البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

دور الإمام الجواد (عليه السلام) في ترسيخ العقائد الإسلامية والدفاع عنها

الباحث :  الدکتور السید محمد الطباطبائي الیزدي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  39
السنة :  صيف 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  June / 2 / 2026
عدد زيارات البحث :  345
تحميل  ( 648.605 KB )
الملخّص
يهدف هذا البحث إلى إبراز الدور المحوريّ الذي قام به الإمام محمد بن علي الجواد(عليه السلام) في ترسيخ العقيدة الإسلاميّة، ومواجهة التحدّيات الفكريّة والعَقَديّة التي ظهرت في عصره. ويستمدّ البحث أهميّته من كون الإمام الجواد(عليه السلام) عاش في حقبةٍ مفصليّةٍ شهدت حراكًا فكريًّا واسعًا وتيّاراتٍ عَقَديّةً منحرفة، وبرغم قصر عمره وإمامته، إلّا أنّ عطاءه العلمي والفكري كان له أثرٌ بالغٌ في تثبيت معالم العقيدة.
يهدف البحث إلى تحليل منهج الإمام الجواد(عليه السلام) في الدفاع عن العقيدة الصحيحة، وتوضيح كيفيّة تصدّيه للانحرافات العَقَديّة والغلو، وبيان المفاهيم التوحيديّة والعقائد الأساسيّة التي رسّخها في أقواله ومناقشاته.
يعتمد البحث على الروايات التاريخيّة والعَقَديّة الموثوقة من مصادر أهل السنّة والشيعة، بالإضافة إلى الدراسات الحديثة ذات الصلة. ويستعمل المنهج التحليليّ النقديّ لاستخلاص النتائج وتقديم صورةٍ واضحةٍ عن دور الإمام الجواد(عليه السلام) في حماية العقيدة من التحريف.
يُظهر البحث أنّ الإمام الجواد(عليه السلام) قد تصدّى بحزمٍ للانحرافات العَقَدية والغلو، خاصّة تيّار أبي الخطاب، وقدّم تفسيراتٍ واضحةً للمفاهيم التوحيديّة، ونقّى العقيدة من شوائب التجسيم والتشبيه. كما يبرز البحث دور الإمام(عليه السلام) في مواجهة الجدليّات الفكريّة التي أثارتها الاختلاطات الثقافيّة في عصره.

الكلمات المفتاحيّة: الإمام الجواد(عليه السلام)، العقيدة الإسلاميّة، التوحيد، الغلو، الانحرافات العَقَديّة.

المقدّمة
إنَّ دراسة سيرة الأئمة المعصومين(عليهم السلام) ودورهم في ترسيخ العقائد الإسلاميّة والدفاع عنها تمثِّل جانبًا أساسيًّا في فهم تطوُّر الفكر الإسلاميّ ومواجهة التحدّيات العَقَديّة عبر التاريخ. ويحتلّ الإمام محمّد بن عليّ الجواد(عليه السلام) مكانةً فريدةً بين أئمة أهل البيت(عليهم السلام)، فقد عاش في حقبةٍ مفصليّةٍ من تاريخ الأمة الإسلاميّة شهدت حراكًا فكريًّا واسعًا، وترجماتٍ للفلسفات الأجنبيّة، وظهورًا لتياراتٍ عَقَديّةٍ منحرفةٍ، وتيارات غلوٍّ بين بعض المنتسبين للتشيع. وعلى الرغم من قِصَر عمره الشريف – إذ استُشهد وهو في منتصف العشرينات من عمره – وقِصَر مدة إمامته (حيث تسلّم مهام الإمامة وهو ابن ثمان أو تسع سنين فقط)[1]، فإنّ عطائه العلمي والفكري كان زاخرًا، وأثره في تثبيت معالم العقيدة الإسلاميّة واضحٌ وجليٌّ[2]. لقد وصفه معاصروه ومن جاء بعدهم بأنّه كان معجزةً في العلم رغم صغر سنّه، وكان حضورُه في ساحات المناظرة والعلم مُبكّرًا ومُذهلًا. حتى المصادرُ الإسلاميّة من غير الشيعة شهدت له بالفضل والعلم والسخاء؛ فيذكر المؤرّخون أنّه كان من كبار بني هاشم علمًا وكرمًا، حتى لُقِّب بـ(الجواد) أي كثير العطاء[3].
وفي هذا السياق، تبرز أهميّة دراسة منهجه(عليه السلام) في الدفاع عن العقيدة الصحيحة في وجه الانحرافات، سواء تلك التي جاءت من التيّارات الداخليّة (كالغلاة وأصحاب الأهواء)، أو من الجدليّات الفكريّة التي أثارتها الاختلاطات الثقافيّة في عصره.

لقد واجه الإمام الجواد(عليه السلام) جملةً من التحدّيات العَقَديّة في عصرٍ اتّسم بتلاقح الحضارات والأفكار. فخلال القرن الثالث للهجرة ومع انفتاح الدولة العباسيّة على الترجمة والعلوم الدخيلة، دخلت إلى الفكر الإسلامي تياراتٌ فلسفيّةٌ ودينيّةٌ متعددةٌ – من يهوديّةٍ ونصرانيّةٍ ومجوسيّةٍ وغيرها – وأخذت بعض التصوّرات غير الإسلاميّة تتسرّب إلى ثقافة المسلمين. كما شهد عصر المأمون وما تلاه بروز مناظراتٌ كلاميّةٌ حادّةٌ بين مختلف الفرق الإسلاميّة (كالمعتزلة وأهل الحديث وغيرهم)، وأدّى انتعاش حركة الترجمة آنذاك إلى ظهور حركة الزندقة وانتشار آراء إلحادٍ مبطّنةٍ. وفي خضمِّ ذلك برزت فرقٌ واتجاهاتٌ انحرفت عن خطِّ التوحيد الأصيل الذي جاء به القرآن والسنّة؛ من أبرزها فرقة المفوِّضة التي زعمت أنّ الله فوَّض بعض أمر الخلق إلى غيره؛ فوقعت في نوعٍ من تعطيل قدرة الله، وفرقة المجبِّرة التي تبنَّت الجبر المطلق فنسبت أفعال العباد كلَّها إلى الله حتى لزمها نسبة الظلم إليه تعالى، وفرقة المجسِّمة التي شبَّهت الخالق بالمخلوق وأسندت إليه الجسميّة وصفات المُحدَثين – وقد برز تيّار التجسيم لدى بعض المحدِّثين آنذاك حتى عُدّ أحمد بن حنبل (ت 241هـ) من رموزه[4].
وإلى جانب هذه المذاهب الفكريّة، كان هناك أيضًا حركاتٌ غاليةٌ ضمن المنتسبين للتشيع نفسها، كتيّار أبي الخطّاب وأمثاله ممّن نسبوا للأئمة (عليهم السلام) ما ليس فيهم، وغلوا فيهم غلوًّا مفرطًا. أمام هذه التحدّيات المتشابكة، نهض الإمام الجواد(عليه السلام) بدورٍ محوريّ في تبيان العقيدة الحقّة، والدفاع عنها بأسلوبٍ علميٍّ حازم.

ستركِّز هذه المقالة على محورينِ رئيسينِ في دور الإمام الجواد(عليه السلام) العَقَديّ: الأوّل هو تصديّه للانحرافات العَقَديّة والغلو التي ظهرت في زمانه، وخصوصًا تيار أبي الخطاب ومظاهر الغلو والانحراف الفكري التي واجهها الإمام(عليه السلام) بحزم. أما المحور الثاني فهو بيان الإمام الجواد(عليه السلام) للمفاهيم التوحيديّة والعقائد الأساسية في الإسلام، حيث سنستعرض بعضًا من أقواله ومناقشاته التي رسّخت عقيدة التوحيد ونقّتها من شوائب التجسيم والتشبيه وسوء الفهم، وسنعتمد في تحليلنا على الروايات التاريخيّة والعَقَديّة الموثوقة، مع الاستشهاد الدقيق بمصادر أهل السنّة والشيعة على السواء قدر الإمكان، مستفيدين كذلك من بعض الدراسات الحديثة (بما في ذلك مصادر فارسية عند الحاجة). وفي الختام سنقدّم خلاصةً توضّح أهمّ النتائج المتوصّل إليها بشأن دور الإمام الجواد(عليه السلام) في تثبيت معالم العقيدة وحمايتها من التحريف.

مواجهة الفِرَق المنحرفة
كان الإمام الجواد(عليه السلام) يوجّه شيعته في مواجهة الفِرَق التي كانت موجودةً في عصره، موضحًّا لهم مواقف هذه الفِرَق تجاههم. ومن هذه الفِرَق، أهل الحديث الذين كانوا على مذهب التجسيم، حيث كانوا يعتقدون بأنّ الله جسم. وقد قال الإمام(عليه السلام) بشأنهم لشيعته: «لا يجوز لهم أن يُصلّوا خلف من يعتقد بأنّ الله جسم، ولا أن يدفعوا له الزكاة»[5]. وكان ذلك الإمام، بالإضافة إلى قيادته للتيار الرئيس من التشيّع الإمامي في مواجهة الأعداء من غير الشيعة، يضطر أحيانًا إلى الدفاع عن هذا التيار في مواجهة الغلاة، والمفوّضة، والواقفة، بل وحتى الإسماعيليين وأحيانًا الزيديّة[6].

مواجهة الإمام الجواد للانحرافات العَقَديّة والغلو في زمانه تيّار الغلوّ وأبو الخطاب وأتباعه
انتشرت في عصر الإمام الجواد(عليه السلام) وقبله ظاهرة الغلوّ في أهل البيت(عليهم السلام)، حيث تجاوز بعض المنتسبين للتشيّع الحدَّ في نظرتهم للأئمّة(عليهم السلام) فنسبوا لهم مقاماتٍ إلهيّة أو صفاتٍ خارقة للعادة خارج إطار ما أثبته الأئمة(عليهم السلام) لأنفسهم. وقد عدّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) هذه الظاهرة من أخطر الانحرافات، ووقفوا لها بالمرصاد منذ بداياتها؛ فقد لعن الإمام جعفر الصادق(عليه السلام) مثلًا رأسَ الغلاة في زمانه أبا الخطاب (محمد بن أبي زينب الأسدي) وبرئ منه، وحذّر شيعته من خطر الغلاة أشد التحذير. ويُجمع الباحثون على أنّ أبا الخطّاب كان من أصحاب الإمام الصادق(عليه السلام)، ثم انحرف وادّعى مقاماتٍ باطلة، واتّبعه جماعةٌ عُرفوا بـ(الخطّابية). تمكَّنت السلطات من إعدام أبي الخطّاب سنة 138هـ، لكنّ فكره المنحرف لم ينقرض تمامًا؛ بل استمرّ بعض أتباعه بالدعوة إلى آرائه سرًا أو جهرًا في العقود اللاحقة، ما جعل أئمة أهل البيت(عليهم السلام) في كلّ عصرٍ يتصدّون لبقايا هذا التيّار بحزم.

واصل الإمام محمد الجواد(عليه السلام) نهج آبائه الطاهرين في التصدّي للغلاة والتحذير منهم. وتشير الروايات التاريخيّة إلى العديد من المواقف التي تُبرز حزم الإمام الجواد(عليه السلام) اتجاه أيّ بذورٍ للغلوّ تظهر بين شيعته. ففي روايةٍ معبّرةٍ يرويها أحد أصحابه أنّه رأى الإمام(عليه السلام) يدخل مسجد جده رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم) في وقت الظهيرة كلّ يوم ويصلّي عند موقعٍ معيّن، فحدّثته نفسه أن يأخذ من تراب الموضع الذي يطأه الإمام بقدميه تبرّكًا، فحاول ذلك ذات يوم. لكن الإمام الجواد تفطَّن لهذا الفعل وأبدى انزعاجه؛ إذ غيَّر خطّ سيره المعتاد بشكلٍ مفاجئ ذلك اليوم، ودخل المسجد بطريقةٍ غير معهودة، ممّا جعل الرجل يدرك خطأه ويتوب عن تلك الفكرة. يُظهر هذا الموقف النهي العملي للإمام(عليه السلام) عن أيّ مظهرٍ من مظاهر الغلو حتى لو كان بدافع المحبّة؛ فالإمام(عليه السلام) أراد أن يُفهِم أصحابه أنّ التبرك بآثار الأئمة(عليهم السلام) على نحوٍ يتجاوز الحدّ قد يوقع في الغلو المنهيّ عنه.
أما على صعيد التصريحات والمواقف الواضحة، فقد كان الإمام الجواد(عليه السلام) صريحًا في ذمّ الغلاة ولعنهم والتحذير من أشخاصٍ معيَّنين تزيَّوا بزيِّ التشيّع، وهم ليسوا منه في شيء. ينقل علي بن مهزيار – وهو من خواص أصحاب الإمام – قوله: «سمعت أبا جعفر [الجواد](عليه السلام) يقول – وقد ذُكر عنده أبو الخطّاب[7] –: لعَنَ اللهُ أبا الخطّاب... [ثم ذكر جماعة من أتباعه الغلاة فقال:] هذا أبو الغمر وحفص بن [و] اقِد وهاشم بن أبي هاشم استأكلوا بنا الناس، وصاروا دعاةً يدعون الناس إلى ما دعا إليه أبو الخطّاب لعنه الله ولعنهم معه ولعن من قَبِلَ ذلك منهم، يا عليُّ لا تتحرَّجنَّ من لعنهم (لعنهم الله)، فإنّ الله قد لعنهم»[8]. وفي هذا النصّ يبيّن الإمام صراحةً أنّ أولئك الغلاة الدعاة المضلِّلين إنّما يستغلّون اسم أهل البيت(عليهم السلام) ومحبتهم لاستمالة الناس، ويتبنّون أفكار أبي الخطّاب المنحرفة؛ لذا أوجب(عليه السلام) لعنهم والبراءة منهم بلا تردد، مستشهدًا بقول النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم): «من تأثّم أن يلعن من لعنه الله فعليه لعنة الله»[9]. وهذه شدّةٌ واضحةٌ في الموقف تعكس خطورة أمر الغلو عند الإمام(عليه السلام).
ولم يكتفِ الإمام الجواد(عليه السلام) بالتحذير اللفظيّ من الغلاة، بل تعدّى ذلك إلى اتّخاذ إجراءاتٍ صارمةٍ بحقّهم حين اقتضت المصلحة. فقد عدّ(عليه السلام) أضرار الغلاة أعظم من أضرار أعداء أهل البيت الظاهرين؛ لأنّ الغلاة يشوّهون حقيقة مذهب أهل البيت (عليهم السلام) من الداخل، ويضلّلون الناس بنسبة الأباطيل إلى الأئمّة. يروي إسحاق الأنبارِي – وهو من معاصري الإمام – أنّه سمع الإمام أبا جعفر الجواد(عليه السلام) يقول عن اثنين من رؤوس الغلاة في وقته هما أبو السمهري وابن أبي الزرقاء: «أُشهِدكم أنّي أتبرّأ إلى الله جلّ جلاله منهما؛ إنّهما فَتّانان يُضلّان الناس»[10]. ثم طلب الإمام(عليه السلام) من إسحاق أن يتكفّل بالأمر قائلًا له: «يا إسحاق أرِحْني منهما… فإنّهما فتّانان يعملان في خيط رقبتي ورقاب مواليَّ». وقد فهم إسحاق من ذلك إذن الإمام(عليه السلام) بالتخلّص منهما، فسأل: «جُعلت فداك، أحلّ لي قتلهما؟» فأجابه الإمام(عليه السلام) بما مفاده أنّ دمهما مباحٌ للمسلمين؛ نظرًا لخطرهما الداهم، لكنّه نبّهه بألّا يُقدِم على قتلهما علنًا لئلّا يُسأل عن دليلٍ شرعيّ فيُعدم، بل وجّهَه إلى الحذر والاغتيال سرًّا إن أمكن. هذه الرواية الخطيرة تدلّ على مدى شدّة موقف الإمام الجواد(عليه السلام) ضدّ زعماء الغلو؛ فقد عدّهما كافرَين مهدوري الدم؛ لما يلحقانه من أذى بليغٍ في عقائد الناس، وتشويه لخطّ أهل البيت. والجدير بالذكر أنّ هذه الفتوى الاستثنائيّة لم تصدر إلّا تجاه غلاةٍ بالغوا في الكذب على الأئمة(عليهم السلام)، وإضلال العباد، ما يبيّن أنّ الإمام(عليه السلام) رأى في بقائهم خطرًا يُهدد بنية التشيّع الفكريّة من أساسها.

التحذير من المعتقدات المنحرفة الأخرى والموقف من أهل البدع
لم تقتصر انحرافات العصر على الغلاة من أتباع أبي الخطّاب وأشباهه، بل كانت هناك تياراتٌ أخرى داخل المجتمع الإسلامي عمومًا، أثّرت سلبيًا على صفاء العقيدة، وكان للإمام الجواد(عليه السلام) موقفٌ واضحٌ تجاهها. فمن ذلك ظاهرة التجسيم والتشبيه في صفات الله تعالى التي شاعت لدى بعض الاتجاهات الفكريّة آنذاك. وكما أسلفنا، برز في العصر العباسي تيّارٌ من المحدّثين يرفض التأويل، وينسب إلى الله صفات الأجسام، بدعوى الأخذ بظواهر بعض النصوص، وظهرت رواياتٌ موضوعةٌ أو مُحرَّفةٌ تصف الله تعالى بصورة الإنسان، أو تنسب إليه الجوارح، والجلوس على العرش، ونحو ذلك (تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا). ولعلّ أشهر من نُسبت إليه هذه الأقوال في ذلك العصر أحمد بن حنبل وأتباعه الذين عارضوا بشدّة منهج التأويل الذي تبنّاه المعتزلة إبّان محنة خَلْق القرآن. وجدير بالذكر أنّ أئمة أهل البيت(عليهم السلام) عارضوا التجسيم والتشبيه منذ بدايات ظهوره، فالإمام علي(عليه السلام) قال كلمته المشهورة: «مَن زعم أنّ إلهنا محدودٌ فقد جهل الخالق المعبود»[11]. وكذلك الإمام الصادق(عليه السلام) وباقي الأئمة أعلنوا براءتهم من المجسِّمة والمشبِّهة.

أما الإمام الجواد(عليه السلام)، فقد اتّخذ موقفًا عمليًّا حازمًا لحماية عقيدة التوحيد التنزيهيّة، وتطهيرها ممّا علق بها من أفكار التجسيم. فقد وجَّه شيعته بمقاطعة أهل التشبيه والبدع مقاطعة تامّة، وعدّ عدم الاختلاط بهم جزءًا من صيانة صفاء المعتقد. جاء في روايةٍ صحيحةٍ عن علي بن مهزيار – وهو ثقة – أنّه كتب إلى الإمام الجواد(عليه السلام) يسأله: «جُعلت فداك، أصلي خلف من يقول بالجسم؟…»، أي هل يجوز الاقتداء في الصلاة بمن يعتقد أنّ الله جسم. فكتب(عليه السلام) إليه جوابًا قاطعًا: «لا تصلّوا خلفهم، ولا تعطوهم من الزكاة، وابرؤوا منهم، برئ الله منهم!»[12]. ومن الواضح أنّ الإمام لم يكتف بالنهي عن الصلاة خلف صاحب عقيدة التجسيم، بل أمر بحرمانهم من الزكاة والبراءة منهم كليًّا، مؤكدًا أنّ الله تعالى أيضًا بريءٌ منهم. وهذا النصُّ شديد اللهجة يدلّ على أنّ الإمام رأى عقيدة التجسيم انحرافًا جسيمًا عن التوحيد الخالص يقتضي اتّخاذ موقفٍ صارمٍ تجاه معتنقيها، تمامًا كما موقفه تجاه الغلاة. وقد علّق أحد الباحثين المعاصرين بأنّ الغلاة أشدّ خطرًا من النواصب[13] (أي المعادين لأهل البيت)؛ لأنّ الأولين يُفسدون العقيدة من الداخل بينما النواصب عدوٌ ظاهر؛ ويمكن أن ندرج المجسِّمة ضمن هذا الإطار أيضًا؛ لأنّهم ينسبون إلى الله ما لا يليق به فيشوِّهون عقيدة التوحيد للمسلمين.

وإضافة إلى التجسيم، واجه الإمام الجواد(عليه السلام) أيضًا أفكار المفوّضة والمجبّرة التي كانت رائجةً في عصره ضمن المسائل الكلاميّة حول أفعال العباد وصفات الله. ففرقة المفوّضة – كما مرّ – غالت في تنزيه الله بزعمها أنّ أفعال البشر مفوضةٌ إليهم بالكامل، وأنّ الله (عزَّ وجلَّ) جعل لبعض أوليائه القدرة الكليّة على التصرّف في الكون، وهذا انحراف لأنّ فيه غلوًا في البشر وتعطيلًا لدور مشيئة الله المستمرة. وأمّا المجبّرة فقد بالغت في الجهة المقابلة، فنفت قدرة الإنسان واختياره تمامًا، ونسبت كلّ فعلٍ – حسن أو سيّىء – إلى الله، فوقعوا في شبهة تجويز الظلم على الله جلَّ شأنه (حاشاه تعالى). وقد تصدّى الإمام الجواد(عليه السلام) لهاتين النزعتين أيضًا بتقريره مبدأ الاعتدال في أمر الجبر والاختيار على خطى آبائه. ونقل العلماء عن أئمة أهل البيت(عليهم السلام) قولهم الفصل: «لا جبر ولا تفويض، ولكنْ أمرٌ بين أمرين»[14]، وهو ما يعني إثبات قدرة للعبد تحت سلطان قدرة الله: فليس الإنسان مجبورًا كليًّا، ولا مفوَّضًا مستقلًّا تمامًا، بل أفعال العباد واقعة بمشيئتهم في إطار مشيئة الله الأشمل. ولم يصلنا – فيما نعلم – نصٌّ مباشرٌ عن الإمام الجواد(عليه السلام)، بهذا اللفظ بعينه، إلّا أنّ مضامين رواياته الكلاميّة تؤكّد هذا المبدأ. فالإمام حين سُئل عن معنى قدرة الله، وأنّه «على كلّ شيءٍ قدير»، أجاب بما مفاده: أنّ الله (عزَّ وجلَّ) قادرٌ لا يعجزه شيءٌ، وفي الوقت نفسه جعل أفعال العباد ميدانًا للتكليف، فمن زعم أنّ الله يفعل أفعالنا ثم يعذّبنا عليها فقد قال بالجبر الباطل، ومن زعم أنه تعالى تخلّى عن خلقه وتركهم يفعلون ما يشاؤون بلا إرادته فقد قال بالتفويض الباطل؛ والصواب أنّ لله الحُجّة البالغة إذ أمر العباد ونهاهم وأعطاهم القدرة على الطاعة والمعصية مع كمال عدله وحكمته. وهكذا يكون الإمام قد صان عقيدة العدل الإلهي من انحراف المجبّرة والمفوّضة معًا، وبيَّن المنهج الحقّ الذي يُنـزّه الله عن الظلم والجور من جهة، ويجنّب الإنسانَ التبجّحَ بالاستقلال عن الله من جهة أخرى.
وفي المجمل، اتّسم منهج الإمام الجواد(عليه السلام) في مواجهة الانحرافات العَقَديّة بالجمع بين الحجّة العلميّة الدامغة والموقف العملي الحازم. فهو(عليه السلام) لم يكتفِ بإظهار بطلان عقائد المنحرفين بالحوار والنقاش وإبراز التناقضات العقليّة والنصيّة في آرائهم، بل تعدّى ذلك إلى تحصين المجتمع الشيعي من تأثيرهم عبر أوامر صريحة: المقاطعة واللعن والبراءة، وصولًا – في حالة الغلاة القصوى – إلى إهدار دماء من يصرّ على بثّ سموم العقيدة في جسد الأمة. وكان(عليه السلام) بهذا كلِّه يُكمل نهج آبائه في حماية صفاء التوحيد وتنقية مذهب أهل البيت (عليهم السلام) من كلّ ما قد يشوبه من غلوٍّ أو تقصيرٍ أو تشبيهٍ أو تعطيل. وقد أدرك شيعته وصحابته هذه الرسالة جيدًا والتزموها؛ فنقلوا لنا أقواله ومواقفه لتكون منهجًا لمن يأتي بعدهم. وبذلك حفظ الإمام الجواد(عليه السلام) خطَّ الاعتدال العَقَديّ الذي رسمه أهل البيت(عليهم السلام)، فلم يسمح للتيّارات المنحرفة – مهما تنوّعت مشاربها – أن تنخر في بنيان العقيدة بدون مقاومةٍ وردع.

بيان الإمام الجواد للمفاهيم التوحيديّة والعقائد الأساسيّة في الإسلام
بعد أن استعرضنا كيفيّة تصدي الإمام الجواد(عليه السلام) للانحرافات العَقَديّة، ننتقل إلى المحور الثاني من دوره العَقَديّ، وهو جهوده المباركة في توضيح المفاهيم التوحيديّة الأساسيّة وشرح أصول الإيمان بأسلوبٍ علميّ رصين وبرهانٍ ساطع. لقد ورث الإمام الجواد(عليه السلام) علوم آبائه، وجلس من صغره مجلس التعليم والفتيا حتى أذعن لعلمه المخالف والمؤالف. وكان للمأمون مجالس بحضور علماء المذاهب بقصد اختبار الإمام(عليه السلام) وهو صبي، فأفحمهم الإمام(عليه السلام) بعلمه الغزير وحججه القوية حتى اعترف أهل تلك المجالس بفضله وعلمه رغم صغر سنّه. وفيما يأتي سنستعرض أبرز ما أثر عنه(عليه السلام) في مجال التوحيد والعقائد، مما ترك بصمة خالدة في التراث الإسلامي العَقَديّ، مع الإشارة إلى الأصول العَقَديّة الأخرى كنبوّة الأنبياء وإمامة الأئمة كلّما اقتضى المقام.

أصل التوحید
التوحيد هو الأصل العَقَديّ الرئيس في الإسلام، بل وفي جميع الأديان السماوية، ويُعدّ أساسًا تبنى عليه هذه الأديان. وفي هذا المجال، للإمام الجواد(عليه السلام) كلماتٌ ونكاتٌ قيّمةٌ تستحق التأمّل. فركن الدعوة الأساس لجميع الأنبياء، ومنهم خاتم المرسلين(صلى الله عليه وآله وسلم)، هو: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا».

ورغم هذه المنزلة الرفيعة للتوحيد، فقد أدّت بعض العوامل إلى الابتعاد عن هذا الأصل الجوهري، منها: ظهور المدارس الفكريّة والكلاميّة المختلفة في العهد العباسي الأول، ونهضة الترجمة والثقافات الوافدة، وترجمة النصوص الفلسفيّة، وتعدّد المشارب العقليّة، والحضور البارز للمعتزلة العقلانيين، خصوصًا في زمن الإمام الجواد(عليه السلام).
وهنا تتجلّى أهميّة دور الإمام(عليه السلام)، حيث تصبح مهمّته الأساسيّة في هذا العصر المختلط بالأفكار والثقافات المتباينة، هي بيان التوحيد الأصيل والدفاع عن هذا الأصل العَقَديّ الجوهريّ.

جهود الامام فی بلورة مفهوم التوحید
نُشير هنا إلى نَموذجَين من الروايات التوحيديّة الواردة عن الإمام(عليه السلام):
الرواية الأولى: روى المرحوم الكليني في كتابه الكافي عن الإمام(عليه السلام) ما يلي: «مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ(عليه السلام) عَنِ التَّوْحِيدِ، فَقُلْتُ: أَتَوَهَّمُ شَيْئًا، فَقَالَ: نَعَمْ، غَيْرَ مَعْقُولٍ وَلَا مَحْدُودٍ، فَمَا وَقَعَ وَهْمُكَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ خِلَافُهُ، لَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ، كَيْفَ تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ وَهُوَ خِلَافُ مَا يُعْقَلُ، وَخِلَافُ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَوْهَامِ؟! إِنَّمَا يُتَوَهَّمُ شَيْ‏ءٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَلَا مَحْدُودٍ»[15].
يؤكّد الإمام الجواد(عليه السلام) أنّه لا شيء يُشبه الله، ولا يتصوّره وهمٌ، ولا تدركه العقول. وهذه العبارة تُعدّ ردًا قاطعًا على آراء المجسّمة والمشبّهة الذين ينسبون إلى الله الشكل، والصورة، والمكان، والجهة. إنّ هذه الرواية عن الإمام الجواد(عليه السلام) تؤسّس لقاعدةٍ ذهبيّةٍ في التوحيد الخالص عند الشيعة الإماميّة، وهي: «الله لا يُتَصوَّر في الذهن، وكلّ ما خُطر في البال، فالله غيره، بل هو محدود ومخلوق». فالمعرفة الحقيقية بالله إنّما تكون من خلال الصفات السلبيّة والتسليم المقترن بالمعرفة، أي إنّنا نستطيع أن نعرف ما ليس هو الله، ولكن لا يمكننا إدراك ذاته كما ندرك الأشياء.
وبالنظر في آراء كبار المفكّرين المسلمين من المدارس الفلسفيّة والعرفانيّة، نجد نتيجةً لافتةً، وهي أنّهم أيضًا، في استدلالاتهم العقليّة والذوقيّة، قد وصلوا إلى النقطة نفسها التي أشار إليها الإمام الجواد(عليه السلام) في كلماته. على سبيل المثال: يرى الشيخ الرئيس ابن سينا أنّ تصوّر الله ممكنٌ من خلال مفهوم (واجب الوجود)، لكن ليس على نحوٍ مصوّرٍ أو خياليّ. وقد قال في كتابه الإشارات والتنبيهات: «العقل يُدرك أنّه لا يُدرك ذاته»[16]، أي: العقل يُدرك أنّه لا يمكنه إدراك ذات الله. وكذلك الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، في الفتوحات المكيّة وفصوص الحكم، يقول مرارًا وتكرارًا: «كلّ ما خطر ببالك، فالله بخلافه»، أي: «كلّ ما يخطر في الذهن، فالله خلافه»[17]. وهذه العبارة هي مضمون كلام الإمام الجواد(عليه السلام) نفسه، ولكن ببيانٍ عرفانيٍّ أدقّ.

وأمّا صدر المتألّهين (صدر الدين الشيرازي)، الذي جمع في فلسفته بين الحكمة المشّائية والإشراقيّة والعرفان، فقد توصّل من خلال تحليلاته الوجوديّة إلى أنّ ذات الله تعالى فوق كلّ حدٍّ وماهيّة، إذ قال: «واجب الوجود لا ماهيّة له، بل هو صرف الوجود، وليس من جنس أيٍّ مخلوق»[18]. وفي الأسفار الأربعة، صرّح قائلًا: «الوجود المطلق لا يُتصوّر؛ لأنّ التصوّر يحتاج إلى حدّ». وكما أشرنا، فإنّ هؤلاء المفكّرين الثلاثة، وباختلاف في التعبير، يؤكّدون مضمون كلام الإمام الجواد(عليه السلام) الذي قال: «ما وقع وهمک علیه من شيء، فهو خلافه».
الروایة الثانیة: رواها الکلینیw في کتابه الکافي قال: مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: «سُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ الثَّانِي(عليه السلام) يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلَّهِ إِنَّهُ شَيْ‏ءٌ؟ قَالَ نَعَمْ يُخْرِجُهُ مِنَ الْحَدَّيْنِ حَدِّ التَّعْطِيلِ وَ حَدِّ التَّشْبِيهِ»[19].
فإنّ كلمة (شيء) في اللغة العربية تعني: الموجود؛ فكلّ ما له وجود يُسمّى شيئًا كما في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، و﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢].
وفيما يتعلّق بحدّ التعطيل، فقد ذهبت بعض الفرق الكلاميّة كالمعطّلة وبعض الاتجاهات المتطرّفة في التنزيه إلى القول بأنّه لا يمكن وصف الله على الإطلاق، لا بالصفات ولا بالألفاظ، وهذا الرأي يؤدّي في النهاية إلى نفي إمكان معرفة الله وإنكار صفاته.
وقد صرّح الإمام الجواد(عليه السلام) أنّه: إذا امتنعنا حتّى عن قولنا بأنّ (الله شيء)، فإنّنا نقع في مطبّ التعطيل والنفي المطلق، وكأنّ لا سبيل لمعرفة الله على الإطلاق! وفي المقابل، نجد حدّ التشبيه، حيث قالت فرق المجسّمة والمشبّهة: إنّ الله يشبه المخلوقات، وإنّ له جسمًا، وجهةً، ومكانًا... إلخ.
فإذا قلنا بأنّ الله (شيء)، وقصدنا بذلك شيئًا مخلوقًا أو محدودًا أو مركّبًا، فقد وقعنا في التشبيه. لكن الإمام الجواد(عليه السلام) أوضح بأنّ قولنا بأنّ الله (شيء) هو قول صحيح، بشرط ألّا يكون بقصد التشبيه ولا التعطيل، بل لإثبات الوجود الحقيقي الفريد لله سبحانه وتعالى.
النقطة المحوريّة في مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) هي أنّها ترفض كليًّا كِلا الاتجاهين: التعطيل والتشبيه، فلا يجوز لنا أن نشبّه الله بالمخلوقات (رفض التشبيه)، ولا أن ننفي إمكان معرفته إطلاقًا (رفض التعطيل). وعليه، فعندما نقول إنّ الله (شيء)، فإنّما نعني أنّه وجودٌ حقيقيٌّ أصيلٌ، لا جسم، ولا مخلوق، ولا مركّب.
ومن ثمّ، فإنّ الإمام الجواد(عليه السلام)، في هذا الكلام الموجز والعميق، قد وضع أصلًا جوهريًّا في التوحيد، وهو: وصف الله بأنّه (شيء) ليس من نوع الموجودات، بل لإثبات وجوده المطلق، وصيانة التوحيد من خطرين عظيمين: نفي الوجود (التعطيل)، وتشبيهه بالمخلوق (التشبيه).
هذا الموقف العقلي المتوازن للإمام(عليه السلام)، يُمثّل الاعتدال القرآني والعقلي في التوحيد، ويُشكّل فارقًا جوهريًّا بين فكر أهل البيت(عليهم السلام)، وبين اتّجاهاتٍ أخرى مثل الأشاعرة، المجسّمة، المعتزلة وغيرهم.
إنّ مقارنة آراء المعتزلة، الأشاعرة، أهل الحديث، وأهل البيت(عليهم السلام) في مسائل التوحيد، ولا سيّما في وصف الله، وإطلاق لفظ الشيء عليه، وكيفيّة فهم صفاته سبحانه، تُعدّ من أعمق القضايا الكلاميّة في الفكر الإسلامي. فـكلام الإمام الجواد(عليه السلام) يُمثّل خلاصةَ نظرةٍ عقلانيّة، متوازنة، وتوحيديّة خالصة إلى معرفة الله، بعيدة عن تفريط السلفيّة وتشبيههم، ومتحرّزة من غلوّ المعتزلة في نفي الصفات.

الخاتمة
تناولت هذا البحث جانبًا مهمًّا من سيرة الإمام محمد بن علي الجواد(عليه السلام)، متمثلًا في دوره العَقَديّ في ترسيخ معالم الإيمان والدفاع عنها في وجه التحدّيات الفكريّة والدينيّة في عصره. ومن خلال ما تقدّم، يمكن استخلاص جملةٍ من النتائج الأساسيّة:
أولًا: برهن الإمام الجواد(عليه السلام) عمليًّا على أنّ الإمامة الإلهيّة لا تخضع لمقاييس العمر والتجربة البشريّة، بل لاصطفاء الله ومنحه العلم والحكمة لمن يشاء؛ فقد أدّى إمامته وهو صغير السن أداءً أبهر العلماء والحكّام؛ ممّا عزّز الإيمان بمبدأ الإمامة كامتدادٍ للنبوّة في حفظ الدين وبيان معالمه.
ثانيًا: كان(عليه السلام) حازمًا أشد الحزم في مواجهة التيّارات المنحرفة داخل الصف الإسلامي؛ حيث كشف زيف الغلاة الذين نسبوا للأئمة(عليهم السلام) ما ليس فيهم وغالوا فيهم حتى أخرجوهم عن مرتبة العبوديّة لله، وأمر بلعنهم ومقاطعتهم صيانةً لصفاء عقيدة التوحيد. ولم يتوانَ عن اتخاذ تدابير حاسمة ضد أخطر رموزهم حمايةً لوحدة الصف ومنعًا لتفشي ضلالهم. كما تصدى(عليه السلام) لأصحاب العقائد المنحرفة الأخرى من مجسّمةٍ ومشبّهةٍ ومفوّضةٍ ومجبّرةٍ، وبيَّن فساد آرائهم إمّا بالتصريح المباشر – كما في نهيه عن الصلاة خلف المجسّمة، والأمر بالبراءة منهم – أو ضمنيًا عبر بيان حقائق التوحيد والعدل الإلهي بما يفنّد أقوالهم من الأساس. ثالثًا: قدّم الإمام الجواد(عليه السلام) إسهاماتٍ عَقَديةً فائقة الأهميّة في توضيح المفاهيم التوحيديّة وتنقيتها من شوائب التجسيم والتشبيه والتعطيل؛ وأكد أنّ كلّ ما يتصوّره البشر في أذهانهم فالله بخلافه، فلا تدركه الأبصار ولا العقول المحدودة، مما رسّخ عقيدة التنزيه المطلق.
وخلاصة القول، مثّل الإمام محمد الجواد(عليه السلام) حصنًا حصينًا للعقيدة الإسلاميّة في ظرفٍ تاريخيّ دقيقٍ تلاطمت فيه أمواج الفلسفات والفرق والنِحَل. فبفضل علمه الإلهيّ وحكمته الربانيّة، تمكّن(عليه السلام) من الحفاظ على نقاء التوحيد الإسلامي كما جاء به جدّه رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ومن حماية مجتمع المؤمنين من البدع والانحرافات، وذلك بأسلوبٍ جمع فيه بين برهان العالم وربانية الإمام المعصوم، وبين حزم القائد المسؤول عن أمته. فلا عجب أن يصفه المؤرّخون بأنّه أعظم بركة أنعم الله بها على شيعة أهل البيت في زمانه، إذ كان وجوده(عليه السلام) بين أتباعه أمانًا فكريًّا وعَقَديًّا لهم وسط تلك العواصف. وإنّ دراسة حياة هذا الإمام العظيم ومنهجه في الذَّب عن العقيدة لَيمنح الدعاةَ والمعلمين في كلّ عصرٍ نموذجًا يُحتذى في الجمع بين العلم والغيرة على الدين، وبين سماحة المنهج وشدّة الموقف حين يتطلّب الأمر ذلك. فسلامٌ على الإمام الجواد يوم ولد، ويوم استشهد مسمومًا مظلومًا في بغداد، ويوم يُبعث حيًّا، جواد الأمة وذخْر العقيدة ووتد الإيمان الراسخ.
وفي نهاية المطاف، نأمل أن نكون قد وُفِّقنا في إبراز جانبٍ من دور الإمام الجواد(عليه السلام) في ترسيخ العقائد والدفاع عنها، ذلك الدور الذي يستحقّ المزيد من البحث والاستقصاء. فما قدّمناه ما هو إلّا غيض من فيض علمه ومناقبه. وستظلّ مدرسة أهل البيت(عليهم السلام) معينًا لا ينضب لكلّ طالبي الحقيقة ومعاني الإيمان العميق، تغترف منها الأجيال كيف يصان جوهر الإسلام الأصيل من كلّ انحراف، وكيف تتكامل معارف التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة في صورة إسلامٍ محمديّ علويّ نقيّ، حفظ الله به دينه إلى يوم القيامة.

المصادر والمراجع
القرآن الكريم
ابن الصبّاغ المالكي، علي بن محمد (ت 855 هـ)؛ الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمة، ط1، بيروت، دار الأضواء، 1409هـ.
البحراني، عبد الله؛ عوالم العلوم والمعارف والأحوال، مؤسسة الإمام المهدي (عج)، قم المقدسة.
الخوئي، السيّد أبو القاسم؛ معجم رجال الحديث، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، 1398هـ.
الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد (ت 748هـ)؛ تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، 1409هـ.
الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد (ت 748هـ)؛ تاريخ الإسلام، مجلد وفيات سنة 220هـ.
الصدوق، ابن بابويه القمي (ت 381هـ)؛ الأمالي، بيروت.
الشريف الرضي، نهج البلاغة؛ خطب الإمام علي بن أبي طالب(عليه السلام)، جمعها الشريف الرضي، تحقيق: صبحي الصالح، بيروت.
الصدوق، ابن بابويه القمي (ت 381هـ)؛ كتاب التوحيد.
صدر المتألّهين الشيرازي، محمد بن إبراهيم (ت 1050هـ)؛ شرح أصول الكافي، مؤسّسة مطالعات فرهنگی، طهران.
صدر المتألّهين الشيرازي، محمد بن إبراهيم (ت 1050هـ)؛ مفاتيح الغيب، طهران، 1363ش.
الطبرسي، الشيخ أبو منصور أحمد بن علي؛ الاحتجاج، تحقيق: محمد باقر الخرسان، مكتبة المرتضى، مشهد الرضوي.
الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن (ت 460هـ)؛ تهذيب الأحكام، تحقيق: السيّد محمد حسن الخرسان، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، 1407هـ.
الطوسي، نصير الدين محمد بن محمد (ت 672هـ)؛ شرح الإشارات والتنبيهات، مكتبة المرعشي النجفي، قم، 1404هـ.
العطاردي، الشيخ عزيز الله؛ مسند الإمام الجواد(عليه السلام)، طهران.
القزويني، محمد كاظم؛ الإمام الجواد(عليه السلام) من المهد إلى اللحد، مؤسّسة الرسالة، قم، 1417هـ.
كثيري، محمد؛ السلفية بين أهل السنة والإمامية، مركز الغدير، بيروت، 1418هـ.
الكشّي، محمد بن عمر؛ اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، تحقيق: حسن المصطفوي، مشهد الرضوي، 1409هـ.
الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب (ت 329هـ)؛ الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران.
المجلسي، العلّامة محمّد باقر (ت 1111هـ)؛ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، مؤسسة الوفاء، بيروت.
اليوسف، الشيخ عبد الله؛ الإمام الجواد(عليه السلام) والموقف الحازم من الغلاة، العتبة الحسينيّة المقدّسة - قسم المعارف الإسلاميّة.


-------------------------------------------------
[1] بلغ أمامنا الجواد(عليه السلام) مقام الإمامة في ظروفٍ معقّدةٍ، إذ كان أوّل إمام يتسلّم الإمامة في سنّ الطفولة، وقد أدّى ذلك إلى تحدّياتٍ عَقَديّة في المجتمع آنذاك. ورغم الجهود الكبيرة التي بذلها الإمام الرضا(عليه السلام) لإزالة الشكوك والتردّد من قلوب أتباعه، إلّا أنّ الشك والترديد لم يزُل من قلوب بعض الشيعة، فاستغربوا من صغر سنّ الإمام الجواد(عليه السلام)، وتحيّروا، وتوقّفوا في إمامة الإمام الرضا(عليه السلام). قال المسعودي: "إنّ سنّ الإمام التاسع محمد الجواد(عليه السلام)، قد أوقع أتباع الإمام الرضا(عليه السلام) في الحيرة، وبدأ السؤال يطرح في أذهانهم: هل يمتلك الكفاءات اللازمة لتولي منصب الإمامة أم لا؟" ولذلك اجتمع ثمانون شخصًا من كبار شخصيّات الإمامية، قدموا من مدنٍ مختلفة، في بغداد، ليتباحثوا في مدى أهليّة الإمام الجواد(عليه السلام) للإمامة.
[2] رَوَى أحاديثَه(عليه السلام) مائةٌ وعشرون شخصًا. وقد عدّ الشيخ الطوسي مائةً وثلاثة عشر راويًا من رواة حديث الإمام الجواد(عليه السلام). وذكر العلّامة السيّد محمد كاظم القزويني عددًا أكثر من الرواة عن الإمام، (راجع: الإمام الجواد من المهد إلى اللحد).
ومن خلال هذا العدد من الأحاديث المنقولة عن الإمام، يمكن التعرّف على عظمته العلميّة وإحاطته بالمسائل الفقهيّة والتفسيريّة والعَقَديّة، وكذلك الأدعية والمناجاة. وكما يتبيّن من خلال كلماته القصار الجميلة التي نُقلت عنه، أنّ كمالاته الأخلاقيّة ظاهرةٌ بوضوح. وقد نقل ابن صبّاغ المالكي قسمًا من كلماته القصار في كتابه (الفصول المهمة).
[3] لاحظ، الذهبي، شمس الدین، تاریخ الاسلام، 15/385
[4] لاحظ حول ابن حنبل وعقیدة التجسیم: کثیري؛ محمّد؛ السلفیّة بین أهل السنّة والإمامیّة: ص 156.
[5] الصدوق، محمد بن علي، التوحيد، ص۱۰۱؛ الطوسي، محمد بن الحسن، التهذيب، ۳/۲۸۳.
[6] کان یقول الإمام الجواد(عليه السلام) عن الواقفة: «الْوَاقِفَةُ هُمْ حَمِيرُ الشِّيعَةِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةِ: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا». وكانت الزيديّة والواقفة والنصّاب عنده(عليه السلام) بمنزلةٍ واحدة. الكشي، محمد بن عمر، رجال الکشّي، رقم 872 و 873.
[7] أبو الخطّاب هو محمد بن مقلاص، أبو زینب الأسدي الکوفي، کان في أول أمره من أصحاب إمامنا الصادق(عليه السلام)، ثم انحرف عنه، بل وعن الدین. وقد لعنه الإمام الصادق(عليه السلام) مرات عدیدة، وکان یقول فیه، وفي أصحابه: «هم شرّ من الیهود والنصاری والمجوس والذین أشرکوا» ؛ الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحدیث، ج 15، ص 261).
[8] المصدر نفسه.
[9] البحراني، هاشم، عوالم العلوم، 23/589.
[10] المصدر نفسه، ج 23/590 نقلًا عن رجال الکشّي.
[11] الصدوق، محمد بن علي، کتاب التوحید، ص 79.
[12] الصدوق، محمد بن علي، الأمالي، ص 277، المجلس السابع و الأربعون.
[13] اليوسف، عبد الله، الإمام الجواد، الإمام الجواد والموقف الحازم من الغلاة.
[14] لاحظ الطبرسي، أحمد بن علي، کتاب الاحتجاج، ج 2/414، حیث یبیّن الامام الرضا(عليه السلام) معناه إجابةً لطلب الراوي.
[15] الكليني، محمد بن يعقوب، الکافي، 1/82 (بَابُ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَيْ‏ء).
[16] الطوسي، نصير الدين، شرح الإشارات، 1/122.
[17] الرازي، فخر الدين،، مفاتیح الغیب، ص 364.
[18] المازندراني، محمد صالح، شرح أصول الکافي، 2/42.
[19] الكليني، محمد بن يعقوب، الکافي، 1/82.