البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

إسم البحث : حديث الغدير بين أدلة المثبتين وأوهام المبطلين

الباحث : السيد هاشم الميلاني

اسم المجلة : العقيدة

العدد : 10

السنة : السنة الثالثة - ذي القعدة 1437هـ / 2016م

تاريخ إضافة البحث : August / 29 / 2016

عدد زيارات البحث : 457

حجم ملف البحث : 678.710 KB

 تحميل

الحلقة الرابعة

(شبهات وردود)

ذكرنا في الحلقة السابقة دلالة حديث الغدير وقسّمنا النص إلى ثلاثة أقسام: صدر الحديث ومتنه وذيله، قلنا: انّ كل فقرة بمفردها تدلّ على الإمامة والولاية، وفي هذه الحلقة نتطرّق إلى بعض الشبهات المثارة حول الدلالة، وإن أجبنا على بعضها في طيات الباحث السابق:

1 ـ دلالة حديث الغدير عند أهل السنّة:

  اتفق أهل السنة على صرف دلالة الحديث عن معناه الحقيقي، والأقدمون منهم اكتفوا بروايته ضمن الفضائل من دون إعطاء أيّ تفسير وتبيين له، حتى أنّ البعض منهم كان يتحاشى ذلك صراحة، فهذا أحمد بن حنبل لما سُئل عن معنى حديث «من كنت مولاه» قال: لا تكلّم في هذا، دع الحديث كما جاء([1]).

وإذا قسّمنا أهل السنة إلى محدّثين (حفّاظ وفقهاء) ومتكلّمين (معتزلة وأشاعرة وماتريديّة) ، لرأينا أنّ أقدم من تكلّم في مدلول الحديث ـ بحسب ما اطلعت عليه ـ هو الشافعي (ت204) حيث قال في معنى الحديث: «يعني بذلك ولاء الإسلام»([2]).

ثم يأتي بعده ابن قتيبة (ت276) ويقول بعد كلام في تأويل مقولة أبي هريرة «قال خليلي وسمعت خليلي» يعني النبي 9، حيث قسّم الخلّة إلى قسمين إحداهما ألطف من الاُخرى وأخصّ، والثانية عامة، وكان مراد أبي هريرة الخلّة العامة لا الخاصة، ثم قال بعد هذا: «والى مثل هذا يُذهب في قول رسول الله 9: «من كنت مولاه فعلي مولاه» يريد أنّ الولاية بين رسول الله 9 وبين المؤمنين ألطف من الولاية التي بين المؤمنين بعضهم مع بعض، فجعلها لعلي ولو لم يرد ذلك ما كان لعلي في هذا القول فضل، ولا كان في القول دليل على شيء، لأنّ المؤمنين بعضهم أولياء بعض، ولأنّ رسول الله 9 وليّ كلّ مسلم، ولا فرق بين وليّ ومولى »([3]) .

وإلى نفس المعنى يذهب الطحاوي (ت321) حيث يقول: «فإن قال قائل: فما معنى من كنت مولاه فعلي مولاه ؟ فقيل له: المولى ها هنا هو الولي، كما قال الله عز وجل:  ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض﴾. وقد بيّن ذلك فيما روّينا، فمن كان لرسول الله 9 ولياً كان لعلي كذلك، وكذلك أصحابه بعضهم أولياء بعض»([4]) .

أما المتكلّمون فأقدم ما عثرت عليه ما نُسب إلى أبي الهذيل (ت226 أو235) حيث ذهب إلى أنّ معناه الموالاة في الدين([5]) ثم جاء بعده الجاحظ (ت255) فذهب إلى أنّ سبب الحديث ما حدث بين علي (ع)  وزيد حيث قال: إنّما ولائي لرسول الله 9 ولست لي بمولى، فلما سمع النبي 9 ذلك قال الحديث المذكور ثم قال الجاحظ:«فإنّما عنى مولى النعمة، وليس في هذا إخبارٌ عن فضل علي في الدين»([6]).

أما الأشعري (ت324) فإنّه لم يصرّح بمدلول الحديث، ولكن ذهب إلى نفي استدلال الشيعة به بحجّة أنّه يحتمل التأويل وله عدّة معاني، قال: «وإنّما يُستخرج ذلك باجتهاد على طريق التأويل المحتمل الذي لا يكون وجه أولى من غيره فيما يحتمله »([7]) .

ثم إنّ الباقلاني (ت403) فصّل في الأمر، وقال: «فأما ما قصد به النبي 9 بقوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» فإنّه يحتمل أمرين، أحدهما: من كنت ناصره على دينه وحامياً منه بظاهري وباطني وسرّي وعلانيتي، فعليّ ناصره على هذا السبيل فتكون فائدة ذلك الإخبار عن أنّ باطن عليّ وظاهره في نصرة الدين والمؤمنين سواء، والقطع على سريرته وعلوّ رتبته، وليس يُعتقد ذلك في كل ناصر للمؤمنين بظاهره، لأنّه قد ينصر الناصر بظاهره طلب النفاق والسمعة وابتغاء الرفد ومتاع الدنيا، فإذا أخبر النبي 9 أنّ نصرة بعض المؤمنين في الدين والمسلمين كنصرته هو 9 قُطع على طهارة سريرته وسلامة باطنه، وهذه فضيلة عظيمة. ويُحتمل أيضاً أن يكون المراد بقوله: «من كنت مولاه فعلي مولاه» أي من كنت محبوباً عنده وولياً له على ظاهري وباطني، فعلي مولاه أي إنّ ولاءه ومحبته من ظاهره وباطنه واجب كما أنّ ولائي ومحبتي على هذا السبيل واجب، فيكون قد أوجب موالاته على ظاهره وباطنه، ولسنا نوالي كلّ من ظهر منه الإيمان على هذه السبيل، بل إنّما نواليهم في الظاهر دون الباطن»([8]).

أما القاضي عبد الجبار (ت415) فذهب إلى نفس التأويل حيث قال: «إنّ في الخبر إبانة عن فضله ما لم يظهره لغيره، وهو القطع على أنّ باطنه كظاهره فيما يوجب الموالاة وأنّه لا يتغيّر على الدوام، وذلك لم يثبت لغيره ولا ثبت بسائر الأخبار» غير أنّه ذهب إلى أنّ هذه المنزلة أعظم وأشرف من الإمامة حيث قال: «وهذه منزلة عظيمة تفوق منزلة الإمامة، ويختصّ هو بها دون غيره »([9]).

إذاً تتلخّص الأقوال في مدلول الحديث في: 1 ـ ولاء الإسلام 2 ـ ولاء النعمة 3 ـ الموالاة في الدين 4 ـ الموالاة ظاهراً وباطناً 5 ـ النصرة والمحبة، وهي متداخلة ومترادفة كما ترى سوى ولاء النعمة الذي ذهب إليه الجاحظ. هذا عند المتقدّمين، أما المتأخّرون فلم نجد اختلافاً كثيراً فيما طرحوه سوى اختلاف الألفاظ، وإلاّ فالمحتوى واحد.

نقول في الجواب:

أولاً: ما ذهب إليه القاضي عبد الجبار (ت415) من أنّ الموالاة في اللغة وإن كانت مشتركة فقد غلب عرف الشرع في استعمالها بمعنى موالاة الدين والنصرة([10])،فقد ردّه السيد المرتضى (ت436) قائلاً: «الوجه الذي ذكره مغالطة، لأنّ لفظة الموالاة غير لفظة مولى، والموالاة وإن كان أصلها في اللّغة المتابعة، فإنّ العرف قد خصّصها بموالاة الدين ومتابعة النصرة فيه، ولفظة مولى خارجة عن هذا الباب، وكلامنا إنّما هو في لفظة مولى لا في الموالاة، والنبي 9 لم يقل: من كان يواليني فليوال علياً، بل قال: من كنت مولاه فعليّ مولاه »([11]).

وأضاف: «إذا قلت أنّ لفظة مولى تفيد الموالاة في الدين التي يحصل بين المؤمنين، فهلاّ أطلقت على الوالد أنّه مولى ولده، والمستأجر أنّه مولى أجيره، إذا كان الجميع مؤمنين وذهبت في اللفظة إلى معنى الموالاة ؟! »([12]).

ثانياً: ادعاء لزوم موالاة علي ظاهراً وباطناً، واختصاصه  (ع)  بهذه الفضيلة التي هي أشرف من الإمامة ـ على حدّ تعبير القاضي عبد الجبار ـ، وأولويّته بالمحبّة والنصرة دائماً، كلّ هذا يقتضي تفضيل علي (ع) على جميع الصحابة، لأنّ النبي 9 خصّه في آخر حياته بما لم يخصّ أحداً من الصحابة، فهو إذاً أفضل من الجميع باعتراف علماء أهل السنة، ولله الحمد والمنّة.

ثالثاً: قال العلاّمة المجلسي (ت1111): «على تقدير أن يراد به المحب والناصر، أيضاً يدلّ على إمامته (ع)  عند ذوي العقول المستقيمة والفطرة القويمة بقرائن الحال، فإنّا لو فرضنا أنّ أحداً من الملوك جمع عند قرب وفاته جميع عسكره، وأخذ بيد رجل هو أقرب أقاربه وأخصّ الخلق به وقال: من كنت محبه وناصره فهذا محبّه وناصره، ثمّ دعا لمن نصره ووالاه، ولعن من خذله ولم يواله، ثم لم يقل هذا لأحد غيره ولم يعيّن لخلافته رجلاً سواه، فهل يفهم أحد من رعيّته ومن حضر ذلك المجلس إلاّ أنّه يريد بذلك استخلافه وتطميع الناس في نصره ومحبته وحث الناس على إطاعته، وقبول أمره ونصرته على عدوّه ؟ وبوجه آخر نقول: ظاهر قوله: «من كنت ناصره فعلي ناصره» يتمشّى منه النصرة لكل أحد كما كان يتأتّى من النبي 9 ولا يكون ذلك إلاّ بالرئاسة العامة، إذ لا يخفى على منصف أنّه لايحسن من أمير قوي الأركان كثير الأعوان أن يقول في شأن بعض آحاد الرعايا: من كنت ناصره فهذا ناصره، فأمّا إذا استخلفه وأمّره على الناس فهذا في غاية الحسن، لأنّه جعله بحيث يمكن أن يكون ناصر من نصره »([13]).

رابعاً: نقول لمن حمل (المولى) على المحبة هل تريد اسم الفاعل أو اسم المفعول، فإذا كان الأول صار الحديث هكذا: «من كنت محبّه فعلي محّبه» وهذا يعني إيجاب وإلزام عليّ (ع) بأن يحبّ جميع من أحبهم الرسول 9 ، وهذا لم يقل به أحد لا من الشيعة ولا من السنة، أما إذا كان المراد اسم المفعول أي المحبوب ـ وهو ما ذهب إليه أهل السنة ـ بمعنى أنّ من كنت محبوبه فعليّ محبوبه ففيه أنّه لم يذكر أحد من أهل اللغة مجيء المولى بمعنى المحبوب، فوقعوا في الفخّ الذي نصبوه لنا.

خامساً: نفس الكلام يأتي في إرادة النصرة، حيث أنّها إما باسم الفاعل أو اسم المفعول، فإذا كانت بمعنى اسم الفاعل أي الناصر، كان الحديث هكذا: «من كنت ناصره فعلي ناصره» ومفاد هذا هو الإمامة بعينها، إذ إنّ الذي يتولّى نصرة المؤمنين مادياً وثقافياً وسياسياً لا يكون إلاّ إماماً وحاكماً، فكما أنّ النبي 9 ناصر للمؤمنين ومتولي عليهم فكذلك علي (ع) . أما إذا كان بمعنى اسم المفعول أي المنصور يكون الحديث هكذا: «من كنت منصوراً من قِبَله فعلي منصور من قِبَله» وفيه أنّ المولى لم يرد بمعنى المنصور في اللغة، وثانياً إنّ الكثير لم ينصروا علياً وتركوه لستة أشهر حبيس داره، مضافاً إلى أنّهم لو جعلوا نصرة عليّ كنصرة النبي 9 ، لزم أن يكون حربه كحربه أيضاً، ومن حارب النبي 9 لاشك في كفره، فكذلك من حارب علياً (ع)  ، فإذا التزم أهل السنة بهذا، فمرحباً بالوفاق.

قال العلامة الأميني ;: على فرض إرادة هذين المعنيين: المحبّ والناصر، لا يخلو إمّا أن يُراد بالكلام حثّ الناس على محبّته ونصرته بما أنّه من المؤمنين به والذابّين عنه، أو أمْرُه (ع) بمحبّتهم ونصرتهم، وعلى كلٍّ فالجملة إمّا إخباريّة أو إنشائيّة.

فالاحتمال الأوّل: وهو الإخبار بوجوب حبِّه على المؤمنين فممّا لا طائل تحته، وليس بأمر مجهول عندهم لم يسبقه التبليغ حتى يؤمر به في تلك الساعة ويناط التواني عنه بعدم تبليغ شيء من الرسالة كما في نصّ الذكر الحكيم، فيحبس له الجماهير، ويعقد له ذلك المنتدى الرهيب، في موقف حرج لا قرار به، ثم يكمّل به الدين، وتتمّ به النعمة، ويرضى الربّ، كأنّه قد أتى بشيء جديد، وشرّع ما لم يكن وما لا يعلمه المسلمون، ثم يهنِّئه من هنّأه بأصبحت مولاي ومولى كلِّ مؤمن ومؤمنة، مؤذناً بحدوث أمر عظيم فيه لم يعلمه القائل قبل ذلك الحين، كيف ؟ وهم يتلون في آناء الليل وأطراف النهار قوله سبحانه: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْض﴾([14]) ، وقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾([15])، مشعراً بلزوم التوادد بينهم كما يكون بين الأخوين، نُجلّ نبيّنا الأعظم عن تبليغ تافه مثله، ونُقدِّس إلهنا الحكيم عن عبث يشبهه.

والثاني: وهو إنشاء وجوب حبّه ونصرته بقوله ذلك، وهو لا يقلُّ عن المحتمل الأوّل، فإنّه لم يكن هناك أمرٌ لم يُنشأ وحكمٌ لم يُشرّع حتى يحتاج إلى بيانه الإنشائي كما عرفت، على أنَّ حقّ المقام على هذين الوجهين أن يقول 9: من كان مولاي فهو مولى عليٍّ أي محبّه وناصره فهذان الاحتمالان خارجان عن مفاد اللفظ.

على أنَّ وجوب المحبّة والمناصرة على هذين الوجهين غير مختصّ بأمير المؤمنين (ع)  وإنَّما هو شرع سواء بين المسلمين أجمع، فما وجه تخصيصه به والاهتمام بأمره ؟ وإن أُريد محبّة أو نصرة مخصوصة له تربو على درجة الرعيّة كوجوب المتابعة، وامتثال الأوامر، والتسليم له، فهو معنى الحجّية والإمامة، لاسيّما بعد مقارنتها بما هو مثلها في النبي 9 بقوله: «من كنت مولاه »، والتفكيك بينهما في سياق واحد إبطال للكلام.

والثالث: وهو إخباره بوجوب حبّهم أو نصرتهم عليه، فكان الواجب ـ عندئذ ـ إخباره 9 عليّاً والتأكيد عليه بذلك، لا إلقاء القول به على السامعين، وكذلك إنشاء الوجوب عليه وهو المحتمل الرابع، فكان 9 في غنىً عن ذلك الاهتمام وإلقاء الخطبة واستسماع الناس والمناشدة في التبليغ، إلاّ أن يريد جلب عواطف الملأ وتشديد حبّهم له (ع)  إذا علموا أنّه محبّهم أو ناصرهم ليتّبعوه، ولا يُخالفوا له أمراً، ولا يردّوا له قولاً.

وبتصديره 9 الكلام بقوله: «من كنت مولاه» نعلم أنّه على هذا التقدير لا يُريد من المحبّة أو النصرة إلاّ ما هو على الحدّ الذي فيه 9 منهما، فإنّ حبّه ونصرته لأُمّته ليس كمثلهما في أفراد المؤمنين، وإنَّما هو 9 يحبّ أُمّته فينصرهم، بما أنّه زعيم دينهم ودنياهم، ومالك أمرهم وكالىء حوزتهم، وحافظ كيانهم، وأولى بهم من أنفسهم، فإنّه لو لم يفعل بهم ذلك لأجفلتهم الذئاب العادية، وانتاشتهم الوحوش الكواسر، ومُدّت إليهم الأيدي في كلِّ صوب وحدب، فمن غارات تُشنّ، وأموال تُباح، ونفوس تُزهَق، وحُرمات تُهتَك، فينتقض غرض المولى من بثّ الدعوة، وبسط أديم الدين، ورفع كلمة الله العليا، بتفرّق هاتيك الجماعة، فمن كان في المحبّة والنصرة على هذا الحدّ فهو خليفة الله في أرضه وخليفة رسوله، والمعنى على هذا الفرض لا يحتمل غير ما قلناه»([16]).

سادساً: الحمل على الموالاة ظاهراً وباطناً لم يرد في اللغة وغير مستعمل فيها، وإن قيل: يُحمل على ذلك لأنّه أثبت الموالاة له كما أثبتها لنفسه، يقال: إنّما وجبت الموالاة للنبي 9 ظاهراً وباطناً من حيث كان نبياً، وإذا كانت النبوة مرتفعة عنه لم تجب الموالاة له باطناً، فإذا أردتم اثبات نفس المعنى لعلي (ع)  فلزم أن يكون إماماً إذ لا نبي بعد رسول الله 9 ، وهذا مفاد حديث المنزلة أي: «أنت منّي بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنّه لا نبي بعدي »، فمرحباً بالوفاق .

2 ـ قرينة ذيل الحديث: «اللهم وال من والاه ...» :

لأهل السنة محاولة اُخرى لصرف حديث الغدير عن مدلوله الحقيقي، وهي حمل (مولى) على ذيل الحديث، ليكون المعنى النصرة والمحبة كما هو الحال في ذيل الحديث.

قال القاضي عبد الجبار (ت415): «يدلّ على أنّ هذا (أي موالاة الظاهر والباطن) هو المراد، قوله 9: «اللهم وال من والاه» ولو لم يكن المراد بما تقدّم ما ذكرناه، لم يكن هذا القول لائقاً به»([17]).

أما الفخر الرازي (ت606) فقد ذهب إلى شيء من التفصيل حيث قال: «إن سلّمنا أنّ تقديم تلك المقدّمة يقتضي أن يكون المراد بالمولى الأولى، ولكن للحديث مؤخّرة وهي قوله  (ع) : «اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه، وانصر من نصره، واخذل من خذله» وهذه المؤخّرة تقتضي أن يكون المراد من المولى الناصر، وإنّما قلنا ذلك لأنّ من ألزم غيره شيئاً بلفظ مشترك بين ذلك الشيء وبين غيره، ثم حثّ على التزام أحد معاني تلك اللفظة، فإنّه يتبادر إلى الأفهام أنّه إنّما حثّ بالكلام المشترك على المعنى الذي صرّح به آخراً، ألا ترى أنّ الإنسان إذا قال لغيره: صلّ عند الشفق، اللهم (..) من يصلي عند الشفق الأحمر يحمل الشفق المأمور به على الشفق الأحمر، وإذا ثبت ذلك فقوله: «اللهم وال من والاه» حثّ منه على التزام ما ذكره من لفظة المولى، فعلمنا أنّه أراد بها الموالاة التي هي ضد العداوة، وأيّ شيء يقولون في هذه المؤخّرة نقوله في تلك المقدّمة »([18]).

وكذلك عبد العزيز الدهلوي (ت1239) حيث قال: «إنّ ذيل الحديث يدلّ صريحاً على أنّ معنى المولى المحبة، وهو قوله: «اللهم وال من والاه ...» ولو كان كما يقولون لقال: «اللهم وال من كان تحت تصرّفه وعاد من لم يكن كذلك» فغرض النبي 9 إيجاب محبته والتحذير عن عداوته ... »([19]).

ومن الطريف ما ذهب إليه حسام الدين السهار نبوري (كان حياً عام 1106) في مرافض الروافض حيث زعم أنّ مقدمة الحديث كما تكون قرينة على إرادة الأولى، فذيله يكون قرينة على إرادة معنى الناصر والمحبوب، فتتعارض القرينتان وتسقط، ويرجع عند التعارض إلى أقوى القرينتين وهي معنى الناصر والمحبوب بدليل أنّ الخطبة تتعلّق في الحثّ على حبّهم([20]) .


نقول في الجواب:

أولاً: قال السيد المرتضى في ردّ القاضي عبد الجبار: «فأمّا استدلاله على ما ادّعاه بقوله 9: «اللهم وال من والاه» فغير واجب أن يكون ما تقدّم لفظة (مولى) محمولاً على معنى الموالاة لأجل أنّ آخر الخبر تضمّنها، لأنّه لو صرّح بما ذهبنا إليه حتى يقول: من كنت أولى به من نفسه فعليّ أولى به من نفسه، أو من كانت طاعتي عليه مفترضة فطاعة عليّ عليه مفترضة «اللهم وال من والاه» لكان كلاماً صحيحاً يليق بعضه ببعض، ولسنا نعلم من أين ظن أنّ المراد بالكلام الأوّل لو كان إيجاب فرض الطاعة لم يلق بما تأخّر عنه، فإنّه من الظن البعيد »([21]).

ثانياً: دلالة هذا الدعاء على مدعانا ـ المولى بمعنى الأولى ـ أولى من دلالته على مدعاكم ـ المولى بمعنى النصرة والمحبة ـ لأنّه لا يقع إلاّ بحق إمام مفترض الطاعة، قال الطبري الإمامي (ق5) (قدس سره): «ثم دعا له ولإخوانه ودعا على أعدائه والخاذلين له ... وهذا دعاء لا يقع إلاّ لإمام مفترض الطاعة »([22]) .

ثالثاً: قال الحمصي الرازي (ق7): قوله: «اللهم وال من والاه» مبالغة في ترتيب القوم في طاعته، وحثّهم عليها والنزول تحت حكمه وأمره ونهيه بالدعاء لهم، وهذا لا يُعدّ مؤخّرة مقابلة لتلك المقدّمة حتى يقال ليس حمل قوله: «فعلي مولاه» على معنى المقدمة أولى من حمله على معنى المؤخّرة، ألا ترى أنّه لو صرّح بأن يقول: من كانت طاعتي عليه مفترضة فطاعة علي مفترضة عليه، ثم قال: «اللهم وال من والاه» لكان كلاماً صحيحاً لائقاً بعضه لبعض، ولا فرق في هذا الغرض وهو المبالغة في حثّهم على طاعته وترغيبهم فيها بين هذا الدعاء وبين أن يدعو لهم بطول العمر وكثرة المال والولد وحصول المقاصد عاجلاً ورفعة الدرجات آجلاً، ولعلّه إنّما دعا لهم بهذا الدعاء مراعاة لتجنيس اللفظ، لأنّ من عادة الفصحاء التجنيس في اللفظ وإن لم يتجانس المعنى، ونظيره ما يُروى عنه (ع) : «إنّي لا اُحبّ العقوق، من شاء أن يعق عن ولده فليفعل »، ولا مجانسة بين معنى العقوق ومعنى يعق عن ولده. هذا على تسليم القول بأنّ معنى الدعاء مخالف لما نقوله في معنى مضمون الخبر، وليس الأمر كذلك، بل المعنيان متوافقان، وبيانه أنّه (ع)  بتقرير فرض طاعته، والنزول تحت حكمه، مرغّب في المعنى في محبته ونصرته حاثّ عليهما، لأنّ من تجب طاعته تجب محبته ونصرته، فالمؤخّرة تقتضي تفخيم شأن أمير المؤمنين (ع)  في لزوم المحبة والنصرة له، واعتراف بأنّ له من المزيّة في المحبة والنصرة ما ليس لغيره، ولاشكّ في أنّ هذه المزيّة ثابتة للإمام، فأيّ مخالفة بين المقدّمة والمؤخّرة حتى يقال حمله على المقدّمة أولى من حمله على المؤخّرة »([23]).

رابعاً: قال السيد دلدار علي (ت1235) في مقام الرد على الفخر الرازي: «أقول: فيه وجوه من الكلام وضروب من الملام، الأوّل: إنّ قوله (ع) : «وال من والاه» لو اقتضى إرادة معنى المحبّة من «من كنت مولاه» اقتضى قوله (ع) : «وانصر من نصره» إرادة معنى النصرة، وحيث ثبت أنّ إرادة المعنيين من المشترك في إطلاق واحد ممتنعة تعارض المعنيان، وإذا تعارضا تساقطا، فبقي إرادة معنى الأولى من المولى بلا معارض. والثاني: إنّ قوله (ع) : «اللهم وال من والاه» خطاب مع الحق بعد الفراغ عن الخطاب للخلق بقوله: «من كنت مولاه ...» فلا يعارض القرينة على إرادة معنى الأولوية التي هي أيضاً خطاب مع الخلق ... »([24]) .

خامساً: قال السيد الشوشتري: «مؤخّر الخبر جملة دعائية مستأنفة ليس ارتباطه بوسط الحديث كارتباط المقدّمة به، فإشعاره بذلك لا يعارض إشعار المقدّمة بخلافه كما لا يخفى»([25]).

سادساً: يرد على المثال الذي ذكره الرازي في مسألة الصلاة عند الشفق ما قيل من أنّه: «إنّما وجب في الصورة التي ذكرتها حمل ما ذكره من الشفق مطلقاً في الأوّل على ما صرّح به وذكره مفسّراً في الثاني من الشفق الأحمر من ..([26]) في قوله: صلّوا عند الشفق ما يمكن حمل لفظ الشفق عليه وصرفه إليه، فلزم بحكم ضرورة الحال أن يحمل ما ذكره أخيراً بياناً لما ذكره أولاً، ويُحمل الشفق الذي ذكره أوّلاً على أنّ المراد به الشفق الأحمر الذي ذكره أخيراً، وهذا لا يشبه الخبر، لأنّ فيه مقدّمة مفسّرة غير محتملة موجبة لحمل ما ذكره (ع)  بعدها من القول المحتمل لمعناها ولغيره على معناها على ما بيّناه، وإنّما الذي يشبهه أن يقول قائل لجماعة: ألستم تعرفون الشفق الذي هو حمرة تظهر في الأفق الغربي بعد غيبوبة الشمس، فإذا قالوا: بلى، قال: فصلّوا عند ظهور الشفق، ثم يقول: اللهم اغفر وارحم من يصلّي عند الشفق الذي هو البياض ليثبت في الكلام المقدّمة والمؤخّرة. ومعلوم أنّه لا يجوز أن يريد بالشفق الذي أرسله وأطلقــه إلاّ الذي قرّرهم على معرفتــه، وأنّه لا يبتدر إلى الخواطر إلاّ ذلك، وإنّه إنّما قال: اللهم ارحم من يصلّي عند الشفق الذي هو البياض تنبيهاً على أنّه إن فاتت فضيلة الصلاة عند الحمرة فينبغي أن يصلّي عند البياض، وأنّ من يؤخّر الصلاة إلى حين ظهور البياض جدير بأن يستغفر ويرحم له.

فإن أعاد السؤال الذي ذكره قبل هذا، وهو أنّه إنّما أوجب حمل الشفق الذي ذكر مطلقاً على معنى الشفق الذي قرّرهم على معرفته من حيث أنّه لو أراد معنى آخر لضاع تقديم تلك المقدّمة من تقريرهم على معرفة ذلك الشفق، وللغى ذلك التقرير ولم يثبت له فائدة، وليس كذلك الخبر، لأنّه وإن عنى (ع) بقوله: «فعليّ مولاه» المعنى الذي ذكره في المؤخّرة من الدعاء، لما ضاع تقديم المقدّمة وثبت في المقدّمة فائدة أعدنا الصورة التي ذكرناها في جواب مثل هذا السؤال من قبل، وألحقنا به مؤخّرة لتكون مطابقة لما نتكلّم فيه ويتمّ بها مقصودنا في الجواب، وتلك الصورة هي أن نقول: إذا قال القائل: ألستم تعرفون صديقي زيداً الذي اشتريت منه عبدي مباركاً ؟ فإذا قالوا: بلى، قال: فاشهدوا أنّي قد وهبت له عبدي، ثم قال: اللهم ارحم صديقي زيداً وأنقذه من النار كما أنقذ عبدي سالماً من الغرق والهلاك، ومعلوم أنّ أحداً لا يحمل قوله (عبدي) المتوسّط بين تلك المقدّمة وهذه المؤخّرة إلاّ على العبد الذي قرّرهم على معرفته في المقدّمة دون الذي ذكره في المؤخّرة، وإن كان لو أراد غير ذلك لثبت لتلك المقدّمة ولذلك التقرير فائدة، وهي تعريف زيد الذي يهب له العبد، ويفهم تلك الجملة من كلامه أنّه إنّما وهب له مباركاً، وإنّما دعا له بسبب إنقاذه عبده سالماً من الغرق »([27]).

3 ـ دلالة لفظ «أولى» :

قالوا في مقام الردّ على الشيعة في استدلالهم مجيء مولى بمعنى أولى، أنّنا لو سلّمنا ذلك ولكن من أين أنّه بمعنى أولى بالتصرّف، بل يكون بمعنى أولى بالاختصاص والقرب أو أمر من الأمور، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ وكما تقول التلامذة: نحن أولى بأستاذنا، ويقول الأتباع: نحن أولى بسلطاننا([28]).

نقول في الجواب:

أولاً: نحن لا نقول أنّ معنى أولى دائماً هو أولى بالتصرّف، بل هذه اللفظة تأخذ معناها من خلال سياق الكلام والقرائن المتصلة والمنفصلة، وهذه القرائن وسياق الكلام دلّ على إرادة الأولى بالتصرّف من حديث الغدير كما مرّ .

ثانياً: إنّ التقييد بقوله 9: «من أنفسهم» قد دلّ على أنّ المراد من الأولى هو الأولى بالتصرّف دون الأولوّية في أمر من الاُمور، وذلك لأنّه لا معنى للأولوية من الناس بنفس الناس إلاّ الأولويّة في التصرف، نعم لو لم يوجد القيد المذكور لتمّ معارضته واستشهاده بقوله تعالى: (إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ)فإنّه لو كان نظم الآية مثلاً: إنّ أولى الناس بإبراهيم من نفسه، لكان المراد الأولى بالتصرف([29]) .

ثالثاً: إنّ الأولى في الآية اُضيفت إلى نفس إبراهيم (ع) ممّا يكون قرينة على عدم إرادة الأولى بالتصرّف، أمّا في حديث الغدير فقد وردت بالقياس إلى الناس، وهذا لا ضير فيه.

رابعاً: ما ذكره ابن ميثم (ت699) في ردّ هذه الشبهة حيث يمكن حمل الأولى فيها على الأولى بالتصرف، قال: «إنّ الذين اتبعوا إبراهيم أولى بالتصرّف في خدمته وأحواله من الكفّار الذين لم يتبعوه، وكذلك الرعية للسلطان والتلامذة للأستاذ، وهذا هو المتبادر إلى الأفهام، والتبادر إلى الذهن دليل الحقيقة »([30]) .

4 ـ حديث التهنئة :

قالوا: إنّ حديث تهنئة عمر لأمير المؤمنين (ع)  يوم الغدير يدلّ على معنى النصرة والمحبة، قال القاضي عبد الجبار (ت415): «وقول عمر: أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة، يدلّ على أنّ هذا (أي النصرة في الدين) هو المراد، لأنّه ما أراد إلاّ هذا الوجه »([31]) .

نقول في الجواب: إنّ المولى هنا جاءت بنفس المعنى التي وردت في الحديث، إذ التهنئة جاءت عقيب الحديث، ولا يُعقل أن يتحدّث النبي 9 عن شيء، ثم تأتي التهنئة لشيء آخر، والخلاصة أنّ من حمل الحديث على معنى الإمامة، جعل التهنئة من الأدلّة على ذلك حيث أنّ غير الإمامة لا يقتضي التهنئة بتلك الألفاظ، أمّا أهل السنة الذين ذهبوا إلى خلاف ذلك، فمن الطبيعي أن يجعلوا التهنئة بما يوافق معتقدهم.

5 ـ الردّ على الخوارج والنواصب :

قالوا: إنّ سبب حديث الغدير هو علم النبي 9 بما سيحدث من تكفير الخوارج لعلي (ع)  ، فقال ذلك ردّاً عليهم، قال الباقلاني (ت403): «يُحتمل أن يكون بلغه 9 قدح قادح فيه، أو ثلب ثالب، أو اُخبر أنّ قوماً من أهل النفاق والشراة سيطعنون عليه ويزعمون أنّه فارق الدين، وحكّم في أمر الله تعالى الآدميين، ويسقطون بذلك ولايته، ويزيلون ولاءه، فقال ذلك فيه لينفي ذلك عنه في وقته وبعده، لأنّ الله تعالى لو علم أنّ علياً سيفارق الدين بالتحكيم أو غيره على ما قُرف به، لم يأمر نبيّه أن يأمر الناس باعتقاد ولايته ومحبته على ظاهره وباطنه، والقطع على طهارته، وهو يعلم أنّه يختم عمله بمفارقة الدين، لأنّ من هذه سبيله في معلوم الله تعالى، فإنّه لم يكن قط وليّاً لله ولا ممّن يستحق الولاية والمحبّة، وفي أمر رسول الله 9بموالاة عليّ على ظاهره وباطنه دليل على سقوط ما قرفه أهل النفاق والضلال »([32]).

نقول في الجواب:

أوّلاً: إنّ مدار هذا الاستدلال على ما فسّروه من عندهم ـ وبغير دليل من أهل اللغة ـ أنّ معنى المولى هو موالاة الظاهر والباطن، وقد ناقشنا هذه الشبهة فيما سبق من أنّ أهل اللغة لم يوردوا هذا المعنى ضمن معاني المولى، ولو صحّ إطلاق المعاني بحسب الأهواء والميول خارج إطار اللغة، ما كان مجال لردّ أحد على أحد، وما تمكّن أهل الحق من الردّ على أهل الباطل من سائر الفرق والديانات .

قال الشيخ الطوسي: «إنّه لا يجوز حمل اللفظة على ما لا يحتمله في اللّغة، ولاعُدّ في أقسام مولى بوجه من الوجوه، ولا عرفه أهل اللغة ; لأنّهم سمّوا كلّ من تولّى نصرة غيره بأنّه مولاه من غير اعتبار الباطن، والمؤمنون يوالي بعضهم بعضاً على هذا الوجه، فما قالوه غير معروف »([33]) .

ثانياً: صدّر المعترض كلامه بلفظة: «يُحتمل» وهذا كاف في الرد عليه، إذ لم يستيقن بدليله وأورده مورد الاحتمالات، وهذا لا يكون حجة في مقام المناظرة أيضاً، إذ بإمكان الخصم إيراد احتمالات كثيرة أُخر تدعم موقفه .

ثالثاً: الأحاديث الدالّة على طهارة علي (ع)  ومحبته لله وللرسول ومحبة الله والرسول إيّاه، وأنّ حبه علامة الإيمان وبغضه علامة النفاق، وأنّ منزلته منزلة الرسول 9 عدا النبوّة، كما هو مثبت في حديث الراية والمباهلة والمنزلة والثقلين وغيرها من المتواترات، قد سبقت حديث الغدير وكانت على رؤوس الأشهاد ولم تخف على أحد .

رابعاً: سبق وأن نبّه رسول الله 9 على خطر الناكثين والقاسطين والمارقين وأنّ علياً (ع) سيقاتلهم([34])،وقوله 9في الخوارج: «يمرقون من الإسلام مروق السهم من الرمية، يقتلون أهل الإسلام، ويدعون إلى الأوثان، لئن أدركتهم لأقتلنّهم قتل عاد»([35]). وفي رواية: «هم شرّ الخلق والخليقة»([36]). فأيّ قيمة تبقى إذاً لآرائهم في المسلمين عموماً وفي عليّ (ع)  خصوصاً حتى يجمع الرسول9 الناس بتلك الحالة والهيئة ليندّد بهم نصرةً لعليّ (ع)  وقد سبق منه ما يكفي لذلك.

خامساً: إنّ ما نذهب إليه من إرادة الإمامة والأولويّة بالتصرّف من حديث الغدير، يحقّق لنا جميع هذه الأغراض، إذ إنّ الإمام لابدّ من أن يكون طاهراً: ظاهراً وباطناً، وتجب موالاته ظاهراً وباطناً، ولا يجوز الخروج عليه وسبه وشتمه وتكفيره، فهذا كلّه داخل تحت معنى الإمامة.

سادساً: «إنّه لو كانت هذه الولاية من جملة الأقسام، لوجب لو أرادها أن يقول: من كان مولاي فهو مولى لعليّ، لأنّه وعلياً 8 هما المتولّيان على الظاهر والباطن دون المخاطبين، فلمّا خرج خطابه 9بعكس ذلك، استحال حمل مولى في الخبر على ولاية الباطن والظاهر لو كان ذلك شائعاً في اللغة، لأنّه يقتضي كون النبي وعليّ صلوات الله عليهما هما المتولّيان للمخاطبين على الظاهر والباطن، وهذا ظاهر الفساد »([37]).

6 ـ حديث الشكوى من عليّ (ع)  :

لعلّ أقدم من تعرّض للقول بأنّ سبب حديث الغدير وشأن نزوله كان ما حدث من الشكوى عن أمير المؤمنين (ع) هو ما نقله أبو الهذيل العلاّف (ت226 أو 235) عن بعض العلماء، قال القاضي عبد الجبار (ت415) نقلاً عنه: «وذكر أنّ بعض العلماء حمله على أنّ قوماً نقموا على عليّ (ع)  بعض اُموره وظهرت معاداتهم وقولهم فيه، فأخبر (ع)  بما يدلّ على منزلته وولايته دافعاً لهم عمّا خاف فيه الفتنة »([38]) .

ثم جاء البيهقي (ت458) وأوضح هذا الاجمال، ونسب ذلك إلى ما حصل باليمن حيث قال: «إنّه لما بعثه إلى اليمن كثرت الشكاة عنه وأظهروا بغضه، فأراد النبي 9 أن يذكر اختصاصه به ومحبته إيّاه، ويحثّهم بذلك على محبته وموالاته وترك معاداته »([39]) .

أمّا ابن كثير (ت774) فأرسل هذا إرسال المسلّمات حيث قال: «فصل: في إيراد الحديث الدالّ على أنّه (ع)  خطب بمكان بين مكة والمدينة مرجعه من حجّة الوداع قريب من الجحفة يقال له غدير خم، فبيّن فيها فضل علي بن أبي طالب، وبراءة عرضه ممّا كان تكلّم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن، بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة التي ظنّها بعضهم جوراً وتضييقاً وبخلاً، والصواب كان معه في ذلك، ولهذا لما تفرّغ (ع) من بيان المناسك ورجع إلى المدينة بيّن ذلك في أثناء الطريق »([40]).

وفي الصواعق للهيتمي (ت973) أنّ المشتكي كان بريدة([41])،ثم أضاف الدهلوي (ت1239) قائلاً: «فلمّا انتشر الكلام عند الناس، ورأى النبي 9 عدم الفائدة في التكلّم مع أشخاص معدودين قام وخطب خطبة عامة ليمتنع جميع الناس »([42]) .

ومن الطريف ما ذهب إليه أبو مريم الأعظمي حيث قال: «فلو ترك 9 هذا الأمر ولم يهتم به لبقيت في نفوس هؤلاء هذه العداوة وهذا البغض لعلي، وخصوصاً بعد وفاته 9 ، إذ أنّ كثيراً منهم كان قد سكت عن ذلك لقرابة علي من النبي 9واستحياء منه وهو لا يزال حياً، أما بعد موته فيمكن أن يضيع حقّه خصوصاً بعد ما رأوه عنه »([43]) .

وأطرف منه ما ذكره الدكتور حافظ موسى عامر حيث قال بعد ذكر شكوى جيش اليمن: «خلاف بشري بين اجتهاد القائد الذي أراد تقديم جميع بضاعة الحملة بين يدي الرسول القائد الأعلى ليتصرّف فيها بما يراه، وبين اجتهاد أعضاء الحملة الذين رغبوا التجمّل ببعض مغانم الحملة المشاركين فيها، فما بال الشيعة يركبون وقائع التاريخ الإسلامي ويتلاعبون بها عوجاً لتدعيم أفكار زعيمهم»([44]).

وقبل الإجابة على هذه الشبهة نورد نصوص الشكوى: 1 ـ الجند 2 ـ بريدة، لأنها أساس الشبهة، ثم نتكلّم عن أصل الشبهة .

قال ابن كثير فيما خصّصه لواقعة الغدير: «قال محمد بن إسحاق في سياق حجة الوداع: حدّثني يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة، قال: لمّا أقبل عليّ من اليمن ليلقى رسول الله 9 بمكة، تعجّل إلى رسول الله 9 واستخلف على جنده الذين معه رجلاً من أصحابه، فعمد ذلك الرجل فكسى كلّ رجل من القوم حلّة من البز الذي كان مع عليّ، فلمّا دنا جيشه خرج ليلقاهم فإذا عليهم الحلل، قال: ويلك ما هذا ؟ قال: كسوت القوم ليتجمّلوا به إذا قدموا في الناس، قال: ويلك انزع قبل أن ينتهي به إلى رسول الله 9 ، قال: فانتزع الحُلل من الناس فردّها في البزّ، قال: وأظهر الجيش شكواه لما صنع بهم.

قال ابن إسحاق: فحدّثني عبد الله بن عبد الرحمن بن معمر بن حزم، عن سليمان بن محمد بن كعب بن عُجرة، عن عمته زينب بنت كعب، وكانت عند أبي سعيد الخدري، عن أبي سعيد قال: اشتكى الناس علياً فقام رسول الله 9 فينا خطيباً، فسمعته يقول: أيها الناس لا تشكوا علياً، فوالله إنّه لأخشن في ذات الله أو في سبيل الله من أن يُشكى.

وقال الإمام أحمد: حدّثنا الفضل بن دكين، ثنا ابن أبي غنية، عن الحكم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، عن بريدة قال: غزوت مع عليّ اليمن فرأيت منه جفوة، فلمّا قدمت على رسول الله 9ذكرت علياً فتنقّصته، فرأيت وجه رسول الله يتغيّر، فقال: يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ قلت: بلى يا رسول الله، قال: من كنت مولاه فعلي مولاه »([45]) .

وفي مسند أحمد عن ابن بريدة عن أبيه قال: «بعثنا رسول الله 9 في سرية، قال: لما قدمنا قال: كيف رأيتم صحابة صاحبكم ؟ قال: فإمّا شكوته أو شكاه غيري قال: فرفعت رأسي وكنت رجلاً مكباباً قال: فإذا النبي 9 قد احمرّ وجهه قال وهو يقول: من كنت وليه فعليّ وليه([46]) .

وفي رواية اُخرى عن عبد الله بن بريدة عن أبيه يسرد قصة الوصيفة التي أصابها علي (ع)  ثم ذهابه إلى النبي 9مشتكياً فقال له النبي 9: أتبغض علياً ؟ قال: قلت: نعم، قال: فلا تبغضه، وإن كنت تُحبّه فازدد له حباً، فوالذي نفس محمد بيده لنصيب آل علي في الخمس أفضل من وصيفة([47]).

وفي رواية اُخرى تدلّ على نفس الواقعة بشكل تفصيلي أكثر وفيها: لا تقع في عليّ فإنّه منّي وأنا منه وهو وليكم بعدي([48]) .

هذا أساس الواقعتين، وجميع الروايات الواردة تدور نفس المدار، مع بعض الاختلاف من حيث التفصيل والإجمال، وإذا عرفت هذا فنقول في الجواب:

أولاً: ما رواه ابن كثير عن ابن إسحاق عن يزيد بن طلحة بن يزيد بن ركانة في إقبال عليّ (ع)  من اليمن وإسراعه إلى النبي 9 ثم إنزاع الحلل وشكوى الجيش، مرسل إذ إنّ يزيد بن طلحة توفي عام 105 في بداية ولاية هشام بن عبدالملك([49])،فمن أين علم كلّ هذه التفاصيل وأنّ الجيش شكوا ذلك و ... مع الفجوة الزمنيّة الكبيرة الموجودة ؟! وعلى فرض الصحّة فالرواية ساكتة عن ردّة فعل النبي 9 أمامهم، فلماذا التقوّل على النبي 9 ، وخلط الأوراق، واحتساب هذا على ذاك ؟! وهو القائل: «من يقل عليّ ما لم أقل فليتبوأ مقعده من النار »([50]).

مضافاً إلى أنّ الرواية عند الحافظ البيهقي تدلّ على أنّ الجيش قدّم شكواه إلى النبي 9 في المدينة بعد رجوعه من حجة الوداع([51]) ـ إذ إنّهم لم يدركوا حجة الوداع ولم يأتوا إلى مكة ـ وعليه انهار بنيانهم من الأساس، إذ لا ربط لشكوى الجيش بواقعة الغدير.

ثانياً: الرواية الثانية المروية عن ابن إسحاق عــن أبي سعيد الخُــــدري، لا علاقة لها بواقعة الغدير لا من قريب ولا من بعيد، بل تدلّ على قضية في واقعة انتهت بوصية النبي 9الناس بعدم الشكاية من علي (ع)  ، فإيرادها ضمن روايات الغدير لا معنى له سوى محاولة حشد الروايات لخلط الأوراق وتقليب الاُمور، ولو سلّمنا وتنزلنا وقلنا أنّ هذا كان في واقعة الغدير، فهو لنا لا علينا، إذ إنّ النبي 9 أجاب المشتكين بقوله ذلك، فلا علاقة لهذه الشكوى بحديث الغدير، بل كانت هناك شكوى من بعض الصحابة عن علي (ع) أدّوها أمام الرسول 9 وأجابهم بما فيه الكفاية، ثم بعد هذا كانت واقعة الغدير لتنصيب الأمير للإمامة والخلافة.

ثالثاً: الرواية الثالثة التي رواها ابن كثير عن أحمد وفيها قضية بريدة وأنّه تنقّص علياً أمام رسول الله 9 ثم ما ذكره الرسول 9 بنفس ألفاظ حديث الغدير، فهو إن صحّ تأييد لنا لا علينا، إذ إنّ رسول الله 9 بلّغ إمامة أمير المؤمنين (ع) لبريدة ـ لاقتضاء المقام ـ قبل أن يبلّغها لجميع الناس، وبيّن له أنّ علياً أولى بالتصرّف في الصدقات ـ إذ كانت الواقعة لأجل اصطفاء علي جارية لنفسه ـ لأنّه الإمام بعده والخليفة له والقائم مقامه، وذلك أنّ بريدة رأى من جهة أنّ علياً اصطفى لنفسه الجارية وتصرّف في الخمس قبل استئذان رسول الله 9 ، ومن جهة ثانية رأى أنّه انتزع الحلي من الجيش واعترض عليهم بتصرّفهم في الغنائم قبل استئذان الرسول 9 ، فأدى هذا إلى تساؤل في نفسه، كان جوابه أنّ علياً أولى بالتصرف وحاله حال الرسول في ذلك بقوله لبريدة: «يا بريدة ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ». هذا على تسليم اتحاد الواقعتين وصحّة الروايتين، ولنا كلام يأتيك في النقطة التالية.

رابعاً: نعتقد أنّ علياً (ع)  ذهب إلى اليمن لعدّة مرّات، وهذا ما نستفيده من سياق الروايات، فمثلاً تدلّ إحدى روايات ابن إسحاق المروية عن عمر بن شاس الأسلمي أنّه كان مع عليّ في اليمن حيث قال: «كنت مع عليّ في خيله التي بعثه فيها رسول الله 9 إلى اليمن، فجفاني علي بعض الجفاء، فوجدت عليه في نفسي، فلما قدمت المدينة اشتكيته في مجالس المدينة وعند من لقيتُه ... »([52]).

فهذه الواقعة غير واقعة بريدة حين ذهب مع خالد بن الوليد إلى اليمن، وغير الواقعة الاُخرى التي ذكرها ابن إسحاق أيضاً من شكوى الجيش لما رجعوا من اليمن ووافوا رسول الله 9 في مكة في حجة الوداع، ولذا قال ابن هشام (ت218) في السيرة: «وغزوة عليّ بن أبي طالب رضوان الله عليه اليمن، غزاها مرتين »([53]).

والذي اُريد أن أصل إليه من خلال هذه الروايات المتضاربة، هو أنّ شكوى بريدة من علي (ع) لما كان مع خالد بن الوليد في اليمن لما أصاب عليّ الجارية، كانت قبل واقعة الغدير، وهي حادثة مستقلّة، ولمّا رأى بريده ردّة فعل النبي 9 أمسك عن النكير وأصبح علي (ع)  عنده من أحبّ الناس إليه، حيث قال: «فما كان أحد من الناس أحبّ إليّ من عليّ»([54]).

ثم بعد هذا حضر بريدة حجة الوداع مع رسول الله 9 ، وشهد غدير خم وروى حديث الغدير حاله حال سائر من روى الحديث، وصادف هذا ; شكوى الجيش الذي كان مع عليّ (ع) في اليمن في بعثة اُخرى بعثه رسول الله 9 ، وسمعوا أيضاً الجواب، ورأوا موقف النبي 9 من عليّ، وليس فيه ذكر لحديث الغدير ولا ألفاظه، فهنا حصل خلط متعمّد لأغراض سياسية طائفية بين حديث شكوى بريدة الذي كان قبل حجة الوداع ـ كما في الإرشاد للمفيد: فسار بريدة حتى انتهى إلى باب رسول الله 9 ، ([55]) يعني بالمدينة ـ وبين روايته لحديث الغدير الذي حضره وشهده، وعليه لا يدلّ هذا على ما ذهبوا إليه من أنّ سبب حديث الغدير هو شكوى بريدة من علي (ع)  أو شكوى الجيش، ويبقى الحديث دالاًّ على الإمامة.

خامساً: إنّ القاضي عبد الجبار (ت415) الذي نقل هذه الشبهة عن أسلافه، ما ارتضاها هو دليلاً على ردّ ما تدّعيه الشيعة، فلذا قال بعدما سرد مجموعة أسباب لصدور حديث الغدير: «والمعتمد في معنى الخبر على ما قدّمناه، لأنّ كل ذلك لو صحّ وكان الخبر خارجاً عليه، لم يمنع من التعلّق بظاهره وما يقتضيه، فيجب أن يكون الكلام في ذلك دون بيان السبب الذي وجوده كعدمه في أنّ وجه الاستدلال بالخبر لا يتغير »([56]). فهو بقوله: (لو صحّ) يغمز في صحة هذه الأخبار أولاً، وثانياً يرى أنّ ذكر الأسباب لا يغيّر من الاستدلال بالخبر على المدعى.

سادساً: إنّ رواية شكوى الجيش وشكوى بريدة، ـ لو سلّمنا تزامنهما مع واقعة الغدير ـ تدلاّن على أنّ النبي 9عالج الموقف فوراً أمام المشتكين حيث نهى بريدة عن بغض عليّ (ع)  وأمره بالالتزام به، وكذلك نهى الجيش عن الشكوى، وبهذا تمّت الشكوى وعلم المشتكي أنّه على خطأ وأنّ علياً (ع) على الحقّ، ثم بعد هذا حدثت واقعة الغدير، ولا علاقة ولا ترابط بين هذه الأحداث.

سابعاً: إنَّ ما ذهب إليه الدهلوي من قوله: «فلمّا انتشر الكلام عند الناس، ورأى النبي 9 عدم الفائدة في التكلّم مع أشخاص معدودين، قام وخطب ...» تخرّص محض ولا دليل على إثباته، ولا نعلم من أين استنبط هذا التحليل، فالروايات الدالّة على الشكوى ساكتة عنه، فبريدة لمّا سمع ما قاله رسول الله 9 ارتدع وكفّ وندم وتاب، أمّا الجيش فكذلك لم يعترض على كلام رسول الله 9 في الدفاع عن عليّ (ع)  ، والروايات لم تتعرّض لأكثر من هذا، ولا ندري على أيّ شيء استند الدهلوي في زعمه أنّ الكلام انتشر بين الناس وهم عشرات الآلاف، وأنّه رأى عدم الفائدة في التكلّم مع أصحاب الشكوى و ... وكأنّ هناك حادثة عظمى أصابت المسلمين وسبّبت قلقاً كبيراً فيهم، لا ; الأمر لم يكن بهذه المثابة، إن هو إلاّ قضية بسيطة عُولجت في موردها وانتهت.

ثامناً: إنّ ابن كثير قد أخطأ أيضاً حيث جيّر واقعة الغدير العظمى في حساب الشكوى لما قال: «فبيّن فيها (أي في الخطبة) فضل علي بن أبي طالب وبراءة عرضه ممّا كان تكلّم فيه بعض من كان معه بأرض اليمن بسبب ما كان صدر منه إليهم من المعدلة ... ولهذا لما تفرّغ (ع)  من بيان المناسك ورجع إلى المدينة بيّن ذلك في أثناء الطريق» فهو كما قلنا تحميل للنصوص بما لا تتحمّله بل وتأباه، وإلاّ فحديث الشكوى اُجيب عنه في وقته ولم تتحدّث النصوص عن وجود فجوة زمنيّة بين الشكوى وبين الإجابة النبويّة، فمن أين جاء بها ابن كثير ؟!

وأخيراً نقول كما قال الدكتور حافظ موسى «إنّ ذلك كان خلافاً بشرياً بين اجتهاد القائد واجتهاد أعضاء الحملة» وانتهت القضيّة بتدخّل النبي 9 لصالح عليّ (ع)  وتصويب اجتهاده، ولا علاقة له بواقعة الغدير، فلماذا يا أهل السنة هذا التلاعب بالروايات وتركيب بعضها مع بعض لإثبات ما لا يثبت ؟!

7 ـ شكوى زيد أو اُسامة :

وهناك محاولة اُخرى من أهل السنة لصرف مدلول حديث الغدير عن معناه الحقيقي، وذلك ما ذهبوا إليه من أنّ سبب الحديث كان ما حصل بين زيد بن حارثة وبين عليّ (ع)  ، حيث قال علي (ع)  لزيد: «أنت مولاي، فقال زيد: لست مولى لك وإنّما أنا مولى رسول الله 9 ، فلما بلغ ذلك النبي 9قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه »([57]).

ثم لمّا رأوا ركاكة هذا السبب ووضوح بطلانه، قالوا: إنّ السبب هو ما حصل بين اُسامة بن زيد وبين عليّ (ع)  ، وذكروا نفس الحدث([58]) .

نقول في الجواب :

أولاً: قال الشيخ الصدوق (ت381): «فإن اعترض بما يدّعونه من خبر زيد بن حارثة وغيره من الأخبار التي يختصّون بها، لم يكن ذلك لهم ; لأنّهم رامو أن يخصّوا معنى خبر ورد بإجماع بخبر رووه دوننا، وهذا ظلم لأنّ لنا أخباراً كثيرة تؤكّد معنى «من كنت مولاه فعلي مولاه» وتدلّ على أنّه إنّما استخلفه بذلك وفرض طاعته، هكذا نروي نصّاً في هذا الخبر عن النبي 9 وعن علي (ع)  فيكون خبرنا المخصوص بإزاء خبرهم المخصوص، ويبقى الخبر على عمومه نحتجّ به نحن وهم بما توجبه اللّغة والاستعمال فيها وتقسيم الكلام وردّه إلى الصحيح منه، ولا يكون لخصومنا من الخبر المجمع عليه ولا من دلالته ما لنا »([59]).

وأضاف السيد المرتضى (ت436) وجهاً آخر حيث قال: «إنّ أسباب الأخبار يجب الرجوع فيها إلى النقل كالرجوع في نفس الأخبار، ولا يُحسن أن يُقتصر فيها على الدعاوى والظنون، وليس يمكن أحد من الخصوم أن يُسند ما يدّعيه من السبب إلى رواية معروفة ونقل مشهور، ولو أمكنهم على أصعب الاُمور أن يذكروا رواية في السبب، لم يمكن الإشارة فيه إلى ما يوجب العلم وتتلقاه الاُمّة بالقبول على الحدّ الذي ذكرناه في خبر الغدير، وليس لنا أن نحمل تأويل الخبر الذي هو صفة; على سبب أحسن أحواله أن يكون ناقله واحداً، لا يوجب خبره علماً ولا يثلج صدراً »([60]) .

ثانياً: قال الصدوق أيضاً: «بإزاء ما يروونه من خبر زيد بن حارثة أخبار قد جاءت على ألسنتهم شهدت بأنّ زيداً اُصيب في غزوة مؤتة مع جعفر بن أبي طالب (ع)  ، وذلك قبل يوم غدير خم بمدّة طويلة »([61]).

ثالثاً: «إنّ زيداً أو اُسامة ابنه، لم يكن بالذي يخفى عليه أنّ ولاء العتق يرجع إلى بني العم فينكره، وليس منزلته منزلة من يُستحسن أن يكابر فيما يجري هذا المجرى، ولو خفي عليه لما احتمل شكّه فيه ; ذلك الإنكار البليغ من النبي 9 الذي جمع له الناس في وقت ضيّق، وقدّم فيه من التقرير والتأكيد ما قدّم »([62]) .

رابعاً: «إنّ ما يدّعونه في السبب لو كان حقّاً لما حسن من أمير المؤمنين (ع)  أن يحتجّ به في الشورى على القوم في جملة من فضائله ومناقبه، وما خصّه الله تعالى به، لأنّ الأمر لو كان على ما ذكروه لم يكن في الخبر شاهد على فضل، ولا دلالة على تقدّم، ولوجب أن يقول له القوم في جواب احتجاجه: وأيّ فضيلة لك بهذا الخبر علينا، وإنّما كان سببه كيت وكيت ممّا تعلمه ونعلمه، وفي احتجاجه (ع)  به وإضرابهم عن ردّ الاحتجاج، دلالة على بطلان ما يدّعونه من السبب »([63]) .

خامساً: «إنّ الأمر لو كان على ما ادّعوه في السبب لم يكن لقول عمر بن الخطاب في تلك الحال على ما تظاهرت به الروايات الصحيحة: «أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة» معنى، لأنّ عمر لم يكن مولى الرسول 9 من جهة ولاء العتق ولا جماعة المؤمنين »([64]) .

8 ـ رواية الحسن بن الحسن :

ممّا تمسّكوا به لردّ تمسّك الشيعة بحديث الغدير لإثبات الإمامة، ما رووه عن الحسن بن الحسن بن الحسن بن علي (ع)  ، حيث أنّه لما سُئل عن حديث الغدير ودلالته على الإمامة أنكر ذلك وقال: لو يعني بذلك الإمارة والسلطان لأفصح لهم بذلك، فإنّ رسول الله 9 كان أنصح للمسلمين ... والله لئن كان الله ورسوله اختار علياً لهذا الأمر وجعله القائم به للمسلمين من بعده، ثم ترك عليّ أمر الله ورسوله، لكان عليّ أوّل من ترك أمر الله وأمر رسوله([65]) .

نقول في الجواب :

أولاً: إنّ هذه الرواية رواها ابن سعد (ت230) في الطبقات 5 :320، وابن عاصم الثقفي (ت262) في جزئه: 126 رقم 42، وابن عساكر (ت571) في تاريخ دمشق 13 :69، 71، 87، وعنهم رُويت في باقي المصادر المتأخّرة، والملاحظ أنّ مدارها على الفضيل بن مرزوق (ت158) وعندما نرجع إلى كتب الجرح والتعديل نرى أنّ هناك من وثّقه وهناك من ضعّفه، وهناك من يقول: «يكتب حديثه ولا يُحتج به »([66]).

والملفت للنظر أنّه رُمي بالتشيّع، فعن ابن معين قال: «صالح الحديث إلاّ أنّه شديد في التشيّع »([67]). فهكذا شخص لا يروي ما ينقض تشيّعه المبتني على إمامة أمير المؤمنين (ع) بنص الغدير، والعجب من أهل السنة وتمسّكهم بهذه الرواية التي رواها شيعي، وهم ردّوا كثيراً من روايات الفضائل بحجة أنّ راويها من الشيعة !!

ثانياً: لو سلّمنا صحّة الرواية، فهي ليست بحجة علينا، إذ إنّ الحسن المثّلث حاله حال غيره من بني البشر يُخطئ ويُصيب، وما كان يدعي لنفسه العصمة، ومن أخطائه وهفواته ما ذهب إليه في هذه الرواية المروية عنه، سيما لو لاحظنا ظرف صدور الرواية، حيث صدرت في احتدام سياسي وتنافس قوي على السلطة بين بني الحسن وبني العباس، حتى أنّ محمد بن عبد الله بن الحسن (ابن أخي الحسن بن الحسن المثّلث) مهدي بني الحسن أراد أن يجبر الإمام الصادق (ع)  على البيعة لنفسه، فمن جملة ما قال له: بايع تأمن على نفسك ومالك وولدك ولا تكلّفنّ حرباً ... ثم لمّا لم يبايع الإمام أخذوه إلى الحبس وصودرت أمواله وأموال من لم يبايع([68]). إذاً اعترافهم بمدلول حديث الغدير، ودلالته على إمامة أمير المؤمنين (ع)  ، يعني القبول بتسلسل الإمامة من علي (ع)  إلى الإمام الحسن ثم الحسين ثم أولاده :، ويعني هذا إمامة الإمام الصادق (ع) وبطلان إمامة بني الحسن جملة وتفصيلاً، وهذا ما لم يكن ليروقهم.

ويؤيّده ما روي عن الإمام الصادق (ع)  في حق عبد الله بن الحسن شقيق الحسن المثلّث ووالد محمد الملقّب بالمهدي، حيث قال (ع) : «العجب لعبد الله بن الحسن يقول: ليس فينا إمام صدق، ما هو بإمام ولا كان أبوه إماماً، ويزعم أنّ علي بن أبي طالب لم يكن إماماً ويردّد ذلك» .([69]) وفي لفظ آخر: «وكذب »([70]) .

مضافاً إلى ورود روايات كثيرة تطعن فيهم، وإن حاول السيد ابن طاوس تبريرها والدفاع عنهم، ولكن مع هذا تبقى روايات القدح أقوى، قال الشيخ الشوشتري: «بل أخبار القدح مستفيضة، وأخبار المدح شاذّة ومن طرق الزيدية، وقرّر القادحة القدماء، فرواها محمد بن الحسن الصفار ومحمد بن يعقوب الكليني ونظرائهما من الأئمة ساكتين عن تأويلها، والتاريخ أيضاً يعضدها .

وقد روي عنه (أي عبد الله بن الحسن المحض) اُمور منكرة فوق عدم استبصاره، ففي خبر أنّه قال للصادق (ع) : إنّ الحسين كان ينبغي له إذا عدل أن يجعلها في الأسن من ولد الحسن. وروى الطبري في ذيله بإسناده عن سليمان بن قرم قال: قلت لعبد الله بن الحسن: أفي قبلتنا كفّار ؟ قال: نعم، الرافضة »([71]).

فتلخّص ممّا مضى أنّ هذا الرأي مردود عندنا، ولا يمكن التمسّك به لنفي دلالة حديث الغدير على الإمامة، ولو ثبت النصّ عن الحسن المثلث فلا عبرة برأيه وشذوذه أمام إجماع العترة وشيعتهم على خلافه.

ثالثاً: هذه الرواية رُويت من قبل بعض أهل السنة، ولا يمكن الاحتجاج بها علينا، وإلاّ لأمكننا الاحتجاج عليهم بما ورد عندنا([72]) .

رابعاً: لقد طعنوا في حديث الغدير المتواتر لعدم وروده عند البخاري ومسلم والواقدي وابن إسحاق ـ كما مرّ ـ، فكيف هنا تمسّكوا بهذه الرواية الشاذّة التي لم ترد لا في الصحاح ولا في السنن ولا المسانيد المعتمدة عندهم ؟!

9 ـ مقولة العباس بن عبد المطلب :

قال القاضي عبد الجبار (ت415): «إنّ الصحابة سألوا علياً في مرض رسول الله 9 فقالوا: كيف أصبح رسول الله يا أبا الحسن ؟ فقال: أصبح رسول الله بحمد الله بارئاً، فقال له العباس: أحلف بالله لقد عرفت الموت في وجه رسول الله 9 كما أعرفه في وجوه بني عبد مناف، وأنّي لأرى رسول الله 9سيتوفى في وجهه هذا، فانطلق بنا إلى رسول الله نسائله فإن كان هذا الأمر فينا علمنا، وإن كان في غيرنا أمرناه فوصّى الناس بنا، فقال له علي: ما كنت لأسألها رسول الله، فإنّا إن سألناه فقال ليست فيكم منعناها الناس وقالوا: رسول الله قال ليست فيكم، والله لا سألتها أبداً.

فانظر كم في هذا من بيان على صحّة ما قلنا، فهذا العباس وهذا علي وهؤلاء الصحابة، فلو كان النبي 9 قد نصّ لما جاز أن يذهب علمه عنهم ... فكيف لم يقل عليّ للعباس: يا عم أما تعلم أنّ رسول الله 9 قد نصّ علي وجعلني حجة على العالم.

ثم قال لتقوية سند هذه الرواية: إنّ هذا كالذي جرى في السقيفة والشورى لا يرتاب بذلك أهل العلم، والعجب أنّكم تقولون أنّ النبي 9 قال: «من كنت مولاه فعلي مولاه» وتنكرون مثل هذا وهو أصحّ والعلم به أقوى ... »([73]) .

وفي نص آخر قال العباس لعلي (ع)  بعد وفاة النبي 9: اخرج حتى اُبايعك على أعين الناس فلا يختلف فيك اثنان، فأبى وقال: أو منهم من ينكر حقنا ويستبد علينا ؟([74])

فجعلوا هذا أيضاً دليلاً على عدم النص.

ونكتفي هنا في الإجابة على هذه الشبهة بما قاله الشيخ المفيد (ت413) فيما نقله عنه السيد المرتضى (ت436) ، حيث قال الشيخ ;: «وما رأيت أوهن ولا أضعف من تعلّق المعتزلة ومتكلّمي المجبّرة بقول العباس بن عبد المطلب ; لأمير المؤمنين (ع)  بعد وفاة رسول الله 9: «امدد يدك يا ابن أخي اُبايعك فيقول الناس عمّ رسول الله بايع ابن أخيه فلا يختلف عليك اثنان» وقد ادّعوا أنّ في هذا دليلاً على أنّ رسول الله 9لم ينص على أمير المؤمنين (ع) .

وقولهم: إنّه لو كان نصّ عليه لم يدعه العباس إلى البيعة لأنّ المنصوص عليه لا يفتقر في إمامته وكمالها إلى البيعة، فلمّا دعاه العباس إلى عقد إمامته من حيث تنعقد الإمامة التي تكون بالاختيار دلّ على بطلان النص ... يقال لهم: إن كان دعاء العباس أمير المؤمنين (ع)  إلى البيعة يدلّ على ما زعمتم من بطلان النص وثبوت الإمامة من جهة الاختيار، فيجب أن يكون دعاء النبي 9 الأنصار إلى بيعته في ليلة العقبة، ودعاؤه المسلمين من المهاجرين والأنصار تحت شجرة الرضوان، دليلاً على أنّ نبوته 9 إنّما ثبتت له من جهة الاختيار، فإنّه لو كان ثابت الطاعة من قبل الله عزّ وجل وإرساله له وكان المعجز دليل نبوته، لاستغنى عن البيعة له تارة بعد أُخرى، فإن قلتم ذلك خرجتم عن الملّة، وإن أثبتموه نقضتم العلّة عليكم .

فإن قالوا: إنّ بيعة الناس لرسول الله 9 لم تك لإثبات نبوته، وإنّما كانت للعهد في نصرته بعد معرفة حقّه وصدقه فيما أتى به عن الله عزّ وجلّ من رسالته. قيل لهم: أحسنتم في هذا القول، وكذلك كان دعاء العباس أمير المؤمنين (ع)  إلى بسط اليد إلى البيعة، فإنّما كان بعد ثبوت إمامته بتجديد العهد في نصرته والحرب لمخالفيه وأهل مضادته، ولم يحتج (ع)  إليها في إثبات إمامته.

ويدلّ على ما ذكرناه قول العباس: «يقول الناس عمّ رسول الله بايع ابن أخيه فلا يختلف عليك اثنان» فعلّق الاتفاق بوقوع البيعة ولم يكن لتعلّقه بها إلاّ وهي بيعة الحرب التي يرهب عندها الأعداء ويحذرون من الخلاف، ولو كانت بيعة الاختيار من جهة الشورى والاجتهاد لما منع ذلك من الاختلاف، بل كانت نفسها الطريق إلى تشتّت الرأي وتعلّق كلّ قبيل باجتهاده واختياره .

أو لا ترى إلى جواب أمير المؤمنين (ع)  بقوله: «يا عم إنّ لي برسول الله 9 أعظم شغل عن ذلك »، ولو كانت بيعته عقد الإمامة لما شغله عنها شاغل، ولما كانت قاطعة له عن مراده في القيام برسول الله 9 ، أو لا ترى أنّه لما ألحّ عليه العباس في هذا الباب قال: «يا عم، إنّ رسول الله 9 أوصى إليّ وأوصاني أن لا أجرّد سيفاً بعده حتى يأتيني الناس طوعاً، وأمرني بجمع القرآن والصمت حتى يجعل الله عزّ وجلّ لي مخرجاً» فدلّ ذلك أيضاً على أنّ البيعة إنّما دعا إليها للنصرة والحرب، وأنّه لا تعلّق لثبوت الإمامة بها، وأنّ الاختيار ليس منها في قبيل ولا دبير على ما وصفناه .

ووجه آخر: وهو أنّ القوم لما أنكروا النص، وأظهروا أنّ الإمامة تثبت لهم من طريق الاختيار، أراد العباس أن يكيدهم من حيث ذهبوا إليه، ويبطل أمرهم بنفس ما جعلوه طريقاً لهم إلى الظلم وجحد النص، فقال لأمير المؤمنين (ع) : «ابسط يدك اُبايعك فإن سلّموا الحقّ لأهله لم تضرك البيعة وإن ادّعوا الشورى والاختيار وأنكروا حقك كان لك من البيعة والاختيار والعقد مثل ما لهم فلم يمكنهم الاستبداد بالأمر دونك» فأبى أمير المؤمنين (ع)  ذلك، وكره أن يتوصّل إلى حقّه بباطل لا يوصل إليه وبرهان أمره يقهر القلوب بظهور النص عليه.

ولأنّه كره أن يبسط يده للبيعة فيلزمه بعد ذلك تجريد السيف على دافعيه الأمر، فلا يستقيم له مع الاختيار وعقد القوم له أن يلزم التقية، وقد تقدّمت الوصية له من النبي 9 بالكفّ عن الحرب مخافة بطلان الدين ودرس الإسلام، وقد بيّن ذلك في مقاله (ع)  حيث يقول: «أما والله لولا قرب عهد الناس بالكفر لجاهدتهم» فعدل عن قبول البيعة لما ذكرناه .

فإن قال بعضهم في هذا الجواب: قد وصل إلى حقّه كما زعمتم بعد عثمان بالاختيار ودخل في الشورى، فكيف استجاز التوسّل إلى الحقّ بالباطل على ما فهمناه عنكم من الجواب ؟ قيل له: يقول القوم إنّما ساغ له ذلك في الشورى وبعد عثمان لخفاء النص عليه في تلك الأحوال، واندراس أمره بمرور الزمان على دفعه عن حقّه، فلم يجد إذ ذاك من ظهور فرض طاعته ما كان عند وفاة رسول الله 9 فاضطرّ إلى التوصّل إلى حقّه من حيث جعلوه طريقاً إلى التأمير على الناس.

على أنّ القوم جمعوا بين علّتين إحداهما ما ذكرناه، والاُخرى ما أردفناه المذكور من وجوب الجهاد عليه بعد قبول البيعة، ولم يكن في الأوّل يجوز له ذلك للوصيّة المتقدّمة من النبي 9 في الكفّ عن السيف، ولما رآه في ذلك من الاستصلاح، وكانت الحال بعد عمر وبعد عثمان على خلاف ما ذكرناه، وهذا يبطل ما تعلّقتم به .

ووجه آخر وهو المعتمد عندي في هذا الجواب عن هذا السؤال، والمعوّل عليه دون ما سواه، وهو أنّ أمير المؤمنين (ع) لم يتوصّل إلى حقّه في حال من الأحوال بما يوصل إليه من اختيار الناس له على ما ظنّه الخصوم .

وذلك أنّه (ع)  احتجّ في يوم الشورى بنصوص رسول الله 9 الموجبة له فرض الطاعة كقوله: «أفيكم أحد قال له رسول الله 9 من كنت مولاه فعلي مولاه غيري ؟ أفيكم أحد قال له رسول الله 9أنت مني بمنزلة هارون من موسى إلاّ أنه لا نبي بعدي غيري ؟» وأشباه هذا من الكلام الموجب لإمامة صاحبه بدليله المغني له عن اختيار العباد.

ولما قتل عثمان لم يدع أحداً إلى اختياره، لكنّه دعاهم إلى بيعته على النصرة له والإقرار بالطاعة، وليس في هذا من معنى الاختيار الذي يذهب إليه المخالفون شيء على كل حال، والجواب الأوّل لي خاصّة، والثاني لأصحابنا وقد نصرته بموجز من الكلام.

وقد سأل المخالفون في شيء يتعلّق بهذا الفصل عن سؤال وهو أن قالوا: إذا زعمتم أنّ النبي 9قد نصّ على أمير المؤمنين (ع)  بالإمامة وبيّن عن فرض طاعته ودعا الاُمة إلى اتّباعه، فما معنى قول العباس بن عبد الطلب رحمة الله عليه لأمير المؤمنين (ع)  في مرض رسول الله 9: «يا ابن أخ ادخل معي إلى النبي فأسأله عن الأمر من بعده هل هو فينا فتطمئنّ قلوبنا أم هو في غيرنا فيوصيه بنا» فدخلا عليه فسأله العباس عن ذلك فلم يجبه هل هو فيهم أو في غيرهم فقال لهم: «على رسلكم معشر بني هاشم أنتم المظلومون وأنتم المقهورون ».

فيقال لهم: أخطأتم الغرض في معنى هذا المقال، وضللتم عن المراد منه، وذلك أنّ العباس ; إنّما سأل النبي 9 عن كون الأمر فيهم بعده على الوجوب وتسليم الاُمّة لهم، وهل المعلوم عند الله عزّ وجلّ تمكينهم منه وعدم الحيلولة بينهم وبينه، فتطمئنّ لذلك نفسه ويسكن إلى وصوله إلى غرضه وعدم المنازع وتمكينهم من الأمر، أو يغلبون عليه ويحال بينهم وبينه فسأل النبي9 أن يوصي بهم في الإكرام والإعظام ولم يك في شك من الاستحقاق والاختصاص بالحكم.

ألا ترى إلى جواب النبي 9 بأنّكم المقهورون وأنتم المضطهدون، فجميع هذه الألفاظ جاءت بها الرواية، ولولا أنّ سؤال العباس إنّما كان عن حصول المراد من التمكين من المستحق ونفوذ الأمر والنهي، لم يكن لجواب النبي 9 بما ذكرناه معنى يعقل، وكان جواباً عن غير السؤال، ورسول الله 9 يجلّ عن صفات النقص كلّها لانتظامه صفات الكمال .

ونظير ما ذكرناه قول الرجل لأبيه وهو يعلم أنّه وارثه دون الناس كافة: «أترى أنّ تركتك تكون لي بعد الوفاة أم تحصل لغيري، وهل ما أهّلتني له ينفرد لي أم يغلبني عليه إخوتي أو بنو عمي» فيقول له الوالد إذا لم يعلم الحال ما يغلب في ظنّه من ذلك أو يجيبه بالرجاء، وليس سؤال الولد لوالده أن يجيبه عن الاستحقاق. وأمثال هذا يكثر، وفي الجواب عنه كفاية وغنى عن الأمثال وبالله نستعين»([75]).

وقد أضاف أبو الصلاح الحلبي (ت447) بعدما ضعّف الرواية واستقرب كذبها، قائلاً: «على أنّه لو كان ثابتاً (أي رواية العباس) لكان الوجه في سؤاله لعلي (ع)  استعلام النبي 9عن الأمر، وهل يصير إلى المستحق له بالنص أم يُدفع عنه ؟ فامتنع (ع)  من ذلك لعلمه بإعلام النبي 9 له بخروج الأمر عنه إلى القوم المخالفين لما أمر به رسول الله 9 من خلافته عليهم، لئلاّ يخبر به النبي 9 ظاهراً فيظنّ من لا بصيرة له أنّ ذلك نص فتحصل شبهة، فلذلك ما عدل عن إجابة العباس إلى ما سأل، وليس في امتناعه عليه ولا قول العباس له، دلالة على عدم النصّ لما بيّناه من ثبوته، واحتمال قول العباس لما يوافق الثابت بالأدلّة.

وأمّا امتناعه من بيعة العباس وأبي سفيان، فلأنهّ (ع)  رأى بشاهد الحال فساداً في بيعتهم، إمّا لأنّه  (ع)  لو بايع للزمه القيام بما لا ناصر له عليه، أو لخوف ضرر ممّن تمّ له السلطان بمظاهرته بالمناقشة له في سلطانه ببيعة ذين الرجلين المعظّمين في قومهما، ألا ترى لجاجهم في بيعته خوفاً منه، وإلجائه إليها مع إظهار الإمساك ولزوم بيته، فكيف به لو علم كونه مبايعاً لنفسه، فلذلك ما عدل عن بيعتهما »([76]).

وقريب منه ما ذهب إليه المحقق الحلي (ت676) حيث قال: «قوله: لو كان عالماً بالنصّ لما قال: امدد يدك ابايعك. قلنا: لما جحد كثير من ذوي الحظوظ في الدنيا النصّ عليه بالإمامة، وتابعهم كثير من العامة، توصّل العباس إلى علي (ع) بما يوهم أنّه يكون حجّة على العامة القائلين بذلك، وهذا غير مستنكر فإنّك ترى العالم في حال الجدل يستدلّ على مناظره بالمسلّمات عند خصمه، وإن لم تكن بالمسلّمات عنده، إيجاباً للحجّة بما يكفيه مؤونة الاستدلال عليه، فما المانع أن يكون الأمر كذلك ؟! »([77]).

وأخيراً استشهاد القاضي عبد الجبار (ت415) بمقولة العباس: «إن كان هذا الأمر فينا علمنا، وإن كان في غيرنا أمرناه فوصّى الناس بنا» على عدم وجود النص، يهدم جميع ما بناه سابقاً في المغني في معنى حديث الغدير من أنّه يدلّ على أنّ ظاهر عليّ كباطنه، ووجوب موالاته ظاهراً وباطناً، وأنّ هذه المرتبة أعلى منزلةً من الإمامة، وكذا ما نسجه غيره من الترهات، إذ كان ينبغي لعليّ (ع)  ـ لو صحّت مقولة العباس ـ أن يذكّر عمّه بحديث الغدير، وأنّ الرسول 9 أمر الاُمّة بمحبته ونصرته وموالاته ظاهراً وباطناً قبل أيّام في غدير خم، فكما أنّ عدم استشهاده بنص الغدير أمام عمّه العباس لإثبات هذا المعنى لا يدلّ على عدم دلالة حديث الغدير عليه، كذلك عدم استشهاده بنصّ الغدير أمام عمّه العباس في الدلالة على الإمامة، لا يكون دليلاً على عدم النصّ.

وبعبارة أُخرى: لما قال العباس: «فوصّى الناس بنا» لماذا لم يقل له علي (ع) : (لقد أوصى بنا في حديث الغدير وأوجب نصرتنا ومحبتنا ظاهراً وباطناً وعلى كلّ حال) فعدم استشهاده لا يدلّ على عدم دلالية نصّ الغدير، إذ إنّ ذلك تابع لظروف هو أعلم بها منّا، وإلاّ فقد استشهد (ع)  بذلك يوم الشورى وفي الرحبة، ليس ذلك إلاّ للظروف الزمكانية التي هو أعرف بها منّا كما قلنا.

10 ـ عدم احتجاج علي (ع)  بالنص:

ومن شبهات القوم أنّ حديث الغدير لو كان نصّاً على الإمامة والاستخلاف، لاستشهد به أمير المؤمنين (ع)  آنذاك، فعدمه دليل على عدمه، هذه خلاصة الشبهة أوردوها بالتفصيل والإجمال في معظم كتبهم الكلاميّة([78]) .

نقول في الجواب:

ذكر السيد المرتضى (ت436) عدّة أجوبة عن هذه الشبهة، حيث قال: «إنّ المانع لأمير المؤمنين  (ع)  المنازعة في الأمر لمن استبد به عليه ووعظه وتصريحه بالظلامة منه، يمكن أن يكون وجوهاً: أوّلها أنّ رسول الله 9 أعلمه أنّ الاُمّة ستغدر به بعده، وتحول بينه وبين حقّه، وأمره بالصبر والاحتساب والكفّ والموادعة، لما أعلمه من المصلحة الدينية في ذلك، ففعل (ع)  من الكفّ والامساك ما اُمر به. ثانيهما: إنّه  (ع)  أشغف من ارتداد القوم وإظهار خروجهم من الإسلام لفرط الحمية والعصبية. ثالثها: إنّه خاف على نفسه وأهله وشيعته »([79]) .

وذهب أبو الصلاح الحلبي (ت447) إلى جواب آخر حيث قال بعد ما سرد شبهات القوم في ترك النكير وإظهار التسليم والمبايعة والصلاة خلفهم والنكاح من سبيهم: «هذه الاُمور أجمع  غير قادحة في شيء من أدلّة النصّ، ومع ذلك فهي ساقطة على اُصول المسؤول عنها والسائل، ولا شبهة في سقوط ما هذه حاله من الشبه وسقوط فرض الإجابة عنه ... أمّا سقوط هذه الاعتراضات على اُصولنا، فما بيّناه من كون النص بالإمامة كاشفاً عن عصمة المنصوص عليه، ولا شبهة في سلامة أفعال المعصوم من القدح، والحكم لجميعها بالحسن وبُعد معترضها عن الصواب. وأمّا سقوطها على اُصولهم، فلأنّهم قد أجمعوا أنّ علياً (ع)  من رؤساء المجتهدين، وممّن لا يعترض اجتهاده باجتهاد واحد سواه، ومن كانت هذه حاله فغير ملوم في شيء من اجتهاداته عند أحد منهم، ولا مأزور عند الله تعالى، فكيف يوسع لمن هذه اُصوله واعتقاداته في علي (ع)  أن يقدح في عدالته بما اجتهد فيه ـ مع قولهم بصواب كلّ مجتهد وإن بلغ غاية في التقصير ـ لولا قلّة الإنصاف ... على أنّ هذه الأفعال إذا كانت حسنة عند الجميع، فلا منافاة بينها وبين النصّ الكاشف عندنا عن عصمة المنصوص عليه، وعن علوّ رتبته في الاجتهاد عندهم، وليس بموجب عليه عندنا ولا عندهم تقلّد الأمر على كل حال، وإنّما يتعيّن هذا الفرض بشرط التمكُّن المرتفع بالاضطرار إلى سقوطه وما تبعه من الاُمور المذكورة وغيرها، فكيف ظنّ مخالفونا في الإمامة منافاة النصّ لما ذكروه من الاُمور لولا بُعدهم عن الصواب» .

ثم قال: «أمّا ترك النكير، ففرضه متعيّن بمجموع شروط يجب على مدّعي تكاملها في علي (ع) إقامة البرهان بذلك وهيهات، إنّ الممكن فعله من النكير قد أدلى به (ع)  ، وهو التذكار والتخويف والتصريح باستحقاقه الأمر دونهم، وما زاد على ذلك من المحاربة موقوف على وجود الناصر المفقود في الحال بغير إشكال، وكيف يظنّ به (ع)  تمكّناً من حرب المتقدّمين على من رآه لا يستطيع الجلوس في بيته دونهم لولا قبيح العصبية وشديد العناد »([80]) .

وأضيف قائلاً: إنّ النكير على القوم ثابت في كتبنا ومصادرنا، من قبيل دعوته الأنصار لأربعين ليلة، واحتجاج الاثني عشر صحابياً على أبي بكر بإشارة علي (ع)  ، وقوله (ع) لأبي بكر: «اُنشدك بالله أنا المولى لك ولكل مسلم بحديث النبي يوم الغدير أم أنت ؟ قال: بل أنت»([81]). وفي نص آخر: «وقد أخذ بيعتي عليك في أربعة مواطن ... وفي يوم الغدير بعد رجوعه من حجة الوداع »([82]) .

أما عند أهل السنة فمن الواضح حذف هذه الاُمور في تدوين السيرة، سيّما لو لاحظنا الظروف التي مرّت بها عملية تدوين السيرة بعد أكثر من قرن من الزمن، حيث كانت المنافسات السياسية بين بني اُمية وبني الزبير وبني الحسن وبني العباس في ذروتها، زائداً سياسة فرّق تسد، والانشقاقات الكلاميّة المتعدّدة، وما صنعه معاوية لطمس الهوية الإسلامية سيّما ما يتعلّق بأمير المؤمنين (ع)  وذويه، ففي هكذا ظروف تم تدوين السيرة، فمن الطبيعي أن تغيب الإشارة بالنص والنكير وكل ما يمتّ إلى إثبات أحقيّة الإمام (ع) بصلة عن ذاكرة التاريخ، وإن كانت كامنة في النفوس تطفح وتظهر على فلتات اللسان بين الحين والآخر، وتُقيّد من قبل الرواة والمحدّثين من دون التفات إلى مغزاها ومحتواها، وإلاّ لذهبت كسائر ما ذهب.

فمن تلك الموارد الباقية ما هو في صحيح البخاري ومسلم من تأخّر علي (ع)  عن البيعة لستة أشهر، ومهاجرة الزهراء 3 للقوم، وأنّها ماتت وهي واجدة عليهم: «فهجرته فلم تكلّمه حتى توفّيت. فلما توفّيت دفنها زوجها عليّ ليلاً ولم يؤذن بها أبا بكر»([83]).

وما قاله علي (ع)  للقوم ـ وإن خلطوه بموضوعات أُخر ـ: «فاستبُدّ علينا فوجدنا في أنفسنا» .([84]) فانظر إلى كلمة (فاستُبدّ علينا) وما تحمل من معنى، تعرف أنّ وراء الأكمة ما وراءها. طبعاً كلّما ابتعدنا عن زمن الأزمة والفتنة الأولى، خفّت الوطئة وأثبت الرواة والمحدّثون لنا اُموراً كثيرة صالحة للاستشهاد بها، كما هو الحال في أحاديث المناشدة في الشورى وفي الكوفة عند الرحبة، سيّما في فترة حكمه (ع)  حيث كان يُظهر اُموراً تتعلّق بالماضي تدلّ على تخطئة ما جرى، ومن تصفّح كتاب نهج البلاغة صدّق ما نقول.

وكشاهد على ذلك ما كتبه (ع)  في جواب معاوية، حيث كتب له هذا: «لقد حسدت أبا بكر والتويت عليه ورمت إفساد أمره، وقعدت في بيتك واستغويت عصابة من الناس ... »([85]) .

فكتب (ع)  في جوابه: «وزعمت أنّي لكلّ الخلفاء حسدت وعلى كلّهم بغيت ... وقلت إنّي كنت اُقاد كما يُقاد الجمل المخشوش حتى اُبايع، ولعمر الله لقد أردت أن تذمّ فمدحت، وأن تفضح فافتضحت، وما على المسلم من غضاضة في أن يكون مظلوماً ما لم يكن شاكاً في دينه ولا مرتاباً بيقينه... »([86]).

أو ما قاله في الخطبة الشقشقية: «فسدلت دونها ثوباً، وطويت عنها كشحاً، وطفقت أرتئي بين أن أصول بيد جذّاء، أو أصبر على طخية عمياء يهرم فيها الكبير، ويشيب فيها الصغير، ويكدح فيها المؤمن حتى يلقى ربه »([87]).

كلمات عظيمة تستبطن معاني النص، والاستحقاق، والظلم الذي وقع عليه وعلى الاُمّة الإسلامية، وعدم وجود الناصر، وعدم الآذان الصاغية ... ، فكيف يقال أنّ عدم نكير علي  (ع)  دليل على عدم النص ؟! وهل تركوا له فرصة ليفصح عن الأمر، وهم الذين اتهموا نبيّهم قبيل ساعات بالهجر والهذيان ؟!

11 ـ كتمان النص :

نعتقد أنّ النص على أمير المؤمنين (ع)  بالإمامة في حديث الغدير، كان نصّاً جلياً، كما ذهب إليه المحقق الطوسي (ت673) في تلخيص المحصّل، وقواعد العقائد: 412، 458، والإربلي (ت693) في كشف الغمة 1 :62، وابن جبر (ق7) في نهج الإيمان: 129. وحتى لو كان خفيّاً ـ على ما ذهب إليه بعض علمائنا ـ فهو لايضرّ بالمطلوب والاستدلال، إذ لا تلازم بين نصيّة النص ودلالته على المقصود، وبين عدم دخول الشبهة، أو لزوم استعمال الاستدلال واستخدام المقدّمات المستعملة لفهم كلام الناس بعضهم بعضاً، كيف وقد وقع الخلاف في قوله تعالى: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ مع كونه نصاً جلياً ؟! وعلى فرض كونه خفي الدلالة إذ يحتاج إلى مقدّمات لإثبات المطلوب، لكن مع هذا لا ترد خدشة في معناه ودلالته ونصيَّته.

إذا عرفت هذا فهناك شبهة عرضت على أهل السنة وعسر عليهم هضمها، وخلفيّة هذه الشبهة ترجع إلى ما حيك حول الصحابة وقدسيّتهم، وعدم تطرّق أيّ خدش وثلم لقدسيّتهم وعلوّ مكانهم، وذلك أنّ النصّ لو كان موجوداً، فكيف قلب الصحابة له ظهر المجن؟!

وكلٌّ عبّر عن معتقده بألفاظ مختلفة، فالأشعري (ت324) قال: «إن جوّز كونه (أي النص الجلي) ثم كتمانه وخفاؤه على الوجه الذي يدّعون، لم يؤمن معه كتمان شيء من الشريعة »([88]).

وقال الجويني (ت478): «إن ادعى الإمامية نصّاً جلياً على عليّ في مشهد من الصحابة ومحفل عظيم، فنعلم قطعاً بطلان هذه الدعوى، فإنّ مثل هذا الأمر العظيم لا ينكتم في مستقرّ العادة »([89]) .

وقال الغزالي (ت505): «وأمّا تقدير النصّ على غيره فهو نسبة للصحابة كلّهم إلى مخالفة رسول الله 9 ، وخرق الإجماع، وذلك ممّا لا يستجرئ على اختراعه إلاّ الروافض، واعتقاد أهل السنة تزكية جميع الصحابة والثناء عليهم »([90]) .

وقال الآمدي (ت631): «لا جائز أن يكون قطعياً، إذ العادة تُحيل الاتفاق من الاُمّة على تركه »([91]) .

قال التفتازاني (ت793): «إنّه لو كان مسوقاً لثبوت الإمامة دالاًّ عليه، لما خفي على عظماء الصحابة، فلم يتركوا الاستدلال به، ولم يتوقّفوا في أمر الإمامة، والقول بأنّ القوم تركوا الانقياد عناداً، وعلي ترك الاحتجاج تقية، آية الغواية وهو غاية الوقاحة»([92]) .

نقول في الجواب:

أوّلاً: لا يمكننا أن نفرض إقداماً معيناً على شريحة المجتمع، وأن نتوقّع منه اتخاذ موقف مشخص أمام أيّ حدث من الحوادث الواقعة، وذلك أنّ اتخاذ الموقف من قبل المجتمع وشريحة الناس، يمرّ عبر آليات وعوامل وأسباب مختلفة ومتنوّعة ومتعدّدة: نفسيّة واجتماعية وسياسيّة واقتصادية، زائداً الخلفيّات الفكريّة والمعرفيّة والثقافية لذلك المجتمع.

إذاً لا يمكن فهم طبيعة ما جرى آنذاك بعد وفاة النبي 9 وقبيل السقيفة وبعدها ; بمعزل عن هذه الظروف والملابسات، وبإمكاننا سرد قائمة منها من قبيل: استخدام المفاجأة والبغتة في إنهاء الأمر (حتى قال عنها صانع القرار السياسي عمر: إنّها كانت فلتة) ، اندهاش المسلمين بموت رسول الله 9وانشغالهم بتجهيزه، تخطيط المنافقين وقد بدأ قبل وفاة النبي 9 من محاولة اغتياله، كراهية البعض لعليّ  (ع)  ، الخلفيّات القبليّة لفهم مسألة الخلافة وأنّها ملك دنيوي، مضافاً إلى أنّ كثيراً منهم كان حديث عهد بالإسلام، والبعض منهم لم ير النبي 9 ولم يدخل في زمرة الصحبة إلاّ في حجة الوداع .

فلو تدبّرنا هذه العوامل علمنا أنّه ليس من الصعب أو المستحيل ترك بعض الصحابة بعض الأوامر التي لا تروقهم وتتقاطع مع مصالحهم، كما يقف عليها المتتبع لسيرتهم، من قبيل الاعتراض عليه في صلح الحديبية، الفرار من المعركة، وترك المضيق في اُحد وانكسار المسلمين، التخلّف عن جيش اُسامة، حادثة الدواة والكتف وعدم إحضارهما ليكتب ما يعصم الاُمّة من الضلال، اتهامه بالهجر وغلبة الوجع، تحريم المتعتين، بدعة صلاة التراويح، اغتصاب فدك، وغيرها.

وهناك نصّ خطير في صحيح البخاري عن عمر بن الخطاب ـ صانع القرار السياسي ـ حيث يقول: «إنّه قد كان من خبرنا حين توفي رسول الله 9 أنّ الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة» ثم يسرد الحكاية وذهابهما إلى السقيفة، وفي الطريق رأيا رجلين من الأنصار «فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: ... لا عليكم لا تقربوهم اقضوا أمركم »([93]) .

فانظر بدقّة وتمعّن في: «خالفونا واجتمعوا في السقيفة» و« تمالأ عليه القوم» و« اُقضوا أمركم» فما تجد لها من معنى ؟! أليس تدلّ على اتفاق مسبق بين بعض الأنصار وبعض المهاجرين بشأن الخلافة قبل وفاة الرسول 9 ، فخالف بعض الأنصار ذلك الاتفاق وتمالؤوا على المهاجرين، وهنا انفصل اثنان من الأنصار، وربما أحسّا بالغبن وخرجا من هناك ونصحا أبا بكر وعمر بنقض الاتفاق المسبق وقالا لهما: «لا تقربوهم اقضوا أمركم».

ومن هنا يقول أمير المؤمنين (ع) : «فاستبُدّ علينا فوجدنا في أنفسنا »([94]). حيث أنّ الخلافة استُلبت واُخذت استبداداً([95]) .

علماً بأنّ نص الغدير المتواتر، قد غاب عن ساحة الحوار والاحتجاج، نتيجة تلك الظروف والملابسات، لعدّة عقود ـ منذ صدوره في حجة الوداع إلى حين المناشدة به في الشورى والرحبة ـ، سواء بالمعنى الذي نقصده أو الذي ذهب إليه أهل السنة، رغم الحاجة إليه إبّان الأزمة السياسيّة، حتى أنّ أميرالمؤمنين (ع)  لما جاء إلى البيعة بعد ستة أشهر أو أكثر، قال: «كنّا نرى لنا في هذا الأمر نصيباً فاستبد علينا فوجدنا في أنفسنا »([96]). ولم يفصح (ع)  عن خلفيّة هذا المعتقد وهذه الرؤية، ومن المعلوم أنّها تعتمد على النصوص المسبقة سيما آخرها وهو نصّ الغدير، ولكن مع هذا لم يذكره (ع)  للظروف الصعبة التي أحدقت بالعالم الإسلامي آنذاك كما قال (ع) : «حتى رأيت راجعة الناس قد رجعت عن الإسلام، يدعون إلى محق دين محمد 9 ، فخشيت إن لم أنصر الإسلام وأهله، أن أرى فيه ثلماً أو هدماً، تكون المصيبة به عليّ أعظم من فوت ولايتكم ... »([97]) .

هذه الفجوة الحاصلة لغياب نصّ الغدير منذ صدوره وحتى الاستشهاد به في الشورى أو الرحبة، جرّاء الظروف والملابسات الزمانية والمكانية، أدّت إلى فتح باب الشكّ والشبهة، وإلاّ فالنصّ موجود ومتواتر غاية ما هنالك كتمه قسم منهم للمصالح الشخصية، والقسم الآخر للمصالح الدينيّة وحفظاً للوحدة وعدم انهيار الاُمّة الإسلاميّة الفتيّة، وقسم ثالث كان تبعاً لرؤسائه وشيوخ عشائره بحسب النظام القبلي السائد آنذاك وهم الأعمّ الأغلب، وقسم رابع وهم الأكثر والذين كانوا خارج ساحة الحدث أي خارج المدينة، لم تصل إليهم الأخبار إلاّ بعد استتباب الأمر وانقضائه، وبعد محاصرة بني هاشم وانعزالهم، فما عساهم أن يقولوا، وهم يرون أنّ أعزّ الناس على الرسول 9 بهذه الحالة، ورأوا ما آل إليه أمر مالك بن نويرة رضي الله عنه، وربما تصوّر البعض، ممّن بَعُدَ عن ساحة الحدث، حصول تغيير أو نسخ حضره القوم وغاب هو عنه، فلذا سكت أو كتم.

ثانياً: قد كتم بعض الصحابة نصّ الغدير لما استشهدهم أمير المؤمنين (ع)  لذلك، فكتموا فدعا عليهم فأصابتهم دعوته أمثال أنس وزيد، فعن زيد قال في حديث المناشدة: «فكنت فيمن كتم فذهب بصري» وكان عليّ دعا على من كتم([98])،وقال  (ع)  في حق أنس لما قال له: كبرت ونسيت، فقال: «اللهم إن كان كاذباً فارمه بها بيضاء لا تواريها العمامة »([99]). وفي لفظ أحمد: «فقام إلاّ ثلاثة لم يقوموا، فدعا عليهم فأصابتهم دعوته »([100]).

ولذا قال ابن أبي الحديد (ت656): «ذكر جماعة من شيوخنا البغداديين أنّ عدّة من الصحابة والتابعين والمحدّثين كانوا منحرفين عن علي (ع)  قائلين فيه السوء، ومنهم من كتم مناقبه وأعان أعداءه ميلاً مع الدنيا وإيثاراً للعاجلة»([101]).

هذا والأمر بعيد، وعلي (ع)  هو الإمام والحاكم، فكتم هؤلاء الصحابة، فكيف الحال إبّان وفاة النبي 9 والفوضى السياسية، والفلتة التي صنعها صاحب القرار السياسي، ورأس المؤامرة ؟ أليس كان الكتمان آنذاك سائغاً وطبيعياً ؟!

ثالثاً: نقول من باب الإلزام «إن كان الأنصار عالمين بحديث الأئمة من قريش، فما كانوا عادلين لمخالفتهم قول الرسول 9 عامدين وقولهم: منّا أمير ومنكم أمير، وإن كانوا ناسين فلم لا يجوز أنّهم نسوا النصّ في عليّ (ع)  ، ولو كان عليّ حاضراً لذكّرهم كما ذكّرهم أبو بكر بالحديث فسلّموا، ولكن عليّ (ع) كان مشغولاً بأمر النبي 9 »([102]) .

رابعاً: نحن لا ننسب كتمان النص إلى جميع الصحابة، بل بعضهم كان من المعترضين، وممن تجمّعوا في دار أمير المؤمنين  (ع)  احتجاجاً واعتراضاً، وهناك من تاب بعد ذلك ورجع إلى الإمام وكان من ناصريه في خلافته ومن المستشهدين بين يديه، حيث تداركوا تلك المعصية بالتوبة وبذلوا النفس والنفيس لتدارك تلك الزلّة.

خامساً: نقول للأشعري حيث زعم أنّه لو جاز ذلك لجاز كتمان شيء من الشريعة، إنّ الكتمان يكون بحسب الظروف والمصالح، ولا مصلحة تتعلّق بكتمان شيء من الشريعة، بخلاف مسألة الزعامة والإمارة التي باتت مثاراً للجدل والحروب بين الأعراب أيّام الجاهلية، وحتى بعد الإسلام بقيت كامنة في نفوس بعضهم، وإلاّ فقد حكموا بتحريم المتعة التي دلّ عليها وعلى حليّتها صريح القرآن والسنة ولم تنسخ بصريح روايات التي تنسب التحريم إلى عمر، وكذا الحال بالنسبة إلى البدعة الحسنة التي ابتدعها الخليفة بالنسبة إلى صلاة التراويح، فهل يا ترى كان هناك معترض ؟!

12 ـ عدم استخدامَ البيان الواضح :

من الشبهات التي طرحها أكثر علماء أهل السنة، أنّ حديث الغدير لو كان نصّاً على الإمامة، كان يلزم على الرسول 9 أن يذكره بالبيان الواضح الذي لا يقبل الشك والتأويل، قال الجاحظ (ت255): «فلابد من حديث لا يُحتمل التأويل، ولا يمنع من معرفة صحّة أصله ومخرجه »([103]) .

وقال الفخر الرازي (ت606): «فلو كان غرضه تقرير كونه إماماً، لذكره بلفظ صريح معلوم يعرفه كل أحد، ولما لم يذكر ذلك اللفظ الصريح، علمنا أنّه ليس الغرض من هذا الخبر ذكر أمر الإمامة »([104]) .

وقال ابن تيمية (ت728): «ليس في اللفظ ما يدلّ عليه، ومثل هذا الأمر العظيم يجب أن يبلّغ بلاغاً مبيناً »([105]) .

نقول في الجواب :

أوّلاً: قال الباقلاني (ت403) بعد ما فسّر حديث الغدير بمعنى الموالاة ظاهراً وباطناً: «فإن قالوا: فإذا كان هذا الذي أراده فلم لم يقل: عليّ مؤمن الظاهر والباطن، نقيّ السريرة وخاتم لعمله بالبر والطاعة فيزيل الاشكال ؟ قيل لهم: ليس لنا الاعتراض على النبي 9 في تخيّر الألفاظ، ولعلّه أوحى إليه أنّ إذاعة هذا الكلام وجمع الناس له، وتقديم التقرير لوجوب طاعته، لطف لعليّ (ع)  ، وأنّه أجمع للقلوب على محبته وموالاته، فلا سؤال علينا في ذلك »([106]).

ونحن أيضاً نقول لأهل السنة: ليس لكم الاعتراض على النبي 9 في تخيّر الألفاظ، ولعلّه أوحي إليه أنّ إذاعة هذا الكلام مع علمه بتشتت القلوب وغدر الاُمّة، أجمع للشمل وأسلم للاُمّة، ولطف لهم كي لا يقعوا في إنكار الضروري والمخالفة الصريحة، فلا سؤال علينا في ذلك.

ثانياً: لا يُشترط في نصّيّة النص عدم تطرّق الاحتمالات إليه، وإلاّ لم يبق لنا نصّ صريح، قال الغزالي (ت505): «ولو شُرط في النصّ انحسام الاحتمالات البعيدة كما قال بعض أصحابنا، فلا يُتصوّر لفظ صريح »([107]).

وعلى سبيل المثال انظر إلى حديث الاثني عشر خليفة الصحيح الثابت الصريح، وما حصل فيه من تأويلات وتفسيرات عند أهل السنة، حتى عجز بعضهم عن فهم معناه وقال: «ولم أعلم للحديث معنى ولعلّه بعض الحديث»([108]) وقال ابن بطال عن المهلب: لم ألق أحداً يقطع في هذا الحديث، يعني بشيء معين ... وقال ابن الجوزي في كشف المشكل، قد أطلت البحث عن معنى هذا الحديث، وتطلّبت مظانّه، وسألت عنه، فلم أقع على المقصود به لأنّ ألفاظه مختلفة ... »([109]) .

ثالثاً: قال الشيخ الصدوق (ت381) في مقام الردّ على هذه الشبهة: «لو لزم أن يكون الخبر باطلاً، أو لم يرد به النبي 9 المعنى الذي هو الاستخلاف وإيجاب فرض الطاعة لعلي (ع)  لأنّه يحتمل التأويل، أو لأنّ غيره أبين وأفصح عن المعنى، للزمك إن كنت معتزلياً أنّ الله عز وجل لم يرد بقوله في كتابه: ﴿لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ﴾ أي لا يُرى، لأنّ قولك (لا يُرى) يحتمل التأويل، وأنّ الله عز وجل لم يرد بقوله في كتابه: ﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ﴾ أنّه خلق الأجسام التي تعمل فيها العباد دون أفعالهم، فإنّه لو أراد ذلك لأوضحه بأن يقول قولاً لا يقع فيه التأويل، وأن يكون الله عزّوجلّ لم يرد بقوله: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ﴾ أنّ كلّ قاتل للمؤمن ففي جهنّم، كانت معه أعمال صالحة أم لا; لأنّه لم يبيّن ذلك بقول لا يحتمل التأويل. وإن كنت أشعرياً لزمك ما لزم المعتزلة بما ذكرناه كلّه ; لأنّه لم يبيّن ذلك بلفظ يفصح عن معناه الذي هو عندك بالحق، وإن كان من أصحاب الحديث قيل له: يلزمك أن لا يكون قال النبى 9: «إنّكم ترون ربكم كما ترون القمر في ليلة البدر لا تضامون في رؤيته» لأنّه قال قولاً يحتمل التأويل ولم يفصح به، وهو لا يقول ترونه بعيونكم لا بقلوبكم، ولمّا كان هذا الخبر يحتمل التأويل ولم يكن مُفصحاً ; علمنا أنّ النبي 9 لم يعن به الرؤية التي ادعيتموها.

وهذا اختلاط شديد، لأنّ أكثر الكلام في القرآن وأخبار النبي 9 بلسان عربي، ومخاطبة لقوم فصحاء على أحوال تدلّ على مراد النبي 9 ، وربما وكّل علم المعنى إلى العقول أن يتأمّل الكلام، ولا أعلم عبارة عن معنى فرض الطاعة أوكد من قول النبي 9: «ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم ؟» ثم قوله: «فمن كنت مولاه فعليّ مولاه» لأنّه كلام مرتب على إقرار المسلمين للنبي 9 يعني الطاعة وأنّه أولى بهم من أنفسهم ثم قال: «فمن كنت أولى به من نفسه فعلي أولى به من نفسه، لأنّ معنى «فمن كنت مولاه» هو فمن كنت أولى به من نفسه، لأنّها عبارة عن ذلك بعينه ... »([110]) .

وأضاف السيد المرتضى (ت436): «إنّ الألفاظ إذا دلّت على معنى واحد، فإنّ المتكلّم مخيّر بينهما، ولا لفظ إلاّ وقد يجوز أن تقع الشبهة فيه للمتأمّل وأن لا يوفي النظر حقّه. ألا ترى أنّه (ع)  لو قال فيه: «أنت الإمام من بعدي والخليفة على اُمّتي» وذلك أصرح الألفاظ، جاز أن تدخل شبهة على مبطل فيقول: إنّه (ع)  إنّما أراد بلفظة (بعدي) بعد عثمان، أو يقول: أنت الخليفة إن اختارتك الاُمّة واجتمعت عليك »([111]) .

وهذا ما حصل بالفعل، فقد علّق ابن حجر الهيتمي (ت973) في الصواعق على جملة: «وهو ولي كلّ مؤمن بعدي» الواردة في حديث شكوى بريدة من علي (ع)  قائلاً: «في سندها الأجلح وهو وإن وثّقه ابن معين لكن ضعّفه غيره، على أنّه شيعي، وعلى تقدير الصحّة فيُحتمل أنّه رواه بالمعنى بحسب عقيدته، وعلى فرض أنّه رواه بلفظه، فيتعيّن تأويله على ولاية خاصّة نظير قوله 9: (أقضاكم عليّ) على أنّه وإن لم يحتمل التأويل فالإجماع على حقيّة ولاية أبي بكر وفرعيها قاض بالقطع بحقيتها لأبي بكر وبُطلانها لعلي، لأنّ مفاد الإجماع قطعي ومفاد خبر الواحد ظنّي، ولا تعارض بين ظنّي وقطعي بل يُعمل بالقطعي ويُلغى الظنّي، على أنّ الظني لا عبرة به فيها عند الشيعة »([112]) .

فانظر إلى هذه التأويلات لأجل صرف معنى الحديث الصريح الدال على إمامة علي (ع)  ، وصدّق أنّ العمى ليس له دواء: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾([113]).

رابعاً: قال السيد المرتضى أيضاً: «هذا القول الفاسد يقتضي أنّ كلّ كافر بالله تعالى وجاهل بصفاته وعدله وحكمته، وشاكّ في نبوة أنبيائه وكتبه معذور غير ملوم، ويكون اللوم عائداً على من نصب هذه الأدلّة المشتبهة التي تجوز أن تقع الشبهة في مدلولها، وهذه الطريقة الفاسدة تقتضي أن تكون المعارف كلّها ضروريّة ... »([114]).

خامساً: إنّ الصحابة فهموا مراد النبي 9 صريحاً، فهذا حسان أنشد بعد واقعة الغدير قوله :

فقـــال لـــه قــم يــا عــلي فـــإنّني                   رضيتك من بعدي إماماً وهادياً([115])

ففهم حسان معنى الإمامة، وأقرّه النبي 9 على ذلك، بل دعا له بالتأييد والسداد ما دام باقياً على هذا المنهاج.

13 ـ عدم وجود علي (ع) آنذاك :

من الشبهات الضعيفة التي طرحوها، أنّ علياً (ع)  لم يكن آنذاك مع النبي9 في غدير خم، بل كان في اليمن، قال الفخر الرازي (ت606): «إنّ الشيعة يزعمون أنّه (ع)  إنّما قال هذا الكلام بغدير خم في منصرفه من الحج، ولم يكن عليّ مع النبي 9 في ذلك الوقت، فإنّه كان باليمن »([116]).

نقول في الجواب :

إنّ رجوع عليّ من اليمن وإدراك الحج مع النبي 9 أمر صحيح ثابت لا مرية فيه، ولذا قال الهيتمي في الصواعق: «ولا التفات ... لمن ردّه بأنّ علياً كان باليمن، لثبوت رجوعه منها وإدراكه الحج مع النبي 9»([117]).

والبخاري أشار في صحيحه في عدّة روايات إلى رجوع علي (ع)  من اليمن وإدراكه الحج([118])،مضافاً إلى أنّ الروايات المتواترة الناصّة على واقعة الغدير، تثبت وجوده (ع)  هناك.

ولعلّ منشأ الوهم ما أشار إليه الطحاوي (ت331) من وجود رواية تدلّ على أنّ واقعة الغدير كانت عند خروج النبي 9 من المدينة، قال: «فدفع دافع هذا الحديث، وزعم أنّه مستحيل، وذكر أنّ علياً لم يكن مع النبي 9 في خروج إلى الحج من المدينة الذي مرّ في طريقه بغدير خم، لأنّ غدير خم إنّما هو بالجحفة ... فقال هذا القائل: فإنّ هذا الحديث روي عن سعد بن أبي وقاص في هذه القصّة، وأنّ ذلك القول إنّما كان من رسول الله 9 بغدير خم في خروجه من المدينة إلى الحج لا في رجوعه من الحج إلى المدينة» .([119]) ثم قام بردّه وأثبت أنّ الصحيح بخلافه، ولكن جاء الفخر الرازي فخلط الحابل بالنابل كعادته، وأنكر ذلك رأساً، وقد عرفت بطلانه.

14 ـ الجمع بين الولايتين والتصرفين:

هناك شبهة أخرى ذكرها معظم أهل السنة خلفاً عن سلف وصاغراً عن كابر، وهي أنّ نصّ الغدير لو كان دالاًّ على الإمامة، لزم اجتماع الولايتين في آن واحد ولاية النبي وولاية علي 8، وهذا لا يقول به أحد. إذاً لابد أن يكون معنى حديث الغدير هو الحب والنصرة حيث يمكن جمع الحبين في آن واحد، وهذا ما فهمه عمر حيث قال: «أصبحت ... »([120]).

نقول في الجواب :

أوّلاً: إنّ ما يقتضيه ظاهر الخبر من العموم، يجوز الانصراف عنه بالدلائل المتنوعة سواء كانت عقلية أو نقلية، وهنا نخصّص حال حياة النبي 9 ويبقى عموم فرض طاعة أمير المؤمنين (ع)  ثابتة في سائر الأحوال وابتداء من وفاة النبي 9  ([121]).

ثانياً: العادة جارية في الاستخلاف حصول الاستحقاق في الحال ووجوب التصرّف بعد الحال، فلو نصّ الإمام على خليفة يقوم مقامه بالأمر، أو من جعل غيره وليّ عهده، فإنّه يثبت له الاستحقاق في الحال وحقّ التصرّف فيما بعده، وهذه عادة جارية وواضحة لا لُبس فيها، فيحنئذ يجب أن يكون أمير المؤمنين  (ع)  مستحقّاً في تلك الحال، وما وليها من أحوال الرسول 9 للإمامة، والتصرّف في الأمّة بالأمر والنهي بعد وفاته »([122]) .

ثالثاً: إنّ فرض طاعته (ع)  حصلت بنص الغدير وهي عامة، وأصبح أمير المؤمنين (ع)  بهذا النص خليفة ومفروض الطاعة على الأمّة، ولكن لا يُسمّى إماماً، لأنّ هذا الاسم مختصّ بمن لا يد فوق يده، ولكن بعد وفاة الرسول 9 تزول العلّة ويُطلق عليه اسم الإمام([123]) .

رابعاً: إنّ حديث التهنئة أيضاً لا يقتضي ذلك، إذ ليس في قول عمر: (أصبحت مولاي) ما يقتضي حصول الإمامة في الحال، وإنّما يقتضي ثبوت استحقاقها في حال التهنئة وإن كان التصرّف متأخّراً، وليس يمتنع أن يُهنّأ الإنسان بما يثبت له استحقاقه في الحال، وإن كان التصرّف فيه يتأخّر عنها، لأنّ أحد الملوك والأئمة لو استخلف على رعيته من يقوم بأمرهم إذا غاب عنهم أو توفّي، لجاز من رعيّته أن يهنّئوا ذلك المستخلف بما ثبت له من الاستحقاق وإن لم يغب الملك ولا توفّي([124]) .

15 ـ الإمامة بعد الثلاثة :

تتفرّع من الشبهة التي مضت، شبهة أخرى، وهي أنّ الإمامة لو ثبتت لعلي في المآل دون الحال فلتكن بعد خلافة الثلاثة، وبعبارة أخرى ثبوتها بنصّ الغدير في المآل وفيما بعد الرسول 9 لا ينافي إمامة من تقدّمه .([125])

نقول في الجواب :

أولاً: إنّ الأمّة مجمعة على أنّ إمامة الإمام بعد عثمان لم تكن بموجب نص الغدير بل حصلت بالاختيار، فلا علاقة بين نص الغدير وبين تلك البيعة، إذ إنّ كلّ من أوجب له الإمامة بنص الغدير أوجبها بعد النبي 9 بلا فصل، وعليه فلا اعتبار لهذه الشبهة لأنّها خارجة عن الموضوع.

ثانياً: إنّنا أخرجنا حال حياة النبي 9 من عموم النص لوجود الدليل، أما بعد حياته فلا داعي لاستمرار هذا الرفع، بل تتحقّق الإمامة مباشرة إذ لا يوجد دليل آخر على إمامة غيره  (ع)  .

ثالثاً: لو كان مراد النبي 9 ذلك، لصرّح به إذ من غير المعقول أن يترك الأهمّ ـ وهو حال الأمّة بعد رحيله مباشرة مع المخاطر المحدقة بالأمّة ـ ويبلّغ المهم ـ وهو إمامة عليّ (ع)  بعد الثلاثة ـ ؟! .

رابعاً: إنّ أهل السنة قاطبة ينفون وجود أيّ نصّ على أيّ شخص، فكيف تنزّلوا هنا ورضوا بأن يكون حديث الغدير نصّاً على الإمامة لكن بعد الثلاثة ؟!.

خامساً: على فرض التسليم والاعتراف بأنّ نص الغدير دليل على إمامة أمير المؤمنين (ع)  بعد الثلاثة ـ كما يدّعيه القوم ـ ولكن ما نصنع بتهنئة عمر لعلي (ع)  لما قال له: «أصبحت مولاي ومولى كلّ مؤمن ومؤمنة» حيث يدلّ على كونه إماماً ـ لأنّهم اعترفوا أنّ المولى بمعنى الإمام لكن بعد الثلاثة ـ على أبي بكر وعمر وعثمان وعلى جميع المؤمنين بالحال دون المآل بنص الغدير وباعتراف عمر؟!

16 ـ المعارضة بفضائل أبي بكر :

هناك محاولة أخرى تمسّك بها بعض أهل السنة لنفي حديث الغدير أو نفي دلالته على الإمامة، وهي إيهام المعارضة بين ما تتمسّك به الشيعة لإثبات إمامة أمير المؤمنين (ع)  ، وما ورد من فضائل أبي بكر في كتبهم.

وأقدم من تمسّك بهذا فيما رأيت الجاحظ (ت255) حيث قال بعدما أورد مجموعة روايات تدلّ على فضل أبي بكر: «فإن كان ما رويتم في فضيلة عليّ حقاً، وما رووا في فضيلة أبي بكر حقّاً، فأبو بكر خير من علي، وعليّ خير من أبي بكر، وهذا هو التناقض والحق لا يتناقض، وفي هذا دليل أنّ النبي 9لم يتكلّم بذلك ولا قاله، لأنّ الخبر إذا خرج مخرج العام في تفضيل أبي بكر وكذلك في تفضيل عليّ، فليس له وجه إلاّ ما قلنا، إلاّ أن يكون النبي 9 قد قال أحد القولين وصحّت به الشهادة، ولم يقل الآخر وإنّما ولّدته الرجال وصنعته حملة السير، ولا سبيل لنا إلى معرفة ذلك إذا كان الاسناد متساوياً وعند الرجال متقارباً، وليس في هذه الأحاديث كلّها حديث يضطرّ خصمه معرفة صحّته، أو يكون النبي 9 قد تكلّم بكثير من هاتين الروايتين، وكان معناه وقصده فيها معروفاً عند من كان بحضرته، حتى كان الجميع يعرفون خاصّه من عامّه، ولكنّ الناقلين احتملوها عن السلف مجرّدة بغير تأويل معانيها، فأدّوها على اللفظ العام فصار السامع يتناقض عنده إذا قابل بعضها ببعض، لجهله بأصول مخارجها وكيف كان موقعها »([126]). وقال الباقلاني (ت403): «إنّا إنّما نعمل بخبر الواحد من الشريعة إذا لم يعارضه خبر بضد موجبه، وهذا الخبر الذي تدّعيه الشيعة فقد عارضه خبر البكرية والراوندية، وكل من قال بالنص على أبي بكر والنص على العباس، وروايتهم في ذلك أظهر وأثبت، والعمل في صدر الأمّة موافق لرواية النص على أبي بكر فهو إذاً أقوى وأثبت، فيجب إذاً ترك الأضعف بالأقوى، فإن لم نفعل فلا أقلّ من اعتقاد تعارض هذه الأخبار وتكافئها وتعذّر العمل بشيء منها، ورجوعنا إلى ما كنّا عليه من أنّ الأصل ألاّ نصّ ... »([127]) .

وكذلك القاضي عبد الجبار (ت415) نقل عن شيخه أبي هاشم الجبائي (ت321) أنّه قال: «ولا فرق بين من استدلّ بذلك على النصّ، وبين من قال: إنّ قوله (ع)  لأبي بكر: أخي وصاحبي صدّقني حيث كذّبني الناس. فهو نصّ على إمامته بعد وفاته، إلى غير ذلك ممّا روي نحو قوله (ع) : لو كنت متخذاً خليلاً لاتخذت أبي بكر خليلاً. وقوله: اقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر. إلى غير ذلك ممّا اشتهر في الرواية »([128]) .

نقول في الجواب:

أوّلاً: إنّ القول بإنّ ما ورد في فضائل أبي بكر أقوى وأصحّ ممّا ورد في حق أمير المؤمنين (ع) مكابرة، إذ إنّ واحداً ممّا ورد فيه (ع)  أقوى من جميع ما ورد في حق أبي بكر وأقوى دلالة، وهو حديث الغدير، وذلك باعتراف القوم أنفسهم، حتى أنّ القاضي عبد الجبار جعل مدلول حديث الغدير أعلى وأشرف من الإمامة ـ كما مرّ ـ.

ثانياً: روايات فضائل أمير المؤمنين (ع)  ـ سيما حديث الغدير ـ تواترت عند الشيعة والسنة، وروايات فضائل أبي بكر وردت بطرق آحاد عند أهل السنة فقط، فأين التعارض.

ثالثاً: الروايات الواردة في فضائل أبي بكر إمّا أن تدلّ على إمامته أو تدلّ على مجرد الفضيلة، فإن كان الأوّل فنحن نجزم على بطلانها، لاستحالة أن يتكلّم النبي 9 بكلامين متنافيين، مضافاً إلى إجماع أهل السنة على عدم وجودنصّ على أبي بكر. وإن كان الثاني فنحن لا نمنع أن يقول النبي 9في حق أحد كلاماً يستميل به قلبه، فتتأكّد فيه محبة الإيمان ورسوخه، طبعاً بعد ثبوت صحّة ذلك النقل، وهذا عام في جميع الصحابة ولا يخصّ أبا بكر.

رابعاً: لو وضعنا جميع الروايات الواردة في فضائل الصحابة في كفّة، ووضعنا حديث الغدير في كفّة أخرى، لرجحها ـ حتى لو لم يدلّ على الإمامة ـ بالمرجحات والقرائن المحفوفة الحالية والمقاليّة، فلا تعارض ولا وجه لتطويل الجاحظ وتسويد الأوراق بأنّ القرائن لم تُنقل إلينا.

خامساً وأخيراً ما أجاب به السيد المرتضى (ت436) في مقام الرد على أبي هاشم في محكيّ كلامه عند القاضي عبد الجبار، حيث قال السيد ;:

« فأمّا الأخبار التي أوردها على سبيل المعارضة فالإضراب عن ذكرها، وترك تعاطي الانتصاف من المستدلّين بخبر الغدير لها أستر على موردها، وأوّل ما في هذه الأخبار أنّها لا تساوي ولا تداني خبر الغدير في باب الصحة والثبوت ووقوع العلم ; لأنّا قد بيّنا فيما تقدّم تواتر النقل بخبر الغدير ووقوع العلم به لكلّ من صحّح الأخبار، وأنّه ممّا أجمعت الأمّة على قبوله، وإن كانوا مختلفين في تأويله وليس شيء من هذا في الأخبار التي ذكرناها ; على أنّ أصحابنا قديماً قد تكلّموا على هذه الأخبار، وبيّنوا أنّ حديث الخلّة يناقض ويبطل آخره أوّله ; لأنْهم يروون عنه 9 أنّه قال: (لو كنت متخذاً خليلاً لاتّخذت فلاناً خليلاً ولكن ودّاً وإخاء إيمان) فأوّل الخبر يقتضي أنّ الخلة لم تقع وآخره يقتضي وقوعها على الشرط المذكور الذي يعلم كلّ أحد أن الخلّة منه 9 لا تكون إلاّ عليه، لأنّه لا يصحّ أن يخالّ أحداً إلاّ في الإيمان وما يقتضيه الدّين، ويذكرون أيضاً في ذلك ما يروونه من قوله 9 قبل وفاته: (برئت إلى كلّ خليل من خليل، فإنّ الله عزّ وجلّ قد اتّخذ صاحبكم خليلاً) ويقولون: إن كان أثبت الخلّة بينه وبين غيره فيما تقدّم فقد نفاها وبرئ منها قبل وفاته، وأفسدوا حديث الاقتداء بأن ذكروا أنّ الأمر بالاقتداء بالرجلين يستحيل لأنّهما مختلفان في كثير من أحكامهما وأفعالهما، والاقتداء بالمختلفين والاتباع لهما متعذّر غير ممكن، ولأنّه يقتضي عصمتهما، والمنع من جواز الخطأ عليهما، وليس هذا بقول لأحد فيهما، وطعنوا في رواية الخبر بأنّ راويه عبد الملك بن عمير وهو من شيع بني أميّة، وممّن تولّى القضاء لهم، وكان شديد النصب والانحراف عن أهل البيت أيضاً، ظنيناً في نفسه وأمانته. وروي أنّه كان يمرّ على أصحاب الحسين بن عليّ 8 وهم جرحى فيجهز عليهم، فلما عوتب على ذلك قال: إنّما أريد أن أريحهم.

وفيهم من حكى رواية الخبر بالنصب وجعل أبا بكر وعمر على هذه الرواية مناديين مأمورين بالاقتداء بالكتاب والعترة، وجعل قوله: (اللذين من بعدي) كناية عن الكتاب والعترة، واستشهد على صحة تأويله بأمره 9 في غير هذا الخبر بالتمسّك بهما والرجوع إليهما في قوله: (إنّي مخلّف فيكم الثقلين ما إن تمسّكتم بهما لن تضلّوا كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وإنّهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض) وأبطل من سلك هذه الطريقة في تأويل الخبر اعتراض الخصوم بلفظ «اقتدوا» وأنّه خطاب للجميع لا يسوغ توجهه إلى الاثنين بأن قال: ليس ينكر أن يكون اقتدوا باللّذين متوجهاً إلى جميع الأمة وقوله (من بعدي أبا بكر وعمر) نداءً لهما على سبيل التخصيص لهما لتأكيد الحجة عليهما وشرح هذه الجملة موجودة في مواضعه من الكتب، وإن كان مخالفونا يدفعون ورود الرواية بالنصب أشدّ دفع، ويدّعون أنّه ممّا خرج على سبيل التأويل من غير رجوع إلى رواية .

وممّا يمكن أن يعتمد في إبطال خبر الاقتداء، أنّه لو كان موجباً للنصّ على الوجه الذي عارض به أبوهاشم لاحتجّ به أبو بكر لنفسه في السقيفة، ولما جاز أن يعدل إلى روايته: «إنّ الأئمة من قريش» ولا خفاء على أحد في أنّ الاحتجاج بخبر الاقتداء أقطع للشغب وأخصّ بالحجّة، وأشبه بالحال لا سيّما والتقية والخوف عنه زائلان، ووجوه الاحتجاج له معرضة، وجميع ما يدّعيه الشيعة بالنصّ الذي تذهب إليه عن الرجل منتفية، ولوجب أيضاً أن يحتج به أبو بكر على طلحة لما نازعه فيما رواه من النصّ على عمر، وأظهر الإنكار لفعله ، فكان احتجاجه في تلك الحال بالخبر المقتضي لنصّ رسول الله 9على عمر ودعائه الناس إلى الاقتداء به، والاتباع له أولى وألزم من قوله: (أقول: يا ربّ ولّيت عليهم خير أهلك).

وأيضاً لو كان هذا الخبر صحيحاً لكان حاظراً مخالفة الرجلين وموجباً لموافقتهما في جميع أقوالهما، وقد رأينا كثيراً من الصحابة قد خالفهما في كثير من أحكامهما وذهبوا إلى غير ما يذهبان إليه، وقد أظهروا ذلك، فيجب أن يكونوا بذلك عصاة مخالفين لنصّ الرسول 9 وقد كان يجب أيضاً أن ينبّه الرجلان من يخالفهما على مقتضى هذا الخبر، ويذكّر أنّهم بأنّ خلافهما محظور ممنوع منه، على أنّ ذلك لو اقتضى النصّ بالإمامة على ما ظنّوا لوجب أن يكون ما رووه عنه (ع)  من قوله: (أصحابي كالنجوم بأيّهم اقتديتم اهتديتم) موجباً لإمامة الكلّ، وإذا لم يكن هذا الخبر موجباً للإمامة فكذلك الآخر، وقد رووا أيضاً عنه (ع) أنّه قال: (اهتدوا بهدي عمّار، وتمسّكوا بعهد ابن أم عبد) ولم يكن في شيء من ذلك نصّ بإمامة ولا فرض طاعة، فكيف يظنّ هذا في خبر الاقتداء، وحُكْم الجميع واحد في مقتضى ظاهر اللفظ.

وبعد، فلو تجاوزنا عن هذا كلّه، وسلّمنا رواية الأخبار وصحّتها، لم يكن في شيء منها تصريح بنصّ ولا تلويح إليه. أمّا خبر الخلّة وما يدعونه من قوله (ع) : (اتركوا لي أخي وصاحبي) فلا شبهة على عاقل في بعدهما عن الدلالة على النصّ.

فأمّا خبر الاقتداء فهو كالمجمل لأنّه لم يبيّن في أيّ شيء يقتدى بهما ولا على أيّ وجه، ولفظة بعدي مجملة ليس فيها دلالة على أنّ المراد بعد وفاتي دون بعد حال أخرى من أحوالي، ولهذا قال بعض أصحابنا: إنّ سبب هذا الخبر أنّ النبيّ 9 كان سالكاً بعض الطريق، وكان أبو بكر وعمر متأخّرين عنه جائيين على عقبه، فقال النبيّ 9 لبعض من سأله عن الطريق الذي يسلكه في اتباعه واللّحوق به، (اقتدوا باللذين من بعدي) وعنى بسلوك الطريق دون غيره، وهذا القول وإن كان غير مقطوع به، فلفظ الخبر محتمله كاحتماله لغيره، وأين الدلالة على النصّ والتسوية بينه وبين أخبارنا، ونحن حيث ذهبنا في خبر الغدير وغيره إلى النصّ لم نقتصر على محض الدّعوى بل كشفنا عن وجه الدلالة، واستقصينا ما يورد من الشبه، وقد كان يجب على من عارضنا بهذه الأخبار وادّعاء إيجابها للنصّ أن يفعل مثل ما فعلناه أو قريباً منه، وليس لأحد أن يتطرّق إلى إبطال ما ذكرناه من التأويلات بأن يدّعي أنّ الناس في هذه الأخبار بين منكر ومتقبّل فالمنكر لا تأويل له، والمتقبّل يحملها على النصّ ويدفع سائر التأويلات ; لأنّ هذا القول يدلّ على غفلة شديدة من قائله أو مغالطة، وكيف يكون ادعاؤه صحيحاً ونحن نعلم أنّ كلّ من أثبت إمامة أبي بكر من طريق الاختيار وهم أضعاف من أثبتها من طريق النصّ، ينقلون هذه الأخبار من غير أن يعتقدوا فيها دلالة على نصّ عليه»([129]).

17 ـ انعقاد الاجماع :

ممّا استدلّوا به لنفي دلالة حديث الغدير على الإمامة، دعوى انعقاد الإجماع على خلافه، قال الجويني (ت478): «وإن ادعوا نصّاً خفياً غير مظهر، فنعلم أنّه لا سبيل إلى علمه، ثم نعلم بطلانه بالاجماع على خلافه، مع ثبوت الاجماع مقطوعاً به ... »([130]).

وقال ميمون النسفي (ت508): «لو كان في الحديث، دليل ذلك (أي الإمامة) لما انعقد الاجماع على خلافة غيره »([131]) . وقال الآمدي (ت631): «ثم وإن كان ذلك محتملاً، فهو ممّا يمتنع حمل كلام النبي 9 عليه لما فيه من مراغمة الاجماع، ومخالفة اتفاق المسلمين، وهدم قواعد الدين »([132]) . وقال التفتازاني (ت793): «بعد تسليم الدلالة على الإمامة، فلا عبرة بخبر الواحد في مقابلة الإجماع »([133]) .

نقول في الجواب:

إن أرادوا بالإجماع الإجماع في أوّل الأمر فممنوع، وإن أرادوا في المستقبل فمسلّم ولكن لا ينفعهم، توضيح ذلك:

إنّ الإجماع لم ينعقد على أبي بكر في بداية الأمر بشهادة التاريخ والصحاح والمسانيد، كيف وقد تخلّف سعد بن عبادة وأبناؤه، وتخلّف عليّ وبنوه وزوجته وجميع بني هاشم، وتخلّف جميع من كان خارج المدينة، فأيّ إجماع هذا ؟!

ولا أدلّ على نفي الإجماع من وصف عمر بن الخطاب بيعة أبي بكر بالفلتة، وذلك حينما يشرح أحداث السقيفة ويقول: «... فلا يغترنّ امرؤ أن يقول إنّما كانت بيعة أبي بكر فلتة وتمّت، ألا وأنّها قد كانت كذلك ولكن وقى الله شرّها، وليس منكم من تُقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر، من بايع رجلاً عن غير مشورة من المسلمين، فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرّة أن يقتلا، وإنّه كان من خبرنا حين توفّى الله نبيّه 9 أنّ الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة، وخالف عنّا علي والزبير ومن معهما، واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر، فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار، فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا رجلان منهم صالحان فذكرا ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينّهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمّل بين ظهرانيّهم ... فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأين يحضنونا من الأمر .. فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف، فقلت: ابسط يديك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار ... وإنّا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلاً منهم بعدنا، فإمّا بايعناهم على ما لا نرضى، وإمّا نخالفهم فيكون فساد »([134]).

وفي نص آخر: «إنّ أسلم أقبلت بجماعتها حتى تضايق بهم السكك فبايعوا أبا بكر، فكان عمر يقول: ما هو إلاّ أن رأيت أسلم فأيقنت بالنصر »([135]) .

لهذين النصين مجموعة دلالات :

1 ـ التعبير عن أنّ الأنصار اجتمعوا عند سعد، والمهاجرين اجتمعوا عند أبي بكر، غير دقيق إذ لا يُعقل أنّ جميع الأنصار وجميع المهاجرين يتركون جثمان النبي 9للتنافس على الخلافة، ولو ثبت هذا لكن أكبر طعن عليهم، ولا أظنّ أن يرتضيه أحد من أهل السنة، ولم يُعهد أنّ أبا بكر كان سيد المهاجرين حتى يجتمع عنده المهاجرون، نعم اجتمع شرذمة قليلة لا يتجاوزون أصابع اليد، وهؤلاء المجتمعون والمتآمرون لا يمثّلون شريحة المجتمع.

2 ـ تهديد عمر أنّ من بايع رجلاً من غير مشورة من المسلمين بالقتل، يدلّل على أنّ بيعة أبي بكر ما كانت بإجماع المسلمين ولا بمشورتهم.

3 ـ قوله: إنّ بيعة أبي بكر كانت فلتة، تأييد لما قلناه من عدم وجود الإجماع في أوّل الأمر.

4 ـ لا أدلّ على عدم وجود الإجماع من قول عمر: «فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف» .

5 ـ قوله: «بايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار» غير دقيق أيضاً، إذ لم يرد ذكر لهؤلاء المهاجرين سوى أشخاص قلائل، مضافاً إلى أنّ كثيراً من الأنصار ما حضروا السقيفة، وليس كلّ الذي حضر بايع أمثال سعد وبنيه .

6 ـ قوله: «وخالف عنّا علي والزبير ومن معهما» أدلّ دليل على عدم وجود إجماع، مع أنّ النصّ مجمل إذ لم نعلم كم عدد من تابع علياً والزبير في الاعتزال .

7 ـ حضور أسلم في تلك اللحظة ملفت جداً ويُثير تساؤلات عدّة، من أين علمت ؟ وكيف جاءت بعدّتها وعددها بحيث تضايقت بهم السكك ؟ لماذا لم تنحاز إلى الأنصار مثلاً أو إلى شخص آخر غير أبي بكر، مع الفراغ السياسي الحاصل آنذاك والانفلات الاجتماعي، وهناك من هو أقوى من أبي بكر وعمر وأعلى شرفاً، فكان بإمكانها خلع أبي بكر ومبايعة غيره، وهي جاءت بجماعتها ؟! لماذا أيقن عمر بالنصر بمجرّد أن رأى أسلم وقبل أن يبايعوا ؟! أليس ينبئ كلّ هذا عن تآمر مسبق؟!!

أما الإجماع الحاصل فيما بعد، فهو مسلّم ولكن لا ينفع إذ أُخذ غلبة وإجباراً، فكثير من المسلمين بايعوا كرهاً، روى الشيخ المفيد ; عن زائدة بن قدامة قال: «كان جماعة من الأعراب قد دخلوا المدينة ليتماروا منها .. فأنفذ إليهم عمرو استدعاهم وقال لهم: خذوا بالحظ من المعونة على بيعة خليفة رسول الله، واخرجوا إلى الناس واحشروهم ليبايعوا، فمن امتنع فاضربوا رأسه وجبينه، قال: والله لقد رأيت الأعراب تحزّموا واتشحوا بالاُزر الصنعانيّة، وأخذوا بأيديهم الخشب وخرجوا حتى خبطوا الناس خبطاً، وجاؤوا بهم مكرهين إلى البيعة»([136]).

أمّا فاطمة الزهراء 3 سيدة نساء العالمين، فقد قاطعت السلطة ولم تبايع إلى أن توفيت ساخطة ومهاجرة للقوم، وعدم رضاها ينبئ عن عدم رضى رسول الله 9 وعن عدم الرضى الإلهي جلّت عظمته، فأيّ قيمة لهكذا خلافة!! ولو كانت 3 لوحدها في عدم البيعة لكفى في بطلان ما جرى.

أما سعد بن عبادة فلم يبايع حتى قُتل، أما أمير المؤمنين  (ع)  وأولاده فلم يبايعوا أيضاً لستة أشهر، إلى أن تمّت البيعة حفظاً لبيضة الإسلام ـ كما مرّ بالتفصيل ـ، وبعد هذا فأيّ قيمة يبقى لهكذا إجماع مستقبلي، حصل إما طمعاً وإمّا منافسة وإمّا إكراهاً وإجباراً وإمّا حفاظاً على الدين والملّة ؟!.

-----------------------------------

* هوامش البحث  *

([1]) انظر: السنة للخلال 2: 346 .

([2]) الاعتقاد للبيهقي: 417، المجموع المغيث للمديني 3 :456، النهاية لابن الأثير 5 :228، فيض القدير للمناوي 6 :218 ح9001 .

([3]) تأويل مختلف الحديث: 42 .

([4]) مشكل الآثار: 2 :309 .

([5]) المغني للقاضي عبد الجبار، كتاب الإمامة 1 :153 .

([6]) العثمانية: 145ـ146 .

([7]) مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري، إملاء ابن فورك: 188 .

([8]) تمهيد الأوائل: 456 .

([9]) المغني، كتاب الإمامة 1 :146، 149 .

([10]) المغني، كتاب الإمامة 1 :147 .

([11]) الشافي 2 :290 .

([12]) م ن 2 :316 .

([13]) البحار للمجلسي 37 :242 .

([14]) التوبة: 71 .

([15]) الحجرات: 10 .

([16]) الغدير 1 :644ـ646 .

([17]) المغني، كتاب الإمامة 1 :147، وتبعه كلّ من: التفتازاني في شرح المقاصد 5: 274، والجرجاني في شرح المواقف 8 :361، والقوشجي في شرح التجريد: 369 .

([18]) نهاية العقول: 411 (خ) .

([19]) التحفة الاثني عشرية: 420، وتبعه الآلوسي في مختصر التحفة: 160 وروح المعاني 5 :195، والنفحات القدسية: 117.

([20]) نقل كلامه السيد مير حامد حسين في العبقات، حديث الغدير 10 :23 .

([21]) الشافي 2 :290، تلخيص الشافي للطوسي 2 :197ـ198 .

([22]) المسترشد: 471، ونحوه النجاة في القيامة لابن ميثم: 136، والصراط المستقيم للبياضي 1 :309، واحقاق الحق للشتوشتري 2 :496 .

([23]) المنقذ من التقليد 2 :342ـ343 .

([24]) عماد الإسلام، كتاب الإمامة: 344 .

([25]) إحقاق الحق 2 :495 .

([26]) كذا في الأصل .

([27]) المنقذ من التقليد للحمصي الرازي 2 :344ـ346 .

([28]) شرح المواقف للجرجاني 8 :362، شرح التجريد للقوشجي: 369، الصواعق المحرقة للهيتمي 1 :110، التحفة الاثني عشرية للدهلوي: 418، مختصر التحفة للآلوسي: 160 وروح المعاني 5 :195 .

([29]) إحقاق الحق للشوشتري 2 :498 .

([30]) النجاة في القيامة: 139 .

([31]) المغني، كتاب الإمامة 1 :147، وانظر المجموع المغيث للمديني 3 :458 .

([32]) تمهيد الأوائل: 456و457، ونحوه باختلاف: ميمون النسفي في تبصرة الأدلّة: 856، المغني للقاضي عبد الجبار، كتاب الإمامة 1 :146، وابن تيمية في منهاج السنة 7 :324، والمقدسي رسالة في الرد على الرافضة: 220، والدهلوي في التحفة الاثني عشرية: 420، والزعبي في البينات في ردّ أباطيل المراجعات 2 :154، والقفاري في أصول مذهب الشيعة 2 :310 .

([33]) تمهيد الاُصول للطوسي: 398، نحوه المنقذ من التقليد للحمصي 2 :347 .

([34]) المستدرك للحاكم 3 :140، مجمع الزوائد للهيثمي 7 :238 عن الطبراني والبزار، وقال: وأحد إسنادي البزار رجاله رجال الصحيح غير الربيع بن سعيد ووثّقه ابن حبان .

([35]) صحيح البخاري 8 :178 .

([36]) صحيح مسلم 3 :116 .

([37]) تقريب المعارف للحلبي: 218ـ219، نحوه غنية النزوع لابن زهرة 1 :172 .

([38]) المغني، كتاب الإمامة 1 :153 .

([39]) الاعتقاد: 416، وتبعه القفاري في اُصول مذهب الشيعة 2 :312 .

([40]) البداية والنهاية 5 :228 .

([41]) الصواعق المحرقة 1 :109، عنه السيرة الحلبية 3 :275 .

([42]) التحفة الاثني عشرية: 421، ومختصر التحفة للآلوسي: 162 .

([43]) الحجج الدامغات لنقد كتاب المراجعات: 566 .

([44]) اُصول وعقائد الشيعة الاثنا عشرية تحت المجهر: 233 .

([45]) البداية والنهاية لابن كثير 5 :228و229 .

([46]) مسند أحمد 5 :350، ونحوه 5 :358 ،361 .

([47]) م ن 5 :350، ونحوه 5 :359 .

([48]) م ن 5 :356 .

([49]) راجع تعجيل المنفعة لابن حجر: 451 .

([50]) صحيح البخاري 1 :35 .

([51]) البداية والنهاية لابن كثير 7 :332. ففيه: «فلما فرغ علي وانصرف من اليمن راجعاً، أمر علينا إنساناً فأسرع هو فأدرك الحج، فلمّا قضى حجته قال له النبي 9: ارجع إلى أصحابك ]ثم يذكر رجوع علي (ع)  وغضبه على الجيش ونزع الحلل إلى أن يقول أبو سعيد سعد بن مالك :[ فقلت: أما إنّ لله عليّ إن قدمت المدينة وغدوت إلى رسول الله 9 لأذكرنّ لرسول الله 9 ولاُخبرنّه ما لقينا من الغلظة والتضييق، قال: فلمّا قدمنا المدينة ... ». ولم يغمز ابن كثير في سنده، بل روى له شواهد ومؤيّدات .

([52]) البداية والنهاية لابن كثير 7 :333 .

([53]) السيرة النبوية لابن هشام 4 :290 .

([54]) مسند أحمد 5 :351 .

([55]) الإرشاد للمفيد 1 :160 .

([56]) المغني، كتاب الإمامة 1 :154 .

([57]) ذكر هذه الشبهة وأشار إليها كلّ من القاضي عبد الجبار في المغني كتاب الإمامة 1 :154، الجويني في غياث الأمم: 30، الفخر الرازي في الأربعين: 299، الدواني في الحجج الباهرة: 148، وغيرهم .

([58]) يراجع على سبيل المثال: المغني للقاضي عبد الجبار، كتاب الإمامة 1 :153، كتاب الإمامة لأبي نعيم: 220، المجموع المغيث للمديني 3 :456، النهاية لابن الأثير 5 :228، رسالة في الرد على الرافضة للمقدسي: 220، السيرة الحلبية 3 :227 .

([59]) معاني الأخبار: 71 .

([60]) الشافي 2 :313 .

([61]) معاني الأخبار: 71، وانظر: الشافي للمرتضى 2 :313، كنز الفوائد للكراجكي 2 :95، الصراط المستقيم للبياضي 1 :305 .

([62]) الشافي للمرتضى 2 :314، تلخيص الشافي للطوسي 2 :200ـ202 .

([63]) م ن 2 :313، نحوه كنز الفوائد للكراجكي 2 :96، الصراط المستقيم للبياضي 1 :305 .

([64]) م ن م: 314، تلخيص الشافي للطوسي 2 :200ـ202، غنية النزوع لابن زهرة 1 :171 .

([65]) انظر لمن استدلّ بذلك: الاعتقاد للبيهقي: 418، الصواعق المحرقة للهيتمي 1 :118، والتحفة الاثني عشرية للدهلوي: 330، والسيرة الحلبية 3 :276، وروح المعاني للآلوسي 5 :195ـ196، وغيرهم.

([66]) الجرح والتعديل لابن أبي حاتم 7 :75 رقم 423 .

([67]) تهذيب التهذيب لابن حجر 8 :268 رقم 546 .

([68]) الكافي للكليني 1 :362 .

([69]) بصائر الدرجات للصفار: 176 ح15، عنه بحار الأنوار 26 :42 ح74 .

([70]) م ن: 180 ح30. نعم هذا ربما لا يصدق على جميع بني الحسن، فمثلاً محمد بن عبد الله بن الحسن هذا وردت شواهد على أنه كان معترفاً بإمامة أمير المؤمنين (ع) ، فقد ذكر الفخر الرازي في تفسيره أنّه استشهد بقوله تعالى: (وَأُوْلُواْ الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْض) لاثبات إمامة علي (ع)  بعد رسول الله 9 (تفسير الرازي 15 :213)، وفي رسالة كتبها محمد هذا إلى المنصور يقول فيها: «وإنّ أبانا علياً كان الوصي وكان الإمام» (تاريخ الطبري 6 :196، تجارب الأمم لمسكويه 3 :395، المنتظم لابن الجوزي: 8 :65) .

([71]) قاموس الرجال: 6 :316 رقم 4263 .

([72]) عبقات الأنوار، حديث الغدير 10 :454 .

([73]) تثبيت دلائل النبوة: 255ـ256، ونحوه نهاية الأقدام للشهرستاني 494، الصواعق المحرقة للهيتمي 1 :111ـ112، والسيرة الحلبية 3 :276 .

([74]) أنساب الأشراف للبلاذري1 :583 رقم1180، 1185، الأحكام السلطانية للماوردي:7 .

([75]) الفصول المختارة، للمرتضى: 249ـ253 .

([76]) تقريب المعارف: 225، ونحوه باختصار الاقتصاد للطوسى: 214 .

([77]) المسلك في اُصول الدين: 240 .

([78]) انظر على سبيل المثال: المغني للقاضي عبد الجبار، كتاب الإمامة 1 :152، منهاج السنة لابن تيمية 8 :47ـ51، الصواعق المحرقة للهيتمي 1 :111، السيرة الحلبية 3 :275، رسالة في الرد على الرافضة للمقدسي: 7، نظرية الإمامة لأحمد صبحي: 223، الإمامة والنص لفيصل نور: 621ـ635، الإيضاح في أصول الدين لمحمد الطبري: 423، وغيرها .

([79]) مسائل المرتضى: 271 .

([80]) تقريب المعارف: 220ـ222 .

([81]) الخصال للصدوق: 550 ح30، الاحتجاج للطبرسي 1 :160 .

([82]) إرشاد القلوب للديلمي 1 :264 .

([83]) صحيح البخاري 5 :82 باب غزوة خيبر 8 :3 كتاب الفرائض، صحيح مسلم 5 :154 .

([84]) م ن 5 :83 .

([85]) شرح النهج لابن أبي الحديد 15 :186 .

([86]) نهج البلاغة، الكتاب رقم: 28 .

([87]) م ن، الخطبة رقم: 3 .

([88]) مجرد مقالات الشيخ أبي الحسن الأشعري لابن فورك: 188 .

([89]) الارشاد: 354 .

([90]) قواعد العقائد: 226ـ227 .

([91]) غاية المرام في علم الكلام: 319 .

([92]) شرح المقاصد 5 :274.

([93]) صحيح البخاري 8 :27 .

([94]) م.ن.

([95]) قال ابن الأثير في النهاية 1 :106 «استبد بالأمر يستبد به استبداداً: إذا تفرّد به دون غيره» .

([96]) صحيح البخاري 5 :83، صحيح مسلم 5 :155 .

([97]) نهج البلاغة، الكتاب: 62 .

([98]) المعجم الكبير للطبراني 5 :171، 175 .

([99]) شرح النهج لابن أبي الحديد 4 :73 في المنحرفين عن علي (ع)  .

([100]) مسند أحمد 1 :119 .

([101]) شرح النهج 4 :73 .

([102]) التوضيح الأنوار للحبلرودي: 162 .

([103]) العثمانيّة: 149 .

([104]) الأربعين: 300 .

([105]) منهاج السنة 7 :321، وانظر: الشيعة الاثني عشرية للعسّال: 424، نظرية الإمامة لأحمد صبحي: 223، الحجج الدامغات لنقد كتاب المراجعات للأعظمي: 567، تبديد الظلام للجبهان: 176، وغيرها.

([106]) تمهيد الأوائل: 457، وتبعه النسفي في تبصرة الأدلّة: 856 .

([107]) المنخول: 243 .

([108]) عارضة الأحوذي لابن العربي الاشبيلي 9 :69، عنه عبقات الأنوار، حديث الغدير 19 :427 .

([109]) فتح الباري لابن حجر 13 :182ـ183 .

([110]) معاني الأخبار: 72ـ73 .

([111]) رسائل الشريف المرتضى 3 :252 .

([112]) الصواعق المحرقة 1 :109ـ110 .

([113]) الأعراف: 179 .

([114]) مسائل المرتضى: 260ـ261 .

([115]) انظر: المناقب للخوارزمي: 136 ح152، نظم درر السمطين للزرندي: 113، تذكرة الخواص لسبط ابن الجوزي: 33، كفاية الطالب للكنجي: 64، فرائد السمطين للحموئي 1 :73 ح39، وغيرهم، انظر الغدير للاميني 2 :65 .

([116]) نهاية العقول: 382، وتبعه صاحب المواقف .

([117]) الصواعق المحرقة 1 :107 .

([118]) صحيح البخاري 1 :104، 216، 3 :62، 4 :40 .

([119]) مشكل الآثار 2 :308ـ309 .

([120]) وردت الإشارة إلى هذه الشبهة في تمهيد الأوائل للباقلاني: 454، المغني للقاضي عبد الجبارة، كتاب الإمامة 1: 147، 154، الجويني في الإرشاد: 355، الرازي في الأربعين: 299، الآمدي في أبكار الأفكار 5: 184، ابن تيمية في منهاج السنة 7: 325، الدهلوي في التحفة الاثني عشرية: 420، روح المعاني للآلوسي 5: 196، وغيرها .

([121]) الشافي للمرتضى 2 :292 .

([122]) م ن 2 :292، تمهيد الأصول للطوسي: 397 .

([123]) م ن 2 :293، والذخيرة: 451 .

([124]) الشافي للمرتضى 2 :294 .

([125]) انظر: المغني للقاضي عبد الجبار كتاب الإمامة 1 :153، شرح المقاصد للتفتازاني 5 :274، شرح التجريد للقوشجي: 369، الصواعق المحرقة للهيتمي 1 :111، روح المعاني للآلوسي 5 :197 .

([126]) العثمانية: 137ـ138 .

([127]) تمهيد الأوائل: 450 .

([128]) المغني، كتاب الإمامة 1 :153 .

([129]) الشافي 2 :306ـ311 .

([130]) الارشاد إلى قواطع الأدلّة: 345 .

([131]) تبصرة الأدلّة: 855 .

([132]) غاية المرام: 321 .

([133]) شرح المقاصد 5 :274 .

([134]) صحيح البخارى: 8 :26ـ28 .

([135]) تاريخ الطبري 2 :458 .

([136]) الجمل: 59 .