  الاختصاص  ص247.

([15])  الصدوق، عيون اخبار الرضا (ع) : ج2 ص 65.

([16])  سورة ،غافر،آية: 4.

([17])  سورة، النور،آية:37.

([18])الشيخ الصدوق ،التوحيد، ص 428 – 434.

([19])الشيخ الصدوق ،التوحيد، ص 428 – 434.

([20])قطب الدين الراوندي  ،الخرائج والجرائح :ج 1  ص 340 – 347.،الحر العاملي،  اثبات الهداة: 1 / 386 ح 104، و ج 3 / 530 ح 561، و ج 6 / 129 ح 138 ،المجلسي، البحار: 49 / 73 ح 1. البحراني،  مدينة المعاجز: 505 ح 124، الطوسي،  ثاقب المناقب: 151 ،البياضي،  الصراط المستقيم: 7 / 195 ح 5 .

([21])الشيخ الصدوق ،عيون أخبار الرضا (ع) : ج 1  ص 147، والتوحيد، ص 428 – 434. الشيخ الطبرسي، الاحتجاج: ج 2  ص 208.

([22])البحراني،  مدينة المعاجز: 505 ح 124، الطوسي،  ثاقب المناقب: 151 ،البياضي،  الصراط المستقيم: 7 / 195 ح 5.

([23])الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا (ع) : ج 1  ص 147.  

([24])  سورة آل عمران، آية:64.

([25])  سورة آل عمران، آية: 19.

([26])الشيخ الصدوق، عيون أخبار الرضا (ع) : ج 1  ص 147.  

([27])في بعض المصادر: السكينة. 

([28])الأعراف/157.

([29])رأس الجالوت: اسم لصاحب الرئاسة الدينية اليهودية.

([30])ذكر صاحب السيرة الحلبية أن الرسول هو  (البارقليط)، و (صاحب المدرعة)، وأنه (راكب الجمل)، وكل ذلك في الإنجيل(السيرة الحلبية، ج 1، ص 248)، و ذكر المسعودي أن (المانوية) تقول (بالفارقليط) الذي وعد به المسيح وهو (ماني) عندهم، وذكر أن ماني نفسه ذكر ذلك في كتابه (الجبلة) وفي كتابه المترجم (بالشابرقان) وفي كتاب سفر الأسفار وغيرها من كتبه، وذكر بعض الأخباريين أن الرسول هو (المنحمنا) في الإنجيل، و (المنحمنا) بالسريانية محمد. وهذه اللفظة وهي: (منحيم، مناحيم) في العبرية وهي من الصفات التي نعت بها العبرانيون المسيح، وهي (consolator) و (comforter) في اللغة الانكليزية، أي: المسلي المعزي: وذكر بعض الأخباريين أن الرسول هو (مشفح)، و (مشفح) كلمة آرامية من أصل (شفحا) وتعني (الحمد)، كما في هذه الجملة: (شفحا لاها) أي: (الحمد لله) (المسعودي، التنبيه والإشراف، ص 117، د. ربحي كمال، المعجم الحديث، عبري - عربي (حرف الميم). السيرة الحلبية، ج 1 ص 248  النصيري، اهل البيت في الكتاب المقدس، ص71).

([31]) وبهذه الاسماء الخمسة احتج (ع)  في محاورته مع اهل الملل في البصرة، حين  أقبل على جاثليق، وكان معروفا بالجدل والعلم والإنجيل فقال: يا جاثليق، هل تعرف لعيسى صحيفة فيها خمسة أسماء يعلقها في عنقه، إذا كان  بالمغرب، فأراد المشرق فتحها، فأقسم على الله باسم واحد من الخمسة أن تنطوي له الأرض، فيصير من المغرب إلى المشرق ومن المشرق إلى المغرب في لحظة ؟ فقال الجاثليق: لا علم لي بها وأما الأسماء الخمسة فقد كانت معه  بلا شك و  يسأل الله بها، أو بواحد منها فيعطيه الله جميع ما يسأله. قال: الله أكبر إذ لم تنكر الأسماء ! فأما الصحيفة فلا يضر أقررت بها أو أنكرت اشهدوا على قوله .

([32]) الصدوق،  علل الشرايع 1/136 ،جاء في تفسرها:. أما قـولـه (ع) : أنا اسمي في الانجيل (اليا) فهو علي بلسان العرب، وفي التـوراة (بريء) قال: بريء من الشرك، و عند الكهنة (بويئء) هو من مكانا وبوأ غيـره مكانا وهـو الذي يبوء الحق منازله، و يبطل الباطل ويفسده، وفي الـزبـور (اري) وهـو السبع الذي يدق العظم ويفرس اللحم وعند الهنـد (كبكـر) قال: يقـرؤون في كتب عنـدهم فيها ذكر رسول الله 9 وذكر فيها أن ناصـره (كبكـر) وهـو الـذي إذا أراد شيئا لج فيه ولم يفارقه حتى يبلغه، وعنـد الـروم (بطـريسا) قال: هـو مختلس الارواح، وعن الفرس (حبتر) وهـو البازي الـذي يصطاد، و عنـد التـرك (بثير) قال: هو النمر الذي إذا وضع مخلبه في شئء هتكه، وعند الزنج (حيتـر) قال: هو الذي يقطع الاوصال، وعند الحبشة (بثريك) قال: هو المدمـر على كل شيء أتى عليه، وعند امي (حيدرة) قال: هو الحازم الـرأي الخبيـر النقاب النظار في دقائق الاشياء ،

([33]) عن  جابر قال: سمعت سالم بن عبدالله بن عمر بن الخطاب يحدث أبا جعفر محمد بن علي (ع)  بمكة قال: سمعت أبي عبدالله بن عمر يقول: سمعت رسول الله 9 يقول: إن الله عزوجل  أوحى إلي ليلة اسري بي: يا محمد من خلفت في الارض على امتك ؟  وهو أعلم بذلك   قلت: يا رب أخي، قال: يا محمد علي بن أبي طالب ؟ قلت: نعم يا رب، قال: يا محمد إني  اطلعت إلى الارض اطلاعة فاخترتك منها، فلا اذكر حتى تذكر معي، أنا المحمود  وأنت محمد، ثم اطلعت إلى الارض اطلاعة اخرى فاخترت منها علي بن أبي طالب فجعلته  وصيك، فأنت سيد الانبياء وعلي سيد الاوصياء، ثم اشتققت له اسما من أسمائي، فأنا  الاعلى وهو علي، يا محمد إني خلقت عليا وفاطمة والحسن والحسين والائمة من نور  واحد، ثم عرضت ولايتهم على الملائكة فمن قبلها كان من المقربين، ومن جحدها كان من  الكافرين، يا محمد لو أن عبدا من عبادي عبدني حتى ينقطع ثم لقيني جاحدا لولايتهم  أدخلته ناري.  ثم قال: يا محمد أتحب أن تراهم ؟ قلت: نعم قال: تقدم أمامك، فتقدمت أمامي  وإذا علي بن أبي طالب والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر بن محمد  وموسى بن جعفر وعلي بن موسى ومحمد بن علي وعلي بن محمد والحسن بن علي والحجة  القائم كأنه كوكب دري في وسطهم، فقلت: يا رب من هؤلاء ؟ فقال: هؤلاء الائمة  وهذا القائم، يحل حلالي ويحرم حرامي وينتقم من أعدائي، يا محمد أحببه فإنى احبه  واحب من يحبه.  قال جابر: فلما انصرف سالم من الكعبة تبعته فقلت: يا أبا عمر انشدك الله هل  أخبرك أحد غير أبيك بهذه الاسماء ؟ قال: اللهم اما الحديث عن رسول الله 9 فلا،  ولكني كنت مع أبي عند كعب الاحبار فسمعته يقول: إن الائمة بعد نبيها على  عدد نقباء بني إسرائيل، واقبل علي بن أبي طالب فقال كعب: هذا المقفي أولهم وأحد  عشر من ولده، وسماه كعب بأسمائهم في التوراة (تقوبيت قيذوا دبيرا مفسورا مسموعا  دوموه مثبو هذار يثمو بطور نوقس قيدموا) .  

وقال أبو عامر هشام الدستواني: لقيت يهوديا بالحيرة يقال له (عثوا ابن اسوا)   وكان حبر اليهود وعالمهم، وسألته عن هذه الاسماء وتلوتها عليه، فقال لي، من أين عرفت هذه  النعوت؟ قلت: هي أسماء، قال: ليست أسماء ولكنها نعوت لاقوام، وأوصاف  بالعبرانية صحيحة، نجدها عندنا في التوراة، ولو سألت عنها غيري لعمي عن معرفتها  أو تعامى، قلت: ولم ذلك؟ قال: أما العمى فللجهل بها، وأما التعامي لئلا تكون  على دينه ظهيرا وبه خبيرا، وإنما أقررت لك بهذه النعوت لاني رجل من ولد هارون  ابن عمران مؤمن بمحمد 9، أسر ذلك عن بطانتي من اليهود الذين لم أظهر لهم  الاسلام، ولن اظهر بعدك لاحد حتى أموت، قلت: ولم ذاك ؟ قال: لاني أجد في  كتب آبائي الماضين من ولد هارون ألا نؤمن بهذا النبي الذي اسمه محمد ظاهرا ونؤمن به  باطنا حتى يظهر المهدي القائم من ولده، فمن أدركه منا فليؤمن به، وبه نعت الاخير  من الاسماء، قلت: وبما نعت ؟ قال: نعت بأنه يظهر على الدين كله، ويخرج إليه المسيح  فيدين به ويكون له صاحبا.  قلت: فانعت لي هذه النعوت لاعلم علمها، قال: نعم فعه  عني وصنه إلا عن أهله  وموضعه إن شاء الله، أما (تقويت)  فهو أول الاوصياء آخر الانبياء، وأما  (قيذوا)  فهو ثاني الاوصياء وأول العترة الاصفياء، وأما (دبيرا)  فهو ثاني العترة وسيد  الشهداء، وأما (مفسورا)  فهو سيد من عبدالله من عباده، وأما (مسموعا)  فهو وارث  علم الاولين والآخرين، وأما (دوموه)  فهو المدرة الناطق عن الله الصادق، وأما (مثبو)   فهو خيرالمسجونين في سجن الظالمين، وأما (هذار) فهو المنخوع بحقه النازح الاوطان  الممنوع، وأما (يثمو)  فهو القصير العمر الطويل الاثر، وأما (بطور)  فهو رابع اسمه  وأما (نوقس) فهو سمي عمه، وأما (قيدموا) فهو المفقود من أبيه وامه الغائب بأمر الله  وعلمه والقائم بحكمه . (مقتضب الاثر 32)    

و عن الحسن بن علي (ع)  قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول  الله 9 وساق الحديث الطويل إلى أن قال : قال اليهودي فأخبرني عن خمسة  أشياء مكتوبات في التوراة  وساقه إلى أن قال : فقال النبي 9: أول ما في التوراة  مكتوب: محمد رسول الله، وهي بالعبرانية طاب، ثم تلا رسول الله  9 هذه الآية:  ﴿يجدونه مكتوبا عندهم في التورية والانجيل﴾ ، ﴿ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه  أحمد﴾ وفي السطر الثاني اسم وصيي علي بن أبي طالب، وفي الثالث والرابع سبطي الحسن و  الحسين، وفي السطر الخامس امهما فاطمة سيدة نساء العالمين، وفي التوراة اسم وصيي  إلياء، واسم السبطين شبر وشبير وهما نورا فاطمة. قال اليهودي: صدقت يا محمد  (الصدوق،  امالي الصدوق 115).

و عن أبي جعفر (ع)  قال: اسم النبي 9 في توراة موسى الحاد  وتأويله يحاد من حاد الله دينه قريبا كان أم بعيدا (المجلسي، بحار الانوار 13/332).

([34]) الشيخ الصدوق ،عيون أخبار الرضا (ع) : ج 1  ص 147.  

([35]) الهربذ :كالزبرج صاحب الرئاسة الدينية المجوسية، قال في أقرب الموارد: الهربذة قومة بيت النار للهند وهم البراهمة، وقيل: عظماء الهند، وقيل: علماؤهم، وقيل: خدم نار المجوس، الواحد (هربذ) فارسية .

([36]) الشيخ الصدوق ،عيون أخبار الرضا (ع) : ج 1  ص 147.  

([37]) لاسيما وان المامون خيره بين قبول الحضور او رفضه :قال الحسن بن محمد النوفلي: فبينا نحن في حديث لنا عند أبي الحسن الرضا (ع)  إذ دخل علينا ياسر الخادم وكان يتولى أمر أبي الحسن (ع)  فقال: يا سيدي إن أمير المؤمنين يقرئك السلام فيقول: فداك أخوك إنه اجتمع إلي أصحاب المقالات وأهل الأديان والمتكلمون من جميع الملل فرأيك في البكور علينا إن أحببت كلامهم وإن كرهت كلامهم فلا تتجشم

([38]) الشيخ الصدوق ،عيون أخبار الرضا (ع) : ج 1  ص 147.   

([39]) م.ن.

([40]) نفس المصدر والصفحة.   

([41])  الخرائج ج49 ص341. الخرائج والجرائح - قطب الدين الراوندي - ج 1 - ص 340 – 347، ولذلك حين يخرج الامام المهدي سوف تكون هذه الحجة اكثر ظهورا

([42])  بصائر الدرجات ص 153

------------------------------------

*  مصادر البحث  *

القران الكريم.

*- الازهري: ابو منصور محمد بن احمد

1-  تهذيب اللغة، تحقيق: احمد بن عبد الحليم، مطبعة الدار المصرية للتأليف، مصر، د.ت. 

*- الألمعي، زاهر عوّاض،

2- مناهج الجدال في القرآن الكريم، الرياض (مطابع الفرزدق ـ د. ت

*-  ابن الأثير، أبو السعادات المبارك بن محمد الجزري (ت606هـ / 1210م ).

3-  النهاية في غريب الحديث والأثر، تحقيق: ظاهر أحمد الزاوي ومحمود محمد الطاجيني، ط4، مطبعة مؤسسة اسماعيليان (قم: 1364 هـ) .

*- البحراني، السيد هاشم بن سليمان البحراني (ت 1107هـ) .

4 - مدينة معاجز الأئمة الاثني عشر : ودلائل الحجج على البشر ، تحقيق: الشيخ عزة الله المولائي، 8 ج، 8 مج، الطبعة الأولى، مؤسسة المعارف الإسلامية - قم المقدسة - 1413 ه‍ .

*ـ الحلبي، علي برهان الدين (ت1044هـ ـــ 1634م).

 5 ـ السيرة الحلبية في سيرة الامين المأمون، دار المعرفة، بيروت، 1979 .

*- الحر العاملي،محمد بن الحسن بن علي (ت1104هـ)0

  6- إثبات الهداة بالنصوص والمعجزات: تعليق وإشراف: أبو طالب تجليل التبريزي، 3 ج، 3 مج - المطبعة العلمية - قم المقدسة .

*- الراوندي، قطب الدين ابو الحسين سعيد بن هبة  الله(573هـ).

7-  الخرائج  والجرائح، تحقيق: مؤسسة الإمام المهدي، ط، المطبعة العلمية    (قم – 1409هـ).

*- الزمخشري، جار الله أبو القاسم محمود بن عمر (ت 538هـ /1143م)،

8-  أساس البلاغة، ط2، مصر (دار الكتب- 1972م)،

*-  الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين بن موسى بن بابويه القمي، (ت318هـ/929م) .

9-  الآمالي، تحقيق: قسم الدراسات الإسلامية مؤسسة البعثة، ط1، مركز       الطباعة والنشر في مؤسسة البعثة، (طهران – 1417هـ) .

 10 - التوحيد: للشيخ الجليل الأقدم الصدوق، تصحيح وتعليق: السيد هاشم الحسيني الطهراني، مؤسسة النشر الاسلامي - قم المشرفة .

11 - علل الشرائع ، تقديم: السيد محمد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الحيدرية - النجف الأشرف - 1385 ه‍ / 1966 م. نشر وتصوير: مكتبة الداوري - قم المقدسة .

12 - عيون أخبار الرضا (ع) ، تصحيح: السيد مهدي الحسيني اللاجوردي، 2 ج، 1 مج، انتشارات جهان - طهران - 1378 ه‍ ).

13 - معاني الأخبار، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، مؤسسة النشر الاسلامي - قم المقدسة - 1361 ه‍ ش .

*- الصفار, الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن بن فروخ (ت 290 هـ).

14- بصائر الدرجات الكبرى في فضائل آل محمد :، تقديم وتعليق: حاج ميرزا محسن كوجه باغي، مؤسسة الأعلمي - طهران - 1404 ه‍ .

*-  الطريحي، الشيخ فخر الدين (ت 1058 هـ / 1745 م ).

25- مجمع البحرين ،تحقيق سيد أحمد الحسيني،ط2،د. مطبعة ،( طهران: 1408 هـ).

*- الطبرسي, أبو منصور أحمد بن علي بن أبي طالب (من علماء القرن السادس).

 16 - الاحتجاج :، تحقيق: الشيخ إبراهيم البهادري + الشيخ محمد هادي، بإشراف سماحة الشيخ جعفر السبحاني، 2 ج، 2 مج، الطبعة الأولى: انتشارات أسوة (التابعة لمنظمة الأوقاف والشؤون الخيرية) - إيران - 1413 ه‍ .

*- الطوسي: عماد الدين أبو جعفر محمد بن علي (ابن حمزة ).

17 - الثاقب في المناقب،  تحقيق: نبيل رضا علوان، الطبعة الثانية - مؤسسة أنصاريان - قم المقدسة - 1412 ه‍ .

*- الطبرسي: العالم الجليل ثقة الإسلام أبو الفضل علي الطبرسي، (ت أوائل القرن السابع الهجري ‍).

18 - مشكاة الأنوار في غرر الأخبار ، منشورات المكتبة الحيدرية في النجف - الطبعة الثانية - 1385 ه‍ .

*- الكشي: أبو عمرو محمد بن عمر بن عبد العزيز .

19-  معرفة أخبار الرجال، تحقيق: علي المحلاتي الحايري، مطبعة المصطفوية، بمبائي، بلات.

*-  الكاشاني، المولى محسن الملقب ب‍ـ( الفيض الكاشاني) (ت 1091 ه‍ ).

20 - الوافي، 24 ج، 24 مج، تحقيق ونشر: مكتبة الامام أمير المؤمنين علي (ع)  - إصفهان - الطبعة الأولى، 1406 ه‍.

*-  المفيد , الشيخ أبو عبد الله محمد بن محمد بن النعمان العكبري البغدادي، الملقب بالشيخ المفيد (ت 413 ه‍ ).

21 - الاختصاص :، تصحيح وتعليق: علي أكبر الغفاري، منشورات: جماعة المدرسين في الحوزة العلمية - قم المقدسة - 1413 ه‍، نشر وتصوير: المؤتمر العالمي لألفية الشيخ المفيد.

*- المجلسي: محمد باقر بن محمد تقي (ت 1111 ﻫ) .

 22-  بحار الأنوار الجامعة لدرر أَخبار الأئمة الأطهار. مؤسسة الوفاء , بيروت , ط2 , 1403 ﻫ -  1983 م .

ـــ المسعودي ابو الحسن علي بن الحسين بن علي (ت346هـ ـــ 957م) .

    23 ــ التنبيه والاشراف، دار ومكتبه الهلال، بيروت، 1981.

*- ابن منظور: ابو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم الإفريقي المصري ت711هـ .

24-  لسان العرب، ط1، دار إحياء التراث، (بيروت: 1405هـ) .