الباحث : الأستاذ علي الصافي الإصفهاني
اسم المجلة : العقيدة
العدد : 39
السنة : صيف 2026م / 1447هـ
تاريخ إضافة البحث : June / 2 / 2026
عدد زيارات البحث : 45
الملخّص
يهدف هذا البحث الموجز إلى تحليل شطرٍ من المعارف الكلاميّة عند الإمام جعفر الصادقA استنادًا إلى وصاياه وتعاليمه القيّمة، التي تُعدّ من أبرز تجليات علومه الكاملة، وفيوضه المتكاملة، وآثاره الخالدة، ومآثره الباقية. وذلك في سياق الحديث المستفيض عن شخصيّة الإمام الصادقA ومكانته السامية، الذي يعترف بعمقها واتّساعها حتى الخصوم والمخالفون، حيث عجز عن وصفه الواصفون، وتحيّر في فضائله وسعة علومه الأوّلون والآخرون، وتخرّج في مدرسته الأجلّاء، وامتلأت الصحف والأوراق بشرح يسيرٍ من بحار فضائله ومقاماته.
يسعى البحث إلى إبراز أهميّة الكلام والعقيدة في فكر الإمام الصادق A، مع التركيز على جوانب مختلفة.
الكلمات المفتاحيّة:
الإمام الصادقA، الكلام، المناظرات الكلاميّة، الوصايا.
مقدّمة
الحديث حول الإمام جعفر بن محمد الصادقA بعيد المدى، وواسع النطاق، وقد عجز عن وصفه الواصفون، وتحيّر في فضائله وسعة علومه الأولون والآخرون. وما نقول في مدح إمامٍ مدحه الأعداء، وتخرّج في مدرسته الأجلاء، وامتلأت الصحف والأوراق بشرح یسيرٍ من بحار فضائله و مقاماته.
نقول مقدمةً، لا يخفى أنّ علم الكلام علم المعارف والعقائد، وهو المتكفّل لبيان معتقدات الإنسان، وما يبني عليه عقائده القلبيّة قبل الدخول إلى مرحلة العمل بالأركان، إذ لا عمل إلّا بنيةٍ، ولا اعتبار بالعمل من دون الاعتقاد والعقد القلبي. فالعقيدة هي بناءٌ لكلّ عملٍ عباديّ، وغير عباديّ، ولعلّه إلى هذا يشير قوله - سبحانه: ﴿إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ﴾ [1]، ومعناه - حسب ما نفهم - أنّ قيمة عملِ كلّ عاملٍ باعتبار ما ورائه من العقيدة الراسخة والثابتة التي هو عليها، ويعمل على وفقها، وهي الداعية المحركة نحو العمل.
وقد يسمّی هذا العلم بعلم العقائد والمعارف، ويطلق عليه أيضًا (الفقه الأكبر)؛ لأنّ علم الكلام بمنزلة أمٍّ لعلم الفقه، والركن الأساس للمكلّف، فإنّه لولا العقيدة لم يوجد عمل؛ ولذلك قُدِّم علمُ الكلام على علم الفقه رتبةً.
علل تطوّر الأبحاث الکلامیّة في عصر الإمام الصادقA
العلل والأسباب التي أوجبت وأحدثت الآراء المتفاوتة والأفكار المختلفة والمتشتّته في الإسلام بعد وفاة الرسولJ أمور:
الأول: غصب الخلافة عن أهل بيت العصمة A، ومصادرة مقاماتهم الدينيّة والسياسيّة، وشؤونهم الاجتماعيّة، وعزلهم عن المجتمع، ومنع الناس من الرجوع إليهم، والأخذ عنهم، والاستفادة منهم، وإجراء سياسة منع نقل الحديث وكتابته وتقييد العلم.
الثاني: جهل الخلفاء الغاصبين بالأحكام، والإجابة بما يصدر من عند أنفسهم بغير الحقّ، والقول بغير ما أنزل الله تعالى.
الثالث: حدوث المذاهب المختلفة، والآراء المتكاثرة والمتضاربة، وإجابة المسائل الحديثة والمستحدثة بالظنون والاستحسانات، والقياس والفتاوى الباطلة، والقول بغير علم.
الرابع: قصة الفتوحات، وإیجاد العلقة السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصادية مع البلاد المختلفة، والاختلاط بثقافاتهم وأفكارهم؛ وتسببّ ذلك بتشعّب الآراء في العالم الاسلامي، وتطوّر علم الكلام، والبحث والمناظرات والمجادلات، والأسئلة والإجوبة
الخامس: وضع الخلفاء الأولين وخلفاء الدولة الأمويّة والعبّاسيّة في قبال أهل البيت% بشكلٍ تامٍ في جميع المسائل الشرعيّة وغيرها، واهتمامهم بمخالفة مع الأئمّة المعصومین (صلوات الله عليهم) في جميع الأمور والمسائل، فكانوا مهتمّين بالعمل على خلاف ما كان يقول أمير المؤمنين A، ويعمل؛ لذلك نری أنّ فقهاء العامّة يفتون بخلاف حكم أمير المؤمنينA وفقهه، كما حكموا ببطلان نكاح الوكيل المعزول الذي لا يعلم بعزله، وقد حكم أمير المؤمنينA بصحته في رواية علاء بن سيّابة[2] في بحث البيع الفضولي. «روی محمّد بن مسلم عن الإمام الباقرA: «لَيْسَ عِنْدَ أَحَدٍ مِنَ اَلنَّاسِ حَقٌّ وَلاَ صَوَابٌ، وَلاَ أَحَدٌ مِنَ اَلنَّاسِ يَقْضِي بِقَضَاءِ حَقٍّ إِلاَّ مَا خَرَجَ مِنَّا أَهْلَ اَلْبَيْتِ، فَإِذَا تَشَعَّبَتْ بِهِمُ اَلْأُمُورُ كَانَ اَلْخَطَاءُ مِنْهُمْ وَاَلصَّوَابُ مِنْ قِبَلِ عَلِيٍّ (عَلَيْهِ اَلسَّلاَمُ)» [3].
وقال الإمام محمد الباقرA لسلمة بن كهيل والحكم بن عتيبة: «شَرِّقَا وَغَرِّبَا فَلَا تَجِدَانِ عِلْمًا صَحِيحًا إِلَّا شَيْئًا خَرَجَ مِنْ عِنْدِنَا أَهْلَ الْبَيْتِ» [4].
أمير المؤمنين A والبحوث الكلاميّة
إنّ أوّل من تصدّى للبحوث الكلاميّة والمناظرات والمجادلة بالتي هي أحسن هو أمير المؤمنين علي بن أبي طالبA، إذ تصدّى لإيراد الخطب العلميّة والمناظرات والمباحثات والمكتوبات، وبيّن المعارف، وأوضح الحقّ على أساس الاستدلال القويم، والصراط المستقيم، والأدلة العقلائيّة المقبولة، وما يرتبط بمسائل الذات والصفات، ومسألة القدم والحدوث، والبساطة والتركيب، والوحدة والكثرة، ومسألة النبوة والخلافة والإمامة، كما ورد في زيارة الأميرA يوم الغدير: «أَنْتَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، وَصَلَّى لَهُ وَجَاهَدَ، وَأَبْدى صَفْحَتَهُ فِي دَارِ الشِّرْكِ، وَالْأَرْضُ مَشْحُونَةٌ ضَلالَةً، وَالشَّيْطَانُ يُعْبَدُ جَهْرَةً»[5].
ثم قالA عن نفسه المقدّسة: «إنّي لَعَلَیَ الطَّریقِ الوَاضحِ ألْفُظُهُ لَفظًا»[6]. وهذا الوضوح والصراحة مطلق بمعنى الوضوح والظهور في عمله وفي كلماته وخطبه، بحيث لم يكن أمره مشتبهًا على أحد، وإنّما خالفه من خالفه طمعًا وحسدًا وعنادًا، كيف وقد شهد بفضله الأعداء، وهذا الأمر من اختصاصاته (صلوات الله عليه) حيث جعله الله - سبحانه - واضح المقصد، مُبيَّن الأمر، مقبول الجهات، وهذا هو معنى قول الإمام علي الهاديA في زيارة الغدير مخاطبًا جده أمير المؤمنينA: «وَأَلْزَمَ أَعْدَاءَكَ الْحُجَّةَ بِقَتْلِهِمْ إِيَّاكَ، لِتَكُونَ الْحُجَّةُ لَكَ عَلَيْهِمْ، مَعَ مَا لَكَ مِنَ الْحُجَجِ الْبَالِغَةِ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ»[7]. وشرح هذه العبارة من الزيارة الشريفة يحتاج إلى مزيد بيانٍ وبسط لسانٍ، ليس ههنا محلّه ولا مجاله.
والدليل على وضوح الحق عند أمير المؤمنين A هو ما بیّنه الإمام الهاديA في زيارة الغدير: «فَمَا تَنَاقَضَتْ أَفْعَالُكَ، وَلا اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُكَ، وَلا تَقَلَّبَتْ أَحْوَالُكَ»[8]. وهذا حقيقة الصدّيق الأكبر حيث يُصدق قولُه فعلَه، وفعلُهُ قولَه، وأبان الحق «مولاي أنت الحجّة البالغة، والمحجّة الواضحة، والنعمة السابغة، والبرهان المنير»[9]
البحوث الكلاميّة حول مسألة الإمامة
أصبحت المسائل العلميّة والمطالب العقليّة ذات اختلافٍ كثيرٍ في الاسلام بعد النبيّ الأعظمJ، منها البحث حول الذات والصفات، والحدوث والقدِم، والجبر والتفويض، وكيفيّة الخلق، والبساطة والتركيب، والعلم والجهل، وعصمة الأنبياء وغيرها، لكن الذي يبدو أنّ أهم المسائل الكلاميّة التي وقع فيه اختلافٌ عظيمٌ، وأقيمت لها الحروب، وسفكت بها الدماء مسألة الإمامة والخلافة، والتصدّي لأمر الأمّة بعد رسول اللهJ.
ظهور الخوارج: والاختلاف العمدة في الإمامة ما جرى في وقعة صفين في سنة ٣٧ من الهجرة حيث آل الأمر إلى الحكمية، ووافقوا على رأي أبي موسى الأشعري، وعمرو بن العاص، ولم يكن أمير المؤمنينA راضيًا بذلك فأجبروه عليه كرهًا، ثم ظهر من بعد ذلك فتنة الخوارج فخالفوا أمير المؤمنينA مدعين أنّه خالف حكم الكتاب، فأحدثوا مذهبًا جديدًا بآراء فاسدةٍ منحرفةٍ، وذهبوا إلى كفر من يرتكب الذنوب الكبائر، وهدر دمه.
ظهور المعتزلة: من بعد حدوث فتنة الخوارج قام الحسن البصري بمخالفتهم، وطرح الأبحاث الکلامیّة وذهب إلى عدم كفر من يرتكب الكبائر، وأنّه مؤمنٌ فاسقٌ ومنافق. ثم خالفه تلميذه واصل بن عطا، واعتزل عن مجلس درسه، وقال بأنّ مرتكب الكبائر ليس بمؤمنٍ ولا كافر، بل هو فاسق، وجعل الفسق منزلةً ثالثة بين المنزلتين وأسّس المذهب المعتزلي
ظهور الاشاعره: وأبو الحسن الأشعري البصري وهو تلميذ أبي علي الجبائي بعد لقائه مع أحمد بن حنبل، والأخذ منه انقلب وتبدّل رأيه، وخالف مذهب الاعتزال بعد ما كان من متابعيه طوال أربعين سنة، وأسس المذهب الأشعري، وذهب إلى آراء خاصّة في المسائل الكلامّية ذات أهميّةٍ كبيرةٍ، كمسألة القضاء والقدر، ومسألة الجبر والاختيار، وحقيقة العدل والظلم، ومسألة الحسن والقبح. وتولّدت منه مذاهب أخرى كالجبريّة والقدريّة.
بنو أميّة ومسألة الجبر: قام الأمويّون بعد الوصول إلى السلطة بتحريف المعارف والعقائد، ونشر ما هو خلاف مذهب أهل بيت النبيّ (صلّى الله علیه وآله) بين المسلمين، ومن ذلك مسألة الجبر، حيث إنّ الأمويين بغرض التوجيه والدفاع عن ظلمهم، وسفكهم الدماء، ونهبهم الأموال، وهتكهم الأعراض قاموا بتحكيم عقيدة الجبر الفاسدة، فروّجوا لمقولة أنّ كلّ ما يكون ويصدر من العبد، هو بإرادة الله تعالى، بلا تدّخل من العبد فيه.
وإنّ يزيد بن معاوية يصرّح بأنّ خلافته أمرٌ أراده الله تعالى له، وأنّ قتل الحسين (صلوات الله علیه)، كان أمرًا مقدرًا أراده الله سبحانه، ولم يكن باختيارٍ من يزيد. كما أنّ ابن زياد لما نظر إلى الإمام عليّ السجّادA وسأل عنه، وقيل له هذا عليّ بن الحسين، قال: أليس قد قتل اللهُ عليّ بن الحسين؟! [10] وقام بإسناد الفعل إلى الله تعالی لتبرئة نفسه.
فأجابه الإمام زين العابدينA: «كان لي أخٌ يُدعى عليّ بن الحسين، قتله الناس» [11]. قال ابن زياد: بل قتله الله. فأجابه الإمامA: «اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا» [12].
وهنا بحثٌ لطيفٌ: لماذا أجابه الإمام السجاد A، والحال أنّ ابن زياد لم يخاطب الإمام، وإنّما سأل أصحابه. الجواب أنّ الإمام A لما رأى هذا الفكر المنحرف من ابن زياد، وأنّ هذا الطاغیة يريد إضلال الناس بكلامه السخيف أجابه حتى يَرُدُّ عليه كلامه، ويجيبه ببرهانٍ جليّ من الكتاب، وهذا بحثٌ كلاميٌّ من الإمام زين العابدينA بشكلٍ غير مباشر، استنادًا إلى القرآن العظيم. وقد فهم ذلك ابن زياد فَعَلِم عجزَه عن التكلّم مع الإمامA في هذا البحث الكلامي؛ ولذلك غضب وقال: «أَبِكَ جرأة على ردّ كلامي؟!»، وأمر بقتل الإمام السجّادA لولا العقيلة زينب الكبرى$ حيث دافعت عن ابن أخيها، وألقت بنفسها عليه دفاعًا عنه (صلوات الله عليه).
دور الإمام الصادق A في المناظرات الكلاميّة
لما بلغ الأمر إلى عصر الإمام الصادقA حصل التطوّر في علم الكلام، واتّسعت دائرة المباحث الكلاميّة، وجاء دور المناظرات والمباحثات، وانقلب العصر إلى عصر المحادثات، وظهور الأسئلة والأجوبة، والمذاهب الكثيرة، والآراء العجيبة.
ولکنَّ مدرستي المعتزلة والأشاعرة في هذا العصر بلغا إلى ما بلغا من الجلاء والظهور والسيطرة على الأجواء العلميّة، وأصبحا أهم المدراس الفكريّة الإسلاميّة، فما من عالمٍ أو باحثٍ إلّا وكان معتزليًّا أو أشعريًّا، وهاتان المدرستان كان لهما الدور الأساس في المجالات العلميّة آنذاك، وبلغا ذروة الكمال في عصر الإمام الصادقA، وإن لم يبلغا إلى مستوى المدرسة الكلاميّة الشيعيّة.
شروط المناظرة الكلامية عند الإمام الصادقA
تدلّ الروايات الشريفة أنّ للمناظرة الكلاميّة شروطًا يلزم أن يكون الباحث الكلاميّ جامعًا لها، وهي:
أن يكون عارفًا بمذهب أهل البيت%، وعالمًا بروايتهم وكلماتهم؛ حتى يبني في مباحثاته على الحجّة الشرعيّة والمباني المنصوصة.
أن يكون خبيرًا بفنّ البحث والكلام وأساليب المناظرة؛ حتى لا يصير محجوجًا أو مغلوبًا، وليعرف كيف يطير إذا وقع.
أن لا يخالف الحقّ إطلاقًا خوفًا من غلبة الخصم، ويعرف كيف يستدلّ حتى لا يخاصمه الخصم بما يلزم عليه قبوله.
أن يتجنّب الجدال والمراء، ورفع الصوت والنزاع.
نموذج من مناظرة الإمام الصادقA الكلاميّة
«عن يونس بن يعقوب قال: كنت عند أبي عبداللهA فورد عليه رجلٌ من أهل الشام، فقال: إنّي رجلٌ صاحب كلامٍ وفقهٍ وفرائض، وقد جئتُ لمناظرةِ أصحابِك.
فقال أبو عبد الله A: كلامك من كلام رسول اللهJ، أو من عندك؟
فقال: من كلام رسول اللهJ ومن عندي.
فقال أبو عبد الله A: فأنت إذًا شريك رسول اللهJ؟ قال: لا.
قالA: فسمعت الوحي عن الله (عزَّ وجلَّ) يخبرك؟ قال: لا.
قالA: فتجب طاعتك كما تجب طاعة رسول اللهJ؟ قال: لا.
فالتفت أبو عبد الله A إليّ، فقال: يا يونس بن يعقوب، هذا قد خصمَ نفسَه قبل أن يتكلّم.
قلت: جعلت فداك إنّي سمعت تنهى عن الكلام، وتقول: ويلٌ لأصحاب الكلام ...
فقال أبو عبد الله A إنّما قلت: فويل لهم إن تركوا ما أقول، وذهبوا إلى ما يريدون.
ثم قال: أخُرُج إلى الباب فانظر من ترى من المتكلّمين فأدخِله.
قال: فأدخلت حمران بن أعين، والأحول، وهشام بن سالم، وقيس بن الماصر، وكان عندي أحسنهم كلامًا، وكان قد تعلّم الكلام من علي بن الحسينA، فلمّا استقرّ بنا المجلس – وكان أبو عبد الله A قبل الحج يستقّر أيامًا في جبلٍ في طرف الحرم في فازةٍ له[13] - فأخرج أبو عبد اللهA رأسه من فازته، فقال: هشام، وربِّ الكعبة. فورد هشام بن الحكم»[14].
والمستفاد من هذه المباحثة الكلاميّة نكات:
الأولى: أنّ الإمام الصادقA سأل الخصم عن مصدر كلامه، ومبدأ آرائه، وهذا يكشف عن أنّه يلزم في البحث الكلامي أن يكون مبنى الباحث معلومًا، وأنّه من أين يتكلّم، وعلامَ يستند؟ لكي يمكن إلزامه وإفحامه.
الثانية: بيَّن الإمامA ملازمةً عقليّةً بين الشركة مع رسول اللهJ، وبين أن يكون له كلامٌ من نفسه، وكلامٌ من النبيّJ، وبين وجوب طاعة النبيّJ، ووجوب طاعة صاحب الكلام، فأفسد الإمامA علی الخصم جميع مبانيه قبل الورود في جزئيّات الموضوع.
وروي أیضًا أنّه: «ذكر عند الصادقA: الجدال في الدين، وأن رسول اللهJ والأئمّة المعصومينA قد نهوا عنه. فقال الصادقA: «لم يَنْهَ عنه مطلقًا؛ لكنّه نهى عن الجدال بغير التي هي أحسن، أما تسمعون الله يقول: ﴿وَلَا تُجَٰدِلُوٓاْ أَهلَ ٱلكِتَٰبِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحسَنُ﴾ [15]، وقوله تعالى: ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [16].
فالجدال بالتي هي أحسن قد قرنه العلماء بالدين، والجدال بغير التي هي أحسن محرّم حرّمه الله تعالى على شيعتنا، وكيف يحرّم الله الجدال جملة، وهو يقول: ﴿وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَىٰ﴾[17] وقال الله تعالى: ﴿تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾[18]، فجعل علم الصدق والإيمان بالبرهان، وهل يؤتى بالبرهان إلّا الجدال بالتي هي أحسن.
قيل: يا ابن رسول الله فما الجدال بالتي هي أحسن، والتي ليست بأحسن؟
قال: أمّا الجدال بغير التي هي أحسن أن تجادل مبطلًا، فيورد عليك باطلًا، فلا ترّده بحجةٍ قد نصبها الله تعالى، ولكن تجحد قوله، أو تجحد حقًّا يريد ذلك المبطل أن يعين به باطله، فتجحد ذلك الحق مخافة أن يكون له عليك حجّة؛ لأنّك لا تدري كيف المخلص منه، فذلك حرامٌ على شيعتنا أن يصيروا فتنةً على ضعفاء إخوانهم، وعلى المبطلين... وأما الجدال بالتي هي أحسن فهو ما أمر الله تعالى به نبيّه أن يجادل به من جحد البعث بعد الموت وإحياءه له...»[19].
بيّن الإمام الصادقA الطريقة المرضية والسبيل الشرعيّة في البحث والجدال الکلامي ونهى عن أمرين في البحث الكلامي:
الاستناد إلى ما ليس بحجّةٍ شرعيّةٍ بغاية دفع الخصم بأيّ طريقٍ ممكن.
ردّ الكلام الحقّ الذي استدلّ به الخصم خوفًا من غلبته. فإنّ ذلك يؤدّي إلى إيقاع الفتنة بين أهلّ الحق. ونرى أنّ تلميذ الإمام الصادقA وخريح مدرسته الكلاميّة العليا هشام بن حکم - الباحث الكلامي المعروف - يناظر ويباحث على هذا المنهج الصحيح والمهناج الصريح، ويستدلّ بما هو المقبول عرفًا وشرعًا وعقلًا، وهكذا كانت تربية الإمام جعفر بن محمد A لتلاميذه.
هشام بن الحکم ومنزلته العلمیّة والمعرفیّة عند الإمام الصادقA
هشام بن الحکم من أفضل تلامیذ مدرسة الإمام الصادقA، وکان من کبار الأعلام، ومن أعاظم أئمّة الكلام، ومن خاصّة أصحاب الإمام أبي الحسن موسی بن جعفرA، وکان جامعًا للعلوم العقلیّة والنقلیة، سریع الفهم، مرتجل الجواب، حسن البیان، من أکبر علماء عصره في علم الكلام ومعرفة العقائد.
غضب هارون الرشید منه بسبب اعتقاده بولایة أهل البیتA، وقوّة مناظراته، فأمر بمطاردته والفتك به، لذلك هرب إلی الكوفة، وبقي هناك حتی توفي بسبب مرضٍ ودُفنَ فیها سنة 179 هـ. قال الإمام الرضاA: «رحمَ اللهُ هشامَ بن الحکم؛ کان ناصرًا لنا بلسانه وقلبه ویده» [20].
ولمّا كان هشام عالمًا ومناظرًا کان یسعی للحصول علی الأجوبة للأسئلة التي توجّه له، فيقصد الإمام الصادقA لأجل ذلك، والإمام A کان یجیبه بسعة صدرٍ، والشاهد فی ذلك القصة الآتية: جاء ابن أبي العوجاء ـ وهو أحد المحلدين وممن يثير الشبهات على الإسلام ـ وسأل عن تعدّد الزوجات، وقال مستهزئًا: یقول الله فی کتابکم ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَىٰ وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ [21]. وأیضًا وردت في آیةٍ أخری: ﴿وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ﴾ [22]، فکیف یمکن الجمع بین هذه الآیات؟ وذلك بالنظر إلی الآیة الثانیة نفهم أنّ التعدّد ممنوعٌ؛ لأنّه مشروطٌ بالعدل، واذا کان العدل غیر ممكنٍ، وخارج عن الاستطاعة؛ فالتعدد حرامٌ فی الإسلام. وهشام حینئذٍ کان ساکتًا، ولم یجبه، فقصد المدینة ليسأل الإمام الصادقA، عن جوابٍ لشبهة ابن أبي العوجاء، وسأل ما المقصود بالعدل هنا؟
فأجابهA: المقصود بالعدل في الآیة الأولی هو في النفقة والمعاشرة والحقوق الزوجیّة، وهذا لیس بخارج عن الاستطاعة، وأمّا الآیة الثانیة (و لن تستطیعوا)، فهي تتحدّث عن العدل في المودّة القلبیّة، وهي خارجة عن القدرة والاستطاعة، فبالتالي التعدّد فی الزواج لیس حرامًا في الإسلام، بل جائز بشروطٍ معینّة. فلما قدم هشام بهذا الجواب على ابن أبي العوجا، وأخبره، قال: والله ما هذا من عندك!
فكانت أسئلته وأجوبته نموذجًا للتوحید الصادق، والاستدلالات العلمیّة الكلامیّة. وتفصیل هذا البحث في کتاب التوحید الصدوق، وکتاب علل الشرایع فراجع.
نموذج من کلمات الأئمّة المعصومین في تکریم هشام بن الحکم، ومکانته الرفیعة
کان الإمام الصادقA في یومٍ من الأیام جالسًا مع جمعٍ من أصحابه، وعندما جاء هشام وکان ما یزال شابًا، تقدّم نحوه الإمام، وأجلسه إلی جانبه في صدر المجلس، وأبدی له ابتسامةً واهتمامًا خاصًّا. حتی أنّ وجوه الحاضرین تغیرّت من شدّة الدهشة. وکان هذا التصرّف من الإمام دلیلًا ناصعًا علی المکانة العلمیة العظیمة لهشام بن الحكم. فقال الإمامA: «هذا ناصِرَنا بِقَلْبِهِ وَلِسانِهِ وَیَدِهِ»[23].
ثم سأل الإمام هشامًا عن بعض الأمور العقائدیة، فکان هشام یجیب باقناعٍ ویقینٍ. فَقَالَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ A «أَحْسَنْتَ يَا هِشَامُ، مَا أَحْسَنَ بَيَانَكَ حَتَّى كَأَنَّكَ قَدْ شَهِدْتَ وَحَضَرْتَ. قَالَ: يَا ابْنَ رَسُولِ اللَّهِ، وَاللَّهِ مَا تَلَقَّيْتُ هَذَا إِلَّا مِنْكَ» [24]. ثم سأل الامامA الحاضرین: هل یوجد فیكم من یستطیع الردّ علی شبهاتِ أعدائِنا کما یفعل هشام؟
فقال هشام: نعم، أفهم الأمورَ بعمقٍ وأرُدُّ علی الأعداءِ بدّقةٍ. فقال الإمامA: «ثبّتك الله یا هشام إنّ الله قد هداك في هذا الطریق، واستَفَدتَ من هذا الهدی». ویقول هشام بعد ذلك ما دفعتُ في موضعٍ مناظرة عن التوحید إلّا وخرجتُ منتصرًا، ولم یکسُرني أحدٌ في البحث عن معرفة الله والتوحید.
وأیضًا في یوم من الأیام توجّه الإمام الصادقA إلی هشام، وکان ذلك بحضور طلابٍ، وقال له: یا هشام، فی إحدی خطب رسول اللهJ قال لحسّان بن ثابت الأنصاري (الشاعر): «لاتزال مؤيّدًا بروح القدس ما نصرتنا بلسانك» [25].
وقال الإمام الصادقA في حدیث: «مَا نَصَرَنَا أَحَدٌ مِثْلَ هِشَامِ بن الْحَكَمِ؛ لَقَدْ كَانَ يُذِيبُ الشَّبُهَاتِ بِکلامِهِ كَمَا يُذِيبُ الْمِلْح فِي الْمَاءِ» [26].
وفي رجال الکشّي فی روایة: قال سألت أبا الحسن الرضاA عن هشام بن الحکم قال: «فقال رحمه الله کان عبدًا ناصحًا، وأُوذي من قبل أصحابه حسدًا منهم له» [27].
هشام بن الحکم ومناظراته العلميّة
کان هشام بن الحکم بالإضافة إلی ذکائه اللامع ومعرفته الواسعة، صاحب بیانٍ قوي، ولهجةٍ صریحةٍ، وشجاعًا في المناظرة، وکان یستخدم هذه النعمة الإلهیّة فی مناظراته مع العلماء والمحاججين من المخالفين، وکان الصادقA یُعجَبُ بأسلوب المناظرة والبیان عند الهشام ویثني علیه دائمًا.
وفي أحد الأیام قال لهA: «یاهشام أحبكَ؛ لِأَنَّكَ تُدَافِعُ عَنَّا بِلِسَانِكَ، كَمَا يُدَافِعُ النَّاسُ عَنْ أحِبَّائِهِمْ بَيْنَ الْخُصُومِ» [28]. وکان یقول: إنّ طریقة استدلالِ هشام تشبهُ طریقةَ استدلالِ النبيّ إبراهیم، والنبیّ وموسیA [29].
وأیضًا قالA: «هشام بن الحكم رائد حقّنا، وسائق قولنا، المؤيّد لصدقنا، والدامغ لباطل أعدائنا، من تبعه وتبع أثره تبعنا، ومن خالفه وألحد فيه، فقد عادانا وألحد فينا» [30].
قال الشیخ المفیدw: "ما وردّ ذمٌ فیه". والعلّامة آیة الله العظمی السیّد الخوئيw ذکر هشام بن الحكم في رجاله في أکثر من ثمانیة عشرة روایة، وکان یثق به، ویستند إلی روایاته. وفي استمرار حدیثه عن التقاریر التاریخیّة قال إنّ بعض الروایات التي تضعّف هشامًا إمّا غیر معتبرةٍ، وإمّا یمکن تأویلها، وهي غیر معتمدةٍ عند أهل السنّة أیضًا.
وتلامیذ هشام بن الحكم کانوا من أعلام العلماء في الكلام والعقائد والحدیث، وکانوا ینقلون کلامه ومناظراتِه وروایاته، ویعدّونه أستاذًا في علم الکلام، خصوصًا من خلال التزامه بالأصول العَقَدیّة، ومحاربته للبدع والانحرافات، إذ كان یتصدّی لأهل الانحراف والزندقة، ویردُّ علیهم بشدّة. ومن هؤلاء التلامیذ، یونس بن عبد الرحمن، وهو من أعلام الشیعة، المجمع علی وثاقته، وکان یقول: هشام کان شدیدًا علی المخالفین، وقد ألّفَتَ ثلاثين مؤلّفًا فی ردودِهِ ومناظراتِه. ومنهم علي بن إسماعیل المیثمي، وهو من المقربین من هشام وتلامذته حتی إنّه سجن بسببه، وله کتابٌ یُدعی (المجالس)، جمع فیه کلمات هشام وآرائهُ، وقدّم فیه وجوهًا بارزةً في علم الكلام فی تلك المرحلة. ومنهم أبو أحمد محمد بن أبي عمیر، ونشیط بن صالح بن لفافة، وعبد العظیم الحسني، وهم من الشخصیات البارزة عند الشیعة (رحمهم الله تعالی)، الذين نقلوا روایاتٍ کثیرةً عن هشام بن الحکم، الذي نقلها عن الصادق والكاظمC لا سيّما روایات التوحید والعقائد.
نموذج الکتب الکلامیّة التي خرجت من مدرسة الإمام الصادقA:
1- الردّ علی أصحاب الطبایع،لهشام بن الحکم.
2- الردّ علی أرسطاطالیس في التوحید، لهشام بن الحکم
3- کتاب الدلالة علی حدوث الأجسام، لهشام بن الحکم
4- الرّد علی الزنادقة، لهشام بن الحکم
5- الردّ علی الفلاسفة، للفضل بن شاذان
6- الردّ علی أرسطا طالیس لعلي بن أحمد الکوفي
7- الردّ علی أهل المنطق، للعباس بن محمد بن العباس
8- الرّد علی الفلاسفة، للعباس بن محمد بن العباس
9- الرّد علی من ردّ آثار الرسول واعتمد نتائج العقول، لهلال بن إبراهیم
10- مبتدأ الخلق، لمحمد بن أحمد بن إبراهیم الجعفري الکوفي.
11- الردّ علی أهل المنطق، لحسین بن موسی النوبختي
12- التوحید الکبیر والتوحید الصغیر، لحسین بن موسی النوبختي
هشام بن الحکم وطعنه علی الفلاسفة
ينقل يونس بن عبد الرحمن أنّ هشام بن الحكم كان قد طعن على الفلاسفة شيئًا.
عن يونس بن عبد الرحمن قال: «كان يحيى بن خالد البرمكي قد وجد على هشام بن الحكم شيئًا من طعنه على الفلاسفة، وأحبّ أن يُغريَ به هارون؛ فقال لهارون: إنّي قد استنبطت أمر هشام، فإذا هو يزعم أنّ لله إمامًا غيرك مفروضَ الطاعة، ويزعم أنّه لو أمره بالخروج لخرج. فقال هارون ليحيى: فاجمع عندك المتكلّمين، وأكون أنا من وراء الستر، فوجّه يحيى، فأشحن المجلس من المتكلّمين وكان فيهم صرار بن عمرو، وسلیمان بن حریز، ورأس الجالوت. فتناظروا، وتقاطعوا، وتناهوا إلى شاذٍّ من الكلام، وكان ذلك عن يحيى حیلةً على هشام.
فقال يحيى: أترضون في ما بينكم هشامًا حكَمًا؟ قالوا: قد رضينا. فقال يحيى: أنا أوجّه إليه، فأشخصه، فحكم لبعضهم على بعض، وكان من المحكومين عليه سليمان بن حزير، فحقدها على هشام. ثم إنّ يحيى سأل هشامًا أن يبين عن فساد اختيار الناس الإمام، وأنّ الإمامة في آل بيت الرسولJ دون غيرهم، فلما تکلّم هشام، وناظرهم تمعّر وجه هارون، وقال: شدّ يدك بهذا وأصحابه» [31].
ويظهر أنّ الطعن على الفلاسفة كان أمرًا مرغوبًا عنه عند رجال دولة بني العباس؛ لأنّهم كانوا يستخدمون هذا الفنّ في خلاف أهل البيت%.
ما هو معنى ما وردّ في ذمّ أهل علم الكلام
قد ورد بعض الأخبار عن الإمام الكاشف عن الآثار جعفر بن محمد الصادقA في ذمّ أهل الكلام: «عن الحضرمي قال سمعت أبا عبد اللهA يقول: يُهلك أصحاب الكلام، وينجو المسلّمون، إنّ المسلّمين هم النجباء. يقولون: هذا ينقاد وهذا لا ينقاد، أما والله لو علموا كيف كان أصل الخلق ما اختلف اثنان»[32].
قال العلّامة المجلسيwفي تبيين معنى الحديث الشريف: «بیان: أي يقول المتكلّمون لما أسّسوه بعقولهم الناقصة هذا ينقاد، أي يستقيم على أصولنا، وهذا لا ينقاد أي لا يجري على الأصول الكلاميّة. ويحتمل أن يكون إشارةً إلى ما يقوله أهل المناظرة في مجادلاتهم: سلّمنا هذا، ولكن لا نسلّم ذلك، والأول أظهر.
قولهA: «لو علموا كيف كان بدء الخلق»، لعلّ المراد أنّ مناظراتهم في حقائق الأشياء وكيفيّاتها، وكيفيّة صدورها عن الله تعالى إنّما هو لجهلهم بأصل الخلق، وإنّما يقولون بعقولهم، ويثبتون بأصولهم مقدّماتٍ فاسدةً ویبنون عليها تلك الأمور التي يرجع جلّ علم الكلام إليها، فلو كانوا عالمين بكيفيّة الخلق لما اختلفوا. ويحتمل أن يكون المراد العلم بكيفيّة خلق أفراد البشر، واختلاف أفهامهم واستعداداتهم، فلو علموا ذلك لم يتنازعوا، ولم يتشاجروا، ولم یكلّفوا احدًا التصدیق بما هو فوق طاقته، ولم يتعرضوا لفهم مالم يكلّفوا بفهمه»[33].
والظاهر بقرينة المقابلة بين أصحاب الكلام وأهل التسليم أنّ المقصود من أصحاب الكلام أولئك الذين راموا فهم الحقائق بعقولهم والتمسك بالقواعد الفلسفيّة والكلاميّة من دون الرجوع إلى كلمات أهل العصمة%.
تدلّ الروايات الشريفة على ذمّ علم الكلام إذا لم يكن مأخذه أخبار أهل البيت%:
منها: رواية أبي عبيدة الحذّاء قال: قال أبو جعفرA: «إيّاك وأصحاب الكلام والخصومات ومجالستهم؛ فإنّهم تركوا ما أُمروا بعلمه، وتكلّفوا ما لم يُأمروا بعلمه حتى تكلّفوا علم السماء ... » [34]. قال السيّد بن طاووس: «ويحتمل أن يكون المراد بهذا الحديث المتكلّمين الذين يطلبون بكلامهم ما لا يرضاه الله (جلّ جلاله)، أو يكونون ممّن يشغلهم الاشتغال بعلم الكلام عمّا هو واجبٌ عليهم من فرائض الله (جلَّ جلاله)»[35].
ولكن الأظهر أنّ المراد ذمّ علم الكلام الذي يأخذ من الأفكار والآراء غير ما صدر عن الأئمّة%، ويبتني على الدلائل الغريبة، والمبادي البعيدة استقلالًا عمّا هو حجّةٌ شرعيّة.
وروى الكشّي عن عبد الأعلى «قال قلت للصادقA: إنّ الناس يعيبون علَيَّ بالكلام، وأنا أكلّم الناس. قال: أمّا مثلك من يقع ثم يطير، فنعم، وأمّا من يقع ثم لا يطير، فلا» [36].
وعن هشام بن الحكم قال: «قال لي أبو عبد اللهA ما فعل ابن الطيّار؟ قلت: مات. قال: رحمه الله ولقّاه نضرةً وسرورًا، فقد كان شديد الخصومة عنا أهل البيت» [37].
وعن نضر بن الصباح قال: كان أبو عبد اللهA يقول لعبد الرحمن بن الحجّاج: «يا عبد الرحمن، كلّم أهل المدينة؛ فإنّي أحبُّ أن يُرى في رجال الشيعة مثلك ... » [38].
فهذه الروايات إنْ دلّت فإنّما تدلّ على إذن الإمام الصادقA لبعض تلاميذه المتخصّصين بالبحث والكلام والمناظرة، مثل هشام بن الحکم بأن يباحثوا ويناظروا، ونهي الإمامA عن التصدّي بالبحث والكلام لمن لا خبرويّة له بهذا الفن. روي عن الطيار قال: «قلت للصادقA بَلَغَني أنّك كرهت مناظرة الناس؟ فقال: أمّا مثلك فلا يكره من إذا طار يُحسن أن يقع، وإن وقع يُحسن أن يطير، فمن كان هكذا لا نكرهه» [39].
اهتمام الإمام بإبطال مقولات الطوائف المنحرفة
الظاهر من سيرة الإمام جعفر الصادق A أنه ركّز على إبطال مقولات ثلاث طوائف هي:
الطائفة الأولى: الغلاة وقد لعنهم، وتبرّأ منهم ومن مذهبهم، وأمر الشيعة بالابتعاد عنهم کالخطّابیّة الغرابیّة ورؤسائهم، کأبي الخطّاب، والمغیرة بن سعید، وأمثالهما، ومنهم الطیّارة والمفوّضة.
الطائفة الثانية: النواصب وأعداء أهل البيت%، والمبتدعون، وأصحاب الرأي والقياس کأبي حنیفة وقتادة.
الطائفة الثالثة: الصوفيّة، وأصحاب هذه الفرقة المنحرفة کسفیان الثوري والحسن البصري.
ونتیجة هذا المقال أنّ الإمام الصادقA رکّز أمر تبلیغ المعارف ونشر العقائد الحقّة والصحیحة، وإعداد الطلبة الأفذاذ في علم الكلام، وهدم مباني المنحرفین وأهمّهم الطوائف الثلاث المذکورة، أعني الغلاة والنواصب وأصحاب الرأي والقیاس والصوفیّة. فإنّ الدین لم یزل ولا یزال حتی الیوم یواجه مخاطر عدیدة من هؤلاء المضلّین والمنحرفین، ویجب علی العلماء والخطباء أن یقتدوا بإمامهم ورئیسهم جعفر بن محمد الصادقA ویعّرفوا الناس الحقَّ؛ لكي لا یمیلوا إلی هؤلاء. والله الهادي إلی سواء السبیل.
[1] سورة المائدة، الآية 27.
[2] علاء بن سیابة قال: سألت أبا عبد اللهA عن رجلٍ وکّلَ آخر في تزویج امرأةٍ، فخرج الألیف یلتمسها فأتاها الآخر فزوّجها من غیر علم الألیف، قال: «النکاح جائز».
[3] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي، 1/ 399، ح 1.
[4] المصدر نفسه، 1/ 399 ح 3.
[5] القمي، عباس، مفاتیح الجنان، زیارة الأمیر یوم الغدیر.
[6] الشريف الرضي، محمد بن الحسين، خطبه 97، نهج البلاغة.
[7]. مفاتیح الجنان، زیارة الأمیر یوم الغدیر.
[8] المصدر نفسه.
[9] القمي، عباس، بحار الأنوار، 97/365.
[10] المفيد، محمد بن محمد، الإرشاد، 2/116 .
[11] المصدر نفسه.
[12] المصدر الزمر، الآية 42.
[13] الخيمة الصغيرة.
[14] الكليني، محمد بن يعقوب، الكافي 1 / 171، ح 4.
[15] سورة العنکبوت، الآية 46.
[16] سورة النحل، الآية 125.
[17] سورة البقره، الآية 111.
[18] سورة البقرة، الآية 111.
[19] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، 2 / 125
[20] الكشي، محمد بن عمر، اختيار معرفة الرجال، 270، ش 486.
[21] النساء: 3.
[22] النساء: 129.
[23] الكليني، محمد بن يعقوب، الکافي، 1/ 172-173
[24] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، مجلد 4، صفحه 53.
[25] المامقاني، عبد الله، تنقيح المقال، 3/ 294.
[26] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار 47 / 369 ح 490؛ الكليني، محمد بن يعقوب، الکافي 1 / 39 ح 5.
[27] الكشي، محمد بن عمر، رجال الکشي، ص498.
[28] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، 47 / 370 ح 123 ؛ الكشي، محمد بن عمر، رجال الکشّي 2 / 547.
[29] الكليني، محمد بن يعقوب، الکافي مجلد 1، کتاب الحجة، حدیث 3.
[30] ابن شهرآشوب، محمد بن علي، معالم العلماء، ص128 .
[31] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، 48 / 189.
[32] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ٢ / ١٣٢.
[33] المصدر نفسه، 2/132 ح 23 .
[34] المصدر نفسه، ٢ / ١٣٧
[35] المصدر نفسه، 2 / 137
[36] المجلسي، محمد باقر، مرآة العقول في شرح أخبار آل الرسول 10 / 135 ؛ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار 2 / 136.
[37] المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ٢ / ١٣٦.
[38] القمي، عباس، سفينة البحار 7/ 524؛ المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار. 2 / 136
[39] القمي، عباس، سفينة البحار 7/ 524؛ بحار الأنوار 2 / 136 .