الباحث : الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 39
السنة : صيف 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : June / 2 / 2026
عدد زيارات البحث : 47
الملخّص
يُعنى هذا البحث ببيان القواعد العامّة والمرتكزات الأساسيّة لاعتقادنا في الإمامة ووظائف الإمام وصفاته وخصائصه، ممّا ورد في توقيعات الإمام المهدي f الواصلة إلينا، إنْ على نحو الإشارة، أو التصريح، وإنْ على نحو الدعوى (ودعوى الإمام لا تحتاج إلى دليل لمكان عصمته) أو الدعوى مع الدليل (وما يذكره الإمام من دليل ليس لازمًا عليه، إنما هو لطف منه لتقوية الدعوى في نفوسنا أو لمحاجّة المنكرين والمشككين).
الكلمات المفتاحية:
الإمامة، الغَيبة، التوقيع، السفارة.
تمهيد
نذكر في هذا التمهيد أمرين:
الأمر الأول: معنى التوقيع، وأنحاء مضامينه
التوقيع هو ما كان يكتبه الخليفة أو المَلِك أو الأمير أو السلطان أو الوزير تعليقًا على كتابٍ أو رقعةٍ أو ملتمس بتوقيعه بجملةٍ أو عدَّة جُمَل قصيرة هي جوابات الكتاب، أو الرقعة يُذيِّلونها باسمهم على صورة توقيع، ويكون الجواب أو التوقيع إمَّا علىٰ ظهر الرقاع وإمّا في حاشيتها، وقد يكون في هذه الحالة شعرًا، أو نثرًا مسجوعًا، أو مثلًا سائرًا، أو حكمةً بليغة، أو آيةً كريمة، أو حديثًا شريفًا.
قال الطريحي في (مجمع البحرين): «ما يوقّع في الكتاب من الجواب، ومنه توقيع العسكري A وغيره»[1].
والتوقيعات في القضيَّة المهدويَّة هي عبارةٌ عن رسائل صادرةٍ من الإمام المهدي f إجابةً عن أسئلةٍ تُوجَّه إليه عبر السفراء، شبه (الاستفتاء) في مصطلحنا اليوم، أو تصدر منه f ابتداءً لغرضٍ ما.
وقد اهتمَّ علماء الشيعة بهذه التوقيعات عمومًا، واعتمدوا عليها في استنباط الأحكام الشرعيَّة، كحال بقيَّة الروايات الأُخرى التي وصلت عن الأئمَّة المتقدِّمين% ، وتعاملوا معها تصحيحًا أو تضعيفًا وفق قواعد علم الرجال، بل إنَّ بعضهم كالشيخ الصدوق كان يُقدِّمها على تلك الروايات في حال التعارض معها؛ لتوفُّرها على قرينة الخطِّ المبارك الذي كان معروفًا عند الشيعة آنذاك، حيث قال w: «قال مصنِّف هذا الكتاب w: لست أُفتي بهذا الحديث، بل أُفتي بما عندي بخطِّ الحسن بن عليٍّ C»[2].
ولتوضيحها نقول:
أوَّلًا: إنَّ توقيعات الإمام المهدي f هي ما كان يذكره بخطِّه من جواب الأسئلة والعرائض بوساطة نوَّابه في مختلف ميادين المعرفة.
ثانيًا: إنَّ تلك التوقيعات كان نقلها منحصرًا بالنوّاب الأربعة للإمام f، وهم كانوا على درجةٍ عاليةٍ من الوثاقة بنحو لا يُحتمَل فيهم التزوير والكذب.
ثالثًا: تكفَّلت التوقيعات مهمَّة انسيابيَّة المعلومات عن الإمام f لقواعده الشعبيَّة، حيث تضمَّنت ما يحتاجه شيعة الإمام f من إدارةٍ لأُمورهم العامَّة، فمن الأجوبة الفقهيَّة إلى الاستشارات العَقَديَّة، إلى ما يتعلَّق بشؤون شيعته ومواليه.
رابعًا: يظهر من الروايات أنَّها كانت تخرج بالخطِّ نفسه الذي يخرج أيَّام الإمام الحسن العسكري A عندما كانت تُوجَّه إليه أسئلةٌ مكتوبةٌ، وهذا يعني أنَّ خطَّ الإمام المهدي f في تلك التوقيعات كان خطّ أبيه نفسه A.
فقد روى الشيخ الطوسيw: «وَكَانَتْ تَوْقِيعَاتُ صَاحِبِ اَلْأَمْرِ A تَخْرُجُ عَلَىٰ يَدَيْ عُثْمَانَ بْنِ سَعِيدٍ وَاِبْنِهِ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ إِلَى شِيعَتِهِ وَخَوَاصِّ أَبِيهِ أَبِي مُحَمَّدٍ A، بِالْأَمْرِ وَاَلنَّهْيِ وَاَلْأَجْوِبَةِ عَمَّا يَسْأَلُ اَلشِّيعَةُ عَنْهُ، إِذَا اِحْتَاجَتْ إِلَى اَلسُّؤَالِ فِيهِ، بِالْخَطِّ اَلَّذِي كَانَ يَخْرُجُ فِي حَيَاةِ اَلْحَسَنِ A»[3].
وروى w في موضعٍ آخر حول ما يتعلَّق بالسفير الثاني: «وَأَنَّهُ كَانَ يَتَوَلَّى هَذَا اَلْأَمْرَ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ سَنَةً، فَيَحْمِلُ اَلنَّاسُ إِلَيْهِ أَمْوَالَهُمْ، وَيُخْرِجُ إِلَيْهِمُ اَلتَّوْقِيعَاتِ بِالْخَطِّ اَلَّذِي كَانَ يَخْرُجُ فِي حَيَاةِ اَلْحَسَنِ A إِلَيْهِمْ بِالمُهِمَّاتِ فِي أَمْرِ اَلدِّينِ وَاَلدُّنْيَا وَفِيمَا يَسْأَلُونَهُ مِنَ اَلمَسَائِلِ بِالْأَجْوِبَةِ اَلْعَجِيبَةِ (رَضِيَ اَللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ)»[4].
وهذا في الحقيقة واحدٌ من الترتيبات الفنّيَّة التي لها فائدةٌ مزدوجة؛ ففي الوقت الذي سيطمئنُّ من تصل إليه الرسائل تلك بصدورها من الإمام حقًّا، فإنّها – من جهةٍ أخرى- تقطع الطريق على من تُسوِّل له نفسه تزويرها؛ إذ الشيعة كانوا يعرفون خطَّ الإمام العسكري A، فلو خرجت التوقيعات بغير خطِّه A لأمكن لأيِّ مدَّعٍ أنْ يأتي ببعض الرُّقَع والرسائل ويدَّعي أنَّها صادرةٌ من الإمام المهدي f، وهكذا قد يكثر المدَّعون، فتضيع الرسائل الصادرة حقًّا منه f، فتضيع معها كثيرٌ من الحقائق والأوامر الشرعيَّة كالإجابة عن الأسئلة الفقهيَّة الموجَّهة للسفراء، وغيرها من الغايات التي كانت تصدر لأجلها التوقيعات.
خامسًا: يبدو أنَّ هناك كثيرًا من التوقيعات التي لم تصلنا لسببٍ ولآخر، إذ إنَّ المدّة التي استلم فيها النوَّاب الأربعة (رضوان الله عليهم) مقاليد السفارة بين الإمام المهدي f وبين قواعده الشعبيَّة قاربت السبعين عامًا، ومع وجود أربعة سفراء، وأكثر من عشرين وكيلًا، واستمرار بعث الأسئلة له f، وإرساله f للأجوبة، يكون المفترض بالتوقيعات أنْ يتجاوز عددها الآلاف، إلَّا أنَّ ما وصل إلينا لا يتجاوز (٨٥) توقيعًا، منها (٣٩) دعاء عنه f، ومنها (١٥) توقيعًا يحتوي كلُّ توقيعٍ منها على بعض المسائل الفقهيَّة في فروع العبادات والمعاملات والإيقاعات، ومنها (٣٠) توقيعًا في الأُمور العامَّة والخاصَّة.
الأمر الثاني: موقع الإمامة في المنظومة الدينيّة
اختلفت التوجّهات العَقَديّة حول موقع الإمامة في المنظومة الدينيّة، بعد الاتّفاق على ضرورتها واقعيًّا، فذهب العامّة إلى أنّها من فروع الدين:
قال الغزالي: «اعلم أنّ النظر في الإمامة ليس من فنّ المعقولات، بل من الفقهيّات»[5].
وقال الآمدي (المتوفى 631 ه): «واعلم أنّ الكلام في الإمامة ليس من أصول الديانات»[6].
وقال الإيجي: «ومباحثها عندنا من الفروع، وإنّما ذكرناها في علم الكلام تأسيًا بمن قبلنا»[7].
وقال ابن خلدون: «وقصارى أمر الإمامة أنّها قضيّةٌ مصلحيّةٌ إجماعيّةٌ، ولا تلحق بالعقائد»[8].
وقال التفتازاني: «لا نزاع في أنّ مباحث الإمامة بعلم الفروع أليق»[9].
ومن ثَمّ لا يترتب عليها عظيم أثرٍ – ولو كان هذا على مستوى دعواهم النظريّة التي خالفوها عمليًّا بتكفير من لا يعتقد بإمامة أئمّتهم -، فهي أشبه بتنظيمٍ عمليّ تُركت إدارته وتنظيماته وتشخيص القائمين عليه إلى الناس، بل إلى الأمر الواقع، فمن وصل إلى كرسي الحكم – بأيّ طريقةٍ كانت - كان هو الإمام المفترض الطاعة، والكاشف عن هذا الاعتقاد هو قبولهم خلافة من وصل إلى كرسي الحكم إمامته، سواء أكان بتعيين أهل الحل والعقد، أم بالتعيين الشخصي، أم بالشورى، أم بإجماع أهل المدينة، أم بالسيف، أم بالوراثة!
وأمّا في منظومة اعتقادات أهل البيت %، فإنّ الإمامة تمثّل أصلًا من أصول الدين، بل هي أصلٌ مهمٌّ، عدّته بعض النصوص أُسّ الإسلام وأساسه، ممّا يُشير إلى هذه الحقيقة نصوص متكثّرة، منها: ما روي عن الإمام الحسن العسكري A أنّه قال: «ولولا محمد J والأوصياء من ولده، كنتم حيارى كالبهائم، لا تعرفون فرضًا من الفرائض... »[10].
وروي عن سلمة ابن عطا عن أبي عبد الله A قال: خرج الحسين بن علي C على أصحابه فقال: «أيّها الناس، إنّ الله (جلّ ذكره) ما خلق العباد إلّا ليعرفوه، فإذا عرفوه عبدوه، فإذا عبدوه استغنوا بعبادته عن عبادة من سواه، فقال له رجل: يا بنَ رسولِ الله، بأبي أنت وأمي، فما معرفة الله؟ قال: معرفة أهل كلّ زمانٍ إمامَهم الذي يجب عليهم طاعته»[11].
بل جاء في صحيحة أَبَانِ بْنِ تَغْلِبَ عن أبي عبد الله A قال: «إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ: من شهد أن لا إله إلّا الله فليدخل الجنة. قال: قلت: فعلامَ تخاصم الناس إذا كان من شهد أنْ لا إله إلا الله دخل الجنة؟! فقال: إنّه إذا كان يوم القيامة نسوها»[12].
وفي صحيحته الثانية عَنْ أَبِي عَبْدِ الله A قَالَ: «يَا أَبَانُ، إِذَا قَدِمْتَ الْكُوفَةَ فَارْوِ هَذَا الْحَدِيثَ: مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَه إِلَّا الله مُخْلِصًا وَجَبَتْ لَه الْجَنَّةُ. قَالَ: قُلْتُ لَه: إِنَّه يَأْتِينِي مِنْ كُلِّ صِنْفٍ مِنَ الأَصْنَافِ، أفَأَرْوِي لَهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ؟! قَالَ: نَعَمْ يَا أَبَانُ، إِنَّه إِذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ وجَمَعَ الله الأَوَّلِينَ والآخِرِينَ فَتُسْلَبُ (لَا إِلَه إِلَّا اللهُ) مِنْهُمْ، إِلَّا مَنْ كَانَ عَلَى هَذَا الأَمْرِ»[13].
والنصوص أكثر من ذلك بكثير، والمؤشّرات والأدلّة على أنّ الإمامة أصلٌ من أصول الدين متعددة، إلّا أنّها ليست هي محلّ البحث هنا، فنكتفي بهذا المختصر.
المطلب الأول: قواعد في الإمامة في نصوص التوقيعات
يُقصد من هذا المطلب، ذكر نصوص التوقيعات التي أشارت إلى بعض القواعد العامّة في الإمامة حسب اعتقادنا، وسنقتصر على ذكر نصّ التوقيع، من دون الاستشهاد له وتأييده بنصوصٍ روائيّةٍ أخرى واردةٍ عن أهل البيت%، لسببين: أولهما: الاختصار وعدم التطويل، وإلا خرج البحث عن موضوعه إلى كتاب، وثانيهما: كفاية نصّ التوقيع للتأسيس، كونه صادرًا عن المعصوم A.
والبحث مبنيٌّ على تسليم صدور النصوص المذكورة عنهf، ولو على مبنى الوثوق، وموافقة القواعد المذكورة للمسلّمات في مذهب أهل البيت %.
والقواعد المذكورة في التوقيعات كثيرة، نذكر منها الآتي:
القاعدة الأولى: ضرورة وجود الإمام في كلّ عصرٍ ودهر
دلّت النصوص المستفيضة[14] – إن لم نقل متواترة - على أنّ الله تعالى لا يُخلي الأرض من حجّةٍ مُنصَّبٍ منه (جل وعلا)، وأنّ هذا الأمر ضرورةٌ من الضرورات الدينيّة التي لا يُمكن أن تتخلف في زمانٍ أو مكانٍ، وإلّا لساخت الأرض بأهلها، ولانتهت الحياة.
وفي التوقيعات تصريحاتٌ بهذه القاعدة، ونجد ذلك في:
أولًا: ما رواه الشيخ الطوسي من توقيعه f في الجواب عمّا ورد أنّه: تَشَاجَرَ اِبْنُ أَبِي غَانِمٍ اَلْقَزْوِينِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ اَلشِّيعَةِ فِي اَلْخَلَفِ، فَذَكَرَ اِبْنُ أَبِي غَانِمٍ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ A مَضَى وَلَا خَلَفَ لَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ كَتَبُوا فِي ذَلِكَ كِتَابًا وَأَنْفَذُوهُ إِلَىٰ اَلنَّاحِيَةِ، وَأَعْلَمُوهُ بِمَا تَشَاجَرُوا فِيهِ، فَوَرَدَ جَوَابُ كِتَابِهِمْ بِخَطِّهِ (عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آبَائِهِ اَلسَّلَامُ): «... أَوَ مَا رَأَيْتُمْ كَيْفَ جَعَلَ اَللهُ لَكُمْ مَعَاقِلَ تَأْوُونَ إِلَيْهَا، وَأَعْلَامًا تَهْتَدُونَ بِهَا مِنْ لَدُنْ آدَمَ A إِلَى أَنْ ظَهَرَ اَلمَاضِي A، كُلَّمَا غَابَ عَلَمٌ بَدَا عَلَمٌ، وَإِذَا أَفَلَ نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ؟ فَلَمَّا قَبَضَهُ اَللهُ إِلَيْهِ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اَللهَ تَعَالَى أَبْطَلَ دِينَهُ، وَقَطَعَ اَلسَّبَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، كَلَّا مَا كَانَ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ حَتَّى تَقُومَ اَلسَّاعَةُ، وَيَظْهَرَ أَمْرُ اَلله سُبْحَانَهُ وَهُمْ كَارِهُونَ... »[15].
فالنصّ واضح في أنّ الله تعالى لا يُخلي الأرض من حجّة، هو علَمٌ، أو نجمٌ، وفي التعبير عن ذلك بالعَلَم والنجم ما لا يخفى، فإنّ العلَم أمرٌ واضح، وفيه إشاراتٌ متعدّدة، كالدلالة على ما كان عَلَمًا عليه، وكونه يشير إلى جهةٍ أو مجموعةٍ معيّنة، فإنّ لكلّ جماعةٍ عَلَمًا معيّنًا كما هو واضح.
وكذا النجم، فإنّه كان ممّا يستدلّ به الناس ليلًا، في فيافي الصحراء ولجج البحار، قال تعالى: Nوَعَلَامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَM [النحل: 16].
والإمام علم للناس، يدلّهم على الهدى، ونجمٌ يخرجهم من الضلال إلى برّ الأمان. والإمام المهدي f صرّح بأنّ هذا الأمر ممّا لا بدّ منه من آدم وإلى نهاية الدنيا، وبذا يشير إلى القاعدة محلّ البحث.
ثانيًا: وقريب من هذا التوقيع لفظًا ومعنىً ما رواه الشيخ الصدوق من توقيعه f الذي خرج إلى مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ عندما وَرَدَ الْعِرَاقَ شَاكًّا مُرْتَادًا، فَمما خَرَجَ إِلَيْهِ: «... أَولَمْ تَرَوْا أَنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) جَعَلَ لَكُمْ مَعَاقِلَ تَأْوُونَ إِلَيْهَا وَأَعْلَامًا تَهْتَدُونَ بِهَا مِنْ لَدُنْ آدَمَ A إِلَى أَنْ ظَهَرَ المَاضِي [أَبُو مُحَمَّدٍ] (صَلَوَاتُ اللهِ عَلَيْهِ)، كُلَّمَا غَابَ عَلَمٌ بَدَا عَلَمٌ، وَإِذَا أَفَلَ نَجْمٌ طَلَعَ نَجْمٌ؟ فَلَمَّا قَبَضَهُ اللهُ إِلَيْهِ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ (عزَّ وجلَّ) قَدْ قَطَعَ السَّبَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ، كَلَّا مَا كَانَ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ[16]، وَيَظْهَرَ أَمْرُ اللهِ (عز وجل)، وَهُمْ كارِهُونَ. يَا مُحَمَّدَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ، لَا يَدْخُلْكَ الشَّكُّ فِيمَا قَدِمْتَ لَهُ؛ فَإِنَّ اللهَ (عز وجل) لَا يُخَلِّي الْأَرْضَ مِنْ حُجَّةٍ...»[17] .
النصّ قريبٌ من السابق، مع إضافة عبارةٍ أخيرةٍ متوافقةٍ مع الروايات الكثيرة الواردة في هذه القاعدة، وهي قاعدة: أنّ الله تعالى لا يُخلي الأرض من حجّةٍ لله فيما بينه وبين الناس.
ثالثًا: ما رواه الصدوق أيضًا من توقيع من صاحب الزمان A كَانَ خَرَجَ إِلَى الْعَمْرِيِّ وَابْنِهِ، رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ: «إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِرًا، وَإِمَّا مَغْمُورًا، أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا انْتِظَامَ أَئِمَّتِهِمْ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ J وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إِلَى أَنْ أَفْضَى الْأَمْرُ بِأَمْرِ اللهِ (عز وجل) إِلَى المَاضِي - يَعْنِي الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ C - فَقَامَ مَقَامَ آبَائِهِ% يَهْدِي إِلَىٰ الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ.. »[18]. والنصّ واضحٌ في القاعدة المذكورة، فلا يحتاج إلى تعليق.
القاعدة الثانية: الإمامة جَعْلٌ إلهيّ بمؤهّلات خاصّة
من المبادئ الأساسية في عقيدتنا في الإمامة، أنّها لا تكون من دون مؤهّلاتٍ خاصّة، أهمّها: النصّ الإلهي، والعلم اللدنّي، والعصمة، والعلم بالغيب بمعنى التعليم من ذي علم ، وغيرها، ولمّا كانت بعض هذه المؤهّلات لا تُكتشف في العادة أو لا تكون بالطرق الطبيعيّة، كالنصّ، والعصمة، والعلم اللدني، كنّا بحاجةٍ إلى بيانٍ من الشارع المقدّس لتعيين الإمام المؤهّل، وهو ما يبني عليه أتباع أهل البيت % مذهبهم، تبعًا لأئمّتهم (صلوات الله عليهم)، ومن ثَمّ لم نقبل بإمامة أي مدّعٍ للإمامة ما لم يكن عليه نصٌّ من الرسول الأعظم J، أو الإمام المعصوم المنصّب قبله.
وفي مقام بيان هذه القاعدة نجد فروعًا متعددةً في التوقيعات المهدويّة:
الفرع الأول: بطلان دعوى إمامة من لا يمتلك المؤهّلات الخاصّة بالإمامة
وفي التوقيعات المهدويّة تصريحاتٌ وإِشاراتٌ بهذا الفرع، جاءت في الردّ على بعض من ادّعى الإمامة – كجعفر الكذّاب - وغيره، ومن ذلك ما رواه الشيخ الطوسي في غيبته عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اَلله اَلْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: حَدَّثَنَا اَلشَّيْخُ اَلصَّدُوقُ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدٍ اَلْأَشْعَرِيُّ w أَنَّهُ جَاءَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُعْلِمُهُ أَنَّ جَعْفَرًا بْنَ عَلِيٍّ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا يُعَرِّفُهُ فِيهِ نَفْسَهُ، وَيُعْلِمُهُ أَنَّهُ اَلْقَيِّمُ بَعْدَ أَخِيهِ، وَأَنَّ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ اَلْحَلَالِ وَاَلْحَرَامِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اَلْعُلُومِ كُلِّهَا. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا قَرَأْتُ اَلْكِتَابَ كَتَبْتُ إِلَى صَاحِبِ اَلزَّمَانِ A، وَصَيَّرْتُ كِتَابَ جَعْفَرٍ فِي دَرْجِهِ، فَخَرَجَ اَلْجَوَابُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ:
«... إِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِصَاحِبِ اَلْكِتَابِ عَلَى اَلمَكْتُوبِ إِلَيْهِ، وَلَا عَلَيْكَ، وَلَا عَلَى أَحَدٍ مِنَ اَلْخَلْقِ جَمِيعًا إِمَامَةً مُفْتَرَضَةً، وَلَا طَاعَةً وَلَا ذِمَّةً، وَسَأُبَيِّنُ لَكُمْ جُمْلَةً تَكْتَفُونَ بِهَا إِنْ شَاءَ اَللهُ تَعَالَى... ».
في مقام الردّ على ادّعاء جعفر الإمامة باطلًا، بيّن الإمام المهدي f أمورًا تؤسّس للإمامة الحقّة من جهة، وتُبطل ادّعاء جعفر الإمامة من جهةٍ أخرى، فذكر أنّ الله تعالى: «بَعَثَ مُحَمَّدًا J رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ... ثُمَّ قَبَضَهُ J حَمِيدًا فَقِيدًا سَعِيدًا، وَجَعَلَ اَلْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى أَخِيهِ وَاِبْنِ عَمِّهِ وَوَصِيِّهِ وَوَارِثِهِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ A، ثُمَّ إِلَى اَلْأَوْصِيَاءِ مِنْ وُلْدِهِ وَاحِدًا وَاحِدًا، أَحْيَا بِهِمْ دِينَهُ، وَأَتَمَّ بِهِمْ نُورَهُ، وَجَعَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِهِمْ وَبَنِي عَمِّهِمْ وَاَلْأَدْنَيْنِ فَالْأَدْنَيْنِ مِنْ ذَوِي أَرْحَامِهِمْ فُرْقَانًا [19] بَيِّنًا يُعْرَفُ بِهِ اَلْحُجَّةُ مِنَ اَلمَحْجُوجِ، وَاَلْإِمَامُ مِنَ اَلمَأْمُومِ، بِأَنْ عَصَمَهُمْ مِنَ اَلذُّنُوبِ، وَبَرَّأَهُمْ مِنَ اَلْعُيُوبِ، وَطَهَّرَهُمْ مِنَ اَلدَّنَسِ، وَنَزَّهَهُمْ مِنَ اَللَّبْسِ، وَجَعَلَهُمْ خُزَّانَ عِلْمِهِ، وَمُسْتَوْدَعَ حِكْمَتِهِ، وَمَوْضِعَ سِرِّهِ، وَأَيَّدَهُمْ بِالدَّلَائِلِ، وَلَوْ لَا ذَلِكَ لَكَانَ اَلنَّاسُ عَلَى سَوَاءٍ، وَلَادَّعَى أَمْرَ الله (عزَّ وجلَّ) كُلُّ أَحَدٍ، وَلَمَا عُرِفَ اَلْحَقُّ مِنَ اَلْبَاطِلِ، وَلَا اَلْعَالِمُ مِنَ اَلْجَاهِلِ»[20].
في هذا النصّ أشار الإمام المهدي f إلى:
1- أنّ الإمامة جَعْلٌ إلهيّ، (وَجَعَلَ اَلْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ إِلَى أَخِيهِ).
2- أنّ احتمال أن يدّعي أحدُ القرابة الإمامةَ أمرٌ وارد؛ ولذا جعل الله تعالى فارقًا بين الأئمّة % وبين سائر أقاربهم، (وَجَعَلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ إِخْوَانِهِمْ وَبَنِي عَمِّهِمْ وَاَلْأَدْنَيْنِ فَالْأَدْنَيْنِ مِنْ ذَوِي أَرْحَامِهِمْ فُرْقَانًا بَيِّنًا يُعْرَفُ بِهِ اَلْحُجَّةُ مِنَ اَلمَحْجُوجِ، وَاَلْإِمَامُ مِنَ اَلمَأْمُومِ).
3- أنّ الفرق المشار إليه يتلخّص بأمور:
أ- العصمة (بِأَنْ عَصَمَهُمْ مِنَ اَلذُّنُوبِ).
ب- العلم (وَجَعَلَهُمْ خُزَّانَ عِلْمِهِ).
ج- قوة الأدلّة (وَأَيَّدَهُمْ بِالدَّلَائِلِ).
4- أنّ هذه المميّزات هي ممّا تمنع من ادّعاء الناس الإمامة باطلًا، أو قل: إنّ المفترض بها ذلك، ولو خالف أحدهم وادّعاها باطلًا، فيمكن للناس أن يستدلّوا على بطلانه وكذبه من حيث إنّه فاقدٌ تلك المؤهّلات والفروقات بين الإمام وبين سائر الناس.
وبعد ذلك بدأ الإمام f بذكر المثالب التي كانت في جعفر، التي تكشف عن عدم توفّره على المؤهّلات التي أشار إليها في مقدّمة توقيعه؛ وبذا ينكشف كذبه وبطلان دعواه الإمامة.
وفي نصٍّ آخر رواه الشيخ الطوسي أيضًا، أنّ الإمام f علّم ابن إسحاق طريقةً يكتشف بها كذب مدّعي الإمامة باطلًا، وأمره بتطبيق هذا على جعفرٍ كنموذجٍ للمدّعي الباطل، فجاء في التوقيع: «فَالْتَمِسْ تَوَلَّى اَللهُ تَوْفِيقَكَ مِنْ هَذَا اَلظَّالِمِ مَا ذَكَرْتُ لَكَ، وَاِمْتَحِنْهُ، وَسَلْهُ عَنْ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اَلله يُفَسِّرْهَا، أَوْ صَلَاةِ فَرِيضَةٍ يُبَيِّنْ حُدُودَهَا وَمَا يَجِبُ فِيهَا، لِتَعْلَمَ حَالَهُ وَمِقْدَارَهُ، وَيَظْهَرَ لَكَ عُوَارُهُ[21] وَنُقْصَانُهُ، وَاَللهُ حَسِيبُهُ»[22].
ومن الطريف ما ورد من أنّ الخليفة العباسي كان يعلم أيضًا بأنّ للإمامة مؤهّلاتٍ لا يملكها جعفر، ومن ثَمّ لا يتمكّن الخليفة من تنصيب جعفر للإمامة، فقد ذكر الشيخ الصدوق ما نّصه: «وقد كان جعفر الكذَّاب حمل إلى الخليفة عشرين ألف دينار لـمَّا تُوفِّي الحسن بن عليٍّ C، وقال: يا أمير المؤمنين، تجعل لي مرتبة أخي الحسن ومنزلته، فقال الخليفة: اعلم أنَّ منزلة أخيك لم تكن بنا إنَّما كانت بالله (عزَّ وجلَّ)، ونحن كنَّا نجتهد في حطِّ منزلته والوضع منه، وكان الله (عزَّ وجلَّ) يأبى إلَّا أنْ يزيده كلَّ يومٍ رفعةً لما كان فيه من الصيانة وحسن السمت[23] والعلم والعبادة، فإنْ كنت عند شيعة أخيك بمنزلته فلا حاجة بك إلينا، وإنْ لم تكن عندهم بمنزلته ولم يكن فيك ما كانَ فِي أَخِيكَ لَمْ نُغْنِ عَنْكَ فِي ذَلِكَ شَيْئًا»[24].
الفرع الثاني: علّة المنع من اختيار الناس للإمام
لمّا كانت الإمامة لا تكون إلّا بالجعل والتنصيب الإلهيين، فقد يُتساءل عن العلّة في ذلك، وأنّه لماذا لا يصحّ للناس أن يختاروا هم الإمام بعد الرسول J؟
هذا السؤال جاء في أحد الأسئلة التي أُرسلت إلى الإمام المهدي f، وقد أجاب عنه بجوابين: أحدهما مختصر، ذكر فيه القاعدة العامّة، وهي: أنّ الناس لا يعلمون بواطن البشر، فيمكن أن يقع اختيارهم على الفاسد وهم يحسبون أنّه صالح.
وثانيهما: تطبيق لتلك القاعدة، وهو: أنّ مِثْلَ النبيّ موسى A عندما اختار مجموعةً من خُلّص أصحابه لميقات ربه، طلبوا أن يروا الله تعالى جهرة، متوهمين أنّ ذلك ممكن، فكيف بمن هم أدنى مرتبةٍ من النبيّ موسى A، كيف لهم أن يختاروا الإمام للدين والدنيا والآخرة؟!
وهذا الجواب وإن لم يرد في توقيعٍ عنه f بالمعنى المصطلح للتوقيع، إلّا أنّه جوابٌ صدر منه f مباشرةً لسعد بن عبد الله، فقد روى الشيخ الصدوق أنّه f أجاب سعدًا حينما سأله: فأخبرني يا مولاي عن العلّة الّتي تمنع القوم من اختيار إمامٍ لأنفسهم؟ قال: «مصلحٌ أو مفسد؟ قلت: مصلح. قال: فهل يجوز أن تقع خيرتهم على المفسد بعد أن لا يعلم أحدٌ بما يخطر ببال غيره من صلاحٍ أو فساد؟ قلت: بلى. قال: فهي العلّة.
أوردها لك ببرهان يثق به عقلك أخبرني عن الرّسل الّذين اصطفاهم الله وأنزل الكتب عليهم وأيّدهم بالوحي والعصمة إذ هم أعلام الأمم، وأهدى إلى الاختيار منهم مثل موسى وعيسى، هل يجوز مع وفور عقلهما وكمال علمهما إذا همّا بالاختيار أن تقع خيرتهما على المنافق وهما يظنّان أنّه مؤمن؟ قلت: لا، فقال هذا موسى كليم الله مع وفور عقله وكمال علمه ونزول الوحي عليه اختار من أعيان قومه ووجوه عسكره لميقات ربّه سبعين رجلًا ممّن لا يشكّ في إيمانهم وإخلاصهم فوقعت خيرته على المنافقين قال الله (عزَّ وجلَّ): ﴿واِخْتَارَ مُوسى قَوْمَهُ سَبْعِينَ رَجُلًا لِمِيقَاتِنَا إلى قوله لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى الله جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ اَلصَّاعِقَةُ بظلمهم﴾.
فلمّا وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنّبوّة واقعًا على الأفسد دون الأصلح وهو يظنّ أنّه الأصلح دون الأفسد علمنا أن لا اختيار إلاّ لمن يعلم ما تخفي الصّدور، وتكنّ الضّمائر، ويتصرّف عليه السّرائر، وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد لمّا أرادوا أهل الصّلاح» [25].
القاعدة الثالثة: أنّ الإمامة لا تكون في أخوين بعد السبطين C
هذه القاعدة يُثبتها واقع إمامة الأئمّة % بعد الإمام الحسين A، وكذا النصوص الدالّة على أنّ الإمامة تكون في ولد الحسين A واحدًا بعد واحد، وقد ذكر الشيخ الكليني بابًا في إثبات ذلك، بعنوان: (بَابُ ثَبَاتِ الإِمَامَةِ فِي الأَعْقَابِ وأَنَّهَا لَا تَعُودُ فِي أَخٍ ولَا عَمٍّ ولَا غَيْرِهِمَا مِنَ الْقَرَابَاتِ)، وذكر فيه خمسة أحاديث، أولها ما رواه بسنده عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ ثُوَيْرِ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّـهِ A قَالَ: «لَا تَعُودُ الإِمَامَةُ فِي أَخَوَيْنِ بَعْدَ الْحَسَنِ والْحُسَيْنِ أَبَدًا، إِنَّمَا جَرَتْ مِنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ كَمَا قَالَ اللهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى: ﴿وأُولُوا الأَرْحامِ بَعْضُهُمْ﴾»[26].
وعلى المنوال ذاته النصوص التي دلّت أنّ الإمامة لا تكون في عمٍّ ولا في خالٍ ولا أخ[27]؛ ومن ثَمّ تبطل دعوى إمامة محمد بن الحنفية ممّن ادّعاها له، وبالتقريب نفسه تبطل دعوى جعفر الإمامةَ بعد أخيه الإمام العسكري A، وهو أمرٌ صرّح به f في أحد توقيعاته؛ فقد روى الشيخ الطوسي بسنده عَنْ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ اَلله اَلْأَشْعَرِيِّ، قَالَ: «حَدَّثَنَا اَلشَّيْخُ اَلصَّدُوقُ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ سَعْدٍ اَلْأَشْعَرِيُّ w أَنَّهُ جَاءَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُعْلِمُهُ أَنَّ جَعْفَرَ بْنِ عَلِيٍّ كَتَبَ إِلَيْهِ كِتَابًا يُعَرِّفُهُ فِيهِ نَفْسَهُ، وَيُعْلِمُهُ أَنَّهُ اَلْقَيِّمُ بَعْدَ أَخِيهِ، وَأَنَّ عِنْدَهُ مِنْ عِلْمِ اَلْحَلَالِ وَاَلْحَرَامِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنَ اَلْعُلُومِ كُلِّهَا. قَالَ أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ: فَلَمَّا قَرَأْتُ اَلْكِتَابَ كَتَبْتُ إِلَىٰ صَاحِبِ اَلزَّمَانِ A، وَصَيَّرْتُ كِتَابَ جَعْفَرٍ فِي دَرْجِهِ، فَخَرَجَ اَلْجَوَابُ إِلَيَّ فِي ذَلِكَ: «وَقَدْ أَبَى اَللهُ (عز وجل) أَنْ تَكُونَ اَلْإِمَامَةُ فِي أَخَوَيْنِ بَعْدَ اَلْحَسَنِ وَاَلْحُسَيْنِ C »»[28].
القاعدة الرابعة: حدود العلاقة مع الإمام
هناك ظاهرةٌ ملفتةٌ للنظر في العلاقة مع أهل البيت %، فبينا تجد جماعةً يغالون فيهم حدّ الألوهيّة، تجد آخرين ينصبون لهم العداء ويرمونهم بالكفر والشرك! وما بينهما نمرقةٌ وسطى، هي التي ثبتت على أنّهم عبادٌ لله مع تميّزهم عن سائر البشر.
تحديد العلاقة مع أهل البيت % بحدّ وسط، لا يرفعهم إلى الربوبيّة والألوهيّة، ولا ينزل بهم إلى مستوى البشر العاديين، كان موضوعًا مهمًّا ركّزت عليه العديد من النصوص، كونه تحديدًا يُخرج الإنسان عن حدّي الكفر والضلال، ومن ثَمّ، لم تخلُ التوقيعات المهدويّة من هذه التحديدات العَقَديّة المهمّة، خصوصًا مع وجود من غلا فيهم %، ونشاط بعض المغالين في زمن الغيبة الصغرى للإمام المهدي f، ممّا نجد الإشارة إليه واضحةً في التوقيعات الصادرة عنه A.
وعمومًا، فقد جاء في التوقيعات تحديد العلاقة مع أهل البيت % بحدودٍ متعدّدة، أهمها:
الحدّ الأول: نفي الغلو:
الغلو في أهل البيت % يشمل ادّعاء نبوّتهم، أو ألوهيّتهم، أو استقلالهم عن الله تعالى، وذلك كلّه منفيٌّ عنهم (صلوات الله عليهم)، وقد ورد ذلك في توقيعاتٌ عدّة، منها توقيعه f ردًّا على الغلاة وجوابًا لكتاب محمّد بن علي بن هلال الكرخي الذي أورده الشيخ الطبرسي في الاحتجاج[29]، وقد أثبت f فيه أمورًا عدّة:
الأمر الأول: إثبات علم الغيب – الاستقلالي - لله تعالى:
فكلّ من يدّعي علمَ الغيب مستقلًا عن الله تعالى، فهو غالٍ كافر، وإن ادّعاه بالتعليم من الله تعالى فلا مانع منه في حدّ نفسه، فعلم الغيب بالاستقلال لا يكون إلّا لله تبارك وتعالى. جاء في التوقيع: «يا محمد بن علي، تعالى اللهُ وجلَّ عمّا يصفون، سبحانه وبحمده، ليس نحن شركاءه في علمه ولا في قدرته، بل لا يعلم الغيب غيره، كما قال في محكم كتابه تباركت أسماؤه : ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّـهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ﴾ [النمل: 65] ».
الأمر الثاني: نفي الربوبيّة عنه f، وعن آبائه وعن جميع الأنبياء:
أثبت f عبوديته لله تعالى، بل عبودية جميع آبائه والأنبياء، وبذا قطع الطريق على كلّ من تسوّل له نفسه ادّعاء ألوهيّة أحدٍ من البشر مهما عظم، ولو كان هو مثل أهل البيت %، فقد جاء في التوقيع: «وأنا وجميع آبائي من الأولين : آدم ونوح وإبراهيم وموسى، وغيرهم من النبيين ، ومن الآخرين محمد رسول الله، وعلي بن أبي طالب، وغيرهم ممّن مضى من الأئمة (صلوات الله عليهم أجمعين)، إلى مبلغ أيامي ومنتهى عصري ، عبيدٌ الله (عزَّ وجلَّ) يقول الله (عزَّ وجلَّ): ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى. قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا. قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آَيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى﴾ [طه: 1240- 126] ».
الأمر الثالث: التبرؤ ممّن يدّعي علم الأئمة بالغيب أو يغالي فيهم:
وبعد أن أثبت الإمام f علم الغيب الاستقلالي لله تعالى حصرًا، ونفى عن نفسه وعن آبائه والأنبياء الألوهيّة، وأثبت العبوديّة لهم، حينها، صار مناسبًا له أن يتبرّأ ممّن يدّعي فيهم غير ما ذكر، وقد تبرّأ f ممّن يدّعي لهم علم الغيب الاستقلالي بأسلوبٍ غاية في الشدّة وتغليظ القسم، فقال A: «فأُشهد الله الذي لا إله إلّا هو وكفى به شهيدًا، ورسوله محمّدًاJ، وملائكته وأنبياءه، وأولياءه %، وأُشهدك، وأُشهد كلّ من سمع كتابي هذا، أنّي بريء إلى الله وإلى رسوله ممّن يقول: إنّا نعلم الغيب، ونشاركه في ملكه، أو يحلّنا محلًّا سوى المحل الذي رضيه الله لنا وخلَقنا له، أو يتعدّى بنّا عمّا قد فسّرتُه لك وبينته في صدر كتابي».
تنبيه: تعليم من ذي علم.
نؤكّد على أنّنا – أتباع أهل البيت % لا ننفي علم الأئمّة % بالغيب، إنّما المنفي هو استقلالهم بذلك، وأمّا إذا كان بتعليم من الله تعالى فلا مانع، على غرار ما صرّح به أمير المؤمنين A بقوله: «لَيْسَ هُوَ بِعِلْمِ غَيْبٍ، وإِنَّمَا هُوَ تَعَلُّمٌ مِنْ ذِي عِلْمٍ»[30].
وعلى هذا الأساس يمكن تفسير التوقيعات التي أخبر فيها الإمام f ببعض بالمغيّبات، ممّا لا يسع هذا البحث ذكره بالتفصيل.
الحد الثاني: نفي التفويض عن الأئمّة %:
يعني التفويض: تصرّف الإنسان التكويني بالاستقلال عن الله تعالى، إمّا لأن الله تعالى خلق الخلق ورفع يده عن التدخّل في شؤونهم التكوينيّة، أو لأنّه (جلّ وعلا عن ذلك) لا يتمكّن من التدخّل في تلك الشؤون، وهو المنسوب إلى المعتزلة، وإلى (الربوبيّة) من الحركات الحديثة.
لسنا في مقام بيان الأجوبة التفصيليّة عن ذلك، ولا في مقام بيان الأسباب وراءه، إنّما هدفنا في هذا البحث – كما أشرنا سابقًا - التنقيط للعقائد المتعلّقة بالإمامة والاعتقاد بها، وبيان ما ورد في شأن ذلك في التوقيعات.
وفي هذا المقام، ورد عنه f توقيع ينفي فيه التفويض إلى الأئمّة % الذي يستلزم الاستقلال عن إرادة الله تعالى وحوله وقوّته وعونه، خصوصًا فيما يتعلّق بالرزق والخلق، ومن ذلك: توقيعه f في ردّ قول المفوّضة بتفويض الخلق والرزق إلى الائمّة %[31].
إذ ورد أنّ جماعة من الشّيعة اختلفوا في أنّ الله (عزَّ وجلَّ) فوّض إلى الأئمّة % أن يخلقوا ويرزقوا، فقال قوم: هذا محال يجوز على الله (عزَّ وجلَّ) لأنّ الأجسام لا يقدر على خلقها غير الله (عزَّ وجلَّ)، وقال آخرون: بل الله (عزَّ وجلَّ) أقدر الأئمّة على ذلك وفوّض إليهم فخلقوا ورزقوا، وتنازعوا في ذلك تنازعًا شديدًا.
فقال قائل: ما بالكم لا ترجعون إلى أبي جعفر محمّد بن عثمان فتسألونه عن ذلك؛ ليوضّح لكم الحقّ فيه، فإنّه الطّريق إلى صاحب الأمر، فرضيت الجماعة بأبي جعفر، وسلّمت وأجابت إلى قوله، فكتبوا المسألة وأنفذوها إليه، فخرج إليهم من جهته توقيع نسخته: «إنّ الله تعالى هو الّذي خلق الأجسام، وقسم الأرزاق؛ لأنّه ليس بجسم ولا حالّ في جسم، ليس كمثله شيءٌ وهو السّميع البصير، فأمّا الأئمّة % فإنّهم يسألون الله تعالى فيخلق، ويسألونه فيرزق؛ إيجابًا لمسألتهم، وإعظاما لحقّهم».
فالتوقيع واضح في أمرين:
1- نفي التفويض عن الأئمّة % بمعنى الاستقلال بالفعل.
2- إثبات التفويض لهم % بمعنى فعلهم مع الاستعانة بالله تعالى.
وهو المعنى الذي أثبته القرآن الكريم للعديد من مخلوقاته، كتفويض ملك الموت بقبض الأرواح بإذنه تعالى، وكما كان يفعل النبي عيسى A، من إحياء الموتى بإذن الله تعالى، وكما صنع النبيّ إبراهيم A طيورًا من الطين فنفخ فيها فصارت طيورًا حيّةً بإذن الله تعالى. فالفاصل بين التفويض الباطل والمقبول هو (إذن الله تعالى) وعدم الاستقلال عن إرادته تعالى وعونه.
الحد الثالث: الاعتقاد بأنّ الأئمّة واسطة الفيض الإلهي
إذا لم يكن لأهل البيت % استقلال بالأفعال التكوينيّة، وإنّما يفعلون بإذن الله تعالى، فهذا معناه أنّهم واسطةٌ لإيصال الفيض الإلهي للناس، وهذا المعنى هو المتناسب مع التفويض الذي يقول به الشيعة في أهل البيت %، الذي هو بمعنى الإيكال من الله تعالى وبإذنه في أن يتصرّفوا % في أمور التكوين، في حدود الإذن الإلهي، ومن ذلك ولايتهم التكوينيّة المتفق على ثبوتها لهم % بين علماء الطائفة، قال السيد الخوئي H: «أمّا الولاية التكوينية: فلا إشكال في ثبوتها وأنّ المخلوقات بأجمعها راجعةٌ إليهم وإنّما خلقت لهم، ولهم القدرة على التصرّف فيها وهم وسائط التكوين، ولعلّ ذلك بمكانٍ من الوضوح ولا يحتاج إلى إطالة الكلام»[32].
وقال H: «في ولايتهم % التكوينيّة أمّا الجهة الأولى، فالظاهر أنّه لا شبهة في ولايتهم على المخلوق بأجمعهم، كما يظهر من الأخبار، لكونهم واسطةً في الايجاد، وبهم الوجود، وهم السبب في الخلق، إذ لولاهم لما خلق الناس كلّهم، وإنّما خلقوا لأجلهم، وبهم وجودهم، وهم الواسطة في الإفاضة، بل لهم الولاية التكوينيّة لما دون الخالق. فهذه الولاية نحو ولاية الله تعالى على الخلق ولاية إيجاديّة، وإنْ كانت هي ضعيفة بالنسبة إلى ولاية الله تعالى على الخلق»[33].
التوقيعات المهدويّة نصّت على هذا المعنى من التفويض إليهم %، وأثبتته لهم، وعلينا أن نفهم ما ورد في ذلك بهذا المعنى الذي ذكرناه، ومن ذلك ما رواه الشيخ الطوسي ففي غيبته عنه f: «وَنَحْنُ صَنَائِعُ رَبِّنَا، وَاَلْخَلْقُ بَعْدُ صَنَائِعُنَا»[34].
وهذه الكلمة قريبةٌ ممّا روي أنّ أمير المؤمنين A قال: «فَإِنَّا صَنَائِعُ رَبِّنَا، والنَّاسُ بَعْدُ صَنَائِعُ لَنَا»[35].
وسواء فُسّر هذا التعبير بأنه يدلّ «على أفضليّتهم من جهة اختصاص اللَّه سبحانه إيّاهم بالنعمة الجزيلة، وهي نعمة الرسالة وما يستلزمه من الشرف والفضل حتّى كان الناس عيالًا لهم فيها، إذ كانت تلك النعمة ولوازمها إنّما وصلت إلى الناس بواسطتهم ومنهم. وأكرم بها فضيلةً وشرفًا على ساير الخلق»[36]. أو فسّر بأن: «آل النبي أُسَراء إحسان الله عليهم والناس أسراء فضلهم بعد ذلك. وأصل الصنيع من تصنعه لنفسك بالإحسان حتى خصصته بك كأنّه عمل يدك»[37]. أو فُسّر بما ينسجم مع قاعدة (الواحد لا يصدر عنه إلّا واحد) ونظريّة العقول العشرة الفلسفيّة، التي تقتضي أنّ أهل البيت % هم الواسطة في فيض الوجود على الكون كله.
بأيّ تفسيرٍ فُسّرت تلك العبارة، فهي تكون صحيحةً إذا كان ذلك بإذن الله تعالى وتوكيله، مع قدرته على سلبهم ذلك، وإلّا، فلا يصح نسبتها إليهم %، لاستلزامه الغلو المنهي عنه.
النتيجة: كونوا النمرقة الوسطى
فإذا تبيّنت تلك الحدود، علمنا أنّ المطلوب منا هو الاعتقاد بالحدّ الوسط، بألّا نغلو فيهم %، بأن يُدّعى لهم الألوهيّة أو الاستقلال بعلم الغيب أو الفعل، وبألّا نقصّر في حقوقهم والاعتقاد بمقاماتهم، فنجعلهم كسائر الناس لا مقامات كمالية لهم، ولا قدرات غيبيّة عندهم، ولا ولاية تكوينية ثابتة لهم، فهو حدٌّ أوسط، لا غلو فيه ولا تقصير، وهو ما جاء في توقيعهf الذي رواه الشيخ الطوسي في غيبته: «وَلَا تَمِيلُوا عَنِ اَلْيَمِينِ وَتَعْدِلُوا إِلَىٰ اَلشِّمَالِ، وَاِجْعَلُوا قَصْدَكُمْ إِلَيْنَا بِالمَوَدَّةِ عَلَىٰ اَلسُّنَّةِ اَلْوَاضِحَةِ»[38].
الحد الرابع: ضرورة التسليم وطاعة الإمام:
إذا كان أهل البيت% وسائط الفيض الإلهي بإذنه تعالى، وهم أئمّة المسلمين بجعل منه (جلَّ وعلا)، فيلزم على جميع المسلمين اتّباعهم بحدّ التسليم المطلق، الذي لا اعتراض معه، ولا شك، ولو قلبًا ووجدانًا لا يظهر على الأفعال الخارجيّة، كما هو مقتضى التسليم المطلوب، مما بيّنته النصوص المتعدّدة، من قبيل ما روي عَنْ سَدِيرٍ عن أبي جعفرA: «إِنَّمَا كُلِّفَ النَّاسُ ثَلَاثَةً: مَعْرِفَةَ الأَئِمَّةِ، والتَّسْلِيمَ لَهُمْ فِيمَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ، والرَّدَّ إِلَيْهِمْ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيه»[39].
وما روي عَنْ عَبْدِ اللهِ الْكَاهِلِيِّ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ A: «لَوْ أَنَّ قَوْمًا عَبَدُوا اللهَ وَحْدَه لَا شَرِيكَ لَه، وأَقَامُوا الصَّلَاةَ، وآتَوُا الزَّكَاةَ، وحَجُّوا الْبَيْتَ، وصَامُوا شَهْرَ رَمَضَانَ، ثُمَّ قَالُوا لِشَيْءٍ صَنَعَه اللهُ، أَوْ صَنَعَه رَسُولُ اللهِJ: أَلَّا صَنَعَ خِلَافَ الَّذِي صَنَعَ، أَوْ وَجَدُوا ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ، لَكَانُوا بِذَلِكَ مُشْرِكِينَ، ثُمَّ تَلَا هَذِه الآيَةَ: ﴿فَلا ورَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ ويُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، ثُمَّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ A: عَلَيْكُمْ بِالتَّسْلِيمِ»[40].
وقد جاء هذا المعنى في أحد توقيعاتهf، وهو ما جاء في بعض فقرات التوقيع السابق: «فَاتَّقُوا اللهَ، وَسَلِّمُوا لَنَا، وَرُدُّوا اَلْأَمْرَ إِلَيْنَا، فَعَلَيْنَا اَلْإِصْدَارُ، كَمَا كَانَ مِنَّا اَلْإِيرَادُ»[41].
المطلب الثاني: من خصائص إمامة الإمام المهديf في التوقيعات
يُقصد من هذا المطلب ذكر بعض متعلّقات الإمامة الخاصّة بالإمام المهديf، وفي مقدّمتها الغيبة وما يتعلّق بها من أوامر وتعليمات، وأمّا ما تقدّم في المطلب الأول فيشترك فيه معه بقية الأئمّة%، فما تقدّم قواعد عامّة بأصل الإمامة، وما سيأتي بعض خصائص وقواعد إمامة خصوص الإمام المهديf، وسنذكر بعضًا منها بالمنهج المتقدّم، أي مع عدم ذكر الشواهد والأدلّة على الخصيصة المذكورة من النصوص الواردة عن عموم أهل البيت%، حفاظًا على هويّة البحث وعدم خروجه إلى كتابٍ كبير.
وفي هذا المجال خصائص متعدّدة، نذكر منها اثنتين مع الإشارة إلى تفريعاتٍ فيها:
الخصوصيّة الأولى: الغيبة
تعني الغيبة: أنّهf لا يباشر التواصل مع الناس في زمن الغيبتين، غايته أنّه في الصغرى يتواصل مباشرةً مع السفراء، ولا سفير في الكبرى، وفي هذا المجال وردت تعليماتٌ متعددةٌ متعلّقةٌ بالغيبة، ومنها:
أولًا: التعبّد بالغيبة
إنّ الغيبة استثناء، بمعنى أنّها لم تجر على الطريقة العامّة المتعارفة لوجود الحجّة ظاهرًا بين أتباعه، ومن ثَمّ قد تخفى كثيرٌ من متعلّقاتها، كالسبب الحقيقي من ورائها، وكوقت انتهائها، وحيث إنّها قد تطول، بل إنّ غيبته f ستطول بحسب عشرات الروايات الواردة عنهم% التي تنبّأت بأنّ لهf غيبة تطول أيّامها، واليوم نعيش أكثر من ألف عام لها، حينها من الطبيعي أن يحصل التشكيك من بعض، أو قد يقع بعضٌ في الحيرة، فيحتاج المؤمن إلى (مؤمِّن) و(جدار حماية) لإيمانه من أن يُصاب بالشكّ والتردد، ومن هنا ورد في بعض التوقيعات الأمر بالتعبد بأمر الغيبة، بمعنى أخذها فعلًا غيبيًّا حكيمًا، وإذا كان الفعل حكيمًا فليس من الضروري معرفة الحكمة فيه والعلّة الحقيقية منه، أو قل: إنّ الأصل في الأفعال الحكيمة هو قبولها و (التعبّد بها)، فإن أمكن اكتشاف العلّة والحكمة الحقيقيّة منها فبها، وإلّا كفى الاعتقاد بأنّه فعل حكيم لاطمئنان النفس ولو بمستوى من الاطمئنان الذي يدفع الشك، ويثبت القلب على الإيمان.
وفي ذلك روى الشيخ الصدوق في كماله توقيعًا عن صاحب الزمان A كَانَ خَرَجَ إِلَىٰ الْعَمْرِيِّ وَابْنِهِ، رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وفيما يتعلّق بالتعبّد بالغيبة قال f: «...أَمْ جَهِلُوا مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّادِقَةُ وَالْأَخْبَارُ الصَّحِيحَةُ، أَوْ عَلِمُوا ذَلِكَ فَتَنَاسَوْا مَا يَعْلَمُونَ، إِنَّ الْأَرْضَ لَا تَخْلُو مِنْ حُجَّةٍ إِمَّا ظَاهِرًا وَإِمَّا مَغْمُورًا.
أَوْ لَمْ يَعْلَمُوا انْتِظَامَ أَئِمَّتِهِمْ بَعْدَ نَبِيِّهِمْ J وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ إِلَىٰ أَنْ أَفْضَى الْأَمْرُ بِأَمْرِ اللهِ (عز وجل) إِلَىٰ المَاضِي - يَعْنِي الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ C-،... وَوَصِيَّةٍ أَوْصَى بِهَا إِلَى وَصِيٍّ سَتَرَهُ اللهُ (عز وجل) بِأَمْرِهِ إِلَى غَايَةٍ، وَأَخْفَى مَكَانَهُ بِمَشِيئَتِهِ لِلْقَضَاءِ السَّابِقِ وَالْقَدَرِ النَّافِذِ، وَفِينَا مَوْضِعُهُ، وَلَنَا فَضْلُهُ، وَلَوْ قَدْ أَذِنَ اللهُ (عزَّ وجلَّ)، فِيمَا قَدْ مَنَعَهُ عَنْهُ وَأَزَالَ عَنْهُ مَا قَدْ جَرَى بِهِ مِنْ حُكْمِهِ لَأَرَاهُمُ الْحَقَّ ظَاهِرًا بِأَحْسَنِ حِلْيَةٍ، وَأَبْيَنِ دَلَالَةٍ، وَأَوْضَحِ عَلَامَةٍ، وَلَأَبَانَ عَنْ نَفْسِهِ وَقَامَ بِحُجَّتِهِ، وَلَكِنَّ أَقْدَارَ اللهِ (عزَّ وجلَّ) لَا تُغَالَبُ، وَإِرَادَتَهُ لَا تُرَدُّ، وَتَوْفِيقَهُ لَا يُسْبَقُ، فَلْيَدَعُوا عَنْهُمُ اتِّبَاعَ الْهَوَى، وَلْيُقِيمُوا عَلَى أَصْلِهِمُ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ، وَلَا يَبْحَثُوا عَمَّا سَتَرَ عَنْهُمْ فَيَأْثَمُوا، وَلَا يَكْشِفُوا سَتْرَ اللهِ (عزَّ وجلَّ) فَيَنْدَمُوا، وَلْيَعْلَمُوا أَنَّ الْحَقَّ مَعَنَا وَفِينَا، لَا يَقُولُ ذَلِكَ سِوَانَا إِلَّا كَذَّابٌ مُفْتَرٍ، وَلَا يَدَّعِيهِ غَيْرُنَا إِلَّا ضَالٌّ غَوِيٌّ، فَلْيَقْتَصِرُوا مِنَّا عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ دُونَ التَّفْسِيرِ، وَيَقْنَعُوا مِنْ ذَلِكَ بِالتَّعْرِيضِ دُونَ التَّصْرِيحِ إِنْ شَاءَ اللهُ»[42].
فالتوقيع واضح في أنّ الغيبة كانت لحكمةٍ سترها الله تعالى، ولو أُذن له f لبيّنها، وحيث لم يؤذن، فعلى المؤمن أن يتعبد بها ويقبلها من دون تردّدٍ ولا تشكيك، وأنّ التعبد إنّما كان من أجل المصلحة الإلهيّة بالغيبة، وّمن المعلوم أنّه لا يجب على الحكيم أن يبيّن الحكمة من جميع أفعاله، فحكمته كافيةٌ للتسليم بالمصلحة فيها.
وعلى منوال هذا التوقيع روى الشيخ الطوسي بسنده توقيعه f في الجواب عما ورد أنّه: تَشَاجَرَ اِبْنُ أَبِي غَانِمٍ اَلْقَزْوِينِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ اَلشِّيعَةِ فِي اَلْخَلَفِ، فَذَكَرَ اِبْنُ أَبِي غَانِمٍ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ A مَضَى وَلَا خَلَفَ لَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ كَتَبُوا فِي ذَلِكَ كِتَابًا وَأَنْفَذُوهُ إِلَىٰ اَلنَّاحِيَةِ، وَأَعْلَمُوهُ بِمَا تَشَاجَرُوا فِيهِ، فَوَرَدَ جَوَابُ كِتَابِهِمْ بِخَطِّهِ (عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آبَائِهِ اَلسَّلَامُ)، جاء فيه ما هو محل الشاهد: «... وَلَوْ لَا أَنَّ أَمْرَ اَلله تَعَالَىٰ لَا يُغْلَبُ، وَسِرَّهُ لَا يُظْهَرُ وَلَا يُعْلَنُ، لَظَهَرَ لَكُمْ مِنْ حَقِّنَا مَا تَبَيَّنَ مِنْهُ عُقُولُكُمْ، وَيُزِيلُ شُكُوكَكُمْ، لَكِنَّهُ مَا شَاءَ اَللهُ كَانَ، وَلِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ. فَاتَّقُوا اَللهَ، وَسَلِّمُوا لَنَا، وَرُدُّوا اَلْأَمْرَ إِلَيْنَا، فَعَلَيْنَا اَلْإِصْدَارُ كَمَا كَانَ مِنَّا اَلْإِيرَادُ، وَلَا تُحَاوِلُوا كَشْفَ مَا غُطِّيَ عَنْكُمْ»[43].
ثانيًا: المنع من طلب اللقاء
إذا كانت الغيبة فعلًا غيبيًا حكيمًا، فلا ريب في أنّ محاولة التسلّق عليها، والعمل على كشف مكان الإمام f، قد يؤدّي إلى الإضرار به f، فلا شك في أنّه فعلٌ غير مرغوب به، ومن ثَمَّ ورد التأكيد في بعض النصوص على ضرورة الابتعاد عن الطلب المؤدّي إلى الضرر به A، بل يبدو أنّ المنع عن ذلك مطلق، ويكفي فيه احتمال توجّه الضرر إليه f، ومعه يكون اللازم على المؤمن أن يقوم بما عليه من واجبات زمن الانتظار، وأمّا اللقاء، فإن حصل فهو الشرف الذي ما بعده شرف، وإن لم يحصل، لم يؤثّر ذلك على سير المؤمن وفق منهج الانتظار زمن الغيبة، يرافقه الاعتقاد بأنّه f لم يرَ مصلحةً في الكشف عن نفسه لمؤمنٍ ما، وإنْ كان قلبه يتقطّع شوقًا للقائه.
وفي ذلك روى الشيخ الطوسي بسنده إلى أَبُي اَلْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ اَلْحَسَنِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ اَلْخُجَنْدِيُّ «وَكَانَ قَدْ أَلَحَّ فِي اَلْفَحْصِ وَاَلطَّلَبِ، وَسَارَ فِي اَلْبِلَادِ، وَكَتَبَ عَلَى يَدِ اَلشَّيْخِ أَبِي اَلْقَاسِمِ بْنِ رَوْحٍ (رضوان الله عليه) إِلَى اَلصَّاحِبِ A يَشْكُو تَعَلُّقَ قَلْبِهِ وَاِشْتِغَالَهُ بِالْفَحْصِ وَاَلطَّلَبِ، وَيَسْأَلُ اَلْجَوَابَ بِمَا تَسْكُنُ إِلَيْهِ نَفْسُهُ، وَيَكْشِفُ لَهُ عَمَّا يَعْمَلُ عَلَيْهِ، قَالَ: فَخَرَجَ إِلَيَّ تَوْقِيعٌ نُسْخَتُهُ: «مَنْ بَحَثَ فَقَدْ طَلَبَ، وَمَنْ طَلَبَ فَقَدْ دَلَّ[44]، وَمَنْ دَلَّ فَقَدْ أَشَاطَ، وَمَنْ أَشَاطَ فَقَدْ أَشْرَكَ»، قَالَ: فَكَفَفْتُ عَنِ اَلطَّلَبِ، وَسَكَنَتْ نَفْسِي، وَعُدْتُ إِلَى وَطَنِي مَسْرُورًا، وَاَلْحَمْدُ لِله» [45].
ثالثًا: تكذيب مدّعي السفارة الخاصّة زمن الغيبة الكبرى
من الأمور المسلَّمة لدى المذهب الحقّ، التي لا يختلف فيها عالمان، أنّ السفارة الخاصّة انتهت بموت السفير الرابع، وأنّ كلّ من ادّعى السفارة قبل الصيحة والسفياني فهو كذّاب مفترٍ، ومن ثَم فالمجال مفتوحٌ لادّعاء الفقاهة – بشروطها الموضوعيّة الخاصّة المعروفة في الأوساط العلميّة الحوزويّة -، وأمّا السفارة، فلا يحقّ لأحد ادّعاءها.
وممّا استدلّ به العلماء على ذلك هو التوقيع الأخير الذي صدر منهf لسفيره الرابع الشيخ علي بن محمد السمري، فقد روى الشيخ الصدوق - والشيخ الطوسي - بسنده عن أَبُي مُحَمَّدٍ اَلْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ اَلمُكَتِّبِ، قَالَ: «كُنْتُ بِمَدِينَةِ اَلسَّلَامِ فِي اَلسَّنَةِ اَلَّتِي تُوُفِّيَ فِيهَا اَلشَّيْخُ أَبُو اَلْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ اَلسَّمُرِيُّ (رضوان الله عليه)، فَحَضَرْتُهُ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِأَيَّامٍ، فَأَخْرَجَ إِلَى اَلنَّاسِ تَوْقِيعًا نُسْخَتُهُ: «بِسْمِ اَلله اَلرَّحْمَنِ اَلرَّحِيمِ، يَا عَلِيَّ بْنَ مُحَمَّدٍ اَلسَّمُرِيَّ، أَعْظَمَ اَللهُ أَجْرَ إِخْوَانِكَ فِيكَ، فَإِنَّكَ مَيِّتٌ مَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ سِتَّةِ أَيَّامٍ، فَاجْمَعْ أَمْرَكَ وَلَا تُوصِ إِلَىٰ أَحَدٍ فَيَقُومَ مَقَامَكَ بَعْدَ وَفَاتِكَ، فَقَدْ وَقَعَتِ اَلْغَيْبَةُ اَلتَّامَّةُ، فَلَا ظُهُورَ إِلَّا بَعْدَ إِذْنِ اَلله تَعَالَى ذِكْرُهُ، وَذَلِكَ بَعْدَ طُولِ اَلْأَمَدِ، وَقَسْوَةِ اَلْقُلُوبِ، وَاِمْتِلَاءِ اَلْأَرْضِ جَوْرًا. وَسَيَأْتِي شِيعَتِي مَنْ يَدَّعِي اَلمُشَاهَدَةَ، أَلَا فَمَنِ اِدَّعَى اَلمُشَاهَدَةَ قَبْلَ خُرُوجِ اَلسُّفْيَانِيِّ وَاَلصَّيْحَةِ فَهُوَ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِالله اَلْعَلِيِّ اَلْعَظِيمِ».
قَالَ: فَنَسَخْنَا هَذَا اَلتَّوْقِيعَ، وَخَرَجْنَا مِنْ عِنْدِهِ، فَلَمَّا كَانَ اَلْيَوْمُ اَلسَّادِسُ عُدْنَا إِلَيْهِ وَهُوَ يَجُودُ بِنَفْسِهِ، فَقِيلَ لَهُ: مَنْ وَصِيُّكَ مِنْ بَعْدِكَ؟ فَقَالَ: «لِله أَمْرٌ هُوَ بَالِغُهُ»، وَقَضَى، فَهَذَا آخِرُ كَلَامٍ سُمِعَ مِنْهُ (رَضِيَ اَللهُ عَنْهُ وَأَرْضَاهُ)»[46].
معنى المشاهدة المنفيّة:
المشاهدة في هذا التوقيع، إن كانت بمعنى ادِّعاء اللقاء بالإمام المهدي f، مع ادِّعاء أنَّه f جعله سفيرًا خاصًّا له، أو أنَّه f حمَّله أوامر يلزم تبليغها للشيعة، ومن ثَمَّ يلزم علىٰ الشيعة إطاعته، فهذا المعنى باطل؛ لعدم وجود سفير خاصٍّ للإمام المهدي f بعد السفراء الأربعة الذين كانوا في الغيبة الصغرى. وإنْ كانت بمعنى التشرّف باللقاء من دون معرفته، فهذا المعنى جائز ولا مانع منه في حدّ نفسه، كما قد دلّت بعض النصوص على أنّه f يرى الناس ويعرفهم، ولكنّهم يرونه من دون أن يعرفوه.
هذا، وقد دلَّت الأدلَّة على انقطاع السفارة زمن الغيبة الكبرى، والأدلَّة عديدة، منها:
أوَّلًا: أنَّ انقطاع النيابة والسفارة من وضروريَّات مذهب أهل البيت % بديهيَّاته.
ثانيًا: إجماع الفقهاء على انقطاع النيابة، وإجماعهم على ضلال مدَّعي السفارة والنيابة.
ثالثًا: التواتر وتسالم الطائفة، وحاصله: أنَّ للإمام المهديf غيبتين: غيبة صغرى وغيبة كبرى، وأنَّ الفارق بينهما هو أنَّ الغيبة الصغرى يكون الخفاء فيها ليس تامًّا لوجود تمثيلٍ رسميّ للإمامf من خلال السفراء والنوَّاب الخاصِّين، وأنَّ الغيبة الكبرى يكون الخفاء فيها تامًّا، أي يكون الانقطاع تامًّا، كما أنَّ انتهاء الغيبة الصغرى يكون بانقطاع السفارة والنيابة الخاصَّة، في حين أنَّ انتهاء الغيبة الكبرى يكون بظهور الإمامf وبيعته وإقامة دولته وبروز جهاز إدارته.
رابعًا: التوقيع المبارك المرويُّ بتوسُّط النائب الرابع عليِّ بن محمّد السِّمَّري (رضوان الله عليه)، وقد تقدّم نقلُه، ومن ثّم: فإنَّ المشاهدة المنفيَّة في نصِّ الإمام f لا تخلو عن أحد معنيين:
الأوَّل: نفي مطلق المشاهدة الثاني: نفي بعض المشاهدة
أمَّا الأوَّل، فباطل بالوجدان؛ لحدوث المشاهدة من عدَّة من أساطين الفقهاء والعلماء وتشرُّفهم بلقائهf، حتَّى إنَّ ثُلَّة منهم نقل عنهf بعض الأدعية المسطورة في كُتُب الشيعة مع عدم دعواهم للسفارة.
فلا بدَّ من أنْ ينحصر المعنى بالثاني (أي نفي بعض مصاديق المشاهدة)، وهذا البعض المنفي لا بدَّ أنْ يكون المراد منه المشاهدة مع ادِّعاء الوساطة والارتباط المباشر بالإمامf، بقرينة أنَّ التوقيع صدر قرب وفاة السِّمَّري، حيث ورد في أوَّله تعزية الإمامf المؤمنين بموت السِّمَّري ما بينه وبين ستَّة أيَّام، ثم أمْرُهf السِّمَّري بعدم الوصاية إلىٰ أحد يقوم مقامه بعد وفاته، إذ قد وقعت الغيبة التامَّة، وأنَّه لا ظهور حتَّى يأذن الله تعالى ذكره، وهذه كلُّها قرائن على أنَّ سياق الكلام دالٌّ على تكذيب المشاهدة مع دعوى النيابة والسفارة بعد السِّمَّري (رضوان الله عليه). فتكون المشاهدة بمعنى السفارة من المحكمات.
على أنَّه ينبغي أنْ نلاحظ أنَّ التوقيع الشريف، إنْ كان ينفي خصوص السفارة فبها، وإنْ كان ينفي مطلق المشاهدة، بما يشمل السفارة والرؤية من دون ادِّعائها، فهو أيضًا بالتالي ينفي السفارة الخاصَّة، إذ السفارة أخصّ من مطلق الرؤية، والخاصُّ ينتفي بانتفاء المطلق والعامِّ.
رابعًا: من أسباب الغيبة
هناك العديد من النصوص التي أشار فيها أهل البيت% إلى الحِكَمِ والأسباب التي كانت وراء غيبة الإمام المهديf، على أنّ بعضها نفى العلم بالعلّة الحقيقيّة لها، وأن أمر الكشف عنها مؤجل إلى وقت ظهورهf، ومن ثَمّ تكون الأسباب المذكورة في النصوص الأخرى أشبه بالعلل الناقصة، أو الحكم – لا العلل - للغيبة.
وممّا قد يُشير إلى هذا المعنى هو ما رواه الشيخ الصدوق من توقيع صاحب الزمان A كَانَ خَرَجَ إِلَى الْعَمْرِيِّ وَابْنِهِ، رَوَاهُ سَعْدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حيث جاء فيه: «... وَوَصِيَّةٍ أَوْصَى [أي الإمام العسكريA] بِهَا إِلَى وَصِيٍّ سَتَرَهُ اللهُ (عزَّ وجلَّ) بِأَمْرِهِ إِلَى غَايَةٍ، وَأَخْفَى مَكَانَهُ بِمَشِيئَتِهِ لِلْقَضَاءِ السَّابِقِ وَالْقَدَرِ النَّافِذِ»[47].
وفي التوقيعات المهدويّة الإشارة إلى جملةٍ من تلك الأسباب، ومنها:
السبب الأول: السباريت من الإيمان:
جاءَ في مكاتبةِ الإمامِ المهديf للشيخ المفيد: «فقد كنّا نظرنا مناجاتك عصمك الله... من مستقرٍّ لنا... ألجأنا إليه السباريتُ من الإيمان»[48].
والمعنىٰ مختصرًا: أنّ الإمام المهديf يُخبر الشيخ المفيد بأنّه يُنظر في مناجاته في مكانه الذي هو فيه، وإنّما كان في مستقره ذاك لأنّ (السباريت من الإيمان) ألجأوه إليه.
وبمراجعةِ الكُتُبِ اللغوية[49] يتبيّنُ أنَّ المقصودَ من السبروتِ هو: الشيء القليل، أو الرجل الفقير، أو المُفلِس، أو الشيء التافه القليل، أو الأرض القفر التي لا زرعَ فيها، أو التي لا ينبتُ فيها نبات. فالسبروتُ يعني الشيءَ القليلَ أو المُعدَم، ويتعيّنُ معناها بما تتعلّقُ به، فإذا تعلّقتْ بالأرضِ صارتْ بمعنى الأرض التي لا نباتَ فيها أو التي فيها نباتٌ قليل، وإذا تعلّقتْ بالإنسانِ صارتْ بمعنى المُفلسِ من أيّ مالٍ أو ذي المالِ القليلِ جدًا. ومعه، فيكونُ معنى السباريت من الإيمان هو ضعيفي الإيمان، من يكونُ إيمانُهم سطحيًّا، أو غيرَ مُستدل، أو هشًّا لا قوةَ فيه.
السبب الثاني: عدم تمسّك المؤمنين بالعهد بينهم وبين الله تعالى والمعصومين%: وهو المستفاد ممّا ورد في التّوقيع الثّاني للشّيخ السّعيد المفيد[50]، حيث ورد فيه: «ولو أنّ أشياعنا وفّقهم الله لطاعته على اجتماع من القلوب في الوفاء بالعهد عليهم لما تأخّر عنهم اليمن بلقائنا ولتعجّلت لهم السّعادة بمشاهدتنا على حقّ المعرفة وصدقها منهم بنا فما يحبسنا عنهم إلاّ ما يتّصل بنا ممّا نكرهه ولا نؤثره منهم».
الخصوصيّة الثانية: علاقة الإمام الوجدانيّة والروحية بالرعيّة زمن الغيبة الكبرى
لا تنحصر علاقة الإمام بأتباعه بعلاقة القائد والمقود، والرئيس والمرؤوس، وإنّما هي علاقةٌ تشمل هذا المعنى مع علقةٍ روحيّةٍ معنويّة، هذا المعنى الذي عبّر الرسول الأعظمJ بقوله لأمير المؤمنينA: «أنا وأنت أبوا هذه الأمة»[51]، وقول أمير المؤمنينA لرميلة: «يا رميلة، ليس من مؤمنٍ يمرض إلّا مرضنا بمرضه، ولا يحزن إلّا حزنّا بحزنه، ولا يدعو إلّا أمّنا لدعائه، ولا يسكت إلّا دعونا له... »[52].
وفي التوقيعات المهدويّة بياناتٌ تشهد بهذا المعنى، ومنها:
أ- اغتمام الإمام من دخول الشك على رعيته:
وهذا المعنى لا يكون لمجرد علاقة الرئيس بالمرؤوس، فإنّ الرئيس يرضى من أتباعه بالطاعة الظاهريّة، ولو كانوا غير مقتنعين بها وجدانيًا، وقلبيًا، إلّا أنّ المعصوم لا يحب الشك القلبي والتردد الاعتقادي لأتباعه، ومن هنا جاء في بعض النصوص اغتمامهf بسبب دخول الشك على قلوب أتباعه، فقد روى الشيخ الطوسي بسنده توقيعهf في الجواب عما ورد أنّه: «تَشَاجَرَ اِبْنُ أَبِي غَانِمٍ اَلْقَزْوِينِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ اَلشِّيعَةِ فِي اَلْخَلَفِ، فَذَكَرَ اِبْنُ أَبِي غَانِمٍ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ A مَضَىٰ وَلَا خَلَفَ لَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ كَتَبُوا فِي ذَلِكَ كِتَابًا وَأَنْفَذُوهُ إِلَىٰ اَلنَّاحِيَةِ، وَأَعْلَمُوهُ بِمَا تَشَاجَرُوا فِيهِ، فَوَرَدَ جَوَابُ كِتَابِهِمْ بِخَطِّهِ (عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آبَائِهِ اَلسَّلَامُ): «إِنَّهُ أُنْهِيَ إِلَيَّ اِرْتِيَابُ جَمَاعَةٍ مِنْكُمْ فِي اَلدِّينِ، وَمَا دَخَلَهُمْ مِنَ اَلشَّكِّ وَاَلْحَيْرَةِ فِي وُلَاةِ أُمُورِهِمْ، فَغَمَّنَا ذَلِكَ لَكُمْ لَا لَنَا، وَسَاءَنَا فِيكُمْ لَا فِينَا؛ لِأَنَّ اَللهَ مَعَنَا وَلَا فَاقَةَ بِنَا إِلَى غَيْرِهِ، وَاَلْحَقُّ مَعَنَا فَلَنْ يُوحِشَنَا مَنْ قَعَدَ عَنَّا»[53].
فالتوقيع واضح في أنّه f إنّما اغتمّ من أجل شيعته، لا من أجل نفسه؛ لأنّه غنيٌّ بإغناء الله تعالى له عن غيره، وهذا يعني أنّه يتعامل مع رعيته معاملة الوالد الرؤوف، لا الرئيس والحاكم فقط.
ب/ الإمام ناصحٌ أمين لرعيته
تؤكد النصوص القرآنيّة على أنّ واحدًا من أهم ما قام به الأنبياء عمومًا هو نصيحة أقوامهم، وقد تردّد قولهم لأقوامهم (ناصح أمين)، وعلى المنوال ذاته، أشارت العديد من التوقيعات إلى أنّ الإمام المهدي f لم يقتصر في أجوبته لشيعته بذكر الجوانب الفقهيّة أو العَقَديّة فحسب، وإنّما كان يراعي أمور شيعته في مختلف أحوالهم، وكان يقدّم تعليماته ونصائحه لهم ما وجد إلى ذلك فرصة أو سبيلًا، ففي التوقيع السابق، ورد أنّه f بعد أن أعطى المتشاجرين تعليمات تامةً حول الموضوع الذي تشاجروا فيه – وهو الولد بعد الإمام الحسن A ختم ذلك بقوله لهم: (فَقَدْ نَصَحْتُ لَكُمْ).
وفي موضعٍ آخر – من التوقيع ذاته - يُبين f أنّه رغم انشغاله بوضعه الأمني الاستثنائي، ورغم مطاردة الحاكم الظالم له من أجل القضاء عليه، إلّا أنّه مع ذلك لم يترك مخاطبة شيعته ونصيحته لهم؛ لأنّه يحب صلاحهم ورحمتهم، وهو مشفقٌ عليهم، فقال f: «وَلَوْلَا مَا عِنْدَنَا مِنْ مَحَبَّةِ صَلَاحِكُمْ وَرَحْمَتِكُمْ وَاَلْإِشْفَاقِ عَلَيْكُمْ لَكُنَّا عَنْ مُخَاطَبَتِكُمْ فِي شُغُلٍ فِيمَا قَدِ اُمْتُحِنَّا بِهِ مِنْ مُنَازَعَةِ اَلظَّالِمِ اَلْعُتُلِّ[54] اَلضَّالِّ اَلمُتَتَابِعِ فِي غَيِّهِ، اَلمُضَادِّ لِرَبِّهِ، اَلدَّاعِي مَا لَيْسَ لَهُ، اَلْجَاحِدِ حَقَّ مَنِ اِفْتَرَضَ اَللهُ طَاعَتَهُ، اَلظَّالِمِ اَلْغَاصِبِ».
ج/ دفعه شيعته إلى التوبة وتحمّلهم المسؤولية
وممّا يؤكد رعايته الأبويّة لشيعته، وإشفاقه عليهم، ومحبّته لهم، وإرادته هدايتهم، هو أنّه f كان يؤكّد عليهم أن يتوبوا إلى الله تعالى ولا يستمروا بفعل الأخطاء وارتكاب المعاصي، وهذا منه إظهار لصفة الأبوة، وتفعيل واضح لصفة الناصح الأمين لشيعته.
وفي ذلك أورد الشيخ الصدوق توقيعًا خرج إلى مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ مَهْزِيَارَ عندما وَرَدَ الْعِرَاقَ شَاكًّا مُرْتَادًا، فَمما خَرَجَ إِلَيْهِ: «قَالَ مُحَمَّدٌ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: وَقَدِمْتُ الْعَسْكَرَ زَائِرًا فَقَصَدْتُ النَّاحِيَةَ فَلَقِيَتْنِي امْرَأَةٌ وَقَالَتْ: أَنْتَ مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ؟ فَقُلْتُ: نَعَمْ، فَقَالَتْ لِي: انْصَرِفْ فَإِنَّكَ لَا تَصِلُ فِي هَذَا الْوَقْتِ، وَارْجِعِ اللَّيْلَةَ فَإِنَّ الْبَابَ مَفْتُوحٌ لَكَ، فَادْخُلِ الدَّارَ وَاقْصِدِ الْبَيْتَ الَّذِي فِيهِ السِّرَاجُ، فَفَعَلْتُ وَقَصَدْتُ الْبَابَ فَإِذَا هُوَ مَفْتُوحٌ فَدَخَلْتُ الدَّارَ وَقَصَدْتُ الْبَيْتَ الَّذِي وَصَفَتْهُ، فَبَيْنَا أَنَا بَيْنَ الْقَبْرَيْنِ أَنْتَحِبُ وَأَبْكِي إِذْ سَمِعْتُ صَوْتًا وَهُوَ يَقُولُ: «يَا مُحَمَّدُ، اتَّقِ اللهَ وَتُبْ مِنْ كُلِّ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ[55]، فَقَدْ قُلِّدْتَ أَمْرًا عَظِيمًا»»[56].
وورد في توقيعٍ آخر دعوته شيعته إلى قيامهم بمسؤوليتهم التامة، ممّا يساعده f في تخليصهم ممّا هم عليه، أي إنّه f دعاهم لتحمّلهم المسؤوليّة الملقاة عليهم، وأنّ رعايته لهم لا تعني أن يتّكلوا على ذلك ويتركوا ما عليهم من مسؤوليّات، ففي توقيع النّاحية المقدّسة إلى الشّيخ المفيد w ورد: «فاتّقوا الله (جلّ جلاله) وظاهرونا على انتياشكم من فتنةٍ قد أنافت عليكم يهلك فيها من حمّ أجله، ويحمى عليه من أدرك أمله، وهي أمارة لأزوف حركتنا ومباثّتكم بأمرنا ونهينا والله متمّ نوره... ولو كره المشركون» [57].
د/ متابعته ورعايته رغم غيبته
تؤكد العديد من التوقيعات على أنّهf كان يتابع شؤون رعيته - وما زال - رغم غيبته، وأنّ غيبته لم تمنع من ذلك، وهذا يورث اطمئنانًا للأتباع بأنّهم تحت نظر إمامهم، وأن ما يمرّون به من ضغوطٍ وابتلاءاتٍ ومشاكل، لن تمرّ عليهم من دون رعاية منهf وإنْ كان غائبًا.
وممّا يدلّ على ذلك ما ورد في توقيع النّاحية المقدّسة إلى الشّيخ المفيدw الذي جاء فيه: «نحن وإن كنّا ثاوين بمكاننا النّائي عن مساكن الظّالمين، حسب الّذي أراناه الله تعالى لنا من الصّلاح، ولشيعتنا المؤمنين في ذلك، ما دامت دولة الدّنيا للفاسقين، فإنّا يحيط علمنا بأنبائكم، ولا يعزب عنّا شيء من أخباركم، ومعرفتنا بالزّلل الّذي أصابكم... إنّا غير مهملين لمراعاتكم، ولا ناسين لذكركم، ولو لا ذلك لنزل بكم اللّأواء، واصطلمكم الأعداء» [58].
و/ دعوته للتمسّك بالتقية زمن الفتن:
الالتزام بالتقيّة أمرٌ شرعيٌّ واضح، والعقل يؤيّد ذلك الحكم ويُرشد إليه، ورغم ذلك فإنّ الإمام المهديf كان يؤكّد على أتباعه أن يلتزموا التقيّة، ويحثّهم عليها في الظروف الاستثنائية، وهذا منه رعاية لشؤونهم وحماية لهم، ومن ذلك ما ورد في توقيع النّاحية المقدّسة إلى الشّيخ المفيدw حيث جاء فيه: «اعتصموا بالتّقيّة من شبّ نار الجاهليّة يحششها عصب أمويّة، تهول بها فرقة مهديّة، أنا زعيم بنجاة من لم يرم منها المواطن الخفيّة، وسلك في الطّعن منها السّبل الرّضيّة...» [59].
وعلى هذا المنوال ورد أمره بعدم اطّلاع أحد على توقيعاته إلّا خُلّص الشيعة فيؤدّى لهم المعنى لا الكتاب نفسه، حيث جاء في المكاتبة ذاتها: «هذا كتابنا عليك أيّها الأخ الوليّ، والمخلص في ودّنا، الصّفيّ والنّاصر لنا الوفيّ، حرسك الله بعينه الّتي لا تنام فاحتفظ به، ولا تظهر على خطّنا الّذي سطرناه بما له ضمنّاه أحدًا، وأدِّ ما فيه إلى من تسكن إليه، وأوصِ جماعتهم بالعمل عليه إن شاء الله».
خاتمة وتوصيات
1- إنَّ التوقيعات المهدويّة تشكّل جزءًا مهمًّا من تراث المنظومة الفكريّة الشيعيّة، إذ تُعدُّ مصدرًا ثرًّا للفكر الديني، ولا سيّما فيما يتعلّق بعقيدة الإمامة وشوؤنها.
2- ومن خلال التوقيعات، يمكن للمؤمنين الحصول على توجيهاتٍ مباشرةٍ من الإمام المهديf، الذي يعدُّ غيابه أحد أبرز القضايا العَقَديّة في الفكر الشيعي.
3- تتنوع التوقيعات في المحتوى والمضمون، حيث تتناول مسائل متعدّدة من الأحكام الشرعيّة، الفقهيّة، العَقَديّة، والأخلاقيّة؛ ممّا يجعلها ذات أهميّةٍ كبيرةٍ في تحديد وتوجيه سلوك المؤمنين في مختلف المجالات.
4- تبين من خلال هذا العرض السريع أنّ التوقيعات المهدويّة نصوصٌ ثرّةٌ بالمعاني الدينيّة المتنوعة، ومن ثَمّ فمن الأهميّة بمكان أن نُدرك التنوّع الغني للمعلومات والمعارف التي تحملها التوقيعات المهدويّة، والتي تتراوح بين تفسير الأحداث الاجتماعيّة والسياسيّة، إلى الإشارة إلى مسائل علميّةٍ وواقعيّةٍ يحتاجها المسلمون في حياتهم اليوميّة، كما أنّ التوقيعات تسهم في إضاءة الطريق في فترات غيبة الإمام A، وتُعطي المؤمنين إرشاداتٍ عمليّةً للمضي قدمًا في الحفاظ على دينهم واتّباعِهِم للخطّ المهدوي في مواجهة التحدّيات.
5- فيما يتعلّق بالتوصيات للاستفادة من التوقيعات المهدويّة، ينبغي على الباحثين والدارسين السعي إلى جمع هذه التوقيعات وتحليلها بشكلٍ معمّقٍ لفهم أبعادها المختلفة، كما يجب تنظيم دراساتٍ منهجيّةٍ تعمل على ربط التوقيعات المهدويّة بالواقع المعاصر، بما يضمن استفادة الأجيال الجديدة من هذه المعارف.
ومن المهم أيضًا تعزيز الوعي حول أهميّة هذه التوقيعات عبر وسائل الإعلام المختلفة؛ لتكون مصدرًا إلهاميًّا في تسليط الضوء على الفكر الشيعي، مع ضرورة أن يتوخّى المؤمنون الدقّة في تفسير تلك التوقيعات بما يتوافق مع الأصول الثابتة للدين والمذهب.
فهي دعوةٌ لإقامة مؤتمرٍ خاصٍّ بالتوقيعات الشريفة، تُحدّد فيه محاور البحث المتنوّعة ضمن موضوع التوقيعات، والمأمول جدًا الخروج ببحوثٍ راقيةٍ في هذا المجال، ترفد المكتبة المهدويّة بمعارف ممنهجة، من شأنها أن تزيد من المعرفة العلميّة بالتوقيعات وأهميّتها وثرائها بالمعلومات المتنوّعة.
المصادر
بعد كتاب الله العزيز
ابن بابويه، علي بن الحسين، الإمامة والتبصرة، مدرسة الإمام الهادي، ط1، 1404، قم.
ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار إحياء التراث العربي، ط4، 1981م، بيروت.
ابن منظور، لسان العرب، 1405، نشر أدب الحوزة، قم.
ابن ميثم البحراني، شرح نهج البلاغة، عني بتصحيحه عدّةٌ من الأفاضل وقوبل بعدّة نسخٍ موثوقٍ بها، ط1، 1362 ش، چاپخانه دفتر تبليغات إسلامي، مركز النشر مكتب الاعلام الاسلامي - الحوزة العلمية - قم – إيران.
الآمدي، أبو الحسن سيد الدين علي بن أبي علي بن محمد بن سالم الثعلبي، غاية المرام في علم الكلام، تح، حسن محمود عبد اللطيف، المجلس الأعلى للشؤون الإسلاميّة، القاهرة.
البرقي، أحمد بن محمد بن خالد، المحاسن، دار الكتب الإسلاميَّة، طهران.
التفتازاني، مسعود بن عمر، شرح المقاصد، دار المعارف النعمانيّة، ط1، باكستان، 1401 - 1981م.
الجرجاني (القاضي)، علي بن عبد العزيز بن الحسن، شرح المواقف، ط1، مطبعة السعادة – مصر، 1325 - 1907 م.
الجوهري، الصحاح، تحقيق أحمد عبد الغفور العطّار، ط4، 1407، دار العلم للملايين، بيروت.
الخوئي (السيد المرجع)، مصباح الفقاهة، ط1، مكتبة الداوري – قم.
---------- التنقيح في شرح المكاسب، البيع، موسوعة الإمام الخوئي، تقرير بحث السيد الخوئي للغروي، ط1، 1425 - 2005 م، مؤسّسة إحياء آثار الأمام الخوئي H.
الشريف الرضي، نهج البلاغة ضبط نصّه الدكتور صبحي صالح، ط1، 1387، بيروت.
----------، شرح محمّد عبده، ط1، مطبعة النهضة، دار الذخائر، قم.
الصدوق (الشيخ)، محمد بن علي بن الحسين بن بابوية القمي، من لا يحضره الفقيه، تح، عليّ أكبر الغفّاري، ط2، مؤسَّسة النشر الإسلامي، قم.
----------، الأمالي، تح قسم الدراسات، ط1، 1417، مؤسَّسة البعثة.
----------، علل الشرائع، تح، محمّد صادق بحر العلوم، منشورات المكتبة الحيدريّة ومطبعتها، النجف الأشرف.
----------، كمال الدين وتمام النعمة، مؤسَّسة النشر الإسلامي، قم.، 1442هـ.
الصفّار، محمّد بن الحسن، بصائر الدرجات، كوجه باغي، 1404، مطبعة الأحمدي، منشورات الأعلمي، طهران.
الطبرسي، الاحتجاج، تح، محمّد باقر الخرسان، دار النعمان، 1386هـ.
الطبري (الشيعي)، دلائل الإمامة، ط1، 1413هـ، مؤسَّسة البعثة، قم.
الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، تح، أحمد الحسيني، مكتب نشر الثقافة الإسلاميّة، ط2، 1408هـ.
الطوسي (شيخ الطائفة)، أبو جعفر محمد بن الحسن، الغيبة، تح، عبد الله الطهراني، عليّ أحمد ناصح، مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة، قم، ط1، 1411.
الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد الطوسي، الاقتصاد في الاعتقاد، دار الكتب العلمية، بيروت – لبنان، ط1، ١٤٢٤ هـ - ٢٠٠٤ م.
الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ت 817.
الكليني الشيخ (ثقة الإسلام)، الكافي، تح، علي أكبر الغفاري، ط 5، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، 1363ش.
المجلسي (العلَّامة)، بحار الأنوار، ط2 المصحَّحة، 1403، مؤسَّسة الوفاء، بيروت.
[1] الشيخ الطريحي، فخر الدين، مجمع البحرين، 4/804، مادَّة (وقع).
[2] الشيخ الصدوق، محمد بن علي بن الحسين بن بابوية القمي، من لا يحضره الفقيه، 4/203، ذيل الحديث 5472.
[3] الشيخ الطوسي، أبو جعفر محمد بن الحسن، الغيبة، ص 356، ح 318.
[4] الشيخ الطوسي، الغيبة، ص 366، ح 334.
[5] الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد الطوسي، الاقتصاد في الاعتقاد، ص 234.
[6] الآمدي، علي بن أبي علي الثعلبي، غاية المرام في علم الكلام، ص363.
[7] القاضي الجرجاني، علي بن عبد العزيز بن الحسن، شرح المواقف، 8/344.
[8] ابن خلدون، مقدمة ابن خلدون، دار القلم، بيروت، ص465.
[9] التفتازاني، مسعود بن عمر، شرح المقاصد، 5/232.
[10] الشيخ الصدوق، علل الشرائع 1/250، باب 182 ح6.
[11] المصدر نفسه، 1/9، باب 9 (علة خلق الخلق واختلاف أحوالهم)، ح1. وعلّق الشيخ الصدوق: «يعني ذلك: أنْ يعلم أهل كلّ زمانٍ أنّ الله هو الذي لا يخليهم في كلّ زمانٍ عن إمامٍ معصوم، فمن عبد ربًّا لم يُقم لهم الحجّة فإنّما عبَد غير الله (عزّ وجل)».
[12] البرقي، أحمد بن محمد بن خالد، المحاسن، 1/181، باب 42 ح 173.
[13] الشيخ الكليني، الكافي، 2/521، بَابُ (مَنْ قَالَ لَا إِلَه إِلَّا الله مُخْلِصًا)، ح1.
[14] بل العقل أيضًا، ببيان يُذكر في محله من علم الكلام.
[15] الشيخ الطوسي، الغيبة، رقم (245).
[16] في بعض النُّسَخ: (إلىٰ أنْ تقوم الساعة).
[17] الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص486، ب45، ح 8.
[18] المصدر نفسه، ص511، ب45، ح[464،42].
[19] في نُسَخ (أ، ف، م): (فرقًا).
[20] الشيخ الطوسي، الغيبة، رقم الحديث 246.
[21] الجوهري، الصحاح، 2/761، مادَّة (عور): «العوار: العيب، يقال: سلعة ذات عوار بفتح العين، وقد تُضَمُّ».
[22] الشيخ الطوسي، الغيبة، رقم الحديث 246.
[23] السمت - بفتح المهملة -: هيأة أهل الخير.
[24] الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص 479.
[25] الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، 2/434، باب ذكر من شاهد القائم A ورآه؛ العلَّامة المجلسي، بحار الأنوار، 52/78، باب 19، خبر سعد بن عبد الله ورؤيته.
[26] الشيخ الكليني، الكافي، 1/286.
[27] ابن بابويه، علي بن الحسين، الإمامة والتبصرة، ص59 الباب رقم 9: باب أنّ الإمامة لا تكون في عمٍّ ولا خالٍ ولا أخ .
[28] الشيخ الطوسي، الغيبة، رقم الحديث 246
[29] الطبرسي، الاحتجاج، تح، محمّد باقر الخرسان، دار النعمان، 1386، ص 288.
[30] الشريف الرضي، نهج البلاغة، شرح محمّد عبده، ط1، 1412هـ، مطبعة النهضة - دار الذخائر، قم، 2/10.
[31] الطبرسي، الاحتجاج، تح، محمّد باقر الخرسان، دار النعمان ، 471/2 احتجاج الحجّة القائم المنتظر المهدي؛ العلَّامة المجلسي، بحار الأنوار 329/25، فصل في بيان التفويض ومعانيه؛ الشيخ الطوسي، ابو جعفر محمد بن الحسن، الغيبة، 4/293.
[32] التنقيح في شرح المكاسب، البيع، موسوعة الإمام الخوئي، تقرير بحث السيد الخوئي للغروي، ط1، 1425 - 2005 م، مؤسسة إحياء آثار الأمام الخوئي H. 37/157.
[33] السيد الخوئي، مصباح الفقاهة، ط1، مكتبة الداوري – قم، 3/279-280.
[34] الشيخ الطوسي، الغيبة، رقم الحديث (245) من توقيعه f في الجواب عمّا ورد أنّه : تَشَاجَرَ اِبْنُ أَبِي غَانِمٍ اَلْقَزْوِينِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ اَلشِّيعَةِ فِي اَلْخَلَفِ، فَذَكَرَ اِبْنُ أَبِي غَانِمٍ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ A مَضَى وَلَا خَلَفَ لَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ كَتَبُوا فِي ذَلِكَ كِتَابًا وَأَنْفَذُوهُ إِلَىٰ اَلنَّاحِيَةِ، وَأَعْلَمُوهُ بِمَا تَشَاجَرُوا فِيهِ، فَوَرَدَ جَوَابُ كِتَابِهِمْ بِخَطِّهِ (عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آبَائِهِ اَلسَّلَامُ).
[35] الشريف الرضي، نهج البلاغة، شرح محمّد عبده، ط1، 1412هـ، مطبعة النهضة - دار الذخائر، 3/32.
[36] ابن ميثم البحراني، شرح نهج البلاغة، عني بتصحيحه عدة من الأفاضل وقوبل بعدة نسخ موثوق بها، ط1، 1362 ش، چاپخانه دفتر تبليغات إسلامي، مركز النشر مكتب الاعلام الاسلامي - الحوزة العلمية - قم – ايران، 4/439.
[37] الشريف الرضي، نهج البلاغة، شرح محمّد عبده، ط1، مطبعة النهضة، دار الذخائر، قم. 1412هـ، 3/32.
[38] الشيخ الطوسي، الغيبة، رقم الحديث(245) من توقيعهf في الجواب عما ورد أنه : تَشَاجَرَ اِبْنُ أَبِي غَانِمٍ اَلْقَزْوِينِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنَ اَلشِّيعَةِ فِي اَلْخَلَفِ، فَذَكَرَ اِبْنُ أَبِي غَانِمٍ أَنَّ أَبَا مُحَمَّدٍ مَضَىٰ وَلَا خَلَفَ لَهُ، ثُمَّ إِنَّهُمْ كَتَبُوا فِي ذَلِكَ كِتَابًا وَأَنْفَذُوهُ إِلَىٰ اَلنَّاحِيَةِ، وَأَعْلَمُوهُ بِمَا تَشَاجَرُوا فِيهِ، فَوَرَدَ جَوَابُ كِتَابِهِمْ بِخَطِّهِ (عَلَيْهِ وَعَلَىٰ آبَائِهِ اَلسَّلَامُ).
[39] الشيخ الكليني، الكافي، تح، علي أكبر الغفاري، ط5، 1363ش، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، 1/390، (بَابُ التَّسْلِيمِ وفَضْلِ الْمُسَلِّمِينَ، ح1).
[40] الشيخ الكليني، الكافي، تح، علي أكبر الغفاري، ط5، 1363ش، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، 1/390 (بَابُ التَّسْلِيمِ وفَضْلِ الْمُسَلِّمِينَ ح2).
[41] الشيخ الطوسي، الغيبة، رقم الحديث (245).
[42] الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص511، ب45 ح(46/42).
[43] الشيخ الطوسي، الغيبة، رقم الحديث (245).
[44] في بعض النسخ (ذلّ).
[45] الشيخ الطوسي، الغيبة، ص323، ح 271، ورواه بألفاظٍ متقاربةٍ في كمال الدين ص 509، ب45، ح39.
[46] الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص 516، باب 45، ح 44)؛ ورواه الشيخ الطوسي في الغيبة رقم (365).
[47] الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص511 ب45 (ح464/42).
[48] الطبرسي، الاحتجاج، 2/324.
[49] ابن منظور، لسان العرب، 1405، مادة (سبرت).
[50] الطبرسي، الاحتجاج، تح، محمّد باقر الخرسان، دار النعمان ، 2/498، ذكر طرف ممّا خرج أيضًا عن صاحب الزمان؛ العلَّامة المجلسي، بحار الأنوار ، 53/176، باب 31 - ما خرج من توقيعاته A.
[51] الصدوق، الأمالي، ص411، ح (533 / 13).
[52] الصفّار، محمّد بن الحسن، بصائر الدرجات، ص280 ب16 ح2.
[53] الشيخ الطوسي، الغيبة، رقم (245) .
[54] الفيروزآبادي، القاموس المحيط، ت 817، 4/11-12، (العتلُّ - بضمَّتين مشدَّدة اللَّام -: الأكول المنيع الجافي الغليظ). العلَّامة المجلسي، بحار الأنوار، 53/180، (الظالم العتلّ) جعفر الكذَّاب، ويحتمل خليفة ذلك الزمان).
[55] يعني من الوكالة، وقد تقدَّم في (ص 166) أنَّه من وكلاء الناحية.
[56] الصدوق، كمال الدين وتمام النعمة، ص486، ب45، ح 8، الطبري (الشيعي)، دلائل الإمامة، 526، ح499، 103، والراوندي، الخرائج والجرائح، 3/1116 – 1117، ح 31.
[57] الطبرسي، الاحتجاج، تح، محمّد باقر الخرسان، دار النعمان، 2/495، ذكر طرف ممّا خرج أيضًا عن صاحب الزمان؛ العلّامة المجلسي، بحار الأنوار 53/174، باب 31 - ما خرج من توقيعاته A.
[58] الطبرسي، الاحتجاج، 2/495، ذكر طرف ممّا خرج أيضًا عن صاحب الزمان؛ العلّامة المجلسي، بحار الأنوار 53/174، باب 31 - ما خرج من توقيعاته A.
[59] المصدر نفسه.