البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الدليل العقلي على الإمام المهدي (عج) عند متكلمي الإمامية قاعدة اللطف أنموذجاً

الباحث :  هاشم الميلاني
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  17
السنة :  شهر جمادى الثاني 1440هـ / 2019م
تاريخ إضافة البحث :  March / 7 / 2019
عدد زيارات البحث :  1277
تحميل  ( 546.200 KB )
بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله وآله الميامين

إن مسألةَ المنجي وموعود آخر الزمان مسألةُ اتفاقيةُ بين الأديان السماوية الثلاثة:

(الإسلام والمسيحية واليهودية).

ففي القرآن الكريم آياتٌ تدلّ على وراثة الأرض للصالحين، كما في قوله تعالى: [..أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِي الصَّالِحُونَ][1]

وفي المزامير الفصل 37 الآية11: (أما الودعاء فيرثون الأرض ويتلذذون في كثرة السلامة)

وكذلك الآية 29: (الصديقون يرثون الارض ويسلكونها إلى الابد)

وفي إنجيل لوقا 12 الآية 40: (فكونوا أنتم إذاً مستعدين لأنه في ساعةٍ لا تظنون يأتي ابن الإنسان).

وفي رسالة بطرس الفصل الثالث الآية 13و14:(ولكننا بحسب وعده ننتظر سماواتٍ جديدةً وأرضاً جديدةً يسكن فيها البر * لذلك أيها الأحباء إذ أنتم منتظرون هذه اجتهدوا لتوجدوا عنده بلا دنسٍ ولا عيبٍ في سلامٍ).

إذاً هذه المسألة مع قطع النظر عن المصداق هي مما اتفق عليها أتباع الاديان الثلاثة، وتم العمل على ترسيخها وشرحها بطرقٍ مختلفةٍ حتى أنّ الميديا أيضاً دخلت هذا المضمار وأنتجت أفلاماً ناظرةً إلى مسألة آخر الزمان وظهور المنجي.

علماً بأنّ لكل دينٍ أدلةً خاصةً لإثبات هذا الموضوع وتشخيص المصداق، وعندما نرجع إلى الإسلام ونرى تراث الإمامية الكلامي نجد مجموعةَ أدلةٍ نقليةٍ وعقليةٍ أُقيمت لإثبات أصل الفكرة ولتعيين المصداق أيضاً مضافاً إلى ردّ الشبهات والتساؤلات المطروحة.

ولا يخفى أنّ قاعدة اللطف من أهم الأدلة العقلية التي استند عليها الإمامية لإثبات أصل الإمامة وكذلك إمامة الإمام المهدي عليه السلام.

وسنحاول في هذه الدراسة الإجمالية الإشارة إلى أهم الركائز العقلية التي تدلّ على إمامة الإمام المهدي عليه السلام بالاستناد على قاعدة اللطف.

الكلمات المفتاحية: الدليل العقلي، قاعدة اللطف، الإمام المهدي عليه السلام.

العقل:

لقد عرّف المتكلمون العقلَ بمجموعةِ علومٍ كلِّيةٍ أو ضروريّةٍ وبديهيّةٍ تصوغ العقلَ عند اجتماعها، فهذا السيد المرتضى (ت 436هـ) يقول:»العقل علومٌ ضروريّةٌ من فعله تعالى».[2]

وذهب نصير الدين الطوسي (ت 672 هـ) إلى أنّه: (عبارةٌ عن علومٍ كليةٍ بديهيةٍ).[3]

وهناك من فصّل في نوعية هذه العلوم وذكر بعض المصاديق من قبيل العلم بالحَسَن والقبيح والتفريق بينهما، وكذلك الاستدلال بالشاهد على الغائب وغيرها من البديهيات الفطرية.

قال الكراجكي (ت449هـ): (فان قال: ما العقل؟ فقل: هو عرضٌ يحلّ الحي، يفرق بين الحُسْن والقبح ويصح بوجوده عليه التكليف).[4]

وقال الشيخ الطوسي (ت460هـ): (العقل مجموعةُ علومٌ ضروريّةٌ يميّز بها بين القبيح والحَسَن، ويمكن معها الاستدلال بالشاهد على الغائب).[5]

وأضاف في مكانٍ آخر: العلم بوجوب واجباتٍ كثيرةٍ مثل ردّ الوديعة، وشكر المنعم والإنصاف، وقبح قبائحَ كثيرةٍ مثل الظلم والكذب والعبث، وحُسْن كثيرٍ من المحسّنات مثل العدل والإحسان والصدق، ومثل العلم بقصد المخاطبين وتعلّق الفعل بالفاعل، ومثل العلم بالمدركات مع ارتفاع الموانع وزوال اللبس وغير ذلك.[6]

وينظّم الشيخ الطوسي في كتاب الاقتصاد هذه العلوم ضمن ثلاثة أقسامٍ ويقول: (والعلوم التي تُسمى عقلاً تنقسم إلى ثلاثة أقسامٍ:

أولها: العلم بأصول الأدلّة.

وثانيها: ما لا يتمّ العلم بهذه الأصول إلاّ معه.

وثالثها: ما لا يتمّ الغرض المطلوب إلاّ معه).

وبعد ذكره لمجموعة مصاديق لكل قسمٍ يقول: (والذي يدلّ على أنّ ذلك هو العقل لا غير أنّه متى تكاملت هذه العلوم كان عاقلاً، ولا يكون عاقلاً إلاّ وهذه العلوم حاصلةٌ).[7]

كما أنه يجيب عن سؤالٍ مقدَّر في وجه تسمية هذه العلوم عقلاً ليقول: (وسُمّيت هذه العلوم عقلاً لأمرين: أحدهما أن يكون لمكانها يمتنع من القبائح العقلية ويفعل لها واجباتها تشبيها بعقال الناقة، والثاني أنّ العلوم الاستدلالية لا يصح حصولها إلاّ بعد تقدّمها فهي مرتبطةٌ بها، فسّميت عقلاً تشبيها أيضاَ بعقال الناقة)[8].

ومن هذا المنطلق يرى الشيخ الطوسي بأن قضايا العقول تنقسم إلى ثلاثة: واجبٍ وجائزٍ ومستحيلٍ، فالواجب لا بد من حصوله على كلِّ حالٍ، والجائز هو ما يجوز حصوله وأن لا يحصل، والمستحيل هو الذي لا يجوز حصوله على وجهٍ[9].

ويكون اللطف من القسم الأول كما سترى.

اللطف[10]:

لقاعدة اللطف استعمالات كثيرة في علم الكلام، حيث تُستخدم في مسائل الوعد والوعيد، لزوم النبوة والإمامة، العصمة، الآلام والأعواض، فهي من القواعد الأساسية التي أولاها المتكلمون عنايةً خاصةً.

واللطف يتفرع بدوره من قاعدة أوسع هي قاعدة الحكمة الالهية أي انّ الله تعالى حكيم في أفعاله لا يصدر منه قبيح ولايخلّ بواجب، قال المحقق الحلي (ت 676هـ): (ومن الواجب في الحكمة اللطف للمكلفين)[11].

توضيح ذلك: أنّ الله تعالى أراد من المكلف الطاعة، فاذا علم انّه لا يختارها الاّ عند فعل يفعله به وجب في حكمته تعالى أن يفعله إذ انّه لايخلّ بواجب ولا يصدر منه قبيح، ولولا ذلك لكان نقضاً للغرض والحكيم لا يفعل ذلك، فاقتضت الحكمةُ الالهيةُ اللطفَ.

تعريف اللطف:

اختلفت ألفاظ المتكلمين في تقرير معنى اللطف مع اتحادها في المحتوى حيث اشتركوا في كونه ما يقرّب العبد من الطاعة ويبعده عن المعصية[12].

وعندما يقولون بأنه ما يقرّب العبد من الطاعة ويبّعد عن المعصية، فانه كلامٌ عامٌّ يشمل اللطف وغيره من القدرة والآلات فإنها جميعها تقرب إلى فعل الطاعة وتبعد عن المعصية، فلذا جاؤوا بقيدين:

الأول: ما لم يكن له حظٌّ في التمكين، فخرج بهذا القيد القدرة والآلات التي يتمكّن بها المكلف من إيقاع الفعل، فان هذه كلها لها حظٌّ في التمكين إذ بدونها لا يمكن إيقاع الفعل، وأما اللطف فليس كذلك إذ وقوع الفعل بالملطوف فيه بدونه ممكن، لكن معه يكون الفعل إلى الوقوع أقرب بعد إمكانه الصرف.

الثاني: ألّا يبلغ حدّ الإلجاء، إذ الإلجاء ينافي التكليف فيكون اللطف أيضاً منافياً له،[13]

وهناك شرائطُ أخرى ذكرها المتكلمون من قبيل لزوم التناسب بين اللطف والملطوف فيه[14]، وأن يتأخّر عن التكليف ولو بزمانٍ واحدٍ[15]، كما يجب أن يكون معلوماً على الوجه الذي هو لطفٌ فيه لأنه داعٍ إلى الفعل فهو كسائر الدواعي، والمعتبر في الدواعي حال الداعي من علمٍ أو ظنٍّ أو اعتقادٍ، ويجب أن يكون متقدمًا للملطوف فيه ليصح أن يكون داعياً وباعثاً عليه والداعي لا يكون إلّا متقدماً[16]، كما يلزم أن يشتملَ اللطفُ على مصلحةٍ تعود إلى فاعله، إذ إيجابه عليه لمصلحة غيره مع خلوّه عن مصلحةٍ تعود إليه ظلمٌ وهو عليه محالٌ.[17]

ثم اللطف ينقسم إلى:

1- ما كان من فعل الله تعالى خاصةً.

2- ما كان من فعل المكلّف نفسه.

3- ما كان من فعل غير الله سبحانه وغير المكلّف[18].

وقد قال المقداد السيوري (ت826هـ) في شرح هذه الأقسام:

«الأول أن يكون من فعله تعالى كإرسال ونصب الأدلة. الثاني من فعل المكلّف نفسه، ويجب في حكمته تعالى أن يُعرّفه به ويوجبه، فإن قصّر المكلّف فقد أتى من قبل نفسه كمتابعة الرسل. الثالث: من فعل غيرهما ويجب في الحكمة إيجابه على الغير كتبليغ الرسالة، وان يكون له في مقابلته نفع يعود إليه، لأنّ إيجابه عليه لمصلحة غيره مع عدم نفع يصل اليه ظلم تعالى الله عنه[19]».

ويضيف المقداد السيوري أحكاماً للّطف نشير إلى ما ينفعنا منها في مبحثنا هذا حيث قال رحمه الله:

الأول: أنه عامٌ للمؤمن والكافر، ولا يلزم من حصوله للكافر عدم كفره، لأنّ اللطف لطفٌ في نفسه حصل الملطوف فيه أو لا، بل كونه لطفاً من حيث إنه مقربٌ إلى الطاعة ومرجّحٌ لوجودها، وعدم الترجيح هنا لها؛ لعارضٍ أقوى، وهو سوء اختيار العاصي.

الثاني: انّه إذا لم يفعل الله اللطف لم يحسن عقابه للمكلّف على ترك المطلوف فيه.

الثالث: أنّه لا يبلغ إلى الإلجاء لمنافاته التكليف[20].

وجوب اللطف

والآن بعد أن عرفنا معنى اللطف وشرائطَه وأحكامَه بشكلٍ مقتضبٍ، نصل إلى أنّ اللطف هل هو واجبٌ على الله تعالى أم لا. فالعدلية على الأول والأشاعرة على الثاني.

استدلّ الشيعة على وجوب اللطف على الله تعالى بدليلَيِ النقل والعقل.

أما الدليل النقلي، فقد أشار إليه الشيخ الطوسي (ت460هـ) في تفسير التبيان في قوله تعالى:[وَلَوْلاَ أَنْ تُصِيبَهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ][21]

قال: «وفي الآية دلالةٌ على وجوب فعل اللطف، لأنه لو لم يكن فعله واجبا لم يكن للآية معنًى صحيحٌ».[22]

أما الدليل العقلي فيعتمد على قاعدة التكليف كما عبر عنها العلامة الحلي رحمه الله (ت726هـ)، حيث قال في بيانها: «إن قاعدة التكليف تقتضي إيجابه كالتمكين، والتكليف ثابتٌ فاللطف واجبٌ، بيانه: إن من دعا غيره إلى طعامٍ وأراد تناوله وعلِم أنّه لا يقدم عليه إلّا بفعل يفعله الداعي من بشاشةٍ أو تأدّبٍ فإنه متى لم يفعل ذلك كان ناقضاً لغرضه مبطلاً لمراده وجارياً مجرى منعه من التناول، كذلك التكليف إذا علم الله تعالى أنّ مع فعل اللطف يكون العبد أدعى إلى ما كُلّف به ومع تركه يكون أقرب من الامتناع فانّه متى لم يفعله كان ناقضاً بغرضه وهو محالٌ».[23]

فالله تعالى قد كّلف عباده بمجموعةٍ من التكاليف وطلب منهم الطاعة والانقياد: [وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ][24] واللطف الذي هو ما يقرب إلى الطاعة ويبعد عن المعصية فيفضي إلى تحقيق غرض الباري تعالى، فيجب في حكمته تعالى تحقّق ذلك، فلو لم يفعل الله تعالى اللطف على هذا التقدير لكان ناقضاً لغرضه ونقض الغرض قبيحٌ، لأنّ العقلاء يعدّون المناقضة للغرض سفهاً وهو ضدُّ الحكمة ونقصٌ، والنقص عليه تعالى محالٌ.[25]

الإمام المهدي :

إنّ إمامة الإمام المهدي  من فروع مسألة الإمامة المتفرعة هي بدورها من مسألة النبوة، والكلام عن الفروع لا يصح من دون الكلام عن الأصول وإثباتها أولاً، ليصح الاستدلال بتبعها على الفروع.

إنّ المتكلّمين أنزلوا النبوة والإمامة منزلة الرئاسة (الدينية والدنيوية) وإنّ اللطف يقتضي إيجابها مع إلزام صفة العصمة في الرئيس.

بيان ذلك:

إنّ نظرتنا إلى العالم نظرةٌ إلهيةٌ، تعتمد على اعتقاد وجود خالقٍ ومدبِّرٍ للكون له الأمر والخلق وهو المبدأ والمنتهى، هذه النظرة هي الأساس في جميع أعمالنا وأفكارنا.

كما نعتقد أنّ الإنسان خُلق ليكون خليفة الله تعالى في أرضه، ولهذا الإنسان حوائجُ معنويةٌ وحوائجُ ماديةٌ وباشباعهما معاً بصورةٍ صحيحةٍ يصل الإنسان إلى أعلى المراتب، ومن أهم هذه الحوائج نيل السعادة في الدارين، ولا يخفى أنّ الوصول إلى هذه السعادة صعب المنال، ويحتاج إلى برنامجٍ واسعٍ وشاملٍ لجميع أبعاد الإنسان سواءً المعنوية منها أم المادية، وسواءً عرفها الإنسان وانتبه إليها أم لم يعرفها.

ومن البديهي ألّا يتمكن أيُّ شخصٍ أو حزبٍ أو تيارٍ رسم هكذا برنامجٍ شاملٍ لنفسه أو لغيره، لأنّه فرع معرفته بجميع أبعاد وجود الإنسان وحوائجه، وما لم تشبع هذه الحوائج ولم تتحقّق بصورةٍ صحيحةٍ لن يصل الإنسان إلى السعادة.

ونعتقد أيضاً أنّ الدين والشرع الإلهي هو البرنامج الوحيد المتكفّل بإيصال الإنسان إلى سعادته وكماله المطلوب في الدنيا والآخرة، فالله تعالى لمعرفته بجميع أبعاد وجود الإنسان وحوائجه كما في قوله تعالى: [أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ][26] له الحق في تعيين مصيره ورسم برنامجه السلوكي، وهذا ما تحقق على يد الأنبياء والأئمة عليهم السلام.

هذا البرنامج الإلهي لا يمكن أن يبقى ويستمر، ما لم يقترن بنظامٍ سياسيٍّ يأخذ على عاتقه نشره والدفاع عنه وتبيين معالمه، فبقاء الدين رهن اقترانه بالنظام السياسي، ويؤيده ما ورد عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال: (اللهم إنّك تعلم أنّه لم يكن الذي كان منّا منافسةً في سلطان، ولا التماسَ شيءٍ من فضول الحطام، ولكن لنرد المعالم من دينك، ونظهر الإصلاح في بلادك، فيأمن المظلومون من عبادك، وتُقام المعطّلة من حدودك)[27]

وهذا يدلّ بوضوحٍ على أنّ الحفاظ على معالم الدين وإقامة حدود الشريعة لا يتأتى إلاّ بنظامٍ سياسيٍّ شاملٍ ومقتدرٍ.

طبعاً عندما نتكلّم عن الحكومة وضرورة تأسيسها، لا نقصد جانبها المادي والدنيوي الذي يتكفّل بتأمين حوائج الناس المادية وحدها، فلو كانت حوائج الإنسان مقتصرةً على الحوائج المادية واقتصرنا على تأمين السعادة الدنيوية، فهذا لا يحتاج إلى جعل إلهيٍّ بل هو متروكٌ للناس شأنه شأن سائر ما يحتاجون إليه من الضروريات الأولية كالأكل والنوم وما شاكل.

لكننّا كما قلنا ننظر إلى الإنسان نظرةً ثنائيةً، ونعتقد أنّ الإنسان كما يحتاج إلى تأمين الجانب المادي في حياته، كذلك يحتاج إلى تأمين البعد المعنوي أيضا ً وهو أهمُّ وأخطرُ، وتأمين هذين البعدين خارجٌ عن قدرة الإنسان ويحتاج إلى برنامجٍ إلهيٍّ يتحقق ضمن حكومةٍ دينيةٍ، وضمن قانونٍ عامٍّ يُراعي المصالح والمفاسد الحقيقية للإنسان، وليس ذلك إلّا لله تعالى.

من هذا المنطلق تقتضي قاعدة اللطف وجود من يتولّى هذه المهمة، حيث يمتاز بصفاتٍ خاصةٍ منها العلم والعصمة، وليس ذلك إلاّ للنبي أو الوصي.

قال أبو الصلاح الحلبي (ت447هـ): «الرئاسة واجبةٌ في حكمته تعالى على كلّ مكلّفٍ يجوز منه إيثار القبيح، لكونها لطفاً في فعل الواجب والتقريب إليه وترك القبيح أو التبعيد منه، بدليل عموم العلم للعقلاء بكون مَنْ هذه حاله عند وجود الرئيس المبسوط اليد –الشديد التدبير القويّ الرهبة– إلى الصلاح أقرب ومن الفساد أبعد، وكونهم عند فقده أو ضعفه بخلاف ذلك. وقد ثبت وجوب ما له هذه الصفة من الألطاف في حكمته تعالى فوجب لذلك نصب الرؤساء في كل زمانٍ اشتمل على مكلفين غير معصومين»[28]

وبعد أن ذكر شرائط وصفات هذا الرئيس قال: «وهذه الرئاسة قد تكون نبوّةً.... وقد تكون إمامةً ليست بنبوةٍ».[29]

وقد أضاف ابن ميثم البحراني (ت 699هـ): إن وجود النبي ضروريٌّ في بقاء نوع الإنسان وإصلاح أحواله في معاشه ومعاده، وكل ما كان ضروريّا ً في ذلك فهو واجبٌ في الحكمة الإلهية، فوجود النبي واجبٌ في الحكمة الالهية[30].

هذه هي طريقة المتكلّمين في إثبات النبوة والإمامة.

وقد ذكر نصير الدين الطوسي (ت672هـ) طريقةً مشابهةً أخرى ونسبها إلى الفلاسفة حيث قال في تقرير ذلك: «طريقتهم في إثبات النبوة أنهم يقولون: الإنسان مدنيٌّ بالطبع، يعنون به أنّ الشخص الواحد لا يمكنه أن يحصّل أسباب معاشه وحده، فإنّه يحتاج إلى تحصيل الغذاء الموافق واللباس الذي يحفظه من الحر والبرد، والمساكن الموافقة في الفصول المختلفة، والأسلحة التي يتحفّظ بها من السباع والأعداء كل ذلك غير حاصل في أصل الوجود، بل كلها مما يحصل بالصناعات. والإنسان الواحد لا يمكنه القيام بها جميعاً، بل هو مضطرٌّ إلى معاونة بني جنسه في ذلك حتى يقوم كلُّ واحدٍ لشيء من ذلك ويحصل بالتعاون جميع ذلك فيمكنهم التعيّش، وهذا معنى التمدّن.

ولا بد في ما بينهم من معاملاتٍ ومعاوضاتٍ، وإذْ كانوا مجبولين على الشهوة والغضب فلا بد من قانونٍ بينهم مبنيٍّ على العدل والإنصاف حتى لا يحيف بعضهم على بعض، ولا يجوز أن يكون ذلك القانون من تلقاء بعضهم من غير خصوصيةٍ في ذلك البعض وإلاّ لما قَبِله الباقون، وتلك الخصوصية يجب أن تكون من عند خالقهم حتى ينقادوا لذلك، فالآتي بها هو النبي....

ولا بد من أن يُمهّد الشارع لهم طرق المعارف والاعتراف بالمعبود يقيناً أو تقليداً والإقرار بنبوّة ذلك النبي، وأن يضع بينهم القوانين في معاملاتهم وفي سياسة من يخرج عن مصالح التعاون، وأن يفرض عليهم العبادات لئلا ينسوا عقائدهم في خالقهم ونبيهم، وأن يعدهم ويوعدهم في الآخرة لتكون عقائدهم موافقةً لما يظهرون من العبادات المعاملات كيلا يخونوا ولا يذهبوا مذهب أهل النفاق، وأن يكون الوعد والوعيد الصادران عنه موافقيْن لما في نفس الأمر حتى يتّقوا به ويعملوا بحسبه.

وهذه الضرورات لنوع الإنسان أهم مِنْ خلق الأشفار والحاجبين لوقاية العين، ومن تعريض الأظفار على لحوم الأصابع وغير ذلك ممّا يشبهه.

فالمدبر للنوع الذي يسوقه من النقصان إلى الكمال لا بد وأن يبعث الأنبياء ويُمهّد الشرائع كما هو موجودٌ في العالم ليحصل النظام ويتعيّش الأشخاص، ويمكن لهم الوصول من النقصان إلى الكمال الذي خلقوا لأجله».[31]

بعدما تم إثبات هذا الأصل من خلال قاعدة اللطف، يسهل علينا إثبات لُطفيّة إمامة مولانا صاحب الزمان عليه أفضل التحية والسلام، إذ إنّ إمامته متفرعةٌ من أصل النبوة والإمامة، للزوم استمرار اللطف في كل الأزمان.

وذلك أنّ قاعدة اللطف لا تنحصر بزمانٍ دون زمانٍ أو وقتٍ دون وقت، بل هي عامةٌ شاملةٌ ما دامت الخليقة على الأرض، لأنها تعتمد على ثوابتَ أبديةٍ دائميةٍ، إنها تعتمد على وجود خالقٍ للكون (وهو أبديٌّ وأزليٌّ) وتعتمد على الحكمة الإلهية في هداية الإنسان (وهي أيضاً أبديةٌ وأزليّةٌ) و تعتمد على حاجة الإنسان إلى من يدلّه باستمرارٍ إلى القواعد الثابته الإلهية مع القيام بتأويلها وشرحها وبسطها بحسب الحاجة وبحسب المستحدثات في كل عصرٍ وزمانٍ (وهي حاجةٌ مستمرةٌ أيضاً) كما تعتمد على نقصان الإنسان من الاتصال بعالم الغيب والشهادة وهو نقصانٌ مستمرٌّ أيضاً لا يلتئم مهما تقدّمت العلوم والمعارف.

قال الشيخ المفيد رحمه الله (ت 413هـ): «فان قيل: ما الدليل على وجوده فالجواب: الدليل على ذلك أنّ كل زمانٍ لا بد فيه من إمامٍ معصومٍ وإلّا لخلا الزمان من إمامٍ معصومٍ، مع أنّه لطفٌ، واللطف واجبٌ على الله تعالى في كل زمانٍ».[32]

ويشرح ذلك قائلاً: (فمن الدلائل على ذلك ما يقتضيه العقل بالاستدلال الصحيح من وجود إمامٍ معصومٍ كاملٍ غنيٍّ عن رعاياه في الأحكام والعلوم في كل زمانٍ لاستحالة خلوّ المكلفين من سلطانٍ يكونون بوجوده أقرب إلى الصلاح وأبعد من الفساد، وحاجة الكل من ذوي النقصان إلى مؤدِّبٍ للجُناة، مقوِّمٍ للعُصاة، رادعٍ للغُواة، معلِّمٍ للجُهَّال، منبّهٍ للغافلين، محذِّرٍ من الضلال، مقيمٍ للحدود، منِّفذٍ للأحكام، فاصلٍ بين أهل الاختلاف، ناصبٍ للأمراء، سادٍّ للثغور، حافظٍ للأموال، مُحامٍ عن بيضة الإسلام، جامعٍ للناس في الجمعات والأعياد).[33]

اللطف والغيبة:

رغم أن قاعدة اللطف تُعدّ من أفضل وأوضح الطرق في إثبات الإمامة عموماً، وإمامة صاحب الزمان بالخصوص وأبعدها عن الشبهات عند متكلمي الإمامية،[34] تبقى مسألة غيبة صاحب الزمان عليه السلام من أشكل المسائل وأكثرها اشتباهاً وإشكالاً وسؤالاً عند الخصوم[35].

والشبهة التي تُطرح في المقام هي أنّ اللطف كيف يجتمع مع الغَيبة، حيث إنّ اللطف يعني ما يقرّب العبد من الطاعة ويبعّده عن المعصية، وهذا يقتضي حضور الإمام المعصوم عليه السلام، فكيف يتم تفسير قاعدة اللطف في زمن الغيبة؟!

وقد تصدّى متكلمو الشيعة للإجابة على هذه الشبهة فقدّموا عدّة أجوبةٍ:

أولاً: إنّ الكلام في الغَيبْة سهلٌ جدّاً لأنّها مبنيّةٌ على أصولٍ فإن ثبتت تلك الأصول كان الخوض في مسألة الغيبة من أسهل الأمور.

قال السيد المرتضى (ت436هـ): «إنّ المخالفين لنا في الاعتقاد يتوهّمون صعوبة الكلام علينا في الغَيْبة وسهولته عليهم، وليس بأوّل جهلٍ اعتقدوه وعند التأمّل يبين عكس ما توهّموه.

بيان ذلك: إنّ الغَيبة فرعٌ لأصولٍ إن صحّت فالكلام في الغَيبة أسهل شيءٍ وأوضحه إذ هي متوقفةٌ عليها، وإن كانت غير صحيحةٍ فالكلام في الغيبة صعبٌ غيرُ ممكنٍ[36]».

وأضاف قائلاً: «إذا لم تثبت لنا إمامة ابن الحسن عليه السلام فلا كلام لنا في الغيبة، لأنّ إنّما نتكلّم في سبب غيبة من ثبتت إمامته وعُلم وجوده، والكلام في وجوه غيبة من ليس بموجودٍ هذيان. وإذا لم تسلّموا إمامة ابن الحسن عليه السلام جعلنا الكلام معكم في صحة إمامته، واشتغلنا بتثبيتها وإيضاحها، فإذا زالت الشبهة فيها ساغ الكلام حينئذٍ في سبب الغيبة، وإن لم تثبت لنا إمامته وعجزنا عن الدلالة على صحّتها فقد بطل قولنا بإمامة ابن الحسن عليه السلام واستغنى معنا عن كلفة الكلام في سبب الغيبة).[37]

ثانياً: بعد إثبات حكمة الله تعالى وأنّ اللطف واجبٌ في حكمته، وبعد ثبوت لزوم وجود إمامٍ معصومٍ في كل عصرٍ وزمانٍ طبقاً لقاعدة اللطف، فإذا رأيناه غائباً علمنا أنّ لها حكمةً وسبباً وإن جهلنا بها لأنّ الحكيم لا يفعل القبيح ولا يصدر منه ما ينقض غرضه، وكذلك المعصوم المكلّف بهداية الناس لا يصدر منه ما يناقض ما كُلّف به.

وعليه فلا حاجة لذكر أسباب الغيبة، وإذا تكلّفنا ذلك كان تبرُّعاً وفضلاً، قال السيد المرتضى: «إذا علمنا أنّ الإمام هو ابن الحسن عليه السلام دون غيره، ورأيناه غائباً عن الأبصار، علمنا أنّه لم يغب مع عصمته وتعيُّن فرض الإمامة فيه وعليه إلا بسببٍ اقتضى ذلك ومصلحةٍ استدعته وحالٍ أوجبته. ولم يُعلم وجه ذلك مفصَّلاً، لأنّ ذلك ممّا لا يلزم علمه، وإن تكلّفنا وتبرّعنا بذكره كان تفضّلاً، كما إذا تبرّعنا بذكر وجوه المتشابه من الآي بعد العلم بحكمة الله تعالى سبحانه كان ذلك تفضلاً».[38]

وأضاف أبو الفتح الكراجكي (ت 449هـ): «الواجب علينا اللازم لنا هو أن نعتقد أنّ الإمام الوافر المعصوم الكامل العلوم لا يفعل إلّا ما هو موافِقٌ للصواب، وإنْ لم نعلم الأغراض في أفعاله و الأسباب فسواءً ظهر الإمام أو استتر، قام أو قعد، كلّ ذلك يلزمه فرضه دوننا، ويتعيّن عليه فعل الواجب فيه سوانا، وليس يلزمنا علم جميع ما علم، كما لا يلزمنا فعل جميع ما فعل، وتمسّكنا بالأصل في تصويبه في كل فعلٍ يغنينا في المعتقد عن العلم بأسباب ما فعل، فإن عرفنا أسباب أفعاله كان حسناً، وإن لم نعلمها لم يقدح ذلك في مذهبنا».[39]

ثالثاً: ذهب الشيخ المفيد رحمه الله (ت 413هـ) إلى عدم وجود تضادٍّ بين المعرفة بالإمام ووجوده و بين عدم مشاهدته، لأنّ العلم بوجوده في العالم لا يفتقر إلى العلم بمشاهدته، لمعرفتنا بأمورٍ كثيرةٍ لا تُدرك بالحواسِّ ولا تُشاهَد، كما نحن عارفون بالقيامة والبعث والحساب وهو معدومٌ غير موجودٍ بالمشاهدة، وقد عرفنا الأنبياء واعتقدنا بهم ولم نشاهدهم، ونعرف الملائكة وجبرئيل وميكائيل ولم نرهم ولا نعرف مكانهم.[40]

رابعاً: قد لخّص نصير الدين الطوسي رحمه الله (ت 672هـ) جواب متكلّمي الشيعة في الغَيبة و اللطف في ثلاث جملٍ حيث قال: «وجوده لطفٌ، وتصرّفه لطفٌ آخرُ، وعدمُه مِنَّا».

وقال العلامة الحلي رحمه الله (ت 726هـ) في توضيحه:

«إن وجود الإمام بنفسه لطفٌ لوجوه: أحدها أنّه يحفظ الشرائع ويحرسها عن الزيادة والنقصان، وثانيها أنّ اعتقاد المكلّفين بوجود الإمام وتجويز إنفاذ حكمه عليهم في كل وقتٍ سببٌ لردعهم عن الفساد ولقربهم إلى الصلاح وهذا معلومٌ بالضرورة، وثالثها أنّ تصرّفه لا شكّ أنّه لطفٌ، وذلك لا يتم إلا بوجوده، فيكون وجوده بنفسه لطفاً وتصرّفه لطفاً آخرَ.

والتحقيق أن نقول: لطف الامامة يتم بأمورٍ: منها ما يجب على الله تعالى وهو خلق الإمام وتمكينه بالتصرّف والعلم والنص عليه باسمه ونسبه وهذا قد فعله الله تعالى، ومنها ما يجب على الإمام وهو تحمُّلهُ للإمامة وقبوله لها وهذا قد فعله الإمام، ومنها ما يجب على الرعية وهو مساعدته والنصرة له قبول أوامره وامتثال قوله، وهذا لم يفعله الرعية، فكان منع اللطف الكامل منهم لا من الله تعالى ولا من الإمام».[41]

هذا تمام الكلام في غيبة الإمام، ولكن لمزيدٍ من الفائدة نذكر في الختام شبهتين تطّرق إليهما الخصوم مع الإجابة عليهما:

الشبهة الأولى: إنّ الله تعالى لماذا لم يسمح له بالظهور مع الحفاظ عليه وحراسته.

فأجاب المتكلمون عليها بقولهم:

«إنّ الحراسة والعصمة من المخافة على ضربين: فمنها ما لا ينافي التكليف ولا يُخرج المكلّف إلى حد الإلجاء، وهذا القسم قد فعله الله تعالى على أبلغ الوجوه وحرس الإمام بالحجة وأيّده ونصره بالأدلّة، وأما القسم الآخر فهو ما نافى التكليف وأخرج من استحقاق الثواب والعقاب، وإلزامنا هذا القسم من عجيب الأمور، لأنّ الإمام إنّما يُحتاج إليه للمصلحة في التكليف، فكيف يُجمع بينه وبين ما نافاه ونافى التكليف، وهل هذا إلا مناقضةٌ من الملزِم أو قلّة تأمّلٍ لما يقوله خصومه؟[42]

وأيضاً «كما أنّ سؤال من قال: هلاّ فعل الله العلم الضروري بجملة المعارف للكفار واضطر الكل إلى فعل الشرعيات وترك قبائحها لتتمّ المصلحة ويحسن تكليفهم ما هذه المعارف و الشرايع لطف فيه؟ ساقط، فكذلك سؤال من قال: هلّا جبر الله تعالى الرعية على طاعة الرئيس ومنعهم من ظلمه، إذ كان العذر في الموضعين واحداً».[43]

ثم «إنّ المصالح ليست واقعةً بحسب تقدير الخلائق... وإنما هي بحسب المعلوم عند الله عز وجل، وبعد فإنّ اصطلام الله للعاصين ومعاجلته بإهلاك سائر الظالمين، قاطعٌ لنظام التكليف، وربما اقتضى ذلك عموم الجماعة بالهلاك كما كان في الأمم السابقة في الزمان، وهو أيضاً مانعٌ للقادرين من النظر في زمان الغيبة المؤدّي إلى المعرفة والإجابة، فقد يصحّ أن يكون فيهم ومنهم في هذه المدة من ينظر فيعرف الحق ويعتقده، أو يكون فيهم معاندون مقرّون قد علم الله سبحانه أنّهم إن بقوا كان في نسلهم ذريةٌ صالحةٌ، فلا يجوز أن يحرمها الوجود بإعدامهم في مقتضى الحكمة».[44]

الشبهة الثانية: ما الفرق بين وجوده بهذه الحالة وعدمه، ولماذا لم يرفعه الله إلى السماء وينزله عند الحاجة إليه.

والجواب كما ذكره السيد المرتضى رحمه الله (ت 436هـ): إنّ الفرق بين وجوده غائباً من أجل التقية وخوف الضرر من أعدائه، وهو في أثناء ذلك متوقَّعٌ أن يُمكّنوه وُيزيلوا خيفته فيظهر ويقوم بما فُوَّض إليه من أمورهم، وبين أن يعدمه الله تعالى، جليٌّ واضحٌ: لأنّه إذا كان معدوماً كان ما يفوت العباد من مصالحهم ويعدمونه من مراشدهم، ويُحرمونه من لطفهم وانتفاعهم به منسوباً إليه تعالى، لا حجة فيه على العباد ولا لوم يلزمهم ولا ذمّ. وإذا كان موجوداً مستتراً بإخافتهم له كان ما يفوت من المصالح ويرتفع من المنافع منسوباً إلى العباد وهم الملومون عليه المؤاخذون به».[45]

ثم إنّه عليه السلام ليس حجة على أهل السماء كي يرفعه إليه بل هو حجة على أهل الأرض، والحجة لا تكون إلّا بين المحجوجين به، مضافاً إلى ما ورد في الأخبار أنّ الأرض لا تخلو من حجةٍ، لذا لم يجز كونه في السماء دون الأرض[46].

الخلاصة:

إنّ مسألة المنجي في آخر الزمان من المشتركات في الأديان التوحيدية رغم الاختلاف في المصداق، والمصداق في الفكر الاسلامي هو الإمام المهدي عليه السلام، وقد أُقيمت على إثبات إمامته ووجوده أدلّةٌ عقليةٌ ونقليةٌ، ومن جملة الأدلة العقلية المقامة في هذا المقام دليل اللطف، وهو ما يقرب العباد إلى الطاعة ويبعدهم عن المعصية.

وبما أنّ وجود الإمام المعصوم في كل زمانٍ ومكانٍ له هذه الخاصية، كان لزاماً استمرار وجوده وبقائه.

ويعضد هذا الدليل هدف الخلقة، وكذلك نقص الإنسان لبلوغ كماله المطلوب من دون دليلٍ ومرشدٍ يرشده.

علماً بأنّ دليل اللطف عند متكلّمي الشيعة من أفضل الأدلة على إثبات المرام.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وآله الميامين.



(المصادر)

/ القرآن الكريم.

/ نهج البلاغة.

/ العهد العتيق والعهد الجديد، ترجمة وان دايك.

/ محمّد بن محمّد بن النعمان (الشيخ المفيد) (ت 413هـ).

الإرشاد في معرفة حُجَج الله علىٰ العباد، سلسلة موسوعة الشيخ المفيد، طُبِعَت عام 1431هـ، دار المفيد.

الرسالة الأولى في الغيبة، سلسلة موسوعة الشيخ المفيد، طُبِعَت عام 1431هـ، دار المفيد.

النكت الاعتقادية، سلسلة موسوعة الشيخ المفيد، طُبِعَت عام 1431هـ، دار المفيد.

/ عليُّ بن الحسين بن موسىٰ (السيِّد المرتضىٰ) (ت 436هـ).

الحدود والحقائق، تحقيق: محمّد تقي دانش پژوه، مطبوع مع أربعة كُتُبٍ كلاميةٍ في ذكرىٰ الشيخ الطوسي.

شرح جُمَل العلم والعمل، الطبعة الثانية، عام 1419هـ، دار الأُسوة، قم، تحقيق: الشيخ يعقوب الجعفري المراغي.

رسائل السيد المرتضـىٰ، منشورات دار القرآن، قم، تحقيق ومراجعة: السيِّد أحمد الحسيني والسيِّد مهدي الرجائي.

المقنع في الغيبة، نسخة مكتبة أهل البيت (عليهم السلام) الإلكترونية.

الشافي في الإمامة، الطبعة الثانية 1426هـ، مؤسسة الصادق قم.

/ تقيُّ الدين أبو الصلاح الحلبي (ت 447هـ).

تقريب المعارف، تحقيق: الشيخ فارس الحسّون.

/ محمّد بن عليِّ بن عثمان الكراجكي (ت 449هـ).

كنز الفوائد، طبعة خامسة 1405هـ، دار الأضواء، بيروت، تحقيق: الشيخ عبد الله نعمة.

/ محمّد بن الحسن الطوسي (الشيخ الطوسي) (ت 460هـ).

التبيان في تفسير القرآن، نسخة برنامج مكتبة أهل البيت (عليهم السلام) الإلكترونية.

الاقتصاد في ما يتعلَّق بالاعتقاد، الطبعة الثانية، عام 1406هـ، دار الأضواء، بيروت.

تلخيص الشافي، مؤسَّسة انتشارات المحبّين، تحقيق: السيِّد حسين بحر العلوم.

رسائل الشيخ الطوسي، تقديم: محمّد واعظ زاده الخراساني.

كتاب الغيبة، نسخة برنامج مكتبة أهل البيت الإلكترونية.

/ نجم الدين جعفر بن الحسن الحلّي (المحقِّق الحلّي) (ت 676هـ).

الرسالة الماتعية، نسخة مكتبة أهل البيت (عليهم السلام) الإلكترونية.

المسلك في أُصول الدين، العتبة الرضوية، مشهد، عام 1414هـ، تحقيق: الشيخ رضا الأُستادي.

/ نصير الدين محمّد بن محمّد بن الحسن الطوسي (المحقِّق الطوسي) (ت 672هـ).

تلخيص المحصَّل، الطبعة الثانية، عام 1405هـ، دار الأضواء، بيروت.

تجريد الاعتقاد، الطبعة الأُولىٰ، عام 1407هـ، مكتبة الإعلام الإسلامي، قم، تحقيق: السيِّد محمّد جواد الجلالي.

/ ميثم بن عليِّ بن ميثم البحراني (ت 699هـ).

قواعد المرام في علم الكلام، طبع عام 1406هـ، مكتبة السيِّد المرعشي، قم.

/ سديد الدين محمود الحِمصي الرازي (ق7).

المنقذ من التقليد، الطبعة الأولى عام 1412هـ، مؤسسة النشر الإسلامي لجماعة المدرسين. قم.

/ الحسن بن يوسف بن المطهَّر الحلّي (العلَّامة الحلّي) (ت 726هـ).

مناهج اليقين في أُصول الدين، مكتب الإعلام الإسلامي، قم، عام 1432هـ، تحقيق: محمّد رضا الأنصاري القمّي.

كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد، مؤسَّسة النشـر الإسلامي، عام 1433هـ، تصحيح: الشيخ حسن زاده الآملي.

أنوار الملكوت في شرح الياقوت، دار المحجَّة البيضاء، بيروت، 1432هـ، تحقيق: الشيخ حسن زاده الآملي.

/ المقداد بن عبد الله السيوري (ت 826هـ).

النافع يوم الحشر، نسخة مكتبة أهل البيت (عليهم السلام) الإلكترونية.

إرشادُ الطالبين، الطبعة الثانية عام 1433هـ، مكتبة السيِّد المرعشي، قم.

-----------------------------------

[1](*) بحثٌ مقدّمٌ إلى مؤتمر «العلوم الاسلامية وتعليمها» المقام في ألمانيا جامعة غوتينغن (جورج أوغست) بالاشتراك مع العتبة العباسية المقدسة 8/10/2018.

(1) الأنبياء: 105

[2]     – الحدود والحقائق: 740 رقم 103.

[3]     – نقد المحصل:163.

[4]     كنز الفوائد: 1:318.

[5]     التبيان: 2: 281.

[6]     – رسائل الشيخ الطوسي: 83.

[7]     – الاقتصاد: 117-118.

[8]     – رسائل الشيخ الطوسي:83.

[9]     – م ن: 84.

[10]   يناظر قاعدة اللطف، عند المسلمين، نظرية الفيض عند الكاثوليكيين، حيث تعتمد على نظرية الخطيئة الأولى وأنّ الإنسان لا يتمكن بنفسه من التخلّص من تبعاتها في الحياة الدنيا، وهنا يأتي الفيض الإلهي المتجسّد في عيسى المسيح عليه السلام ليخلّص الإنسان من تبعات الخطيئة الأولى ويوصله إلى الخلاص والسعادة. وقد تبلورت نظرية الفيض على يد ثلاثة من المتألهين الكاثوليك، وهم: بولس، وأغوستين وتوما الأكويني.

[11]   – الرسالة الماتعية:301.

[12]   – قال الشيخ المفيد (ت:413هـ) في النكت الاعتقادية: 35 «اللطف هو ما يقرّب المكلّف معه من الطاعة ويبعد عن المعصية» وقال السيد المرتضى (ت:436 هـ) في الذخيرة:186 «إن اللطف ما دعا إلى فعل الطاعة، وينقسم إلى ما يختار المكلف عنده فعل الطاعة ولولاه لم يختره، وإلى ما يكون اقرب إلى اختيارها، كلا القسمين يشمله كونه داعياً». وقال الشيخ الطوسي (ت:460هـ) في الاقتصاد، 130: «اللطف في عرف المتكلمين عبارةٌ عما يدعو إلى فعل واجبٍ أو يصرف عن قبيحٍ، وهو على ضربين: أحدهما أن يقع عنده الواجب ولولاه لم يقع فيسمى توفيقاً. والآخر ما يكون عنده أقرب إلى فعل الواجب أو ترك القبيح وإن لم يقع عنده الواجب ولا أن يقع القبيح. ولا يوصف بأكثر من أنه لطفٌ لا غير» وقال المحقق الحلي (ت 676 هـ) في الرسالة الماتعية، 301 « وهو أن يفعل معهم كل ما يعلم أنه محرّكٌ لدواعيهم إلى الطاعة، لأنه لو لم يفعل ذلك لكان ناقضاً لغرضه، إذ لا مشقة عليه في فعله وهو مفضٍ إلى غرضه» وقال الحمصي الرازي (ق7) في المنقذ من التقليد 1:297 «اللطف هو ما يختار المكلف عنده فعل الطاعة والتجنب عن المعصية أو أحدهما ولولاه ما كان يختارهما ولا واحداً منهما، أو يكون عنده أقرب إليهما أو إلى أحدهما ولولاه ما كان أقرب إليهما ولا إلى أحدهما». وقال العلامة الحلي (ت726هـ) في مناهج اليقين، 336»وهو ما أفاد المكلف هيئة مقربة إلى الطاعة ومبعدة عن المعصية».

[13]   – راجع: إرشاد الطالبين للمقداد السيوري، 276-277.

[14]   – ذكر ذلك كل من السيد المرتضى (ت436هـ) في الذخيرة:187، والشيخ الطوسي (ت460هـ) في الاقتصاد: 131، والمحقق الطوسي (ت672هـ) في التجريد: 205، والعلامة الحلي (ت 726هـ) في كشف المراد: 134 وغيرهم.

[15]   – ذكره أبو الصلاح الحلبي (ت 447هـ) في تقريب المعارف: 123.

[16]   ذكره الشيخ الطوسي (ت 460هـ) في الاقتصاد:131-132.

[17]   ذكره ابن ميثم البحراني (ت699هـ) في قواعد المرام: 118.

[18]   راجع السيد المرتضى (ت436هـ) في شرح جمل العلم والعمل: 107، الشيخ الطوسي (ت460هـ) في الاقتصاد، 133، ابن ميثم البحراني (ت 699هـ) في قواعد المرام: 118، الحمصي الرازي (ق7) في المنقذ من التقليد، 1،304، والمقداد السيوري (ت 826هـ) في اللوامع الإلهية: 227.

[19]   اللوامع الإلهية:227-228.

[20]   اللوامع الإلهية: 228.

[21]   القصص:47.

[22]   التبيان 8: 159.

[23]   أنوار الملكوت: 183.

[24]   الذاريات: 56.

[25]   راجع للمزيد: المسلك في أصول الدين للمحقق الحلي (ت 676هـ): 101-102، قواعد المرام لابن ميثم البحراني (ت 699هـ): 118، المنقذ من التقليد للحمصي الرازي 1: 301، كشف المراد للعلامة الحلي (ت 726 هـ): 444-445، النافع يوم الحشر للمقداد السيوري (ت 826هـ): 88.

[26]   الملك 14

[27]   نهج البلاغة، الخطبة رقم 131.

[28]   تقريب المعارف: 144.

[29]   م ن: 152.

[30]   قواعد المرام: 122.

[31]   نقد المحصل:367-368.

[32]   النكت الاعتقادية 44، ونحوه في رسائل الشيخ الطوسي / مسائل كلامية: 98 والرسالة الماتعية للمحقق الحلّي:311.

[33]   الإرشاد 2:342، وقريبٌ منه المقنع في الغيبة للمرتضى (ت436هـ) 35، والغيبة للطوسي (ت460هـ):14.

[34]   راجع الإرشاد للشيخ المفيد (ت413هـ)2: 342، المقنع في الغيبة للمرتضى (ت436هـ): 35، كنز الفوائد للكراجكي (ت449هـ) 1:346.

[35]   الذخيرة للسيد المرتضى: 419.

[36]   رسائل السيد المرتضى (ت436هـ) 2:293/ رسالةٌ في غيبة الحجة، ونحوه المقنع في الغيبة له أيضاً: 33.

[37]   المقنع في الغيبة: 46.

[38]   رسائل السيد المرتضى 2: 295، ونحوه المقنع في الغيبة للمرتضى أيضاً: 42.

[39]   كنز الفوائد 1: 368.

[40]   الرسالة الاولى في الغيبة للشيخ المفيد: 12.

[41]   كشف المراد: 491، وقد أشار إلى هذا الجواب جميع متكلّمي الشيعة المتقدمين والمتاخرين، انظر: النكت الاعتقادية للشيخ المفيد (ت 413): 45، الشافي في الإمامة للسيد المرتضى (ت 436 هـ) 1: 279، والذخيرة له أيضاً: 415، الاقتصاد للشيخ الطوسي (ت460هـ): 299، وتلخيص الشافي له أيضاً 1: 89، والمقداد السيوري (ت 826هـ) في اللوامع الإلهية: 329-330.

[42]   الشافي للسيد المرتضى (ت 436هـ) 3: 150-151، ونحوه شرح جمل العلم له أيضاً: 229.

[43]   تقريب المعارف لأبي الصلاح الحلبي (ت447هـ): 443.

[44]   كنز الفوائد للكراجكي (ت 449هـ) 1: 372.

[45]   المقنع في الغيبة: 56.

[46]   انظر: الرسالة الثانية في الغيبة للشيخ المفيد (ت413هـ): 15.