الباحث : السیّد قاسم علي الأحمدي
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 39
السنة : صيف 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : June / 2 / 2026
عدد زيارات البحث : 53
الملخّص
تتناول هذه الرسالة المختصرة إثبات حدوث العالم ووجوده الحقيقي المسبوق بالعدم، ونفي أزليّة ما سوى الله تعالى، استنادًا إلى أخبار الإمام علي بن موسى الرضاA، وسائر الأئمة المعصومينA، وإلى الأدلة العقليّة التي ذكرها المتكلّمون الشيعة.
يهدف البحث إلى تقديم دليلٍ موجزٍ على حدوث العالم ونفي أزليّة المخلوقات، معتمدًا على النصوص الدينيّة والأدلة العقليّة. يعتمد البحث على تحليل النصوص المرويّة عن الأئمةA والأدلة العقليّة التي ذكرها متكلّمو الشيعة، مع تقديم خلاصةٍ موجزةٍ ومفيدة. فتؤكّد هذه الرسالة على أنّ العالم حادثٌ ومخلوق، وأنّ الله تعالى هوالأزليّ الأبديّ الذي لم يسبقه عدم. وتهدف إلى ترسيخ هذا الاعتقاد استنادًا إلى الأدلة النقليّة والعقليّة.
الكلمات المفتاحيّة:
الإمام الرضاA، الأزلیّة، حدوث العالم، المتكلّمون.
مقدّمة
بسم الله الرحمن الرحیم، وصلّی الله علی سیّدنا محمّدٍ وآله الطاهرین، ولعنة الله علی أعدائهم أجمعین من الآن إلی یوم الدین.
الحمد لله فاطر الأشیاء إنشاءً، ومبتدعها ابتداءً بقدرته وحکمته لا من شيءٍ فیبطل الاختراع، ولا لعلّةٍ فلا یصحّ الابتداع، خلق ما شاء کیف شاء، متوحّدًا بذلک لإظهار حکمته، وحقیقة ربوبیّته[1]. والصّلاة والسلام علی أوّل من خلقه الله[2]، وابتدأه[3]بعد أن لم یزل تبارک وتعالی متفرّدًا بوحدانیّته[4]، وکان الله (عزّ وجلّ) ولا شيء معه[5]، ولا شيء غیره[6]، خاتم النبیّین وسیّد المرسلین محمّد بن عبد اللهJ، وآله الصراط المستقیم الأئمّة المعصومین، ولا سیّما الکهف الحصین وغیاث المضطرّ المستکین، الحجّة بن الحسن العسکري، روحي وأرواح العالمین لتراب مقدمه الفداء. ولعنة الله علی أعدائهم الکفرة الفجرة أجمعین من الآن إلی قیام یوم الدین.
أمّا بعد، فهذه رسالةٌ مختصرةٌ في إثبات حدوث العالم ووجوده علی نحو الحدوث الحقیقي، أي المسبوقیّة بالعدم الصریح، ونفي أزلیّة ما سواه تعالی علی ما یستفاد أوّلًا في أخبار مولانا ثامن الحجج علي بن موسی الرضا علیه آلاف التحیّة والثناء[7]، وثانیًا فی أخبار سائر الأئمّة المعصومین% إشارةً والأدلة العقلیّة التي ذکرها المتکلّمون من الشیعة مجملًا. ونستمدّ من العليّ القدیر أن یسدّد خُطانا، ویُخلص أعمالنا، ویجعل قادم أیّامنا خیرًا من ماضیه ویُرضی موالینا (سلام الله علیهم) عنّا.
وهذه الوجیزة مشتملةٌ علی مقدّمةٍ وخمسة فصولٍ، أمّا المقدّمة: قد ثبت بإجماع أهل الملل والنصوص المتواترة حدوث جميع ما سوى اللّه تعالى. والمراد بالحدوث هو أنّ أزمنة وجود ما سواه تعالى في جانب الأزل متناهيّة، ولوجوده ابتداءً، وأنّ اللّه سبحانه وتعالى أبدع وأحدث وأوجد الأشياء بعد أن لم تكن، كما هو مضمون الآيات والأخبار والأدلة العقليّة، خلافًا للفلاسفة، إذ المشهور بينهم هو أنّ ما سوى اللّه حادثٌ بالذّات، وقديمٌ بالزّمان.
ولا یخفی أنّ هذا البحث من أعظم الأصول الاسلامیّة وعدم القول بذلک (أي القول بقدم العالَم وقدم الإرادة) یستلزم فساد العقیدة والدین، کما أُشیر بذلک في الأخبار المتواترة القطعیّة عن الأئمّة المعصومین%، وفي کلام ثامن الحجج مولانا الرضا (سلام الله علیه وعلی آبائه).
أمّا الروایات الواردة في کلام مولانا الرضاA - الدالة علی وقوع التفکیک بینه تعالی وبین ما سواه، وأنّ جمیع ما سوی الله حادثٌ بمعنی انتهاء أزمنة وجودها في الأزل إلی حدّ وینقطع، وأنّها کائنةٌ بعد أن لم یکن بعدیّة حقیقیّة لا بالذات فقط - فکثیرة جدًّا کما لا تخفى علی العارف بالأخبار.
ونحن نذکر الآن جملةً منها، وإن کانت بعض الأخبار النقلیّة الآتیة متضمّنةً للدلیل العقلي أیضًا.
الفصل الأوّل: الأخبار
1. رَوَی الصَّدوقُ- مُسندًا -عَن الحسینِ بنِ خالدٍ عن أبي الحسنِ الرِّضاA أنّه قال: «اعلَمْ-عَلَّمَکَ اللهُ الخَیرَ- أنَّ اللهَ تبارک وتعالی قدیمٌ، والقِدم صِفَةٌ دَلَّتِ العاقلَ علی أنّه لا شيءَ قَبْلَهُ، ولا شيءَ مَعَهُ في دَیْموُمِیَّتِهِ، فقد بَان لَنا بإِقرارِ العامَّةِ مَعَ المُعجِزَةِ الصِّفَةِ[8] أَنّهُ لا شيءَ قَبلَ اللهِ، ولا شيءَ معَ اللهِ في بَقائِهِ، وبَطَلَ قولُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ کانَ قَبلَهُ، أو کانَ مَعهُ شيءٌ، وذلک أَنّهُ لو کانَ مَعَهُ شيءٌ في بَقائِهِ لم یَجُزْ أنْ یکونَ خالقًا لَهُ؛ لِأَنّهُ لم یَزَلْ مَعهُ فکیفَ یکونُ خالقًا لِمَنْ لم یَزَلْ مَعَهُ؟ ولَو کانَ قبلَهُ شيءٌ کان الأَوَّلُ ذلک الشَّيءَ لا هذا، وکانَ الأوّلُ أَولَی بأَنْ یکونَ خالقًا للأَوّلِ الثّانِي»[9].
قال العلّامة المجلسي w: «لا يخفى أنّه يدلّ على أنّه لا قديم سوى الله، وعلى أنّ التأثير لا يعقل إلّا في الحادث، وأنّ القِدَم مستلزمٌ لوجوب الوجود»[10]. وقال أیضًا في بحار الأنوار: «هذا الخبر صریحٌ في الحدوث ومعلَّل»[11].
2. روی الطبرسي عن صفوان بن یحیی، قال: سأَلَني أبو قُرَّةَ الْمُحدِّثُ صاحبُ شُبْرُمَةَ أنْ أُدْخِلَهُ علی أبي الْحَسنِ الرِّضاA، فَاسْتَأْذَنْتُهُ فأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَسَأَلَهُ عن أشیاءَ مِنَ الحَلالِ والحَرامِ والفَرائِضِ والأَحکامِ، حتّی بَلَغَ سُؤالُهُ إلی التَّوحیدِ، فقالَ له: أَخْبِرْني- جَعَلَنِيَ اللهُ فِداکَ - عَنْ کلامِ اللهِ لموسی... وساقَ الکلامُ إلی أن قال: فَما تقولُ في الکُتُبِ؟ فقال أَبو الحسنِA: «التّوْراةُ والإِنْجیلُ والزَّبورُ والفُرقانُ وکلُّ کتابٍ أُنْزِلَ کانَ کلامَ اللهِ، أنزلَهُ لِلْعالَمینَ نورًا وهدیً، وهي کلُّها مُحدِثَةٌ، وهي غَیرُ اللهِ..».. قال أبو قُرَّةَ: فَهلْ تَفْنیٰ؟ فقال أبو الحسنA: «أَجْمَعَ المُسلِمونَ علی أَنَّ ما سوی اللهِ فانٍ، وما سِوَی اللهِ فَعلُ اللهِ والتوراةُ والإنجیلُ والزَّبورُ والفُرقانُ فِعلُ اللهِ. ألَمْ تَسْمَعِ الناسَ یَقولونَ: ربُّ القرآنِ، وإنّ القرآنَ یقولُ یومَ القیامةِ: یا ربِّ هذا فلانٌ –وهو أَعرَفُ بهِ - قد أَظْمَأْتُ نَهارَهُ، وأَسْهَرْتُ لیلَهُ، فَشَفِّعْني فيه، وکذلکَ التورةُ والإنجیلُ والزَّبورُ، وهي کُلُّها مُحَدِثَةٌ مَرْبُوبَةٌ أحدَثَها مَنْ لیسَ کَمِثْلِهِ شيءٌ، هُدیً لِقَومٍ یَعقلونَ، فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُنَّ لم یَزَلْنَ مَعَهُ فَقَد أَظْهَرَ أَنَّ اللهَ لیس بِأَوّلٍ قَدیمٍ، ولا واحدٍ، وأَنَّ الکَلامَ لم یَزلْ مَعَهُ، ولیسَ لَهُ بدْءٌ، ولَیسَ بِإِلهٍ»[12].
قال العلّامة المجلسي w: «وليس له بدء»، أي ليس للكلام علّة؛ لأنّ القديم لا يكون مصنوعًا «وليس بإله». أي والحال أنّه ليس بإلهٍ، فكيف لم يحتجّ إلى الصانع، أو الصانع يلزم أن لا يكون إلهًا لوجود الشريك معه في القدم، وفي بعض النسخ «وليس بإلهٍ له». أي يلزم أن لا يكون الله إلهًا للكلام؛ لكونه معه دائمًا»[13].
3. روی الصدوق (رحمه الله) – مسندًا - عن أبي الحسن الرضاA في خطبتهِ الطویلةِ، قال: «أوّلُ عِبادةِ اللهِ مَعرِفَتُهُ، وأَصلُ مَعرِفَةِ اللهِ تَوْحیدُهُ، ونِظامُ تَوْحیدِ اللهِ نَفي الصِّفاتِ عنهُ لِشهادَةِ العُقولِ أَنَّ کلَّ صِفَةٍ ومَوصوفٍ مَخلوقٌ، وشَهادةِ کُلِّ مَخلُوقٍ أَنَّ لَهُ خالِقًا لَیسَ بِصفَةٍ ولا موصوفٍ، وشَهادَةِ کُلِّ صِفَةٍ ومَوصوفٍ بالاقْتِرانِ، وشَهادةِ الاقتِرانِ بِالحَدَثِ، وشَهادةِ الحَدَثِ بِالامتِناعِ مِنَ الأَزلِ المُمْتَنعِ مِنَ الحَدَثِ... سبَقَ الأَوقاتَ کونُهُ، والعدمَ وجودُهُ، والابتداءَ أَزلُهُ... لَهُ مَعنَی الرُّبوبیَّةِ إذ لا مَربُوبَ، وحقیقةُ الإلهیّةِ إذ لا مَألُوهَ، ومعنَی العالِمِ ولا مَعلومَ، ومعنیَ الخالِقِ ولا مَخلُوقَ، وتأویلُ السَّمْعِ ولا مَسْمُوعَ لیسَ مُنْذُ خَلَقَ اسْتَحَقَّ مَعنَی الخالِقِ، ولا بِإِحداثِهِ البَرایا اسْتَفادَ مَعنَی البارِئِیَّةِ... کیف یَسْتَحِقُّ الأزَلَ مَن لا یَمتَنِعُ مِن الحَدَثِ.... لیسَ في مُحالِ القولِ حُجَّةٌ، ولا فِي المَسْأَلَةِ عنهُ جوابٌ، ولا في مَعناهُ له تَعْظیمٌ، ولا في إبانَتِهِ عَنِ الخَلقِ ضَیْمٌ إلّا بِامتِناعِ الأَزليّ أَنْ یُثَنّی، وما لا بدْءَ لَهُ أنْ یُبْدَأَ..»[14].
قال العلّامة المجلسي w: «وقد دلّت على تنافي الحدوث، أي المعلوليّة والأزليّة، وتأويل الأزليّة بوجوب الوجود مع بعده يجعل الكلام خاليًا عن الفائدة، ودلالة سائر الفقرات ظاهرة كما فصّلناه سابقًا، وظاهر أكثر الفقرات نفي الزمانيّة عنه سبحانه، وكذا قولهA إلا بالامتناع الأزلي أن يثنى يدلّ على امتناع تعدّد القدماء، وكذا الفقرة التالية لها»[15].
4. روی الصّدوق (رحمه الله) – مسندًا - عن الحسن بن محمدٍ النّوْفِلي أنّه قال: "قَدِمَ سلیمانُ المروزيّ متکلِّمُ خراسانَ علی المأمونِ، فأَکْرَمَهُ ووَصَلَهُ، ثُمَّ قال لَهُ: إنَّ ابنَ عَمِّي عليَّ بنَ موسی، قَدِمَ علَيَّ مِنَ الحِجازِ، وهو یُحِبُّ الکلامَ... إلی أن قال سلیمانُ: فَإِنَّهُ لَم یَزَلْ مُریدًا. قالA: «یا سلیمانُ فَإِرادَتُهُ غیرُهُ؟». قال نعم: قالA: «فقد أَثَبتَّ معهُ شَیئًا غیرَهُ لم یَزلْ». قال سلیمانُ: ما أثبتُّ. فقالA: «هي مُحدَثَةٌ یا سلیمانُ! فإنَّ الشيءَ إذا لَم یَکُن أَزَلیًّا کانَ مُحَدَثًا، وإذا لم یکن مُحدَثًا کان أَزَلیًّا..». وجَرت المناظرةُ إلى أن قالA: «ألا تُخبِرُني عن الإرادةِ فِعلٌ هي أم غیرُ فِعلٍ؟». قال: بَل هي فِعلٌ، قال: «فَهِي مُحَدثَةٌ؛ لِأنَّ الفعلَ کُلَّهُ مُحَدَثٌ». قال: لیسَت بِفعلٍ. قالA: «فَمَعهُ غَیرُهُ لم یَزَل». قال سلیمانُ: إِنّها مَصنُوعَةٌ، قالA: «فَهي مُحدَثَةٌ». وساقَ الکلامُ إلی أن قال: قال سلیمانُ: إِنّما عَنَیتُ أَنَّها فِعلٌ مِن اللهِ لم یَزَل قالA: «أَلا تَعلَمُ أَنَّ ما لم یَزَل لا یکونُ مَفعولًا وحَدیثًا وقَدیمًا في حالةٍ واحدةٍ؟ فَلَم یُحْرِ جَوابًا، ثُمَّ أَعادَ الکلامَ إلی أَن قالA: «إِنَّ ما لم یَزَل لا یَکونُ مَفعولًا». قال سلیمانُ: لیسَ الأشیاءُ إِرادةً، ولم یُردْ شیئًا، قالA: «وَسْوَسْتَ یا سلیمانُ! فقَد فَعَلَ وخَلقَ ما لَمْ یُردْ خَلْقَهُ وفِعْلَهُ؟ وهذِهِ صفةُ ما لا یَدري ما فَعَلَ تعالی اللهُ عَن ذلکَ..». ثم أَعادَ الکلامَ إلی أن قالA: «فَالإِرادةُ مُحدَثَةٌ، وإلّا فَمَعَهُ غَیرُهُ»[16].
قال العلّامة المجلسيw: «حکمA في هذا الخبر مرارًا بأنّه لا یکون قدیم سوی الله، وأنّه لا یعقل التّأثیر بالإرادة والاختیار في شيءٍ لم یزل معه»[17].
5. روی الصدوقw - في ذکر مجلس الرضاA مع أهل الأدیان وأصحاب المقالات –فقال عِمرانُ الصّابي: أَخْبِرني عَنِ الکائِنِ الأَوّلِ وعَمّا خَلَقَ؟ قالA: «سَأَلْتَ فَافْهَمْ! أمّا الواحدُ فلم یَزَل واحدًا کائِنًا لا شيءَ مَعَهُ بِلا حُدودٍ ولا أَعراضٍ ولا یَزالُ کذلکَ، ثُمَّ خَلَقَ الخَلقَ مُبتَدِعًا مُختلفًا بِأَعْراضٍ وحُدودٍ مُخْتَلِفَةٍ، ولا في شَيءٍ أَقامَهُ..».، إلی أن قال له عمرانُ: یا سیّدي أَلا تُخبِرُني عَنِ الخالِقِ إذا کان واحدًا لا شيءَ غَیرُهُ، ولا شيءَ مَعهُ، أَلَیسَ قد تَغیَّرَ بخَلْقِه الخَلْقَ؟ قال الرضاA: «لم یَتغیّرْ (عزَّ وجلَّ) بخَلْقِ الخَلقِ، ولکِنَّ الخلقَ یَتَغیَّرُ بِتَغییرِهِ..»، إلی أن قال: یا سیدي! أَلا تُخْبرُني عَنِ اللهِ (عزّ وجلّ)، هَل یُوَحَّدُ بِحَقیقةٍ أَو یُوَحَّدُ بِوَصْفٍ؟ قال الرضاA: «إنّ اللهَ المُبْدِئَ الواحِدَ الکائنَ الأَوّلَ لم یَزل واحدًا لا شيءَ مَعَهُ، فردًا لا ثانيَ مَعَهُ، لا مَعلُومًا ولا مَجهولًا ولا مُحکَمًا ولا مُتَشابِهًا ولا مَذکُورًا ولا مَنسِیًّا ولا شَیئًا یَقعُ علیهِ اسْمُ شَيءٍ مِنَ الأَشیاءِ غَیرَهُ، ولا مِنْ وَقتٍ کانَ، ولا إلی وقتٍ یَکونُ، ولا بِشَيءٍ قامَ، ولا إلی شَيءٍ یَقومُ، ولا إلی شَيءٍ استَنَدَ، ولا في شَيءٍ استَکَنَّ، وذلک کلُّه قبْلَ الخَلقِ إذ لا شيءَ غیرُهُ»[18].
قال العلّامة المجلسيw: «لا في شيءٍ أقامه»، أي في مادةٍ قديمةٍ كما زعمته الفلاسفة...«هل يوحّد بحقيقة» أي هل يتأتّى توحيده مع تعقّل كنه حقيقته، أو إنّما يوحّد مع تعقّله بوجهٍ من وجوهه، وصفةٍ من صفاته، وفي بعض النسخ بالجيم من الوجدان، أي يعرف، وهو أظهر فأجابA: بأنّه سبحانه يعرف بالوجوه التي هي محدَثةٌ في أذهاننا، وهي مغايرةٌ لحقيقته تعالى، وما ذكره أولًا لبيان أنّه قديمٌ أزليٌّ، والقديم يخالف المحدثات في الحقيقة وكلّ شيءٍ غيره فهو حادث. وقولهA: «لا معلومًا» تفصيل وتعميم للثاني، أي ليس معه غيره لا معلوم ولا مجهول، والمراد بالمُحْكم ما يعلم حقيقته، وبالمتشابه ضدّه، ويحتمل أن يكون إشارة إلى نفي قول من قال بقِدَم القرآن فإنّ المُحْكم والمتشابه يطلقان على آياته»[19].
أقول: یظهر ممّا ذکرنا من الرّوایات أنّ قوله: «ولا یزال کذلک» یرجع إلی قوله: «بلا حدود ولا أعراض» لا إلی مجموع ما تقدّم کي یوهم صحّة تأویل قولهم (صلوات الله علیهم): «کان الله ولا شيء معه»[20] بالمعیّة الرتبیّة. وأضف إلی ذلک أنّ قولهA: «ثمّ خلق» في الروایة التي مرّ ذکرها یشیر إلی الترتیب الزماني، وأنّ تقریرهA لقول السائل حینما قال: «إذا کان واحدًا لا شيء غیره..». فيه إشارة إلی الغیریّة الحقیقیّة.
6. روی الکلیني w بسنده عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ: جِئْتُ إِلَى الرِّضَاA أَسْأَلُهُ عَنِ التَّوْحِيدِ، فَأَمْلَى عَلَيَّ: «الْحَمْدُ لِلَّهِ فَاطِرِ الْأَشْيَاءِ إِنْشَاءً، ومُبْتَدِعِهَا ابْتِدَاعًا بِقُدْرَتِهِ وحِكْمَتِهِ[21] لَا مِنْ شَيْءٍ فَيَبْطُلَ الِاخْتِرَاعُ، ولَا لِعِلَّةٍ فَلَا يَصِحَّ الِابْتِدَاعُ، خَلَقَ مَا شَاءَ كَيْفَ شَاءَ مُتَوَحِّدًا بِذَلِكَ لِإِظْهَارِ حِكْمَتِهِ وحَقِيقَةِ رُبُوبِيَّتِهِ، لَا تَضْبِطُهُ الْعُقُولُ، ولَا تَبْلُغُهُ الْأَوْهَامُ، ولا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ، ولَا يُحِيطُ بِهِ مِقْدَارٌ عَجَزَتْ دُونَهُ الْعِبَارَةُ، وكَلَّتْ دُونَهُ الْأَبْصَارُ وضَلَّ فِيهِ تَصَارِيفُ الصِّفَاتِ احْتَجَبَ بِغَيْرِ حِجَابٍ مَحْجُوبٍ، واسْتَتَرَ بِغَيْرِ سِتْرٍ مَسْتُورٍ، عُرِفَ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ، ووُصِفَ بِغَيْرِ صُورَةٍ، ونُعِتَ بِغَيْرِ جِسْمٍ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ»[22].
7. روی الصدوقw بسنده عن مولانا الرّضاA قال: «الْحَمْدُ لِلَّهِ الْمُلْهِمِ عِبَادَهُ الْحَمْدَ، وفَاطِرِهِمْ عَلَى مَعْرِفَةِ رُبُوبِيَّتِهِ، الدَّالِ عَلَى وُجُودِهِ بِخَلْقِهِ، وبِحُدُوثِ خَلْقِهِ عَلَى أَزَلِهِ، وبِأَشْبَاهِهِمْ عَلَى أَنْ لَا شِبْهَ لَهُ... فَالْحِجَابُ بَيْنَهُ وبَيْنَ خَلْقِهِ لِامْتِنَاعِهِ، مِمَّا يُمْكِنُ فِي ذَوَاتِهِمْ ولِإِمْكَانِ ذَوَاتِهِمْ مِمَّا يَمْتَنِعُ مِنْهُ ذَاتُهُ، ولِافْتِرَاقِ الصَّانِعِ والْمَصْنُوعِ، والرَّبِّ والْمَرْبُوبِ، والْحَادِّ والْمَحْدُودِ... عَالِمٌ إِذْ لَا مَعْلُومَ، وخَالِقٌ إِذْ لَا مَخْلُوقَ، ورَبٌّ إِذْ لَا مَرْبُوبَ، وإِلَهٌ إِذْ لَا مَأْلُوهَ، وكَذَلِكَ يُوصَفُ رَبُّنَا، وهُو فَوْقَ مَا يَصِفُهُ الْوَاصِفُونَ»[23].
8. رَوَی الصّدوقُw مُسندًا عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَالِدٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الرِّضَا عَلِيَّ بْنَ مُوسَى (علیهما السلام) يَقُولُ: «لَمْ يَزَلِ اللَّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى عَلِيمًا قَادِرًا حَيًّا قَدِيمًا سَمِيعًا بَصِيرًا».
فَقُلْتُ لَهُ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ! إِنَّ قَوْمًا يَقُولُونَ: إِنَّهُ (عَزَّ وجَلَّ) لَمْ يَزَلْ عَالِمًا بِعِلْمٍ، وقَادِرًا بِقُدْرَةٍ، وحَيًّا بِحَيَاةٍ، وقَدِيمًا بِقِدَمٍ، وسَمِيعًا بِسَمْعٍ، وبَصِيرًا بِبَصَرٍ[24]، فَقَالَA: «مَنْ قَالَ ذَلِكَ ودَانَ بِهِ فَقَدِ اتَّخَذَ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرى، ولَيْسَ مِنْ وَلَايَتِنَا عَلَى شَيْءٍ»، ثُمَّ قَالَA: «لَمْ يَزَلِ اللَّهُ (عَزَّ وجَلَّ) عَلِيمًا قَادِرًا حَيًّا قَدِيمًا سَمِيعًا بَصِيرًا لِذَاتِهِ، تَعَالَى عَمَّا يَقُولُ الْمُشْرِكُونَ والْمُشَبِّهُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا»[25].
تکمیل البحث
ولنشیر هنا إلی بعض فقرات الروايات الدالّة على الحدوث بالمعنى المذكور عن غیر مولانا الرضاA من بقیة الأئمّة%:
9. عن أمير المؤمنينA أنّه قال: «... لم يخلق الأشياء من أصولٍ أزليّةٍ، ولا من أوائل أبديّة، بل خلق ما خلق..»[26].
10. عن أبي جعفر الباقرA أنّه قال: «يا إبراهيم، إنّ اللّه تبارك وتعالى لم يزل عالمًا قديمًا خلق الأشياء لا من شيء، ومن زعم أنّ اللّه خلق الأشياء من شيءٍ فقد كفر؛ لأنّه لو كان ذلك الشيء الّذي خلق منه الأشياء قديمًا معه في أزليّته وهويّته كان ذلك الشيء أزليّا، بل خلق اللّه تعالى الأشياء كلّها لا من شيء»[27].
11. سُئل أبو جعفرA: فالشيء [أي أوّل شيء خلقه اللّه] هل خلقه من شيءٍ أو من لا شيء؟ فقال: «خلق الشيء لا من شيء كان قبله، ولو خلق الشيء من شيءٍ إذا لم يكن له انقطاع أبدًا، ولم يزل اللّه إذا ومعه شيء، ولكن كان اللّه ولا شيء معه..»[28].
12. عن أمير المؤمنينA: «... إنّما كلامه سبحانه فعلٌ منه، أنشأه ومثّله، لم يكن من قبل ذلك كائنًا، ولو كان قديمًا لكان إلهًا ثانيًا»[29].
وغيرها من الأخبار الكثيرة في هذا الباب الّتي غفل عنها هؤلاء ـ ويا للأسف ـ ولذا انحرفوا عن جادّة الصواب وألحدوا بربّ الأرباب. ولا يخفى أنّ هذه الأحاديث صريحةٌ في مسبوقيّة العالم بالعدم. فراجع رسالتنا (وجود العالم بعد العدم عند الإماميّة)، وقد أثبتنا بالبراهين القطعيّة من الآيات والروايات المتواترة والأدلّة العقليّة حدوث ما سوى اللّه تعالى بهذا المعنى.
وبعد هذا کلّه وغیره، فلا نحسب أنّ الروایات هذه تحتاج إلی بیان؛ إذ هي تبیان، ومع ذلک لسائل أن یقول: هل یصحّ تأویل هذه النصوص الصریحة وغیرها علی خلاف ظاهرها؟
وهل کان بإمکان الأحادیث أن تُبیّن المقصود بأکثر ممّا بیّنت؟
وهل یستطیع أحد تبیین وجود الأشیاء بعد عدمها بأصرح من هذه التعابیر:
کقولهA: «إنّ الشيء إذا لم یکن أزلیًّا کان محدَثًا، وإذا لم یکن محدَثًا کان أزلیًّا... ألا تعلم أنّ ما لم یزل لا یکون مفعولًا وقدیمًا وحدیثًا في حالةٍ واحدة»[30].
وقولهA: «کیف یکون خالقًا لمن لم یزل معه؟»[31].
وقولهA: «لو کان (أي الکلام) قدیمًا لکان إلهًا ثانیًا»[32].
وقولهA: «لم یخلق الأشیاء من أصولٍ أزلیّة»[33].
وقولهA: «لو کان أوّل ما خلق من خلقه الشيء من الشیء، إذًا لم یکن له انقطاع أبدًا، ولم یزل الله إذا ومعه شیء»[34].
وقولهA: «من زعم أنّهنّ لم یزلن معه فقد أظهر أنّ الله لیس بأوّل قدیم، ولا واحد، وأنّ الکلام لم یزل معه، ولیس له بدء، ولیس بإله»[35]. وغیرها من الأحادیث.
ولنا أن نتساءل بعد هذا، لو لم تکن هذه صریحةً في المطلوب فما هو اللفظ الصریح إذًا؟!
ونعم ما أفاده العلّامة المجلسيw: «إذا أمعنت النظر فيما قدّمناه، وسلكت مسلك الإنصاف، ونزلت عن مطية التعنت والاعتساف، حصل لك القطع من الآيات المتظافرة والأخبار المتواترة الواردة بأساليب مختلفة، وعبارات متفننة من اشتمالها على بياناتٍ شافيةٍ، وأدلةٍ وافيةٍ بالحدوث بالمعنى الذي أسلفناه، ومن تتبع كلام العرب وموارد استعمالاتهم وكتب اللغة يعلم أن الإيجاد والإحداث والخلق والفطر والإبداع والاختراع والصنع والإبداء لا تطلق إلّا على الإيجاد بعد العدم.
قال المحقّق الطوسيw في شرح الإشارات: إنّ أهل اللغة فسّروا الفعل بإحداث شيءٍ. وقال أيضا: «الصنع»: إيجاد شيءٍ مسبوق بالعدم. وفي اللغة: «الإبداع»: الإحداث. ومنه: البدعة لمحدثات الأمور، وفسّروا الخلق بإبداع شيءٍ بلا مثال سابق....
ومن تتبع الآيات والأخبار لا يبقى له ريبٌ في ذلك كقوله: «لا من شيءٍ فيبطل الاختراع، ولا لعلةٍ فلا يصح الابتداع»، مع أنّه قد وقع التصريح بالحدوث بالمعنى المعهود في أكثر النصوص المتقدّمة بحيث لا يقبل التأويل وبانضمام الجميع بعضها مع بعضٍ يحصل القطع بالمراد؛ ولذا ورد أكثر المطالب الأصوليّة الاعتقاديّة كالمعاد الجسماني، وإمامة أمير المؤمنينA وأمثالهما في كلام صاحب الشريعة بعباراتٍ مختلفةٍ وأساليب شتّى ليحصل الجزم بالمراد من جميعها، مع أنّها اشتملت على أدلةٍ مجملةٍ، من تأمّل فيها يحصل له القطع بالمقصود. ألا ترى إلى قولهم% في مواضع: «لوكان الكلام قديمًا لكان إلهًا ثانيًا»، وقولهم: «وكيف يكون خالقًا لمن لم يزل معه»، إشارة إلى أنّ الجعل لا يتصوّر للقديم؛ لأنّ تأثير العلّة إمّا إفاضة أصل الوجود، وإما إفادة بقاء الوجود، واستمرار الجعل الأول، والأول هي العلة الموجدة، والثاني هي المبقية، والموجود الدائمي محال أن تكون له علةً موجدةً كما تحكم به الفطرة السليمة سواء كان بالاختيار أو بالإيجاب لكن الأول أوضح وأظهر.
وممّا ينبه عليه: أنّ في الحوادث المشاهدة في الآن الأول تأثير العلّة هو إفاضة أصل الوجود، وفي كلّ آنٍ بعده من آنات زمان الوجود تأثير العلّة هو إبقاء الوجود واستمرار الجعل الأول، ولو كان ممكن دائمي الوجود فكلّ آنٍ يفرض من آنات زمان وجوده الغير المتناهي في طرف الماضي، فهو آن البقاء واستمرار الوجود، ولا يتحقّق آن إفاضة أصل الوجود فجميع زمان الوجود هو زمان البقاء، ولا يتحقّق آنٌ ولا زمانٌ للإيجاد وأصل الوجود قطعًا.
فنقول في توجيه الملازمة في الخبر الأول: لو كان الكلام الذي هو فعله تعالى قديمًا دائمي الوجود لزم أن لا يحتاج إلى علةٍ أصلًا؛ أمّا الموجِدة فلِما مرّ، وأما المبقية فلأنّها فرع الموجِدة، فلو انتفى الأول انتفى الثاني بطريقٍ أولى، والمستغني عن العلّة أصلًا هو الواجب الوجود فيكون إلهًا ثانيًا، وهو خلاف المفروض أيضًا؛ لأنّ المفروض أنّه كلام الواجب وفعله سبحانه، ومثله يجري في الخبر الثاني. ويُؤَيِّدُهُ مَا رُوِيَ فِي الْكَافِي وغَيْرِهِ فِي حَدِيثِ الْفُرْجَةِ عَنِ الصَّادِقِA حَيْثُ قَالَ لِلزِّنْدِيقِ: «ثُمَّ يَلْزَمُكَ إِنِ ادَّعَيْتَ اثْنَيْنِ فُرْجَةٌ مَا بَيْنَهُمَا حَتَّى يَكُونَا اثْنَيْنِ فَصَارَتِ الْفُرْجَةُ ثَالِثًا بَيْنَهُمَا قَدِيمًا مَعَهُمَا فَيَلْزَمُكَ ثَلَاثَةٌ الْخَبَرَ»[36]. حيث حكم على الفرجة من جهة القدم بكونه إلهًا ثالثًا واجب الوجود»[37].
الفصل الثانی: إثبات حدوث العالم من طریق حدوث الإرادة والمشیّة
لا یخفي، المستفاد من الأخبار أنّ إرادته تعالی ومشیّته حادثة، ومن صفات الفعل لا الذات، فإذا کانت الإرادة والمشیّة محدَثةً وجمیع الأشیاء موجودة بالإرادة والمشیّة، فالأشیاء أولی بالحدوث. وهذا دلیلٌ مستقلٌّ في إثبات حدوث العالم بالمعنی الذی ذکرناه. ومن جملة هذه الأخبار:
ما رَوَی الصّدوقw –مسندًا - عن أبي الحسن الرِّضاA أنّه قال: «المشیّةُ والإرادةُ مِن صِفاتِ الأَفعالِ، فَمَنْ زَعَمَ أنَّ اللهَ تعالی لَم یَزَل مُریدًا شائِیًا فَلَیسَ بِمُوَحِّدٍ»[38].
قال العلّامة المجلسيw: «لعلّ الشرك باعتبار أنّه إذا كانت الإرادة والمشية أزليتين، فالمراد والمشيء أيضًا يكونان أزليين، ولا يعقل التأثير في القديم، فيكون إلهًا ثانيًا كما مر مرارًا، أو أنّهما لما لم يكونا عين الذات فكونهما دائمًا معه سبحانه يوجب إلهين آخرين بتقريب ما مرّ. ويؤيّد الأول مَا رَوَاهُ فِي التَّوْحِيدِ أَيْضًا عَنْ عَاصِمِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِA قَالَ: قُلْتُ لَهُ لَمْ يَزَلِ اللَّهُ مُرِيدًا فَقَالَ: إِنَّ الْمُرِيدَ لَا يَكُونُ إِلَّا لِمُرَادٍ مَعَهُ بَلْ لَمْ يَزَلْ عَالِمًا قَادِرًا ثُمَّ أَرَادَ»[39]»[40].
قال السیّد الخوئيw: «ثم إنّ قولهA في الصحيحة المتقدّمة: «إنّ المريد لا يكون إلّا المراد معه» إشارة إلى أنّ الإرادة الإلهيّة لو كانت ذاتيةً لزم قِدَمُ العالم، وهو باطل، ويؤيّد هذا رواية الجعفري عن الرضاA «فمن زعم أنّ اللَّه لم يزل مريدًا شائيًا فليس بموحّد»، فإنّه صريحٌ في أنّ إرادته ليست عين ذاته كالعلم، والقدرة، والحياة»[41].
لا یخفي علی من راجع الأخبار أنّ الإرادة والمشیّة من صفات الفعل التي یصحّ سلبها عنه تعالی في الأزل، کما في صحیحة عاصم بن حمید عن أبي عبد اللهA: قال قلت له: لم یزل الله مریدًا؟ قال: «إنّ المرید لا یکون إلّا لمراد معه لم یزل الله عالمًا قادرًا، ثم أراد»[42]. وفي صحیحة محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللهA: «المشیّة محدثة»[43]، وغیرها من الأخبار، ولا مجال لنا البحث عنها هنا[44]. ولا یلزم منه نقص، لا من صفات الذات المعتبرة له في الأزل مثل العلم والقدرة؛ فإنّ نفيها عنه تعالی یوجب النقص فيه للزوم الجهل والعجز.
نکتة مهمة: وقد دلّت الروایات الکثیرة علی أنّ فاعلیته تعالی للأشیاء إنّما هی بالإرادة والمشیّة لا بالذات، کما في صحیحة عمر بن أُذینه عن أبي عبد اللهA قال: «خلق الله المشیّة بنفسها، ثمّ خلق الأشیاء بالمشیّة»[45].
وعن الصّادقA: لمّا صعد موسیA إلی الطّور فنادی ربّه (عزّ وجلّ) قال: «یا ربّ أرني خزائنك، فقال: یا موسی! إنّما خزائني إذا أردتُ شیئًا أن أقول له: کن، فيکون»[46]. وعن أبي جعفرA: «أنشأ ما شاء کیف شاء بمشیّته»[47]. وعن موسی بن جعفرC: «... کلّ شيءٍ سواه مخلوق، وإنّما تُکوّنُ الأشیاء بإرادته ومشیّته من غیر کلامٍ وتردّدٍ في نفس، ونطق بلسان..»[48]، والأخبار بهذا المضمون کثیرة جدًّا، فراجع.
فلو کانت فاعلیّته تعالی بالذات (لا بالإرادة والمشیّة) یلزم أن یکون الله تعالی موجَبًا في فعله؛ لأنّ تخلّف ما بالذّات عن الذّات محال. (نتیجة ذلک) فإذا کانت الإرادة والمشیّة محدَثةً وجمیع الأشیاء موجودةً بالإرادة والمشیّة، فهی أولی بالحدوث، کما تقدّم هذا البیان. وهذا دلیلٌ مستقلٌّ في إثبات حدوث العالم بالمعنی الذی ذکرناه.
الفصل الثالث: الأدلة العقلیّة
الأدلة العقلیّة الدالة علی حدوث العالم کثیرة ذکرناها في کتاب (شرح کشف المراد)، ونشیر بالاختصار إلی بعضها:
الدلیل الأول: برهان التطبیق، وتقریره بوجوه، منها: ما أفاده العلّامة الحلّيw في کتاب مناهج الیقین حیث قال: «نفرضُ من الیوم إلی الأزل جملةً، ومن خلق آدم إلی الأزل اُخری، ونُطَبِّق، فإمّا أن یتساویا فيکون المتفاوت متساویًا وهو محال. وإمّا أن یختلفا في الجانب الأزليّ فالکلّ حادث...»[49].
وقال في کشف المراد: «من الوجوه الدالة على امتناع التسلسل، وهو المسمّى ببرهان التطبيق، وهو دليلٌ مشهورٌ، وتقريره: أنّا إذا أخذنا جملة العلل والمعلولات إلى ما لا يتناهى، ووضعناها جملةً، ثم قطعنا منها جملةً متناهيةً، ثم أطبقنا إحدى الجملتين بالأخرى بحيث يكون مبدأ كلّ واحدةٍ من الجملتين واحدًا، فإن استمرتا إلى ما لا يتناهى كانت الجملة الناقصة مثل الزائدة، هذا خلف، وإن انقطعت الناقصة تناهت ويلزم تناهي الزائدة؛ لأنّ ما زاد على المتناهي بمقدار متناهٍ فهو متناهٍ» [50].
الدلیل الثاني: قال العلّامة الحلّيw في مناهج الیقین: «لوکانت الحرکاتُ غیرَ متناهیةٍ کان الیوم موقوفًا علی انقضاء ما لا یتناهی» [51].
کما في حدیث رسول اللهJ حیث استدلّ علی حدوث العالَم بثلاثة طرق[52]:
الأوّل: قال: «أو لستم تُشاهِدون الليل والنهار، وأحدهما بعد الآخر؟ فقالوا: نعم. فقال: أترونهما لم يزالا ولا يزالان؟ فقالوا: نعم. فقال: أفيجوز عندكم اجتماع الليل والنهار؟ فقالوا: لا. فقالJ: فإذًا منقطعٌ أحدهما عن الآخر، فيسبق أحدهما، ويكون الثاني جاريًا بعده. قالوا: كذلك هو. فقال: قد حكمتم بحدوث ما تقدّم من ليلٍ ونهارٍ لم تُشاهِدوهما، فلا تنكروا اللّه قدرته»[53].
الثاني: ثم قالJ: «أتقولون ما قبلكم من اللّيل والنّهار، متناهٍ أم غير متناهٍ؛ فإنْ قلتم إنّه غير متناهٍ فقد وصل إليكم آخر بلا نهاية لأوّله، وإنْ قلتم متناهٍ فقد كان ولا شيء منهما؟ قالوا: نعم. قال لهم: أقلتم إنّ العالَم قديمٌ غير محدَثٍ وأنتم عارفون بمعنى ما أقررتم به، وبمعنى ما جحدتموه؟ قالوا: نعم»[54].
الثالث: قال رسول اللّهJ : «فهذا الّذي تشاهدونه من الأشياء بعضها إلى بعضٍ يفتقر؛ لأنّه لا قوام للبعض إلّا بما يتّصل به، كما نرى البِناء محتاجًا بعض أجزائه إلى بعض، وإلّا لم يتَّسِق ولم يَستَحكم، وكذلك سائر ما نرى». وقال J: فإذا كان هذا المحتاج بعضه إلى بعض لقوّته وتمامه هو القديم، فأخبروني أن لو كان محدَثًا كيف كان يكون؟ وماذا كانت تكون صفته؟ قال: فَبُهِتُوا وعلموا أنّهم لا يجدون للمحدَث صفة يصفونه بها إلّا وهي موجودةٌ في هذا الذي زعموا أنّه قديم، فَوَجموا وقالوا: سَنَنْظُر في أمرنا»[55].
قال المحقّق الطوسيw: «إنّ كلّ واحدٍ من الحوادث على تقدير كونه مسبوقًا بما لا نهاية له يستحيل أن يوجد إلّا بعد انقضاء ما لا نهاية له من الحوادث حتّى يصل النوبة إليه، وانقضاء ما لا نهاية له محال. ويلزم منه أن يكون وجود كلّ حادثٍ يسبقه ما لا نهاية له من الحوادث، فيكون وجوده محالًا، ولكنّ الحوادث موجودة. فإذن كونها مسبوقةً بما لا نهاية له باطل»[56].
قال في أنوار الملکوت: «والمصنّف استدلّ على إبطال التسلسل مطلقًا بوجوه:
أحدها التطبيق وهو أنّ فرض جملة لا يتناهى من الآن الى الأزل، وأخرى من زمان الطوفان إليه، ثم أطبق إحدى الجملتين بالأخرى،...
وثانيها أنّ الحركات لو كانت غير متناهيةٍ لكانت حركة اليوم موقوفةً على انقضاء ما لا يتناهى، وانقضاء ما لا يتناهى بالافراد محال، أي كلّ فردٍ عقيب آخر، والموقوف على المستحيل يكون مستحيلًا.
وثالثًا أنّ حركات زحل أقلّ من حركات الشمس، وهي أقل من حركات القمر، وكلّ ما نقص عن غيره فهو متناهٍ.
لا يقال: ينقض هذا بمعلومات اللّه تعالى، ومقدوراته، فإنّهما غير متناهيين، وأحدهما أقلّ من الآخر، فثبت الحكم؛ لأنّا نقول: يعني قولنا أنّه لا يتناهى مقدورات اللّه ومعلوماته أنّه ما من فعلٍ يوجد إلّا وهو عالمٌ به وقادرٌ عليه»[57].
ولا یخفى أنّ الدلیل العقلي مقدّمٌ علی أدلّةٍ أخری بحسب الصّناعة العلمیّة، ولکنّ الغرض الباعث علی تألیف هذه الوجیزة، هو: طلب بعض الإخوان منّي الأخبار الدالة علی الأمر المهمّ الاعتقادي (کحدوث العالم وحدوث الإرادة) من کلام مولانا الرضا علیه آلاف التحیّة والثناء.
الفصل الرابع: دفع الشبهة
دفع وهم: فإن قیل: ما تقول في قولهم%: «یا دائم الفضل علی البریّة..»[58]. و«یا قدیم الإحسان..»[59] . و«یا قدیم الفضل..»[60]، ونحوها؛ فإنّ قِدَم الفضل والإحسان یستلزم قِدم العالَم؛ لأنّ الفضل والإحسان یقتضیان الشيء الذي یفضل ویحسن علیه.
قلنا: إنّ الآیات المتضافرة والأحاديث المتواترة التي أثبتنا بها حدوث العالم، تُعدّ من المحکمات وأنّ ما یخالفها یُعدّ من المتشابهات، وقد ثبت في محلّه لزوم إرجاع المتشابهات إلی المحکمات. ولا شبهة في أنّ المراد من القِدَم في هذه الأحاديث هو القِدَم الإضافي[61]، أي ما یقال للشيء الذي یکون حدوثه في زمانٍ متقدّمٍ بالنسبة إلی الشيء الآخر، أو ما له امتدادٌ وسابقةٌ طویلة. ولقد شاع استعمال لفظ القديم بهذا المعنى في الآيات والروايات کقوله: ﴿عاد کَالعُرجُونِ القدیم﴾[62]، و﴿قالوا تَاللهِ إنّكَ لَفي ضَلالِكَ القدیمِ﴾[63]، ولا شكَّ في أنّه لیس المراد من القدیم في هذه الموارد، القدیم الحقیقی بمعنی أنّه أزليّ لا ابتداء له. أو فقل: إنّ معنى القديم الإضافي أنّه تعالى كثير الإحسان والفضل.
قال الشیخ الصدوقw في باب أسماء الله تعالی من کتاب التوحید: "القديم: القديم معناه أنّه المتقدّم للأشياء كلّها، وكلّ متقدّمٍ لشيءٍ يسمّى قديمًا إذا بولغ في الوصف، ولكنّه سبحانه قديمٌ لنفسه بلا أوّل ولا نهاية، وسائر الأشياء لها أوّلٌ ونهايةٌ، ولم يكن لها هذا الاسم في بدئها؛ فهي قديمةٌ من وجه، ومُحدَثةٌ من وجه. وقد قيل: إنّ القديم معناه أنّه الموجود لم يزل. وإذا قيل لغيره (عزّ وجلّ) أنّه قديمٌ كان على المجاز؛ لأنّ غيره محدَثٌ ليس بقديم»[64].
وأمّا قولهA: «لم یزل سیّدي بالجود موصوفًا»، وقد أوضح الإمامA في الحدیث نفسه قبل هذه الأشعار، بل في البیت الثاني من الأشعار أیضًا، حیث تدلّ علی حدوث العالم، وهو قولهA: «كَانَ رَبًّا إِذْ لَا مَرْبُوبَ، وإِلَهًا إِذْ لَا مَأْلُوهَ، وعَالِمًا إِذْ لَا مَعْلُومَ، وسَمِيعًا إِذْ لَا مَسْمُوعَ»، ثُمَّ أَنْشَأَ يَقُولُ:
ولَمْ يَزَلْ سَيِّدِي بِالْحَمْدِ مَعْرُوفًا
ولَمْ يَزَلْ سَيِّدِي بِالْجُودِ مَوْصُوفًا
وكُنْتَ إِذْ لَيْسَ نُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ
ولَا ظَلَامَ عَلَى الْآفَاقِ مَعْكُوفًا
ورَبُّنَا بِخِلَافِ الْخَلْقِ كُلِّهِمْ
وكُلِّ مَا كَانَ فِي الْأَوْهَامِ مَوْصُوفا...[65]
وقد ظهر من ذلك کلّه أنّ المراد من القِدَم وما یشابهه في هذه الأحادیث هو القدیم الإضافي. وأيضًا قد ثبت في بحث تعارض النصّ والظاهر من علم الأصول لزوم تقديم النصّ على الظاهر فيما لو كان أحد الدّليلين قطعيًّا ونصًّا في أمر، وكان الدّليل المخالف ظاهرًا فيه.
وحينئذٍ فلا بدّ من التصرّف في ظاهر هذه الأحاديث وحملها على القِدَم العرفي والإضافي، أو طرحها إن لم يمكن توجيهها أو تأويلها؛ لأنّ الظهور لا يصادم البرهان.
وأضف إلى ذلك أنّ قولهA: «يا دائم الفضل على البريّة...». لا يثبت دوام البريّة، بل يثبت دوام الفضل على البريّة، ومعنى ذلك أنّ فضله على البريّة لم ينقطع في ما لو كانت البريّة موجودةً (فدوام الفضل علی الخلق إنّما هو بعد تحقّق الخلق)، فهو معنى إضافي لا حقيقي[66].
ویمکن أن یكون معناه: أنّ فضل الله تعالی أبديٌّ لا ینقطع، ولا نظر لها إلی الماضي وما في الأزل، بل هي ساکتة عنه، فلا تعارض الأحادیث المتواترة الصریحة في حدوث العالم.
إن قلت: وجود العالم جود، فلو كان حادثًا لكان اللّه تعالى تاركًا للجود. وبعبارةٍ أُخرى: إنّه تعالى فيّاضٌ وجوادٌ، وهو يقتضي قِدَم العالم، وإلّا يلزم انقطاع الفيض والجود.
قلت فيه:
أوّلًا: إذا ثبت أنّ وجود العالم في الأزل أمرٌ محال، فلا يحقّ لأحد أن يقول بأنّه تعالى تاركٌ للجود.
ثانيًا: أ) لو كان مقصود القائل من كونه تعالى (فيّاضًا وجوادًا)، هو نفي النّقص من ذاته وصفاته الكماليّة كقدرته وعلمه، فذلك أمرٌ مسلَّمٌ، ولا يلزم منه وجوب إيجاد العالم أزلًا؛ لأنّ الإيجاد متوقّفٌ على إرادة اللّه تعالى المستندة إليها الأشياء، وأنّه تعالى فاعلٌ مختارٌ إن شاء فعل وإن لم یشاء لم یفعل. ولا يخفى أنّ إرادته تعالى لم تتعلّق أزلًا إلى إيجاد العالم في الأزل؛ لأنّها من صفات الفعل، وهي حادثةٌ كما ورد في الأخبار الكثيرة.
ب) وإن كان مقصود القائل من کونه تعالی (فياضًا وجوادًا) أنّه تعالى كاملٌ بالذات، وعلّةٌ تامّةٌ لإيجاد العالم، وتخلّف العلة عن المعلول أمرٌ ممتنع، فقد أثبتنا بطلان هذا المبنى من أساسه في کتبنا الكلامیّة.
ثالثًا: إنّ الجود فعل؛ ولا يلزم من ترك الفعل اختيارًا نقص الذات.
رابعًا: إنّ المتبادر من لفظ (الجواد) هو أنّ الشخص الجواد هو من لا يبخل عن الجود إذا وجد مقتضيه، وإن لم يصدر الجود عنه بالفعل مطلقًا، والدليل على أنّ جواديّته تعالى لا تتوقّف على الإعطاء والبذل مضافًا إلى المعنى المتبادر منه بعض الأخبار. كرواية الصدوق بسنده عن أحمد بن سليمان قال: سأل رجل أبا الحسنA ـ وهو في الطواف ـ فقال له: أخبرني عن الجواد. فقال له: «إنّ لكلامك وجهين: فإن كنتَ تسأل عن المخلوق، فإنّ الجواد الذي يؤدّي ما افترض اللّه (عزّ وجلّ) عليه، والبخيل من بَخِلَ بما افترض اللّه عليه. وإن كنتَ تعني الخالق، فهو الجواد إن أعطى، وهو الجواد إن منع؛ لأنّه إن أعطى عبدًا أعطاه ما ليس له وإن منع منع ما ليس له»[67].
خامسًا: إنّ المعنى الذي ذكروه ـ وهو استلزام وجود الخالق تعالى وجود العالم رشحًا وفيضانًا بالوجوب الأزليّ ـ لا يكون كمالًا للخالق (جلّ وعلا)، بل لا يمكن نسبة نقصان أقبح منه إليه تعالى، بل الكمال اللائق بمقام قدسه تعالى هو انفراده ووحدانيّته تعالى بالقِدمَ والأزلية، فالأزليّة من الكمالات الذاتيّة للّه (عزّ وجلّ) كما ورد في الحديث: «كان اللّه ولم يكن معه شيء».
والحاصل، أنّ الذي دعاهم إلى التوجيهات والتأويلات الباطلة في معنى الحدوث والقِدَم، هو أمران: أولهما: توهّم لزوم انقطاع الفيض الأزلي عن الخالق (جلّ وعلا). ثانيهما: استحالة انفكاك العلّة عن المعلول.
ونقول: إنّ الحقّ عدم لزوم المحذورين في الفاعل المختار الذي كانت فاعليّته بالمشيّة والإرادة، ويكون بذاته المتعالية منزّهًا عن الاتّصاف بالزمان والمكان، والقبل والبعد، والتوليد والترشيح، والتطوّر والصدور والإصدار، والتجلّي والظهور. وأمثال هذه الصّفات الّتي هي خاصّة بالمخلوقات المحدودة المقداريّة والمتجزيّة؛ فلهذا لا بدّ من الالتزام بالحدوث بالمعنى الذي قد مرّ وهو إيجاد العالم بعد أن لم يكن بعديّة حقيقيّة.
الفصل الخامس: الأقوال
نشیر هنا إلی بعض الكلمات حتی نثبت أنّه لا خلاف بین المسلمین في أنّ ما سوی الله سبحانه وتعالی حادثٌ بمعنی مسبوقیّته بالعدم، وأنّ لوجوده ابتداء وأوّل، بل قد عُدّ ذلك من ضروریّات الدین.
قال الشیخ المفيدw: "القول بأنّ أشباحهم% قديمة فهو منكرٌ لا يطلق، والقديم في الحقيقة هو اللّه تعالى الواحد الذي لم يزل، وكلّ ما سواه محدَث، مبتدأ له أوّل، والقول بأنّهم لم يزالوا طاهرين قديمي الأشباح قبل آدم كالأوّل في الخطأ، ولا يقال لبشر إنّه لم يزل قديمًا»[68].
و قال: « إنّا غير مصحّحين لقدم الأنوار »[69].
وتلمیذه الکراجكي في كنز الفوائد[70]، والمحقّق الطوسي في الفصول[71]، وفي تجريد الاعتقاد[72]، وغیرهم أبطلوا القول بقدم العالم وعدّوه من المنکرات. والعلاّمة الحلّيH في کتبه[73] عدّ هذا القول مخالفًا لاجماع الملیّین. وسأل السیّد المهنّا عن العلّامة الحلّي: «ما يقول سيّدنا في من يعتقد التوحيد والعدل والنبوّة والإمامة لكنّه يقول بقِدَم العالم، ما يكون حكمه في الدّنيا والآخره؟ بيّن لنا ذلك، أدام اللّه سعدك وأهلك ضدك»، قال في جوابه: «من اعتقد قِدَم العالم فهو كافرٌ بلا خلاف؛ لأنّ الفارق بين المسلم والكافر ذلك، وحكمه في الآخرة حكم باقي الكفار بالإجماع»[74]. وقال المحقّق الفاضل مقداد في شرح الباب الحادی عشر: «لو كان [ الكلام] قديمًا لزم تعدّد القدماء وهو باطل؛ لأنّ القول بقِدَم غير اللّه كفرٌ بالإجماع، ولهذا كفرت النصارى لإثباتهم قِدَم الأُقنوم»[75].
قال القاضي سعيد القمّي – من أساطین الفلسفة والعرفان – في شرح الأربعين: «من ضروريّات المذهب المنسوب إليهم حدوث العالم، بمعنى كونه مسبوقًا بالعدم الصريح الذي هو غير العدم الذاتي الذي للممكن قبل وجوده، وحين وجوده... ومن أصولهم % المقرّرة عندهم ممّا لا مرية ولا تأويل يعتريه أمور: أوّلها حدوث الإرادة والمشيّة بمعنى كونهما عين الفعل... وكلّ من قال غير ذلك فقد ناقض مقتضى مذهبه، وعاند الأئمة الطاهرة في قوله....». إلی أن قال: «ليس في الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، ولا في السّنّة النبويّة وأخبار الأئمّة الطاهرة، ما يشعر بخلاف حدوث الإرادة كما هو غير خافٍ على أهل البصيرة».
وقال العلّامة المجلسيw: «اعلم أنّه لا خلاف بين المسلمين، بل جميع أرباب الملل في أنّ ما سوى الرّبّ سبحانه وصفاته الكماليّة كلّه حادثٌ بالمعنى الذي ذكرنا ولوجوده ابتداء، بل عدّ من ضروريات الدين»[76].
قال شیخنا الأنصاريw في فرائد الأصول: «إجماع جميع المليّين على حدوث العالم زمانًا»[77].
والشیخ محمد تقى الآملي - من الفلاسفة المتأخرین - بعد أن عدّ القول بحدوث العالم من ضروریّات الدین، بل المتّفق علیه بین أرباب الملل والشرایع، قال: «فلا ينبغي القناعة في المقام بالقول بحدوث العالم ذاتًا ـ بمعنى تأخّره عن العدم المجامع مع وجوده، كما عليه الحكماء ـ لأنّه مخالفٌ مع قول الملّيّين»[78].
قال آیة الله السیّد أحمد الخوانساری w: «إجماع الملّيّين على الحدوث الزماني لا الحدوث الذاتي ولا الحدوث الثابت من جهة الحركة الجوهريّة»[79]. وللوقوف علی أقوال الأعلام في بحث الحدوث، فلاحظ: «وجود العالم بعد العدم عند الإمامیّة»[80].
هذا آخر ما أردنا إیراده في هذه الرسالة المختصرة والحمد لله ربّ العالمین حمدًا کثیرًا علی کلّ حال، وعلی کلّ نعمةٍ کانت أو هي کائنة، وصلّی الله علی سیّدنا ونبیّنا محمّد وآله الطاهرین المعصومین ولا سیّما مولانا الغریب وسیّدنا الطرید وصاحبنا الفرید الوحید صاحب الزمان، حجّة بن الحسن العسکري عجّلَ اللهُ تعالی فَرَجَه الشریف، وسهّلَ اللهُ مخرجَه، وجعلنا من خیر أعوانه وأنصاره، ولعنة الله علی أعدائهم - الکفرة الفجرة -، ومخالفيهم وغاصبي حقوقهم، ومنکري فضائلهم ومناقبهم، ومدّعي شؤونهم ومراتبهم أجمعین من الآن إلی قیام یوم الدین.
[1] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي.1/105، حدیث 3، الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، التوحید، ص98، حدیث 5.
[2] الكافي، 1/442، الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، علل الشرایع، ص5.
[3] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، 3/307، وج 15/ 23.
[4] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، 1/441 حدیث 5.
[5] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، التوحید: 67، 187.
[6] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، 1/107.
[7] وأیضًا حدوث إرادته تعالی علی ما في کلامهA، المستلزم لحدوث العالَم بطریقٍ أولی؛ لأنّ فاعلیّته تعالی للعالَم بالمشیّة والإرادة، فإذا کانت الإرادة والمشیة حادثة، فما کانت موجودة بالإرادة والمشیّة أولی بالحدوث کما لا یخفی.
[8] قولهA: معجزة الصفة،... والمعجزة اسم فاعل من أعجزته بمعنى وجدته عاجزًا، أو جعلته عاجزًا، أو من أعجزه الشيء بمعنى فاته، وإضافتها إلى الصفة المراد بها القدم، من إضافة الصفة إلى الموصوف، وإنّما وصفها بالإعجاز؛ لأنّها تجدهم أوتجعلهم لنباهة شأنها، عاجزين عن إدراكهم كنهها، أو عن اتصافهم بها، أو عن إنكارهم لها، أو لأنها تفوتهم، وهم فاقدون لها. المجلسي، محمد باقر، مرآة العقول، 2/54.
[9] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، التوحید، 186 حدیث 2، الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، 1/120 حدیث 2.
[10] المجلسي، محمد باقر، مرآة العقول، 2/55.
[11] المصدر نفسه، 54/74.
[12] الاحتجاج: 405، بحار الأنوار: 10/344 حدیث 5.
[13] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، 54/36.
[14] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، التوحید، 34 – 41، حدیث 2، الطبرسي، أحمد بن علي،الاحتجاج، 399 – 400.
[15] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، 54 / 45.
[16] الصدوق، التوحید، 445 – 451، عیون الأخبار، 1/183 – 186.
[17] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، 54 / 58.
[18] الصدوق، التوحید، 430 – 435، عیون الأخبار، 1/169 – 172.
[19] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، 54/52 – 53.
[20] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، التوحید، 67، حدیث 20.
[21] متعلّق بالابتداع، أو به وبالفطر والإنشاء( آت).
[22] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، 1/105 حدیث 3، الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، التوحید، 98 حدیث 5.
[23] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، التوحید، 56 حدیث 14.
[24] هذه مقالة الأشاعرة في صفاته، تعالى عن ذلك علوًا كبيرًا.
[25] الصدوق، التوحید، 140 حدیث 3، عیون الأخبار، 1/119 حدیث 10.
[26] الشريف الرضي، محمد بن الحسين، نهج البلاغة، 233 خطبة 163.
[27] الصدوق، علل الشّرايع، 607 حديث81، المجلسي، بحار الأنوار 5 / 230.
[28] الكليني، الكافي، 8 / 94 حديث67، الصدوق، التوحيد، ص67، حديث20.
[29] الشريف الرضي، محمد بن الحسين، نهج البلاغة، 274، خطبة 186.
[30] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، التوحید: 445 – 451.
[31] المصدر نفسه، 186 حدیث 2.
[32] الشريف الرضي، محمد بن الحسين، نهج البلاغة، 273 – 274 خطبة 186.
[33] المصدر نفسه، 232 خطبة، 163.
[34] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، 8 / 94 حدیث 67.
[35] الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج، ص405.
[36] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، 1/ 81.
[37] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، 54 / 254 – 255.
[38] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، التوحید، 338 حدیث 5.
[39] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، 1/109 حدیث 1، الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، التوحید، 146 حدیث 15.
[40] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، 54/37 – 38.
[41] المحاضرات: 2/39.
[42] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، التوحید، 146 حدیث 15.
[43] المصدر نفسه، 147 حدیث 17.
[44] المصدر نفسه، 146، والكافي باب الإرادة وباب المشیّة والإرادة.
[45] المصدر نفسه، 148 حدیث 19.
[46] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، التوحید، 133 حدیث 17.
[47] المصدر نفسه، ص174.
[48] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، 1/ 106 حدیث 7، التوحید: 100 حدیث 8.
[49]- العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، مناهج الیقین، ص93.
[50]. العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، کشف المراد في شرح تجرید الاعتقاد، ص118.
[51]. العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، مناهج الیقین، 93.
[52] الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج، 1 / 25.
[53] الطريق الأول: «يُستدلّ بما يُشاهد من الليل والنهار واختلافهما وتقدّمهما وتأخّرهما؛ فكلّ شيئين موجودين إذا كان بينهما تقدّم وتأخّر، فلا بدّ أن يكونا حادثين؛ إذ لو كانا أزليين لكان كلّ منهما واقعاً في عرض الآخر (في رتبة واحدة). والتقدّم والتأخّر يستلزمان الأولية والآخرية، ومقتضى كونهما أولاً وآخراً أن يكون لهما بداية. فمثلاً، لو كان الإنسان والنبات -وهما موجودان حقيقيان في العالم- أحدهما متقدّماً على الآخر، وجب أن يكون أحدهما أولاً والآخر آخراً، ولا بدّ أن يكون الآخر موجوداً بعد الأول. ولو كانا أزليين، لكان كلّ منهما في عرض الآخر، ولما وُجد بينهما تقدّم ولا تأخّر.»
الطريق الثاني: «إنّ الحادث اليومي والأمر المتجدد، إذا كان متناهياً من حيث المبدأ، فهو مسبوق بالعدم. وإن كان غير متناهٍ، لزم أن يتّصف الحادث بالآخرية دون أن يتّصف بالأولية، مع أنّ الآخرية والأولية من الأمور التي بينها تضايف، وتحقّق أحد المتضايفين دون الآخر محال، تماماً كالتقدّم والتأخّر.»
[54] الطريق الثاني: «إنّ الحادث اليومي والأمر المتجدد، إذا كان متناهياً من حيث المبدأ، فهو مسبوق بالعدم. وإن كان غير متناهٍ، لزم أن يتّصف الحادث بالآخرية دون أن يتّصف بالأولية، مع أنّ الآخرية والأولية من الأمور التي بينها تضايف، وتحقّق أحد المتضايفين دون الآخر محال، تماماً كالتقدّم والتأخّر.»
[55] الطبرسي، أحمد بن علي، الاحتجاج: 25، تفسير الإمامA: 535، المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، 9 / 261، و ج 54 / 68.
الطريق الثالث من الاستدلال: «في هذا البيان تذكيرٌ بأوصاف القديم والحادث. ففي الحديث المذكور، أثبت الإمامA الحدوث؛ لأنّ ما يُرى في العالم وأجزائه هو في تغيّر وتبدّل وزوال وفناء واحتياج دائم بعضه إلى بعض. ولو تأمّل الإنسان العاقل في العالم وأجزائه، لرأى آثار الاحتياج والعدم والفناء ظاهرة وبادية عليه من أقصاه إلى أدناه. فإذا كان هذا العالم -بهذه الآثار والأوصاف- قديماً، فأي شيء إذاً ستكون صفات الحادث وآثاره؟ وبعد التأمل، سيعترف المرء بأنّ العالم حادثٌ ومُدبَّر ومصنوع. ولهذا السبب، تأمّل المحاجِجون [في كلام الإمام] ولم يجدوا جواباً، فطلبوا مهلةً لذلك.»
[56] الطوسي، نصير الدين، رسائل خواجه نصير الدين طوسى، ص442.
[57] العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، أنوار الملكوت في شرح الياقوت، 35.
[58] الكفعمي، إبراهيم بن علي، الالمصباح، 647 الفصل السادس والأربعون فیما یعمل فی شهر شوّال.
[59] الطوسي، محمد بن الحسن، مصباح المتهجّد: 585، الكفعمي، إبراهيم بن علي، مصباح، 295، 591.
[60] الكفعمي، إبراهيم بن علي، البلد الأمین، 405، الكفعمي، مصباح المتهجد، ص251.
[61] لا الحقیقي.
[62] سوره یس: 39.
[63] یوسف: 95.
[64] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، التوحید: 209 باب 29 أسماء الله تعالی حدیث 9.
[65] المصدر نفسه، ص309.
[66] وجود العالم بعد العدم عند الإماميّة: 104.
[67] الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، التوحيد: 373 حديث 16، الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي 4/39 حديث 1.
[68] المفيد، محمد بن محمد، المسائل العكبريّة: 27، م6 من مصنّفات المفيد w.
[69] المصدر نفسه، 30.
[70] الكراجكي، محمد بن علي،كنز الفوائد، 1 / 33 و41.
[71] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار: 54 / 245، طبع بيروت.
[72] العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، كشف المراد، 217، طبع مصطفوى.
[73] شرح التجريد، 57؛ العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، نهاية المرام في علم الكلام، 3 / 4، العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، كتاب الاعتقاد في شرح واجب الاعتقاد، ص47. وفي شرح الياقوت کما فی بحار الأنوار: 54 / 248.
[74] العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، أجوبة المهنّائية، ص88 - 89.
[75] العلامة الحلي، الحسن بن يوسف، شرح الباب الحادي عشر، ص30.
[76] بحار الأنوار: 54 / 238. فلاحظ: مرآة العقول: 1 / 235، الاعتقادات: 24، حق اليقين: 30، الباب الثانی، المبحث الثامن، الطبع الجدید. عين الحيوة، الاصل الرابع: 1 / 105.
[77] فرائد الأصول: 11.
[78] درر الفوائد، تعليقة على شرح المنظومة: 261.
[79] المظفر، محمد رضا، عقائد الإمامية، ص166.
[80] وجود العالم بعد العدم عند الإمامیة: 15 – 48.