البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الأدلة والمنهج في إثبات ولادة الإمام المهدي (عج)

الباحث :  د. محمد شقير
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  17
السنة :  شهر جمادى الثاني 1440هـ / 2019م
تاريخ إضافة البحث :  March / 7 / 2019
عدد زيارات البحث :  2437
تحميل  ( 543.004 KB )
قد لا يكون غريباً أن يحتدم النقاش في العديد من القضايا، التي تنتمي إلى دائرة الفكر الإسلامي الشيعي، سواءً في عصرنا الحالي أم قبله، وأن يتناول هذا النقاش أمّهات القضايا في ذاك الفكر، من قبيل الإمامة وفلسفتها، إلى نشوء التشيّع ومراحل تكوّنه، وتطوّره التاريخي كظاهرةٍ اجتماعيةٍ، وصولاً إلى موضوع المهدوية ومجمل قضاياها. فالنقاش في المهدوية ليس بالأمر الجديد، وكذلك ليس جديداً طرح تلك الإشكالات، التي ترتبط بوجود الإمام المهدي(عج) وولادته. فهذه الإشكالات –في مجملها– قد طُرحت منذ أكثر من ألف عامٍ، حيث قُدّمت العديد من الإجابات عليها، والتي تنطوي على توظيف أكثر من منهجٍ في عملية إثبات تلك الولادة (أي ولادة الإمام(ع)).
ومن هنا لا بدّ من القول أنه لمّا كانت قضية إثبات ولادة الإمام المهدي(عج) قضيةً في غاية الأهمية، لمِا يترتّب عليها في الفكر الشيعي أو الاجتماع الشيعي من نتائج على أكثر من صعيدٍ، ولمّا كانت هذه المعالجة تدفع باتجاه جعل هذا البحث أكثرَ منهجيةً، وأكثرَ وضوحاً، وتوفّر الفرصة تالياً للوصول إلى نتائج أكثر علميةً ترتكز على قاعدةٍ منهجيةٍ أشدَّ صلابةً، كان من المبرّر علمياً ومنهجياً أن نعمد إلى اختيار هذا الموضوع لبحثه، وكشف العديد من أبعاده وجوانبه.
يهدف هذا البحث إلى عرض أهم الأدلّة والمناهج، التي تُعتمد في إثبات ولادة الإمام المهدي(عج)، حيث سنعمل على استخلاص هذه المناهج من تلك الأدلّة، التي سنقوم ببيانها بطريقةٍ تتضمّن معالجةً استدلاليةً منهجيةً معاصرةً لهذا الموضوع، لننتهي إلى تقييم مجمل لتلك المناهج، وللنتائج التي ترتّبت عليها، وما الذي قدّمته في قضية إثبات وجود الإمام المهدي(عج).
ولا بدّ من القول أنّ ما نقصده بالمنهج هو طبيعة المقدّمات وترتيبها، والعلاقة المنطقية التي تقوم في ما بينها، والتي تؤسّس للوصول إلى نتائج تحمل صفة العلمية، من حيث إنّها تترتّب على مقدّماتها.
وسوف نعمل هنا على بيان أهم الأدلّة التي تطرح لإثبات وجود الإمام المهدي(عج)[1]، لنبحث في كلٍّ منها المنهج الذي ارتكز عليه وطريقة توظيفه. أمّا تلك الأدلّة فهي ما يلي:
1. إثبات كبرى الحُجة: والتي يمكن إثباتها من خلال كلٍّ من الدليلين العقلي والنقلي، حيث جاء في الدليل العقلي[2] أنّ وجود الإمام الحجّة(عج) لطفٌ، ولذلك يجب نصبه من الله تعالى في كل زمانٍ، وهذا يعني ضرورة وجود الإمام الحجّة(عج) بشكلٍ دائمٍ، وعدم خلوِّ الأرض من حجّةٍ.
أمّا أنّ وجوده لطفٌ، فلأنّ وجود الإمام العادل، العالم بالكتاب، وتأويله الحق، والعارف بالسنّة والصحيح منها، سوف يقود إلى إقامة العدل، وبيان ما هو حقٌّ من الدين، والتأويل الصحيح للكتاب، وتبيان الصواب في الاختلاف فيه، والهداية إلى الله تعالى وإلى الحقّ والصراط المستقيم.
وبتعبيرٍ آخرَ: إنّ وجود الإمام لطفٌ، لأنّ هكذا إمامٍ يمكن له أن يبيّن الأطروحة الدينية الحقّة في جميع مجالاتها، هذا على المستوى المعرفي. كما يمكن له أن يقيم تلك الأطروحة، ويطبّقها بشكلٍ صحيحٍ في الاجتماع الإنساني في جميع ميادينه..؛ هذا على المستوى العملي.
أمّا في الدليل النقلي فقد جاء في العديد من الروايات الواردة عن أهل البيت(ع): «إنّ الأرض لا تخلو من حجّةٍ»[3]، أي من شخصٍ يمتلك مواصفاتٍ معنويةً، وعلميةً، وأخلاقيةً... يحتجّ به الله تعالى على عباده. أي يكون قادراً على بيان الدين، وفعل الهداية الإلهية، غيرَ مشوبةٍ بأيِّ خطأٍ، أو نقصٍ، أو خللٍ، يُخرجها عن مسارها، وحدودها؛ حتى لا يبقى لأيِّ إنسانٍ حجّةٌ على الله تعالى أنّه لم يبيّن له الطريق إليه والصراط المستقيم، وما هو حقٌّ من الدين، وما هو خيرٌ وصلاحٌ له في دنياه وآخرته. وهذا يعني أنه لا يمكن لأيِّ عصرٍ أن يخلوَ من حجّةٍ لله تعالى على خلقه، سواءً كان نبيّاً، أو رسولاً، أو وصيّاً. بما في ذلك العصر الذي نعيش، وإلى آخر الزمان ونهايته[4].
أمّا من جهة تشخيص من هو هذا الحجّة في عصرنا الحالي، فيمكن القول: حيث إن محمّداً (ص) هو خاتم الأنبياء والرسل، وحيث إنّ أوصياء النبي محمّد (ص) هم بحسب الروايات الورادة عن أهل البيت(ع) إثنا عشر إماماً، مضى منهم أحد عشر إماماً، آخرهم الحسن العسكري(ع)، وبما أنّ الإمام اللاحق هو من عقب الإمام السابق، كما سيأتي في عنوان (إثبات الإمامة في الأعقاب) –فضلاً عن أدلّةٍ أخرى تؤدّي إلى النتيجة نفسها-، فلا بدّ من أن يكون الإمام الثاني عشر من نسل الإمام العسكري(ع)، حيث دلّت العديد من الأدلّة على أن الحجّة المهدي(عج) هو محمّد بن الحسن العسكري، وأنّه الإمام الثاني عشر، وخاتم الأوصياء، والذي هو مصداق تلك الحجّة –التي لا تخلو الأرض منها– بعد وفاة أبيه الإمام الحسن العسكري(ع) سنة 256 هـ ق.
− المنهج المعتمد: يوجد في هذا الدليل كبرى، وصغرى، ونتيجةٌ.
أما الكبرى فهي: «لا تخلو الأرض من حجّة»، وقد ثبتت هذه الكبرى بالدليل العقلي، كما تثبت بالدليل النقلي الوارد عن أهل البيت(ع) وأئمتهم(ع)، بل بما جاء أيضاً في كتاب الله تعالى[5].
أمّا الصغرى، فمفادها أن الإمام المهدي(عج) هو مصداق تلك القضية، ومقصد تلك الكبرى، بعد وفاة أبيه الإمام الحسن العسكري(ع).
وحيث إنّه لا مصداق يثبته الدليل لصغرى تلك الكبرى إلّا الإمام المهدي بن الحسن العسكري(ع)؛ فهذا يعني النتيجة التالية: ضرورة ولادة الإمام المهدي(عج) قبل وفاة أبيه الإمام العسكري(ع). أمّا أنّه لا مصداق لصغرى لتلك الكبرى إلّا الإمام المهدي(ع)، فلأنّه عندما ثبتت إمامة الحسن العسكري(ع)، وعندما ثبت أن الإمام اللاحق هو من عقب الإمام السابق[6]، فهذا يعني ضرورةً أن يكون ذلك الحجّة –الذي لا تخلو منه الأرض– من عقب الإمام العسكري(ع). وبما أنّ الأدلّة تكفّلت بإثبات أن الحجّة بعد الإمام العسكري(ع) هو ولده محمد، وأنه لا ولد في عقب الإمام العسكري(ع) إلّا الإمام المهدي(عج)، فهذا يعني ضرورةً ولادة الإمام المهدي(عج) (محمد بن الحسن العسكري)، وبقائه حيّاً إلى يومنا هذا.

وهنا نلحظ ما يلي:
1. ثبتت كبرى هذا الاستدلال من خلال كلٍّ من الدليل العقلي، والدليل النقلي.
2. ثبتت صغرى هذا الاستدلال بالدليل النقلي. (فضلاً عن بقية الأدلّة ذات الصلة، والتي سيأتي بيانها).
وبالتالي لا بدّ من القول أن هذا الدليل هو دليلٌ يشترك فيه كلٌّ من العقل والنقل في إثبات كبراه، وإثبات ضرورة وجود صغرى لتلك الكبرى (أو مصداقٍ لمفهوم الحجّة) في كل زمنٍ، بمعزلٍ عن شخص تلك الصغرى، وشخص مصداقها.
لكن المائز في هذا الدليل أنّه يرتكز على كبرى الدليل، وينطلق منها. بل وهذه الكبرى هي التي تستلزم وجود صغراها. حيث إنّ الوظيفة في الصغرى في هذا الدليل بعينه ليست إثبات تلك الصغرى من أساسٍ، وإنّما هي مجرّد تحديدٍ لمصداق الكبرى وتعيينه، لا أكثر. أي إنّ السؤال المنطقي بناءً على تلك الكبرى، بعد وفاة الإمام العسكري(ع) هو: من هو ذلك الحُجّة؟ وليس: هل من حُجّة؟
وهذا ما يجعل عملية الاستدلال أكثرَ سهولةٍ، وأخفَّ مؤنةً، لأن مجمل الأدلّة التي وردت عن أئمة أهل البيت(ع) والتي تُعنىَ بمشخّصات المهدي(عج)، والإمام بعد الإمام العسكري(ع)، كانت كافيةً من حيث قدرتُها الإثباتيةُ على تشخيص من هو الحجّة بعد الإمام العسكري(ع).
أمّا عندما نقول بأنّ تلك الأدلّة هي أدلّةٌ كافيةٌ لإثبات ولادة الإمام، فلأن ما فعلته الأدلّة النقلية، التي تندرج في عنوان صغرى الدليل، أنّها حصرت جميع الاحتمالات المنطقية لوجود الحجّة باحتمالٍ واحدٍ لا ثانيَ له، وهو أن يكون من عقب الإمام العسكري(ع) وذريته، حيث إنّ العديد من تلك الأدلّة النقلية –عدا دليل (الإمامة في الأعقاب)، والذي يفيد أنّ الإمام اللاحق على الإمام العسكري(ع) يجب أن يكون من عقبه-، يدلّ دلالةً مطابقيةً ومباشرةً على أن الإمام المهدي(عج) هو ابن الإمام العسكري(ع) ومن عقبه[7]، بل إنّ بعض تلك الأدلّة يحدّد شخص الإمامَ المهديَّ(عج) من جهاتٍ أخرى، وجملةً من مواصفاته الشخصية[8].
وهذا يعني منطقيّاً ضرورة ولادة الإمام المهدي(عج) من الإمام الحسن العسكري(ع)، وأنّه محمد بن الحسن بشخصه، وجميع مواصفاته الشخصية، التي جاءت في روايات أهل البيت(ع)، وأنّه الإمام بعد الإمام، وأنّه الحجّة بعد الحجّة؛ هذا فضلاً عن بعض الأدلّة المباشرة ذات المنحى التاريخي، والتي تحدّثت في قضية الولادة وإثباتها، أي كان موضوعها ولادة الإمام المهدي(عج) من الإمام العسكري(ع) مباشرةً.
وأمّا الإضافة العلمية التي يمكن أن تضيفها هذه البنية المنهجية في هذا الدليل (كبرى، صغرى، نتيجة)، والانطلاق من كبرى الدليل هنا، فهي أنّ هذه الكبرى تتقاطع مع صغراها، وتزيد من قوة إثباتها علميّاً. بل يمكن القول هنا أنّ الكبرى يمكن أن يستند إليها في دفع أيِّ التباسٍ معرفيٍّ، أو إشكالٍ علميٍّ، يمكن أن يُطرح على الصغرى، وثبوت أصل وجود مصداقها، هذا بمعزلٍ عن منشأ هذا الالتباس، أو متانة ذاك الإشكال. وإن كنّا نعتقد أن الأدلّة التي تكفّلت: أوّلاً: أصل وجود الصغرى، وثانياً: تشخيص مصداقها، هي أدلّةٌ كافيةٌ من حيث قوتُها العلميةُ والإثباتيةُ، وإن كان من دورٍ للكبرى، فهو أنّها تتكاتف مع صغرى الدليل من حيث النتيجةُ، أي ضرورة ولادة الإمام المهدي(عج) من الإمام العسكري(ع)، ووجوده من بعده.
أي إنّه يمكن القول بعبارةٍ أخرى أنّ الكبرى، وإن كانت تتطلّب وتقتضي وجود صغراها بعد الإمام العسكري(ع) وتبحث عنها، لكن الصغرى (أي الأدلّة فيها) تملك حيثيّتين: الأولى حيثيّة التشخيص، والثانية حيثيّة إثبات الوجود، وهي –أي الحيثية الثانية– كافية لوحدها –بمعزلٍ عن الكبرى– في إثبات الحيثيّتين معاً، بل إنّ إثبات حيثيّة التشخيص يتضمّن حكماً إثبات حيثيّة الوجود.
بمعنًى آخرَ، فإنّ الكبرى تقول بضرورة وجود حجّةٍ (يملك مواصفات الحجّة) في هذا الزمن بمعزلٍ عن شخصه؛ أمّا الصغرى فإنّ أدلّتها تفيد أمرين: الأول تشخيص من هو الحجّة (تشخيص صغرى الكبرى)، والثاني (ضمناً) وجود ذلك الحجّة (بعد الإمام العسكري(ع)).
وعليه، فإنّ الكبرى والصغرى يتقاطعان في إثبات الحجّة بعد الإمام العسكري(ع)، وضرورة وجوده من بعده، وإذا أكملنا مع الصغرى وأدلّتها، فالنتيجة تشخيص من هو ذلك الحجّة بعد الإمام العسكري بشخصه، وجميع مواصفاته، وأنّه محمد بن الحسن العسكري(ع).
2. إثبات حدث الولادة: حيث إنّ العديد من الروايات التاريخية والدينية موضوعها هو حدث الولادة، أي إن الحديث بشكلٍ مباشرٍ هو في ولادة الإمام المهدي(عج) من الإمام الحسن العسكري(ع)، حيث يمكن أن نبحث هنا في دليلين اثنين، وهما: التاريخي والروائي[9].
1. الدليل التاريخي: حيث وردت العديد من الروايات التاريخية، التي تتحدّث في ولادة الإمام المهدي(عج)، وفي العديد من قضايا تلك الولادة وملابساتها وشؤونها.
−  المنهج المعتمد: وهو هنا المنهج التاريخي، باعتبار أنّنا نتحدّث في حادثةٍ تاريخيةٍ، يجب أن تعمل فيها جميع أدوات ذلك المنهج وآلياته.
2. الدليل الروائي: إذ إنّنا نجد أن جملةً من الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت(ع)، وعن الإمام الحسن العسكري(ع)[10] قد تحدّثت في ولادة ابنه الإمام المهدي(عج). كما ذكرت جملةً من القضايا التي ترتبط بتلك الولادة ومجمل شؤونها.
−  المنهج المعتمد: وهو هنا –كغيره من الأدلّة– المنهج النقلي، بجميع ما يتضمّنه هذ المنهج من شروطٍ وأدواتٍ وسوى ذلك.
3. إثبات الموقع النَّسَبي: والمقصود به تلك الروايات الواردة عن أهل البيت(ع) وأئمتهم، والتي تحدّثت في نسبة الإمام المهدي(عج) إلى من قبله من الأئمة عدديّاً، فهي تحمل معنى تحديد الموقع النسبي للإمام المهدي(عج) في التسلسل النسبي لأهل البيت(ع) وذريتهم. أي إن هناك رواياتٍ وردت عن أهل البيت(ع) يمكن تقسيمها إلى مجموعاتٍ، حيث إنّ كل مجموعةٍ من تلك الروايات تحدّثت في أمرين:
الأول: تحديد نسبة الإمام المهدي(عج) إلى من قبله من الأئمة[11].
الثاني: تحديد الموقع النسبي في التسلسل النسبي بالنسبة للإمام السابق.
ومجموع تلك الروايات يدلّ دلالةً قاطعةً على ضرورة ولادة الإمام المهدي(عج) من الإمام الحسن العسكري(ع).
ومن تلك المجموعات الروائية ما يلي[12]:
1. أنه التاسع من ولد الحسين(ع)، وفيه 160 حديثاً.
2. أنه السابع من ولد الباقر(ع)، وفيه 121 حديثاً.
3. أنه السادس من ولد الصادق(ع)، وفيه 112 حديثاً.
4. أنه الخامس من ولد موسى بن جعفر(ع)، وفيه 115 حديثاً.
5. أنه الرابع من ولد الرضا(ع)، وفيه 111 حديثاً.
6. في أنه خلف خلف الإمام الهادي(ع)، وابن الإمام العسكري(ع)، وفيه 107 حديثاً.
إلى غيرها من المجموعات الروائية التي أُحصيت في هذا الإطار، والتي توصل إلى هذه النتيجة، وهي ضرورة ولادة الإمام المهدي(عج) من الإمام الحسن بن علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب عليهم السلام، وابن فاطمة بنت رسول الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.
−  المنهج المعتمد: من الواضح هنا أن المنهج المعتمد هو المنهج النقلي، الذي يُعنى بالروايات التي وردت في الإطار الديني. وبالتالي لا بدّ من تطبيق أدوات هذا المنهج، وشروط إعماله، للوصول إلى النتائج والخلاصات ذات الصلة.
4. إثبات الغيبة: أي إن هناك عدداً كبيراً من الروايات التي وردت عن أهل البيت(ع)، والتي موضوعها حدث غيبة الإمام المهدي(عج)، ومجمل ما يتّصل بتلك الغيبة[13]. من الواضح هنا أن القول بغيبة الإمام المهدي(عج)، هو فرع القول بولادته، لأنّنا أمام احتمالين لا أكثر، وهما إمّا القول بأنّه قد وُلِدَ من الإمام العسكري(ع) وغاب، أو أنّه لم يولد إلى الآن، وسوف يولد في لاحق الأيام.
وعندما نجد أن المئات –إن لم نقل أكثر– من الأحاديث الواردة عن أهل البيت(ع)، قد تحدّثت في غيبة الإمام المهدي(عج) وجملةٍ من مشخّصاتها وقضاياها، فهذا يعني أنّ الولادة قد حصلت، ومن ثمّ حصلت الغيبة، وخصوصاً إذا ما أخذنا بعين الاعتبار العديد من الروايات الأخرى، ذات الصلة بهذا المضمون من قريبٍ أو بعيدٍ.
−  المنهج المعتمد: أمّا المنهج المعتمد هنا فهو أيضاً المنهج النقلي، حيث إنّ الكلام هو في تلك الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت(ع)، والتي تتحدّث في غيبة الإمام، وجميع ما يرتبط بها. وبالتالي لا بدّ من إعمال أدوات هذا المنهج، وجميع ما يتّصل به، لمعالجة تلك الروايات، والوصول من خلالها إلى النتائج العلمية التي تترتّب عليها.
5. إثبات الإمامة في الأعقاب: ويستند هذا الدليل إلى جملةٍ من الروايات عن أهل البيت(ع)[14]، والتي تتضمّن هذا المعنى، وهو أن الإمام اللاحق هو من عقب الإمام السابق، ما عدا الحسن والحسين عليهما السلام، باعتبار أن الإمامة انتقلت من الحسن إلى الحسين(ع)، وهما أخوان. وهذا يعني أنه إذا ثبتت إمامة الإمام السابق، فيجب أن يكون الإمام اللاحق بالضرورة من عقبه.
وهذا يعني أنه إذا ثبتت إمامة آباء الإمام المهدي(عج)، بمن فيهم الإمام العسكري(ع)، فهذا يعني بالضرورة أن يكون الإمام بعد الإمام العسكري(ع) من عقب الإمام الحسن العسكري(ع) نفسه. وهذا يعني ضرورةً أن يكون هناك ولدٌ للإمام العسكري(ع) يخلفه، ويكون من عقبه، ويولد منه، ليكون هو الإمام بعد الإمام، والحجّة بعد الحجّة.
وبما أنّه لا دليل يثبت وجود ولدٍ للإمام العسكري(ع)، إلّا ما أثبتته الأدلّة من وجود ولدٍ له هو محمّد بن الحسن المهدي(عج)، فهذا يعني أنّ ابنه محمد(ع) هذا هو الإمام والحجّة على الناس من بعده، فضلاً عن تلك الأدلّة التي حدّدت جميع المواصفات الشخصية للحجّة الذي هو من عقب الإمام العسكري(ع)، والتي تبيّن بوضوح جميع مشخّصات ذلك الحجّة والإمام من ولد العسكري(ع)، من اسمه وصفاته الشخصية، وسوى ذلك من مشخّصاتٍ، لا تترك مجالاً لأيِّ لبسٍ في تحديد من هو ذلك الإمام الحجّة من ولد الإمام العسكري(ع)، هذا على فرض طرح السؤال التالي: من هو ذلك الحجّة والإمام من ولد الإمام الحسن العسكري(ع)؟
−  المنهج المعتمد: وهو المنهج النقلي، باعتبار أننا نتحدّث في جملةٍ من الروايات الواردة عن أهل البيت(ع)، والتي تثبت أن الإمامة في الأعقاب، ما خلا الحسن والحسين عليهما السلام، كاستثناءٍ وحيدٍ لتلك القاعدة. وهذا ما يتطلّب –كسابق الأدلّة– إعمال هذ المنهج، بجميع ما يتضمّنه من شروطٍ وأدواتٍ، للوصول إلى النتائج العلمية ذات الصلة بهذا البحث.

إجمال واستنتاج:
نلاحظ من مجمل الأدلّة التي عُنِيت بإثبات ولادة الإمام المهدي(عج) أنّها تعتمد على الدليل العقلي –وقد مرّ شرحه وبيانه– وأيضاً النقلي، أي على الروايات الواردة عن أهل البيت(ع) وأئمتهم، هذا عدا الدليل التاريخي، الذي تضمّن رواياتٍ نُقِلَت عمّن ذُكِر أنه شاهد الإمام المهدي(عج)، سواءً في حياة أبيه، أو بعدها؛ أو من تحدّث عن حدث الولادة من معاصري الإمام، سواءً من أصحابه أو غيرهم. وهذا يعني أنّ المنهج المعتمد في إثبات تلك الولادة يتوزّع ما بين المنهج العقلي[15]، والمنهج التاريخي، والمنهج النقلي الذي يعنى بتلك الروايات، ومدى إمكانية الاعتماد عليها ودلالتها. أي إنّه يبحث في تلك الروايات سنداً ودلالةً، من أجل أن يتبيّن ما يمكن أن توصل إليه تلك الروايات في خلاصاتها ونتائجها.
ويمكن القول من جهةٍ أخرى أنّ الدليل العقلي قد عُنِيَ بإثبات كبرى الحجّة، وهذه الكبرى هي التي تستلزم وجود صغراها في الزمن اللاحق على وفاة الإمام العسكري(ع). أمّا الدليل النقلي، فقد تكفّل بإثبات كلٍّ من كبرى الحجّة وأيضاً صغرى الحجّة. ولهذا فإنّ الدليل النقلي يتقاطع مع الدليل العقلي في إثبات كبرى الحجّة، ويتكامل معه في إثبات صغراها. ومن هنا، فإنّ الدليلين العقلي والنقلي يتكاتفان لإثبات قضية الدليل المتضمّن لكبرى الحجّة وصغراها، وما يؤدّي إليه من إثبات ولادة الإمام المهدي(عج).
ولا بدّ من الإلفات إلى أنّ على هذين الدليلين العمدة في إثبات قضية ولادة الإمام المهدي(عج) ووجوده بعد وفاة أبيه. وهذا يعني أن كُلّاً من المنهجين النقلي والعقلي له دوره الأساس في بحث هذه القضية، والوصول بها إلى غاياتها العلمية، يضاف إليهما المنهج التاريخي، والذي يرتكز عليه الدليل التاريخي الذي ذكر لإثبات حدث الولادة.

وعليه، لا بدّ من الخلوص إلى ما يلي:
1. إنّ مجمل الأدلّة والمناهج المستخدمة في مجال المعرفة الإسلامية وطرق إثباتها موجودةٌ في هذا البحث.
2. يحتاج هذا البحث في بعض مفاصله إلى عملٍ تطبيقيٍّ في الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت(ع)، لبحثها سنداً ودلالة، وإن كانت قد بُذلت جهودٌ كبيرةٌ في هذا المجال، تحتاج إلى أن تُستَكمَل.
3. لا بدّ من التأكيد على الثقل الذي يمثّله الدليل النقلي، والمنهج المستخدم لديه في هذا الميدان، حيث إنّنا أمام آلاف الروايات، التي تتقاطع حول حدث ولادة الإمام المهدي(عج) ووجوده، والملاحظ في تلك الروايات:
1. أنّها صدرت من مجمل أئمة أهل البيت(ع)، وفي مجمل المراحل التاريخية التي مرّوا بها.
2. أنّها عملت على إثبات تلك النتيجة (ولادة الإمام المهدي(عج) ووجوده) من خلال عناوينَ وطرقٍ مختلفةٍ، حيث نجد أنّنا أمام منظومةٍ من الروايات الدينية، التي توصل إلى النتيجة نفسها. وهذا يدلّ على اهتمامٍ كبيرٍ بهذا الموضوع.
3. أنّ كم الروايات الدينية هو كبيرٌ جدّاً بلحاظ موضوعٍ جزئيٍّ، كموضوع ولادة الإمام المهدي(عج) ووجوده، وإن كان المبرّر لذلك هو أنّ الموضوع ذو مضمونٍ اعتقاديٍّ، يحتاج إلى التواتر، الذي يفيد العلم بمضمونه.
4. من الواضح مدى العناية التي أولاها أهل البيت(ع) بهذا الموضوع، ومن ثمّ أصحابهم، ومجمل المحدّثين، والعلماء من بعدهم.
5. لقد دُوّنت في الأزمنة المتأخرة مصنّفاتٌ عديدةٌ في ولادة الإمام المهدي(عج)، بعد أن كانت المصنّفات سابقاً شاملةً لمجمل ما يتّصل بالفكر المهدوي وقضاياه.
4. لن يغيّر في تلك النتيجة أن يكون البحث التاريخي إشكاليّاً في هذا الموضوع، وهو وإن كان الدليل التاريخي يحتاج إلى عملٍ مستأنفٍ في موضوعه، لكن يمكن القول أنّ في الدليلين العقلي والنقلي غنًى عن الخوض في هذا الدليل التاريخي ومنهجه، وإن كان من الممكن أن يُستفاد منه –بالحد الأدنى– كمؤّيدٍ لما تمّ إثباته بالعقل والنقل.
5. للدليل النقلي دورٌ أساسيٌّ في هذا الموضوع. وعليه العمدة، سواءً في كبرى الحجّة أم في صغراها. ولعلّه يحتاج إلى استكمال البحث فيه، بناءً على المنهج الحضاري، الذي يعنى بوعي النص المهدوي من منظار الرؤية الكونية، وحركة التاريخ وفلسفته، وقيم الدين وأهدافه. وهو ما يسهم في تعميق فهمنا للأطروحة المهدوية، والإجابة على جميع أسئلتها وإشكالياتها.
نعود للتأكيد على هذه الفكرة، وهي أن ما دوّنه علماؤنا ومحدّثونا في مصنّفاتهم الروائية قد بلغ الآلاف من الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت(ع)، والتي تتقاطع حول هذه القضية، وهي ضرورة ولادة الإمام المهدي(عج) من أبيه الإمام الحسن العسكري(ع)، وهذا العدد هو عددٌ كبيرٌ جدّاً، بلحاظ قضيةٍ كقضية ولادة الإمام المهدي(عج)، وجملة ما يرتبط بها.

وهذا يعني ما يلي:
1. أنّ من يريد البحث في هذا الموضوع، عليه أن يستقصي جميع الروايات الواردة عن أهل البيت(ع) وأئمتهم، في جميع ما يتّصل بذاك الموضوع.
2. أنّ الباحث في قضية ولادة الإمام المهدي(عج)، عليه أن يتقن – فضلاً عن المنهجين العقلي والتاريخي– المنهج النقلي والعلوم المرتبطة به، وشروط إعماله، وأدواته[16].

وهنا نلاحظ ما يلي:
أولاً: إنّ بعض الذين ذهبوا إلى نفي ولادة الإمام المهدي(عج)، لم يستوعب بحثهم الكثير من الأدلّة، والقضايا، أو المراجع ذات الصلة ببحثهم، وإنّما أغفلوا –عمداً أو جهلاً– الكثير من تلك القضايا والبحوث، مع أنها ذاتُ تأثيرٍ قويٍّ في نتيجة بحثهم. وهذا ما يخرج ذلك البحث عن علميته، وحتى عن موضوعيته، وكذلك النتائج التي توصّل إليها.
ثانياً: إنّ بعض أولئك لم يوظّف المنهج النقلي، بل إنّ منهم من لا يتقن توظيفه. ومع ذلك وصل إلى نتائج في موضوع ولادة الإمام المهدي(عج)، متجاوزاً هذا المنهج وأدلّته، مع أنّه قطب الرحى –مع مادته– في قضية الاستدلال على ولادة الإمام المهدي(عج) وجميع قضاياها، بل جميع ما يرتبط بالفكر المهدوي، ومسائله، وإشكالياته.
ثالثاً: كيف يمكن لباحثٍ موضوعيٍّ أن يتجاوز –بذرائعَ غيرِ علميةٍ– مجمل تلك المصادر التي دوّنت تراث أهل البيت(ع) ورواياتهم، والتي تتّصل بموضوع بحثه، مع أنه ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، حتى لو كان البحث بحثاً تاريخيّاً، لأنّها لم تبقَ مجرّد تراثٍ، أو رواياتٍ مستودعةٍ في بطون الكتب، وإنّما تحوّلت في العديد من معانيها إلى وقائعَ تاريخيةٍ، بل هي تحكي عن جملةٍ من قضايا التاريخ وأحداثه. ومن هنا فهي –من خلال أكثر من لحاظٍ– إحدى أهم العناصر الدخيلة في فهم التاريخ والكشف عنه. فحالها يكون حال من يستفيد من النص القرآني لفهم بعض القضايا التاريخية، التي حكى عنها القرآن الكريم، أو ساهم في حدوثها.
وعليه، إنّ ما فعله البعض في القفز فوق ذلك التراث، كان هروباً من إطارٍ معرفيٍّ في مصادره ونصوصه، ليسهل عليه بالتالي ممارسة أكثر من إسقاطٍ أيديولوجيٍّ على التاريخ، ليصوّره كما يشتهيه، لا ليقرأه كما حصل في الواقع.
رابعاً: إنّ الخطأ المنهجي الفادح الذي يقع فيه البعض، هو أنّه يريد أن ينطلق من بعض القضايا والنصوص التاريخية –محل النقاش– ليبني عليها وبشكلٍ انتقائيٍّ الكثير من المواقف والآراء ذات المضمون الأيديولوجي. فعلى سبيل المثال، لو قلنا أنّه قد حصلت تلك «الحيرة» التي ألّمت بالاجتماع الشيعي بعد غيبة الإمام المهدي(عج)، وحصل على إثرها ذلك النقاش في موضوع ولادته، فهل النتيجة المنطقية لذلك إثبات أن الإمام لم يولد، وانقطاع الإمامة، وغيرها من النتائج ذات الصلة[17]؟
ولو قلنا مثلاً بأنّ أخ الإمام العسكري(ع) جعفر، قد اقتسم ميراثه مع أمّه، فهل هذا دليلٌ حاسمٌ على عدم وجود الإمام المهدي(عج) آنذاك في وعي جميع أتباع الإمام العسكري(ع)[18]؟ إنّ هذا ما سوف نعمل على مناقشته باختصارٍ في النقطة اللاحقة. بهدف القول أن الافتقار إلى الوعي المنهجي الكافي في موضوع البحث، سوف يؤدّي إلى افتقاد البحث ونتائجه لصفة العلمية، بحيث يغدو أقربَ إلى التعبير عن ميولٍ من كونه بحثاً علميّاً يعتمد منطق الاستدلال العلمي الرصين، ويستوفي جميع عناصر بحثه.
خامساً: حتى لو بقينا نحن والبحث التاريخي كما يفهمه البعض، واستبعدنا جميع المصادر والروايات الواردة عن أهل البيت(ع)، والتي ترتبط بتلك القضايا التاريخية محل البحث، مع ذلك نلاحظ أن هناك من يمارس إسقاطاً واضحاً على التاريخ، ولا يبحث فيه بشكلٍ علميٍّ، أي إنّه لا يبحث في المعطى التاريخي الماثل بين يديه، ليستنتج الإجابات التاريخية ذات الصلة، وإنّما يبدو واضحاً أنّ لديه موقفاً بشكلٍ مسبّقٍ، وأنّه يريد أن يبني المعطى التاريخي بطريقةٍ تتناسب مع موقفه المسبّق ذاك. فمثلاً في موضوع ظاهرة «الحيرة»، فرقٌ بين أن تكون تلك «الحيرة» قد نالت عوام الناس، دون الأصحاب الخلّص للإمام العسكري(ع)، المستأمنون على ولده محمد(ع)، وبين أن تكون تلك «الحيرة» قد شملت هؤلاء أيضاً.
والذي تذكره العديد من تلك المصادر ذات الصلة[19] هو أن أكثر أصحاب الإمام الحسن العسكري(ع) كانوا يعتقدون بوجود ولدٍ له، هو محمد بن الحسن(ع)، لكنّهم كانوا يسترون ذلك، ويخفونه عن عامّة الناس لشدّة طلب السلطان له.
وعليه، لم يكن جمهور أصحاب الإمام العسكري(ع) في حيرةٍ من أمر الخَلَف، وإنّما كانت هذه الحيرة لدى عوام الناس، ولدى من لم يكن مستأمناً على الخلف بعد الخلف... وقد كان لهذه الحيرة مبرّراتها التاريخية، بل ربما يمكن القول أنّها كانت نتيجةً طبيعيةً لحدث الغيبة في السياق التاريخي آنذاك، وقد ساعدت على إخفاء أمر الخلف عن أعين السلطة، وصرف اهتمامها عن طلبه.
وبالتالي هل من الصحيح في المنطق التاريخي تغييب هذه الفرضية عن مائدة البحث، وتجاهل المصادر التي تتحدّث فيها، والاعتماد على مصدرٍ تاريخيٍّ واحدٍ، وانتقاء فرضيةٍ واحدةٍ من بين تلك الفرضيات التاريخية، دون مناقشتها بشكلٍ علميٍّ، ومقارنتها مع بقية الفرضيات، واستخلاص ما يصمد منها أمام النقد والتحليل التاريخي، ثم لتكون النتيجة الخلوص إلى مواقفَ أيديولوجيةٍ بناءً على ممارساتٍ انتقائيةٍ إسقاطيةٍ، تتستّر بالتاريخ، ومنهجه، وأدواته.
أمّا في الموضوع الآخر الذي يرتبط باقتسام ميراث الإمام العسكري(ع) من قبل أخيه جعفر وأمّه، فهناك فرضيةٌ لم يتطرّق إليها البعض، وهي أن جعفراً أخا الإمام العسكري(ع)، حاول أن يستفيد من تلك الظروف الشديدة، التي اقتضت إخفاء أمر الإمام وولادته، من أجل أن يضع يده على إرث الإمام العسكري(ع)، طمعاً فيه وفي مقام الإمامة من بعده، فكان تقسيم الميراث بمعونة السلطان وبلاطه.
وهنا هل من الصحيح علميّاً إغفال هذه الفرضية، التي تحدّثت فيها بعض روايات أهل البيت(ع) قبل حصولها بحوالي 150 سنة[20]؟ وهل من الصحيح تجاهل العديد من المصادر التاريخية وغير التاريخية التي تحدّثت في هذا الموضوع؟ وهل من الصحيح ممارسة هذه الانتقائية في البحث العلمي، وأكثر من إسقاطٍ معرفيٍّ، تحت ستار التاريخ والبحث التاريخي والعلمي، وذلك بهدف الترويج لأفكارٍ وآراء محسومةٍ سلفاً، لم تُبنَ بشكلٍ علميٍّ، وليس معلوماً أكثر من هدف في الترويج لها، والدعوة إليها.

------------------------------------------
[1] – لا نريد في هذا البحث استقصاء جميع الأدلّة في هذا الموضوع
[2] – المقصود هنا الدليل العقلي بحسب اصطلاحه الديني.
[3] – صدر الدين الشيرازي، شرح أصول الكافي، پژوهشگاه علوم إنساني ومطالعات فرهنگی، طهران، ج 2، ص 486.
[4] – يوجد تأكيدٌ كبيرٌ على هذا المعنى في الروايات الواردة عن أئمة أهل البيت(ع)، حيث جرى التعبير عن هذا المعنى بتعابيرَ مختلفةٍ، لكنّها تحمل المضمون نفسه. راجع: معجم أحاديث الإمام المهدي(عج)، تأليف ونشر مؤسسة المعارف الإسلامية، قم، 1428هـ، ط 2،ج 3، ص 485-500؛ و: ج 5: ص 25-33، ص 373-379، ص 437، ص 483-485.
[5] – في قوله تعالى: ﴿... وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ﴾. سورة الرعد، الآية: 7.
[6]– هذا فضلاً عن أدلّةٍ نقليةٍ أخرى –غير الدليل العام الذي مفاده أن الإمامة في الأعقاب، عدا الحسن(ع) والحسين(ع)– تفيد بأجمعها أن الإمام المهدي(عج) هو من ولد الإمام العسكري(ع)، بل هو الشخص الفلاني المولود من الإمام العسكري(ع)، وسيأتي بيان بعضها.
[7] – في أنّ الإمام المهدي(عج) هو ابن الإمام الحسن العسكري(ع) انظر: معجم أحاديث الإمام المهدي(عج)، م س: ج 5، ص 37-38، ص 418، ص 441، ص 507: ج 6، صص 27-55، صص 67-74.
انظر أيضاً: الشيخ لطف الله الصافي، منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، دار المرتضى، بيروت، 2008 م، ط 3، ج 2، صص 193-194، (الفصل الحادي والعشرون: في أنّه خلف خلف أبي الحسن، وابن أبي محمد الحسن عليهم السلام، وفيه 107 حديثاً)، و (الفصل الثاني والعشرون: فيما يدل على أنّ إسم أبيه الحسن عليه السلام، وفيه 108 حديثاً)، و (الفصل الرابع والعشرون: في أنّه إذا توالت ثلاثة أسماء، محمد وعلي والحسن، كان الرابع هو القائم، وفيه حديثان).
[8] – في تحديد نسب الإمام المهدي(عج) من جهة الأم انظر: الشيخ لطف الله الصافي، منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، ج 2، م ن: صص 209-213 (الفصل الثالث والعشرون: في أنّه ابن سيدة الإماء وخيرتهن، وفيه 11 حديثاً): صص 369-416 (الفصل الأول: في ثبوت ولادته وكيفيتها وتاريخها، وبعض حالات أمّه واسمها عليها السلام، وفيه 426 حديثاً). راجع أيضاً: معجم أحاديث الإمام المهدي(عج)، ج 5، م س، صص 513-520 (أمّ الإمام المهدي(عج) من نسل الحواريين).
وفي تحديد جملةٍ من مواصفاته الشخصية: منها في كيفية ولادته وتاريخها، يمكن الرجوع إلى: الشيخ لطف الله الصافي، منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، م س (الفصل الأول المذكور آنفاً في ثبوت ولادته وكيفيتها وتاريخها..)؛ ومنها في اسمه وكنيته وبعض شمائله، حيث يمكن الرجوع إلى: م ن، صص 131-141، (الفصل الرابع: في أنّ اسمه اسم رسول الله (ص)، وكنيته كنيته، وأنّه أشبه الناس به شمائلَ وأقوالاً وأفعالاً، وأنّه يعمل بسنّته، وفيه 54 حديثاً) و(الفصل الخامس: في شمائله عليه السلام، وفيه 29 حديثاً).
انظر أيضاً: معجم أحاديث الإمام المهدي(عج)، م س: ج 1، صص 81-178 (اسم الإمام المهدي(عج) ونسبه وبعض أوصافه): ج 4: صص 51-68 (اسم الإمام المهدي(عج) ونسبه وبعض أوصافه): صص 259-260 (اسم الإمام المهدي(عج) ونسبه وبعض أوصافه): صص 277-280 (اسم الإمام المهدي(عج) ونسبه وبعض أوصافه): صص 351-356 (اسمه ونسبه وبعض صفاته البدنية)؛ ج 5: صص 37-46 (اسم الإمام المهدي(عج) ونسبه وبعض أوصافه): صص 417-420 (اسم الإمام المهدي(عج) ونسبه): صص 441-442 (اسمه ونسبه وبعض أوصافه)؛ صص 443-444 (قوّته البدنية وبعض صفاته): صص 447-448 (صفته في بدنه): صص 507-512 (اسم الإمام المهدي ونسبه وبعض أوصافه).
[9]– عندما نميّز هنا بين دليلين نقليٍّ وتاريخيٍّ مع أنّ موضوعهما واحدٌ – حدث الولادة –، ومع أنّه قد نجدهما في المصادر نفسها، فهذا قائم على أن ما ورد لدينا من أئمة أهل البيت(ع) في حدث الولادة، ندرجه تحت عنوان الدليل النقلي. وما ورد إلينا من بعض الشخصيات الأخرى –كأصحاب الأئمة مثلاً– في حدث الولادة، فهذا ندرجه تحت عنوان الدليل التاريخي. وفي كلا الدليلين يمكن الرجوع إلى: الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني، منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر: ج 2، م س، صص 369-416 (الفصل الأول: في ثبوت ولادته، وكيفيتها، وتاريخها، وبعض حالات أمّه، واسمها عليهما السلام. وفيه 426 حديثاً)؛ وفي أنّه تخفى على الناس ولادته، انظر: م ن، صص 289-294. وانظر أيضاً: معجم أحاديث الإمام المهدي، م س، ج 6: ص 25-26 (ولادة الإمام المهدي(عج)): صص 39-56 (ولادة الإمام المهدي(عج) وغيبته): أيضاً: صص 101-104: صص 113-114: صص 204-238.
وفي أنّه تخفى ولادته، انظر: م ن: ج 4، صص 287-290: صص 337-340؛ ج 5، ص 445-446.
وفي التشكيك بولادته انظر: م ن: ج 5: ص 423 و ص 523.
[10] – يوجد في هذا المورد طائفتان من الروايات، الأولى: وهي التي تفيد بولادة الإمام المهدي(عج) من الإمام العسكري(ع) قبل ولادته. وقد صدر في هذا المعنى الكثير من الرايات عن العديد من أئمة أهل البيت(ع)، بمن فيهم الإمام أبي محمد العسكري قبل ولده الإمام المهدي(عج). (راجع: م ن، ص 441-442 وصص 507-511: ج 6، صص 25-74؛ منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، م س، صص 195-208، وص 214-215؛ هذا فضلاً عمّا يستفاد من دليل «إثبات الموقع النسبي»). الثانية: وهي التي تفيد بولادة الإمام المهدي(عج) من الإمام العسكري(ع) بعد ولادته، وقد صدر في هذا المعنى العديد من الروايات عن الإمام العسكري(ع) حصراً. (راجع في هذا المعنى المضمون: معجم أحاديث الإمام المهدي(عج)، م س، ج 6، صص 25-74).
[11] – هذا العنوان يمكن أن يكون دليلاً بنفسه. وتوضيح ذلك أنّنا أمام منظومتين من الروايات الواردة عن أهل البيت(ع) –حيث إنّ كل منظومةٍ تضمّ مجموعاتٍ من الروايات– المنظومة الأولى هي التي تذكر الموقع النسبي للإمام المهدي بالنسبة إلى آبائه(ع)، وتتميّز بأنّها تشتمل على صفةٍ عدديةٍ للإمام المهدي بالنسبة إلى من قبله من آبائه(ع) (أنّه التاسع، أو السابع، أو من ولد فلان). وهذه هي المنظومة التي ذكرناها في متن البحث.
أمّا المنظومة الثانية وهي التي تحدّد آباء الإمام المهدي(عج)، من دون أن تأتي على ذكر الصفة العددية للإمام المهدي(عج) بالنسبة إلى من قبله من آبائه(ع)، وهي تضم مجموعاتٍ كبيرةً من الروايات الواردة عن أهل البيت(ع)، والتي إذا عملنا على ترتيبها بشكلٍ متدرّجٍ، فإنّها تحصر –في آخر حلقاتها– احتمالات ولادة الإمام باحتمال واحدٍ لا بديلَ له، وهو أن يكون من عقب الإمام العسكري(ع).
ونحن هنا لم نعمل على إفراد هذه المنظومة الثانية في عنوانٍ مستقلٍّ –رغم أهميتها– لأنّها تشترك مع المنظومة الأولى في المضمون، مع إضافةٍ لدى المنظومة الأولى، وهي –كما ذكرنا– أنّها تشتمل على الصفة العددية للإمام المهدي(عج). ولذلك سوف نقتصر على بيان تلك المنظومة الثانية في الهامش، وهي بحسب الترتيب تضم ما يلي، بحسب ما جاء في كتاب (منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر):
1. في ما يدل على أنّه من عترة رسول الله (ص) ومن أهل بيته وذرّيته، وفيه 407 حديثاً.
2. في أنّه من ولد أمير المؤمنين علي(ع)، وفيه 225 حديثاً.
3. في أنّه من ولد سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء (ع)، وفيه 202 حديثاً.
4. في أنّه من أولاد السبطين الحسن والحسين عليهما السلام، وفيه 125 حديثاً.
5. في أنّه من ولد الحسين(ع)، وفيه 208 أحاديث.
6. في أنّه من ولد الأئمة التسعة من ولد الحسين(ع)، وفيه 165 حديثاً.
7. في أنّه من ولد علي بن الحسين زين العابدين(ع)، وفيه 197 حديثاً.
8. في أنّه من ولد جعفر بن محمد الصادق(ع)، وفيه 112 حديثاً.
9. في أنّه من ولد موسى بن جعفر الكاظم(ع)، وفيه 121 حديثاُ.
10.في أنّه من ولد محمد بن علي الرضا(ع)، وفيه 109 حديثاً.
11.في أنّه من ولد الإمام أبي الحسن علي بن محمد بن علي بن موسى عليهم السلام، وفيه 107 حديثاً.
12.في أنّه من ولد خلف خلف أبي الحسن وابن أبي محمد الحسن عليهم السلام، وفيه 107 حديثاً.
(انظر: الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني، ج 2، م س، صص 125-208).
[12]   – سوف نعرض هنا لجملة تلك المجموعات بحسب ما ورد في كتاب: الشيخ لطف الله الصافي الكلبايكاني، منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، م ن، ج 2، صص 164-208.
انظر أيضاً: محمد حسين الطباطبائي، رسالة التشيّع في العالم المعاصر، ترجمة: جواد علي كسّار، مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، 1418 ه.ق، ط 1، صص 272-274.
هذا وقد يحصل أن تختلف إحصاءات المصنّف تلك الروايات في ما بينها، تبعاً للاختلاف في بعض المعايير لدى المصنّفين، أو لربما لتجديد النظر، وبذل جهدٍ إضافيٍّ من المصنّف نفسه، فتختلف النتائج بين طبعة وأخرى من الكتاب نفسه، وإن كان هذا الاختلاف لا يضرّ على الإطلاق بأصل الموضوع.
[13]  – حيث ورد في كتاب الشيخ لطف الله الصافي الكلبيكاني، منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، م س، ص 565؛ العناوين التالية في فهرست العناوين: الفصل السابع والعشرون: في أنّ له غيبتين إحداهما أقصر من الأخرى، وفيه 10 أحاديث.
الفصل الثامن والعشرون: في أنّ له غيبةً طويلةً إلى أن يأذن الله تعالى له بالخروج، وفيه 100 حديث.
الفصل التاسع والعشرون: في علّة غيبته، وفيه 9 أحاديث.
الفصل الثلاثون: في بعض فوائد وجوده وانتفاع الناس منه في غيبته وتصرّفه في الأمور، وفيه 7 أحاديث.
الفصل الحادي والثلاثون: في أنّه عليه السلام طويل العمر جدّاً، وفيه 363 حديثاً.
الفصل الثاني والثلاثون: في أنّه شاب المنظر لا يهرم بمرور الأيام، وفيه 10 أحاديث.
مع الإلفات إلى أنّه لو بحثنا في الأحاديث الأخرى في الأبواب الأخرى، يمكن أن نجد فيها ما يدل على المعاني الواردة في الفصول الآنفة الذكر، حيث إنّ الأحاديث الواردة عن أئمة أهل البيت(ع) تتضمّن أكثر من معنى. ومن هنا، فإنّ حديثاً قد يُدرَج في فصل من الفصول، مع أنّه يتضّمن عبارةً تتقاطع مع فصلٍ آخرَ، أو فصولٍ أخرى.
وهذا يعني أنّه لو أخذنا –مثلاً– الفصل التاسع والعشرين، الذي فيه 9 أحاديث، وتتّبعنا مجمل الأحاديث الواردة في شأن الإمام المهدي(عج)، فسوف نجد أنّ عدد الأحاديث الوارد في هذا الفصل سوف يصبح أكثر بكثيرٍ من هذا الرقم الوارد في عنوان الفصل.
أمّا في (معجم أحاديث الإمام المهدي(عج))، م س، فنجد العناوين التالية:
ج 1: صص 319-335 (الإمام المهدي(عج) مثل ذي القرنين، يظهر بعد غيبةٍ).
ج 4: صص 85-102 (غيبة الإمام المهدي(عج)): صص 285-291 (تجري في الإمام المهدي(عج) سنن من الأنبياء(ع))، (مولد الإمام المهدي(عج) سرّاً وغيبته)، (فضل المؤمنين في غيبة الإمام المهدي(عج)): صص 343-350 (للإمام المهدي(عج) غيبةٌ قبل ظهوره): صص 357-363 (الإمام المهدي(عج) شبيه يوسف) و (فيه سننٌ من الأنبياء(ع)).
ج 5: صص 47-70 (غيبة الإمام المهدي(عج)): صص 93-123 (تجري في الإمام المهدي(عج) سنن بعض الأنبياء(ع))، (فضل المؤمنين في غيبة الإمام المهدي(عج)): ص 421-422 (غيبته وفضل المؤمنين بها): صص 449-454 (له عليه السلام غيبةٌ)، (غيبته والنهي عن تسميته(عج)): صص 491-498 (غيبة الإمام المهدي(عج))، (حالة الناس في غيبة الإمام المهدي(عج))، (يصلح الله تعالى أمر الإمام المهدي(عج) في ليلةٍ).
ج 6: ص 9-10 (مقام العلماء في غيبته(عج)): صص 39-64 (ولادة الإمام المهدي(عج) وغيبته)، (غيبة الإمام المهدي(عج) واختلاف الشيعة)، (امتحان الشيعة في غيبته(عج))، (فضل انتظار الفرج): صص 89-91 (الإمام المهدي يشبه الخضر وذا القرنين).
مع ضرورة الإلفات إلى أنّه لو بحثنا في بقية الروايات المدرجة في عناوينَ أخرى، غير التي ذكرناها، لوجدنا رواياتٍ تشتمل على معنى الغيبة في بعض دلالات تلك الروايات، وإن كان المصنّف قد أدرجها في عناوين أخرى، لأن مضمونها الأساس ينسجم مع ذلك العنوان المدرجة تحته؛ وهذا ما يعني أنّه لو استقصينا جميع الروايات ذات الصلة، لأمكن للروايات الدالّة على معنى الغيبة أن يرتفع عددها أكثر بكثير ممّا هو مدرجٌ في العناوين المذكورة آنفاً.
[14]   – ورد في هذا المعنى العديد من الروايات، اُنظر: الشيخ علي اليزدي الحائري، إلزام الناصب في إثبات الحجّة الغائب، مؤسسة الأعلمي للمطبوعات، بيروت، 2002 م، ط 1، ج 1، صص 48-50؛ الهيئة العلمية في مؤسسة المعارف الإسلامية، معجم أحاديث الإمام المهدي، م س، ج 7، ص 553.
راجع أيضاً: السيد سامي البدري، حول إمامة أهل البيت(ع) ووجود المهدي المنتظر(عج)، ط 4، صص 415-417.
[15]   – هنا لا بدّ من أن نعاود التأكيد على أن من يقول بالدليل العقلي في هذا المورد، فهو ينطلق من أن الله تعالى يُعرَف بالعقل، ومن عرف الله تعالى وجملة صفاته، عرف أنه لا بدّ له –لحكمته، ورحمته، ولطفه بخلقه– من حجّةٍ على خلقه، يهديهم إلى الحقّ، ويبيّن لهم الصحيح من الدين، ويرفع عنهم الاختلاف في تأويل الكتاب... سواءً كان هذا الحجّة نبيّاً، أو وصيَّ نبيٍّ. وأنّه لا يمكن أن يخلو زمان من هذا الحجّة، لجهة اللطف في وجوده. ومن هنا سُمِّيّ هذا الدليل بالعقلي، لغناه عن النقل. وقد رأى فيه المتكلّمون دليلاً كافياً بنفسه للاستدلال على ضرورة وجود الحجّة في كلِّ زمانٍ، وصولاً إلى الاستدلال على ضرورة وجود الإمام المهدي(عج)، من جهة كونه الحجّة. أي إنّه إذا أثبتت الأدلّة أن شخص المهدي(عج) هو من تنطبق عليه تلك المواصفات، التي يجب أن تتوفّر لدى «الحجّة»، فعندها تستطيع قضية «إن الأرض لا تخلو من حجّة» أن تمنحه جميع مدلولاتها، لتثبت أنّه الحجّة بعد وفاة الإمام العسكري(ع)، وبالتالي أنّه مولودٌ من أبيه الإمام العسكري(ع)، ليكون الحجّة بعده.
ولعلّ هذا هو مقصودهم بكفاية الدليل العقلي، أي إنّه إذا أثبت دليل اللطف ضرورة وجود حجّة بعد الإمام العسكري(ع)، بحيث يكون لتلك الحجّة تلك المواصفات، التي يقتضيها اللطف من العلم، والهداية، والصفات المعنوية وغيرها.. فلا يوجد مصداقٌ تثبته الأدلّة لتلك الحجّة ومواصفاتها بعد الإمام العسكري(ع)، إلّا الإمام المهدي(عج). وإن كنّا نعتقد، أن تحديد جميع مشخّصات مصداق الحجّة في الزمن اللاحق على وفاة الإمام العسكري(ع) لا يستغني عن الدليل النقلي، والروايات التي يتضمّنها.
[16]   – من الذين وقعوا في خللٍ منهجيٍّ واضحٍ في هذا المجال، الكاتب وجيه قانصو في كتابه «الشيعة الإمامية بين النص والتاريخ»، (دار الفارابي، بيروت، 2016 م، ط 1، صص 401-462)، إذ تراه يُصدر أحكامه جزافاً على التراث الروائي الوارد عن أئمة أهل البيت(ع)، من دون أن يجهد نفسه لإثبات تلك الأحكام، في فعلٍ هو أقرب ما يكون إلى ممارسة الإسقاط الأيديولوجي على قراءته لذلك التراث ومضامينه، إذْ لا يمكن إلغاء تراثٍ روائيٍّ بأكمله في مجالٍ ما، من دون إعمال المنهج النقلي، والاستفادة من مجمل العلوم ذات الصلة –هذا لو تجاوزنا مجمل المقدّمات الكلامية التي يرتكز عليها التراث النقلي-، وهذا ما جعله يركن إلى مخياله (العلمي) في إطلاق جملةٍ من الاتّهامات، التي تفتقر إلى صفة العلمية والموضوعية، وهذا ما حدا به إلى أن يقع في الكثير من الأخطاء الفادحة، التي تحتاج للردّ عليها إلى أضعاف ما جاء في كتابه.
فمثلاً بعد أن يسرد جملة من إسقاطاته تلك، يصل إلى هذه النتيجة فيقول: «هذا يؤكّد أن الرواية كانت صناعةً شعبيةً..» (ص 453)، ثم ليكمل في إفراغ نقمته على هذه الرواية، التي تقمع العقل، وينعدم فيها الفاصل بين الواقع والخيال، بحسب وصفه. لكنّه هو نفسه عندما يجد رواية تناسب خلفيته الأيديولوجية تراه يتمسّك بها، ويستند عليها، دون أي جهدٍ بحثيٍّ، أو إعمالٍ لأي منهج نقديٍّ، أو عملٍ تحقيقيٍّ، كما حصل –مثلاً– معه في رواية «تأبير النخل» (ص 83)، رغم أنّها تعارض ما جاء في صفة النبي (ص) في كتاب الله تعالى، وتحمل في نفسها التهافت، وكانت عرضةً لأكثر من نقدٍ ونقاشٍ علميين، لكنه عندما وجد فيها ضالّته، ورأى أنّها تساعده على إسقاط خلفيته الأيديولوجية على النبوة والنبي (ص)؛ فإنّه غادر جميع مقولاته التي حفل بها كتابه، ومارس ازدواجيةً فاضحةً في هذا المقام، ولم تعد الرواية هنا صناعةً شعبيةً تقمع العقل، فمع هذه الرواية التي عثر عليها، أصبح من الجائز قمع العقل، وتعطيل النقد.
[17]   – قانصو وجيه، الشيعة الإمامية بين النص والتاريخ، م س، 401-419.
[18]   – م ن، ص 358.
[19]   – راجع السيد سامي البدري، حول إمامة أهل البيت(ع) ووجود المهدي المنتظر(عج)، م س، صص 394-408.
[20]   – لطف الله الصافي الكلبايكاني، منتخب الأثر في الإمام الثاني عشر، م س، ص 217.