البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

دور الإمام الجواد (عليه السلام) في ترسيخ العقائد الإسلامية والدفاع عنها

الباحث :  الدکتور السید محمد الطباطبائي الیزدي
اسم المجلة :  العقيدة
العدد :  39
السنة :  صيف 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث :  June / 2 / 2026
عدد زيارات البحث :  50
تحميل  ( 648.605 KB )
الملخّص


يهدف هذا البحث إلى إبراز الدور المحوريّ الذي قام به الإمام محمد بن علي الجوادA في ترسيخ العقيدة الإسلاميّة، ومواجهة التحدّيات الفكريّة والعَقَديّة التي ظهرت في عصره. ويستمدّ البحث أهميّته من كون الإمام الجوادA عاش في حقبةٍ مفصليّةٍ شهدت حراكًا فكريًّا واسعًا وتيّاراتٍ عَقَديّةً منحرفة، وبرغم قصر عمره وإمامته، إلّا أنّ عطاءه العلمي والفكري كان له أثرٌ بالغٌ في تثبيت معالم العقيدة.

يهدف البحث إلى تحليل منهج الإمام الجوادA في الدفاع عن العقيدة الصحيحة، وتوضيح كيفيّة تصدّيه للانحرافات العَقَديّة والغلو، وبيان المفاهيم التوحيديّة والعقائد الأساسيّة التي رسّخها في أقواله ومناقشاته.

يعتمد البحث على الروايات التاريخيّة والعَقَديّة الموثوقة من مصادر أهل السنّة والشيعة، بالإضافة إلى الدراسات الحديثة ذات الصلة. ويستعمل المنهج التحليليّ النقديّ لاستخلاص النتائج وتقديم صورةٍ واضحةٍ عن دور الإمام الجوادA في حماية العقيدة من التحريف.

يُظهر البحث أنّ الإمام الجوادA قد تصدّى بحزمٍ للانحرافات العَقَدية والغلو، خاصّة تيّار أبي الخطاب، وقدّم تفسيراتٍ واضحةً للمفاهيم التوحيديّة، ونقّى العقيدة من شوائب التجسيم والتشبيه. كما يبرز البحث دور الإمامA في مواجهة الجدليّات الفكريّة التي أثارتها الاختلاطات الثقافيّة في عصره.

الكلمات المفتاحيّة:

الإمام الجوادA، العقيدة الإسلاميّة، التوحيد، الغلو، الانحرافات العَقَديّة.


المقدّمة

إنَّ دراسة سيرة الأئمة المعصومين% ودورهم في ترسيخ العقائد الإسلاميّة والدفاع عنها تمثِّل جانبًا أساسيًّا في فهم تطوُّر الفكر الإسلاميّ ومواجهة التحدّيات العَقَديّة عبر التاريخ. ويحتلّ الإمام محمّد بن عليّ الجوادA مكانةً فريدةً بين أئمة أهل البيت%، فقد عاش في حقبةٍ مفصليّةٍ من تاريخ الأمة الإسلاميّة شهدت حراكًا فكريًّا واسعًا، وترجماتٍ للفلسفات الأجنبيّة، وظهورًا لتياراتٍ عَقَديّةٍ منحرفةٍ، وتيارات غلوٍّ بين بعض المنتسبين للتشيع. وعلى الرغم من قِصَر عمره الشريف – إذ استُشهد وهو في منتصف العشرينات من عمره – وقِصَر مدة إمامته (حيث تسلّم مهام الإمامة وهو ابن ثمان أو تسع سنين فقط)[1]، فإنّ عطائه العلمي والفكري كان زاخرًا، وأثره في تثبيت معالم العقيدة الإسلاميّة واضحٌ وجليٌّ[2]. لقد وصفه معاصروه ومن جاء بعدهم بأنّه كان معجزةً في العلم رغم صغر سنّه، وكان حضورُه في ساحات المناظرة والعلم مُبكّرًا ومُذهلًا. حتى المصادرُ الإسلاميّة من غير الشيعة شهدت له بالفضل والعلم والسخاء؛ فيذكر المؤرّخون أنّه كان من كبار بني هاشم علمًا وكرمًا، حتى لُقِّب بـ(الجواد) أي كثير العطاء[3].

وفي هذا السياق، تبرز أهميّة دراسة منهجهA في الدفاع عن العقيدة الصحيحة في وجه الانحرافات، سواء تلك التي جاءت من التيّارات الداخليّة (كالغلاة وأصحاب الأهواء)، أو من الجدليّات الفكريّة التي أثارتها الاختلاطات الثقافيّة في عصره.

لقد واجه الإمام الجوادA جملةً من التحدّيات العَقَديّة في عصرٍ اتّسم بتلاقح الحضارات والأفكار. فخلال القرن الثالث للهجرة ومع انفتاح الدولة العباسيّة على الترجمة والعلوم الدخيلة، دخلت إلى الفكر الإسلامي تياراتٌ فلسفيّةٌ ودينيّةٌ متعددةٌ – من يهوديّةٍ ونصرانيّةٍ ومجوسيّةٍ وغيرها – وأخذت بعض التصوّرات غير الإسلاميّة تتسرّب إلى ثقافة المسلمين. كما شهد عصر المأمون وما تلاه بروز مناظراتٌ كلاميّةٌ حادّةٌ بين مختلف الفرق الإسلاميّة (كالمعتزلة وأهل الحديث وغيرهم)، وأدّى انتعاش حركة الترجمة آنذاك إلى ظهور حركة الزندقة وانتشار آراء إلحادٍ مبطّنةٍ. وفي خضمِّ ذلك برزت فرقٌ واتجاهاتٌ انحرفت عن خطِّ التوحيد الأصيل الذي جاء به القرآن والسنّة؛ من أبرزها فرقة المفوِّضة التي زعمت أنّ الله فوَّض بعض أمر الخلق إلى غيره؛ فوقعت في نوعٍ من تعطيل قدرة الله، وفرقة المجبِّرة التي تبنَّت الجبر المطلق فنسبت أفعال العباد كلَّها إلى الله حتى لزمها نسبة الظلم إليه تعالى، وفرقة المجسِّمة التي شبَّهت الخالق بالمخلوق وأسندت إليه الجسميّة وصفات المُحدَثين – وقد برز تيّار التجسيم لدى بعض المحدِّثين آنذاك حتى عُدّ أحمد بن حنبل (ت 241هـ) من رموزه[4].

وإلى جانب هذه المذاهب الفكريّة، كان هناك أيضًا حركاتٌ غاليةٌ ضمن المنتسبين للتشيع نفسها، كتيّار أبي الخطّاب وأمثاله ممّن نسبوا للأئمة % ما ليس فيهم، وغلوا فيهم غلوًّا مفرطًا. أمام هذه التحدّيات المتشابكة، نهض الإمام الجوادA بدورٍ محوريّ في تبيان العقيدة الحقّة، والدفاع عنها بأسلوبٍ علميٍّ حازم.

ستركِّز هذه المقالة على محورينِ رئيسينِ في دور الإمام الجوادA العَقَديّ: الأوّل هو تصديّه للانحرافات العَقَديّة والغلو التي ظهرت في زمانه، وخصوصًا تيار أبي الخطاب ومظاهر الغلو والانحراف الفكري التي واجهها الإمامA بحزم. أما المحور الثاني فهو بيان الإمام الجوادA للمفاهيم التوحيديّة والعقائد الأساسية في الإسلام، حيث سنستعرض بعضًا من أقواله ومناقشاته التي رسّخت عقيدة التوحيد ونقّتها من شوائب التجسيم والتشبيه وسوء الفهم، وسنعتمد في تحليلنا على الروايات التاريخيّة والعَقَديّة الموثوقة، مع الاستشهاد الدقيق بمصادر أهل السنّة والشيعة على السواء قدر الإمكان، مستفيدين كذلك من بعض الدراسات الحديثة (بما في ذلك مصادر فارسية عند الحاجة). وفي الختام سنقدّم خلاصةً توضّح أهمّ النتائج المتوصّل إليها بشأن دور الإمام الجوادA في تثبيت معالم العقيدة وحمايتها من التحريف.

مواجهة الفِرَق المنحرفة

كان الإمام الجوادA يوجّه شيعته في مواجهة الفِرَق التي كانت موجودةً في عصره، موضحًّا لهم مواقف هذه الفِرَق تجاههم. ومن هذه الفِرَق، أهل الحديث الذين كانوا على مذهب التجسيم، حيث كانوا يعتقدون بأنّ الله جسم. وقد قال الإمامA بشأنهم لشيعته: «لا يجوز لهم أن يُصلّوا خلف من يعتقد بأنّ الله جسم، ولا أن يدفعوا له الزكاة»[5]. وكان ذلك الإمام، بالإضافة إلى قيادته للتيار الرئيس من التشيّع الإمامي في مواجهة الأعداء من غير الشيعة، يضطر أحيانًا إلى الدفاع عن هذا التيار في مواجهة الغلاة، والمفوّضة، والواقفة، بل وحتى الإسماعيليين وأحيانًا الزيديّة[6].

مواجهة الإمام الجواد للانحرافات العَقَديّة والغلو في زمانه تيّار الغلوّ وأبو الخطاب وأتباعه

انتشرت في عصر الإمام الجوادA وقبله ظاهرة الغلوّ في أهل البيت%، حيث تجاوز بعض المنتسبين للتشيّع الحدَّ في نظرتهم للأئمّة% فنسبوا لهم مقاماتٍ إلهيّة أو صفاتٍ خارقة للعادة خارج إطار ما أثبته الأئمة% لأنفسهم. وقد عدّ أئمة أهل البيت% هذه الظاهرة من أخطر الانحرافات، ووقفوا لها بالمرصاد منذ بداياتها؛ فقد لعن الإمام جعفر الصادقA مثلًا رأسَ الغلاة في زمانه أبا الخطاب (محمد بن أبي زينب الأسدي) وبرئ منه، وحذّر شيعته من خطر الغلاة أشد التحذير. ويُجمع الباحثون على أنّ أبا الخطّاب كان من أصحاب الإمام الصادقA، ثم انحرف وادّعى مقاماتٍ باطلة، واتّبعه جماعةٌ عُرفوا بـ(الخطّابية). تمكَّنت السلطات من إعدام أبي الخطّاب سنة 138هـ، لكنّ فكره المنحرف لم ينقرض تمامًا؛ بل استمرّ بعض أتباعه بالدعوة إلى آرائه سرًا أو جهرًا في العقود اللاحقة، ما جعل أئمة أهل البيت% في كلّ عصرٍ يتصدّون لبقايا هذا التيّار بحزم.

واصل الإمام محمد الجوادA نهج آبائه الطاهرين في التصدّي للغلاة والتحذير منهم. وتشير الروايات التاريخيّة إلى العديد من المواقف التي تُبرز حزم الإمام الجوادA اتجاه أيّ بذورٍ للغلوّ تظهر بين شيعته. ففي روايةٍ معبّرةٍ يرويها أحد أصحابه أنّه رأى الإمامA يدخل مسجد جده رسول اللهJ في وقت الظهيرة كلّ يوم ويصلّي عند موقعٍ معيّن، فحدّثته نفسه أن يأخذ من تراب الموضع الذي يطأه الإمام بقدميه تبرّكًا، فحاول ذلك ذات يوم. لكن الإمام الجواد تفطَّن لهذا الفعل وأبدى انزعاجه؛ إذ غيَّر خطّ سيره المعتاد بشكلٍ مفاجئ ذلك اليوم، ودخل المسجد بطريقةٍ غير معهودة، ممّا جعل الرجل يدرك خطأه ويتوب عن تلك الفكرة. يُظهر هذا الموقف النهي العملي للإمامA عن أيّ مظهرٍ من مظاهر الغلو حتى لو كان بدافع المحبّة؛ فالإمامA أراد أن يُفهِم أصحابه أنّ التبرك بآثار الأئمة% على نحوٍ يتجاوز الحدّ قد يوقع في الغلو المنهيّ عنه.

أما على صعيد التصريحات والمواقف الواضحة، فقد كان الإمام الجوادA صريحًا في ذمّ الغلاة ولعنهم والتحذير من أشخاصٍ معيَّنين تزيَّوا بزيِّ التشيّع، وهم ليسوا منه في شيء. ينقل علي بن مهزيار – وهو من خواص أصحاب الإمام – قوله: «سمعت أبا جعفر [الجواد]A يقول – وقد ذُكر عنده أبو الخطّاب[7] –: لعَنَ اللهُ أبا الخطّاب... [ثم ذكر جماعة من أتباعه الغلاة فقال:] هذا أبو الغمر وحفص بن [و] اقِد وهاشم بن أبي هاشم استأكلوا بنا الناس، وصاروا دعاةً يدعون الناس إلى ما دعا إليه أبو الخطّاب لعنه الله ولعنهم معه ولعن من قَبِلَ ذلك منهم، يا عليُّ لا تتحرَّجنَّ من لعنهم (لعنهم الله)، فإنّ الله قد لعنهم»[8]. وفي هذا النصّ يبيّن الإمام صراحةً أنّ أولئك الغلاة الدعاة المضلِّلين إنّما يستغلّون اسم أهل البيت% ومحبتهم لاستمالة الناس، ويتبنّون أفكار أبي الخطّاب المنحرفة؛ لذا أوجبA لعنهم والبراءة منهم بلا تردد، مستشهدًا بقول النبيّJ: «من تأثّم أن يلعن من لعنه الله فعليه لعنة الله»[9]. وهذه شدّةٌ واضحةٌ في الموقف تعكس خطورة أمر الغلو عند الإمامA.

ولم يكتفِ الإمام الجوادA بالتحذير اللفظيّ من الغلاة، بل تعدّى ذلك إلى اتّخاذ إجراءاتٍ صارمةٍ بحقّهم حين اقتضت المصلحة. فقد عدّA أضرار الغلاة أعظم من أضرار أعداء أهل البيت الظاهرين؛ لأنّ الغلاة يشوّهون حقيقة مذهب أهل البيت % من الداخل، ويضلّلون الناس بنسبة الأباطيل إلى الأئمّة. يروي إسحاق الأنبارِي – وهو من معاصري الإمام – أنّه سمع الإمام أبا جعفر الجوادA يقول عن اثنين من رؤوس الغلاة في وقته هما أبو السمهري وابن أبي الزرقاء: «أُشهِدكم أنّي أتبرّأ إلى الله جلّ جلاله منهما؛ إنّهما فَتّانان يُضلّان الناس»[10]. ثم طلب الإمامA من إسحاق أن يتكفّل بالأمر قائلًا له: «يا إسحاق أرِحْني منهما… فإنّهما فتّانان يعملان في خيط رقبتي ورقاب مواليَّ». وقد فهم إسحاق من ذلك إذن الإمامA بالتخلّص منهما، فسأل: «جُعلت فداك، أحلّ لي قتلهما؟» فأجابه الإمامA بما مفاده أنّ دمهما مباحٌ للمسلمين؛ نظرًا لخطرهما الداهم، لكنّه نبّهه بألّا يُقدِم على قتلهما علنًا لئلّا يُسأل عن دليلٍ شرعيّ فيُعدم، بل وجّهَه إلى الحذر والاغتيال سرًّا إن أمكن. هذه الرواية الخطيرة تدلّ على مدى شدّة موقف الإمام الجوادA ضدّ زعماء الغلو؛ فقد عدّهما كافرَين مهدوري الدم؛ لما يلحقانه من أذى بليغٍ في عقائد الناس، وتشويه لخطّ أهل البيت. والجدير بالذكر أنّ هذه الفتوى الاستثنائيّة لم تصدر إلّا تجاه غلاةٍ بالغوا في الكذب على الأئمة%، وإضلال العباد، ما يبيّن أنّ الإمامA رأى في بقائهم خطرًا يُهدد بنية التشيّع الفكريّة من أساسها.

التحذير من المعتقدات المنحرفة الأخرى والموقف من أهل البدع

لم تقتصر انحرافات العصر على الغلاة من أتباع أبي الخطّاب وأشباهه، بل كانت هناك تياراتٌ أخرى داخل المجتمع الإسلامي عمومًا، أثّرت سلبيًا على صفاء العقيدة، وكان للإمام الجوادA موقفٌ واضحٌ تجاهها. فمن ذلك ظاهرة التجسيم والتشبيه في صفات الله تعالى التي شاعت لدى بعض الاتجاهات الفكريّة آنذاك. وكما أسلفنا، برز في العصر العباسي تيّارٌ من المحدّثين يرفض التأويل، وينسب إلى الله صفات الأجسام، بدعوى الأخذ بظواهر بعض النصوص، وظهرت رواياتٌ موضوعةٌ أو مُحرَّفةٌ تصف الله تعالى بصورة الإنسان، أو تنسب إليه الجوارح، والجلوس على العرش، ونحو ذلك (تعالى الله عن ذلك علوًا كبيرًا). ولعلّ أشهر من نُسبت إليه هذه الأقوال في ذلك العصر أحمد بن حنبل وأتباعه الذين عارضوا بشدّة منهج التأويل الذي تبنّاه المعتزلة إبّان محنة خَلْق القرآن. وجدير بالذكر أنّ أئمة أهل البيت% عارضوا التجسيم والتشبيه منذ بدايات ظهوره، فالإمام عليA قال كلمته المشهورة: «مَن زعم أنّ إلهنا محدودٌ فقد جهل الخالق المعبود»[11]. وكذلك الإمام الصادقA وباقي الأئمة أعلنوا براءتهم من المجسِّمة والمشبِّهة.

أما الإمام الجوادA، فقد اتّخذ موقفًا عمليًّا حازمًا لحماية عقيدة التوحيد التنزيهيّة، وتطهيرها ممّا علق بها من أفكار التجسيم. فقد وجَّه شيعته بمقاطعة أهل التشبيه والبدع مقاطعة تامّة، وعدّ عدم الاختلاط بهم جزءًا من صيانة صفاء المعتقد. جاء في روايةٍ صحيحةٍ عن علي بن مهزيار – وهو ثقة – أنّه كتب إلى الإمام الجوادA يسأله: «جُعلت فداك، أصلي خلف من يقول بالجسم؟…»، أي هل يجوز الاقتداء في الصلاة بمن يعتقد أنّ الله جسم. فكتبA إليه جوابًا قاطعًا: «لا تصلّوا خلفهم، ولا تعطوهم من الزكاة، وابرؤوا منهم، برئ الله منهم!»[12]. ومن الواضح أنّ الإمام لم يكتف بالنهي عن الصلاة خلف صاحب عقيدة التجسيم، بل أمر بحرمانهم من الزكاة والبراءة منهم كليًّا، مؤكدًا أنّ الله تعالى أيضًا بريءٌ منهم. وهذا النصُّ شديد اللهجة يدلّ على أنّ الإمام رأى عقيدة التجسيم انحرافًا جسيمًا عن التوحيد الخالص يقتضي اتّخاذ موقفٍ صارمٍ تجاه معتنقيها، تمامًا كما موقفه تجاه الغلاة. وقد علّق أحد الباحثين المعاصرين بأنّ الغلاة أشدّ خطرًا من النواصب[13] (أي المعادين لأهل البيت)؛ لأنّ الأولين يُفسدون العقيدة من الداخل بينما النواصب عدوٌ ظاهر؛ ويمكن أن ندرج المجسِّمة ضمن هذا الإطار أيضًا؛ لأنّهم ينسبون إلى الله ما لا يليق به فيشوِّهون عقيدة التوحيد للمسلمين.

وإضافة إلى التجسيم، واجه الإمام الجوادA أيضًا أفكار المفوّضة والمجبّرة التي كانت رائجةً في عصره ضمن المسائل الكلاميّة حول أفعال العباد وصفات الله. ففرقة المفوّضة – كما مرّ – غالت في تنزيه الله بزعمها أنّ أفعال البشر مفوضةٌ إليهم بالكامل، وأنّ الله (عزَّ وجلَّ) جعل لبعض أوليائه القدرة الكليّة على التصرّف في الكون، وهذا انحراف لأنّ فيه غلوًا في البشر وتعطيلًا لدور مشيئة الله المستمرة. وأمّا المجبّرة فقد بالغت في الجهة المقابلة، فنفت قدرة الإنسان واختياره تمامًا، ونسبت كلّ فعلٍ – حسن أو سيّىء – إلى الله، فوقعوا في شبهة تجويز الظلم على الله جلَّ شأنه (حاشاه تعالى). وقد تصدّى الإمام الجوادA لهاتين النزعتين أيضًا بتقريره مبدأ الاعتدال في أمر الجبر والاختيار على خطى آبائه. ونقل العلماء عن أئمة أهل البيت% قولهم الفصل: «لا جبر ولا تفويض، ولكنْ أمرٌ بين أمرين»[14]، وهو ما يعني إثبات قدرة للعبد تحت سلطان قدرة الله: فليس الإنسان مجبورًا كليًّا، ولا مفوَّضًا مستقلًّا تمامًا، بل أفعال العباد واقعة بمشيئتهم في إطار مشيئة الله الأشمل. ولم يصلنا – فيما نعلم – نصٌّ مباشرٌ عن الإمام الجوادA، بهذا اللفظ بعينه، إلّا أنّ مضامين رواياته الكلاميّة تؤكّد هذا المبدأ. فالإمام حين سُئل عن معنى قدرة الله، وأنّه «على كلّ شيءٍ قدير»، أجاب بما مفاده: أنّ الله (عزَّ وجلَّ) قادرٌ لا يعجزه شيءٌ، وفي الوقت نفسه جعل أفعال العباد ميدانًا للتكليف، فمن زعم أنّ الله يفعل أفعالنا ثم يعذّبنا عليها فقد قال بالجبر الباطل، ومن زعم أنه تعالى تخلّى عن خلقه وتركهم يفعلون ما يشاؤون بلا إرادته فقد قال بالتفويض الباطل؛ والصواب أنّ لله الحُجّة البالغة إذ أمر العباد ونهاهم وأعطاهم القدرة على الطاعة والمعصية مع كمال عدله وحكمته. وهكذا يكون الإمام قد صان عقيدة العدل الإلهي من انحراف المجبّرة والمفوّضة معًا، وبيَّن المنهج الحقّ الذي يُنـزّه الله عن الظلم والجور من جهة، ويجنّب الإنسانَ التبجّحَ بالاستقلال عن الله من جهة أخرى.

وفي المجمل، اتّسم منهج الإمام الجوادA في مواجهة الانحرافات العَقَديّة بالجمع بين الحجّة العلميّة الدامغة والموقف العملي الحازم. فهوA لم يكتفِ بإظهار بطلان عقائد المنحرفين بالحوار والنقاش وإبراز التناقضات العقليّة والنصيّة في آرائهم، بل تعدّى ذلك إلى تحصين المجتمع الشيعي من تأثيرهم عبر أوامر صريحة: المقاطعة واللعن والبراءة، وصولًا – في حالة الغلاة القصوى – إلى إهدار دماء من يصرّ على بثّ سموم العقيدة في جسد الأمة. وكانA بهذا كلِّه يُكمل نهج آبائه في حماية صفاء التوحيد وتنقية مذهب أهل البيت % من كلّ ما قد يشوبه من غلوٍّ أو تقصيرٍ أو تشبيهٍ أو تعطيل. وقد أدرك شيعته وصحابته هذه الرسالة جيدًا والتزموها؛ فنقلوا لنا أقواله ومواقفه لتكون منهجًا لمن يأتي بعدهم. وبذلك حفظ الإمام الجوادA خطَّ الاعتدال العَقَديّ الذي رسمه أهل البيت%، فلم يسمح للتيّارات المنحرفة – مهما تنوّعت مشاربها – أن تنخر في بنيان العقيدة بدون مقاومةٍ وردع.

بيان الإمام الجواد للمفاهيم التوحيديّة والعقائد الأساسيّة في الإسلام

بعد أن استعرضنا كيفيّة تصدي الإمام الجوادA للانحرافات العَقَديّة، ننتقل إلى المحور الثاني من دوره العَقَديّ، وهو جهوده المباركة في توضيح المفاهيم التوحيديّة الأساسيّة وشرح أصول الإيمان بأسلوبٍ علميّ رصين وبرهانٍ ساطع. لقد ورث الإمام الجوادA علوم آبائه، وجلس من صغره مجلس التعليم والفتيا حتى أذعن لعلمه المخالف والمؤالف. وكان للمأمون مجالس بحضور علماء المذاهب بقصد اختبار الإمامA وهو صبي، فأفحمهم الإمامA بعلمه الغزير وحججه القوية حتى اعترف أهل تلك المجالس بفضله وعلمه رغم صغر سنّه. وفيما يأتي سنستعرض أبرز ما أثر عنهA في مجال التوحيد والعقائد، مما ترك بصمة خالدة في التراث الإسلامي العَقَديّ، مع الإشارة إلى الأصول العَقَديّة الأخرى كنبوّة الأنبياء وإمامة الأئمة كلّما اقتضى المقام.

أصل التوحید

التوحيد هو الأصل العَقَديّ الرئيس في الإسلام، بل وفي جميع الأديان السماوية، ويُعدّ أساسًا تبنى عليه هذه الأديان. وفي هذا المجال، للإمام الجوادA كلماتٌ ونكاتٌ قيّمةٌ تستحق التأمّل. فركن الدعوة الأساس لجميع الأنبياء، ومنهم خاتم المرسلينJ، هو: «قولوا لا إله إلا الله تفلحوا».

ورغم هذه المنزلة الرفيعة للتوحيد، فقد أدّت بعض العوامل إلى الابتعاد عن هذا الأصل الجوهري، منها: ظهور المدارس الفكريّة والكلاميّة المختلفة في العهد العباسي الأول، ونهضة الترجمة والثقافات الوافدة، وترجمة النصوص الفلسفيّة، وتعدّد المشارب العقليّة، والحضور البارز للمعتزلة العقلانيين، خصوصًا في زمن الإمام الجوادA.

وهنا تتجلّى أهميّة دور الإمامA، حيث تصبح مهمّته الأساسيّة في هذا العصر المختلط بالأفكار والثقافات المتباينة، هي بيان التوحيد الأصيل والدفاع عن هذا الأصل العَقَديّ الجوهريّ.

جهود الامام فی بلورة مفهوم التوحید

نُشير هنا إلى نَموذجَين من الروايات التوحيديّة الواردة عن الإمامA:

الرواية الأولى: روى المرحوم الكليني في كتابه الكافي عن الإمامA ما يلي: «مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ إِبْرَاهِيمَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي نَجْرَانَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍA عَنِ التَّوْحِيدِ، فَقُلْتُ: أَتَوَهَّمُ شَيْئًا، فَقَالَ: نَعَمْ، غَيْرَ مَعْقُولٍ وَلَا مَحْدُودٍ، فَمَا وَقَعَ وَهْمُكَ عَلَيْهِ مِنْ شَيْ‏ءٍ فَهُوَ خِلَافُهُ، لَا يُشْبِهُهُ شَيْ‏ءٌ، وَلَا تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ، كَيْفَ تُدْرِكُهُ الْأَوْهَامُ وَهُوَ خِلَافُ مَا يُعْقَلُ، وَخِلَافُ مَا يُتَصَوَّرُ فِي الْأَوْهَامِ؟! إِنَّمَا يُتَوَهَّمُ شَيْ‏ءٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ وَلَا مَحْدُودٍ»[15].

يؤكّد الإمام الجوادA أنّه لا شيء يُشبه الله، ولا يتصوّره وهمٌ، ولا تدركه العقول. وهذه العبارة تُعدّ ردًا قاطعًا على آراء المجسّمة والمشبّهة الذين ينسبون إلى الله الشكل، والصورة، والمكان، والجهة. إنّ هذه الرواية عن الإمام الجوادA تؤسّس لقاعدةٍ ذهبيّةٍ في التوحيد الخالص عند الشيعة الإماميّة، وهي: «الله لا يُتَصوَّر في الذهن، وكلّ ما خُطر في البال، فالله غيره، بل هو محدود ومخلوق». فالمعرفة الحقيقية بالله إنّما تكون من خلال الصفات السلبيّة والتسليم المقترن بالمعرفة، أي إنّنا نستطيع أن نعرف ما ليس هو الله، ولكن لا يمكننا إدراك ذاته كما ندرك الأشياء.

وبالنظر في آراء كبار المفكّرين المسلمين من المدارس الفلسفيّة والعرفانيّة، نجد نتيجةً لافتةً، وهي أنّهم أيضًا، في استدلالاتهم العقليّة والذوقيّة، قد وصلوا إلى النقطة نفسها التي أشار إليها الإمام الجوادA في كلماته. على سبيل المثال: يرى الشيخ الرئيس ابن سينا أنّ تصوّر الله ممكنٌ من خلال مفهوم (واجب الوجود)، لكن ليس على نحوٍ مصوّرٍ أو خياليّ. وقد قال في كتابه الإشارات والتنبيهات: «العقل يُدرك أنّه لا يُدرك ذاته»[16]، أي: العقل يُدرك أنّه لا يمكنه إدراك ذات الله. وكذلك الشيخ الأكبر محيي الدين ابن عربي، في الفتوحات المكيّة وفصوص الحكم، يقول مرارًا وتكرارًا: «كلّ ما خطر ببالك، فالله بخلافه»، أي: «كلّ ما يخطر في الذهن، فالله خلافه»[17]. وهذه العبارة هي مضمون كلام الإمام الجوادA نفسه، ولكن ببيانٍ عرفانيٍّ أدقّ.

وأمّا صدر المتألّهين (صدر الدين الشيرازي)، الذي جمع في فلسفته بين الحكمة المشّائية والإشراقيّة والعرفان، فقد توصّل من خلال تحليلاته الوجوديّة إلى أنّ ذات الله تعالى فوق كلّ حدٍّ وماهيّة، إذ قال: «واجب الوجود لا ماهيّة له، بل هو صرف الوجود، وليس من جنس أيٍّ مخلوق»[18]. وفي الأسفار الأربعة، صرّح قائلًا: «الوجود المطلق لا يُتصوّر؛ لأنّ التصوّر يحتاج إلى حدّ». وكما أشرنا، فإنّ هؤلاء المفكّرين الثلاثة، وباختلاف في التعبير، يؤكّدون مضمون كلام الإمام الجوادA الذي قال: «ما وقع وهمک علیه من شيء، فهو خلافه».

الروایة الثانیة: رواها الکلینیw في کتابه الکافي قال: مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْمَاعِيلَ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ بَكْرِ بْنِ صَالِحٍ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: «سُئِلَ أَبُو جَعْفَرٍ الثَّانِيA يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ لِلَّهِ إِنَّهُ شَيْ‏ءٌ؟ قَالَ نَعَمْ يُخْرِجُهُ مِنَ الْحَدَّيْنِ حَدِّ التَّعْطِيلِ وَ حَدِّ التَّشْبِيهِ»[19].

فإنّ كلمة (شيء) في اللغة العربية تعني: الموجود؛ فكلّ ما له وجود يُسمّى شيئًا كما في قوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: ٨٨]، و﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ [الزمر: ٦٢].

وفيما يتعلّق بحدّ التعطيل، فقد ذهبت بعض الفرق الكلاميّة كالمعطّلة وبعض الاتجاهات المتطرّفة في التنزيه إلى القول بأنّه لا يمكن وصف الله على الإطلاق، لا بالصفات ولا بالألفاظ، وهذا الرأي يؤدّي في النهاية إلى نفي إمكان معرفة الله وإنكار صفاته.

وقد صرّح الإمام الجوادA أنّه: إذا امتنعنا حتّى عن قولنا بأنّ (الله شيء)، فإنّنا نقع في مطبّ التعطيل والنفي المطلق، وكأنّ لا سبيل لمعرفة الله على الإطلاق! وفي المقابل، نجد حدّ التشبيه، حيث قالت فرق المجسّمة والمشبّهة: إنّ الله يشبه المخلوقات، وإنّ له جسمًا، وجهةً، ومكانًا... إلخ.

فإذا قلنا بأنّ الله (شيء)، وقصدنا بذلك شيئًا مخلوقًا أو محدودًا أو مركّبًا، فقد وقعنا في التشبيه. لكن الإمام الجوادA أوضح بأنّ قولنا بأنّ الله (شيء) هو قول صحيح، بشرط ألّا يكون بقصد التشبيه ولا التعطيل، بل لإثبات الوجود الحقيقي الفريد لله سبحانه وتعالى.

النقطة المحوريّة في مدرسة أهل البيت% هي أنّها ترفض كليًّا كِلا الاتجاهين: التعطيل والتشبيه، فلا يجوز لنا أن نشبّه الله بالمخلوقات (رفض التشبيه)، ولا أن ننفي إمكان معرفته إطلاقًا (رفض التعطيل). وعليه، فعندما نقول إنّ الله (شيء)، فإنّما نعني أنّه وجودٌ حقيقيٌّ أصيلٌ، لا جسم، ولا مخلوق، ولا مركّب.

ومن ثمّ، فإنّ الإمام الجوادA، في هذا الكلام الموجز والعميق، قد وضع أصلًا جوهريًّا في التوحيد، وهو: وصف الله بأنّه (شيء) ليس من نوع الموجودات، بل لإثبات وجوده المطلق، وصيانة التوحيد من خطرين عظيمين: نفي الوجود (التعطيل)، وتشبيهه بالمخلوق (التشبيه).

هذا الموقف العقلي المتوازن للإمامA، يُمثّل الاعتدال القرآني والعقلي في التوحيد، ويُشكّل فارقًا جوهريًّا بين فكر أهل البيت%، وبين اتّجاهاتٍ أخرى مثل الأشاعرة، المجسّمة، المعتزلة وغيرهم.

إنّ مقارنة آراء المعتزلة، الأشاعرة، أهل الحديث، وأهل البيت% في مسائل التوحيد، ولا سيّما في وصف الله، وإطلاق لفظ الشيء عليه، وكيفيّة فهم صفاته سبحانه، تُعدّ من أعمق القضايا الكلاميّة في الفكر الإسلامي. فـكلام الإمام الجوادA يُمثّل خلاصةَ نظرةٍ عقلانيّة، متوازنة، وتوحيديّة خالصة إلى معرفة الله، بعيدة عن تفريط السلفيّة وتشبيههم، ومتحرّزة من غلوّ المعتزلة في نفي الصفات.

الخاتمة

تناولت هذا البحث جانبًا مهمًّا من سيرة الإمام محمد بن علي الجوادA، متمثلًا في دوره العَقَديّ في ترسيخ معالم الإيمان والدفاع عنها في وجه التحدّيات الفكريّة والدينيّة في عصره. ومن خلال ما تقدّم، يمكن استخلاص جملةٍ من النتائج الأساسيّة:

أولًا: برهن الإمام الجوادA عمليًّا على أنّ الإمامة الإلهيّة لا تخضع لمقاييس العمر والتجربة البشريّة، بل لاصطفاء الله ومنحه العلم والحكمة لمن يشاء؛ فقد أدّى إمامته وهو صغير السن أداءً أبهر العلماء والحكّام؛ ممّا عزّز الإيمان بمبدأ الإمامة كامتدادٍ للنبوّة في حفظ الدين وبيان معالمه.

ثانيًا: كانA حازمًا أشد الحزم في مواجهة التيّارات المنحرفة داخل الصف الإسلامي؛ حيث كشف زيف الغلاة الذين نسبوا للأئمة% ما ليس فيهم وغالوا فيهم حتى أخرجوهم عن مرتبة العبوديّة لله، وأمر بلعنهم ومقاطعتهم صيانةً لصفاء عقيدة التوحيد. ولم يتوانَ عن اتخاذ تدابير حاسمة ضد أخطر رموزهم حمايةً لوحدة الصف ومنعًا لتفشي ضلالهم. كما تصدىA لأصحاب العقائد المنحرفة الأخرى من مجسّمةٍ ومشبّهةٍ ومفوّضةٍ ومجبّرةٍ، وبيَّن فساد آرائهم إمّا بالتصريح المباشر – كما في نهيه عن الصلاة خلف المجسّمة، والأمر بالبراءة منهم – أو ضمنيًا عبر بيان حقائق التوحيد والعدل الإلهي بما يفنّد أقوالهم من الأساس. ثالثًا: قدّم الإمام الجوادA إسهاماتٍ عَقَديةً فائقة الأهميّة في توضيح المفاهيم التوحيديّة وتنقيتها من شوائب التجسيم والتشبيه والتعطيل؛ وأكد أنّ كلّ ما يتصوّره البشر في أذهانهم فالله بخلافه، فلا تدركه الأبصار ولا العقول المحدودة، مما رسّخ عقيدة التنزيه المطلق.

وخلاصة القول، مثّل الإمام محمد الجوادA حصنًا حصينًا للعقيدة الإسلاميّة في ظرفٍ تاريخيّ دقيقٍ تلاطمت فيه أمواج الفلسفات والفرق والنِحَل. فبفضل علمه الإلهيّ وحكمته الربانيّة، تمكّنA من الحفاظ على نقاء التوحيد الإسلامي كما جاء به جدّه رسول اللهJ، ومن حماية مجتمع المؤمنين من البدع والانحرافات، وذلك بأسلوبٍ جمع فيه بين برهان العالم وربانية الإمام المعصوم، وبين حزم القائد المسؤول عن أمته. فلا عجب أن يصفه المؤرّخون بأنّه أعظم بركة أنعم الله بها على شيعة أهل البيت في زمانه، إذ كان وجودهA بين أتباعه أمانًا فكريًّا وعَقَديًّا لهم وسط تلك العواصف. وإنّ دراسة حياة هذا الإمام العظيم ومنهجه في الذَّب عن العقيدة لَيمنح الدعاةَ والمعلمين في كلّ عصرٍ نموذجًا يُحتذى في الجمع بين العلم والغيرة على الدين، وبين سماحة المنهج وشدّة الموقف حين يتطلّب الأمر ذلك. فسلامٌ على الإمام الجواد يوم ولد، ويوم استشهد مسمومًا مظلومًا في بغداد، ويوم يُبعث حيًّا، جواد الأمة وذخْر العقيدة ووتد الإيمان الراسخ.

وفي نهاية المطاف، نأمل أن نكون قد وُفِّقنا في إبراز جانبٍ من دور الإمام الجوادA في ترسيخ العقائد والدفاع عنها، ذلك الدور الذي يستحقّ المزيد من البحث والاستقصاء. فما قدّمناه ما هو إلّا غيض من فيض علمه ومناقبه. وستظلّ مدرسة أهل البيت% معينًا لا ينضب لكلّ طالبي الحقيقة ومعاني الإيمان العميق، تغترف منها الأجيال كيف يصان جوهر الإسلام الأصيل من كلّ انحراف، وكيف تتكامل معارف التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة في صورة إسلامٍ محمديّ علويّ نقيّ، حفظ الله به دينه إلى يوم القيامة.


المصادر والمراجع

القرآن الكريم

ابن الصبّاغ المالكي، علي بن محمد (ت 855 هـ)؛ الفصول المهمّة في معرفة أحوال الأئمة، ط1، بيروت، دار الأضواء، 1409هـ.

البحراني، عبد الله؛ عوالم العلوم والمعارف والأحوال، مؤسسة الإمام المهدي (عج)، قم المقدسة.

الخوئي، السيّد أبو القاسم؛ معجم رجال الحديث، مطبعة الآداب، النجف الأشرف، 1398هـ.

الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد (ت 748هـ)؛ تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام، تحقيق: عمر عبد السلام تدمري، دار الكتاب العربي، بيروت، 1409هـ.

الذهبي، شمس الدين محمد بن أحمد (ت 748هـ)؛ تاريخ الإسلام، مجلد وفيات سنة 220هـ.

الصدوق، ابن بابويه القمي (ت 381هـ)؛ الأمالي، بيروت.

الشريف الرضي، نهج البلاغة؛ خطب الإمام علي بن أبي طالبA، جمعها الشريف الرضي، تحقيق: صبحي الصالح، بيروت.

الصدوق، ابن بابويه القمي (ت 381هـ)؛ كتاب التوحيد.

صدر المتألّهين الشيرازي، محمد بن إبراهيم (ت 1050هـ)؛ شرح أصول الكافي، مؤسّسة مطالعات فرهنگی، طهران.

صدر المتألّهين الشيرازي، محمد بن إبراهيم (ت 1050هـ)؛ مفاتيح الغيب، طهران، 1363ش.

الطبرسي، الشيخ أبو منصور أحمد بن علي؛ الاحتجاج، تحقيق: محمد باقر الخرسان، مكتبة المرتضى، مشهد الرضوي.

الطوسي، الشيخ محمد بن الحسن (ت 460هـ)؛ تهذيب الأحكام، تحقيق: السيّد محمد حسن الخرسان، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، 1407هـ.

الطوسي، نصير الدين محمد بن محمد (ت 672هـ)؛ شرح الإشارات والتنبيهات، مكتبة المرعشي النجفي، قم، 1404هـ.

العطاردي، الشيخ عزيز الله؛ مسند الإمام الجوادA، طهران.

القزويني، محمد كاظم؛ الإمام الجوادA من المهد إلى اللحد، مؤسّسة الرسالة، قم، 1417هـ.

كثيري، محمد؛ السلفية بين أهل السنة والإمامية، مركز الغدير، بيروت، 1418هـ.

الكشّي، محمد بن عمر؛ اختيار معرفة الرجال (رجال الكشي)، تحقيق: حسن المصطفوي، مشهد الرضوي، 1409هـ.

الكليني، الشيخ محمد بن يعقوب (ت 329هـ)؛ الكافي، دار الكتب الإسلامية، طهران.

المجلسي، العلّامة محمّد باقر (ت 1111هـ)؛ بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمة الأطهار، مؤسسة الوفاء، بيروت.

اليوسف، الشيخ عبد الله؛ الإمام الجوادA والموقف الحازم من الغلاة، العتبة الحسينيّة المقدّسة - قسم المعارف الإسلاميّة.




[1] بلغ أمامنا الجوادA مقام الإمامة في ظروفٍ معقّدةٍ، إذ كان أوّل إمام يتسلّم الإمامة في سنّ الطفولة، وقد أدّى ذلك إلى تحدّياتٍ عَقَديّة في المجتمع آنذاك. ورغم الجهود الكبيرة التي بذلها الإمام الرضاA لإزالة الشكوك والتردّد من قلوب أتباعه، إلّا أنّ الشك والترديد لم يزُل من قلوب بعض الشيعة، فاستغربوا من صغر سنّ الإمام الجوادA، وتحيّروا، وتوقّفوا في إمامة الإمام الرضاA. قال المسعودي: "إنّ سنّ الإمام التاسع محمد الجوادA، قد أوقع أتباع الإمام الرضاA في الحيرة، وبدأ السؤال يطرح في أذهانهم: هل يمتلك الكفاءات اللازمة لتولي منصب الإمامة أم لا؟" ولذلك اجتمع ثمانون شخصًا من كبار شخصيّات الإمامية، قدموا من مدنٍ مختلفة، في بغداد، ليتباحثوا في مدى أهليّة الإمام الجوادA للإمامة.


[2] رَوَى أحاديثَهA مائةٌ وعشرون شخصًا. وقد عدّ الشيخ الطوسي مائةً وثلاثة عشر راويًا من رواة حديث الإمام الجوادA. وذكر العلّامة السيّد محمد كاظم القزويني عددًا أكثر من الرواة عن الإمام، (راجع: الإمام الجواد من المهد إلى اللحد).

ومن خلال هذا العدد من الأحاديث المنقولة عن الإمام، يمكن التعرّف على عظمته العلميّة وإحاطته بالمسائل الفقهيّة والتفسيريّة والعَقَديّة، وكذلك الأدعية والمناجاة. وكما يتبيّن من خلال كلماته القصار الجميلة التي نُقلت عنه، أنّ كمالاته الأخلاقيّة ظاهرةٌ بوضوح. وقد نقل ابن صبّاغ المالكي قسمًا من كلماته القصار في كتابه (الفصول المهمة).

[3] لاحظ، الذهبي، شمس الدین، تاریخ الاسلام، 15/385


[4] لاحظ حول ابن حنبل وعقیدة التجسیم: کثیري؛ محمّد؛ السلفیّة بین أهل السنّة والإمامیّة: ص 156.


[5] الصدوق، محمد بن علي، التوحيد، ص۱۰۱؛ الطوسي، محمد بن الحسن، التهذيب، ۳/۲۸۳.


[6] کان یقول الإمام الجوادA عن الواقفة: «الْوَاقِفَةُ هُمْ حَمِيرُ الشِّيعَةِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةِ: إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا». وكانت الزيديّة والواقفة والنصّاب عندهA بمنزلةٍ واحدة. الكشي، محمد بن عمر، رجال الکشّي، رقم 872 و 873.


[7] أبو الخطّاب هو محمد بن مقلاص، أبو زینب الأسدي الکوفي، کان في أول أمره من أصحاب إمامنا الصادقA، ثم انحرف عنه، بل وعن الدین. وقد لعنه الإمام الصادقA مرات عدیدة، وکان یقول فیه، وفي أصحابه: «هم شرّ من الیهود والنصاری والمجوس والذین أشرکوا» ؛ الخوئي، أبو القاسم، معجم رجال الحدیث، ج 15، ص 261).


[8] المصدر نفسه.


[9] البحراني، هاشم، عوالم العلوم، 23/589.


[10] المصدر نفسه، ج 23/590 نقلًا عن رجال الکشّي.


[11] الصدوق، محمد بن علي، کتاب التوحید، ص 79.


[12] الصدوق، محمد بن علي، الأمالي، ص 277، المجلس السابع و الأربعون.


[13] اليوسف، عبد الله، الإمام الجواد، الإمام الجواد والموقف الحازم من الغلاة.


[14] لاحظ الطبرسي، أحمد بن علي، کتاب الاحتجاج، ج 2/414، حیث یبیّن الامام الرضاA معناه إجابةً لطلب الراوي.


[15] الكليني، محمد بن يعقوب، الکافي، 1/82 (بَابُ إِطْلَاقِ الْقَوْلِ بِأَنَّهُ شَيْ‏ء).


[16] الطوسي، نصير الدين، شرح الإشارات، 1/122.


[17] الرازي، فخر الدين،، مفاتیح الغیب، ص 364.


[18] المازندراني، محمد صالح، شرح أصول الکافي، 2/42.


[19] الكليني، محمد بن يعقوب، الکافي، 1/82.